١٢ - ([اللهم] [إني] أعوذ برضاك من سخطك، و [أعوذ] بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). (مسلم وأبو عوانة).
النهي عن قراءة القرآن في السجود
وكان ﷺ ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، ويأمر بالاجتهاد والإكثار من الدعاء في هذا الركن؛ كما مضى في (الركوع).
وكان يقول: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء [فيه]). (مسلم وأبو عوانة والبيهقي).
إطالة السجود
وكان ﷺ يجعل سجوده قريبًا من الركوع في الطول، وربما بالغ في الإطالة لأمر عارض؛ كما قال بعض الصحابة:
(خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشي -[الظهر أو العصر]- وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم النبي ﷺ فوضعه [عند قدمه اليمنى]، ثم كبر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال: فرفعت رأسي [من بين الناس]؛ فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك [هذه] سجدة أطلتها؛ حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك قال: (كل ذلك لم يكن؛ ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته). (النسائي وابن عساكر والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
وفي حديث آخر: (كان ﷺ يصلي؛ فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا منعوهما؛ أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره وقال: (من أحبني فليحب هذين). (ابن خزيمة في صحيحه).
فضل السجود
وكان ﷺ يقول: (ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة)، قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؟ قال: (أرأيت لو دخلت صبرة فيها خيل دهم بهم، وفيها فرسٌ أغر محجل؛ أما كنت تعرفه منها؟) قال: بلى. قال: (فإن أمتي يومئذٍ غر من السجود محجلون من الوضوء). (أحمد بسند صحيح).
ويقول: (إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار؛ أمر الله الملائكة أن يخرجوا من يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود). (البخاري ومسلم).
السجود على الأرض والحصير
وكان يسجد على الأرض كثيرًا.
و (كان أصحابه يصلون معه في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدهم أن يمكن جبهته من الأرض؛ بسط ثوبه فسجد عليه). (مسلم وأبو عوانة).
وكان يقول: ( ... وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا فأينما أدركت رجلًا من أمتي
стр. 177
الصلاة؛ فعنده مسجده وعنده طهوره [وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم]). (أحمد والسراج والبيهقي بسند صحيح).
وكان ربما سجد في طين وماء وقد وقع له ذلك في صبح ليلة إحدى وعشرين من رمضان؛ حين أمطرت السماء، وسال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، فسجد ﷺ في الماء والطين، قال أبو سعيد الخدري: (فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته وأنفه أثر الماء الطين). (البخاري ومسلم).
و (كان يصلي على الخمرة) أحيانًا و (على الحصير) أحيانًا، و (صلى عليه -مرة- وقد سود من طول ما لبس). (البخاري ومسلم).
الرفع من السجود
ثم (كان ﷺ يرفع رأسه من السجود مكبرًا) وأمر بذلك (المسيء صلاته) فقال: (لا يتم صلاة لأحد من الناس حتى ... يسجد، حتى تطمئن مفاصله ثم يقول: (الله أكبر) ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا) و (كان يرفع يديه مع هذا التكبير) أحيانًا. (أحمد وأبو داود بسند صحيح).
ثم (يفرش رجله اليسرى فيقعد عليها [مطمئنًا]). (البخاري).
وأمر بذلك (المسيء صلاته) فقال له: (إذا سجدت فمكن لسجودك، فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى). (أحمد وأبو داود بسند جيد).
و (كان ينصب رجله اليمنى). (البخاري والبيهقي).
و (يستقبل بأصابعها القبلة). (النسائي بسند صحيح).
الإقعاء بين السجدتين
و (كان -أحيانًا- يقعي [ينتصب على عقبيه وصدور قدميه]). (مسلم وأبو عوانة).
وجوب الاطمئنان بين السجدتين
و (كان ﷺ يطمئن حتى يرجع كل عظم إلى موضعه). (أبو داود والبيهقي بسند صحيح).
أمر بذلك (المسيء صلاته)، وقال له: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك). (أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
و (كان يطيلها حتى تكون قريبًا من سجدته)، وأحيانًا (يمكث حتى يقول القائل: قد نسي). (البخاري ومسلم).
الأذكار بين السجدتين
وكان ﷺ يقول في هذه الجلسة:
١ - (اللهم (وفي لفظ: رب) اغفر لي، وارحمني، [واجبرني]، [وارفعني]، واهدني، [وعافني]، وارزقني). (أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي).
وتارة يقول:
٢ - (رب اغفر لي اغفر لي).
وكان يقولهما في (صلاة الليل). (ابن ماجه بسند جيد).
ثم (كان يكبر ويسجد السجدة الثانية) (البخاري ومسلم)، وأمر بذلك (المسيء صلاته) فقال له بعد أن أمره بالاطمئنان بين السجدتين كما سبق:
стр. 178
(ثم تقول: (الله أكبر، ثم تسجد حتى تطمئن مفاصلك، [ثم افعل ذلك في صلاتك كلها]). (أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. والزيادة للبخاري ومسلم).
و (كان ﷺ يرفع يديه مع هذا التكبير) أحيانًا. (أبو عوانة وأبو داود بسندين صحيحين).
وكان يصنع في هذه السجدة مثل ما صنع في الأولى، ثم (يرفع رأسه مكبرًا). (البخاري ومسلم).
وأمر بذلك (المسيء صلاته)، فقال له بعد أن أمره بالسجدة الثانية كما مر: (ثم يرفع رأسه فيكبر). (أبو داود وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي)، وقال له:
([ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة]، فإذا فعلت ذلك؛ فقد تمت صلاتك، وإن أنقصت منه شيئًا؛ أنقصت من صلاتك). (أحمد والترمذي وصححه).
و (كان يرفع يديه) أحيانًا. (أبو عوانة وأبو داود بسندين صحيحين).
جلسة الاستراحة
ثم (يستوي قاعدًا [على رجله اليسرى معتدلًا؛ حتى يرجع كل عظم إلى موضعه]). (البخاري وأبو داود).
الاعتماد على اليدين في النهوض إلى الركعة
ثم (كان ﷺ ينهض معتمدًا على الأرض إلى الركعة الثانية). (الشافعي والبخاري).
و (كان يعجن في الصلاة: يعتمد على يديه إذا قام). (أبو إسحاق).
و (كان ﷺ إذا نهض في الركعة الثانية استفتح بـ الحمد لله ولم يسكت). (مسلم وأبو عوانة).
وكان يصنع في هذه الركعة مثل ما يصنع في الأولى؛ إلا أنه كان يجعلها أقصر من الأولى كما سبق.
وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة
وقد أمر (المسيء صلاته) بقراءة الفاتحة في كل ركعة؛ حيث قال له بعد أن أمره بقراءتها في الركعة الأولى:
(ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (أبو داود وأحمد بسند قوي) (وفي رواية: (في كل ركعة)
وقال: (في كل ركعة قراءة). (ابن ماجة وابن حبان في صحيحه).
التشهد الأول
جلسة التشهد
ثم كان ﷺ يجلس للتشهد بعد الفراغ من الركعة الثانية، فإذا كانت الصلاة ركعتين كالصبح؛ (جلس مفترشًا). (النسائي بسند صحيح).
(كما كان يجلس بين السجدتين وكذلك (يجلس في التشهد الأول) من الثلاثية أو الرباعية. (البخاري وأبو داود).
وأمر بذلك (المسيء صلاته) فقال له: (فإذا جلست في وسط الصلاة؛ فاطمئن وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد). (أبو داود والبيهقي بسند جيد).
وقال أبو هريرة ﵁: (ونهاني خليلي ﷺ عن إقعاء كإقعاء الكلب). (الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة).
стр. 179
وفي حديث آخر: (كان ينهى عن عقبة الشيطان). (مسلم وأبو عوانة).
و (كان إذا قعد في التشهد؛ وضع كفه اليمنى على فخذه (وفي رواية: ركبته) اليمنى، ووضع كفه اليسرى على فخذه (وفي رواية: ركبته) اليسرى؛ [باسطها عليها]). (مسلم وأبو عوانة).
و (كان ﷺ يضع حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى). (أبو داود والنسائي بسند صحيح).
و (نهى رجلًا وهو جالس معتمد على يده اليسرى في الصلاة فقال: (إنها صلاة اليهود). (البيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
وفي لفظ: (لا تجلس هكذا؛ إنما هذه جلسة الذين يعذبون). (أحمد وأبو داود بسند جيد).
وفي حديث آخر: (هي قعدة المغضوب عليهم). (عبد الرزاق، وصححه عبد الحق في أحكامه).
تحريك الإصبع في التشهد
و (كان ﷺ يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى ويقبض أصابع كفه اليمنى كلها ويشير بإصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة ويرمي ببصره إليها). (مسلم وأبو عوانة).
و (كان إذا أشار بإصبعه وضع إبهامه على إصبعه الوسطى). (مسلم وأبو عوانة).
وتارة (كان يحلق بهما حلقة). (أبو داود والنسائي وابن الجارود وابن حبان في صحيحه).
و (كان رفع إصبعه يحركها يدعو بها) (أبو داود وابن حبان في صحيحه). ويقول: (لهي أشد على الشيطان من الحديد. يعني: السبابة). (أحمد والبزار وأبو جعفر).
و (كان أصحاب النبي ﷺ يأخذ بعضهم على بعض. يعني: الإشارة بالإصبع في الدعاء). (ابن أبي شيبة بسند حسن).
و (كان ﷺ يفعل ذلك في التشهدين جميعًا). (النسائي والبيهقي بسند صحيح).
و (رأى رجلًا يدعو بإصبعيه فقال: (أحد [أحد]) [وأشار بالسبابة]). (ابن أبي شيبة والنسائي وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي).
وجوب التشهد الأول ومشروعية الدعاء فيه
ثم (كان ﷺ يقرأ في كل ركعتين (التحية). (مسلم وأبو عوانة).
و (كان أول ما يتكلم به عند القعدة: (التحيات لله). (البيهقي بإسناد جيد).
و (كان إذا نسيها في الركعتين؛ الأوليين يسجد للسهو). (البخاري ومسلم).
وكان يأمر بها فيقول: (إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات إلخ ... وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه، إليه فليدع الله [به]) (النسائي وأحمد والطبراني بسند صحيح)، وفي لفظ: (قولوا في كل جلسة: التحيات). وأمر به (المسيء صلاته) أيضًا؛ كما تقدم آنفًا.
و (كان ﷺ يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن). (البخاري ومسلم)، و (السنة إخفاؤه). (أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).
صيغ التشهد
وعلمهم ﷺ أنواعًا من صيغ التشهد:
١ - (تشهد ابن مسعود: قال: (علمني رسول الله ﷺ التشهد -[و] كفي بين كفيه - كما يعلمني السورة من القرآن:
стр. 180
(التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، [فإنه إذا قال ذلك؛ أصاب كل عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض]، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) [وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا: السلام على النبي]. (البخاري ومسلم).
٢ - تشهد ابن عباس: قال:
كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا [السورة من] القرآن فكان يقول:
(التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، [ال] سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، [ال] سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله و [أشهد] أن محمدًا رسول الله. وفي رواية: عبده ورسوله). (مسلم وأبو عوانة والشافعي).
٣ - تشهد ابن عمر: عن رسول الله ﷺ أنه قال في التشهد: (التحيات لله، [و] الصلوات [و] الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله -قال ابن عمر: زدت فيها: وبركاته- السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله -قال ابن عمر: وزدت فيها: وحده لا شريك له- وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله). (أبو داود والدارقطني وصححه).
٤ - تشهد أبي موسى الأشعري: قال: قال رسول الله ﷺ : ( ... وإذا كان عند القعدة؛ فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله [سبع كلمات عن تحية الصلاة]. (مسلم وأبو عوانة).
٥ - تشهد عمر بن الخطاب؛ كان ﵁ يعلم الناس التشهد وهو على المنبر يقول: قولوا:
(التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات [لله]، السلام عليك ... ) إلخ؛ مثل تشهد ابن مسعود. (مالك والبيهقي بسند صحيح).
٦ - (ابن أبي شيبة والسراج والبيهقي) تشهد عائشة: قال القاسم بن محمد كانت عائشة تعلمنا التشهد وتشير بيدها تقول:
(التحيات، الطيبات، الصلوات، الزاكيات لله، السلام على النبي ... ) إلخ تشهد ابن مسعود.
الصلاة على النبي ﷺ ، وموضعها، وصيغها
وكان ﷺ يصلي على نفسه في التشهد الأول وغيره. (أبو عوانة في صحيحه).
وسنّ ذلك لأمته؛ حيث أمرهم بالصلاة عليه بعد السلام عليه، وعلمهم أنواعا من صيغ الصلاة عليه ﷺ :
١ - (اللهم صل على محمد وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل بيته، وعلى أزواجه وذريته؛ كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد). (أحمد والطحاوي بسند صحيح).
وهذا كان يدعو به هو نفسه ﷺ .
٢ - (اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد؛ كما صليت على [إبراهيم وعلى] آل إبراهيم،
стр. 181
إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد؛ كما باركت على [إبراهيم، وعلى] آل إبراهيم إنك حميد مجيد). (البخاري ومسلم).
٣ - اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم [وآل إبراهيم]، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد؛ كما باركت على [إبراهيم و] وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد). (أحمد والنسائي وأبو يعلى).
٤ - (اللهم صل على محمد [النبي الأمي]، وعلى آل محمد؛ كما صليت على [آل] إبراهيم، وبارك على محمد [النبي الأمي] وعلى آل محمد، كما باركت على [آل] إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد). (مسلم وأبو عوانة).
٥ - (اللهم صل على محمد عبدك ورسولك؛ كما صليت على [آل] إبراهيم، وبارك على محمد [عبدك ورسولك]، [وعلى آل محمد]؛ كما باركت على إبراهيم [وعلى آل إبراهيم]). (البخاري والنسائي والطحاوي وأحمد).
٦ - (اللهم صل على محمد و [على] أزواجه وذريته؛ كما صليت على [آل] إبراهيم وبارك على محمد و [على] أزواجه وذريته؛ كما باركت على [آل] إبراهيم، إنك حميد مجيد). (البخاري ومسلم).
٧ - (اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد). (النسائي والطحاوي).
فوائد مهمة في الصلاة على نبي الأمة
الفائدة الأولى: من الملحوظ أن أكثر هذه الأنواع من صيغ الصلاة عليه ﷺ ليس فيها ذكر إبراهيم نفسه مستقلًا عن آله، وإنما فيها: (كما صليت على آل إبراهيم)، والسبب في ذلك أن آل الرجل في اللغة العربية يتناول الرجل كما يتناول غيره ممن يؤوله؛ كما في قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) آل عمران (٣٣)، وقوله: (إلا آل لوط نجيناهم بسحر) القمر (٣٤) ومنه قوله ﷺ : (اللهم صل على آل أبي أوفى) وكذلك لفظ أهل البيت كقوله تعالى: (رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت) هود (٧٣) فإن إبراهيم داخل فيهم.
قال (شيخ الإسلام): (ولهذا جاء في أكثر الألفاظ: (كما صليت على آل إبراهيم)، و (كما باركت على آل إبراهيم)، وجاء في بعضها: (إبراهيم) نفسه؛ لأنه هو الأصل في الصلاة والزكاة، وسائر أهل بيته إنما يحصل ذلك تبعًا، وجاء في بعضها ذكر هذا وهذا تنبيهًا على هذين).
