← Общие книги

Общие книги · id 37558

كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله

محمد علي محمد إمام

Полный текст (553 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والإيمان الضعيف لابد له من التضحية فى سبيل الله ولذلك مقصود الخروج فى سبيل الله أن يتقوى الإيمان واليقين .. فأعلى شعبة من شعب الإيمان هى .. لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله .. إذا صحت فى القلب صح ما بعدها من الشعب وإذا ضعفت فى القلب ضعف ما بعدها من الشعب. * * * * *

стр. 72

الدعوة وسيلة الإيمان الإيمان: أمر غيبى غير ملموس .. وغير مرئى .. وهو التصديق واليقين بالأمور الغيبية غير الملموسة .. وقد عرفه الرسول ﷺ بقوله: " الإيمان .. أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره .. " (رواه مسلم - عن عمر بن الخطاب) (١). وبما أن الإيمان غير ملموس ومشاهد .. فالله ما قبل إيمان فرعون – عليه اللعنة – عندما رأى الآيات، والله لا يقبل إيمان آخر الزمان عندما تظهر الآيات (طلوع الشمس من مغربها، خروج الدابة ... الخ). س: ولكن كيف أؤمن بشئ لم أراه .. ؟

стр. 73

الدعوة: هى وسيلة الإيمان .. فهذا حصين الخزاعى والد عمران بن الحصين وكانت قريش تعظمه وتُجله .. فطلبت منه أن يكلم محمد ﷺ فى آلهتها فقد كان محمد ﷺ يذكرها فجاء حصين ومعه قريش حتى جلسوا قريباً من باب النبى ﷺ فلما رآه النبى ﷺ قال: أوسعوا للشيخ فقال حصين .. ما هذا الذى بلغنا عنك؟ أنك تشتم آلهتنا .. فقال: يا حصين .. كم تعبد من إله؟ قال: سبعاً فى الأرض وواحد فى السماء. فقال: فإذا أصابك الضر فمن تدعو؟ قال الذى فى السماء، قال: فإذا هلك المال .. فمن تدعو؟ قال: الذى فى السماء. قال ﷺ : فيستجيب لك وحده وتشركهم معه يا حصين .. أسلم تسلم .. فأسلم فقام إليه ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه فلما أراد الحصين ﵁ الخروج قال الرسول الكريم ﷺ شيعوه إلى منزله (١). وجاء رجل للنبى ﷺ فقال: أنت رسول الله أو قال أنت محمد .. ؟ فقال: نعم. قال: ما تدعو .. ؟ قال: أدعو الله وحده من إذا كان لك ضر فدعوته كشفه عنك ومن إذا أصابك عام فدعوته أنبت لك ومن إذا كنت فى أرض قفر فأضللت فدعوته رد عليك فأسلم الرجل، ثم قال: أوصنى يا رسول الله ﷺ . فقال: لا تسبن شيئاً أو قال أحداً، قال فما سببت بعيراً ولا شاة منذ أوصانى رسول الله ﷺ . (رواه الإمام أحمد) (٢).

стр. 74

فعرفه فاعلية الله وقدرة الله وعظمته فلابد أن نبين للناس فاعلية الله وقدرة الله .. الله على كل شئٍ قدير .. الله فعال لما يريد .. لله ملك السماوات والأرض .. لله خزائن السماوات والأرض (١)

стр. 75

وجوب الدعوة إلى الله على الأمة المحمدية فى ضوء الكتاب والسنة بعض الناس يريد أن يتهرب من مسئولية الدعوة بحجة أنه ليس من العلماء وأن واجب الدعوة على العلماء فقط، وأن واجب الدعوة على سبيل الكفاية ويتحجج بالآية الكريمة ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). والجواب على هذه الحجج الواهية يمكن أن نوجزها كما سيأتى: يقول الإمام ابن كثير:

стр. 76

قال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله ﴿: ﷺ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ .. ... ﴾ ثم قال: " الخيرإتباع القرآن وسنتى ". والمقصود فى هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجباً على كل مسلم فى هذه الأمة ثم ثبت فى صحيح مسلم عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " وفى رواية .. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل. ينهى الله هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضية فى افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع قيام الحجة عليهم (١). ويقول الإمام الفخر الرازى: فى قوله منكم أن (من) هنا ليست للتبعيض لدليلين: • الأول: أنه تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على كل الأمة فى قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ .. ﴾ الآية (٢).

