فكيف يكون عند الشخص إيمان مع تركه للصلاة التي هي عمود الدين, والتي جاء من الترغيب في فعلها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يقوم بها ويبادر إلى فعلها. وجاء من الوعيد على تركها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يحذر من تركها وإضاعتها؟ فتركها مع قيام هذا المقتضى لا يبقي إيمانًا مع التارك.
فإن قال قائل: ألا يحتمل أن يراد بالكفر في تارك الصلاة كفر النعمة لا كفر الملة؟ أو أن المراد به كفر دون الكفر الأكبر؟ فيكون كقوله ﷺ : "اثنتان بالناس هما بهم كفر: الطعن في النسب, النياحة على الميت". وقوله: "سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر" ونحو ذلك.
قلنا: هذا الاحتمال والتنظير له لا يصح لوجوه:
الأول: أن النبي ﷺ جعل الصلاة حدًا فاصلًا بين الكفر والإيمان, وبين المؤمنين والكفار. والحد يميز المحدود ويخرجه عن غيره, فالمحدودان متغايران لا يدخل أحدهما في الآخر.
الثاني: أن الصلاة ركن من أركان الإسلام, فوصف تاركها بالكفر يقتضي أنه الكفر المخرج من الإسلام؛ لأنه هدم ركنًا من أركان الإسلام, بخلاف إطلاق الكفر على من فعل فعلًا من أفعال الكفر.
الثالث: أن هناك نصوصًا أخرى دلت على كفر تارك الصلاة كفرًا مخرجًا من الملة؛ فيجب حمل الكفر على ما دلت عليه لتتلاءم النصوص وتتفق.
الرابع: أن التعبير بالكفر مختلف.
ففي ترك الصلاة قال: "بين الرجل وبين الشرك والكفر" فعبر بـ "أل" الدالة على أن المراد بالكفر حقيقة الكفر بخلاف كلمة "كفر" منكرًا أو كلمة "كفر" بلفظ الفعل, فإنه دال على أن هذا من الكفر، أو أنه كفر في هذه الفعلة وليس هو الكفر المطلق المخرج عن الإسلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص٧٠ طبعة السنة المحمدية) على قوله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر".
قال: "فقوله: "هما بهم كفر" أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس, فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر، وهما قائمتان بالناس, لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرًا الكفر المطلق, حتى تقوم به حقيقة الكفر. كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنًا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته. وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله ﷺ : "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة" وبين كفر منكر في الإثبات انتهى كلامه.
فإذا تبين أن تارك الصلاة بلا عذر كافر كفرًا مخرجًا من الملة بمقتضى هذه الأدلة, كان الصواب فيما ذهب إليه الإمام أحمد ابن حنبل وهو أحد قولي الشافعي كما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات﴾ [مريم: من الآية ٥٩]. وذكر ابن القيم في "كتاب الصلاة" أنه أحد الوجهين في مذهب الشافعي, وأن الطحاوى نقله عن الشافعي نفسه.
وعلى هذا القول جمهور الصحابة, بل حكى غير واحد إجماعهم عليه.
قال عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة". رواه الترمذي والحاكم وصححه على شرطهما (١).
стр. 212
وقال إسحاق بن راهويه الإمام المعروف: "صح عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا, أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يخرج وقتها كافر".
وذكر ابن حزم أنه قد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة, قال: "ولا نعلم لهؤلاء مخالفًا من الصحابة". نقله عنه المنذري في "الترغيب والترهيب" وزاد من الصحابة: عبد الله بن مسعود, وعبد الله بن عباس, وجابر بن عبد الله, وأبا الدرداء ﵃. قال: "ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه, وعبد الله بن المبارك, والنخعي, والحكم بن عتيبة, وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي, وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب وغيرهم". أ. هـ.
فإن قال قائل: ما هو الجواب عن الأدلة التي استدل بها من لا يرى كفر تارك الصلاة؟
قلنا: الجواب: أن هذه الأدلة لم يأت فيها أن تارك الصلاة لا يكفر، أو أنه مؤمن, أو أنه لا يدخل النار، أو أنه في الجنة. ونحو ذلك.
ومن تأملها وجدها لا تخرج عن خمسة أقسام كلها لا تعارض أدلة القائلين بأنه كافر.
القسم الأول: أحاديث ضعيفة غير صريحة حاول موردها أن يتعلق بها ولم يأت بطائل.
القسم الثاني: ما لا دليل فيه أصلًا للمسألة.
مثل استدلال بعضهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: من الآية ٤٨]. فإن معنى قوله تعالى: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ما هو أقل من ذلك, وليس معناه ما سوى ذلك, بدليل أن من كذب بما أخبر الله به ورسوله, فهو كافر كفرًا لا يغفر وليس ذنبه من الشرك.
ولو سلمنا أن معنى ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ما سوى ذلك, لكان هذا من باب العام المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر بما سوى الشرك, والكفر المخرج عن الملة من الذنب الذي لا يغفر وإن لم يكن شركًا.
القسم الثالث: عام مخصوص بالأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة.
مثل قوله ﷺ في حديث معاذ بن جبل: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار" وهذا أحد ألفاظه, وورد نحوه من حديث أبي هريرة وعبادة بن الصامت وعتبان بن مالك ﵃.
القسم الرابع: عام مقيد بما لا يمكن معه ترك الصلاة.
مثل قوله ﷺ في حديث عتبان بن مالك: "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" رواه البخاري.
وقوله ﷺ في حديث معاذ: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار" رواه البخاري.
فتقييد الإتيان بالشهادتين بإخلاص القصد وصدق القلب يمنعه من ترك الصلاة، إذ ما من شخص يصدق في ذلك ويخلص إلا حمله صدقه وإخلاصه على فعل الصلاة ولا بد، فإن الصلاة عمود الإسلام، وهي الصلة بين العبد وربه، فإذا كان صادقًا في ابتغاء وجه الله، فلا بد أن يفعل ما يوصله إلى ذلك، ويتجنب ما يحول بينه وبينه، وكذلك من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من
стр. 213
قلبه, فلا بد أن يحمله ذلك الصدق على أداء الصلاة مخلصًا بها لله تعالى متبعًا فيها رسول الله ﷺ ؛ لأن ذلك من مستلزمات تلك الشهادة الصادقة.
القسم الخامس: ما ورد مقيدًا بحال يعذر فيها بترك الصلاة.
كالحديث الذي رواه ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب" الحديث. وفيه: "وتبقى طوائف من الناس, الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها" فقال له صلة: "ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون لا صلاة, ولا صيام, ولا نسك, ولا صدقة" فأعرض عنه حذيفة, ثم ردها عليه ثلاثًا, كل ذلك يعرض عنه حذيفة, ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: "يا صلة, تنجيهم من النار" ثلاثًا.
فإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمة من النار كانوا معذورين بترك شرائع الإسلام؛ لأنهم لا يدرون عنها, فما قاموا به هو غاية ما يقدرون عليه, وحالهم تشبه حال من ماتوا قبل فرض الشرائع, أو قبل أن يتمكنوا من فعلها, كمن مات عقب شهادته قبل أن يتمكن من فعل الشرائع, أو أسلم في دار الكفر فمات قبل أن يتمكن من العلم بالشرائع.
والحاصل أن ما استدل به من لا يرى كفر تارك الصلاة لا يقاوم ما استدل به من يرى كفره, لأن ما استدل به أولئك: إما أن يكون ضعيفًا غير صريح, وإما ألا يكون فيه دلالة أصلًا, وإما أن يكون مقيدًا بوصف لا يتأتى معه ترك الصلاة, أو مقيدًا بحال يعذر فيها بترك الصلاة, أو عامًا مخصوصًا بأدلة تكفيره!.
فإذا تبين كفره بالدليل القائم السالم عن المعارض المقاوم, وجب أن تترتب أحكام الكفر والردة عليه, ضرورة أن الحكم يدور مع علته وجودًا أو عدمًا.
ما يترتب على الردة بترك الصلاة أو غيرها
يترتب على الردة أحكام دنيوية وأخروية:
أولًا: من الأحكام الدنيوية:
١ - سقوط ولايته: فلا يجوز أن يولى شيئًا يشترط في الولاية عليه الإسلام, وعلى هذا فلا يولى على القاصرين من أولاده وغيرهم, ولا يزوج أحدًا من مولياته من بناته وغيرهن.
وقد صرح فقهاؤنا رحمهم الله تعالى في كتبهم المختصرة والمطولة: أنه يشترط في الولي الإسلام إذا زوج مسلمة, وقالوا: "لا ولاية لكافر على مسلمة".
وقال ابن عباس ﵄: "لا نكاح إلا بولي مرشد", وأعظم الرشد وأعلاه دين الإسلام, وأسفه السفه وأدناه الكفر والردة عن الإسلام. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: من الآية ١٣٠].
٢ - سقوط إرثه من أقاربه: لأن الكافر لا يرث المسلم, والمسلم لا يرث الكافر، لحديث أسامة بن زيد ﵄, أن النبي ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم". أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
٣ - تحريم دخوله مكة وحرمها: لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: من الآية ٢٨].
стр. 214
٤ - تحريم ما ذكاه من بهيمة الأنعام: "الإبل والبقر والغنم" وغيرها مما يشترط لحله الذكاة؛ لأن من شروط الذكاة: أن يكون المذكي مسلمًا أو كتابيًا "يهوديًا أو نصرانيًا", فأما المرتد والوثني والمجوسي ونحوهم فلا يحل ما ذكاه.
قال الخازن في تفسيره: " أجمعوا على تحريم ذبائح المجوس وسائر أهل الشرك من مشركي العرب وعبدة الأصنام ومن لا كتاب له".
وقال الإمام أحمد: "لا أعلم أحدًا قال بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة".
٥ - تحريم الصلاة عليه بعد موته, وتحريم الدعاء له بالمغفرة والرحمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤].
ودعاء الإنسان بالمغفرة والرحمة لمن مات على الكفر بأي سبب كان كفره اعتداء في الدعاء, ونوع من الاستهزاء بالله, وخروج عن سبيل النبي والمؤمنين.
وكيف يمكن لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدعو بالمغفرة والرحمة لمن مات على الكفر وهو عدو لله تعالى؟! كما قال : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]. فبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى عدو لكل الكافرين.
والواجب على المؤمن أن يتبرأ من كل كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦، ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: من الآية٤]. وليتحقق له بذلك متابعة رسول الله ﷺ , حيث قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: من الآية ٣].
ومن أوثق عرى الإيمان: أن تحب في الله, وتكره في الله, وتوالي في الله, وتعادي في الله, لتكون في محبتك, وكراهيتك, وولايتك, وعداوتك, تابعًا لمرضاة الله .
٦ - تحريم نكاحة المرأة المسلمة: لأنه كافر، والكافر لا تحل له المرأة المسلمة بالنص والإجماع. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ﴾ [الممتحنة: من الآية ١٠].
قال في المغني ٦/ ٥٩٢: "وسائر الكفار غير أهل الكتاب لا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم". قال: "والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت, لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين
стр. 215
الذي انتقلت إليه في إقرارها عليه, ففي حلها أولى".
وقال في باب المرتد ٨/ ١٣٠: "وإن تزوج لم يصح تزوجه؛ لأنه لا يقر على النكاح, وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة".
فأنت ترى أنه صرح بتحريم نكاح المرتدة, وأن نكاح المرتد غير صحيح, فماذا يكون لو حصلت الردة بعد العقد؟
قال في المغني ٦/ ٢٩٨:"إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال, ولم يرث أحدهما الآخر، وإن كانت ردته بعد الدخول ففيه روايتان: إحداهما: تتعجل الفرقة. والثاني: تقف على انقضاء العدة".
وفي المغني ٦/ ٦٣٩:" أن انفساخ النكاح بالردة قبل الدخول قول عامة أهل العلم, واستدل له. وفيه أيضًا أن انفساخه في الحال إذا كان بعد الدخول قول مالك وأبي حنيفة, وتوقفه على انقضاء العدة قول الشافعي.
وهذا يقتضي أن الأئمة الأربعة متفقون على انفساخ النكاح بردة أحد الزوجين, لكن إن كانت الردة قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال, وإن كانت بعد الدخول فمذهب مالك وأبي حنيفة الانفساخ في الحال, ومذهب الشافعي الانتظار إلى انقضاء العدة, وعن أحمد روايتان كالمذهبين.
وفي ص ٦٤٠ منه: "وإن ارتد الزوجان معًا, فحكمهما حكم ما لو ارتد أحدهما, إن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة, وإن كان بعده فهل تتعجل أو تقف على انقضاء العدة على روايتين. وهذا مذهب الشافعي" ثم نقل عن أبي حنيفة أن النكاح لا ينفسخ استحسانًا, لأنه لم يختلف بهما الدين, فأشبه ما لو أسلما, ثم نقض صاحب المغني قياسه طردًا وعكسًا.
وإذ تبين أن نكاح المرتد لا يصح من مسلم سواء كان أنثى أم رجلًا, وأن هذا مقتضى دلالة الكتاب والسنة, وتبين أن تارك الصلاة كافر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة وقول عامة الصحابة؛ تبين أن الرجل إذا كان لا يصلي وتزوج امرأة مسلمة, فإن زواجه غير صحيح, ولا تحل له المرأة بهذا العقد, وأنه إذا تاب إلى الله تعالى ورجع إلى الإسلام وجب عليه تجديد العقد. وكذلك الحكم لو كانت المرأة هي التي لا تصلي.
وهذا بخلاف أنكحة الكفار حال كفرهم, مثل أن يتزوج كافر بكافرة, ثم تسلم الزوجة فهذا إن كان إسلامها قبل الدخول انفسخ النكاح, وإن كان إسلامها بعده لم ينفسخ النكاح, ولكن ينتظر فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي زوجته, وإن انقضت العدة قبل إسلامه فلا حق له فيها, لأنه تبين أن النكاح قد انفسخ منذ أن أسلمت.
وقد كان الكفار في عهد النبي ﷺ يسلمون مع زوجاتهم, ويقرهم النبي ﷺ على أنكحتهم, إلا أن يكون سبب التحريم قائمًا, مثل أن يكون الزوجان مجوسيين وبينهما رحم محرم, فإذا أسلما حينئذ فرق بينهما لقيام سبب التحريم.