إذا علمت ذلك؛ فقد اشتهر التساؤل بين العلماء عن وجه التشبيه في قوله: (كما صليت) إلخ؛ لأن المقرر أن المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه إذ أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم، وقضية كونه أفضل، أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل، وأجاب العلماء عن ذلك بأجوبة كثيرة تراها في (الفتح) و (الجلاء).
وقد بلغت نحو عشرة أقوال؛ بعضها أشد ضعفًا من بعض؛ إلا قولًا واحدًا، فإنه قوي واستحسنه شيخ الإسلام وابن القيم، وهو قول من قال:
стр. 182
(عن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طلب للنبي ﷺ ولآله مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء، حصل لآل محمد من ذلك ما يليق بهم، فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء -وفيهم إبراهيم- لمحمد ﷺ فيحصل له من المزية ما لا يحصل لغيره).
قال ابن القيم:
(وهذا أحسن من كل ما تقدم وأحسن منه أن يقال: محمد ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم؛ كما روى علي بن طلحة عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾ [آل عمران: ٣٣]، قال ابن عباس: (محمد من آل إبراهيم)، وهذا نص، إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في؛ آله فدخول رسول الله ﷺ أولى، فيكون قولنا: (كما صليت على آل إبراهيم) متناولًا للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا الله تعالى أن نصلي عليه وعلى آله خصوصًا؛ بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ ، قال: ولا ريب أن الصلاة الخاصة لآل إبراهيم ورسول الله ﷺ معهم أكمل من الصلاة الحاصلة لهم دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعًا، ويظهر حينئذٍ فائدة التشبيه وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه؛ صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره وإنضاف إلى ذلك مما له من المشبه به من الحصة التي لم تحصل لغيره، فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم وعلى كل من آله -وفيهم النبيون- ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له، وهي من موجباته ومقتضياته، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته، اللهم صل على محمد وعلى آله محمد؛ كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد).
الفائدة الثانية: ويرى القارئ الكريم أن هذه الصيغ على اختلاف أنواعها فيها كلها الصلاة على آل النبي ﷺ وأزواجه وذريته معه ﷺ ؛ فلذلك فليس من السنة ولا يكون منفذًا للأمر النبوي من اقتصر على قوله: (اللهم صل على محمد) فحسب؛ بل لا بد من الإتيان بإحدى هذه الصيغ كاملة كما جاءت عنه ﷺ لا فرق في ذلك بين التشهد الأول والآخر، وهو نص الإمام الشافعي في (الأم) (١/ ١٠٢) فقال:
(والتشهد في الأولى والثانية لفظ واحد لا يختلف، ومعنى قولي (التشهد) التشهد والصلاة على النبي ﷺ لا يجزيه أحدهما عن الآخر).
وأما حديث: (كان لا يزيد في الركعتين على التشهد)؛ فهو حديث منكر كما حققته في (الضعيفة) (٥١٨٦).
وإن من عجائب هذا الزمن، ومن الفوضى العلمية؛ فيه أن يجرؤ بعض الناس -وهو الأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي في كتابه: (الإسلام الصحيح) - على إنكار الصلاة على الآل في الصلاة عليه ﷺ ؛ على الرغم من ورود ذلك في (الصحيحين) وغيرهما عن جمع من الصحابة؛ منهم كعب بن عجرة وأبو حميد الساعدي، وأبو سعيد الخدري وأبو مسعود الأنصاري، وأبو هريرة وطلحة بن عبيد الله، وفي أحاديثهم أنهم سألوا النبي ﷺ : (كيف نصلي عليك؟) فعلمهم ﷺ هذه الصيغ، وحجته في الإنكار أن الله تعالى لم
стр. 183
يذكر في قوله: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ مع النبي ﷺ أحدًا، ثم أنكر وبالغ في الإنكار أن يكون الصحابة قد سألوه ﷺ ذلك السؤال؛ لأن الصلاة معروفة المعنى عندهم وهو الدعاء، فكيف يسألونه؟! وهذه مغالطة مكشوفة؛ لأن سؤالهم لم يكن على معنى الصلاة عليه حتى يرد ما ذكره، وإنما كان عن كيفية الصلاة عليه؛ كما جاء في جميع الروايات على ما سبقت الإشارة إليه، وحينئذ فلا غرابة؛ لأنهم سألوه عن كيفية شرعية لا يمكنهم معرفتها إلا من طريق الشارع الحكيم العليم، وهذا كما لو سألوه عن كيفية الصلاة المفروضة بمثل قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾، فإن معرفتهم لأصل معنى الصلاة في اللغة لا يغنيهم عن السؤال عن كيفيتها الشرعية وهذا بين لا يخفى.
وأما حجته المشار إليها فلا شيء؛ ذلك لأنه من المعلوم عند المسلمين أن النبي ﷺ هو المبين لكلام رب العالمين؛ كما قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل:٤٤] فقد بين ﷺ كيفية الصلاة عليه وفيها ذكر الآل، فوجب قبول ذلك منه لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧]، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح المشهور: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) وهو مخرج في (تخريج المشكاة) (١٦٣ و٤٢٤٧).
وليت شعري ماذا يقول النشاشيبي -ومن قد يغتر ببهرج كلامه- فيمن عسى أن ينكر التشهد في الصلاة، أو أنكر على الحائض ترك الصلاة والصوم في حيضها؟! أبدعوى أن الله لم يذكر التشهد في القرآن، وإنما ذكر القيام والركوع والسجود فقط وأنه تعالى لم يسقط في القرآن الصلاة والصوم عن الحائض، فالواجب عليها القيام بذلك فهل يوافقون هذا المنكر في إنكاره؛ أم ينكرون عليه ذلك؟ فإن كان الأول -وذلك مما لا نرجوه- فقد ضلوا ضلالًا بعيدًا، وخرجوا عن جماعة المسلمين، وإن كان الآخر فقد وفقوا وأصابوا، فما ردوا به على المنكر؛ فهو ردنا على النشاشيبي، وقد بينا لك وجه ذلك.
فحذار أيها المسلم أن تحاول فهم القرآن مستقلًا عن السنة، فإنك لن تستطيع ذلك ولو كنت في اللغة سيبويه زمانك، وهاك المثال أمامك؛ فإن النشاشيبي هذا كان من كبار علماء اللغة في القرن الحاضر، فأنت تراه قد ضل حين اغتر بعلمه في اللغة، ولم يستعن على فهم القرآن بالسنة، بل إنه أنكرها كما عرفت، والأمثلة على ما نقول كثيرة جدًا لا يتسع المقام لذكرها، وفيما سبق كفاية. والله الموفق.
الفائدة الثالثة: ويرى القارئ أيضًا أنه ليس في شيء منها لفظ: (السيادة)، ولذلك اختلف المتأخرون في مشروعية زيادتها في الصلوات الإبراهيمية، ولا يتسع المجال الآن لنفصل القول في ذلك، وذكر من ذهب إلى عدم مشروعيتها؛ اتباعًا لتعليم النبي ﷺ الكامل لأمته حين سئل عن كيفية الصلاة عليه ﷺ ؟ فأجاب آمرًا بقوله: (قولوا: اللهم صل على محمد ... ) ولكني أريد أن أنقل إلى القراء الكرام هنا رأي الحافظ ابن حجر العسقلاني في ذلك؛ باعتباره أحد كبار علماء الشافعية الجامعين بين الحديث والفقه، فقد شاع لدى متأخري الشافعية خلاف هذا التعليم النبوي الكريم.
فقال الحافظ محمد بن محمد بن محمد الغرابيلي (٧٩٠ - ٨٣٥) وكان ملازمًا لابن حجر - قال رحمه ومن خطه نقلت:
وسئل (أي الحافظ ابن حجر) أمتع الله بحياته عن صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة أو خارج الصلاة، سواء قيل بوجوبها أو ندبيتها؛ هل يشترط فيها أن يصفه ﷺ بالسيادة؛ كأن يقول مثلًا: اللهم
стр. 184
صل على سيدنا محمد، أو على سيد الخلق، أو على سيد ولد آدم؟ أو يقتصر على قوله: اللهم صل على محمد؟ وأيهما أفضل: الإتيان بلفظ السيادة لكونها صفة ثابتة له ﷺ ، أو عدم الإتيان به لعدم ورود ذلك في الآثار؟
فأجاب ﵁: نعم؛ اتباع الألفاظ المأثورة أرجح ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعًا منه ﷺ ؛ كما لم يكن يقول عند ذكره ﷺ : ﷺ ، وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذكر؛ لأنا نقول: لو كان ذلك راجحًا؛ لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين، ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم قال ذلك؛ مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك، وهذا الإمام الشافعي -أعلى الله درجته وهو من أكثر الناس تعظيمًا للنبي ﷺ قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه: (اللهم صل على محمد) إلى آخره ما أداه إليه اجتهاده، وهو قوله: كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون، وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه: (سبحان الله عدد خلقه)، فقد ثبت أنه ﷺ قال لأم المؤمنين -ورآها قد أكثرت التسبيح وأطالته-: (لقد قلت بعدك كلمات؛ لو وزنت بما قلت لوزنتهن)، فذكر ذلك وكان ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء.
وقد عقد القاضي عياض بابًا في صفة الصلاة على النبي ﷺ في كتاب (الشفاء)، ونقل فيها آثارًا مرفوعة عن جماعة من الصحابة والتابعين؛ ليس في شيء منها عن أحد من الصحابة وغيرهم لفظ: (سيدنا).
منها حديث علي أنه كان يعلمهم كيفية الصلاة على النبي ﷺ ، فيقول: اللهم داحي المدحوات وباري المسموكات اجعل سوابق صلواتك، ونوامي بركاتك، وزائد تحيتك على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق.
وعن علي أنه كان يقول: صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين، والصديقين والشهداء والصالحين، وما سبح لك من شيء يا رب العالمين على محمد بن عبد الله خاتم النبيين وإمام المتقين .. الحديث.
وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: اللهم اجعل صلواتك، وبركاتك ورحمتك على محمد عبدك ورسولك، إمام الخير ورسول الرحمة ... الحديث.
وعن الحسن البصري أنه كان يقول: من أراد أن يشرب بالكأس الأروى من حوض المصطفى؛ فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأولاده وذريته وأهل بيته وأصهاره وأنصاره وأشياعه ومحبيه. فهذا ما أوثره من (الشفاء)؛ مما يتعلق بهيئة الصلاة عليه عن الصحابة ومن بعدهم، وذكر فيه غير ذلك.
نعم؛ ورد في حديث ابن مسعود أنه كان يقول في صلاته على النبي ﷺ : اللهم اجعل فضائل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين ... الحديث. أخرجه ابن ماجه؛ ولكن إسناده ضعيف، وحديث علي المشار إليه أولًا أخرجه الطبراني بإسناد ليس له بأس، وفيه ألفاظ غريبة رويتها مشروحة في كتاب (فضل النبي ﷺ لأبي الحسن بن الفارس وقد ذكر الشافعية أن رجلًا لو حلف ليصلين على النبي ﷺ أفضل الصلاة؛ فطريق البر أن يصلي على النبي ﷺ : اللهم صل على محمد كلما ذكره الذاكرون، وسها عن ذكره الغافلون. وقال النووي: والصواب الذي ينبغي الجزم به أن يقال: اللهم صل على محمد وعلى
стр. 185
آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم ... الحديث.
وقد تعقبه جماعة من المتأخرين؛ بأنه ليس في الكيفيتين المذكورتين ما يدل على ثبوت الأفضلية فيهما من حيث النقل، وأما من حيث المعنى؛ فالأفضلية ظاهرة في الأول.
والمسألة مشهورة في كتب الفقه، والغرض منها أن كل من ذكر هذه المسألة من الفقهاء قاطبة؛ لم يقع في كلام أحد منهم: (سيدنا)، ولو كانت هذه الزيادة مندوبة؛ ما خفيت عليهم كلهم حتى أغفلوها، والخير كله في الاتباع، والله أعلم).
قلت: وما ذهب إليه الحافظ ابن حجر ﵀ من عدم مشروعية تسويده ﷺ في الصلاة عليه اتباعًا للأمر الكريم، وهو الذي عليه الحنفية؛ هو الذي ينبغي التمسك به؛ لأنه الدليل الصادق على حبه ﷺ ، ﴿قل إن كنتم تحبوني فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١].
ولذلك قال الإمام النووي في (الروضة) (١/ ٢٦٥):
(وأكمل الصلاة على النبي ﷺ : اللهم صل على محمد ... ) إلخ وفق النوع الثالث المتقدم فلم يذكر فيه (السيادة).
الفائدة الرابعة: واعلم أن النوع الأول من صيغ الصلاة عليه ﷺ -وكذا النوع الرابع- هو ما علمه رسول الله ﷺ أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه ﷺ ، وقد استدل بذلك على أنها أفضل الكيفيات في الصلاة عليه ﷺ ، لأنه لا يختار لهم -ولا لنفسه- إلا الأشرف والأفضل، ومن ثم صوب النووي في (الروضة) أنه لو حلف ليصلين عليه ﷺ أفضل الصلاة لم يبر إلا بتلك الكيفية، ووجه السبكي بأنه من أتى بها فقد صلى على النبي ﷺ بيقين، وكل من جاء بلفظ غيرها؛ فهو من إتيانه بالصلاة المطلوبة في شك؛ لأنهم قالوا: كيف نصلي عليه قال: (قولوا: ... ) فجعل الصلاة عليه منهم هي قولهم كذا. انتهى.
ذكره الهيثمي في (الدر المنضود) (ق ٢٥/ ٢) ثم ذكرا (ق ٢٧/ ١) أن المقصود يحصل بكل من هذه الكيفيات التي جاءت في الأحاديث الصحيحية.
الفائدة الخامسة: واعلم أنه لا يشرع تلفيق صيغة صلاة واحدة من مجموع هذه الصيغ، وكذلك يقال في صيغ التشهد المتقدمة، بل ذلك بدعة في الدين، إنما السنة أن يقول هذا تارة، وهذا تارة؛ كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في بحث له في التكبير في العيدين (مجموع) (٦٩/ ٢٥٣/١).
الفائدة السادسة: قال العلامة صديق حسن خان في كتابه (نزل الأبرار بالعلم المأثور من الأدعية والأذكار) بعد أن ساق أحاديث كثيرة في فضل الصلاة على النبي ﷺ والإكثار منها - قال (ص ١٦١).
(لا شك في أن أكثر المسلمين صلاة عليه ﷺ هم أهل الحديث ورواة السنة المطهرة، فإن من وظائفهم في هذا العلم الشريف الصلاة عليه أمام كل حديث ولا يزال لسانهم رطبًا بذكره ﷺ ، وليس كتاب من كتب السنة، ولا ديوان من دواوين الحديث -على اختلاف أنواعها؛ من (الجوامع) و (المسانيد) و (المعاجم) و (الأجزاء) وغيرها- إلا وقد اشتمل على آلاف الأحاديث حتى إن أخصرها حجمًا كتاب (الجامع الصغير) للسيوطي فيه عشرة آلاف حديث وقس على ذلك سائر الصحف النبوية فهذه العصابة الناجية والجماعة الحديثية أولى الناس برسول الله ﵌ يوم القيامة، وأسعدهم بشفاعته ﷺ -بأبي هو وأمي- ولا يساويهم في هذه الفضيلة أحد من الناس إلا من جاء بأفضل مما جاؤوا به، ودونه خرط
стр. 186
القتاد، فعليك يا باغي الخير! وطالب النجاة بلا ضير أن تكون محدثًا أو متطفلًا على المحدثين وإلا فلا تكن ... فليس فيما سوى ذلك من عائدة تعود إليك).
