← Общие книги

Общие книги · id 37558

كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله

محمد علي محمد إمام

Полный текст (553 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الدين النصيحة عن جرير بن عبد الله ﵃ قال بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. متفق عليه (١). وعن أبى رقية تميم بن أوس الدارى ﵃ أن النبى ﷺ قال " الدين النصيحة (ثلاثاً) قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " رواه مسلم (٢). عن أنس ﵃ يرفعه قال رسول الله ﷺ : " من لم يهتم بأمر المسلمين ومن لم يصبح ويمسى ناصحاً لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منا " (رواه البيهقى والطبرانى) (٣). وعن أبى أمامه ﵁ عن النبى المصطفى الكريم ﷺ قال: قال الله : أحب ما تعبدنى به عبدى النصح لى .. وفى رواية لكل مسلم (رواه أحمد والحكيم وأبو نعيم) (٤).

стр. 107

وقيل " لا خير فى قوم لا يتناصحون فيما بينهم ولا خير فى قومٍ لا يقبلون النصيحة ". وقال الفضيل بن عياض: المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير. قال المازرى: نصيحة مشتقة من نصحت العسل أى صفيته. يقال نصح الشىء إذا خلص ونصح له القول إذا أخلص. أو مشتقة من النصح وهى الخياطة بالمنصحة وهى الإبرة. والمعنى أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تلم المنصحة الثوب ومنه التوبة النصوح كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه. وقال الخطابى: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له. النصيحة لله: ١) وصفة بما هو له أهل. ٢) الخضوع له ظاهراً وباطناً. ٣) الرغبة فى محابه بفعل طاعته. ٤) الجهاد فى رد العاصين إليه. قال الحواريون لعيسى ﵇: يا روح الله من الناصح لله؟ قال: الذى يقدم حق الله على حق الناس.

стр. 108

النصيحة لكتاب الله: وتتم بتعلمه وتعليمه وإقامة حروفه فى التلاوة وتحريرها فى الكتابة وتفهم معانيه، والعمل بما فيه وذب تحريف المبطلين عنه. النصيحة لرسوله ﷺ : وذلك يتحصل بتعظيمه ونصره حياً وميتاً وإحياء سنته وتعليمها والإقتداء به فى أقواله وأفعاله ومحبته ومحبة أتباعه. النصيحة لأئمة المسلمين: ١) إعانتهم على ما حملوا القيام به. ٢) تنبيههم عند الغفلة. ٣) سد خلتهم عند الهفوة. ٤) جمع الكلمة عليهم. ٥) رد القلوب النافرة إليهم. ٦) ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتى هى أحسن. ومن جملة أئمة المسلمين: أئمة الاجتهاد وتقع النصيحة لهم .. ببث علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم.

стр. 109

النصيحة لعامة المسلمين: ١) الشفقة عليهم. ٢) السعى فيما يعود عليهم بالنفع. ٣) تعليمهم ما ينفعهم. ٤) كف وجوه الأذى عنهم. ٥) يحب لهم ما يحب لنفسه. ٦) ويكره لهم ما يكره لنفسه. والدين النصيحة .. يحتمل أن يحمل على المبالغة أى معظم الدين النصيحة كما قيل فى الحديث الشريف (الحج عرفه (١)، ويحتمل أن يحمل على ظاهره لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس فى الدين (٢). ولذلك كانت عاطفة كل الأنبياء ﵈: الشفقة والرحمة والنصح لأقوامهم، ولهذا أخبر الله عن حبيبه ومصطفاه محمد ﷺ ﴿

стр. 110

لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وقال الله جل ثناؤه إخباراً: عن نوح ﵇: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُم﴾ (٢) وعن هود ﵇: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (٣)، وهذا نبى الله صالح ﵇ قد ذكر الله نصحه لقومه فقال الله ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ (٤). وعن صاحب ياسين: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٥).