وهذه المسالة ليست كمسألة المسلم الذي كفر بترك الصلاة, ثم تزوج مسلمة, فإن المسلمة لا تحل للكافر بالنص والإجماع كما سبق ولو كان الكافر أصليًا غير مرتد, ولهذا لو تزوج كافر مسلمة فالنكاح باطل, ويجب التفريق بينهما, ولو أسلم وأراد أن يرجع إليها لم يكن له ذلك إلا بعقد جديد.
٧ - حكم أولاد تارك الصلاة من مسلمة تزوج بها:
فأما بالنسبة للأم فهم أولاد لها بكل حال.
وإما بالنسبة للزوج فعلى قول من لا يرى كفر تارك الصلاة فهم أولاده يلحقون به بكل حال؛
стр. 216
لأن نكاحه صحيح. وأما على قول من يرى كفر تارك الصلاة وهو الصواب على ما سبق تحقيقه في الفصل الأول فإننا ننظر:
* فإن كان الزوج لا يعلم أن نكاحه باطل, أو لا يعتقد ذلك, فالأولاد أولاده يلحقون به, لأن وطأه في هذه الحال مباح في اعتقاده, فيكون وطء شبهة, ووطء الشبهة يلحق به النسب.
* وإن كان الزوج يعلم أن نكاحه باطل ويعتقد ذلك, فإن أولاده لا يلحقون به, لأنهم خلقوا من ماء من يرى أن جماعه محرم لوقوعه في امرأة لا تحل له.
ثانيًا: الأحكام الأخروية المترتبة على الردة
١ - أن الملائكة توبخه وتقرعه, بل تضرب وجوههم وأدبارهم, قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [لأنفال: ٥٠، ٥١].
٢ - أنه يحشر مع أهل الكفر والشرك لأنه منهم, قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٢، ٢٣]. والأزواج جمع "زوج" وهو"الصنف" أي احشروا الذين ظلموا ومن كان من أصنافهم من أهل الكفر والظلم.
٣ - الخلود في النار أبد الآبدين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٦].
وإلى هنا انتهى ما أردنا القول فيه في هذه المسألة العظيمة التي ابتلي بها كثير من الناس.
* وباب التوبة مفتوح لمن أراد أن يتوب. فبادر أخي المسلم إلى التوبة إلى الله مخلصًا لله تعالى, نادمًا على ما مضى, عازمًا على ألا تعود, مكثرًا من الطاعات, فـ ﴿مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧٠، ٧١].
أسأل الله تعالى أن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا, وأن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم, صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين, والصديقين والشهداء, والصالحين, غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
مخالفات الطهارة
- الجهر بالنية عد الوضوء: وهذا مخالف لسنة النبي ﷺ .
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: ولم يكن ﷺ يقول في أوله: نويت رفع الحدث، ولا استباحة الصلاة لا هو ولا أحد من أصحابه ألبتة ولم يرد عنه في ذلك حرف واحد لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف.
- ومن المخالفات أيضًا: الدعاء عند غسل أعضاء الوضوء، كقول بعضهم عند غسل يده اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني، وعند غسل وجهه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه ... إلخ.
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: ولم يحفظ عنه ﷺ ، أنه كان يقول على وضوئه شيئًا غير
التسمية، وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه مكذوب مختلق لم يقل رسول الله ﷺ شيئًا منه، ولا علمه لأمته، ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله، وقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
стр. 217
أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين". في آخره فهذا ثابت (١).
وفى حديث آخر عند النسائي مما يقال بعد الوضوء أيضًا: "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك".
- ومن المخالفات أيضًا: الإسراف في ماء الوضوء.
أخرج البخاري، عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يغسل -أو كان يغتسل- بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد.
وقال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في أول كتاب الوضوء من صحيحه: وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ .
- ومن المخالفات أيضًا: عدم إسباغ الوضوء.
والإسباغ: الإكمال، قال في الفتح: اسبغوا، أي: أكملوا.
روى البخاري في صحيحه عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة وكان يمر بنا، والناس يتوضئون من المطهرة قال: أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم ﷺ قال: "ويل للأعقاب من النار".
وعن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي وفى ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء، رواه أحمد، وأبو داود، وزاد: "والصلاة".
قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناد جيد؟ قال: جيد.
والحديث أخرجه أبو داود، والحاكم.
قال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: والحديث يدل على وجوب إعادة الوضوء من أوله على من ترك من غسل أعضائه مثل ذلك المقدار.
- اسقبال القبلة عند البول أو الغائط:
عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يولها ظهره ولكن شرقوا أو غربوا" رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن.
واختلف أهل العلم في هذا المبحث على عدة أقوال: وممن ذهب إلى القول بالتحريم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
قال ابن القيم: لا فرق بين الفضاء والبنيان لبضعة عشر دليلًا.
قآل الشيخ ابن القاسم: وهو أصح المذاهب في هذه المسألة وليس مع من فرق ما يقاومها ألبتة. اهـ.
- ومن المخالفات أيضًا: عدم التنزه من البول، وفي ذلك وعيد شديد كيف لا؟ وقد عده النبي ﷺ كبيرًا.
أخرج البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة -أو مكة- فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : "يعذبان وما يعذبان في كبير". ثم قال: "بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة". ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة. فقيل: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ فقال:
стр. 218
"لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا -أو- إلى أن ييبسا".
- ومن المخالفات أيضًا: وهو متعلق بالذى قبله أن بعض الناس عند قضاء الحاجة لا يستر عورته الستر الشرعي بل يكتفي أو يهتم بستر قبله ودبره دون غيرهما، وهذا مخالف لما ورد عنه ﷺ من أمره بتغطية الفخذ وأنها من العورة.
أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، بإسناد صحيح، أن النبي ﷺ مر على جرهد فقال: "يا جرهد غط فخذك فإن الفخذ عورة".
وأخرج الحاكم في مستدركه قوله ﷺ : "ما بين السرة والركبة عورة". إسناده حسن.
- ومن المخالفات أيضًا: أن بعض المسلمين هداهم الله يستحسن بعقله أشياء قد تكون مخالفة لشرع الله، ومن الأشياء المتعلقة بحديثنا هذا أن بعض الناس قد يدركه وقت الصلاة وهو حاقن لبوله فيتحامل على نفسه ويجهدها لأداء الصلاة، ولم يعرف أنه بفعله ذاك قد ضيق على نفسه، وخالف قول النبي ﷺ : "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخثان". أخرجه مسلم عن عائشة ﵂.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: عن الحاقن أيما أفضل يصلي بوضوء محتقنًا أو أن يحدث ثم يتيمم لعدم الماء؟
فأجاب -رحمه الله تعالى-: صلاته بالتيمم بلا احتقان أفضل من صلاته بالوضوء مع الاحتقان فإن هذه الصلاة مع الاحتقان مكروهة منهي عنها، وفي صحتها روايتان، وأما صلاته بالتيمم فصحيحة لا كراهة فيها بالاتفاق، والله أعلم.
- ومن المخالفات أيضًا: جهل كثير من الناس عند استيقاظه من النوم فيبدأ بالوضوء قبل غسل يديه أو يدخل يديه في إناء الوضوء قبل غسلها، وقد ورد الأمر بغسل اليد قبل إدخالها في الإناء.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، وإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"، رواه مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأصحاب السنن.
- ومن المخالفات أيضًا: أن بعض الناس هداهم الله يتركون التسمية عند ابتداء الوضوء.
فعن سعيد بن زيد، وأبي هريرة -رضي الله تعالى عنهما-، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"، رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم.
وقد تقدم أن ابن القيم أشار إلى ثبوت الحديث.
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ساق طرق الحديث: والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا، وقال ابن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي ﷺ قاله.
قال شيخنا عبد الله بن جبرين -حفظه الله تعالى- في أثناء شرحه لكتاب منار السبيل: أما مسألة التسمية في مكان الخلاء فقال بعض أهل العلم: "إن ذكر اسم الله في الخلاء مكروه، والتسمية على الوضوء واجب، والواجب يقدم على المكروه".
- مسح الرقبة في الوضوء:
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: ولم يصح عنه في مسح العنق حديث ألبتة. اهـ (زاد المعاد ١/
стр. 219
١٩٥).
- اعتقاد بعض الناس أنه لا بد من غسل الفرج في كل وضوء ولو لم يحدث: وهذا خطأ شائع.
والصواب في هذا أن يقال: من أدركته الصلاة، وقد سبق ذلك نوم أو خرج ريح من دبره فما عليه إلا أن يتوضأ، ولا يحتاج في ذلك إلى غسل فرجه، ومن اعتقد خلاف ذلك فقد ابتدع في دين الله إضافة إلى أن ذلك ضربا من الوسوسة.
وأما إذا أراد المسلم قضاء حاجته قبل الوضوء ففي هذه الحالة يجب عليه غسل فرجه وتنقية مكان البول والغائط.
- يدل لذلك ما يأتي:
فعن عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: بت عند خالتي ميمونة ليلة فقام النبي ﷺ من الليل، فلما كان في بعض الليل قام النبي ﷺ فتوضأ من شن معلق وضوءًا خفيفًا .. الحديث رواه البخاري، ولم يذكر ابن عباس أنه ﷺ غسل فرجه.
وأخرج البخاري أيضًا، أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد -رضي الله تعالى عنه- أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين ... الحديث، ولم يذكر فيه أنه غسل فرجه، ولا أشار إلى ذلك.
قال شيخنا الفاضل عبد العزيز بن باز -حفظه الله تعالى-:
وإنما يجب الإستنجاء أو الإستجمار من البول أو الغائط خاصة وما كان في معناهما قبل الوضوء (١).
- ومن المخالفات المتعلقة بالوضوء: ما يقع فيه كثير من الناس من عدم إكمال غسل اليدين إلى المرافق وإيضاح ذلك كما يلي:
عندما يتوضأ المسلم فإنه يبدأ فيسم الله ثم يغسل كفيه ثم يتمضمض ويستنشق ثم يغسل وجهه ثم يغسل يديه إلى المرافق، وهنا مكمن الخطأ فإن كثيرًا من الناس يبدأ بغسل يديه من أسفل الكف إلى آخر المرفق، وفعله هذا فيه نقص؛ لأن الواجب عليه غسل يديه كلها من أطراف الأصابع إلى المرافق، وقد نبه على ذلك شيخنا عبد الله بن جبرين -حفظه الله تعالى-.
كما نبه إلى ذلك الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله تعالى في أحد خطبه فقال:
وانتبهوا لأمر يخل به كثير من الناس وذلك أن بعض الناس إذا غسل يديه بعد غسل وجهه بدأ بهما من أطراف الذراع إلى المرفق، ولا يغسل الكفين، وهذا خطأ لأن الكفين داخلان في مسمى اليد، وعلى هذا فيجب أن تغسل يديك بعد غسل وجهك من أطراف الأصابع إلى المرافق.
كما أن بعض الناس في أيام الشتاء يكون عليه ثياب متعددة فيفسر كميه ولكن يفسرهما من دون المرفق، ولا يدخل المرفق في الغسل، وهذا خطأ فإن الواجب أن يفسر الإنسان كميه حتى يتجاوزا المرفقين لأجل أن يدخل المرفقين في الغسل (٢).
- ومن المخالفات المتعلقة بالطهارة أيضًا: أن بعض الناس إذا اغتسل للجنابة وخاصة البدين يكون
стр. 220
في جسمه مواضع أو مسافط بحيث يتراكم بعض اللحم على بعض كما هو الحال في جهة الصدر وعند إمرار الماء في أثناء الغسل ينحدر الماء على الطبقة العليا الساترة لما تحتها فتبقى الأجزاء المستورة جافة لم يصلها الماء، وفي هذه الحالة يكون الغسل ناقصًا.
- ومن المخالفات التي يقع فيها كثير من الناس: أن بعض الناس يترك مواضع في بدنه لا يصلها الماء عند الوضوء أو الغسل، فمن تلك المواضع، وهو أكثرها:
ما يكون بين الأصابع وخاصة أصابع القدمين، فيقوم بعض الناس في أثناء الوضوء بصب الماء على قدميه دون أن يقوم بإدخاله بين الأصابع فيبقى ما بين الأصابع جافًا لم يصل إليه الماء فيخل بوضوئه، ومن ثم بصلاته.
وقد بين النبي ﷺ ذلك وخصه لأهميته فقال مخاطبًا أحد الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- اسمه لقيط بن صبرة -رضي الله تعالى عنه-: "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع"، الحديث أورده الحافظ في بلوغ المرام وقال: أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة.
قال الصنعاني: ظاهر في إرادة أصابع اليدين والرجلين ... ثم قال: والحديث دليل على وجوب إسباغ الوضوء وهو إتمامه واستكمال الأعضاء، أسبغ الوضوء: أبلغه مواضعه ووفي كل عضو حقه، وفي غيره مثله.
- ومن المواضع أيضًا: أن بعض الناس قد يكون على يده ساعة أو في إصبعه خاتم في أثناء الوضوء وعند الوضوء تحجب تلك الساعة أو ذلك الخاتم الموضع الذي تحته فلا يصل إليه الماء فيختل وضوؤه.
والذي ينبغي عليه في مثل هذه الحالة: أن يخلع الساعة أو الخاتم أو يحركهما عن مكانهما ليعم الماء جميع العضو فيتم وضوؤه.
قال البخاري: وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم إذا توضأ. اهـ.
- ومن المواضع أيضًا: أن بعض الناس قد يقع على يديه نوع من الدهان الذي تطلى به الحيطان، وهو ما يعرف بـ (البوية)، وهذا النوع إذا وقع على اليد يمنع وصول الماء إلى الجزء الذي يراد غسله فيبقى الوضوء ناقصًا.
لذا فإن على من وقع على يديه شيء من هذا يبادر إلى إزالته قبل الوضوء بالمواد الخاصة لإزالته كالكيروسين، وما شابهه.
- ومن المواضع أيضًا: أن بعض النساء يجعلن على أظفارهن ما يسمى بالمناكير -نسأل الله الثبات عند سؤال منكر ونكير- وهذا الطلاء فيه سماكة بحيث يمنع وصول الماء منعًا باتًا، لذلك فيجب على النساء اللاتي يضعن هذا الطلاء أن يزلنه قبل الوضوء حتى يعم الماء الجزء المغطى فيتم الوضوء.