стр. 77

الثانى: هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إما بيده وإما بلسانه وإما بقلبه. فكلمة (من) للتبيين لا للتبعيض .. كقوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ (١) ثم قالوا وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين فالأمر عام إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين (٢) (٣). قال الزجاج .. ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب محمد ﷺ ولكنه عام فى كل الأمة ونظيره ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٤)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاص﴾ (٥) فإن ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ ولكنه عام فى حق الكل. وقال القفال ﵀:

стр. 78

أصل الأمة المجتمعة على الشئ الواحد فأمة نبينا ﷺ هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به والإقرار بنبوته، وقوله تعالى ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوف﴾ لبيان علة تلك الخيرية به .. كما نقول زيد كريم يُطعم الناس ويقوم بما يصلحهم وتحقيق الكلام أنه ثبت فى أصول الفقه أن ذكر الحكم مقروناً بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف فهاهنا حكم الله تعالى وصف الخيرية للأمة ثم ذكر عقب هذا الحكم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان بالله فدل على أن تلك الخيرية معلقة بهذه العبادات (١). ويقول الشيخ ابن جبرين ﵀: وقد دلت الأدلة على آكدية الدعوة إلى الله وإلى الخير، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). الخير: هو الإسلام كله وشعائره وعلومه كلها من الخير، ومن دعا إليها فإنه يعتبر داعيا إلى الخير وله الأجر المرتب في هذا الحديث وغيره. جاءت آية أخرى تدل على الدعوة إلى سبيل الله؛ في قوله تعالى ﴿: ادْعُ

стр. 79

إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) فهاهنا أمر الله تعالى بالدعوة إلى سبيله ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ سبيل الله: دينه وشريعته وأمره ونهيه وهو الإسلام كله وما جاء به، وأدلة ذلك من الكتاب والسنة كله داخل في سبيل الله تعالى، وفي صراطه المستقيم الذي أمر بالتمسك به، والسير على نهجه. هذا سبيل الله رسمه النبي ﷺ في حديثه المشهور: أنه خط خطا مستقيما وخط عن يمينه وعن يساره خطوطا وقال للخط المستقيم: هذا سبيل الله يعني الذي أمر بالسير عليه وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه فقوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ يعني إلى هذا الصراط السوي الذي من سار عليه نجا، ومن انحرف عنه ضل. فالدعوة إليه إيضاحه وبيانه للناس وبيان فوائده، والحث على التمسك به، وعلى العمل بتعاليمه، وعلى الاجتهاد في تحقيق الأدلة التي تدل عليه، والحكم والمصالح التي تترتب عليه. كذلك جاءت بلفظ الدعوة إلى الله في قوله تعالى ﴿: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٢) دعا إلى الله؛ أي إلى دينه وإلى

стр. 80

شرعه وإلى عبادته وتوحيده الذي أمر به في قوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ دعا الناس إلى عبادة ربهم، إذا كان كذلك فإنه من أحسن الطرق طريقه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي دعا الناس إلى الله تعالى ﴿: وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وهكذا قال تعالى ﴿: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ (١) يعني إلى هدى الله وشريعته ودينه وأمره ونهيه، أدعو إلى عبادته، وإلى اتباع رسله، من دعا إلى ذلك فقد دعا إلى الله؛ فقوله في هذا الحديث: من دعا إلى هدى يعم من دعا إلى الله، ومن دعا إلى سبيل الله، ومن دعا إلى الخير، فكل ذلك من الهدى." (٢). ويقول الشيخ الشعراوى: يعنى أن يكون منكم أيها المخاطبون أمة تدعو إلى الخير ومعناه أيضاً .. أن تكونوا أمة تدعون إلى الخير .. وقيل معناه .. أن تكون منكم جماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. ولكن هناك فهم أعمق من هذا:

стр. 81

وهو أن هذه الآية تأمر بأن تكون كل جماعة المسلمين أمة تدعوا إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر (١). وقد تكلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن هذه الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ فقال .... لو شاء الله تعالى لقال أنتم فكنا كلنا ولكن كنتم خاصة فى أصحاب محمد ﷺ ومن صنع مثل صنيعهم كانوا خير أمة أُخرجت للناس" (٢). ويقول الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي ﵀ (٣): فى الحديث الذى رواه الإمام البخارى ومسلم عن عمران بن حصين ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : " خير أمتى قرنى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .. " الحديث .. فالخيرية ليست فى القرن ذاته بل الخيرية بالأعمال الموجودة فى القرن، فالعرب من عادتهم يذكرون الظرف ويريدون المظروف الذى بداخل الظرف ... مثلاً يقولون .. جرى النهر .. ، ولكن ما

стр. 82

جرى النهر بل الماء الذى فى النهر " خير أمتى قرنى .. " المقصود به مظروف القرن والمظروف فى قرنه كانت الأعمال والذكر والدعوة والتزكية والتعليم والعبادات. فأى قرن فيه هذه الأعمال فهو من خير القرون وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵃ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول فى قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: " أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ". رواه الترمذى وحسنه وصححه الحاكم ووافقه الذهبى (١). ويقول الشيخ فريد العراقى (٢): جميع الأوامر الإلهية التى نزلت فى القرآن الكريم باسم النبى ﷺ هى له خاصة ثم لكل فرد من أمته إلى يوم القيامة. فكل أمر فى القرآن مقصود به الرسول الكريم ﷺ فهذا الأمر تشترك فيه الأمة إلا إذا إقترن هذا الأمر بقرينة تدل على أنه خاص بالنبى الكريم ﷺ كما يقول الله ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ﴾ الآية (٣)، فهذا

стр. 83

أمر خاص به، أما أمر الدعوة والتبليغ فهذا أمر عام موجه للأمة فى شخص النبى ﷺ . فأول أمر لهذه الأمة هو الدعوة إلى الله لقول النبى الكريم ﷺ ... " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " فما كان هناك صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج فكان الأمر الموجه هو التوحيد وكل فرد يدعوا لتوحيد الله على حسب قدرته. قال النبى ﷺ لمعاوية بن حيده ﵁ وهو يعلمه الإسلام قال .. أن تقول أسلمت وجهى لله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وكل مسلم على كل مسلم محرم أَخَوان نصيران لا يقبل الله ممن أشرك بعدما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين، مالى أمسك بحجزكم عن النار. ألا وإن ربى داعى وإنه سائلى .. هل بلغت عبادى .. ؟ فأقول: رب قد بلغت. ألا فليبلغ شاهدكم غائبكم (أخرجه ابن عبد البر فى الاستيعاب) (١). فهذا تكليف مباشر لمن دخل فى الدين بالدعوة ومنهم من يقول ائذن لى يا رسول الله ﷺ فى دعوة قومى لعل الله يمنَّ بى عليهم كما منَّ بك علىَّ (٢). وربما تكون الدعوة فطرة فى الإنسان بعدما يدخل فى الإسلام (كضمام بن ثعلبة) وإليك قصة إسلامه ..

стр. 84

عن ابن عباس ﵃ قال: بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافداً إلى رسول الله ﷺ فقدم إليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فى أصحابه وكان ضمام رجلاً جلداً، أشعر، ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ فى أصحابه. فقال أيكم بن عبد المطلب .. ؟ فقال رسول الله ﷺ : أنا بن عبد المطلب. فقال: يا محمد. قال: نعم. قال: يا ابن عبد المطلب. إنى سائلك ومغلظ عليك فى المسألة فلا تجدن فى نفسك. قال: لا أجد فى نفسى. فسل عما بدا لك. فقال: أنشدك إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك. آلله بعثك إلينا رسولاً .. ؟ قال: اللهم نعم .. حتى عدد عليه شرائع الإسلام كلها ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده فى التى قبلها حتى إذا فرغ قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وسأؤدى هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتنى عنه ثم لا أزيد ولا أنقص ثم انصرف إلى بعيره راجعاً. فقال رسول الله ﷺ : إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة. قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم قال: بئست اللات والعزى فقالوا: مه يا ضمام، اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون. قال: ويلكم، إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وقد جئتكم من عنده بما آمركم