قلت: وأنا أسأل الله ﵎ أن يجعلني من هؤلاء المحدثين الذين هم أولى الناس برسول الله ﷺ ، ولعل هذا الكتاب من الأدلة على ذلك، ورحم الله الإمام أحمد إمام السنة الذي أنشد:
دين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى آثار
لا ترغبن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى أثر الهدى ... والشمس بازغة لها أنوار
وكذلك سن لهم الدعاء في هذا المتشهد وغيره، فقال ﷺ : (إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: (التحيات لله ... ) (فذكرها إلى آخرها ثم قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه). (النسائي والطبراني وأحمد وهو مخرج في (الصحيحة).
القيام إلى الركعة الثالثة ثم الرابعة
ثم كان ﷺ ينهض إلى الركعة الثالثة مكبرًا وأمر به (المسيء صلاته) في قوله: (ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة) كما تقدم. (البخاري ومسلم).
و (كان ﷺ إذا قام من القعدة كبر، ثم قام). (أبو يعلى بسند جيد وهو مخرج في (الصحيحة).
و (كان ﷺ يرفع يديه) مع هذا التكبير أحيانًا. (البخاري وأبو داود).
و (كان إذا أراد القيام إلى الركعة الرابعة؛ قال: (الله أكبر)، وأمر به (المسيء صلاته) كما تقدم آنفًا. (البخاري وأبو داود).
و (كان ﷺ يرفع يديه). مع هذا التكبير أحيانًا. (أبو عوانة والنسائي بسند صحيح).
ثم (كان يستوي قاعدًا على رجله اليسرى معتدلًا حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم يقوم معتمدًا على الأرض). (البخاري وأبو داود).
و (كان يعجن يعتمد على يديه إذا قام). (الحربي في (غريب الحديث) ومعناه عند البخاري).
و (كان يقرأ في كل من الركعتين: الفاتحة)، وأمر بذلك (المسيء صلاته)، وكان ربما أضاف إليهما في صلاة الظهر بضع آيات؛ كما سبق بيانه في القراءة في (صلاة الظهر).
القنوت في الصلوات الخمس للنازلة
و (كان ﷺ إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد؛ قنت في الركعة الأخيرة بعد الركوع؛ إذا قال: (سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد) و (كان يجهر بدعائه) (البخاري وأحمد).
و (يرفع يديه). (أحمد والطبراني بسند صحيح).
و (يؤمن من خلفه) (أبو داود والسراج وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).
و (كان يقنت في الصلوات الخمس كلها) (أبو داود والسراج والدارقطني)؛ لكنه (كان لا يقنت فيها إلا إذا دعا لقوم؛ أو على قوم) (ابن خزيمة في صحيحه)، فربما قال: (اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف، [اللهم العن لحيان ورعلًا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله]. (أحمد والبخاري والزيادة لمسلم).
стр. 187
ثم (كان يقول -إذا فرغ من القنوت-: (الله أكبر)، فيسجد). (النسائي وأحمد).
القنوت في الوتر
و (كان ﷺ يقنت في ركعة الوتر) أحيانًا. (ابن نصر والدارقطني بسند صحيح). و (يجعله قبل الركوع). (ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي).
وعلم الحسن بن علي ﵁ أن يقول [إذا فرغ من قراءته في الوتر]:
(اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت؛ وقني شر ما قضيت، [فـ] إنك تقضي ولا يقضي عليك، [و] إنه لا يذل من واليت، [ولا يعز من عاديت]-هذه الزيادة ثابتة في الحديث؛ كما قال الحافظ في (التلخيص) -، تباركت ربنا وتعاليت، [لا منجا منك إلا إليك]). (ابن خزيمة وكذا ابن أبي شيبة).
التشهد الأخير
وجوب التشهد
ثم كان ﷺ بعد أن يتم الركعة الرابعة يجلس للتشهد الأخير.
وكان يأمر فيه بما أمر به في الأول، ويصنع فيه ما كان يصنع في الأول؛ إلا أنه (كان يقعد فيه متوركًا)؛ (البخاري) (يفضي بوركه اليسرى إلى الأرض، ويخرج قدميه من ناحية واحدة). (أبو داود والبيهقي بسند صحيح).
و (يجعل اليسرى تحت فخذه وساقه) (مسلم وأبو عوانة)، و (ينصب اليمنى)، وربما (فرشها) (مسلم وأبو عوانة) أحيانًا.
و (كان يلقم كفه اليسرى ركبته يتحامل عليها). (مسلم وأبو عوانة).
وسن فيه الصلاة عليه ﷺ ؛ كما سن ذلك في التشهد الأول، وقد مضى هناك ذكر الصيغ الواردة في صفة الصلاة عليه ﷺ .
وجوب الصلاة على النبي ﷺ
وقد (سمع ﷺ رجلًا يدعو في صلاته؛ لم يمجد الله تعالى، ولم يصل على النبي ﷺ فقال: (عجل هذا) ثم دعاه فقال له ولغيره: (إذا صلى أحدكم؛ فليبدأ بتحميد ربه جل وعز، والثناء عليه، ثم يصلي وفي رواية: ليصل) على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء). (أحمد وأبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
و (سمع رجلًا يصلي، فمجد الله، وحمده، وصلى على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (ادع تجب وسل تعط). (النسائي بسند صحيح).
وجوب الاستعاذة من أربع قبل الدعاء
وكان ﷺ يقول: (إذا فرغ أحدكم من التشهد [الآخر]؛ فليستعذ بالله من أربع؛ [يقول: اللهم إني أعوذ بك] من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر [فتنة] المسيح الدجال، [ثم يدعو لنفسه بما بدا له]). (مسلم وأبو عوانة والنسائي وابن الجارود).
و (كان ﷺ يدعو به في تشهده). (أبو داود وأحمد بسند صحيح).
و (كان يعلمه الصحابة ﵃ كما يعلمهم السورة من القرآن). (مسلم وأبو عوانة).
стр. 188
الدعاء قبل السلام وأنواعه
وكان ﷺ يدعو في صلاته بأدعية متنوعة؛ تارة بهذا، وتارة بهذا، وأقر أدعية أخرى، و (أمر المصلي أن يتخير منها ما شاء) (البخاري ومسلم). وهاك هي:
١ - (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم). (البخاري ومسلم).
٢ - (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل [بعد]). (النسائي بسند صحيح).
٣ - (اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا). (أحمد والحاكم وصححه؛ ووافقه الذهبي).
٤ - (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق؛ أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق (وفي رواية: الحكم) والعدل في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يبيد، وأسألك قرة عين [لا تنفد و] لا تنقطع، وأسألك الرضى بعض القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك و [أسألك] الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين). (النسائي، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
٥ - وعلم ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ أن يقول: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم). (البخاري ومسلم).
٦ - وأمر عائشة ﵂ أن تقول: (اللهم إني أسألك من الخير كله؛ [عاجله وآجله]؛ ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله؛ [عاجله وآجله]؛ ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك (وفي رواية: اللهم إني أسألك) الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك (وفي رواية: اللهم إني أسألك) من [الـ] خير ما سألك عبدك ورسولك [محمد، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد ﷺ ]، [وأسألك] ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته [لي] رشدًا). (أحمد، والطيالسي، والبخاري في (الأدب المفرد) وقد خرجته في الصحيحة).
٧ - و (قال لرجل: (ما تقول في الصلاة؟) قال: أتشهد، ثم أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أما والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال ﷺ : (حولها ندندن). (أبو داود، وابن ماجه وابن خزيمة بسند صحيح).
٨ - وسمع رجلًا يقول في تشهده: (اللهم إني أسألك يا الله (وفي رواية: بالله) [الواحد] الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم. فقال ﷺ : (قد غفر له قد غفر له). (أبو داود والنسائي وأحمد وأبن خزيمة).
٩ - وسمع آخر يقول في تشهده أيضًا:
(اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت [وحدك لا شريك لك]، [المنان]، [يا] بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم [إني أسألك] [الجنة، وأعوذ بك من النار]. [فقال النبي ﷺ لأصحابه: (تدرون بما دعا؟) قالوا الله ورسوله أعلم. قال: [والذي نفسي بيده]؛ لقد دعا
стр. 189
الله باسمه العظيم (وفي رواية: الأعظم) الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى). (أبو داود والنسائي وأحمد والبخاري في الأدب المفرد).
١٠ - وكان من آخر ما يقول بين التشهد و التسليم: (اللهم اغفر ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت). (مسلم وأبو عوانة).
التسليم
ثم (كان ﷺ يسلم عن يمينه: (السلام عليكم ورحمة الله) [حتى يُرى بياض خده الأيمن] وعن يساره: (السلام عليكم ورحمة الله) [حتى يرى بياض خده الأيسر]). (مسلم بنحوه وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه).
وكان أحيانًا يزيد في التسليمة الأولى: (وبركاته). (أبو داود وابن خزيمة بسند صحيح).
و (كان إذا قال عن يمينه: (السلام عليكم ورحمة الله) (النسائي وأحمد والسراج بسند صحيح) اقتصر -أحيانًا - (على قوله عن يساره: (السلام عليكم). وأحيانًا (كان يسلم تسليمة واحدة: [(السلام عليكم)] [تلقاء وجهه يميل إلى الشق الأيمن شيئًا] [أو قليلًا]). (ابن خزيمة والبيهقي والضياء في (المختارة).
و (كانوا يشيرون بأيديهم إذا سلموا عن اليمين وعن الشمال فرآهم رسول الله ﷺ فقال: (ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟! إذا سلم أحدكم؛ فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيده) [فلما صلوا معه أيضًا لم يفعلوا ذلك] (وفي رواية: إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله). (مسلم وأبو عوانة والسراج وابن خزيمة والطبراني).
وجوب السلام
وكان ﷺ يقول: ( ... وتحليلها (يعني: الصلاة) التسليم). (صححه الحاكم والذهبي).
باب: سجود السهو (١)
عبارة عن سجدتين يسجدهما المصلي لجبر الخلل الحاصل في صلاته من أجل السهو، وأسبابه ثلاثة: الزيادة والنقص والشك.
الزيادة
إذا زاد المصلي في صلاته قيامًا، أو قعودًا، أو ركوعًا، أو سجودًا متعمدًا بطلت صلاته. وإن كان ناسيًا ولم يذكر الزيادة حتى فرغ منها فليس عليه إلا سجود السهو، وصلاته صحيحة، وإن ذكر الزيادة في أثنائها وجب عليه الرجوع عنها ووجب عليه سجود السهو، وصلاته صحيحة.
وإن ذكر الزيادة في أثنائها وجب عليه الرجوع عنها ووجب عليه سجود السهو. وصلاته صحيحة.
مثال ذلك: شخص صلَّى الظهر (مثلًا) خمس ركعات ولم يذكر الزيادة إلا وهو في التشهد، فيكمل التشهد، ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم، فإن لم يذكر الزيادة إلا بعد السلام سجد للسهو وسلم.
وإن ذكر الزيادة وهو في أثناء الركعة الخامسة جلس في الحال فيتشهَّد ويسلِّم ثم يسجد للسهو ويسلِّم.
دليل ذلك:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ صلَّى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعدما سلَّم. وفي رواية: فثنى رجليه واستقبل
стр. 190
القبلة فسجد سجدتين ثم سلَّم. رواه الجماعة.
السلام قبل تمام الصلاة
السلام قبل تمام الصلاة من الزيادة في الصلاة، فإذا سلَّم المصلي قبل تمام صلاته متعمدًا بطلت صلاته.
وإن كان ناسيًا ولم يذكر إلا بعد زمن طويل أعاد الصلاة من جديد. وإن ذكر بعد زمن قليل كدقيقتين وثلاث فإنه يكمل صلاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
دليل ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ صلَّى بهم الظهر أو العصر فسلَّم من ركعتين، فخرج السرعان من أبواب المسجد يقولون: قصرت الصلاة، وقام النبي ﷺ إلى خشبة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، فقام رجل فقال: يا رسول الله، أنسيتَ أم قصرت الصلاة؟ فقال النبي ﷺ : "لم أنس ولم تقصر" فقال الرجل: بلى قد نسيت، فقال النبي ﷺ للصحابة: "أحق ما يقول؟ " قالوا: نعم، فتقدم النبي ﷺ فصلَّى ما بقي من صلاته ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين ثم سلَّم. متفق عليه.
وإذا سلَّم الإمام قبل تمام صلاته وفي المأمومين مَن فاتهم بعض الصلاة فقاموا لقضاء ما فاتهم، ثم ذكر الإمام أن عليه نقصًا في صلاته فقام ليتمها، فإن المأمومين الذين قاموا لقضاء ما فاتهم يخيرون بين أن
يستمروا في قضاء ما فاتهم ويسجدوا للسهو، وبين أن يرجعوا مع الإمام فيتابعوه، فإذا سلَّم قضوا ما فاتهم، وسجدوا للسهو بعد السلام. وهذا أولى وأحوط.
النقص
١ - نقص الأركان:
إذا نقص المصلي ركنًا من صلاته فإن كان تكبيرة الإحرام فلا صلاة له سواء تركها عمدًا أم سهوًا؛ لأن صلاته لم تنعقد.
وإن كان غير تكبيرة الإحرام فإن تركه متعمدًا بطلت صلاته. وإن تركه سهوًا فإن وصل إلى موضعه من الركعة الثانية لغت الركعة التي تركه منها، وقامت التي تليها مقامها، وإن لم يصل إلى موضعه من الركعة الثانية وجب عليه أن يعود إلى الركن المتروك فيأتي به وبما بعده، وفي كلتا الحالين يجب عليه أن يسجد للسهو بعد السلام.
مثال ذلك: شخص نسي السجدة الثانية من الركعة الأولى فذكر ذلك وهو جالس بين السجدتين في الركعة الثانية فتلغا الركعة الأولى وتقوم الثانية مقامها، فيعتبرها الركعة الأولى ويكمل عليها صلاته ويسلِّم، ثم يسجد للسهو ويسلِّم.
ومثال آخر: شخص نسي السجدة الثانية والجلوس قبلها من الركعة الأولى فذكر ذلك بعد أن قام من الركوع في الركعة الثانية فإنه يعود ويجلس ويسجد، ثم يكمل صلاته ويسلِّم، ثم يسجد للسهو ويسلِّم.
٢ - نقص الواجبات:
إذا ترك المصلِّي واجبًا من واجبات الصلاة متعمدًا بطلت صلاته.
وإن كان ناسيًا وذكره قبل أن يفارق محله من الصلاة أتى به ولا شيء عليه وإن ذكره بعد مفارقة محله قبل أن يصل إلى الركن الذي يليه رجع فأتى به ثم يكمل صلاته ويسلِّم، ثم يسجد للسهو ويسلِّم.
وإن ذكره بعد وصوله الركن الذي يليه سقط فلا يرجع إليه، فيستمر في صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلِّم.
стр. 191
مثال ذلك: شخص رفع من السجود الثاني في الركعة الثانية ليقوم إلى الثالثة ناسيًا التشهد الأول فذكر قبل أن ينهض فإنه يستقر جالسًا فيتشهد، ثم يكمل صلاته ولا شيء عليه.