стр. 111

وعن مؤمن آل فرعون ﴿: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١). ومع هموم إبراهيم الخليل ﵇ مع أبيه الكافر .. قال تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ

стр. 112

لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ (١). وننتقل من ابن مع أبيه .. إلى والدين مع ابنهما الملحد الذى ينكر البعث حرصاً منهما على هدايته: وإليك حوار الدعوة المملوء بالشفقة والرحمة كما يصوره الله : قال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (٢). وتأمل معنى قول الله : ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾ أى يطلبان من الله الهداية لولدهما الضال (بِهَم .. حُرقة .. حزن .. شفقة) ويلك آمن إن وعد الله حق .. نسأل الله أن يرزقنا الشفقة والرحمة التى كانت فى قلوب الأنبياء ﵇ * * * *

стр. 113

وتعاونوا قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١). فى هذه الآية الكريمة يبين الله أنه يوجد نوعان من التعاون: النوع الأول: وهو التعاون على البر وهو فعل الخيرات. النوع الثانى: وهو التعاون على التقوى وهو ترك المنكرات. . والتعاون على البر الآن كثير، ومن أمثلته: أنك تجد فقيراً محتاجاً فتضع يدك فى يده بالعطاء، قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢). وإذا رأيت رجلاً أعمى فى الطريق فتقوده حتى يصل المكان الذى يريده.

стр. 114

وإذا وجدت جارك أو ابنه أو أى رجل لا تعرفه قد كسرت رجله تقوم فوراً وتحمله إلى الطبيب .. فهذه أمثلة للتعاون على البر. ومن أمثلة التعاون على التقوى: أنك إذا وجدت رجلاً لا يصلى وينتهك حرمات الله ترشده وتنصحه وتُعينه على امتثال أمر الله وتقوى الله .. فهذا وللأسف قل فى حياتنا .. فالذى كسرت رجله أو يده فى ميزان الله لم يخسر ولكن له الثواب إذا صبر ففى الحديث الذى رواه الإمام البخارى ومسلم عن أبى سعيد وأبى هريرة ﵃ عن النبى الكريم ﷺ قال: " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه " (١). ولكن الذى ترك أمر الله فقد ضل ضلالاً كبيراً وخسر خسراناً مبينا .. قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (٣).

стр. 115

يقول الشيخ إلياس ﵀ (١) – معلقاً على الحديث الشريف الذى رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء. رواه ... أبو داود والترمذى (٢). مع الأسف أن الناس قد خصوا هذا الحديث على الجوعى وأهل الفاقة فلذا صار الناس إذا رأوا الجائع والمحتاج والعارى فيرحموه ولكن المحروم من الدين لا يرحموه، فخسارة الدنيا يعتبرونها خسارة .. ولكن خسارة الدين لا يعتبرونها خسارة، فكيف يرحمنا من فى السماء، فإنما أساس عمل الدعوة والتبليغ قائم على هذه الرحمة فلذا علينا أن نعمل هذا العمل بالشفقة والرحمة فإذا أحس الداعى بالأسف والحزن على إساءة أحوال إخوانه الدينية فحينئذٍ يؤدى واجبه بالرحمة والشفقة لهم ويعمل بالإخلاص ويشعر بالتقصير ولكن إن لم يكن فى قلبه ذلك فيُبتلى بالتكبر والعجب فلا ينتظر منه المنفعة (٣).

стр. 116

وقال أحد العلماء: ما أقل التعاون على التقوى الآن وكثرته عند الصحابة ﵃ فكان النبى الكريم ﷺ يربط الحجرين على بطنه الشريف وما انشغل الصحابة بجمع الطعام للنبى ﷺ ولا لأنفسهم وهو من أعمال البر ولكن انشغلوا بالتعاون على التقوى وخرجوا فى سبيل الله ليبلغوا رسالة النبى الكريم ﷺ . فالله يقول: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (١). أى ليس معاملتكم لمحمد ﷺ معاملة الابن لأبيه ولكن معاملة النبوة والرسالة، فمعاملة الأب بأن تقبل يده، وتقدم له الطعام والشراب وتخدمه حتى يرضى عنك ولكن عليكم أن تعاملوا محمداً ﷺ معاملة خاتم النبوة بأن تحملوا هديه إلى المشارق والمغارب ..