стр. 85

به وأنهاكم عنه. قال فو الله ما أمسى فى ذلك اليوم وفى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً. ويقول ابن عباس ﵃ فما سمعنا بوافد قوم أفضل من ضمام بن ثعلبه (١). ماذا كانت حصيلة ضمام من علوم الدين .. ؟ مع أنه ما جلس مع ... النبى ﷺ إلا وقت قليل، فالعلم المفيد علم التوحيد الذى تعلمه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ خلق الخلق ليعرف وإذا عُرف عُبد وإذا عُبد شكر وإذا شكر أعطى عطاءاً لا نفاد له. ولا يطلب العلم إلا من أجل الدعوة، فإذا كان هناك طلب العلم بدون الدعوة قد يكون فتنة لأصحابه. علم الدين يزداد بركة بالدعوة إلى الله . ومن هذا يعلم أن عمل الدعوة واجب على كل فرد فى الأمة. * * * *

стр. 86

عظم المسئولية فى يوم من الأيام قال رسول الله - ﷺ لعبد الله بن مسعود " أقرأ علىَّ القرآن. قلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل .. ! قال - ﷺ : " إنى أحب أن اسمعه من غيرى فقرأت عليه من سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ (١) قال حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان " متفق عليه (٢) عينا المصطفى الكريم - ﷺ تذرفان بالدموع .. لماذا .. ؟!! من عظم المسئولية .. وعن أبى سعيد الخدرى - ﵁ قال، قال رسول الله - ﷺ " يجاء بنوح ﵇ يوم القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعم يارب، فتسأل أمته هل بلغكم نوح؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقال له من شهودك؟ فيقول محمد وأمته، فقال رسول الله ﷺ فيجاء بكم فتشهدون أنه قد بلغ ثم قرأ

стр. 87

رسول الله – ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (١) رواه البخارى (٢). وسطاً: يعنى عدول تقبل شهادتهم .. لماذا؟!! لأنهم يشهدون على الأمم ولا يشهد عليهم أحد إلا نبيهم ... من هنا أصبحت الأمة تحمل وظيفة النبى – ﷺ وهى الدعوة إلى الله تحملها إلى نفسها أولاً .. ثم إلى جميع الأمم فى جميع الأرض لأنها مسئولة عن كل فرد فى كل الأرض إلى يوم القيامة. وهى كما يقول الله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) .. هذه الآية تكلم عنها أهل العلم .. قل هذا القول وهذا الأمر من الله .. برقية إلهية نبوية تستمر تتلى على أمة محمد ﷺ إلى يوم الدين .. فأنا وأنت مسئول عن تبليغ رسالة النبى ﷺ . والسبيل: هو الطريق الواضح المستقيم الذى لا اعوجاج فيه .. الذى يوصل إلى الجنة ...

стр. 88

فمن الناس من يختار العبادة والعزلة ثمناً للجنة، والعبادة والعزلة طيبة ولكنها ليست مقصودة .. فالمقصود بالذات أن تبلغ هذه العبادة للناس لأنك من أمة سيدنا محمد ﷺ ولست من أمة سيدنا نوح ﵇. فعن أبى هريرة – ﵁ قال: مر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت فى هذا الشعب فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " لا تفعل، فإن مقام أحدكم فى سبيل الله أفضل من صلاته سبعين عاماً ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة، اغزوا فى سبيل الله، من قاتل فى سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ". رواه الترمذى (١) والعزلة: إنما هى أمر طارئ ضرورى قد يلجأ إليه الإنسان حينما تأتى ظروف معينة، كما فى الحديث الذى رواه أبو ثعلبه فى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٢) فقال: أما والله، لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مُطاعاً وهوى مُتبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذى رأى برأيه ورأيت أمراً لابد لك منه فعليك بنفسك ودع