- بعض الناس إذا أحدث في مصلاه ضرب بيده ما تحته من السجاد ثم تيمم وصلى مع الجماعة: وهذا غالبًا ما يحصل إذا كان الزحمام شديدًا كما يحدث في الحرمين أو في المساجد الكبيرة، ويحدث هذا أيضًا عندما يكون الوقت باردا فيحدث الإنسان فيتكاسل عن الذهاب إلى أماكن الوضوء ليتوضأ بالماء، أو عند إقامة الصلاة، فيظن هذا أن إدراك الصلاة مع الجماعة بالتيمم أولى من الذهاب للوضوء، فجميع ما تقدم ذكره مما يقع فيه بعض الناس عن جهل أو حسن نية، ونقول على ذلك:
أن من ترك الوضوء بالماء مع إمكان حصوله ثم عمد إلى التيمم ففعله غير جائز وصلاته باطلة.
وذلك؛ لأن الله تعالى لم يرخص في التيمم إلا عند فقد الماء أو تعذره.
стр. 221
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
فدلالة الآية صريحة على أن التيمم لا يجوز عند وجود الماء.
- ومن المخالفات أيضًا: أن بعض الناس يأخذه النوم فإذا أقيمت الصلاة وخاصة صلاة الفجر، والجمعة قام وصلى مع المسلمين ولم يلق لنومه بالًا، ولم يعره اهتمامًا.
ولم يعرف ذلك المسكين أن بعض النوم قد ينقض الوضوء فيصلي صلاته بغير وضوء، وعلى ذلك لا تصح صلاته.
ونسوق هنا فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز تتعلق بهذه المسألة، والله نسأل أن ينفع بها من سمعها:
سئل سماحة الشيخ -حفظه الله تعالى عن كل سوء- عن الذين ينامون في المسجد الحرام قبل الظهر والعصر مثلًا ثم يحضر المنبه للناس لإيقاظهم فيقومون للصلاة دون أن يتوضئوا وهكذا بعض النساء أيضًا، فما حكم ذلك أفيدونا جزاكم الله خيرًا؟
أجاب سماحة الشيخ بما نصه: النوم ينقض الوضوء إذا كان مستغرقًا قد أزال الشعور لما روى الصحابي الجليل صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم، أخرجه النسائي، والترمذي، واللفظ له وصححه ابن خزيمة.
ولما روى معاوية ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "العين وكاء السه (١) فإذا نامت العينان استطلق الوكاء" أخرجه أحمد، والطبراني، وفي سنده ضعف لكن له شواهد تعضده كحديث صفوان المذكور، وبذلك يكون حديثًا حسنًا.
وبذلك يعلم أن من نام من الرجال أو النساء في المسجد الحرام أو غيره فإنه تنتقض طهارته وعليه الوضوء فإن صلى بغير وضوء لم تصح صلاته والوضوء الشرعي هو غسل الوجه مع المضمضة والإستنشاق وغسل اليدين مع المرفقين ومسح الرأس مع الأذنين وغسل الرجلين مع الكعبين ولا حاجة إلى الإستنجاء في النوم ونحوه كالريح ومس الفرج وأكل لحم الإبل. وإنما يجب الإستنجاء أو الإستجمار من البول والغائط خاصة وما كان في معناهما قبل الوضوء.
أما النعاس فلا ينقض الوضوء؛ لأنه لا يذهب معه الشعور وبذلك تجتمع الأحاديث الواردة في هذا الباب، والله ولي التوفيق. انتهى جواب سماحته -حفظه الله تعالى-.
- ومن المخالفات أيضًا: الوضوء على الوضوء دون أن يتخلل بينهما صلاة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بعد كلام له:
وإنما تكلم الفقهاء فيمن صلى بالوضوء الأول هل يستحب له التجديد؟ وأما من لم يصل به فلا يستحب له إعادة الوضوء بل تجديد الوضوء في مثل هذا بدعة مخالفة لسنة رسول الله ﷺ ، ولما عليه
стр. 222
المسلمون في حياته وبعده إلى هذا الوقت. انتهى كلامه -رحمه الله تعالى- (٢١/ ٣٧٦).
- ومن المخالفات أيضًا: أن بعض الرجال إذا جامع أهله لا يغتسل، ولا يأمر أهله بالغسل إلا إذا أنزلا، وهذا أمر تعم به البلوى ويخطئ فيه الكثيرون، فنقول وبالله تعالى التوفيق: كان الأمر أولًا أن لا يغتسل الرجل إلا إذا أنزل وكذلك المرأة.
ودليل ذلك: ما أخرجه مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ "الماء من الماء".
قال الصنعاني: أي الاغتسال من الإنزال، فالماء الأولى المعروف والثاني المني.
لكن هذا الخبر نسخ بحديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل" متفق عليه.
وزاد مسلم: "وإن لم ينزل"، وفي لفظ أبي داود: "وألزق الختان بالختان"، هذا الحديث استدل به الجمهور على نسخ مفهوم حديث: "الماء من الماء".
واستدلوا على أن هذا آخر الأمرين ما رواه أحمد وغيره من طريق الزهري، عن أبي بن كعب، أنه قال: "إن الفتيا التي كانوا يقولون إن الماء من الماء رخصة كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد". صححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال الإسماعيلي: إنه صحيح على شرط البخاري، وهو صريح في النسخ لحديث: "إنما الماء من الماء".
ومن أدلة كونه ناسخًا أيضًا: أن حديث أبي هريرة منطوق وحديث أبي سعيد "الماء من الماء" مفهوم، والمنطوق مقدم على المفهوم.
ويضاف إلى ذلك أيضًا: أن الآية تعضد المنطوق في إيجاب الغسل، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
قال الشافعي: إن كلام العرب يقتضي أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع، وإن لم يكن فيه إنزال، قال: فإن كل من خوطب بأن فلانًا أجنب عن فلانة عقل أنه أصابها، وإن لم ينزل، قال: ولم يختلف أن الزنا الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إنزال. اهـ.
فتعاضد الكتاب والسنة على إيجاب الغسل من الإيلاج، "انتهى بتصرف من سبل السلام".
وبعد هذا كله نقول: إن من جامع امرأته، ومس ختانه ختانها فقد وجب عليه الغسل ولو لم ينزل فإن صلى ولم يغتسل فقد صلى وهو جنب فصلاته باطلة.
- ومن المخالفات أيضًا: أن بعض الناس عند فراغه من غسل الجنابة، وقبل أن يرتدي ملابسه تقع يده على فرجه، فلا يلقي لذلك بالًا ويصلي بذلك الغسل ما لم يحدث.
لكن هذا لم يعرف أنه بملامسة يديه لفرجه قد انتقض وضوؤه، ودليل ذلك ما روته بسرة بنت صفوان -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ : "من مس ذكره فليتوضأ". أخرجه مالك، وأحمد، وأهل السنن، والحاكم.
وعلى ذلك فيقال لمن اغتسل: احرص ألا تمس يدك فرجك لئلا ينتقض الوضوء فإن مسسته فعليك إعادة الوضوء.
стр. 223
- اعقاد بعض الناس أن الوضوء لا يتم ألا إذا كان ثلاثًا ثلاثًا، أي: غسل كل عضو ثلاث مرات:
وهذا اعتقاد خاطئ، قال البخاري في صحيحه: باب الوضوء مرة مرة، باب الوضوء مرتين مرتين، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا. وأورد تحت الباب الأول حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: توضأ النبي ﷺ مرة مرة.
وأورد تحت الباب الثاني حديث عبد الله بن زيد -رضي الله تعالى عنه- قال: إن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين.
وأورد تحت الباب الثالث حديث عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا.
فدلت الأحاديث السابقة على جواز الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا.
- الزيادة في عدد غسل أعضاء الوضوء أو بعضها أكثر من ثلاث مرات:
وهذه تحدث من بعض الناس فيعتقد أنه كلما أكثر من غسل أعضاء وضوئه كلما زاد أجره، وهذا تلبيس من الشيطان، لأن العمل إذا لم يكن مشروعًا فهو مردود، كما قال النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". متفق عليه، ولمسلم رواية أخرى بلفظ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
- عدم الوضوء من ماء زمزم والتحرج من ذلك، وفعل التيمم بدل الوضوء منه:
وهذا يقع فيه بعض الناس فتجد أحدهم يتورع ويتقي الوضوء من ماء زمزم لما ورد فيه من الفضل، ويصلي بالتيمم مع وجود الماء بين يديه، وهذا من المخالفات الصريحة للنصوص الصريحة.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
فلم يرخص الله بالتيمم إلا مع فقد الماء أو تعذر حصوله ولم يستثن ماء زمزم من غيره.
ومما يؤكد جواز الوضوء من ماء زمزم: ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند، عن علي -رضي الله تعالى عنه- في صفة بعض حجة النبي ﷺ ، وفيها: "ثم أفاض رسول الله ﷺ ، فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه، وتوضأ" الحديث.
قال الساعاتي: فيه استحباب الشرب والوضوء من ماء زمزم. انتهى من الفتح الرباني (١١/ ٨٦).
- وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله تعالى- عن فضل ماء زمزم؟
فأجاب سماحته على ذلك وجاء في فتوى سماحته ما نصه:
ويجوز له الوضوء منها ويجوز أيضًا الإستنجاء منها والغسل من الجنابة إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وقد ثبت عنه ﷺ أنه نبع الماء من بين أصابعه ثم أخذ الناس حاجتهم من هذا الماء ليشربوا وليتوضئوا وليغسلوا ثيابهم وليستنجوا، كل هذا وقع، وماء زمزم إن لم يكن مثل الماء الذي نبع من بين أصابع النبي ﷺ لم يكن فوق ذلك، فكلاهما ماء شريف، فإذا جاز الوضوء، والاغتسال، والاستنجاء وغسل الثياب من الماء الذي نبع من بين أصابعه ﷺ ، فهكذا يجوز من ماء زمزم.
وبكل حال فهو ماء طهور طيب يستحب الشرب منه، ولا حرج في الوضوء منه ولا حرج في غسل الثياب منه، ولا حرج في الإستنجاء منه إذا دعت الحاجة إلى ذلك كما تقدم، والحمد لله. "انتهى من
стр. 224
كتاب: فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة ص ١٢٢، ١٢٣".
- ومن المخالفات أيضًا: ما يقع مع بعض النساء من تأخيرهن الغسل من الحيض إذا طهرت في آخر الوقت.
قال الشيخ محمد بن عثيمين -حفظه الله تعالى-: ... وأن بعض النساء تطهر في أثناء وقت الصلاة وتؤخر الاغتسال إلى وقت آخر، تقول: إنه لا يمكنها كمال التطهر في هذا الوقت ولكن هذا ليس بحجة، ولا عذر لأنه يمكنها أن تقتصر على أقل الواجب في الغسل وتؤدي الصلاة في وقتها ثم إذا حصل لها وقت سعة تطهرت التطهر الكامل (١).
- تحرج بعض الناس من الصلاة فوق أسطح البيارات:
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله تعالى- عن ذلك؟ فأجاب بما نصه: حكمها -أي الصلاة على أسطح البيارات- الصحة إذا كان المحل طاهرًا في أصح قولي العلماء لعموم قوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا". متفق على صحته، (الدعوة ١١٦٢ في ٧/ ٣/١٤٠٩ هـ).
مخالفات الصلاة
- ومن المخالفات أيضًا: الجهر بالنية عند ابتداء الصلاة، وقد تقدم الكلام على هذا في مخالفات الوضوء.
- قول بعض المصلين في دعاء الاسفتاح: "ولا معبود سواك"، وهذه زيادة على السنة الثابتة عنه ﷺ .
فقد صح عنه ﷺ أنه كان يستفتح صلاته بقوله: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، أما لفظة: "ولا معبود سواك" فزيادة على كونها لم ترد في الحديث فمعناها خاطئ أيضًا؛ لأن هناك أشياء تعبد من دون الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠]، والآيات في ذلك كثيرة.
إذا علم ذلك فصواب اللفظة أن يقال: ولا معبود بحق سواك.
- ومن المخالفات أيضًا: رفع الصوت بالقرآن والأذكار في أثناء الصلاة.
قال ﷺ : "إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا ترفعوا أصواتكم بالقرآن فتؤذوا المؤمنين". رواه البغوي وغيره عن أبي سعيد الخدري وغيره.
وقد سئل العلامة الفاضل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله تعالى ورعاه ووفقه لما يحبه ويرضاه- عن حكم رفع الصوت "الجهر" بالقرآن أثناء الصلاة للمأموم يخلف من بجانبه من المأمومين؟
стр. 225
فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: السنة للمأموم الإخفات لقراءته وسائر أذكاره ودعواته لعدم الدليل على جواز الجهر، ولأن في جهره بذلك تشويشًا على من حوله من المصلين، انتهى جوابه -حفظه الله- كما في كتاب الدعوة.
- ومن المخالفات أيضًا: الاستناد إلى جدار أو عمود ونحو ذلك.
سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله تعالى- عن الاستناد إلى جدار أو عمود ونحو ذلك؟
فأجاب -حفظه الله تعالى- بما نصه: لا يجوز الاستناد في الصلاة -صلاة الفرض- إلى جدار أو عمود؛ لأن الواجب على المستطيع الوقوف معتدلًا غير مستند، فأما في النافلة فلا حرج في ذلك؛ لأنه يجوز أداؤها قاعدًا، وأداؤها قائمًا مستندًا أفضل من الجلوس. اهـ.
- وصل آية بآية أو وصل ثلاث آيات أو أكثر ببعضها: والسنة في ذلك أن يقطع القراءة آية آية.
عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ ، فقالت: "كان يقطع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. أخرجه أبو داود، والترمذي، والدارقطني، وقال: إسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات، ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة والنووي.
وفي الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ما نصه: ووقوف القارئ على رؤوس الآيات سنة، وإن كانت الآية الثانية متعلقة بالأولى تعلق الصفة بالموصوف أو غير ذلك. (٩٨).
- ومن المخالفات أيضًا: قول بعض المأمومين عند قراءة الإمام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: استعنا بالله.
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في المجموع: قد اعتاد كثير من العوام أنهم إذا سمعوا قراءة الإمام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالوا: إياك نعبد وإياك نستعين، وهذا بدعة منهي عنها، اهـ مختصرًا.