стр. 117

، .. أنصر أخاك .. ، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ .. قال: أن تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره ". رواه البخارى (١) والمظالم كثيرة وأنواع الظلم كثيرة وقد بين الله من هم أشد الناس ظلماً قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٢). فهؤلاء المعرضون عن آيات الله هم أعتى الظلمة فكيف تكون نصرتهم ومنعهم من الظلم .. ؟

стр. 118

الجواب: أن ندعوهم إلى الله ونذكرهم بالله ونحببهم فى الله بذكر آيات قدرته وعظمته وبذكر نعمه وآلائه وإحسانه وبره وعطفه ومنه وجوده وكرمه. * * * * * حقائق فى الدعوة إلى الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١)، فالله جعل الدعوة إليه وأجرها عليه ونصرتها عليه. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ ثم نراه فى آية أخرى يقول الله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ .. الآية﴾ (٢). إذن .. فالدعوة إلى الله، فمن أين تأخذ أجرك .. ؟!

стр. 119

قال الله ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وقال تعالى ﴿لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ﴾ (٢). وقال تعالى ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣). ولكن .. كيف تُنصر وتوفق فى هذه الدعوة .. ؟! قال تعالى ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٤). * * * * *

стр. 120

من مرتبة الحسن إلي الأحسن قال تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٣). الله يأمرنا أن ننتقل من مرتبة الحسن إلى الأحسن .. فما هو الأحسن .. ؟! يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤).

стр. 121

الموعظة فى آيات قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١). قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢). قال تعالى (على لسان شعيب ﵇) ﴿: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْه﴾ (٣). * * * * *

стр. 122

أحوال الناس أمام الدعاة ١) المحبين: عشاق الحق (يحبون الحق وأهله). ٢) المتردد أو المتشكك .. التردد جبن .. والخوف طبع. ٣) المنتفع: عبيد المصالح .. قال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (١). ٤) الحقود: المؤمن .. محسود، حب الشهرة هلاك، العطاء يسع الجميع، الفرح بهداية الناس ولو كان على يد غيرك. ٥) المتربص أو المتحامل: كل ابن آدم خطاء .. المتربص أعمى عن الحسنات .. العفو زينة المؤمن .. كما نقول للمسئ أسأت ينبغى أن نقول للمحسن أحسنت ..

стр. 123

٦) العدو: العداء قديم .. (كفار مكة – منافقوا المدينة – اليهود). ٧) فتنة العلماء: مثل فتنة القول بخلق القرآن وتعذيب العلماء وحملهم على القول بذلك .. وعُذِبَ فيها خلق كثير مثل الإمام أحمد بن حنبل – جزاه الله خيراً – بصبره أزاح الله هذه الفتنة. * * * * *

стр. 124

من أنوار القرآن قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ (١). لماذا شبه الله النبى ﷺ بالسراج دون الشمس، والشمس أتم وأكمل فى قوله تعالى: " سراجاً منيرا " .. ؟!! قيل إنما شبه بالسراج لأن السراج يتفرع ويتولد منه سرج لا تعد ولا تحصى بخلاف الشمس والنبى ﷺ تفرع منه بواسطة إرشاده وهدايته جميع العلماء والدعاة فى عصره والعصور التالية .. إلى يومنا هذا وهلم جرا إلى يوم القيامة أشعلت جميع الأمة من النبى ﷺ (٢). * * * * *

стр. 125

القدوة قال الله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ (١). • أسوة الأمة: رسولها محمد ﷺ قال الله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (٢). • الصحابة على الطريق .. قال الله ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٣).