وإن ذكر بعد أن نهض قبل أن يستتم قائمًا رجع فجلس وتشهد، ثم يكمل صلاته ويسلِّم، ثم يسجد للسهو ويسلِّم.
وإن ذكر بعد أن استتم قائمًا سقط عنه التشهد فلا يرجع إليه، فيكمل صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلِّم.
دليل ذلك: ما رواه البخاري وغيره عن عبد الله بن بحينة ﵁ أن النبي ﷺ صلَّى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس "يعني للتشهد الأول" فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبَّر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلِّم ثم سلَّم.
الشك
الشك: هو التردد بين أمرين أيُّهما الذي وقع. والشك لا يلتفت إليه في العبادات في ثلاث حالات:
الأولى: إذا كان مجرد وهم لا حقيقة له كالوساوس.
الثانية: إذا كثر مع الشخص بحيث لا يفعل عبادة إلا حصل له فيها شك.
الثالثة: إذا كان بعد الفراغ من العبادة، فلا يلتفت إليه ما لم يتيقن الأمر فيعمل بمقتضى يقينه.
مثال ذلك:
شخص صلَّى الظهر فلمَّا فرغ من صلاته شك هل صلَّى ثلاثًا أو أربعًا، فلا يلتفت لهذا الشك إلا أن يتيقن أنه لم يصلِّ إلا ثلاثًا فإنه يكمل صلاته إن قرب الزمن ثم يسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم، فإن لم يذكر إلا بعد زمن طويل أعاد الصلاة من جديد. وأما الشك في غير هذه المواضع الثلاثة فإنه معتبر.
ولا يخلو الشك في الصلاة من حالين:
الحال الأولى: أن يترجَّح عنده أحد الأمرين فيعمل بما ترجَّح عنده، فيتم عليه صلاته ويسلِّم، ثم يسجد للسهو ويسلِّم.
مثال ذلك: شخص يصلِّي الظهر فشكَّ في الركعة هل هي الثانية أو الثالثة لكن ترجَّح عنده أنها الثالثة، فإنه يجعلها الثالثة فيأتي بعدها بركعة ويسلِّم، ثم يسجد للسهو ويسلِّم.
دليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا شكَّ أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين" هذا لفظ البخاري.
الحال الثانية: أن لا يترجَّح عنده أحد الأمرين فيعمل باليقين وهو الأقل، فيتم عليه صلاته، ويسجد للسهو قبل أن يسلِّم ثم يسلِّم.
مثال ذلك:
شخص يصلِّي العصر فشكَّ في الركعة هل هي الثانية أو الثالثة، ولم يترجَّح عنده أنها الثانية أو الثالثة، فإنه يجعلها الثانية فيتشهَّد التشهُّد الأول، ويأتي بعده بركعتين، ويسجد للسهو ويسلِّم.
دليل ذلك: ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلَّى ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشك وليَبنِ على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلَّى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلَّى إتمامًا لأربعٍ كانتا ترغيمًا للشيطان".
ومن أمثلة الشك: إذا جاء الشخص والإمام راكع فإنه يُكَبِّر تكبيرة الإحرام وهو قائم معتدل، ثم يركع وحينئذٍ لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يتيقن أنه أدرك الإمام في ركوعه قبل أن يرفع منه فيكون مدركًا للركعة وتسقط عنه
стр. 192
قراءة الفاتحة.
الثانية: أن يتيقن أن الإمام رفع من الركوع قبل أن يدركه فيه فتفوته الركعة.
الثالثة: أن يشك هل أدرك الإمام في ركوعه فيكون مدركًا للركعة، أو أن الإمام رفع من الركوع قبل أن يدركه ففاتته الركعة، فإن ترجَّح عنده أحد الأمرين عمل بما ترجَّح فأتمَّ عليه صلاته وسلم، ثم سجد للسهو وسلَّم إلا إذا لم يفته شيء من الصلاة، فإنه لا سجود عليه حينئذٍ.
وإن لم يترجَّح عنده أحد الأمرين عمل باليقين "وهو أن الركعة فاتته" فيتم عليه صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلِّم ثم يسلِّم.
فائدة: إذا شكَّ في صلاته فعمل باليقين أو بما ترجَّح عنده حسب التفصيل المذكور، ثم تبين له أن ما فعله مطابق للواقع وأنه لا زيادة في صلاته ولا نقص، سقط عنه سجود السهو على المشهور من المذهب لزوال موجب السجود وهو الشك، وقيل: لا يسقط عنه ليراغم به الشيطان لقول النبي ﷺ : "وإن كان صلَّى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان". ولأنه أدَّى جزءًا من صلاته شاكًّا فيه حين أدائه وهذا هو الراجح.
مثال ذلك: شخص يصلي فشكَّ في الركعة أهي الثانية أم الثالثة؟ ولم يترجح عنده أحد الأمرين فجعلها الثانية وأتمَّ عليها صلاته، ثم تبين له أنها هي الثانية في الواقع، فلا سجود عليه على المشهور من المذهب، وعليه السجود قبل السلام على القول الثاني الذي رجَّحناه.
سجود السهو على المأموم
إذا سها الإمام وجب على المأموم متابعته في سجود السهو؛ لقول النبي ﷺ : "إنما جُعِلَ الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه" إلى أن قال: "وإذا سجد فاسجدوا" متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
وسواء سجد الإمام للسهو قبل السلام أو بعده فيجب على المأموم متابعته إلا أن يكون مسبوقًا أي قد فاته بعض الصلاة، فإنه لا يتابعه في السجود بعده لتعذُّر ذلك إذ المسبوق لا يمكن أن يسلم مع إمامه، وعلى هذا فيقضي ما فاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
مثال ذلك: رجل دخل مع الإمام في الركعة الأخيرة، وكان على الإمام سجود سهو بعد السلام، فإذا سلَّم الإمام فليقم هذا المسبوق لقضاء ما فاته ولا يسجد مع الإمام، فإذا أتمَّ ما فاته وسلَّم سجد بعد السلام. وإذا سها المأموم دون الإمام ولم يفته شيء من الصلاة فلا سجود عليه؛ لأن سجوده يؤدي إلى الاختلاف على الإمام واختلاف متابعته؛ ولأن الصحابة ﵃ تركوا التشهد الأول حين نسيه النبي ﷺ فقاموا معه ولم يجلسوا للتشهد مراعاة للمتابعة وعدم الاختلاف عليه.
فإن فاته شيء من الصلاة فسها مع إمامه أو فيما قضاه بعده لم يسقط عنه السجود، فيسجد للسهو إذا قضى ما فاته قبل السلام أو بعده حسب التفصيل السابق.
مثال ذلك: مأموم نسي أن يقول: «سبحان ربي العظيم» في الركوع، ولم يفته شيء في الصلاة، فلا سجود عليه. فإن فاتته ركعة أو أكثر قضاها ثم سجد للسهو قبل السلام.
مثال آخر: مأموم يصلي الظهر مع إمامه فلمَّا قام الإمام إلى الرابعة جلس المأموم ظنًّا منه أن هذه الركعة الأخيرة، فلما علم أن الإمام قائم قام، فإن كان لم يفته شيء من الصلاة فلا سجود عليه، وإن كان قد
стр. 193
فاتته ركعة فأكثر قضاها وسلَّم ثم سجد للسهو وسلَّم. وهذا السجود من أجل الذي زاده أثناء قيام الإمام إلى الرابعة.
تنبيه: تبين مما سبق أن سجود السهو تارة يكون قبل السلام، وتارة يكون بعده فيكون قبل السلام في موضعين:
الأول: إذا كان عن نقص، لحديث عبد الله بن بحينة ﵁ أن النبي ﷺ سجد للسهو قبل السلام حين ترك التشهد الأول. وسبق ذكر الحديث بلفظه.
الثاني: إذا كان عن شك لم يترجَّح فيه أحد الأمرين، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فيمن شكَّ في صلاته فلم يدر كم صلَّى؟ ثلاثًا أم أربعًا؟ حيث أمره النبي ﷺ أن يسجد سجدتين قبل أن يسلم، وسبق ذكر الحديث بلفظه.
ويكون سجود السهو بعد السلام في موضعين:
الأول: إذا كان عن زيادة لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ حين صلى النبي ﷺ الظهر خمسًا فذكروه بعد السلام فسجد سجدتين ثم سلم، ولم يبين أن سجوده بعد السلام من أجل أنه لم يعلم بالزيادة إلا بعده، فدل على عموم الحكم، وأن السجود عن الزيادة يكون بعد السلام سواء علم بالزيادة قبل السلام أم بعده، ومن ذلك: إذا سلم قبل إتمام صلاته ناسيًا ثم ذكر فأتمها، فإنه زاد سلامًا في أثناء صلاته فيسجد بعد السلام؛ لحديث أبي هريرة ﵁ حين سلم النبي ﷺ في صلاة الظهر أو العصر من ركعتين فذكروه فأتم صلاته وسلم ثم سجد للسهو وسلم، وسبق ذكر الحديث بلفظه.
الثاني: إذا كان عن شك ترجَّح فيه أحد الأمرين لحديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ أَمَرَ مَن شكَّ في صلاته أن يتحرَّى الصواب فيتم عليه، ثم يسلِّم ويسجد. وسبق ذكر الحديث بلفظه.
وإذا اجتمع عليه سهوان موضع أحدهما قبل السلام، وموضع الثاني بعده، فقد قال العلماء: يغلب ما قبل السلام فيسجد قبله.
مثال ذلك: شخص يصلِّي الظهر فقام إلى الثالثة ولم يجلس للتشهد الأول وجلس في الثالثة يظنها الثانية ثم ذكر أنها الثالثة، فإنه يقوم ويأتي بركعة ويسجد للسهو ثم يسلِّم.
فهذا الشخص ترك التشهد الأول وسجوده قبل السلام، وزاد جلوسًا في الركعة الثالثة وسجوده بعد السلام فغلب ما قبل السلام. والله أعلم.
حكم تارك الصلاة
وهذه مسألة اختلف فيها علماء أهل السنة وسنورد في هذا الباب قول الإمام المحدث الألباني، وكذا قول العلامة ابن العثيمين رحمهما الله تعالى فقد صنف كل منهما في ذلك رسالة مبينا حجته.
فقال الشيخ الألباني (١):
روى الإمام معمر بن راشد في "الجامع" (١١/ ٤٠٩ - ٤١١، الملحق بـ "مصنف عبد الرزاق) " عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا، فـ[والذي نفسي بيده] ما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق
стр. 194
يكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار.
قال: يقولون: ربنا! إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، [ويجاهدون معنا]، فأدخلتهم النار.
قال: فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم.
فيأتونهم؛ فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم، [لم تغش الوجه]، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه، [فيخرجون منها بشرًا كثيرًا] فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا.
قال: ثم [يعودون فيتكلمون فـ] يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان.
[فيخرجون خلقًا كثيرًا] ثم [يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا.
ثم يقول: ارجعوا فـ] من كان في قلبه وزن نصف دينار [فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا ... ].
حتى يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة [فيخرجون خلقًا كثيرًا].
قال أبو سعيد:
فمن لم يصدق بهذا الحديث فليقرأ هذه الآية: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا﴾ [النساء: ٤٠] قال: فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق في النار أحد فيه خير!
قال: ثم يقول الله: شفعت الملائكة، وشفعت الأنبياء، وشفع المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين.
قال: فيقبض قبضة من النار -أو قال: قبضتين- ناسًا لم يعملوا لله خيرًا قط قد احترقوا حتى صاروا حممًا.
قال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال له: (الحياة) فيصب عليهم، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، [قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض].
قال: فيخرجون من أجسادهم مثل اللؤلؤ وفي أعناقهم الخاتم (وفي رواية: الخواتم) عتقاء الله.
قال: فيقال لهم: ادخلوا الجنة فما تمنيتم ورأيتم من شيء فهو لكم [ومثله معه] [فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه].
قال: فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين!
قال: فيقول: فإن لكم عندي أفضل منه!
فيقولون: ربنا وما أفضل من ذلك؟
[قال:] فيقول: رضائي عنكم، فلا أسخط عليكم أبدًا).
تخريجه:
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وهو من رواية عبد الرزاق عن معمر:
ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٣/ ٩٤) والنسائي (٢/ ٢٧١) وابن ماجة (رقم: ٦٠) وابن
стр. 195
خزيمة في (التوحيد) (ص ١٨٤ و٢٠١ و٢١٢) وابن نصر المروزي في (تعظيم قدر الصلاة) (رقم: ٢٧٦).
وتابع عبد الرزاق:
محمد بن ثور، عن معمر، به لم يسق لفظه، وإنما قال: بنحوه.
يعني حديث هشام بن سعد الآتي تخريجه.
وتابع معمرًا جماعة:
أولًا: سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، به أتم منه، وأوله: (هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ... ) الحديث بطوله.
أخرجه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١/ ١١٤ - ١١٧) وابن خزيمة أيضًا (ص ٢٠١) وابن حبان (٧٣٣٣ - الإحسان).
ثانيًا: حفص بن ميسرة عن زيد:
أخرجه مسلم (١/ ١١٤ - ١١٧)، وكذا البخاري (٤٥٨١) ولكنه لم يسقه بتمامه، وكذا أبو عوانة (١/ ١٦٨ - ١٦٩).
ثالثًا: هشام بن سعد عن زيد:
أخرجه أبو عوانة (١/ ١٨١ - ١٨٣) بتمامه وابن خزيمة (ص ٢٠٠) والحاكم (٤/ ٥٨٢ - ٥٨٤) وصححه وكذا مسلم (١/ ١٧) إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ حديث حفص بن ميسرة نحوه.
وتابع زيدًا:
سليمان بن عمرو بن عبيد العتواري -أحد بني ليث وكان في حجر أبي سعيد- قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول ...
فذكره نحوه مختصرًا وفيه الزيادة الثالثة.
أخرجه أحمد (٣/ ١١ - ١٢) وابن خزيمة (ص ٢١١) وابن أبي شيبة في (المصنف) (١٣/ ١٧٦/١٦٠٣٩) وعنه ابن ماجة (٤٢٨٠) وابن جرير في (التفسير) (١٦/ ٨٥) ويحيى بن صاعد في (زوائد الزهد) (ص ٤٤٨/ ١٢٦٨) والحاكم (٤/ ٥٨٥) وقال: (صحيح الإسناد على شرط مسلم) وبيض له الذهبي!!
وإنما هو حسن فقط، لأن فيه محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث.
فقهه:
بعد تخريج هذا الحديث هذا التخريج الذي قد لا تراه في مكان آخر، وبيان أنه متفق عليه بين الشيخين وغيرهما من أهل (الصحاح) و (السنن) و (المسانيد) أقول:
في هذا الحديث فوائد جمة عظيمة، منها: شفاعة المؤمنين الصالحين في إخوانهم المصلين الذين أدخلوا النار بذنوبهم، ثم بغيرهم ممن هم دونهم على اختلاف قوة إيمانهم.
ثم يتفضل الله ﵎ على من بقي في النار من المؤمنين، فيخرجهم من النار بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه.
ولقد توهم (بعضهم) أن المراد بالخير المنفي تجويز إخراج غير الموحدين من النار!