- قول بعض المصلين بعد قول الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: آمين ولوالدي وللمسلمين.
وهذا خلاف سنة نبينا ﷺ ، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
وعنه -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". أخرجهما البخاري، ففي هذين الحديثين وغيرهما الاقتصار على التأمين دون غيره، والله أعلم.
- عدم إقامة الصلب في القيام والجلوس:
فيلاحظ على بعض المصلين أن قيامه في صلاته غير مكتمل فتارة يكون محدوبًا بظهره، وتارة مائلًا جهة اليمين، وتارة بهما معًا، وتارة مائلًا جهة اليسار، وهذا منهي عنه.
أخرج الإمام أحمد، والطبراني في الكبير بسند صحيح، أن النبي ﷺ قال: "لا ينظر الله إلا
стр. 226
صلاة عبد لا يقيم صلبه بين ركوعها وسجودها".
وأمر النبي ﷺ المسيء صلاته بقوله: "ثم ارفع رأسك حتى تعدل قائمًا فيأخذ كل عظم مأخذه -وفي رواية- وإذا رفعت فأقم صبك وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها"، ثم قال: "إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس إذا لم يفعل ذلك".
- عدم إقامة الصلب في الركوع والسجود:
فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يصلي فلمح بمؤخر عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف، قال: (يا معشر المسلمين إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود". أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن ماجه.
وفي حديث آخر قال ﷺ : "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود"، رواه أبو عوانة، وأبو داود، والسهمي، وصححه الدارقطني.
ويبقى هنا مسألة وهي: كيفية إقامة الصلب؟
والجواب على ذلك: من فعل النبي ﷺ : "فكان ﷺ إذا ركع بسط ظهره وسواه". أخرجه البيهقي بسند صحيح.
وكان ﷺ يسوي ظهره في الركوع "حتى لو صب عليه الماء لاستقر"، رواه ابن ماجه، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والطبراني في معجميه الكبير والصغير.
وقال ﷺ للمسيء صلاته: (فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن لركوعك"، رواه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح.
- ومن المخالفات أيضًا: أن بعض الناس إذا دخل المسجد، والإمام راكع تنحنح بقصد إسماع الإمام حتى ينتظره أو يقول: "إن الله مع الصابرين".
وهذا ينافي أدب الداخل إلى المسجد فإن المسلم في هذه الحالة مأمور بأن يمشي إلى الصلاة بسكينة فما أدرك فليصل، وما فاته فليتم، أما إحداث أعمال ما أنزل الله بها من سلطان فلا خير فيها، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
ويضاف إلى ذلك أيضًا: أن في كلام الداخل تشويش على المصلين، وقطع لخشوع الخاشع.
- زيادة لفظ: "والشكر" عند اعتداله من الركوع.
والثابت عنه ﷺ أنه كان يقول: "ربنا ولك الحمد"، أو "ربنا لك الحمد" أخرجهما البخاري ومسلم، وعند البخاري أيضًا لفظ: "اللهم ربنا ولك الحمد"، وكذلك: "اللهم ربنا لك الحمد".
- تحريك الأصابع بين السجدتين: الذي ثبت عنه ﷺ أنه كان يشير بأصبعه السبابة في أثناء جلوسه للتشهدين.
عن عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنهما- قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه" رواه مسلم.
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع
стр. 227
يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثًا وخمسين وأشار بالسبابة.
- ومن المخالفات أيضًا: انتظار الإمام إن كان ساجدًا حتى يرفع أو جالسًا حتى يقوم وعدم الدخول معه إلا إذا كان قائمًا أو راكعًا.
والصواب: أن يدخل مع الإمام على أي حال كان الإمام عليه قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو جالسًا.
عن أبي قتادة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا ومما فأتكم فأتموا". رواه البخاري، وأخرجه أيضًا عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- بلفظ مقارب.
قال ابن حجر: عند ذكر فوائد الحديث، واستدل به أيضًا على استحباب الدخول مع الإمام في أي حالة وجد عليها.
وفيه حديث أصرح منه، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن رفيع، عن رجل من الأنصار مرفوعًا: "من وجدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها" اهـ، من الفتح.
ومن الأدلة على ذلك أيضًا: ما أخرجه الترمذي، عن معاذ -رضي الله تعالى عنه-، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام".
- ومن المخالفات أيضًا: عدم تمكين الأعضاء السبعة من السجود وهذا خلاف الثابت عنه ﷺ .
فعن عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: "أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا الجبهة واليدين والركبتين والرجلين".
وعنه رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم، ولا نكف ثوبًا، ولا شعرًا".
وعنه رضي الله تعالى عنهما، قال: قال النبي ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم -وأشار بيده على أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين- ولا نكفت الثياب والشعر". أخرجهما جميعًا البخاري في صحيحه.
والمخالفات التي تقع من الناس في هذا المبحث على أنواع:
منها: أن بعض الناس إذا سجد رفع قدميه قليلًا عن الأرض أو جعل إحداهما على الأخرى، وهو في هذه الحالة لم يصدق عليه أنه سجد على سبعة أعظم.
منها: أن بعض الناس إذا سجد قد يكون أنفه على طرف البساط ويرتفع جبينه فلا يلامس الأرض.
ومنها: أن بعض الناس ممن يلبس العقال قد يسجد على طرف العقال بجبينه فيرتفع أنفه، أو على أنفه فيرتفع جبينه.
وكل هذا مخالف لما سبق من الأحاديث الآمرة بالسجود على سبعة أعظم.
- ومن المخالفات أيضًا: الإقعاء في الصلاة.
أخرج أحمد، وأبو يعلى، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: "نهاني خليلي ﷺ عن ثلاث: عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب".
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه (غريب الحديث):
قال أبو عبيدة: الإقعاء جلوس الرجل على إليتيه ناصبًا فخذيه مثل إقعاء الكلب، ورجع هذا أبو عبيد فقال: تفسير أبي عبيدة في الإقعاء أشبه بالمعنى لأن الكلب إنما يقعي كما قال.
стр. 228
وقد روي عن النبي ﷺ أنه أكل مقعيًا، فهذا يبين لك أن الإقعاء هو هذا، وعليه تأويل كلام العرب، انتهى.
- ومن المخالفات أيضًا: أن بعض المصلين يطيل القيام ويوجز في الركوع والسجود، وباقي الأركان إيجازًا شديدًا بحيث يظهر التفاوت الكبير بين قيامه وسائر أركان صلاته.
عن البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنهما- قال: "رمقت الصلاة مع محمد ﷺ ، فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه، فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء" أخرجه البخاري، ومسلم.
- ومن المخالفات أيضًا: أن بعض المصلين إذا فرغ من التشهد الأول والإمام لا يزال جالسًا أعاد المأموم تشهده ليقطع صمته وبعضهم لا يعيد التشهد بل ويتحرج من الزيادة عليه.
وعلى ذلك يقال لمن أعاد التشهد: إن فعلك ذلك محدث، والنبي ﷺ يقول: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
ويقال لمن تحرج من الزيادة: لا حرج عليك بل إن السنة تؤيد الزيادة على التشهد بالدعاء.
ودليل ذلك:
ما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قعدتم بين كل ركعتين فقولوا: التحيات لله والصلوات لله والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه". أخرجه النسائي، وأحمد، والطبراني في المعجم الكبير.
- التورك في الركعة الثانية والافتراش في الرابعة:
والسنة أن يتورك في الركعة الثالثة من المغرب، وأن يفترش في الثانية.
أخرج البخاري عن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه أنه قال في أثناء وصفه لصلاة النبي ﷺ : "فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته". الحديث بطوله.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث حجة قوية للشافعي ومن قال بقوله في أن هيئة الجلوس في التشهد الأول مغايرة لهيئة الجلوس في الأخير. اهـ.
وفي مق العمدة للحنابلة ما نصه: ولا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان في الأخيرة منهما.
- ومن المخالفات أيضًا: الإشارة بالسبابتين في أثناء التشهد، وقد ورد في ذلك نهي صريح صحيح.
أخرج ابن أبي شيبة، والنسائي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، أن النبي ﷺ رأى رجلًا يدعو بأصبعيه فقال: "أحد أحد، وأشار بالسبابة"، وللحديث أيضًا شاهد عند ابن أبي شيبة.
والسنة أن يشير بسبابة يده اليمنى فقد كان النبي ﷺ يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى ويقبض أصابع كفه اليمنى كلها ويشير بأصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة ويرمي ببصره إليها. أخرجه مسلم، وابن خزيمة، وأبو يعلى، وأبو عوانة.
وكان ﷺ إذا أشار بأصبعه وضع إبهامه على إصبعه الوسطى، وتارة، "كان يحلق بهما حلقة" رواه أبو داود، والنسائي، وابن الجارود.
стр. 229
- ومن المخالفات أيضًا: أن يقوم المسبوق لقضاء ما فاته قبل تسليم الإمام فيلاحظ على المسبوقين أنهم يبادرون إلى القيام لما فاتهم عند ابتداء الإمام في السلام، وهنا مخالف لقوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا" الحديث رواه البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ومن سبقه الإمام بشيء من الصلاة فلا يقوم لقضاء ما عليه إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين.
- ومن المخالفات أيضًا: ما يفعله كثير من المسبوقين بعدما ينحني راكعًا إذا وجد الإمام في الركوع، والأصل أن التحريمة (تكبيرة الاحرام) تفعل من قيام ثم يركع بعدها، ولو استعجل فترك تكبيرة الركوع أجزأته صلاته، واكتفى بالتحريمة (تكبيرة الإحرام)، من كلام شيخنا عبد الله بن جبرين -حفظه الله تعالى-.
- ومن المخالفات أيضًا: ترك رفع اليدين عند التحريمة (تكبيرة الإحرام) وعند الركوع والرفع منه وبعد القيام من التشهد الأول وهو من سنن الصلاة وكذا رفع اليدين في تكبيرات الصلاة على الميت والتكبيرات الزوائد في صلاة العيدين والاستسقاء من كلام شيخنا ابن جبرين -حفظه الله تعالى-.
- ومن المخالفات أيضًا: مسابقة الإمام وقد ورد النهي الشديد عن ذلك.
قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب: إثم من رفع رأسه قبل الإمام، ثم ساق بإسناده إلى أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "أما يخشى أحدكم -أو لا يخشى أحدكم- إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار".
وقال الإمام المنذري -رحمه الله تعالى-: الترهيب من رفع المأموم رأسه قبل الإمام ... وذكر الحديث المتقدم وذكر له لفظًا آخر هذا نصه: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس كلب".
ثم قال أيضًا: قال الخطابي: اختلف الناس فيمن فعل ذلك، فروي عن ابن عمر أنه قال: لا صلاة لمن فعل ذلك، وأما عامة أهل العلم فإنهم قالوا: قد أساء، وصلاته تجزئه، غير أن أكثرهم يأمرون بأن يعود إلى السجود، ويمكث في سجوده بعد أن يرفع الإمام رأسه بقدر ما كان ترك. انتهى.
- أن بعض الناس: هداهم الله تعالى يسرعون في الخطا عند الذهاب إلى المسجد لا سيما إذا كان الإمام قبيل الركوع وهذا الإسراع منهي عنه.
فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها، وأنتم تمشون، وعليكم السكية، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، وأهل السنن.
قال ابن الأثير في النهاية: السعي العدو، وقد يكون مشيًا ويكون عملًا وتصرفًا، ويكون قصدًا.
والمراد به في هذا الحديث: العدو.
ويشهد لذلك: ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه- أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد".
قال الحافظ ابن حجر: قوله: "ولا تعد": أي: إلى ما صنعت من السعي الشديد ثم الركوع دون الصف ثم من المشي إلى الصف، وقد ورد ما يقتضي ذلك صريحًا في طرق حديثه، وفي بعضها "من الساعي)، وعند الطبراني "أيكم صاحب هذا النفس" انتهى كلام الحافظ ابن حجر مختصرًا.
стр. 230
بل قد جاءت رواية في البخاري تنص على النهي عن الإسراع.
فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
- ومن المخالفات أيضًا: عدم تسوية الصفوف كما ينبغي.
عن النعمان بن بشير -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال النبي ﷺ : "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم".
وقال ﷺ : "أقيموا صفوفكم وتراصوا"، وقال: "أقيموا الصف في الصلاة فإن إقامة الصف من حسن الصلاة"، وقال: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة"، أخرجها كلها الإمام البخاري في صحيحه.
ثم قال -رحمه الله تعالى-: "باب: إثم من لم يتم الصفوف". وساق بسنده عن بشير بن يسار الأنصاري، عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أنه قدم المدينة فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف.
- ومن المخالفات أيضًا: إتيان المسجد بعد أكل الثوم أو البصل.
عن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما-، أن النبي ﷺ قال: "من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يقربن مسجدنا".
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي ﷺ : "من أكل من هذه الشجرة -يريد الثوم- فلا يغشانا في مساجدنا"، وفي رواية: "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو قال: فليعتزل مسجدنا ويقعد في بيته".
عن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي ﷺ : "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا -أو- لا يصلين معنا"، أخرجها جميعا البخاري في صحيحه.
وفي صحيح مسلم، عن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا.
وعن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم وهاتين البقلتين المنتنتين أن تأكلوهن وتدخلوا مساجدنا، فإن كنتم لا بد آكليهما فاقتلوهما بالنار قتلًا" رواه الطبراني في الأوسط.
وقد ألحق بعض أهل العلم شارب الدخان بآكل الثوم والبصل.
وذلك لاشتراك كل منهما في رائحته الخبيثة بل إن بعض المسلمين يتأذى من رائحة شارب الدخان أكثر من رائحة آكل الثوم والبصل.
إذا علم هذا: فإن شارب الدخان على خطر؛ لأنه قد آذى المسلمين برائحته، وقد ورد الوعيد في ذلك.
فعن حذيفة بن أسيد -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم" رواه الطبراني، وأبو نعيم، وابن عدي.
فإذا كان المؤذي للمسلمين في طرقهم مستحقًا للعن فكيف بمن آذاهم في مساجدهم، لا شك أن الجرم أكبر.
- ومن المخالفات أيضًا: التلفت في الصلاة.
стр. 231
عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد". أخرجه البخاري.