стр. 89

أمر العوام، فإن وراءكم أيام الصبر فمن صبر فيهن قبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله قالوا: يا رسول الله ﷺ ، أجر خمسين منهم؟ قال أجر خمسين منكم (رواه الترمذى وابن ماجه) (١) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (فى الآية الكريمة): والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات الأخرى لم يضره ضلال الضالين وانحراف المنحرفين الذين ركبوا رؤوسهم وتمادوا فى غيهم وأعرضوا عن منهج ربهم (٢). ونقل ابن جرير الطبرى فى تفسير الآية: عن حذيفة ﵁ قال: " إذا أمرتم ونهيتم ". وعن سعيد بن المسيب: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر لا يضرك من ضل إذا اهتديت. فنحن الآن مطالبين بتبليغ رسالة الله مادام ميدان الدعوة إلى الله مفتوحاً أمامنا .. وأبشر يا أخى فإن الباب سيظل مفتوحاً. لحديث الرسول الكريم ﷺ الذى رواه عبد الرحمن بن العلاء الحضرمى قال حدثنى من سمع النبى ﷺ يقول: " إنه سيكون فى آخر هذه الأمة قوم لهم مثل أجر أولهم

стр. 90

يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقاتلون أهل الفتن " رواه البيهقى وصححه الألبانى (١). وعن معاوية ﵁ قال: سمعت النبى ﷺ يقول: " لا يزال من أمتى أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك " متفق عليه (٢). فالميدان مفتوح .. حتى قيام الساعة. نرجع ثانية .. إلى الآية الكريمة ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ سبيل رسول الله ﷺ .. وما هى سبيلك يا رسول الله ﷺ .. ؟!! ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣) والبصيرة هنا: هى الأمر اليقينى المجزوم به الذى لا يخالطه شك، وقيل: البصيرة العبرة، وقيل: على ثبات فى الدين واستمرار .. والبصيرة .. عطاء ربانى على قدر الاتباع للنبى علماً وعملاً.

стр. 91

ويقول ابن القيم ﵀: قال الفراء وجماعه: ومن اتبعنى: معطوف على الضمير فى أدعو يعنى ومن اتبعنى يدعو إلى الله كما أدعو يعنى حق على كل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه ويُذكِّر بالقرآن والموعظة الحسنة. قال ربيع بن أنس: ينبغى على من اتبع رسول الله ﷺ أن يدعو كما دعا رسول الله وأن ينذر بما أنذر. وقال ابن الأنبارى: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله إلى الله ثم يبتدئ بقوله ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فيكون الكلام على جملتين أولاهما أن يدعو إلى الله، وفى الثانية بأنه من اتباعه على بصيرة والقولان متلازمان. وعلى التقدير فسبيله وسبيل من اتبعه الدعوة إلى الله، فلا يكون الرجل من أتباعه حقاً حتى يدعوا إلى ما دعا إليه .. وقول الفراء أحسن وأقرب إلى الفصاحة والبلاغة .. والله يقول مرغباً حبيبه ﷺ فى الدعوة إليه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١).

стр. 92

قال الحسن: هو المؤمن أجاب الله فى دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحاً فى إجابته فهذا حبيب الله، هذا ولى الله، أسلم لله وعمل بطاعته، ودعا إلى الله، فالدعوة إلى الله أفضل مقامات العبد (١). وقال ابن كثير ﵀: هذه الآية عامة فى كل من دعا إلى خير وهو فى نفسه مهتد (٢) .. وهذا النوع أفضل أنواع الإنسان وأعلاهم درجه عند الله يوم القيامة وهم ثنية الله تعالى فى الخاسرين فى قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣). فأقسم الله على خسران نوع الإنسان إلا من كمُل نفسه وكمَّل غيره بوصيته له بها ولهذا قال الإمام الشافعى – ﵀ – لو فكر الناس كلهم فى سورة العصر لكفتهم ثم قال: وبيان ذلك أن المراتب أربعة باستكمالها يحصل للشخص غاية كماله: أحدهما: معرفة الحق.

стр. 93

الثانية: عمله به. الثالثة: تعليمه من لا يحسنه ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾. الرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فذكر الله فى المراتب الأربعة فى هذه السورة وأقسم بالعصر أن كل أحد فى خسر إلا من كمل فيه المراتب الأربعة وهذه نهاية الكمال أن يكون الشخص كاملاً فى نفسه مُكملاً لغيره، فهذه السورة مع اختصارها هى من أجمع سور القرآن الكريم للخير بحذافيره .. والحمد لله الذى جعل كتابه كافياً على كل ما سواه .. شافياً من كل داء .. هادياً إلى كل خير (١). * * * * *

стр. 94

الإحساس بمسئولية الدعوة عن علقمة بن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله - ﷺ ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيراً ثم قال: " ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟ وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون، والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لأعاجلنهم العقوبة ثم نزل. فقال قوم: من ترونه عَنّى بهؤلاء؟ فقال: الأشعريين هم قوم فقهاء ولهم جيران جفاه من أهل المياه والأعراب فبلغ ذلك الأشعريين فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ذكرت قوماً بخير وذكرتنا بشر فما بالنا؟ فقال ليعلمن قوم جيرانهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون أو لأعاجلنهم العقوبة فى الدنيا. فقالوا يا رسول الله: أنفطن غيرنا فأعاد قوله عليهم فأعادوا قولهم: (أنفطن غيرنا) فقال ذلك أيضاً فقالوا: أمهلنا سنه، فأمهلهم سنة ليفقهوهم ويعلموهم ويعظوهم ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي

стр. 95

إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ .. الخ الآية﴾ (١) (رواه الطبرانى فى الكبير) (٢). انظر .. كيف شدد النبى الكريم ﷺ على العلماء بتعليم الجهلاء أمر دينهم وأنذرهم بالعقوبة .. إن لم يفعلوا .. !! وحملهم مسئولية الدعوة والتعليم .. !! فما هو سبب عدم شعور المسلم بالمسئولية تجاه الدين .. ؟! اليوم .. عُدم المسلمون الإحساس بالمسئولية وذلك بسبب وجود سكرتان .. وهما: سكرة الجهل، سكرة حب العيش. ويوضح لنا ذلك الرسول الكريم ﷺ فى الحديث الذى رواه البزار عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنكم على بينة من ربكم ما لم تظهر فيكم سكرتان، سكرة الجهل وسكرة حب العيش وأنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون فى سبيل الله، فإذا ظهر فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون فى سبيل الله القائلون يومئذٍ بالكتاب والسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار " (٣).

стр. 96

فالسكران كلامه خطأ وكل ما يصدر منه فهو خطأ .. فالمسلم اليوم – إلا من رحم ربى – حياته خطأ فى خطأ لأنه سكران بحب الدنيا. وسكران الخمر يفيق بعد وقت قليل أو كثير .. ولكن سكران حب الدنيا لا يفيق إلا مع الموت. قال على ابن أبى طالب ﵁ الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا .. وإذا انتبهوا ندموا .. ولا ينفع الندم (١). فالرجل عندما يخدر أثناء العمليات الجراحية .. فلا يشعر بشئ على الإطلاق .. ولكنه عند الإفاقة .. يشعر بالآلام وبمن حوله ويبدأ فى التألم من آثار ما أجرى له .. كذلك لو أفاق المسلمون من سكرتهم .. لقالوا: آهٍ على بنات المسلمين .. آهٍ على نساء المسلمين .. آهٍ على شباب المسلمين .. آهٍ على دين المسلمين .. فلا يفيق الإنسان إلا بالجهد والتضحية وإنفاق المال والوقت فى سبيل الله ، قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). * * * * *

стр. 97

بعثة المسلم الله بعث الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام لجهد الدين .. ولإرشاد العباد إلى ما يصلح العباد .. ولتوضيح منهج الله .. وكيفية الالتزام بهذا المنهج .. قال تعالى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ (١) والله ختم النبوة بالنبى ﷺ . ومن أجل إسعاد البشرية كلها فى الدنيا والآخرة أنزل الله دينه كاملاً وجعل جهد الرسول الكريم ﷺ وعلى منهاجه سبباً وحيداً لنشر هذا الدين فى ربوع العالم. وحيث أنه لا نبوة بعد النبى الكريم ﷺ فلا أحد بعد النبى ينبغى له أن يدعى ذلك لقول الله ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٢) .. ومن أجل ذلك .. الله اجتبى هذه الأمة وانتخبها واصطفاها لجهد النبى ﷺ ويتجلى ذلك واضحاً فى قول ربعى بن عامر ﵁: لرستم قائد الفرس .. عندما قال له ما الذى جاء بكم .. ؟

стр. 98

قال ربعى: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه (١). ويقول الشيخ فاروق: (٢) سألنى رجل فقال .. يا شيخ .. كيف تقولوا أن المسلم مبعوث .. والبعثة فقط للأنبياء .. ؟!! فكان ردى .. أن الله استعمل لفظ البعثة كثيراً فى القرآن .. قال تعالى ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾ (٣)، وقال ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (٤) .. فالله كره انبعاث المنافقين والله بعث المؤمنين، ويقول الرسول الكريم ﷺ " إنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين " رواه البخارى (٥) أهـ.

стр. 99

وقال ابن عباس ﵃ لما نزلت الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ (١) وكان النبى ﷺ قد أمر معاذاً وأبا موسى الأشعرى – ﵃ أن يسيرا إلى اليمن، فقال ﷺ : " انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا .. إنه قد أُنزل علىَّ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ الآية ". رواه ابن أبى حاتم والطبرانى (٢). إذن .. فالمسلم ليس نبى ولكنه مبعوث .. الله بعثه ... والمسلم خليفة الله فى أرضه .. والمسلم نائب عن الرسول الكريم ﷺ .. والمسلم سفير على الأرض، أرسله الله للعالم أجمع .. * * * * *

стр. 100

عالمية الرسالة والدعوة قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣). وقال تعالى ﴿:قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (٧)﴾ (٨)

стр. 101

وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً (٢) وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣). ... وفى الحديث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ قبلى، نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحدٍ قبلى، وأعطيت الشفاعة، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " متفق عليه (٤). * * * * *

стр. 102

شرف الأمة المسلمة وعزها قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ (١) لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤). فإذا كان هذا الدين هو شرف هذه الأمة وعزها وكرامتها .. أليس من الواجب علينا أن نضحى من أجله ونقوم بالدعوة إليه حتى يعلو وينتشر فى جميع ربوع الدنيا .. ويعبد الله فى كل مكان من أرض المعمورة. ولا تنسوا: ﴿ ... وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾

стр. 103

رحماء بينهم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). أى عزيز عليه عنتكم ومشقتكم، حريص على هدايتكم، رؤوف رحيم بكم فى كل أحواله .. ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما لأمته ﷺ ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أن الشفقة هى الخوف على وجه المحبة والرأفة وهى شدة الرحمة. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢) (٣) وهى الرحمة العامة على كل الخلق. وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٤).

стр. 104

وقال تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١). روى ابن جرير عن قتادة فى قوله تعالى ... ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ قال جعل الله الرحمة فى قلوب بعضهم لبعض (٢). وقال ابن عباس ﵁ فى تفسير قوله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ يدعو صالحهم لطالحهم وطالحهم لصالحهم، فإذا نظر الطالح للصالح من أمة سيدنا محمد ﷺ قال: اللهم بارك له فيما قسمت له من الخير، وإذا نظر الصالح إلى الطالح قال: اللهم اهده وتب عليه واغفر له عثرته. وعن عبد الله بن عمرو ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء " (رواه أبو داود والترمذى) (٣). وعن النعمان بن بشير ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ " ترى المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " متفق عليه (٤).

стр. 105

وعن جرير بن عبد الله ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ " لا يرحم الله من لا يرحم الناس " متفق عليه (١). وعن أبى هريرة ﵁ قال سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق ﷺ يقول: " لا تُنزع الرحمة إلا من شقى ". (رواه أحمد والترمذى) (٢) وقال ﷺ : " رحمة الله على خلفائى، قيل: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سُنتى ويعلمونها الناس " (٣). وقال ﷺ " خاب عبدٌ وخسر لم يجعل الله فى قلبه رحمة للبشر " (٤). * * * * *

стр. 106

الدين النصيحة عن جرير بن عبد الله ﵃ قال بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. متفق عليه (١). وعن أبى رقية تميم بن أوس الدارى ﵃ أن النبى ﷺ قال " الدين النصيحة (ثلاثاً) قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " رواه مسلم (٢). عن أنس ﵃ يرفعه قال رسول الله ﷺ : " من لم يهتم بأمر المسلمين ومن لم يصبح ويمسى ناصحاً لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منا " (رواه البيهقى والطبرانى) (٣). وعن أبى أمامه ﵁ عن النبى المصطفى الكريم ﷺ قال: قال الله : أحب ما تعبدنى به عبدى النصح لى .. وفى رواية لكل مسلم (رواه أحمد والحكيم وأبو نعيم) (٤).

стр. 107

وقيل " لا خير فى قوم لا يتناصحون فيما بينهم ولا خير فى قومٍ لا يقبلون النصيحة ". وقال الفضيل بن عياض: المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير. قال المازرى: نصيحة مشتقة من نصحت العسل أى صفيته. يقال نصح الشىء إذا خلص ونصح له القول إذا أخلص. أو مشتقة من النصح وهى الخياطة بالمنصحة وهى الإبرة. والمعنى أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تلم المنصحة الثوب ومنه التوبة النصوح كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه. وقال الخطابى: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له. النصيحة لله: ١) وصفة بما هو له أهل. ٢) الخضوع له ظاهراً وباطناً. ٣) الرغبة فى محابه بفعل طاعته. ٤) الجهاد فى رد العاصين إليه. قال الحواريون لعيسى ﵇: يا روح الله من الناصح لله؟ قال: الذى يقدم حق الله على حق الناس.

стр. 108

النصيحة لكتاب الله: وتتم بتعلمه وتعليمه وإقامة حروفه فى التلاوة وتحريرها فى الكتابة وتفهم معانيه، والعمل بما فيه وذب تحريف المبطلين عنه. النصيحة لرسوله ﷺ : وذلك يتحصل بتعظيمه ونصره حياً وميتاً وإحياء سنته وتعليمها والإقتداء به فى أقواله وأفعاله ومحبته ومحبة أتباعه. النصيحة لأئمة المسلمين: ١) إعانتهم على ما حملوا القيام به. ٢) تنبيههم عند الغفلة. ٣) سد خلتهم عند الهفوة. ٤) جمع الكلمة عليهم. ٥) رد القلوب النافرة إليهم. ٦) ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتى هى أحسن. ومن جملة أئمة المسلمين: أئمة الاجتهاد وتقع النصيحة لهم .. ببث علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم.

стр. 109

النصيحة لعامة المسلمين: ١) الشفقة عليهم. ٢) السعى فيما يعود عليهم بالنفع. ٣) تعليمهم ما ينفعهم. ٤) كف وجوه الأذى عنهم. ٥) يحب لهم ما يحب لنفسه. ٦) ويكره لهم ما يكره لنفسه. والدين النصيحة .. يحتمل أن يحمل على المبالغة أى معظم الدين النصيحة كما قيل فى الحديث الشريف (الحج عرفه (١)، ويحتمل أن يحمل على ظاهره لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس فى الدين (٢). ولذلك كانت عاطفة كل الأنبياء ﵈: الشفقة والرحمة والنصح لأقوامهم، ولهذا أخبر الله عن حبيبه ومصطفاه محمد ﷺ ﴿

стр. 110

لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وقال الله جل ثناؤه إخباراً: عن نوح ﵇: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُم﴾ (٢) وعن هود ﵇: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (٣)، وهذا نبى الله صالح ﵇ قد ذكر الله نصحه لقومه فقال الله ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ (٤). وعن صاحب ياسين: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٥).
следующие страницы →