قال الحافظ في (الفتح) (١٣/ ٤٢٩): (ورد ذلك بأن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار
стр. 196
بالشهادتين، كما تدل عليه بقية الأحاديث).
قلت: منها قوله ﷺ في حديث أنس الطويل في الشفاعة أيضًا:
(فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع.
فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله.
فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله).
متفق عليه وهو مخرج في (ظلال الجنة) (٢/ ٢٩٦).
وفي طريق أخرى عن أنس:
( ... وفرغ الله من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون به شيئًا؟
فيقول الجبار : فبعزتي لأعتقنهم من النار.
فيرسل إليهم، فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة فينبتون ... ) الحديث.
أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في (الظلال) تحت الحديث (٨٤٤)، وله فيه شواهد (٨٤٣ - ٨٤٣) وفي (الفتح) (١١/ ٤٥٥) شواهد أخرى.
وفي الحديث رد على استنباط ابن أبي جمرة من قوله ﷺ فيه: (لم تغش الوجه)، ونحوه الحديث الآتي بعده: (إلا دارات الوجوه): أن من كل من مسلما ولكنه كان لا يصلي لا يخرج [من النار] إذ لا علامة له)!
ولذلك تعقبه الحافظ بقوله (١١/ ٤٥٧):
(لكنه يحمل على أنه يخرج في القبضة، لعموم قوله: (لم يعملوا خيرًا قط)، وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في (التوحيد).
يعني هذا الحديث.
وقد فات الحافظ ﵀ أن في الحديث نفسه تعقبًا على ابن أبي جمرة من وجه آخر، وهو أن المؤمنين لما شفعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين وغيرهم في المرة الأولى، فأخرجوهم من النار بالعلامة فلما شفعوا في المرات الأخرى وأخرجوا بشرًا كثيرًا لم يكن فيهم مصلون بداهة، وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانهم.
وهذا ظاهر جدًا لا يخفى على أحد إن شاء الله.
مباحث ومناقشات:
وعلى ذلك فالحديث دليل قاطع على أن تارك الصلاة إذا مات مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله: أنه لا يخلد في النار مع المشركين.
ففيه دليل قوي جدًا أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
وقد روى الإمام أحمد في (مسنده) (٦/ ٢٤٠) حديثًا صريحًا في هذا من رواية عائشة ﵂ مرفوعًا بلفظ: (الدواوين عند الله ثلاثة ... ) الحديث.
وفيه:
( ... فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال : ﴿من يشرك بالله فقد حرم الله
стр. 197
عليه الجنة﴾ [المائدة: ٧٢].
وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء ... ) الحديث ...
وقد صححه الحاكم (٤/ ٥٧٦).
وهذا وإن كان غير مسلم عندي لما بينته في (تخريج الطحاوية) (ص ٣٦٧ - الطبعة الرابعة)، فإنه يشهد له هذا الحديث الصحيح فتنبه.
إذا عرفت ما سلف -يا أخي المسلم- فإن عجبي لا يكاد ينتهي من إغفال جماهير المؤلفين الذين توسعوا في الكتابة في هذه المسألة الهامة ألا وهي: هل يكفر تارك الصلاة كسلًا أم لا؟
لقد غفلوا جميعًا -فيما اطلعت- عن إيراد هذا الحديث الصحيح مع اتفاق الشيخين وغيرهما على صحته!
لم يذكره من هو حجة له، ولم يجب عنه من هو حجة عليه وبخاصة منهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فإنه مع توسعه في سوق أدلة المختلفين في كتابه القيم (الصلاة)، وجواب كل منهم عن أدلة مخالفه؛ فإنه لم يذكر هذا الحديث في أدلة المانعين من التكفير؛ إلا مختصرًا اختصارًا مخلًا، لا يظهر دلالته الصريحة على أن الشفاعة تشمل تارك الصلاة أيضًا؛ فقد قال ﵀:
(وفي حديث الشفاعة: يقول الله : (وعزتي وجلالي، لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله)؛ وفيه: فيخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط).
قلت: وهذا السياق ملفق من حديثين:
فالشطر الأول منه: هو في آخر حديث أنس المتفق عليه وقد سبق أن ذكرت (ص ٣٣) الطرف الأخير منه.
والشطر الآخر هو في حديث الكتاب:
( ... فيقبض قبضة من النار ناسًا لم يعملوا لله خيرًا قط ... ).
وأما أن اختصاره اختصار مخل، فهو واضح جدًا إذا تذكرت أيها القارئ الكريم ما سبق أن استدركته على الحافظ (ص ٣٤) متممًا به تعقيبه على ابن أبي جمرة؛ مما يدل على أن شفاعة المؤمنين كانت لغير المصلين في المرة الثانية وما بعدها وأنهم أخرجوهم من النار.
فهذا نص قاطع في المسألة ينبغي به أن يزول به النزاع في هذه المسألة بين أهل العلم الذين تجمعهم العقيدة الواحدة التي منها عدم تكفير أهل الكبائر من الأمة المحمدية؛ وبخاصة في هذا الزمان الذي توسع فيه بعض المنتمين إلى العلم في تكفير المسلمين لإهمالهم القيام بما يجب عليهم عمله، مع سلامة عقيدتهم؛ خلافًا للكفار الذين لا يصلون تدينًا وعقيدة والله يقول: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين (٣٥) ما لكم كيف تحكمون﴾؟!
.. لما تقدم كنت أحب لابن القيم ﵀ أن لا يغفل ذكر هذا الحديث الصحيح كدليل صريح للمانعين من التكفير، وأن يجيب عنه إن كان لديه ﵀ جواب، وبذلك يكون قد أعطى البحث والإنصاف الفريقين دون تحيز لفئة.
стр. 198
نعم؛ إنه لمما يجب علي أن أنوه به أنه ﵀ عقد فصلًا خاصًا (١) (في الحكم بين الفريقين، وفصل الخطاب بين الطائفتين) يساعد الباحث على تفهم نصوص الفريقين فهمًا صحيحًا، فإنه حقق فيه تحقيقًا رائعًا ما هو مسلم به عند العلماء أنه ليس كل كفر يقع فيه المسلم يخرج به من الملة.
فمن المفيد أن أقدم إلى القارئ فقرات أو خلاصات من كلامه تدل على مرامه، ثم أعقب عليه بما يلزم مما يلتقي مع هذا الحديث الصحيح ويؤيد المذهب الرجيح.
لقد أفاد ﵀ (أن الكفر نوعان: كفر عمل. وكفر جحود واعتقاد ...
وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده؛ فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان.
وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعًا).
(قلت: هذا الإطلاق فيه نظر، إذ قد يكون ذلك من الكفر الاعتقادي أحيانًا، وذلك إذا اقترن معه ما يدل على فساد عقيدته، كاستهزائه بالصلاة والمصلين، وكإيثاره القتل على أن يصلي إذا دعاه الحاكم إليها، كما سيأتي فتذكر هذا فإنه مهم).
ثم قال ﵀:
(ولا يمكن أن ينفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه، ولكن هو كفر عمل، لا كفر اعتقاد.
وقد نفى رسول الله ﷺ الإيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد).
(قلت: لكني أرى أنه لا يصح أن يطلق على أمثال هؤلاء لفظة الكفر، فيقال مثلًا: من زنى فقد كفر، فضلًا عن أنه لا يجوز أن يقال: فهو كافر حتى على تارك الصلاة -أي أن يقال: كافر-، وعلى غيره ممن وصف في الحديث بالكفر وقوفًا مع النص، ومن باب أولى أن لا يقال: كافر حلال الدم!!).
ثم قال ﵀ بعد أن ذكر الحديث الصحيح: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).
(ومعلوم أنه ﷺ إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لم يخرج الزاني والسارق من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان.
وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر، ولوازمهما).
ثم ذكر الأثر المعروف عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ قال: (ليس بالكفر الذي يذهبون إليه).
(قلت: زاد الحاكم: (إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، كفر دون كفر) وصححه هو (٢/ ٣١٣) والذهبي.
وهذا قاصمة ظهر جماعة التكفير، وأمثالهم من الغلاة).
ثم قال ابن القيم ﵀:
(والمقصود أن سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة مسلمًا ولا مؤمنًا، وإن كان معه شعبة من شعب الإسلام أو الإيمان).
стр. 199
(قلت: نفي التسمية المذكورة عن تارك الصلاة: فيه نظر، فقد سمى الله تعالى الفئة الباغية مؤمنة في الآية المعروفة: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ... ﴾ مع قوله ﷺ في الحديث المتقدم: ( ... وقتاله كفر)، فكما لم يلزم من وصف المسلم الباغي بالكفر نفي اسم المؤمن عنه فضلًا عن اسم المسلم فكذلك تارك الصلاة، إلا إن كان يقصد بذلك النفي أنه مسلم كامل! وذلك بعيد).
قال: (نعم؛ يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟
فيقال: ينفعه إن لم يكن المتروك شرطًا في صحة الباقي واعتباره وإن كان المتروك شرطًا في اعتبار الباقي لم ينفعه. فهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟ هذا سر المسألة).
قلت: ثم أشار ﵀ إلى الأدلة التي كان ذكرها للفريق الأول المكفر، ثم قال: (وهي تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة).
فأقول: يبدو لي جليًا أن ابن القيم ﵀ بعد بحثه القيم في التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، وأن المسلم لا يخرج من الملة بكفر عملي، لم يستطع أن يحكم للفريق المكفر بترك الصلاة، مع الأدلة الكثيرة التي ساقها لهم، لأنها كلها لا تدل على الكفر العملي!
ولذلك؛ لجأ أخيرًا إلى أن يتساءل: (هل ينفعه إيمانه؟ وهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟).
قلت: إن كل من تأمل في جوابه على هذا التساؤل يلاحظ أنه حاد عنه إلى القول بأن الأعمال الصالحة لا تقبل إلا بالصلاة فأين الجواب عن كون الصلاة شرطا لصحة الإيمان؟
أي: ليس فقط شرط كمال، فإن الأعمال الصالحة كلها شرط كمال عند أهل السنة، خلافًا للخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار، مع تصريح الخوارج بتكفيرهم.
فلو قال قائل بأن الصلاة شرط لصحة الإيمان، وأن تاركها مخلد في النار؛ فقد التقى مع الخوارج في بعض قولهم هذا، وأخطر من ذلك أنه خالف حديث الشفاعة هذا، كما تقدم بيانه.
ولعل ابن القيم ﵀ بحيدته عن ذاك الجواب، أراد أن يشعر القارئ بأهمية الصلاة في الإسلام من جهة وأنه لا دليل على أنها شرط لصحة الإيمان من جهة أخرى.
وعليه؛ فإن تارك الصلاة كسلًا لا يكفر عنده إلا إذا اقترن مع تركه إياها ما يدل على أنه كفر كفرًا اعتقاديا؛ فهو في هذه الحالة -فقط- يكفر كفرًا يخرج به من الملة، كما تقدمت الإشارة بذلك مني، وهو ما يشعر به كلام ابن القيم في آخر هذا الفصل، فإنه قال:
(ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها، ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ، وهو يرى بارقة السيف على رأسه، ويشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك؟! فيقول: اقتلوني، ولا أصلي أبدًا).
قلت: وعلى مثل هذا المصر على الترك والامتناع عن الصلاة، مع تهديد الحاكم له بالقتل: يجب أن تحمل كل أدلة الفريق المكفر للتارك للصلاة.
وبذلك تجتمع أدلتهم مع أدلة المخالفين ويلتقون على كلمة سواء؛ أن مجرد الترك لا يكفر، لأنه كفر عملي، لا اعتقادي كما تقدم عن ابن القيم.
وهذا ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، -أعني أنه حمل تلك الأدلة هذا الحمل- فقال في (مجموع الفتاوى) (٢٢/ ٤٨)؛ وقد سئل عن تارك الصلاة من غير عذر: هل هو مسلم في تلك الحال؟! فأجاب ﵀ ببحث طويل ملئ علمًا، لكن المهم منه الآن ما يتعلق منه بحديثنا هذا، فإنه بعد أن حكى أن تارك الصلاة يقتل عند جمهور العلماء؛ مالك والشافعي وأحمد قال:
стр. 200
(وإذا صبر حتى يقتل، فهل يقتل كافرًا مرتدًا، أو فاسقًا كفساق المسلمين؟
على قولين مشهورين، حكيا روايتين عن أحمد، فإن كان مقرًا بالصلاة في الباطن، معتقدًا لوجوبها، يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل ولا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم، ولهذا؛ لم يقع قط في الإسلام، ولا يعرف أن أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا قتلناك، وهو يصر على تركها مع إقراره بالوجوب؛ فهذا لم يقع قط في الإسلام.
ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل: لم يكن في الباطن مقرًا بوجوبها؛ ولا ملتزمًا بفعلها، فهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة، كقوله ﷺ : (ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة)، رواه مسلم (١).
فمن كان مصرًا على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلمًا مقرًا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور.
فإذا كان قادرًا ولم يفعل قط علم أن الداعي في حقه لم يوجد والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل.
لكن هذا قد يعارضه أحيانًا أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها وتفويتها أحيانًا.
فأما من كان مصرًا على تركها، لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلمًا.
لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في (السنن) [من] حديث عبادة عن النبي ﷺ أنه قال:
(خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له)).
فالمحافظ عليها: الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى.
والذي يؤخرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه كما جاء في الحديث ... )) وعلى هذا المحمل يدل كلام الإمام أحمد (٢) أيضًا الذي شهر عنه بعض أتباعه المتأخرين القول بتكفير تارك الصلاة دون تفصيل.
وكلامه يدل على خلاف ذلك بحيث لا يخالف هذا الحديث الصحيح، كيف وقد أخرجه في (مسنده) كما أخرج حديث عائشة بمعناه كما تقدم؟!
فقد ذكر ابنه عبد الله في (مسائله) (ص ٥٥) قال: (سألت أبي ﵀ عن ترك الصلاة متعمدًا؟
قال: ( ... والذي يتركها لا يصليها والذي يصليها، في غير وقتها؛ أدعوه ثلاثًا، فإن صلى وإلا ضربت عنقه، هو عندي بمنزلة المرتد ... ).
قلت: فهذا نص من الإمام أحمد بأنه لم يكفر بمجرد تركه للصلاة، وإنما بامتناعه عن الصلاة، مع علمه بأنه يقتل إن لم يصل، فالسبب هو إيثاره القتل على الصلاة، فهو الذي دل على أن كفره كفر اعتقادي فاستحق القتل.
стр. 201
ونحوه ما ذكره المجد ابن تيمية -جد شيخ الإسلام ابن تيمية- في كتابه (المحرر في الفقه الحنبلي) (ص ٦٢):
(ومن أخر صلاة تكاسلًا لا جحودًا، أمر بها، فإن أصر حتى ضاق وقت الأخرى وجب قتله).
قلت: فلم يكفر بالتأخير، وإنما بالإصرار المنبئ عن الجحود.
ولذلك قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في (مشكل الآثار) في باب عقده في هذه المسألة، وحكى شيئًا من أدلة الفريقين، ثم اختار أنه لا يكفر.
قال (٤/ ٢٢٨):
(والدليل على ذلك أنا نأمره أن يصلي، ولا نأمر كافرًا أن يصلي، ولو كان بما كان منه كافرًا لأمرناه بالإسلام، فإذا أسلم أمرناه بالصلاة، وفي تركنا لذلك؛ وأمرنا إياه بالصلاة ما قد دل على أنه من أهل الصلاة، ومن ذلك أمر النبي ﷺ الذي أفطر في رمضان يومًا متعمدًا بالكفارة التي أمره بها، وفيها الصيام، ولا يكون الصيام إلا من المسلمين.
ولما كان الرجل يكون مسلمًا إذا أقر بالإسلام قبل أن يأتي بما يوجبه الإسلام من الصلوات الخمس، ومن صيام رمضان: كان كذلك، ويكون كافرًا بجحوده لذلك، ولا يكون كافرًا بتركه إياه بغير جحود منه له، -ولا يكون كافرًا إلا من حيث كان مسلمًا-، وإسلامه كان بإقراره بالإسلام، فكذلك ردته لا تكون إلا بجحوده الإسلام).
قلت: وهذا فقه جيد، وكلام متين، لا مرد له، وهو يلتقي تمامًا مع ما تقدم من كلام الإمام أحمد ﵀، الدال على أنه لا يكفر لمجرد الترك، بل بامتناعه من الصلاة بعد دعائه إليها.
وإن مما يؤكد ما حملت عليه كلام الإمام أحمد، ما جاء في كتاب (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل) للشيخ علاء الدين المرداوي، قال ﵀ (١/ ٤٠٢) كالشارح لقول أحمد المتقدم آنفًا: (أدعوه ثلاثًا):
(الداعي له هو الإمام أو نائبه، فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجب قتله، ولا يكفر على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم).
وممن اختار هذا المذهب أبو عبد الله بن بطة، كما ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة المقدسي في كتابه (الشرح الكبير على (المقنع) للإمام موفق الدين المقدسي) (١/ ٣٨٥) وزاد أنه أنكر قول من قال بكفره قال أبو الفرج:
(وهو قول أكثر الفقهاء، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي).
ثم استدل على ذلك بأحاديث كثيرة، أكثرها عند ابن القيم، ومنها حديث عبادة المتقدم في كلام ابن تيمية فقال عقبه:
(ولو كان كافرًا لم يدخله في المشيئة).
قلت: ويؤكد ذلك حديث الكتاب وحديث عائشة؛ تأكيدًا لا يدع شكًا أو شبهة فلا تنس.
ثم قال أبو الفرج: (ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا منع ميراث مورثه، ولا فرق بين الصلاة من أحدهما مع كثرة تاركي الصلاة ولو كفر لثبتت هذه الأحكام.
ولا نعلم خلافًا بين المسلمين أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها مع اختلافهم في المرتد.
وأما الأحاديث المتقدمة (يعني التي احتج بها المكفرون كحديث: (بين الرجل وبين الكفر ترك
стр. 202
الصلاة) فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار، لا على الحقيقة، كقوله ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) ... وأشباه هذا مما أريد به التشديد في الوعيد.
قال شيخنا ﵀ (يعني الموفق المقدسي): وهذا أصوب القولين، والله أعلم).
قلت: ونقله الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ في حاشيته على (المقنع) (١/ ٩٥ - ٩٦) لابن قدامة مقرًا له.
ومع تصريح الإمام الشوكاني في (السيل الجرار) (١/ ٢٩٢) بتكفير تارك الصلاة عمدًا، وأنه يستحق القتل، ويجب على إمام المسلمين قتله، فقد بين في (نيل الأوطار) أنه لا يعني كفرًا لا يغفر، فقال بعد أن حكى أقوال العلماء واختلافهم، وذكر شيئًا من أدلتهم (١/ ١٥٤ - ١٥٥):
(والحق أنه كافر يقتل، أما كفره، فلأن الأحاديث صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم، وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتض لجواز الإطلاق.
ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون، لأنا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة، ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرًا، فلا ملجئ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيعتها).
ولقد صدق ﵀، لكن ذهابه إلى جواز إطلاق اسم (الكافر) على تارك الصلاة، هو توسع غير محمود عندي، لأن الأحاديث التي أشار إليها ليس فيها الإطلاق المدعى، وإنما فيها: (فقد كفر)!
وما أظن أن أحدًا يستجيز له أن يشتق من هذا الفعل اسم فاعل، فيقول منه: (كافر)، إذن لزمه أن يطلقه أيضًا على كل من قيل فيه: (كفر)، كالذي يحلف بغير الله ومن قاتل مسلمًا أو تبرأ من نسب، ونحو ذلك مما جاء في الأحاديث.
نعم؛ لو صح ما رواه أبو يعلى (٢٣٤٩) وغيره عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ:
(عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أسس الإسلام؛ من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان).
أقول: لو صح هذا لكان دليلًا واضحًا على جواز إطلاقه على تارك الصلاة، ولكنه لم يصح؛ كما كنت بينته في (السلسلة الضعيفة) (٩٤).
والخلاصة: أن مجرد الترك لا يمكن أن يكون حجة لتكفير المسلم، وإنما هو فاسق، أمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، والحديث الذي هو عماد هذه الرسالة نص صريح في ذلك لا يسع مسلمًا أن يرفضه.
وأن من دعي إلى الصلاة، وأنذر بالقتل إن لم يستجب فقتل فهو كافر -يقينًا- حلال الدم، لا يصلي عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
فمن أطلق التكفير فهو مخطئ ومن أطلق عدم التكفير فهو مخطئ، والصواب التفصيل.
وبعد:
فإن أخشى ما أخشاه أن يبادر بعض المتعصبين الجهلة، إلى رد هذا الحديث الصحيح لدلالته الصريحة على أن تارك الصلاة كسلًا مع الإيمان بوجوبها داخل في عموم قوله تعالى: ﴿ ... ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، كما فعل بعضهم أخيرًا بتاريخ (١٤٠٧ هـ)؛ فقد تعاون اثنان من طلاب العلم -أحدهما سعودي والآخر مصري-، فتعقباني في بعض الأحاديث من المئة الأولى من (سلسلة الأحاديث
стр. 203
الصحيحة) منها حديث حذيفة بن اليمان ﵁ (برقم: ٨٧) ولفظه:
(يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز؛ يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: (لا إله إلا الله) فنحن نقولها.
قال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم (لا إله إلا الله) وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟
فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة.
ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار. (ثلاثًا).
قلت: فسودوا في تضعيف هذا الحديث ثلاث صفحات كبار في الرد علي لتصحيحي إياه، ولم يجدا ما يتعلقان به لتضعيفه إلا أنه من رواية أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، بحجة أنه كان يرى الإرجاء! وأن الحديث موافق لبدعة الإرجاء!!
وهذا من الجهل البالغ، ولا مجال الآن لبيانه إلا مختصرًا، فإن أبا معاوية مع كونه ثقة محتجًا به عند الشيخين؛ فإنه قد توبع من ثقة مثله، وأن الحديث لا صلة له بالإرجاء مطلقًا.
وهما إنما ادعيا ذلك لجهلهم بالعلم، وكيف يكون ذلك وقد صححه الحاكم والذهبي، وكذا ابن تيمية والعسقلاني والبوصيري.
ولئن جاز في عقلهما أن هؤلاء العلماء كانوا في تصحيحهم إياه جميعًا مخطئين! فهل وصل الأمر بهما أن يعتقدا بأنهم يصححون ما يؤيد الإرجاء؟!
تالله إنها لإحدى الكبر أن يتسلط على هذا العلم من لا يحسنه، وأن يضعفوا ما أهل العلم يصححونه!
وهذا الحديث الصحيح يستفاد منه أن الجهل قد يبلغ ببعض الناس أنهم لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادة، وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر الأركان، ثم هم لا يقومون بها؛ كلا ليس في الحديث شيء من ذلك، بل هم في ذلك ككثير من أهل البوادي، والمسلمين حديثًا في بلاد الكفر، لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين.
وقد يقع شيء من ذلك في بعض العواصم، فقد سألني أحدهم هاتفيًا عن امرأة تزوجها، وكانت تصلي دون أن تغتسل من الجماع!
وقريبًا سألني إمام مسجد ينظر إلى نفسه أنه على شيء من العلم يسوغ له أن يخالف العلماء! سألني عن ابنه أنه كان يصلي جنبًا بعد أن بلغ مبلغ الرجال واحتلم، لأنه كان لا يعلم وجوب الغسل من الجنابة!!
وقد قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (٢٢/ ٤١): (ومن علم أن محمدًا رسول الله، فآمن بذلك ولم يعلم كثيرًا مما جاء به لم يعذبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان بعد البلوغ فإنه [أن] لا يُعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى، وهذه سنة رسول الله ﷺ المستفيضة عنه في أمثال ذلك ... ).
ثم ذكر أمثلة طيبة، منها المستحاضة، قالت: إني أستحاض حيضة شديدة تمنعني الصلاة والصوم؟ فأمرها بالصلاة زمن دم الإستحاضة، ولم يأمرها بالقضاء.
قلت: وهذه المستحاضة هي فاطمة بنت أبي حبيش ﵂، وحديثها في (الصحيحين) وغيرهما، وهو مخرج في (صحيح أبي داود) (٢٨١).
стр. 204
ومثلها أم حبيبة بنت جحش زوجة عبد الرحمن بن عوف، واستحيضت سبع سنين، وحديثها عند الشيخين أيضًا، وهو مخرج في (الصحيح) أيضًا (٢٨٣).
وثمة ثالثة، وهي حمنة بنت جحش، وهي التي أشار إليها ابن تيمية، فإن في حديثها: (إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم ... ) الحديث.
هذا؛ وهناك نص آخر للإمام أحمد، كان ينبغي أن يضم إلى ما سبق نقله عنه لشديد ارتباطه به، ودلالته أيضًا على أن تارك الصلاة لا يكفر بمجرد الترك ولكن هكذا قدر.
قال عبد الله بن الإمام أحمد في (مسائله) (ص ٥٦/ ١٩٥):
(سألت أبي عن رجل فرط في صلوات شهرين؟ فقال: (يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات، فلا يزال يصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرط فيها؛ فإنه يصلي هذه التي يخاف فوتها، ولا يضيع مرتين، ثم يعود فيصلي أيضًا حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها، إلا إن كان كثر عليه، ويكون ممن يطلب المعاش، ولا يقوى أن يأتي بها، فإنه يصلي حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يقيمه من معاشه، ثم يعود إلى الصلاة، لا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها، فهو يعيدها أيضًا إذا ذكرها، وهو في صلاة).
فانظر أيها القارئ الكريم: هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلا ما يدل على ما سبق تحقيقه أن المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك تلك الصلاة، بل صلوات شهرين متتابعين! بل وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش!
وهذا عندي يدل على شيئين:
أحدهما: وهو ما سبق وهو أنه يبقى على إسلامه، ولو لم تبرأ ذمته بقضاء كل ما عليه من الفوائت.
والآخر: أن حكم القضاء دون حكم الأداء؛ لأنني لا أعتقد أن الإمام أحمد، بل ولا من هو دونه في العلم يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب المعاش.
والله أعلم.
واعلم أخي المسلم أن هذه الرواية عن الإمام أحمد، وما في معناها هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه كل مسلم لذات نفسه أولًا، ولخصوص الإمام أحمد ثانيًا، لقوله ﵀: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) (١)، وبخاصة أن الأقوال الأخرى المروية عنه على خلاف ما تقدم مضطربة جدًا، كما تراها في (الإنصاف) (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨) وغيره من الكتب المعتمدة.
ومع اضطرابها؛ فليس في شيء منها التصريح بأن المسلم يكفر بمجرد ترك الصلاة.
وإذ الأمر كذلك؛ فيجب حمل الروايات المطلقة عنه على الروايات المقيدة، والمبينة لمراده ﵀، وهي ما تقدم نقله عن ابنه عبد الله.
ولو فرضنا أن هناك رواية صريحة عنه في التكفير بمجرد الترك، وجب تركها، والتمسك بالروايات الأخرى لموافقتها لهذا الحديث الصحيح الصريح في خروج تارك الصلاة من النار بإيمانه ولو مقدار ذرة.
وبهذا صرح كثير من علماء الحنابلة المحققين، كابن قدامة المقدسي، كما تقدم في نقل أبي الفرج عنه
ونص كلام ابن قدامة (٢):
стр. 205
(وإن ترك شيئًا من العبادات الخمسة تهاونًا لم يكفر).
كذا في كتابه (المقنع) ونحوه في (المغني) (٢/ ٢٩٨ - ٣٠٢)، في بحث طويل له، ذكر الخلاف فيه وأدلة كل ثم انتهى إلى هذا الذي في (المقنع).
وهو الحق الذي لا ريب فيه وعليه مؤلفًا (الشرح الكبير) و (الإنصاف) كما تقدم.
وإذا عرفت الصحيح من قول أحمد فلا يرد عليه ما ذكره السبكي في ترجمة الإمام الشافعي، حيث قال في (طبقات الشافعية الكبرى) (١/ ٢٢٠):
(حكي أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة، فقال له الشافعي: يا أحمد أتقول: إنه يكفر؟ قال: نعم، قال: إن كان كافرًا فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمدًا رسول الله، قال: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه، قال: يسلم بأن يصلي، قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها فانقطع أحمد وسكت)!!!
فأقول: لا يرد هذا على الإمام أحمد ﵀ لأمرين:
أحدهما: أن الحكاية لا تثبت، وقد أشار إلى ذلك السبكي ﵀ بتصديره إياها بقول: (حُكيَ) فهي منقطعة.
والآخر: أنه ذُكر بناء على القول بأن أحمد يكفر المسلم بمجرد ترك الصلاة، وهذا لم يثبت عنه -كما تقدم بيانه-.
وإنما يرد هذا على بعض المشايخ الذين لا يزالون يقولون بالتكفير بمجرد الترك وأملي أنهم سيرجعون عنه بعد أن يقفوا على هذا الحديث الصحيح -الذي بنينا هذه الرسالة عليه-، وعلى قول أحمد -وغيره من كبار أئمة الحنابلة- الموافق له.
فإن تكفير المسلم الموحد بعمل يصدر منه غير جائز، حتى يتبين منه أنه جاحد، ولو لبعض ما شرع الله، كالذي يدعى إلى الصلاة وإلا قُتل -كما تقدم-.
ويعجبني بهذه المناسبة ما نقله الحافظ في (الفتح) (١٢/ ٣٠٠) عن الغزالي أنه قال: (والذي ينبغي الاحتراز منه: التكفير ما وجد إليه سبيلًا فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة، أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد).
هذا وقد بلغني أن (بعضهم) لما أوقف على هذا الحديث شكك في دلالته على نجاة المسلم التارك للصلاة من الخلود في النار مع الكفار، وزعم أنه ليس له ذكر في كل الدفعات التي أخرجت من النار.
وهذه مكابرة عجيبة، تذكرنا بمكابرة بعض متعصبة المذاهب في رد دلالات النصوص انتصارًا للمذهب فإن الحديث صريح في أن الدفعة الأولى شملت المصلين بعلامة أن النار لم تأكل وجوههم، فما بعدها من الدفعات ليس فيها مصلون بداهة.
فإن لم ينفع مثل هذا بعض المقلدين الجامدين، فليس لنا إلا أن نقول: ﴿سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾.
والخلاصة:
أن حديثنا هذا -حديث الشفاعة- حديث عظيم بكثير من دلالاته ومعانيه؛ من ذلك -كما قدمت- دلالته القاطعة على أن تارك الصلاة -مع إيمانه بوجوبها- لا يخرج من الملة، ولا يخلد في النار مع الكفرة والمشركين.