وأخرج الترمذي، والحاكم قوله ﷺ : " ..... فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت".
ونهى ﷺ عن ثلاث: "عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب" أخرجه أحمد، وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
فالالتفات لغير حاجة منهي عنه.
أما إذا كان الالتفات لحاجة فلا حرج في ذلك، فقد وردت بعض النصوص الدالة على جواز الالتفات للحاجة:
منها:
- ما رواه البخاري وغيره عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك ... الحديث، وفي آخره: "ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من رابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء".
قال الحافظ ابن حجر: وفيه جواز الالتفات في الحاجة، وأن مخاطبة المصلي بالإشارة أولى من مخاطبته بالعبارة.
- ومن المخالفات: تخفيف كثير من الأئمة لأركان الصلاة بحيث لا يتمكن المأموم من المتابعة ولا من الإتيان بالذكر الواجب، وهو خلاف الطمأنينة الواردة في الحديث، فلا بد من المكوث في الركوع أو السجود بقدر ما يتمكن المأموم من التسبيح ثلاث مرات مع التؤدة وعدم العجلة. انتهى من كلام شيخنا عبد الله بن جبرين -حفظه الله تعالى-.
- ومن المخالفات: القراءة في المصحف أو متابعة الإمام في المصحف في التراويح ونحوها لغير حاجة لما فيه من العبث فإن كان فيه فائدة كالفتح على الإمام أو نحوه فلا مانع بقدر الحاجة. انتهى، من كلام شيخنا عبد الله بن جبرين -حفظه الله تعالى-.
- ومن المخالفات: ترك التجافي في السجود وصفة التجافي المطلوب أن يرفع بطنه عن فخذيه ويبعد عضديه عن جنبيه بقدر ما يمكنه، ولا يضايق من يليه، وأن يرفع ذارعيه عن الأرض ويضع كفيه حذاء منكبيه لا حذاء ركبتيه، ولكن لا يبالغ في التجافي كثيرًا فيمد صلبه (ظهره) كهيئة المضطجع على بطنه، بحيث يصل رأسه إلى الصف الذي أمامه، ويكلف نفسه بهذا الامتداد، انتهى من كلام شيخنا عبد الله بن جبرين -حفظه الله تعالى-.
- ومن المخالفات أيضًا: الإسدال في الصلاة.
فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن السدل في الصلاة " أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، والحاكم.
قال صاحب عون المعبود: قال الخطابي: السدل إرسال الثوب حتى يُصيب الأرض.
وقال في النيل: قال أبو عبيد في غريبه: السدل إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه
стр. 232
فإن ضمه فليس بسدل.
وقال صاحب النهاية: هو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك. قال: وهذا مطرد في القميص وغيره من الثياب. قال: وقيل: هو أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه.
وقال الجوهري: سدل ثوبه يسدله بالضم أي: أرخاه، ولا مانع من حمل الحديث على جميع هذه المعاني إن كان السدل مشتركًا بينهما وحمل المشترك على جميع معانيه هو المذهب القوي.
- ومن المخالفات أيضًا: إسدال اليدين في الصلاة.
تقدم آنفًا حديث: "نهى عن السدل في الصلاة". وهذا عام يشمل جميع أنواع السدل. وقيل ذكر الصواب في هذه المسألة يستحسن أن نذكر أحوال الناس في موضع اليدين في الصلاة.
فمن الناس من يسدل يديه بالكلية، ومنهم من يضع يمينه على شماله تحت سرته أو على سرته، ومنهم من يجعلهما على عنقه، وغير ذلك من الهيئات المختلفة.
إذا علم ذلك فإن السنة الثابتة عن النبي ﷺ أنه يضع يده اليمنى على يده اليسرى ويضعهما على صدره.
أخرج مسلم في صحيحه أنه ﷺ كان يضع يده اليمنى على اليسرى، وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد ﵁ قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة".
إذن فالسنة أن يضع اليمنى على اليسرى لا العكس، فقد روى أحمد، وأبو داود وغيرهما، أنه ﷺ "مر برجل وهو يصلي وقد وضع يده اليسرى على اليمنى، فانتزعها ووضع اليمنى على اليسرى" ويبقى بعد هذا موضعهما من الجسد:
والجواب: ما رواه أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة: أنه ﷺ كان يضعهما على صدره.
- ومن المخالفات أيضًا: وضع اليمنى على اليسرى على السرة أو تحت السرة، وحجتهم في ذلك: ما أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، عن علي ﵁ أنه قال: السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة، وهذا ضعيف الإسناد.
- ومن المخالفات أيضًا: ما اعتاده كثير من الأئمة من تغيير الصوت عند الجلوس والقيام، فأكثر الأئمة إذا جلس للتشهد كبر باسترخاء، وإذا نهض كبر بعزيمة.
وقد سئل عن ذلك فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين -حفظه الله تعالى-.
فإليك نص السؤال ونص الجواب:
قال السائل: هل يجب على الإمام أن يمد (الله أكبر) في الجلوس للتشهد الأول والأخير؟
فأجاب -حفظه الله تعالى- بما نصه:
لا يجب على الإمام أن يفرق بين التكبير في الصلاة بحيث يجعل للجلوس تكبيرة معينة وللركوع تكبيرة معينة، وللقيام تكبيرة معينة، هذا لا يجب بلا شك، وما علمت أحدًا من أهل العلم قال بوجوبه.
ولكن قل لي: هل يشرع ذلك، بمعنى هل تقول للإمام ينبغي أن تُفرق بين التكبير؟
والجواب: لا يُشرع ذلك، فإنني لا أعلم في السنة أن الرسول ﷺ كان يفرق بين التكبيرات والعلماء ﵏ لم يقولوا إنه يفرق التكبيرات، غاية ما قيل في هذا ما قاله بعض العلماء: أنه يمد التكبير في السجود إلى القيام، ومن القيام إلى السجود قالوا: لطول الفصل بينهما.
فإن أطول انتقال يكون في الصلاة من السجود إلى القيام، أو من القيام إلى السجود. قالوا: فيمد
стр. 233
التكبير ليكون ابتداءه مع ابتداء الانتقال وانتهاءه مع انتهاء الانتقال. هذا ما قاله بعض العلماء.
أما أن يجعل للجلوس للتشهد تكبيرًا معينًا يمده، فهذا لم يقله حتى العلماء فيما اطلعت عليه من كلامهم، وبناء عليه:
فالذي أرى أن يجعل الإمام التكبيرات سواء لأن أي إنسان يفرق بين التكبيرات، سوف يُطالب بالدليل، والنبي ﵊ لما صنع له المنبر رقى عليه، وقال: "إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي". ولو كان يفرق بين التكبيرات لكان الائتمام يحصل بدون أن يصعد على المنبر.
وقد وجدت فائدة في عدم التمييز بين التكبيرات: وهي أن المأموم يحرص على ضبط صلاته لأنه يخشى أن يقوم في موضع الجلوس أو يجلس في موضع القيام، فيخجل أمام الناس، ويكون ضابطًا للركعات بنفسه لكن لو اعتمد على تكبير الإمام سرح وبدء يهوجس ولا يهتم، يمشي على هذا التكبير إذا مده الإمام جلس وإذا لم يمده قام. وحينئذ يكون ذلك سببًا لانشغال المأموم بالوساوس لأنه يتابع الإمام على حسب نبرات صوته في التكبير.
فوجدت في ذلك فائدة، وهي: أن المأمومين كل واحد منهم يحرص على ضبط عدد الركعات ولا يسرح بأي وساوس. انتهى كلامه -حفظه الله-.
- ومن المخالفات أيضًا: إقامة جماعة ثانية في المسجد والإمام ما زال في صلاته بالجماعة الأولى.
وإيضاح ذلك: أن بعض الناس قد يأتي إلى المسجد والإمام في التشهد الأخير فيقوم أحد أولئك الداخلين فيقيم الصلاة ويشرع في الصلاة والإمام ما زال في جلوسه.
- الإخلال في صلاة التراويح: وذلك بنقرها والإسراع في القراءة بقصد الختمة ليس إلا.
قال الشيخ محمد بن عثيمين -حفظه الله تعالى- في أثناء كلامه عن وصف قيام النبي ﷺ ، وقيام الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ما نصه:
وهذا خلاف ما كان عليه كثير من الناس اليوم حيث يصلون التراويح بسرعة عظيمة لا يأتون فيها بواجب الهدوء والطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونها، فيخلون بهذا الركن ويتعبون من خلفهم من الضعفاء والمرضى وكبار السن يجنون على أنفسهم ويجنون على غيرهم.
وقد ذكر العلماء ﵏ أنه يكُره للإمام أن يُسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يُسن فكيف بسرعة لقنعهم فعل ما يجب، نسأل الله السلامة. (مجالس شهر رمضان، المجلس الرابع: ص ١٩).
- ما يفعله بعض المأمومين عند فراغهم من الركعة الثالثة والرابعة من صلاة الظهر من كونهم يعيدون قراعة الفاتحة، واعتقاد أكثرهم أن قراءة سورة الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الظهر أمر غير جائز.
- ومن المخالفات أيضًا: الإتيان ببعض أذكار الصلاة في غير مواضعها.
قال ذلك: أن بعض المصلين يتأخر في قراءة الفاتحة خلف إمامه أو يدخل مع الإمام قبيل الركوع فيركع الإمام فيتم المأموم قراءة الفاتحة في الركوع.
وقال آخر: وذلك أن بعض المصلين إذا رفع رأسه من السجود شرع في قراءة الفاتحة قبل أن يستتم قائمًا أو يذكر آخر ما يُقال بعد الركوع حين يهوي إلى السجود بل وفي أثناء سجوده ثم يكبر بعد ذلك وهذا كله مُخالف لسنة نبينا ﷺ .
وقد سُئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله تعالى- عن هذه المسألة، وهذا نص السؤال:
سماحة الشيخ، أرى بعض المأمومين يجلس قليلًا بعد رفعه من السجود ويشرع في قراءة الفاتحة وهو
стр. 234
جالس أو في أثناء نُهوضه للركعة الثانية فما حُكم صلاة من فعل ذلك؟
فأجاب -حفظه الله تعالى- بما نصه: الواجب على المأموم أن يتابع إمامه في القيام والركوع وغيرهما وليس له الجلوس إذا نهض إمامه في الثانية أو الرابعة بل عليه أن يُتابعه لقول النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه".
ولكن لو جلس بنية جلسة الاستراحة جلسة خفيفة فلا بأس، بل ذلك مُستحب في أصح قولي العلماء للإمام والمأموم والمنفرد للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك وليس في هذه الجلسة قراءة ولا ذكر ولا دعاء وليس للمأموم ولا غيره القراءة في هذه الجلسة في صلاة الفريضة وليس له أن يقرأ حال النهوض وإنما القراءة حال كونه قائمًا وهذا في الفريضة؛ أما النافلة فلا بأس أن يصليها قاعدًا وهو على النصف في الأجر من صلاة القائم إذا صلى جالسًا من غير عذر كما دلت على ذلك سنة المصطفى ﷺ . اهـ.
مجلة الدعوة عدد ١١٦٥، بتاريخ ٢٨/ ٣/١٤٠٩ هـ.
- تغميض العينين في الصلاة لغير حاجة:
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "ولم يكن من هديه ﷺ تغميض عينيه في الصلاة، وقد كان في التشهد يومئ ببصره إلى أصبعه في الدعاء ولا يجاوز بصره إشارته".
وقد اختلف الفقهاء في كراهته، فكرهه الإمام أحمد وغيره، وقالوا: هو فعل اليهود، وأباحه جماعة ولم يكرهوه، وقالوا: قد يكون أقرب إلى تحصيل الخشوع الذي هو روح الصلاة وسرها ومقصودها.
والصواب أن يُقال: إن كان تفتيح العينين لا يخل بالخشوع فهو أفضل وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه، فهنالك لا يكره التغميض قطعًا، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم. (انتهى باختصار يسير من زاد المعاد: ١/ ٢٩٣، ٢٩٤).
- إسبال الثياب: وهو محرم مطلقًا، وإنما أوردناه هنا لأن بعض النصوص قد خصت الصلاة.
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عمه- قال: قال رسول الله ﷺ : "من أسبل إزاره في صحه خُيلاء فليس من الله في حل ولا حرام".
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: بينما رجل يُصلي مُسبلًا إزاره إذ قال له رسول الله ﷺ : "اذهب فتوضأ". فذهب فتوضأ، ثم جاء، ثم قال: "اذهب فتوضأ". فذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال له رجل: يا رسول الله، ما لك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟
قال: "إنه كان يصلي وهو مُسبل إزاره، وإن الله جل ذكره لا يقبل صلاة رجل مُسبل إزاره".
رواه أبو داود.
وقال النووي في رياض الصالحين: إسناد صحيح على شرط مسلم، والحديث ضعفه بعض أهل العلم، لكن يغني عنه ويشهد له ما قبله.
ونقول في هذا الموضع: إن كثيرًا من الناس تساهلوا في مسألة إسبال الثياب بل إن بعضهم أصبح يسخر ويعيب من يفعل ذلك، وهذا إدبار عن طاعة الله تعالى.
فقد ورد الوعيد الشديد في من أسبل ثيابه، من ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه، عن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يُكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المُسبل إزاره، والمنان الذي لا يعطي شيئًا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف
стр. 235
الفاجر -وفى لفظ آخر-: بالحلف الكاذب".
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : "من جر إزاره لا يريد بذلك إلا المخيلة، فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة". رواه مسلم.
- ومن المخالفات أيضًا: التنفل عند إقامة الصلاة.
فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة" (١). رواه الجماعة إلا البخاري.
وعن عبد الله بن بُحينة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ رأى رجلًا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله ﷺ ، لاث به الناس، فقال له رسول الله ﷺ : "آلصبح أربعًا، آلصبح أربعًا". رواه البخاري ومسلم.
وأخرجه مسلم بلفظ آخر: أن النبي ﷺ مر برجل يُصلي وقد أقيمت صلاة الصبح، فكلمه بشيء لا ندري ما هو، فلما انصرفنا، أحطنا به نقول: ماذا قال لك رسول الله؟ قال: قال في: "يوشك أحدكم أن يُصلي الصبح أربعًا".