стр. 126

• قال تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (١) (٢). • السابقون واللاحقون فى الحق ملة واحدة. • ابدأ بنفسك. • دعاه لا قضاة. • خفايا القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب. • أخرج أبو نعيم فى الحلية عن حسان بن عطية قال لما عزل عمر بن الخطاب معاوية عن الشام بعث سعيد ابن عامر ﵃ قال فخرج معه بجارية من قريش فما لبث إلا يسيراً حتى أصابته حاجة شديدة قال: فبلغ ذلك عمر ﵁ فبعث إليه بألف دينار، قال: فدخل بها على امرأته فقال أن عمر بعث إلينا بما ترين فقالت لو أنك اشتريت لنا أدماً وطعاماً وادخرت سائرها، فقال لها: أولا أدلك على أفضل من ذلك؟ نعطى هذا المال من

стр. 127

يتجر لنا فيه فنأكل من ربحها وضمانها عليه. فقالت إذن فاشترى أدماً وطعاماً واشترى بعيرين وغلامين يمتاران عليهما حوائجهم وفرقها فى المساكين وأهل الحاجة قال فما لبثت إلا يسيراً حتى قالت له امرأته: إنه نفد كذا وكذا، فلوا أتيت ذلك الرجل فأخذت لنا من الربح فاشتريت لنا مكانه، قال: فسكت عنها قال: ثم عاودته قال: فسكت عنها حتى آذته ولم يكن يدخل بيته إلا من ليل إلى ليل قال: وكان رجل من أهل بيته ممن يدخل بدخوله فقال لها: ما تصنعين؟ إنك قد آذيته وأنه قد تصدق بذلك المال، قال: فبكت أسفاً على ذلك المال، ثم إنه دخل عليها يوماً فقال: على رسلك إنه كان لى أصحاب فارقونى منذ قريب ما أحب أنى صددت عنهم وأن لى الدنيا وما فيها ولو أن خيره من الخيرات الحسان اطلعت فى السماء لأضاءت أهل الأرض ويقهر ضوء وجهها الشمس والقمر ولنصيف (١) تكسى خير من الدنيا وما فيها فلأنت أحرى فى نفسى أن أدعك لهن من آن أدعهن لك قال فسمحت ورضيت (٢). • وقال رسول الله ﷺ " تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك " رواه أحمد والحاكم (٣).

стр. 128

• وقال رسول الله ﷺ " ... لقد جئتكم بها بيضاء نقية ... " رواه أحمد والبيهقى فى شعب الإيمان (١). • وكل واحد يبدأ بنفسه. * * * * *

стр. 129

الحكمة والموعظة الحسنة قال الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (١). وقال الله ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ (٢). قال الحافظ ابن حجر فى الفتح: أصح ما قيل فى الحكمة هى وضع الشىء فى محله. أ. هـ.

стр. 130

والحكمة: هي نور يقذفه الله فى قلب العبد على قدر التضحية وهى عطاء من الله قال الله ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُف﴾ (١) أى علمناه الحكمة بوضع صواع الملك فى وعاء أخيه ويبدأ بالتفتيش بوعاء الآخرين، فمن أوتى الحكمة فقد أوتى خيراً كثيرا ومن حرمها فقد حرم خيراً كثيراً. والحكمة: تحتاج إلى تمرين وتدريب وتعليم وصحبة ممن سبقوك فى الدعوة بالصبر والتحمل وغض الطرف عن أخطائهم كما فى قصة موسى ﵇ مع الخضر ﵇، فلو صبر عليه لتعلم منه الكثير والكثير، قال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢). والحكمة: تحتاج إلى دراسة وتحليل لحياة الأنبياء ﵈ فى الدعوة إلى الله، وكذلك أتباع الأنبياء ﵇ والأمثلة كثيرة منها:

стр. 131

انظر إلى حكمة سيدنا رسول الله ﷺ يوم فتح مكة لما مر سعد بن عبادة بأبى سفيان بن حرب فى كتيبة الأنصار قال له: اليوم يوم الملحمة .. اليوم تستحل الحرمة .. اليوم أذل الله قريشاً .. فلما حاذاه رسول الله ﷺ فى كتيبته شكا إليه ذلك أبو سفيان قال: يا رسول الله ﷺ ألا تسمع ما قال سعد .. ؟ قال ﷺ : وما قال؟ قال: كذا وكذا ... فاستنكر رسول الله ﷺ مقالة سعد وقال: بل اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز الله قريشاً ويعظم الكعبة، فأرسل إلى سعد فنزع منه اللواء ودفعه إلى قيس ابنه ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد إذ صار إلى ابنه (١). يقول أبو الحسن الندوى: ولم يزد الرسول ﷺ الملهم أن أبدل حرفاً بحرف وأباً بابن، فعالج نفس أبى سفيان المكلومة وكان فى حاجة إلى تأليف القلب من غير أن يسيئ إلى سعد صاحب سوابق فى الإسلام (٢). وتجلت حكمة سيدنا رسول الله ﷺ حين قسم غنائم حنين فقسمها فى المهاجرين من الطلقاء ولم يعط الأنصار شيئاً. فقالت الأنصار: إذا كانت الشدائد فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا. فأمر رسول الله ﷺ بالأنصار فجمعوا فى حظيرة فخطب خطبة عظيمة قال فيها .. ألم آتكم ضُلالاً فهداكم

стр. 132

الله بى، وعالة فأغناكم الله بى، وأعداء فألف الله بين قلوبكم .. ؟ قالوا: لله ولرسوله المنَّ. ولما سكتوا قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار: قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله. لله ولرسوله المن والفضل. قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتكم. آتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك. ثم انعطف عليهم بكلمة فيها الثقة. فقال: أوجدتم علىًّ يا معشر الأنصار فى أنفسكم فى لعاعة (١) من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم. ثم قال كلمة لم يتمالكوا أمامها فانفجر الإيمان والحنان فى نفوسهم وتدفق قال: ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟ فو الذى نفس محمدٌ بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً ووادياً لسلكت شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار والناس دثار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار

стр. 133

، وبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا رضينا برسول الله ﷺ قسماً وحظاً (١). فانظر كيف كان رسول الله ﷺ يداوى الجراح ويداوى النفوس ويأتيه الرجل يستأذنه فى الزنا ويستأذن ممن .. ؟ من رسول الله ﷺ ! وأمام صحابة رسول الله ﷺ فماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ فعن أبى أمامة ﵁ قال: إن فتى شاباً أتى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لى بالزنا. فأقبل عليه القوم وزجروه. وقالوا مه مه. فقال: ادنه. فدنا منه قريباً قال: فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك. قال والناس لا يحبونه لبناتهم. قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله يارسول الله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلنى الله فداك. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله يارسول الله جعلني الله فداءك. قال ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك اليوم الفتى

стр. 134

يلتفت إلى شئ. رواه الإمام أحمد والطبرانى فى الكبير وقال الهيثمى رجاله رجال ... الصحيح (١). انظر كيف يأتى له بالأقرب فالأقرب ثم يدعو له بطهارة القلب وحصانة الفرج وما عنفه وما زجره. ومن الحكمة: اختيار الوقت المناسب لزيارة من تدعوه إلى الله : فعن عبد الله بن عباس ﵃ قال: لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار (٢): هلم لنسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال الرجل: واعجباً لك يا ابن عباس أترى الناس يفتقرون إليك وفى الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم، فتركت ذلك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﷺ وإن كان يبلغنى الحديث عن الرجل فآتى بابه تسفى الريح علىَّ من التراب، فيرانى فيقول يا ابن عم رسول الله ﷺ هلا أرسلت إلىَّ فآتيك فأقول أنا أحق أن آتيك. قال: فأسأله عن الحديث فعاش هذا الرجل الأنصارى حتى رآنى وقد اجتمع الناس حولى يسألونني فيقول هذا الفتى كان أعقل منى. رواه الحاكم فى المستدرك.

стр. 135

انظر إلى هذا الأدب الذى تأدبه أصحاب رسول الله ﷺ فهو يختار الوقت الذى يجد فيه الصحابى ولا يوقظه حتى لا يزعجه ويربى نفسه على مشقة الدعوة والتواضع فى طلب العلم (١). وعن أبى وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود ﵁ يذكرنا فى كل خميس مرة فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم .. فقال: أما أنه يمنعنى من ذلك أنى أكره أن أملكم وأن أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا (٢). وذكر البيهقى وغيره .. من علامات السآمة، عن بن مسعود ﵁ قال: حدث الناس ما أقبلت عليك قلوبهم فإذا حدقوك بأبصارهم وإذا انصرفت عنك قلوبهم فلا تحدثهم، وذلك إذا اتكأ بعضهم على بعض. وأخرج أبو نعيم عن ابن مسعود ﵁ قال: إن للقلوب شهوة وإقبالا، وإن للقلوب فترة وإدبارا، فاغتنموها عند شهواتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها (٣). فالقلوب متقلبة .. لها إقبال ولها إدبار .. ومن حكمة الداعي اغتنام فرصة إقبال القلوب واشتياقها إلى الموعظة.

стр. 136

ومن الحكمة فى الدعوة إلى الله : اللين والرفق وذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ قال بال أعرابى فى المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه فقال رسول الله ﷺ دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين. رواه البخارى (١). وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " من يحرم الرفق يُحرم الخير كله ". رواه مسلم (٢). ووعظ أحد العلماء الخليفة المأمون ﵀: فعنفه وشدد عليه فى الموعظة فتركه حتى أفرغ ما كان عنده وقال له: يا هذا .. اجلس وانتظر واسمع منى .. أأنت خير أم موسى نبى الله ﵇ فقال العالم: بل موسى نبى الله ﵇ لأنه كليم الله واصطفاه الله برسالته ثم قال له: أأنا خير أم فرعون الطاغية المتكبر عليه اللعنة .. ؟ قال له: بل أنت. قال: فلماذا هذا التعنيف وقد قال الله لمن هو خير منك أن يقول لمن هو شر منى ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٣).

стр. 137

ومن الحكمة: تحمل الأذى والإعراض عن الجاهلين .. فكان النبى ﷺ يتحمل أذى الجاهل ويعرض عنه وليس ذلك فحسب بل يكرمهم ويحلم عليهم وهذا ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أمشى مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجرانى غليظ الحاشية فأدركه أعرابى فجبذه بردائه جبذة شديدة فنظرت إلى صفحة عاتق النبى ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال: يا محمد مر لى من مال الله الذى عندك. فالتفت إليه فضحك فى وجهه ثم أمر له بعطاء. متفق عليه (١). انظر إلى حلم سيدنا رسول الله ﷺ كيف تحمل له ذلك مع إيذائه له ثم يضحك فى وجهه ويأمر له بعطاء. وهذا معاوية بن الحكم السُلمى ﵁ قال بينما أنا أصلى مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرمانى القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ماشأنكم تنظرون إلىَّ .. ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونى لكنى سكت فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبى وأمى ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرنى ولا ضربنى ولا شتمنى قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هى التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. رواه مسلم (٢).