ولذلك فإني أرجو مخلصًا كل من وقف على هذه الرسالة المتضمنة هذا الحديث -وغيره مما في معناه- أن يتراجع عن تكفير المسلمين التاركين للصلاة مع إيمانهم بها، والموحدين لله ﵎؛ فإن
стр. 206
تكفير المسلم أمر خطير جدًا -كما تقدم-، وعليهم -فقط- أن يذكروا بعظمة الصلاة في الإسلام، بما جاء من ذلك في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية الصحيحة؛ فإن الحكم قد خرج -مع الأسف- من أيدي العلماء فهم -لذلك- لا يستطيعون أن ينفذوا حكم الكفر والقتل في تارك واحد للصلاة، بل جمع من التاركين ولو في دولتهم، فضلًا عن الدول الإسلامية الأخرى!
فإن قتل التارك للصلاة بعد دعوته إليها، إنما كان لحكمة ظاهرة، وهو لعله يتوب إذا كان مؤمنًا بها، فإذا آثر القتل عليها دل ذلك على أن تركه كان عن جحد، فيموت -والحالة هذه- كافرًا، كما تقدم عن ابن تيمية، فامتناعه منها في هذه الحالة هو الدليل على خروجه، من الملة وهذا مما لا سبيل إليه اليوم مع الأسف.
فليقنع العلماء -إذن- من الوجهة النظرية بما عليه جمهور أئمة المسلمين بعدم تكفير تارك الصلاة، مع إيمانه بها.
وقد قدمنا الدليل القاطع على ذلك من السنة الصحيحة فلا عذر لأحد بعد ذلك.
﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾.
تنبيه: سبق النقل (ص ٥٧ - ٥٨) عن ابن قدامة وهو ﵀ من جملة الذين فاتهم الإستدلال بهذا الحديث الصحيح للمذهب الصحيح في عدم تكفير تارك الصلاة كسلًا!
لكن العجيب أنه ذكر حديثًا آخر لو صح لكان قاطعًا للخلاف؛ لأن فيه أن مولى للأنصار مات، وكان يصلي ويدع، ومع ذلك أمر ﷺ بغسله والصلاة عليه، ودفنه!
وهو وإن كان قد سكت عنه؛ فإنه قد أحسن بذكره مع إسناده من رواية الخلال، الأمر الذي مكنني من دراسته، والحكم عليه بما يستحق من الضعف والنكارة، ولذلك أودعته في كتابي (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (٦٠٣٦).
تنبيه ثان:
بعد كتابة ما تقدم بأيام، أطلعني بعض إخواني على كتاب هام بعنوان: (فتح من العزيز الغفار بإثبات أن تارك الصلاة ليس من الكفار) تأليف عطاء بن عبد اللطيف أحمد، ففرحت به فرحًا كبيرًا، وازداد سروري حينما قرأته، وتصفحت بعض فصوله، وتبين لي أسلوبه العلمي، وطريقته في معالجة الأدلة المختلفة، التي منها -بل هي أهمها- تخريج الأحاديث، وتتبع طرقها وشواهدها، وتمييز صحيحها من ضعيفها، ليتسنى له بعد ذلك إسقاط ما لا يجوز الاشتغال به لضعفها، والاعتماد على ما ثبت منها، ثم الإستدلال به، أو الجواب عنه.
وهذا ما صنعه الأخ المؤلف -جزاه الله خيرًا- خلافًا لبعض المؤلفين الذين يحشرون كل ما يؤيدهم دون أن يتحروا الصحيح فقط، كما فعل الذين ردوا علي في مسألة وجه المرأة من المؤلفين في ذلك؛ من السعوديين، والمصريين، وغيرهم.
أما هذا الأخ (عطاء) فقد سلك المنهج العلمي في الرد على المكفرين؛ فتتبع أدلتهم، وذكر ما لها وما عليها، ثم ذكر الأدلة المخالفة لها على المنهج نفسه، ووفق بينها وبين ما يخالفها بأسلوب رصين متين، وإن كان يصحبه -أحيانًا- شيء من التساهل في التصحيح باعتبار الشواهد، ثم التكلف في التوفيق بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على كفر تارك الصلاة؛ كما فعل في حديث أبي الدرداء في الصلاة: ( ... فمن تركها فقد خرج من الملة)؛ فإنه بعد أن تكلم عليه، وبين ضعف إسناده، عاد فقواه بشواهده.
وهي في الحقيقة شواهد قاصرة لا تنهض لتقوية هذا الحديث، ثم أغرب فتأول الخروج المذكور فيه بأنه خروج دون الخروج!!
стр. 207
وله غير ذلك من التساهل والتأويل، كالحديث المخرج في (الضعيفة) (٦٠٣٧).
والحق: أن كتابه نافع جدًا في بابه، فقد جمع كل ما يتعلق به سلبًا أو إيجابًا، قبولًا أو رفضًا، دون تعصب ظاهر منه لأحد أو على أحد.
وأحسن ما فيه الفصل الأول من الباب الثاني وهو كما قال: (في ذكر أدلة خاصة تدل على أن تارك الصلاة لا يخرج من الملة) وعدد أدلته المشار إليها اثنا عشر دليلًا.
ولقد ظننت حين قرأت هذا العنوان في مقدمة كتابه، أن منها حديث الشفاعة هذا، لأنه قاطع للنزاع عند كل منصف -كما سبق بيانه-، ولكنه -مع الأسف- قد فاته، كما فات غيره من المتأخرين أو المتقدمين على ما سلف ذكره.
غير أنه لا بد لي من التنويه بدليل من أدلته، لأهميته، وغفلة المكفرين عنه، ألا وهو قوله ﷺ :
(إن للإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق ... ) الحديث؛ وفيه ذكر التوحيد، والصلاة، وغيرها من الأركان الخمسة المعروفة والواجبات ثم قال ﷺ : ( ... فمن انتقص منهن شيئًا فهو سهم من الإسلام تركه، ومن تركهن، فقد نبذ الإسلام وراءه).
وقد خرجه المومي إليه تخريجًا جيدًا، وتتبع طرقه وبين أن بعضها صحيح الإسناد، ثم بين دلالته الصريحة على عدم خروج تارك الصلاة من الملة.
وقد كنت خرجت هذا الحديث قديمًا في كتابي (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (رقم: ٣٣٣) منذ أكثر من ثلاثين سنة واستفاد هو منه كما هو شأن المتأخر مع المتقدم، ولكنه لم يشر إلى ذلك أدنى إشارة، ولقد كان يحسن به ذلك، ولا سيما أنه خصني بالنقد في بعض الأحاديث، وذلك مما لا يضرني ألبتة، بل إنه لينفعني أصاب أم أخطأ، وليس الآن مجال تفصيل القول في ذلك.
وقال الشيخ محمد صالح العثيمين ﵀:
حكم تارك الصلاة
إن هذه المسألة من مسائل العلم الكبرى، وقد تنازع فيها أهل العلم سلفًا وخلفًا، فقال الإمام أحمد بن حنبل: "تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا من الملة، يقتل إذا لم يتب ويصل".
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: "فاسق ولا يكفر".
ثم اختلفوا فقال مالك والشافعي: "يقتل حدًا" وقال أبو حنيفة: "يعزر ولا يقتل".
وإذا كانت هذه المسألة من مسائل النزاع، فالواجب ردها إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه﴾ [الشورى: من الآية ١٠]. وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: من الآية ٥٩].
ولأن كل واحد من المختلفين لا يكون قوله حجة على الآخر؛ لأن كل واحد يرى أن الصواب معه, وليس أحدهما أولى بالقبول من الآخر، فوجب الرجوع في ذلك إلى حكم بينهما وهو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .
وإذا رددنا هذا النزاع إلى الكتاب والسنة, وجدنا أن الكتاب والسنة كلاهما يدل على كفر تارك الصلاة, الكفر الأكبر المخرج عن الملة.
стр. 208
أولًا: من الكتاب:
قال تعالى في سورة التوبة: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ [التوبة: من الآية ١١].
وقال في سورة مريم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩، ٦٠].
فوجه الدلالة من الآية الثانية -آية سورة مريم- أن الله قال في المضيعين للصلاة, المتبعين للشهوات: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ فدل على أنهم حين إضاعتهم للصلاة واتباع الشهوات غير مؤمنين.
ووجه الدلالة من الآية الأولى -آية سورة التوبة- أن الله تعالى اشترط لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين ثلاثة شروط:
* أن يتوبوا من الشرك.
* أن يقيموا الصلاة.
* أن يؤتوا الزكاة.
فإن تابوا من الشرك, ولم يقيموا الصلاة, ولم يؤتوا الزكاة, فليسوا بإخوة لنا. وإن أقاموا الصلاة, ولم يؤتوا الزكاة, فليسوا بإخوة لنا.
والأخوة في الدين لا تنتفي إلا حيث يخرج المرء من الدين بالكلية, فلا تنتفي بالفسوق والكفر دون الكفر.
ألا ترى إلى قوله تعالى في آية القتل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٨]. فجعل الله القاتل عمدًا أخًا للمقتول, مع أن القتل عمدًا من أكبر الكبائر، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
ثم ألا تنظر إلى قوله تعالى في الطائفتين من المؤمنين إذا اقتتلوا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] , إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم﴾ [الحجرات: ١٠]. فأثبت الله تعالى الأخوة بين الطائفة المصلحة والطائفتين المقتتلتين, مع أن قتال المؤمن من الكفر، كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر" (١). لكنه كفر لا يخرج من الملة, إذ لو كان مخرجًا من الملة ما بقيت الأخوة الإيمانية معه. والآية الكريمة قد دلت على بقاء الأخوة الإيمانية مع الاقتتال.
وبهذا علم أن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة, إذ لو كان فسقًا أو كفرًا دون كفر، ما انتفت الأخوة الدينية به, كما لم تنتف بقتل المؤمن وقتاله.
стр. 209
فإن قال قائل: هل ترون كفر تارك إيتاء الزكاة كما دل عليه مفهوم آية التوبة؟
قلنا: كفر تارك إيتاء الزكاة قال به بعض أهل العلم, وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
ولكن الراجح عندنا أنه لا يكفر، لكنه يعاقب بعقوبة عظيمة, ذكرها الله تعالى في كتابه, وذكرها النبي ﷺ في سنته, ومنها ما في حديث أبي هريرة ﵁, أن النبي ﷺ ذكر عقوبة مانع الزكاة, وفي آخره: "ثم يرى سبيله, إما إلى الجنة وإما إلى النار". وقد رواه مسلم بطوله في: باب "إثم مانع الزكاة" (١) , وهو دليل على أنه لا يكفر، إذ لو كان كافرًا ما كان له سبيل إلى الجنة.
فيكون منطوق هذا الحديث مقدمًا على مفهوم آية التوبة؛ لأن المنطوق مقدم على المفهوم كما هو معلوم في أصول الفقه.
ثانيًا: من السنة:
١ - قال ﷺ : "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".
رواه مسلم في كتاب الإيمان عن جابر بن عبد الله, عن النبي ﷺ (٢).
٢ - وعن بريده بن الحصيب ﵁, قال: سمعت رسول الله ﷺ , يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة, فمن تركها فقد كفر". رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (٣).
والمراد بالكفر هنا: الكفر المخرج عن الملة؛ لأن النبي ﷺ جعل الصلاة فصلًا بين المؤمنين والكافرين, ومن المعلوم أن ملة الكفر غير ملة الإسلام, فمن لم يأت بهذا العهد فهو من الكافرين.
٣ - وفي صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂, أن النبي ﷺ , قال: "ستكون أمراء, فتعرفون وتنكرون, فمن عرف برئ, ومن أنكر سلم, ولكن من رضي وتابع." قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا" (٤).
٤ - وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث عوف بن مالك ﵁, أن النبي ﷺ , قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم, ويصلون عليكم وتصلون عليهم, وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم, وتلعنونهم ويعلنونكم". قيل: يا رسول الله, أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة" (٥).
ففي هذين الحديثين الأخيرين دليل على منابذة الولاة وقتالهم بالسيف إذا لم يقيموا الصلاة, ولا تجوز منازعة الولاة وقتالهم إلا إذا أتوا كفرًا صريحًا, عندنا فيه برهان من الله تعالى, لقول عبادة بن الصامت ﵁: "دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه, فكان فيما أخذ علينا, أن بايعنا على السمع والطاعة, في منشطنا ومكرهنا, وعسرنا ويسرنا, وأثرة علينا, وألا ننازع الأمر أهله". قال: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا
стр. 210
عندكم من الله فيه برهان" (١).
وعلى هذا فيكون تركهم للصلاة الذي علق عليه النبي ﷺ , منابذتهم وقتالهم بالسيف كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان.
ولم يرد في الكتاب والسنة أن تارك الصلاة ليس بكافر أو أنه مؤمن, وغاية ما ورد في ذلك نصوص تدل على فضل التوحيد, شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله, وثواب ذلك, وهي إما مقيدة بقيود في النص نفسه يمتنع معها أن يترك الصلاة, وإما واردة في أحوال معينة يعذر الإنسان فيها بترك الصلاة, وإما عامة فتحمل على أدلة كفر تارك الصلاة؛ لأن أدلة كفر تارك الصلاة خاصة, والخاص مقدم على العام.
فإن قال قائل: ألا يجوز أن تحمل النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة على من تركها جاحدًا لوجوبها؟
قلنا: لا يجوز ذلك لأن فيه محذورين:
الأول: إلغاء الوصف الذي اعتبره الشارع وعلق الحكم به.
فإن الشارع علق الحكم بالكفر على الترك دون الجحود ورتب الأخوة في الدين على إقام الصلاة, دون الإقرار بوجوبها, فلم يقل الله تعالى: فإن تابوا وأقروا بوجوب الصلاة, ولم يقل النبي ﷺ : بين الرجل وبين الشرك والكفر جحد وجوب الصلاة. أوالعهد الذي بيننا وبينهم الإقرار بوجوب الصلاة, فمن جحد وجوبها فقد كفر.
ولو كان هذا مراد الله تعالى ورسوله لكان العدول عنه خلاف البيان الذي جاء به القرآن الكريم, قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: من الآية ٨٩]. وقال تعالى مخاطبًا نبيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم﴾ [النحل: من الآية ٤٤].
الثاني: اعتبار وصف لم يجعله الشارع مناطًا للحكم:
فإن جحود وجوب الصلوات الخمس موجب لكفر من لا يعذر بجهله فيه سواء صلى أم ترك.
فلوا صلى شخص الصلوات الخمس وأتى بكل ما يعتبر لها من شروط, وأركان, وواجبات, ومستحبات, لكنه جاحد لوجوبها بدون عذر له فيه لكان كافرًا مع أنه لم يتركها.
فتبين بذلك أن حمل النصوص على من ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها غير صحيح, وأن الحق أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة, كما جاء ذلك صريحًا فيما رواه ابن أبي حاتم في سننه عن عبادة بن الصامت ﵁, قال: أوصانا رسول الله ﷺ : "لا تشركوا بالله شيئًا, ولا تتركوا الصلاة عمدًا, فمن تركها عمدًا متعمدًا فقد خرج من الملة".
وأيضًا فإننا لو حملناه على ترك الجحود لم يكن لتخصيص الصلاة في النصوص فائدة، فإن هذا الحكم عام في الزكاة, والصيام, والحج, فمن ترك منها واحدًا جاحدًا لوجوبه كفر إن كان غير معذور بجهل.
وكما أن كفر تارك الصلاة مقتضى الدليل السمعي الأثري, فهو مقتضى الدليل العقلي النظري.
стр. 211
فكيف يكون عند الشخص إيمان مع تركه للصلاة التي هي عمود الدين, والتي جاء من الترغيب في فعلها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يقوم بها ويبادر إلى فعلها. وجاء من الوعيد على تركها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يحذر من تركها وإضاعتها؟ فتركها مع قيام هذا المقتضى لا يبقي إيمانًا مع التارك.
فإن قال قائل: ألا يحتمل أن يراد بالكفر في تارك الصلاة كفر النعمة لا كفر الملة؟ أو أن المراد به كفر دون الكفر الأكبر؟ فيكون كقوله ﷺ : "اثنتان بالناس هما بهم كفر: الطعن في النسب, النياحة على الميت". وقوله: "سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر" ونحو ذلك.
قلنا: هذا الاحتمال والتنظير له لا يصح لوجوه:
الأول: أن النبي ﷺ جعل الصلاة حدًا فاصلًا بين الكفر والإيمان, وبين المؤمنين والكفار. والحد يميز المحدود ويخرجه عن غيره, فالمحدودان متغايران لا يدخل أحدهما في الآخر.
الثاني: أن الصلاة ركن من أركان الإسلام, فوصف تاركها بالكفر يقتضي أنه الكفر المخرج من الإسلام؛ لأنه هدم ركنًا من أركان الإسلام, بخلاف إطلاق الكفر على من فعل فعلًا من أفعال الكفر.
الثالث: أن هناك نصوصًا أخرى دلت على كفر تارك الصلاة كفرًا مخرجًا من الملة؛ فيجب حمل الكفر على ما دلت عليه لتتلاءم النصوص وتتفق.
الرابع: أن التعبير بالكفر مختلف.
ففي ترك الصلاة قال: "بين الرجل وبين الشرك والكفر" فعبر بـ "أل" الدالة على أن المراد بالكفر حقيقة الكفر بخلاف كلمة "كفر" منكرًا أو كلمة "كفر" بلفظ الفعل, فإنه دال على أن هذا من الكفر، أو أنه كفر في هذه الفعلة وليس هو الكفر المطلق المخرج عن الإسلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص٧٠ طبعة السنة المحمدية) على قوله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر".
قال: "فقوله: "هما بهم كفر" أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس, فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر، وهما قائمتان بالناس, لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرًا الكفر المطلق, حتى تقوم به حقيقة الكفر. كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنًا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته. وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله ﷺ : "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة" وبين كفر منكر في الإثبات انتهى كلامه.
فإذا تبين أن تارك الصلاة بلا عذر كافر كفرًا مخرجًا من الملة بمقتضى هذه الأدلة, كان الصواب فيما ذهب إليه الإمام أحمد ابن حنبل وهو أحد قولي الشافعي كما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات﴾ [مريم: من الآية ٥٩]. وذكر ابن القيم في "كتاب الصلاة" أنه أحد الوجهين في مذهب الشافعي, وأن الطحاوى نقله عن الشافعي نفسه.
وعلى هذا القول جمهور الصحابة, بل حكى غير واحد إجماعهم عليه.
قال عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة". رواه الترمذي والحاكم وصححه على شرطهما (١).
стр. 212
وقال إسحاق بن راهويه الإمام المعروف: "صح عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا, أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يخرج وقتها كافر".
وذكر ابن حزم أنه قد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة, قال: "ولا نعلم لهؤلاء مخالفًا من الصحابة". نقله عنه المنذري في "الترغيب والترهيب" وزاد من الصحابة: عبد الله بن مسعود, وعبد الله بن عباس, وجابر بن عبد الله, وأبا الدرداء ﵃. قال: "ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه, وعبد الله بن المبارك, والنخعي, والحكم بن عتيبة, وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي, وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب وغيرهم". أ. هـ.
فإن قال قائل: ما هو الجواب عن الأدلة التي استدل بها من لا يرى كفر تارك الصلاة؟
قلنا: الجواب: أن هذه الأدلة لم يأت فيها أن تارك الصلاة لا يكفر، أو أنه مؤمن, أو أنه لا يدخل النار، أو أنه في الجنة. ونحو ذلك.
ومن تأملها وجدها لا تخرج عن خمسة أقسام كلها لا تعارض أدلة القائلين بأنه كافر.
القسم الأول: أحاديث ضعيفة غير صريحة حاول موردها أن يتعلق بها ولم يأت بطائل.
القسم الثاني: ما لا دليل فيه أصلًا للمسألة.
مثل استدلال بعضهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: من الآية ٤٨]. فإن معنى قوله تعالى: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ما هو أقل من ذلك, وليس معناه ما سوى ذلك, بدليل أن من كذب بما أخبر الله به ورسوله, فهو كافر كفرًا لا يغفر وليس ذنبه من الشرك.
ولو سلمنا أن معنى ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ما سوى ذلك, لكان هذا من باب العام المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر بما سوى الشرك, والكفر المخرج عن الملة من الذنب الذي لا يغفر وإن لم يكن شركًا.
القسم الثالث: عام مخصوص بالأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة.
مثل قوله ﷺ في حديث معاذ بن جبل: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار" وهذا أحد ألفاظه, وورد نحوه من حديث أبي هريرة وعبادة بن الصامت وعتبان بن مالك ﵃.
القسم الرابع: عام مقيد بما لا يمكن معه ترك الصلاة.
مثل قوله ﷺ في حديث عتبان بن مالك: "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" رواه البخاري.
وقوله ﷺ في حديث معاذ: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار" رواه البخاري.
فتقييد الإتيان بالشهادتين بإخلاص القصد وصدق القلب يمنعه من ترك الصلاة، إذ ما من شخص يصدق في ذلك ويخلص إلا حمله صدقه وإخلاصه على فعل الصلاة ولا بد، فإن الصلاة عمود الإسلام، وهي الصلة بين العبد وربه، فإذا كان صادقًا في ابتغاء وجه الله، فلا بد أن يفعل ما يوصله إلى ذلك، ويتجنب ما يحول بينه وبينه، وكذلك من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من
стр. 213
قلبه, فلا بد أن يحمله ذلك الصدق على أداء الصلاة مخلصًا بها لله تعالى متبعًا فيها رسول الله ﷺ ؛ لأن ذلك من مستلزمات تلك الشهادة الصادقة.
القسم الخامس: ما ورد مقيدًا بحال يعذر فيها بترك الصلاة.
كالحديث الذي رواه ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب" الحديث. وفيه: "وتبقى طوائف من الناس, الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها" فقال له صلة: "ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون لا صلاة, ولا صيام, ولا نسك, ولا صدقة" فأعرض عنه حذيفة, ثم ردها عليه ثلاثًا, كل ذلك يعرض عنه حذيفة, ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: "يا صلة, تنجيهم من النار" ثلاثًا.
فإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمة من النار كانوا معذورين بترك شرائع الإسلام؛ لأنهم لا يدرون عنها, فما قاموا به هو غاية ما يقدرون عليه, وحالهم تشبه حال من ماتوا قبل فرض الشرائع, أو قبل أن يتمكنوا من فعلها, كمن مات عقب شهادته قبل أن يتمكن من فعل الشرائع, أو أسلم في دار الكفر فمات قبل أن يتمكن من العلم بالشرائع.
والحاصل أن ما استدل به من لا يرى كفر تارك الصلاة لا يقاوم ما استدل به من يرى كفره, لأن ما استدل به أولئك: إما أن يكون ضعيفًا غير صريح, وإما ألا يكون فيه دلالة أصلًا, وإما أن يكون مقيدًا بوصف لا يتأتى معه ترك الصلاة, أو مقيدًا بحال يعذر فيها بترك الصلاة, أو عامًا مخصوصًا بأدلة تكفيره!.
فإذا تبين كفره بالدليل القائم السالم عن المعارض المقاوم, وجب أن تترتب أحكام الكفر والردة عليه, ضرورة أن الحكم يدور مع علته وجودًا أو عدمًا.
ما يترتب على الردة بترك الصلاة أو غيرها
يترتب على الردة أحكام دنيوية وأخروية:
أولًا: من الأحكام الدنيوية:
١ - سقوط ولايته: فلا يجوز أن يولى شيئًا يشترط في الولاية عليه الإسلام, وعلى هذا فلا يولى على القاصرين من أولاده وغيرهم, ولا يزوج أحدًا من مولياته من بناته وغيرهن.
وقد صرح فقهاؤنا رحمهم الله تعالى في كتبهم المختصرة والمطولة: أنه يشترط في الولي الإسلام إذا زوج مسلمة, وقالوا: "لا ولاية لكافر على مسلمة".
وقال ابن عباس ﵄: "لا نكاح إلا بولي مرشد", وأعظم الرشد وأعلاه دين الإسلام, وأسفه السفه وأدناه الكفر والردة عن الإسلام. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: من الآية ١٣٠].
٢ - سقوط إرثه من أقاربه: لأن الكافر لا يرث المسلم, والمسلم لا يرث الكافر، لحديث أسامة بن زيد ﵄, أن النبي ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم". أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
٣ - تحريم دخوله مكة وحرمها: لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: من الآية ٢٨].
стр. 214
٤ - تحريم ما ذكاه من بهيمة الأنعام: "الإبل والبقر والغنم" وغيرها مما يشترط لحله الذكاة؛ لأن من شروط الذكاة: أن يكون المذكي مسلمًا أو كتابيًا "يهوديًا أو نصرانيًا", فأما المرتد والوثني والمجوسي ونحوهم فلا يحل ما ذكاه.
قال الخازن في تفسيره: " أجمعوا على تحريم ذبائح المجوس وسائر أهل الشرك من مشركي العرب وعبدة الأصنام ومن لا كتاب له".
وقال الإمام أحمد: "لا أعلم أحدًا قال بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة".
٥ - تحريم الصلاة عليه بعد موته, وتحريم الدعاء له بالمغفرة والرحمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤].
ودعاء الإنسان بالمغفرة والرحمة لمن مات على الكفر بأي سبب كان كفره اعتداء في الدعاء, ونوع من الاستهزاء بالله, وخروج عن سبيل النبي والمؤمنين.
وكيف يمكن لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدعو بالمغفرة والرحمة لمن مات على الكفر وهو عدو لله تعالى؟! كما قال : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]. فبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى عدو لكل الكافرين.
والواجب على المؤمن أن يتبرأ من كل كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦، ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: من الآية٤]. وليتحقق له بذلك متابعة رسول الله ﷺ , حيث قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: من الآية ٣].
ومن أوثق عرى الإيمان: أن تحب في الله, وتكره في الله, وتوالي في الله, وتعادي في الله, لتكون في محبتك, وكراهيتك, وولايتك, وعداوتك, تابعًا لمرضاة الله .
٦ - تحريم نكاحة المرأة المسلمة: لأنه كافر، والكافر لا تحل له المرأة المسلمة بالنص والإجماع. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ﴾ [الممتحنة: من الآية ١٠].
قال في المغني ٦/ ٥٩٢: "وسائر الكفار غير أهل الكتاب لا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم". قال: "والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت, لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين
стр. 215
الذي انتقلت إليه في إقرارها عليه, ففي حلها أولى".
وقال في باب المرتد ٨/ ١٣٠: "وإن تزوج لم يصح تزوجه؛ لأنه لا يقر على النكاح, وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة".
فأنت ترى أنه صرح بتحريم نكاح المرتدة, وأن نكاح المرتد غير صحيح, فماذا يكون لو حصلت الردة بعد العقد؟
قال في المغني ٦/ ٢٩٨:"إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال, ولم يرث أحدهما الآخر، وإن كانت ردته بعد الدخول ففيه روايتان: إحداهما: تتعجل الفرقة. والثاني: تقف على انقضاء العدة".
وفي المغني ٦/ ٦٣٩:" أن انفساخ النكاح بالردة قبل الدخول قول عامة أهل العلم, واستدل له. وفيه أيضًا أن انفساخه في الحال إذا كان بعد الدخول قول مالك وأبي حنيفة, وتوقفه على انقضاء العدة قول الشافعي.
وهذا يقتضي أن الأئمة الأربعة متفقون على انفساخ النكاح بردة أحد الزوجين, لكن إن كانت الردة قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال, وإن كانت بعد الدخول فمذهب مالك وأبي حنيفة الانفساخ في الحال, ومذهب الشافعي الانتظار إلى انقضاء العدة, وعن أحمد روايتان كالمذهبين.
وفي ص ٦٤٠ منه: "وإن ارتد الزوجان معًا, فحكمهما حكم ما لو ارتد أحدهما, إن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة, وإن كان بعده فهل تتعجل أو تقف على انقضاء العدة على روايتين. وهذا مذهب الشافعي" ثم نقل عن أبي حنيفة أن النكاح لا ينفسخ استحسانًا, لأنه لم يختلف بهما الدين, فأشبه ما لو أسلما, ثم نقض صاحب المغني قياسه طردًا وعكسًا.
وإذ تبين أن نكاح المرتد لا يصح من مسلم سواء كان أنثى أم رجلًا, وأن هذا مقتضى دلالة الكتاب والسنة, وتبين أن تارك الصلاة كافر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة وقول عامة الصحابة؛ تبين أن الرجل إذا كان لا يصلي وتزوج امرأة مسلمة, فإن زواجه غير صحيح, ولا تحل له المرأة بهذا العقد, وأنه إذا تاب إلى الله تعالى ورجع إلى الإسلام وجب عليه تجديد العقد. وكذلك الحكم لو كانت المرأة هي التي لا تصلي.
وهذا بخلاف أنكحة الكفار حال كفرهم, مثل أن يتزوج كافر بكافرة, ثم تسلم الزوجة فهذا إن كان إسلامها قبل الدخول انفسخ النكاح, وإن كان إسلامها بعده لم ينفسخ النكاح, ولكن ينتظر فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي زوجته, وإن انقضت العدة قبل إسلامه فلا حق له فيها, لأنه تبين أن النكاح قد انفسخ منذ أن أسلمت.
وقد كان الكفار في عهد النبي ﷺ يسلمون مع زوجاتهم, ويقرهم النبي ﷺ على أنكحتهم, إلا أن يكون سبب التحريم قائمًا, مثل أن يكون الزوجان مجوسيين وبينهما رحم محرم, فإذا أسلما حينئذ فرق بينهما لقيام سبب التحريم.
وهذه المسالة ليست كمسألة المسلم الذي كفر بترك الصلاة, ثم تزوج مسلمة, فإن المسلمة لا تحل للكافر بالنص والإجماع كما سبق ولو كان الكافر أصليًا غير مرتد, ولهذا لو تزوج كافر مسلمة فالنكاح باطل, ويجب التفريق بينهما, ولو أسلم وأراد أن يرجع إليها لم يكن له ذلك إلا بعقد جديد.
٧ - حكم أولاد تارك الصلاة من مسلمة تزوج بها:
فأما بالنسبة للأم فهم أولاد لها بكل حال.
وإما بالنسبة للزوج فعلى قول من لا يرى كفر تارك الصلاة فهم أولاده يلحقون به بكل حال؛