قال ابن حزم: من سمع إقامة صلاة الصبح وعلم أنه إن اشتغل بركعتي الفجر فاتته صلاة الصبح ولو التكبير فلا يَحل له أن يشتغل بهما، فإن فعل فقد عصى الله تعالى.
وقد ورد سؤال إلى اللجنة الدائمة هذا نصه:
بعض الناس يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة، فهل يجوز ذلك؟
فأجابت اللجنة بما نصه: إذا أقيمت الصلاة فلا يجوز الدخول في نافلة، لعموم قوله ﷺ : "إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". رواه مسلم وغيره، وإذا أقيمت الصلاة وهو في النافلة قطعها للحديث المذكور لأن الفريضة أهم منها (٢).
- إطالة الركعة الثانية أكثر من الأولى أو الركعتين الأخيرتين أكثر من الأولون:
وهذا خلاف ما فعله ﷺ . أخرج البخاري عن أبي قتادة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ كان يطول في الركعة الأولى من صلاة الظهر ويقصر في الثانية، ويفعل ذلك في صلاة الصبح، وكان ﷺ يفعل ذلك في صلاة العصر. كما أخرجه البخاري أيضًا.
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، أن سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنه- قال: -في قصته مع أهل الكوفة-: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ، ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء فأركُدُ في الأوليين وأخف في الأُخريين .... الحديث.
- ترك رد السلام في الصلاة بالإشارة:
يحدث كثيرًا أن بعض الداخلين إلى المسجد يسلم على المصلين، ومعلوم أن المصلي لن يرد عليه لفظًا، والعمل والحال هذه أن يرد بالإشارة، كما قال عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما-: قُلتُ لبلال: كيف رأيت النبي ﷺ يرد عليهم -أي: يرد على الأنصار إذا سلموا عليه- قال: يقول هكذا،
стр. 236
وبسط كفه.
أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه.
قال الصنعاني: والحديث دليل أنه إذا سلم أحد على المصلي رد ﵇ بإشارة دون النطق.
وأما كيفية الإشارة: ففي المسند من حديث صهيب قال: مررت برسول الله ﷺ وهو يُصلي فسلمت، فرد علي إشارة. قال الراوى: لا أعلمه إلا قال إشارة بأصبعه، وفي حديث ابن عمر في وصفه لرده ﷺ السلام على الأنصار أنه ﷺ قال: "هكذا"، وبسط جعفر بن عون -الراوي عن ابن عمر- كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق.
وقد روى البيهقي أن عبد الله بن مسعود سلم على النبي ﷺ ، فأومأ برأسه (١).
- التبليغ خلف الإمام لغير حاجة:
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله تعالى- عن التبليغ خلف الإمام هل هو مستحب أو بدعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما التبليغ خلف الإمام لغير حاجة فهو بدعة غير مُستحبه باتفاق الأئمة، وإنما يجهر بالتكبير الإمام كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يفعلون، ولم يكن أحد يبلغ خلف النبي ﷺ ، لكن لما مرض النبي ﷺ ضعف صوته فكان أبو بكر ﵁ يُسْمع التكبير.
وقال رحمه الله تعالى لي موضع آخر: لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الإمام الذي هو المبلغ لغير حاجة باتفاق الأئمة، فإن بلالًا لم يكن يبلغ خلف النبي ﷺ هو ولا غيره، ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين.
- مد لفظ التكبير (الله أكبآر): وهذا لا يجوز مطلقًا لا في الصلاة ولا في الأذان ولا غيرهما.
وذلك لأن مد كلمة (أكبر) يحيل المعنى.
فـ: "أكبار": جمع كبر، والكبر الطبل ذو الوجه الواحد، وفي اللغة أيضًا أن أكبار: نبات معمر من الفصيلة الكبرية، ويترتب أيضًا على مد كلمة أكبر في الصلاة مفسدة ثانية وهي: أن المأموم يسابق إمامه لأن الإمام بفعله ذاك يتسبب في ارتكاب المأموم للمسابقة وذلك لأن الإمام يمده للتكبير يوهم المأموم بأنه قد وصل إلى الركن الذي انتقل إليه.
- أن يُصلي الرجل وليس على عاتقيه شيء:
وهذا يلاحظ كثيرًا من المُحرمين في الحرم وغيره، فتجد أحده يُصلي مضطبعًا أو يلقي إحرامه بين يديه ويصلي بإزاره دون غيره.
عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي ﷺ : "لا يُصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء". رواه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر: والمراد أنه لا يتزر في وسطه ويشد طرفي الثوب في حقويه بل يتوشح بهما على عاتقيه ليحصل الستر لجزء من أعالي البدن وإن كان ليس بعورة أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة. انتهى.
- ومن المخالفات أيضًا: الصلاة في الثياب الرقيقة التي لا تستر العورة، سُئل سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز -حفظه الله تعالى- عن ثوب السلك الشبه شفاف هل يستر العورة أم لا؟ وهل تصح الصلاة
стр. 237
والمسلم لابسه؟
فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: إذا كان الثوب المذكور لا يستر البشرة لكونه شفافًا أو رقيقًا فإنه لا تصح الصلاة فيه من الرجل إلا أن يكون تحته سراويل أو إزار يستر ما بين السرة والركبة، وأما المرأة فلا تصح صلاتها في مثل هذا الثوب إلا أن يكون تحته ما يستر بدنها كله.
أما السراويل القصيرة تحت الثوب المذكور فلا تكفي، وينبغي للرجل إذا صلى في مثل هذا الثوب أن تكون عليه (فنيلة) أو شيء آخر يستر المنكبين أو إحداهما لقول النبي ﷺ : "لا يُصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء". متفق عليه صحته. اهـ من كتاب الدعوة.
وقال فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين:
كثير من الناس الذين لا يلبسون الثياب السابغة وإنما يلبس أحدهم السراويل، وفوقه جبة (قميص) على الصدر فإذا ركع تقلصت الجبة وانحسرت السراويل فخرج بعض الظهر وبعض العجز مما هو عورة بحيث يراه من خلفه وخروج بعض العورة يُبطل الصلاة. اهـ.
- ومن المخالفات أيضًا: البصاق في الصلاة تجاه قبلة المُصلي أو عن يمينه.
قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب ليبزق عن يساره أو تحت قدمه اليُسرى، ثم ساق بإسناده إلى أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي: "إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن يساره أو تحت قدمه".
وروى البخاري أيضًا عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي ﷺ قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنما يناجي الله ما دام في مُصلاه ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره أو تَحت قدمه فيدفنها".
- ومن المخالفات أيضًا: كف الشعر والثوب في الصلاة، روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، عن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة، لا أكف شعرًا ولا ثوبًا".
قال ابن الأثير في النهاية عند مادة (كفت): ومنه الحديث "نهينا أن نكفت الثياب في الصلاة". أي نضمها ونجمعها من الانتشار يريد جمع الثوب باليدين عند الركوع والسجود.
- ومن المخالفات أيضًا: الاختصار في الصلاة.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: "نُهي أن يصلي الرجل مُختصرًا"، هذا لفظ البخاري، ولفظ مُسلم، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي ﷺ : "أنه نهى أن يصلي الرجل مختصرًا".
قال ابن حجر ﵀ لعالى-: وقد فسره -أي الاختصار- ابن أبي شيبة بإسناده عن ابن سيرين وهو أن يضع يده على خاصرته وهو يصلي، وبذلك جزم أبو داود، ونقله الترمذي في بعض أهل العلم، وهذا هو المشهور من تفسيره.
- ومن المخالفات أيضًا عدم اتخاذ السترة (١):
وقد وردت فيها الأحاديث الكثيرة نسوق شيئًا منها:
стр. 238
فأما من الأحاديث القولية: فعن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُصلوا إلا إلى سُترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين؟ ".
رواه ابن خُزيمة، والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (١).
وعن سهل بن أبي حثمة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها لا يقطع الشيطان صلاته". رواه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه البغوي في شرح السنة بلفظ مُقارب (٢).
هذه بعض النصوص القولية، أما الفعلية:
فعن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- "أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيُصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثم اتخذها الأمراء". رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود وغيرهم.
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما -أيضًا عن النبي ﷺ : "أنه كان يعرض راحلته فيصلي إليها" رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود.
وبعد سياق النصوص في مسألة السترة ترد مسائل لا بد من طرحها:
المسألة الأولى: ما مقدار ارتفاع السترة؟
والجواب عن ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه، عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ سُئل في غزوة تبوك عن سُترة المصلي؟ فقال: "كمؤخرة الرحل".
وعن طلحة بن عبيد الله -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من مر وراء ذلك". أخرجه مسلم.
قال النووي -رحمه الله تعالى-: مؤخرة الرحل: هي العود الذي في آخر الرحل وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع.
المسألة الثانية: مقدار المسافة بين المصلي وسُترته.
روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما-، أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل، وجعل الباب قبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع صلى يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبي ﷺ صلى فيه.
والشاهد أن بينه وبين السترة قريبًا من ثلاثة أذرع، وقد ورد أيضًا مقدار المسافة بين سُترة وبين موضع سجوده، فعن سهل بن سعد قال: كان بين مُصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر شاة.
وفي رواية: كان بين مقام النبي ﷺ وبين القبلة ممر عنز.
المسألة الثالثة: هل يقوم الخط مقام السُترة؟
والجواب: أن الخط لا يقوم مقام السُترة، بل لا بد من الصلاة إلى سُتره مرتفعة.
стр. 239
المسألة الرابعة: هل يستثنى الحرمان من اتخاذ السترة أو لا؟
والجواب عن هذه المسألة: أن النصوص الواردة بالأمر في اتخاذ السترة لم تفرق بين مسجد وآخر، وعلى ذلك فالحرمان داخلان ولا يخرجان إلا بدليل، هذا من ناحية الإجمال، أما من ناحية التفصيل فيُقال: أولًا: عموم النصوص يشمل جميع المساجد دون استثناء.
ثانيًا: الأحاديث الآمرة باتخاذ السترة أو بعضها قالها النبي ﷺ وهو في المدينة.
ثالثًا: عمل النبي ﷺ يؤيد اتخاذ السُترة حتى في الحرمين أما في الحرم المدني، فقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
أما في الحرم المكي، فعن أبي جحيفة -رضي الله تعالى عنه- قال: خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين ونصب بين يديه عنزة ... الحديث أخرجه البخاري وبوب عليه: باب السُترة بمكة.
وعن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله تعالى عنه- قال: "اعتمر رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس". رواه البخاري.
- ومن المخالفات أيضًا: المرور بين يدي المصلي.
قال الإمام المنذري -رحمه الله تعالى- في كتابه "الترغيب والترهيب" ما نصه: الترهيب من المرور بين يدي المصلي. ثم ساق بعض الأحاديث التي فيها الوعيد لمن مر بين يدي المصلي وهي: عن أبي الجهيم -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه". قال أبو النضر -أحد رواة الحديث- لا أدري أقال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة.
وروى البخاري في صحيحه عن أبي صالح السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم الجمعة يُصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي مُعيط أن يجتاز بين يديه، فدفعه أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب، فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان فقال: ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان".
وعن الحديث الأول: قال النووي: فيه دليل على تحريم المرور، فإن معنى الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد على ذلك.
قال ابن حجر: ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر.
وقال أيضًا: ظاهر الحديث يدل على منع المرور مطلقًا ولو لم يجد مسلكًا، بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته، ويؤيده قصة أبي سعيد.
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: ظاهر الأحاديث يقتضي تحريم المرور بين يديه -أي المصلي- وأنه يشرع له رد المار، اللهم إلا أن يضطر المار إلى ذلك لعدم وجود متسع إلا ما بين يديه، ومتى بَعُدَ المار عما بين يدي المصلي إذا لم يلق بين يديه سترة سلم من الإثم لأنه إذا بعد عنه عُرفًا لا يسمى مارًا بين يديه كالذي يمر من وراء السترة. انتهى.
стр. 240
فإذا صلى المصلي لغير سترة فلا حرج على من قدر ثلاثة أذرع ثم مر من ورائها كما نص على ذلك كثير من أهل العلم، ويبقى الحرج على من مر بين يدي المصلي في مساقة ثلاثة أذرع، أما المرور بين يدي المأموم فلا حرج فيه لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه.
قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب سترة الإمام سترة من خلفه. ثم ساق بسنده إلى عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: أقبلتُ راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلتُ في الصف فلم ينكر ذلك على أحد.
- ومن المخالفات أيضًا: الحركة في الصلاة.
ولو أراد الإنسان أن يتتبع حركات الناس في صلاتهم لطال عليه الأمد في ذلك، لكن لا يمنع ذلك من ذكر بعض الحركات من باب التنبيه عليها وعلى غيرها، فمن ذلك:
١ - العبث في الأنف، وهذه صفة مستقبحة خارج الصلاة فكيف بداخلها.
٢ - حك الرأس.
٣ - تعديل العمامة، أي الغترة أو الشماغ تارة يمنة وتارة يسرة وتارة إلى أعلى وتارة إلى أسفل وغير ذلك.
وقد وجه سؤال إلى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، هذا نصه:
مشكلتي أنني كثير الحركة في الصلاة، وقد سمعت أن هناك حديثًا معناه أن أكثر من ثلاث حركات في الصلاة تبطلها، فما صحة هذا الحديث؟ وما هو السبيل إلى التخلص من كثرة العبث في الصلاة؟
فأجاب سماحته ما نصه:
السنة للمؤمن أن يقبل على صلاته ويخشع فيها بقلبه وبدنه سواء كانت فريضة أو نافلة قول الله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
وعليه أن يطمئن فيها وذلك من أهم أركانها وفرائضها.
وأما تحديد الحركات المنافية للطمأنينة وللخشوع بثلاث حركات: فليس ذلك بحديث النبي ﷺ ، وإنما ذلك من كلام بعض أهل العلم وليس عليه دليل يعتمد، ولكن يكره العبث في الصلاة كتحريك الأنف واللحية والملابس والاشتغال بذلك، وإذا كثر العبث وتوالى أبطل الصلاة، أما إن كان قليلًا عرفًا أو كان كثيرًا ولكن لم يتوال فإن الصلاة لا تبطل به ولكن يشرع للمؤمن أن يحافظ على الخشوع ويترك العبث قليله وكثيره حرصًا على تمام الصلاة وكمالها. اهـ مختصرًا.