стр. 138

فحسن التوجيه بالحكمة والموعظة الحسنة جعلهم يحبون دين الله ويحبون رسول الله ﷺ أكثر من آبائهم وأبنائهم وأنفسهم. ومن الحكمة أن يخاطب الناس على قدر عقولهم: فعن على ﵁ قال: " حدثوا الناس على قدر عقولهم أتريدون أن يكذب الله ورسوله ". رواه البخارى. وعن ابن مسعود ﵁ قال: " ما أنت محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ". رواه مسلم. فنزول الداعى إلى مستوى من يدعوه .. واجب يحث عليه المصطفى ﷺ .. فقد كان يأتيه البدوى فيخاطبه بأسلوبه والمثقف يدعوه بأسلوبه وكذلك صاحب المنطق والحيلة فيرتفع إلى مستواه ويدعوه. ومن الحكمة: البشاشة فى وجه من تدعوه إلى الله ، فالابتسامة طبيب يعالج بلا دواء .. والابتسامة تكون من القلب ولا تكون ابتسامة محزونة. قال الرسول ﷺ " تبسمك فى وجه أخيك صدقة ". رواه ابن حبان والترمذي وحسنه (١).

стр. 139

وقال ﷺ " إنكم لا تسعون الناس بأموالكم وليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ". رواه الحاكم (١). ومن الحكمة .. أن تقدر الناس وتحترمهم وتصغى إليهم إذا تكلموا. فالرسول ﷺ يأتيه عتبة بن ربيعة ليعرض عليه أموراً أرسله بها قومه لعله يقبل أحدها فقال رسول الله ﷺ : قل يا أبا الوليد أسمع، قال يا ابن أخى: إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئياً تراه لا تستطيع أن ترده عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه .. قال رسول الله ﷺ : أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال ﷺ : فاستمع منى. قال: أفعل. فقرأ عليه أول سورة فصلت ... الخ (٢). تأمل أدب النبوة .. يكنيه .. ويسمع منه حتى يفرغ من كلامه ثم يبدأ فى الكلام .. ولقد صدق الصادق الأمين حين قال أدبنى ربى فأحسن تأديبى .. وكان ذلك تأكيداً لقول الحق ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣).

стр. 140

ومن الحكمة: أن تثير فى نفس أخيك الذى تدعوه خصال الخير فكل إنسان فيه من خصال الخير وتشعره بأن قضية الدين والدعوة قضيته لأنه إذا أحس بها تبناها وتظهر له المنافع التى تعود عليه فى الدنيا والآخرة. ومن الحكمة: المشاركة الوجدانية فى الأفراح والأحزان، فإنها تؤلف القلوب .. فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " خالطوا الناس بما يشتهون وزايلهم بما يشتهون ودينك فلا تكلمه (١) " رواه الطبرانى (٢). وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " خالطوا الناس بأخلاقكم وخالفوهم فى أعمالكم ". رواه العسكرى فى الأمثال (٣). وفى مجمع الزوائد - باب كيف يفعل من بقى فى حثالة. وعن ابن مسعود ﵁ قال: خالطوا الناس وصافوهم بما يشتهون ودينكم فلا تَكْلَمَنَّه. رواه الطبرانى (٤). واذا اتهمك أحد بالعيب أو التقصير فاعترف بذلك فمهما قدمت فأنت مقصر .. فعن الزهري أخبرني ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه قدم وافداً على معاوية فى خلافته قال: فدخلت المقصورة .. فسلمت على مجلس

стр. 141

من أهل الشام وجلست بين أظهرهم فقال لى رجل منهم .. من أنت يافتى؟ قلت: أنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. قال: يرحم الله أباك .. أخبرنى فلان لرجلٍ قد سماه أنه قال: والله لألحقن بأصحاب رسول الله ﷺ فلأحدثن بهم عهداً ولأكلمنهم، فقدمت المدينة فى خلافة عثمان، فلقيتهم إلا عبد الرحمن بن عوف أخبرت أنه بأرضٍ له بالجرف (١) فركبت إليه حتى جئته فإذا هو واضع ردائه يحول الماء بمسحاة فى يده فلما رآنى استحى منى، فألقى المسحاة وأخذ ردائه فسلمت عليه وقلت له قد جئت لأمرٍ وقد رأيت أعجب منه، هل جاءكم إلا ما جاءنا .. ؟ وهل علمتم إلا ما قد علمنا .. ؟ قال عبد الرحمن: لم يأتنا إلا ما جاءكم ولم نعلم إلا ما قد علمتم. قال: قلت فما لنا نزهد فى الدنيا وترغبون ونخف فى الجهاد وتتثاقلون، وأنتم سلفنا وخيارنا وأصحاب نبينا. فقال عبد الرحمن: لم يأتنا إلا ما قد جاءكم ولم نعلم إلا ما قد علمتم، ولكنا بلينا بالضراء فصبرنا وبُلِينا بالسراء فلم نصبر (٢). انظر كيف يتهمه بالتقصير .. ويتهم من .. ؟! وزير رسول الله ﷺ وأحد حواريه وأهل مشورته وأحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد أحباء رسول الله ﷺ وما ترك غزوة إلا وهو ينافح فيها عن رسول الله ﷺ وأحد الذين مات عنهم رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وأحد الذين جعلهم عمر ﵁ من

стр. 142

أهل الشورى فى أمر الخلافة من بعده ومع ذلك يعترف بالتقصير ولا يغضب عليه. ومن الحكمة: أن يبدأ الداعى فى دعوته بالأهم ثم المهم .. قال تعالى ... ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١). فإن الأنبياء ﵈ كانوا يبدأون بالدعوة إلى التوحيد ثم يشرعون فى الأهم ثم المهم. ومن الحكمة فى الدعوة إلى الله: التدرج مع المدعو كما فعل إبراهيم ﵇ مع قومه. قال تعالى ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ

стр. 143

قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). هذا ربى .. أى فى زعمكم واعتقادكم. لا أحب الآفلين: رداً عليهم وتنبيهاً لهم على فساد قولهم، وقد أجرى إبراهيم ﵇ هذا الحوار مناظرة لقومه ليبطل لهم ما كانوا عليه من عبادة النجوم والكواكب (٢). ومن الحكمة أن يكون الوعظ بالقول البليغ قال تعالى ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ (٣) أن يكون كلاماً حسن الألفاظ، حسن المعانى، مشتمل على الترغيب والترهيب والتحذير والإنذار، والثواب والعقاب، فإن الكلام إذا كان هكذا عظم وقعه فى القلب، وإذا كان مختصراً ركيك اللفظ قليل المعنى لم يؤثر البته فى القلب (٤). ومن الحكمة تنويع الأسلوب كما فعل نوح ﵇ مع قومه قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلا

стр. 144

فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ (١). قال القرطبى: وأسررت لهم أى أتيتهم فى منازلهم. وقال ابن كثير: نوَّع عليهم الدعوة لتكون أنجح (٢). والكلام فى حكمة الدعوة إلى الله كثير .. وكثير .. نكتفى بهذا الشئ القليل والذى يريد المزيد فعليه بكتب السيرة النبوية المطهرة والسنة الشريفة.

стр. 145

من الصفات التى يجب أن يتحلى بها الداعى إلى الله الداعى لا يزال يُبتلى ويمتحن فتارة يصيبه الأذى من أصحابه وتارة من أقاربه وتارة من زوجته وتارة من أولاده وفى هذا ارتقاء عظيم، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). فعلى الداعى أن يصبر ويصابر فى بيان الحق والدعوة إليه ويتسم بطول النفس وبُعْدَ النظر حتى تتحقق له الغاية المنشودة (وهى هداية جميع الناس) يقول الشيخ إلياس ﵀ لابد لأحبابنا أن ينتبهوا أنهم إذا لم تقبل منهم الدعوة والتبليغ بل سُبَوا واتُهُمُوا فلا ييأسوا ولا يملوا بل عليهم فى هذه الحالة أن يتذكروا أحوال الأنبياء ﵈ فى الدعوة إلى الله وخاصة حال سيد الأنبياء سيدنا محمد ﷺ فإنها سُنته ووراثته ولا تحصل
следующие страницы →