- ومن المخالفات التي يقع فيها كثير من المرضى:
صلاة بعضهم جالسًا مع قدرته على القيام والمرضى في ذلك على أقسام فمنهم من إذا أصابه وجع في رأسه صلى جالسًا من أول صلاته إلى آخرها مع أن القيام لا يكلفه شيئًا.
ومنهم من إذا كان به وجع في عينه أو أنفه فمنعه الطبيب من السجود لأنه يزيد مرضه، فترى هذا المريض بعد كلام الطبيب له يُصلي كل صلاته جالسًا.
وعلى هذا وما شابه يُقال: من قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام عند الأئمة الثلاثة، يصلي قائمًا فيومئ للركوع ثم يجلس ويسجد إيماء وذلك لأن القيام ركن وهو قادر
стр. 241
على الإتيان به فلزمه، والعجز عن الإتيان ببعض أركان الصلاة لا يقتضي سقوط سائرها، وذلك لأن القيام ركن من أركان الصلاة قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لله قانتينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وعن عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنه- قال: كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب". رواه البخاري.
- ومن المخالفات أيضًا: عدم تقديم الأقرأ إذا كان صغير فتجد أن بعض المصلين إذا حضرتهم الصلاة ولم يحضر إمامهم الراتب أو كانوا مثلًا خارج المدينة فحضرت الصلاة لا ينظرون إلى أقرأهم، بل لا يترددون في تقديم الأكبر سنًا ولو كان هناك أقرأ منه، بل قد يكون ذلك الكبير لا يُحسن قراءة الفاتحة.
المهم أن الصغير عندهم لا يتقدم مع وجود الكبير لأن بعض الناس يعتبر ذلك نقصًا في حقه وحق غيره من المأمومين.
وفعلهم ذلك مُخالف لصريح قوله ﷺ : "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم". رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه-.
وعن أبي مسعود عقبة بن عامر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ... الحديث". رواه أحمد ومسلم.
فهذان الحديثان صريحان على أن الأقرأ هو الأحق بالإمامة ومما يزيد ذلك تأكيدًا أنه قدم الأقرأ على كبير السن، فقد ورد في لفظ الحديث: "فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا" فجعل مرتبة السن في المرتبة الرابعة بعد القراءة والعلم بالسنة وقدم الهجرة.
جاء في إجابات اللجنة الدائمة: "تصح إمامة الصبي الذي يعقل لقول النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ... " الحديث.
ولما ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة الجرمي قال: قدم أبي من عند النبي ﷺ يقول: "إذا حضرت الصلاة فليؤمكم أكثركم قرآنًا". قال: فنظروا، فلم يجدوا واحدًا أكثر مني قرآنًا، فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين (١).
- ومن المخالفات أيضًا: عدم التزين بالملابس في الصلاة وقد جهل أو تجاهل هذا الأمر كثير من المسلمين، فتجد أن بعضهم يحضرون إلى الصلاة خاصة صلاة الفجر بملابس النوم أو ملابس رديئة لو أُعطي أحدهم وزنه ذهبًا وطلب منه أن يذهب بتلك الملابس إلى مكان عمله أو إلى وليمة من الولائم لامتنع أشد الامتناع، وهذا لا ينكر عليه، فإن الله جميل يحب الجمال.
إلا أن التزين عند الذهاب إلى المسجد لأداء الصلاة مطلوب من المسلم، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وأخرج الطحاوي، والبيهقي، والطبراني عن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم فيلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزين له".
стр. 242
- ومن المخالفات أيضًا: أن بعض الناس يتحرج من الصلاة إذا كان بينه وبين الحمام جدار.
ونسوق هنا فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله تعالى- تتعلق بهذا الموضوع، قال السائل: هل تجوز الصلاة في مكان تقع أمامه دورة مياه، ولا يفصل بينهما سوى حائط فقط؟ وهل الأفضل الصلاة في مكان آخر؟
فأجاب سماحته بما نصه:
"لا مانع من الصلاة في الموضع المذكور إذا كان طاهرًا ولو كانت دورة المياه أمامه، كما تجوز الصلاة في أسطح دورات المياه إذا كانت طاهرة في أصح قولي العلماء، والله ولي التوفيق". مجلة الدعوة عدد ١١٩١ في ١٣/ ١٠/١٤٠٩هـ.
- ومن المخالفات أيضًا: قول بعض الناس عند إقامة الصلاة: "أقامها الله وأدامها" وحجتهم في ذلك ما رواه أبو داود في سُننه عن أبي أمامة، أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ أن بلالًا أخذ في الإقامة فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النبي ﷺ : "أقامها الله وأدامها".
وهذا حديث ضعيف لا يُعتمد عليه.
- ومن المخالفات أيضًا: أن بعض الناس لا يقوم عند الإقامة إلا عند قول المُقيم: قد قامت الصلاة.
ويعتقد أن هذا هو السنة، والحق أن فعله على غير صواب، قال الإمام مالك ﵀: وأما قيام الناس حين تقام الصلاة فإني لم أسمع في ذلك بحد يقام له إلا أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف ولا يستطعون أن يكونوا كرجل واحد. اهـ الموطأ (ص ٦٧).
- ومن المخالفات أيضًا: عدم فهم المراد بتخفيف الصلاة الوارد في قوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم للناس فليُخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير ... " الحديث أخرجه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
وكذلك عتابه ﷺ لمعاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه- عندما أطال الصلاة فقال له: "فتان، فتان، فتان -ثلاث مرات- أو قال: فاتنًا فاتنًا فاتنًا". وأمره بسورتين من أوسط المفصل.
فبهذين الحديثين يحتج كثير من الناس على إطالة الإمام الصلاة، وقبل النظر في احتجاجهم ينبغي أن يعرف ما ضابط التخفيف:
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في أثناء كلامه عن صلاته ﷺ ، ما نصه: ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يوجز الصلاة ويكملها" وفى الصحيحين عنه أيضًا قال: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي ﷺ ".
زاد البخاري: "وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تُفتن أمه"، فوصف صلاته ﷺ بالإيجاز والتمام، والإيجاز هو الذي كان يفعله لا الإيجاز الذي كان يظنه من لم يقف على مقدار صلاته فإن الإيجاز أمر نسبي إضافي راجع إلى السنة لا إلى شهوة الإمام ومن خلفه.
ثم ساق حديث أنس أيضًا فيه: ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يكبر، ثم يسجد، وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم.
стр. 243
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "هذا سياق حديثه، فجمع أنس ﵁ في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار بإيجازه ﷺ الصلاة وإتمامها، وبين فيه أن من إتمامها الذي أخبر به إطالة الاعتدالين حتى يظن الظان أنه قد أوهم أو نسي من شدة الطول فجمع بين الأمرين في الحديث وهو القائل ما رأى أوجز من صلاة رسول الله ﷺ ولا أتم، فيشبه أن يكون الإيجاز عائد إلى القيام والإتمام إلى الركوع والسجود والاعتدالين بينهما لأن القيام لا يكاد يفعل إلا تامًا فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين، وسر ذلك أنه بإيجاز القيام وإطالة الركوع والسجود والاعتدالين تصير الصلاة تامة لاعتدالها وتقاربها فيصدق قوله: "ما رأيت أوجز ولا أتم من صلاة رسول الله ﷺ ".
وهذا هو الذي كان يعتمده صلوات الله عليه وسلامه في صلاته، فإنه كان يعدلها حيث يعتدل قيامها وركوعها وسجودها واعتدالها .. إلخ كلامه رحمه الله تعالى.
فكلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في غاية التحقيق، فغالب صلاة الناس اليوم خلاف ما ذكره ابن القيم عن صلاة رسول الله ﷺ فترى أكثر الناس إن قام قيامه نقر ركوعه وسجوده، وبعضهم شر من ذلك فينقر قيامه وركوعه وسجوده.
ومما يؤكد أن التخفيف ليس ما يفعله بعض الناس اليوم. قول أنس ﵁: كان النبي ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات، ولا شك ولا ريب أن النبي ﷺ أرحم الخلق بأمته ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
ومع ذلك فانظر إلى فعله وقوله تجد أن ذلك يؤكد أن أمر التخفيف ليس كما يفهمه أكثر الناس اليوم.
- ومن المخالفات المتعلقة بأمر النساء أيضًا: ما يقوم به بعضهن من تأخيرهن الصلاة المفروضة حتى يُصلي الرجال وأن من صلى من النساء قبل صلاة الرجال فقد أخطأت.
- تحريك الكفين عند السلام من الصلاة من جهة اليمين عند السلام جهة اليمين، ومن جهة الشمال عند السلام جهة الشمال، وقد جاء النص الصريح في النهي عن ذلك.
فقد كان الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- يُشيرون بأيديهم إذا سلموا، فرآهم رسول الله ﷺ فقال: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس، إذا سلم أحدكم فليلفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده". الحديث أخرجه مسلم.
ومعنى شُمْس: جمع شموس وهو النفور من الدواب الذي لا يستقر لشغبه وحدته. كذا قال ابن الأثير في النهاية.
- هز الرأس في أثناء السلام من الصلاة: فيلاحظ على بعض المصلين أنه عند سلامه من صلاته يرفع رأسه ثم يخفضه ويستمر حتى يفرغ من سلامه.
وهذا الفعل خلاف ما ورد عنه ﷺ في أئناء سلامه من الصلاة فقد روى أبو داود، والنسائي، والترمذي أنه ﷺ كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمه الله، حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمه الله، حتى يرى بياض خده الأيسر. فلم يذكر فيه هز للرأس، فعلم أن ذلك خلاف السنة.
стр. 244
- ومن المخالفات أيضًا: رفع اليدين بعد صلاة الفريضة (١).
سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عن رفع الأيدي بعد صلاة الفريضة؟
فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله:
لم يصح عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه بعد صلاة الفريضة ولم يصح ذلك أيضًا عن الصحابة ﵃ فيما نعلم، وما يفعله بعض الناس من رفع أيديهم بعد صلاة الفريضة بدعة لا أصل لها، لقول النبي ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". أخرجه مسلم في صحيحه.
وقال ﵊: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". متفق عليه.
- ومن المخالفات أيضًا: مُصافحة المصلي لمن يليه عقب الصلاة، وقول: تقبل الله، أو حرمًا.
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: عن المصافحة عقيب الصلاة، هل هي سنة أم لا؟
فأجاب -رحمه الله تعالى- بقوله: الحمد لله، المصافحة عقيب الصلاة ليست مسنونة، بل هي بدعة، والله أعلم. (الفتاوى ٢٣/ ٢٣٩).
وقد ورد سؤال إلى اللجنة الدائمة هذا نصه:
ما الحكم في مواظبة السلام ومصافحة الإمام والجالس على اليمين والشمال دبر كل صلاة مفروضة؟
فأجابت اللجنة ما نصه: المواظبة على السلام على الإمام ومصافحته والتزام المصلي السلام على من عن يمينه ومن عن يساره عقب الصلوات الخمس بدعة لأنه لم يثبت ذلك عن النبي ﷺ ، ولا عن خلفائه الراشدين وسائر الصحابة ﵃، ولو كان لنقل إلينا لتكرر الصلاة كل يوم خمس مرات، وذلك لا يخفى على المسلمين لكونه في مشاهد عامة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (كتاب الدعوة ص: ٧٤).
وقال شيخنا الفاضل عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله تعالى-: كثير من المصلين يمدون أيديهم لمصافحة من يليهم وذلك بعد السلام من الفريضة مباشرة، ويدعون بقولهم: "تقبل الله"، أو "حرمًا" وهذه بدعة لم تنقل عن السلف. اهـ.
- استعمال المسبحة وترك التسبيح بالأصابع:
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله تعالى- مُجيبًا عن سؤال حول المسبحة: تركها أولى، وقد كرهها بعضُ أهل العلم، والأفضل التسبيح بالأصابع كما كان يفعل ذلك النبي ﷺ ، وروي عنه ﷺ أنه أمر بعقد التسبيح والتهليل بالأنامل وقال: "إنهن مسئولات مستنطقات". أخرجه أبو داود، والاقتصار في التسبيح على أصابع اليد اليمنى أفضل وذلك لحديثين:
الأول: أن النبي ﷺ كان يعقد التسبيح بيمينه. أخرجه أبو داود.
الثاني: كان ﷺ يُحب التيامن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله وفي شأنه كله. أخرجه الشيخان.
وقد سئل سماحة الشيخ ابن باز عن: إمام مسجد سبح بيمينه فاستغرب ذلك بعضُ المصلين؟
فأجاب سماحة الشيخ بقوله: ما فعله الإمام هو الصواب، فقد ثبت أن النبي ﷺ أنه كان يعقد التسبيح بيمينه، ومن سبح باليدين فلا حرج لإطلاق غالب الأحاديث، لكن التسبيح باليمين أفضل عملًا بالسنة
стр. 245
الثابتة عن النبي ﷺ ، والله ولي التوفيق.
- ومن المخالفات أيضًا: إشغال النظر.
قال ﷺ : "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم". رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، عن جابر بن سمرة، وأنس -رضي الله تعالى عنهما-.
وبوب عليه ابن خزيمة: باب التغليظ في النظر إلى السماء في الصلاة، إذا علم هذا فإن السنة أن ينظر المصلي إلى موضع سجوده.
أخرج الحاكم في مستدركه عن عائشة ﵂ قالت: "دخل رسول الله ﷺ الكعبة، وما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها". قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
وقد روى أحمد، وابن خزيمة، والبيهقي بإسناد حسن عن عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ كان إذا تشهد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع يديه اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه السبابة لا يجاوز بصره إشارته.
فدل الحديثان أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده وإن شاء نظر إلى سبابته في أثناء التشهد.
- من المخالفات أيضًا: عدم كظم التثاؤب من المصلي في أثناء صلاته. روى مسلم، وأبو داود، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع، فإن الشيطان يدخل".
والكظم هو أن يرد التثاؤب ما استطاع، وذلك يكون بوضع اليد على الفم، كما ورد في بعض الروايات: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه". رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁.
- ومن المخالفات أيضًا: تغطية الفم في الصلاة إما بالتلثم أو غيره، فقد روى أبو داود، وابن ماجه، والبغوي، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، أن النبي ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه.
ويستثنى من ذلك تغطية الفم في أثناء التثاؤب لما تقدم آنفًا.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله تعالى-: يُكره التلثم في الصلاة إلا من علة (١).
- ومن المخالفات أيضًا: الخروج من المسجد بعد الأذان.
قال الإمام المنذري -رحمه الله تعالى-: الترهيب من الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر. ثم ساق بعض الأحاديث في ذلك منها:
عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رجلًا خرج بعد ما أذن المؤذن، فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . رواه مسلم، وأحمد. وزاد: "إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي".
قال الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى-: وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه. انتهى.
стр. 246
- ومن المخالفات أيضًا: تشبيك الأصابع في أثناء خروجه إلى المسجد إلى فراغه من الصلاة فإنه في ذلك الوقت منهي عن تشبيك أصابعه.
فعن كعب بن عجرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي.
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يَقُلْ هكذا: وشبك بين أصابعه". رواه الحاكم.
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه -أيضًا، عن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم للصلاة فلا يشبك بين أصابعه". رواه الطبراني في معجمه الأوسط.
فهذه الأحاديث الدالة على النهي عن تشبيك الأصابع عند الخروج إلى الصلاة إلى الفراغ منها.
- ومن المخالفات أيضًا: السكتة بعد الفاتحة سكتة طويلة: هذه السكتة لم تثبت عن النبي ﷺ في حديث صحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: "ولم يستحب أحمد أن يسكت الإمام لقراءة المأموم، ولكن بعض أصحابه استحب ذلك، ومعلوم أن النبي ﷺ لو كان يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل هذا أحد عُلم أنه لم يكن، وأيضًا فلو كان الصحابة كلهم يقرءون الفاتحة خلفه ﷺ ، إما في السكتة الأولى وإما في الثانية لكان هذا مما تتوفر الهمم والداوعي على نقله فكيف ولم ينقل أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية يقرءون الفاتحة مع أن ذلك لو كان شرعًا لكان الصحابة أحق الناس بعلمه، فعلم أنه بدعة". اهـ.
وقد وجه إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله تعالى- سؤالان حول هذه المسألة. وهذا نص السؤال الأول: ما حكم وقوف الإمام بعد الفاتحة لحين يقرأ المأموم الفاتحة، وإذا لم يقف الإمام تلك الوقفة فمتى يقرأ المأموم الفاتحة؟
فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: ليس هناك دليل صحيح صريح يدل على شرعية سكوت الإمام حتى يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية. أما المأموم فالمشروع له أن يقرأها في حالة سكتات إمامه إن سكت، فإن لم يتيسر ذلك قرأها المأموم سرًا ولو كان إمامه يقرأ ثم ينصت بعد ذلك لعموم قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". متفق عليه.
وقوله ﷺ : "لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ " قالوا: نعم. قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها". رواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان بإسناد حسن.
وهذان الحديثان يخصصان قوله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
وقول النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا".
الحديث رواه مسلم في صحيحه. وإجابة السؤال الثاني نحوه. اهـ.
- ومن المخالفات أيضًا: الصلاة بين السواري.
عن قرة -رضي الله تعالى عنه- قال: "كنا نُنهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ،
стр. 247
ونطرد عنها طردًا". أخرجه ابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والطيالسي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
وعن عبد الحميد بن محمود قال: صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدفعنا إلى السواري فتقدمنا وتأخرنا فقال أنس: "كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ ". أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، والحاكم.
قال البيهقي: هذا -والله أعلم- لأن الأسطوانة تحول بينهم وبين وصل الصف، فإن كان منفردًا ولم يجاوزا ما بين الساريتين لم يكره إن شاء الله تعالى. لما روى البخاري أن النبي ﷺ دخل الكعبة وصلى في بين العمودين المقدمين (١).
ورخص مالك في الصلاة بينها عند الزحام، فقال: لا بأس في الصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد. اهـ.
- ومن المخالفات أيضًا: ما اعتاده بعض الناس من تقبيل المصحف وغالبًا ما يكون هذا بعد الفراغ من القراءة أو عندما يجد المصحف في مكان ممتهن، ولا ريب أن فاعل ذلك الشيء قصده احترام المصحف وصونه عن الإهانة إلا أن صلاح النية ليس دليلًا على صلاح العمل.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عن القيام للمصحف وتقبيله؟ وهل يُكره أيضًا أن يفتح فيه الفأل؟
فأجاب -رحمه الله تعالى- بما نصه: الحمد لله، والقيام للمصحف وتقبيله لا نعلم فيه شيئًا مأثورًا عن السلف.
وقد سُئل الإمام أحمد عن تقبيل المصحف؟ فقال: ما سمعت فيه، ولكن روي عن عكرمة بن أبي جهل أنه كان يفتح المصحف ويضع وجهه عليه ويقول: كلام ربي، كلام ربي، ولكن السلف وإن لم يكن من عادتهم القيام له، فلم يكن من عادتهم قيام بعضهم لبعض. اللهم إلا لمثل القادم من مغيبة ونحو ذلك.
ثم قال بعد كلام له: وأما استفتاح الفأل في المصحف، فلم ينقل عن السلف فيه شيء، وقد تنازع فيه المتأخرون، وذكر القاضي أبو يعلى فيه نزاعًا، ذكر عن ابن بطة أنه فعله، وذكر عن غيره أنه كرهه، فإن هذا ليس الفأل الذي يحبه رسول الله ﷺ فإنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة.
والفأل الذي يُحبه هو أن يفعل أمرًا أو يعزم عليه متوكلًا على الله، فيسمع الكلمة الحسنة التي تسره، مثل أن يسمع: يا نجيح، يا مُفلح، يا سعيد، يا منصور، ونحو ذلك ... إلخ كلامه -رحمه الله تعالى-. (مجموع الفتاوى ٢٣، ص ٦٥، ٦٦).
- ومن المخالفات أيضًا: التنطع في قراءة القرآن الكريم.
فإن بعض القراء ينفرون من سماع كلام الله تعالى، وذلك عائدًا إلى تنطعهم في القراءة والتكلف في إخراج الحروف بطريقة متعنتة.
والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: يعني هونا قراءته. وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن.
стр. 248
وقال الضحاك عن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله .
انتهى من تفسير ابن كثير ٤ ص ٢٨٢.
- ومن المخالفات أيضًا: بعض العامة يقول في دعائه -بين السجدتين-: اللهم خل عنى. وهذه اللفظة خلاف المأثور، بل يقول ما ورد: رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني.
- ومن المخالفات أيضًا: بعض المصلين يتمايل في صلاته من جانب إلى جانب -وتارة يتقدم بجسمه ويتأخر- من دون حاجة، وجمع هذه الأعمال ضد الخشوع في الصلاة (١).
- ومن المخالفات أيضًا: بعض المصلين إذا سجد للسهو قال في سجوده: سبحان من لا يسهو ولا ينام.
وبعضهم يقرأ قوله تعالى: ﴿وَما كَانَ رَبُّكَ نَسِيًا﴾ [مريم: ٦٤] أو ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
جاء في كتاب السنن والمبتدعات:
ولم يحفظ عنه ﷺ ذكر خاص لسجود السهو، بل أذكاره كسائر أذكار سجود الصلوات.
وأما ما يُقال أنه يقول فيه: "سبحان من لا يسهو ولا ينام". فلم يفعله النبي ﷺ ، ولا أصحابه، ولم يدل عليه دليل من السنة ألبتة (٢).
أما الذي يقرأ الآيتين السابقتين فإضافة إلى أن عمله ليس عليه دليل فقد وقع في النهي الصريح عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- مرفوعًا: " ... ألا وإني نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا ... " (٣).
بعض المخالفات المتعلقة بالمساجد
١ - ومن المخالفات أيضًا: زخرفة المساجد ونقشها وإنفاق الأموال الطائلة في تزويقها والتفنن في أشكالها حتى تكاد تفقد جوها الروحاني.
أخرج الحكيم الترمذي بسند حسنه الشيخ الألباني، عن أبي الدرداء -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمارُ عليكم".
قال الزركشي في كتابه "إعلام الساجد بأحكام المساجد": المسألة التاسعة والعشرون ما نصه:
стр. 249
"يُكره زخرفتها، ففي سنن أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أمرت بتشييد المساجد"، قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى".
وعن أنس، أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" وروى البخاري في صحيحه أن عمر ﵁ أمر ببناء المسجد وقال: أكن الناس من المطر، وإياك أن تُحمر أو تصفر فتفتن الناس. وقال أبو الدرداء: إذا حليتم مصاحفكم، وزخرفتم مساجدكم فالدمار عليكم. وقال علي ﵁: "إن القوم إذا رفعوا مساجدهم فسدت أعمالهم ... " (ص ٣٣٧).
٢ - ومن المخالفات أيضًا: كثرة المساجد في الحي الواحد.
قال السيوطي في كتاب (الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع):
ومن تلك المحدثات كثرة المساجد في المحلة الواحدة، وذلك لما فيه من تفريق الجمع، وتشتيت شمل المصلين، وحل عروة الانضمام في العبادة، وذهاب رونق وفرة المتعبدين، وتعديد الكلمة، واختلاف المشارب، ومضادة حكمة مشروعية الجماعات، أعني اتحاد الأصوات على أداء العبادات وعودهم على بعضهم بالمنافع والمضارة بالمسجد أو شبه المضارة أو محبة الشهرة والسمعة وصرف الأموال فيما لا ضرورة فيه. اهـ.
٣ - الصلاة على الفرش المزخرفة: فإن الصلاة على تلك الفرش مذهبة للخشوع، مُجلبة للسهو والسرحان.
وقد ورد سؤال إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، وهذا نصه:
ما حُكم الصلاة على السجادة التي فيها صور المساجد والقباب التي على القبور والمنارات وأمثالها؟
وأجابت اللجنة بما يلي:
إن تصوير ما ليس فيه روح جائز، والصلاة على السجادة التي فيها صور ما لا روح فيها لا تجوز لما في ذلك من شغل المصلي في صلاته لكنها صحيحة لما رواه أحمد، وأبو داود من طريق عثمان بن طلحة، أن النبي ﷺ دعاه بعد دخوله الكعبة، فقال: "إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلتُ البيت فنسيتُ أن آمرك أن تخمرها فخمرها، فإنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شيء يُلهي المصلي".
وروى أحمد، والبخاري من طريق أنس قال: كان قرام لعائشة قد سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي ﷺ : "أميطي عني قرامك هذا، فإنه لا تزال تعرض لي في صلاتي".
٤ - وضع الإعلانات التجارية داخل المساجد، وذلك كالإعلان عن طلب مبنى صفته كذا وكذا ليكون مدرسة أو مستوصفًا أو غير ذلك كالإعلانات عن مؤسسات خاصة بنقل الحجاج مع تجهيز المسكن والمأكل والمشرب. فإن ذلك يتنافى مع مكانة المساجد.
٥ - ومن المخالفات أيضًا: اتخاذ المسجد طريقًا:
وقد جاء النهي عن ذلك، فعن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا المساجد طرقًا إلا لذكر أو صلاة".
٦ - ومن المخالفات أيضًا: اتخاذ ساعات ذات أجراس ناقوسية لها دقات منتظمة كدقات نواقيس
стр. 250
النصارى (١).
٧ - ومن المخالفات أيضًا: الجهر بالقراءة في المسجد مما يُسبب إخلالًا لصلاة المصلي وقراءة القارئ.
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: عن مسجد يقرأ فيه القرآن والتلقين بكرة وعشية ثم على باب المسجد شهود يكثرون الكلام ويقع التشويش على القراء، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فأجاب -رحمه الله تعالى- بقوله: ليس لأحد أن يؤذي أهل المسجد أو أهل الصلاة أو القراءة أو الذكر أو الدعاء ونحو ذلك مما بُنيت المساجد له، فليس لأحد أن يفعل في المسجد ولا على بابه أو قريبًا منه ما يشوش على هولاء، بل قد خرج النبي ﷺ على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال: "أيها الناس، كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة".
فإذا كان قد نهى المصلي أن يجهر على المصلي، فكيف بغيره؟ ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع من ذلك، والله أعلم.
٨ - ومن المخالفات: البزاق في المسجد، وقد تقدم آنفًا بعض الأدلة على المنع من ذلك، ويُضاف هنا ما رواه البخاري عن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي ﷺ "البزاق في المسجد، وكفارتها دفنها"، ولفظ مسلم: "التفل" وهو أخف من البزاق.
قال القاضي عياض: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فلا.
قال شيخنا عبد الله بن جبرين -حفظه الله تعالى-: لعل هذه الملاحظة مفقودة أو قليلة في هذه الأزمنة، فإن المساجد مفروشة مبلطة وبها مناديل وقد فقه الناس حرمتها ومن فيها إلا ما شاء الله.
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في رياض الصالحين:
والمراد بدفنها إذا كان المسجد ترابًا أو رملًا فيواريها تحت ترابه، قال أبو المحاسن الروياني في كتابه "البحر": وقيل المراد بدفنها إخراجها من المسجد، أما إذا كان المسجد مبلطًا أو مُجصصًا فدلكها عليه بمداسه أو بغيره كما يفعله كثير من الجاهلين فليس ذلك بدفن بل زيادة في الخطيئة وتكثير للقذر في المسجد، وعلى من فعل ذلك أن يمسحه بعد ذلك بثوبه أو بيده أو غيره أو يغسله. انتهى من رياض الصالحين.
٩ - ومن المخالفات أيضًا: الجلوس في المسجد بدون أداء تحيته.
وعن ابن قتادة -رضوان الله تعالى عنه- أنه دخل المسجد فوجد النبي ﷺ جالسًا بين أصحابه فجلس معهم، فقال: "ما منعك أن تركع؟ " قال: رأيتك جالسًا والناس جلوس، قال: "فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين". أخرجه البخاري بدون القصة وهو رواية مسلم.
ويرد هنا مسائل:
المسألة الأولى: لو جلس قبل أن يصلي لنسيان، فعليه في هذه الحالة أن يقوم ويأتي بالتحية. ويدل لذلك حديثان:
الأول: عن جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما- قال جاء سُليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم على المنبر فقعد سُليك قبل أن يُصلي فقال: "أصليت ركعتين؟، فقال: لا، فقال: