من أهل الشام وجلست بين أظهرهم فقال لى رجل منهم .. من أنت يافتى؟ قلت: أنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. قال: يرحم الله أباك .. أخبرنى فلان لرجلٍ قد سماه أنه قال: والله لألحقن بأصحاب رسول الله ﷺ فلأحدثن بهم عهداً ولأكلمنهم، فقدمت المدينة فى خلافة عثمان، فلقيتهم إلا عبد الرحمن بن عوف أخبرت أنه بأرضٍ له بالجرف (١) فركبت إليه حتى جئته فإذا هو واضع ردائه يحول الماء بمسحاة فى يده فلما رآنى استحى منى، فألقى المسحاة وأخذ ردائه فسلمت عليه وقلت له قد جئت لأمرٍ وقد رأيت أعجب منه، هل جاءكم إلا ما جاءنا .. ؟ وهل علمتم إلا ما قد علمنا .. ؟ قال عبد الرحمن: لم يأتنا إلا ما جاءكم ولم نعلم إلا ما قد علمتم. قال: قلت فما لنا نزهد فى الدنيا وترغبون ونخف فى الجهاد وتتثاقلون، وأنتم سلفنا وخيارنا وأصحاب نبينا. فقال عبد الرحمن: لم يأتنا إلا ما قد جاءكم ولم نعلم إلا ما قد علمتم، ولكنا بلينا بالضراء فصبرنا وبُلِينا بالسراء فلم نصبر (٢). انظر كيف يتهمه بالتقصير .. ويتهم من .. ؟! وزير رسول الله ﷺ وأحد حواريه وأهل مشورته وأحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد أحباء رسول الله ﷺ وما ترك غزوة إلا وهو ينافح فيها عن رسول الله ﷺ وأحد الذين مات عنهم رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وأحد الذين جعلهم عمر ﵁ من
стр. 142
أهل الشورى فى أمر الخلافة من بعده ومع ذلك يعترف بالتقصير ولا يغضب عليه.
ومن الحكمة: أن يبدأ الداعى فى دعوته بالأهم ثم المهم .. قال تعالى ... ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١). فإن الأنبياء ﵈ كانوا يبدأون بالدعوة إلى التوحيد ثم يشرعون فى الأهم ثم المهم.
ومن الحكمة فى الدعوة إلى الله: التدرج مع المدعو كما فعل إبراهيم ﵇ مع قومه. قال تعالى ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ
стр. 143
قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). هذا ربى .. أى فى زعمكم واعتقادكم.
لا أحب الآفلين: رداً عليهم وتنبيهاً لهم على فساد قولهم، وقد أجرى إبراهيم ﵇ هذا الحوار مناظرة لقومه ليبطل لهم ما كانوا عليه من عبادة النجوم والكواكب (٢).
ومن الحكمة أن يكون الوعظ بالقول البليغ قال تعالى ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ (٣) أن يكون كلاماً حسن الألفاظ، حسن المعانى، مشتمل على الترغيب والترهيب والتحذير والإنذار، والثواب والعقاب، فإن الكلام إذا كان هكذا عظم وقعه فى القلب، وإذا كان مختصراً ركيك اللفظ قليل المعنى لم يؤثر البته فى القلب (٤).
ومن الحكمة تنويع الأسلوب كما فعل نوح ﵇ مع قومه قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلا
стр. 144
فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ (١).
قال القرطبى: وأسررت لهم أى أتيتهم فى منازلهم.
وقال ابن كثير: نوَّع عليهم الدعوة لتكون أنجح (٢).
والكلام فى حكمة الدعوة إلى الله كثير .. وكثير .. نكتفى بهذا الشئ القليل والذى يريد المزيد فعليه بكتب السيرة النبوية المطهرة والسنة الشريفة.
стр. 145
من الصفات
التى يجب أن يتحلى بها الداعى
إلى الله
الداعى لا يزال يُبتلى ويمتحن فتارة يصيبه الأذى من أصحابه وتارة من أقاربه وتارة من زوجته وتارة من أولاده وفى هذا ارتقاء عظيم، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
فعلى الداعى أن يصبر ويصابر فى بيان الحق والدعوة إليه ويتسم بطول النفس وبُعْدَ النظر حتى تتحقق له الغاية المنشودة (وهى هداية جميع الناس) يقول الشيخ إلياس ﵀ لابد لأحبابنا أن ينتبهوا أنهم إذا لم تقبل منهم الدعوة والتبليغ بل سُبَوا واتُهُمُوا فلا ييأسوا ولا يملوا بل عليهم فى هذه الحالة أن يتذكروا أحوال الأنبياء ﵈ فى الدعوة إلى الله وخاصة حال سيد الأنبياء سيدنا محمد ﷺ فإنها سُنته ووراثته ولا تحصل
стр. 146
هذه المشقة فى سبيل الله إلا لذو حظٍ عظيم، وأما إذا اُستقبلوا بإعزاز وإكرام وسُمع كلامهم بشوقٍ واحترام وتقدير فليعلموا أنها منَّة من الله عليهم فلا يكفرن هذه النعمة، وعلينا فى هذه الحالة أن نخشى من مكر النفس فلا ندعها تظن أن هذا القبول من كمالنا نحن، فيخشى فى هذه الحالة عجب النفس فيجب الحذر (١).
· على الداعى أن لا يغضب على مخالفيه:
قال تعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٢)
فالداعى مثل البحر إذا ألقى فيه ميت لا يتغير. والداعى مثل النخلة تُرمى بالحجر وتعطى الثمر.
· على الداعى أن يتيقن على ما يدعو إليه مثل:
- يقين سيدنا محمد ﷺ فى الغار ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٣).
- يقين سيدنا إبراهيم ﵇ حينما ألقى فى النار (حسبى الله ونعم الوكيل).
- يقين سيدنا موسى ﵇ أمام البحر ﴿قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٤).
стр. 147
- يقين الصديق أبو بكر فى الإسراء (إن كان قال ذلك فقد صدق).
ولا يكون الداعى كأتباع موسى ﵇ ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (١).
ويتيقن أن الله ينصره وينشر دعوته ولو بعد حين فعن أبى ثعلبه الخشنى قال: قدم رسول الله ﷺ من غزاةٍ له فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين – وكان يعجبه إذا قدم من سفر أن يدخل المسجد فيصل فيه ركعتين ثم يثنى بفاطمة ﵁ ثم بأزواجه – فقدم من سفر مرة فأتى فاطمة فبدأ بها قبل بيوت أزواجه فاستقبلته على باب البيت فاطمة فجعلت تقبل وجهه وفى لفظ: فاه وعينيه وتبكى، فقال لها رسول الله ﷺ ما يبكيك؟ قالت: أراك يا رسول الله! قد شحب لونك واخلولقت ثيابك فقال لها رسول الله ﷺ يا فاطمة! ... لا تبكى فإن الله باعث أباك على أمر لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر ولا شعر إلا أدخله الله به عزاً أو ذلاً حتى يبلغ حيث يبلغ الليل. رواه الطبرانى والحاكم (٢).
· التواضع .. إذا يأتى التواضع فى الداعى فيبوأ بمحبة الناس.
стр. 148
- الداعى إلى الله فى تواضعه مثل الأرض الكل يمشى عليها الطائع والعاصى
- الداعى إلى الله فى تواضعه مثل الشجرة المثمرة، فمن كثرة ثمارها تنزل فروعها وتميل إلى الأرض ولكن الشجرة الغير مثمرة تجد أغصانها مرتفعة إلى أعلى (كبر)، وعندما تزيد الثمرة حلاوة واستواء تسقط على الأرض لأنها اكتملت حلاوتها فالداعى إذا اكتمل إيمانه اكتمل تواضعه.
_ الداعي في تواضعه مثل الكوبري الكل يعبر من عليه.
فعلى الداعى أن يختار التواضع فى كلامه .. قيامه .. جلوسه .. أكله .. شربه .. معاملاته .. معاشراته .. أخلاقه .. ويكون أكثر لزوماً للتواضع فى خطابه وبيانه فلا يرى نفسه أعلم من غيره، ولا يستصغر الآخرين، ويدعو الناس إلى حياة النبى ﷺ وصحابته الكرام فبذلك يأتى التواضع، ولو دعا الناس إلى حياته (هو) يأتى الكبر، وبالكبر ترفع نصرة الله .
· وليحرص الداعى على أن يكون سره وعلانيته سواء، فلا يظهر للناس ما ليس فيه، كمن يظهر للناس أنه من أهل الزهد وقلبه مليئ بحب الدنيا، وليعلم أن الناس يراقبون كل شئ فى حياته حتى ذهابه وإيابه ويتأثرون به .. لماذا .. ؟! لأنه قدوة.
стр. 149
· على الداعى أن يتمسك بوصية الرسول ﷺ " أزهد فى الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس " رواه الترمذى وابن ماجة عن سهل بن سعد (١).
يقول الحسن البصرى: لا تزال كريماً على الناس مالم تعاط مافى أيديهم فإذا فعلت ذلك استخفوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك (٢).
فالدعوة سلعة شريفة لا تباع بالأعراض الدنيوية والأجر الدنيوى يفسد المروءة ولا يصلح الدعوة (٣).
فإذا عرف الناس أن الداعى يميل إلى دنياهم ولا يلتمس بدعوته أى منفعة دنيوية فإنهم يحبونه وتجذبهم دعوته (٤).
فإن الدعوة إلى الإسلام، سواء بالالتزام به أو بالدخول فيه، لا تؤتى ثمارها وأكلها كاملة إلا إذا عرف الناس الذين ندعوهم إليه، الصدق والإخلاص فى نوايانا، وقد لمس الناس فى مختلف الأماكن التى حل بها المسلمون فاتحين أو تجاراً أو مدرسين، أو طلاباً، صدق نواياهم فى هداية الناس، وابتعادهم عن تحقيق أغراض دنيوية أو مادية عن طريق الجهاد
стр. 150
والدعوة .. فكانت النتيجة أن الناس دخلوا فى دين الله أفواجاً وانتشر الإسلام بسرعة لا مثيل لها فى تاريخ العالم كله (١).
· الاستقامة .. قال تعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢).
فعلى الداعى أن يستمر فى دعوته حتى لو عابه الناس، ولا يخضع لوسوسة الشيطان يقول له قولك غير مسموع فيجلسه عن الدعوة، بل عليه أن يستمر فإن أول الغيث قطرة، وكما هو معلوم أن كثيراً من الأنبياء ﵈ لم تقبل دعوتهم وقوبلوا بالاستهزاء والسخرية. قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٣).
وأخيراً .. على كل داعى أن لا يغيب عنه حال النبى ﷺ عند عودته من دعوة أهل الطائف، وايذائهم له، وتوجهه إلى ربه ضارعاً يقول:
اللهم إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس، ... يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى؟ إلى
стр. 151
بعيد يتجهمنى؟ أم إلى عدو ملكته أمرى؟ إن لم يكن بك غضبٌ علىَّ فلا أبالى، غير أن عافيتك هى أوسعُ لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بى غضبك، أو يحل علىَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* * * * *
стр. 152
بركات الدعوة إلى الله -
- بالدعوة إلى الله يكون الأجر والثواب والرفعة فى الدرجات.
- بالدعوة إلى الله يكون الفلاح فى الدنيا والآخرة.
- بالدعوة إلى الله يكون الحصول على ميراث النبوة.
- بالدعوة إلى الله تحيى القلوب الميتة.
- بالدعوة إلى الله تكون الحفاظة من شياطين الأنس والجن.
- بالدعوة إلى الله تكون نضارة الوجه.
- الدعوة إلى الله تنفى الشرك عن الداعى.
- بالدعوة إلى الله تحل البركة فى الداعى والمدعو.
стр. 153
بالدعوة إلى الله
يكون الأجر والثواب والرفعة فى الدرجات
عن أبى مسعود الأنصارى قال جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: إنه أُبدع (١) بى فاحملنى فقال ما عندى، فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله. قال رسول الله ﷺ : " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " (٢) رواه مسلم (٣).
стр. 154
وعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ". رواه مسلم (١)
وعن الحسن مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : " من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليُحيى به الإسلام فبينه وبين النبيين درجة واحدة فى الجنة ". رواه الدارمى (٢).
وأوحى الله إلى سيدنا موسى ﵇ إن فى أمة محمد لرجالاً يقومون على كل شرف وواد ينادون بشهادة أن لا إله إلا الله جزائهم علىَّ كجزاء الأنبياء. رواه الديلمى عن أنس (٣).
وأخرج البيهقى والنقاش فى معجمه وابن النجار عن واقد بن سلامة عن يزيد الرقاشى عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ألا أخبركم بأقوامٍ ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم يوم القيامة الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله على منابر من نور يعرفون، قالوا: من هم يا رسول الله ﷺ ؟ قال: الذين يحببون عباد الله إلى الله ويحببون الله إلى عباده. ويمشون على الأرض نصحاً، فقلت هذا يحبب الله إلى عباده فكيف يحببون عباد الله
стр. 155
إلى الله؟ قال: يأمرونهم بما يحب الله وينهونهم عما يكره الله فإذا أطاعوهم أحبهم الله " كذا فى الكنز (١).
وعن أبى العباس سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: " لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجوا أن يعطاها فقال أين على بن أبى طالب فقيل: يا رسول الله هو يشتكى عينيه قال: فأرسلوا إليه. فأتى به فبصق رسول الله ﷺ فى عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية، قال على ﵁: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم أدعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه فو الله لئن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ". متفق عليه (٢).
فإذا كان هذا الأجر لمن كان سبباً فى هداية رجل واحد .. فكيف بمن كان سبباً فى هداية خلق كثيرً كل يوم.
وعن الحسن مرسلاً قال: سٌئل رسول الله ﷺ عن رجلين كانا فى بنى إسرائيل أحدهما كان عالماً يصلى المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير والآخر يصوم النهار ويقوم الليل أيهما أفضل؟ قال رسول الله ﷺ : " فضل
стр. 156
هذا العالم الذى يصلى المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذى يصوم النهار ويقوم الليل كفضلى على أدناكم ". رواه الدارمى (١).
وذلك لأن العابد لا تتعدى منفعته لغيره بل أعماله تكون سبباً لهدايته وحده ولكن العالم الذى يعلم الناس الخير تتعدى منفعته لغيره وبه يصلح كثير من الخلق ولهذا روى فى الأثر إذا كان يوم القيامة يقول الله للعابد ادخل الجنة فإنما كانت منفعتك لنفسك ويقال للعالم اشفع تشفع فإنما كانت منفعتك للناس. وروى عن ابن عباس مثله.
وقال الفضيل بن عياض: العالم العامل المعلم يدعى فى ملكوت السماوات عظيماً.
* * * * *
стр. 157
بالدعوة إلى الله
يكون الفلاح فى الدنيا والآخرة
قال الله ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
فالمفلح: هو الذى أخذ الصفقة الرابحة والكلمة مأخوذة من فلح الأرض، فالذى يفلح الأرض ويحرثها ثم يزرعها يجد الثمرة تجيئه فى النهاية قد جاء الحق بالمسألة المعنوية من أمر محسوس، وبعد ذلك يريد أن يعطينا شيئاً آخر فيقول: إياك أن تظن أن المشقة التى تُصيبك حين تفعل الخير من (الدعوة - الأمر بالمعروف - النهى عن المنكر) لا تعود عليك بالراحة أو أن النقص الذى تفعل به الخير لا يعود عليك بالكمال.
فمثلاً الإنسان الذى فلح الأرض وأخرج كيلة من القمح وبذرها فيها هذا الإنسان قد تكون له زوجة حمقاء تقول له: إننا لا نملك إلا أربع كيلات من القمح فكيف تأخذ كيلة لترميها فى الأرض .. ؟!
стр. 158
إن هذه المرأة لا تعرف أن هذه الكيلة التى أخذها الزوج الله يعطى بدلاً منها عدد من الأرادب من القمح.
فإياك أن تفهم أن الإسلام يأخذ منك شيئاً ولا يعوضك عنها فهو لا يأخذ شيئاً إلا وهو يريد أن يعطيك أشياء، إن الفلاح الذى يشقى بالحرث والرى وتراه وقد علا جبهته العرق وتراب الأرض وتغوص أقدامه فى الطين والمياه، إنك تراه يوم الحصاد وهو فرح مسرور بالثمرة التى تحصل عليها.
فالداعى إلى الله بإذن الله تعالى سوف يفرح بدعوته وبجهده الذى قدمه من أجل الدعوة إلى الله عندما يرى ثواب الله يوم القيامة (١).
* * * * *
стр. 159
بالدعوة إلى الله
يكون الحصول على ميراث النبوة
عن أبى الدرداء ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من سلك طريقاً يبتغى فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من فى السموات ومن فى الأرض حتى الحيتان فى الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر ". رواه أبو داود والترمذى (١).
فى هذا الحديث العظيم الشأن أن الرسول ﷺ شبه العالم بالقمر دون الشمس وهى أعظم نوراً لماذا .. ؟ لأن نور القمر مستفاداً من غيره والعالم كذلك نوره مستفاد من شمس الرسالة.
وإذا قيل أن تشبيه العلماء بالنجوم شئ معلوم مثل قول المصطفى ﷺ " أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " .. فلماذا شبه العلماء هنا بالقمر
стр. 160
؟ ... الجواب .. إن العلماء والدعاة إلى الله مثل النجوم كما قال أصحابى كالنجوم. فإن النجوم يهتدى بها فى ظلمات البر والبحر وكذلك العلماء، والنجوم زينة للسماء وكذلك العلماء زينة للأرض، والنجوم رجوم للشياطين حائلة بينهم وبين استراق السمع لئلا يلبسوا بما يسترقونه من الوحى الوارد إلى الرسل من الله على أيدى ملائكته كذلك العلماء رجوم شياطين الإنس والجن لئلا يلبسوا بما يسترقونه من الوحى الذى يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، فالعلماء رجوم لهذا الصنف من الشياطين ولولاهم لطمست معالم هذا الدين الحنيف بتلبيس المضلين فالله أقامهم حرساً وحفظاً لدينه ورجوماً لأعدائه فلهذا شبههم بالنجوم وأما تشبيههم بالقمر وذلك لتفضيلهم على أهل العبادة كفضل القمر على سائر الكواكب، وكذلك يرث الإنسان أقرب الناس إليه ولذلك العلماء هم أقرب الخلق إلى الله ورسله فجعلهم ورثة أنبيائه وكما أن الأنبياء خير الخلق فكذلك ورثتهم خير الخلق ولذلك محبتهم من الدين. قال على ﵁ محبة العلماء دين يدان به (١).
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
стр. 161
بالدعوة إلى الله
تحيى القلوب الميتة
عن أبى موسى الأشعرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " إن مثلى ومثل ما بعثنى الله من الهدى والعلم كمثل الغيث (١) الكثير أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا - وفى لفظ وزرعوا - وأصاب منها طائفة أخرى إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به ". متفق عليه (٢).
ضرب النبى ﷺ لما جاء به من الدين مثلاً بالغيث العام الذى يأتى الناس فى حال حاجتهم إليه وكذا كان حال الناس قبل مبعثه على حين فترة من
стр. 162
الرسل وقد امتحنوا بموت القلوب حتى أصابهم الله برحمة من عنده وأنزل عليهم مدراراً من السماء بوحيه، فكما أن الغيث يحيى البلد الميت كذا علوم الدين تحيي القلوب الميتة، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التى نزل الغيث بها .. فمنها:
العالم المعلم فهو بمنزلة الأرض الطيبة التى شربت فانتفعت فى نفسها وأنبتت فنفعت غيرها.
ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه يتعلم علم الدين ولم يعمل بنوافله ولم يتفقه فيما جمع لكنه أداه لغيره فهو بمنزلة الأرض التى يستقر فيها الماء فينتفع الناس.
ومنهم من سمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التى لا تقبل الماء وتفسده على غيرها (١).
* * * * *
стр. 163
بالدعوة إلى الله
تكون الحفاظة من شياطين الإنس والجن
الله يحمى الداعى من شياطين الإنس والجن وسلاحهم الدعوة إلى الباطل. ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)(٢).
ولا يفل الحديد إلا الحديد فمن لم يكن فى دعوة الرحمن كان فى دعوة الشيطان.
стр. 164
الإنسان إما داعى وإما مدعو .. فإذا قام بالدعوة إلى الله يحفظه من دعوة الشيطان (دعوة الباطل) قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ (١)(٢).
وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ". رواه الترمذى وابن ماجة (٣).
قال المزنى روى عن ابن عباس أنه قال: إن الشياطين قالوا يا سيدنا مالنا نراك تفرح بموت العالم ولا تفرح بموت العابد والعالم لا تصيب منه والعابد تصيب منه .. ؟ قال: فانطلقوا .. فانطلقوا إلى عابد فأتوه فى عبادته قالوا إنا نريد أن نسألك فانصرف. فقال ابليس: هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا فى جوف بيضة .. ؟ فقال: لا أدرى. فقال: أترونه كفر فى ساعة.
ثم جاءوا إلى عالم فى حلقته يضحك أصحابه ويحدثهم فقالوا إنا نريد أن نسألك .. فقال سل: فقال: هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا فى جوف بيضة .. ؟ قال: نعم. قالوا كيف ... ؟ قال: يقول كن فيكون. فقال ابليس: أترون ذاك لا يعدوا نفسه وهذا يفسد عليَّ عالماً كثيراً.
ورويت هذه الحكاية من وجه آخر:
стр. 165
أنهم سألوا العابد فقالوا: هل يقدر ربك أن يخلق مثل نفسه فقال العابد: لا أدرى. فقالوا أترونه تنفعه عبادته مع جهله، وسألوا العالم عن ذلك فقال: هذه المسألة محال .. لأنه لو كان مثله لم يكن مخلوقاً وهو مثل نفسه مستحيل، فإذا كان مخلوقاً فلا يكون مثله بل كان عبداً من عبيده وخلقاً من خلقه. فقال أترون هذا يهدم فى ساعة ما أبنيه فى سنين (١).
فالعابد يا إخوانى منشغل بنفسه ومقبل على عبادة ربه، والعالم منشغل بمعرفة ربه ودعوة الخلق إليه.
* * * * *
стр. 166
نضارة الوجه
بالدعوة إلى الله
عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت النبى ﷺ يقول: " نضر الله امرئ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى له من سامع ". رواه الترمذى وابن ماجه (١).
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبى ﷺ قال: " نضر الله امرئ سمع مقالتى ووعاها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ، النصيحة للمسلمين، لزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من وراءهم. " رواه الشافعى والبيهقى والإمام أحمد والترمذى وأبو داود وابن ماجة والدارمى. والحاكم فى كتاب العلم (٢).
وهذا من شرف الدعوة إلى الله أن الرسول الكريم ﷺ دعا لمن سمع كلامه وبلغه بالنضارة والبهجة والحسن الذى يكساه الوجه من آثار الإيمان لأن الدعوة تزيد الإيمان وتبهج الباطن وتفرح القلب وتسره فتظهر هذه
стр. 167
البهجة والسرور والفرحة نضارة على وجه الداعى كما قال ربنا ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ (١).
وقوله .. فإن دعوتهم تحيط من ورائهم .. هذا من أحسن الكلام فقد شبه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم المانع دخول عدوهم عليهم فتلك الدعوة دعوة الإسلام والنصيحة للمسلمين والإخلاص لله ولزوم جماعة المسلمين وهم داخلها أحاطت بهم تلك الدعوة التى هى دعوة الإسلام فالدعوة تجمع شمل الأمة وتلم شعثها وتحيط بها فمن دخل فى جماعتها أحاطت به وشملته (٢).
* * * * *
стр. 168
الدعوة إلى الله
تنفى الشرك عن الداعى
قال تعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١).
وقال تعالى ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢).
وقال تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).
فأهل السفينة الذين كانوا مع نوح ﵇ لم يكن على وجه الأرض غيرهم مؤمنين ولكن بترك الدعوة ظهر الشرك والكفر والفساد، وهذه سنة الله إذا تركت الدعوة إلى الله ابتعد الناس عن منهج الله رويداً .. رويداً .. وأنساهم الشيطان دعوة الرحمن فوقعوا فى الشرك والكفر وحل بهم الدمار والهلاك.
стр. 169
بالدعوة إلى الله
تحل البركة فى الداعى والمدعو
قال تعالى مخبراً عن سيدنا عيسى ﵇ حين نطق فى المهد ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ (١).
مباركاً أينما كنت: أى معلماً للخير داعياً إلى الله جل وعلا مذكراً به مرغباً فى طاعته فهذا من بركة الرجل ومن خلا من هذه الخصال فقد خلا من هذه البركة ومحقت بركة لقائه والاجتماع به بل تمحق بركة من لقيه واجتمع به.
بل بحركة الداعى إلى الله تحل البركة فى الأرض لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لى الأرض مسجداً وتربتها طهوراً فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى، وأعطيت
стр. 170
الشفاعة وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة " متفق عليه (١).
فالله بسبب أن هذه الأمة داعية إلى الله تكمل رسالة نبيها ﷺ فيتحركون فى العالم لنشر دين الله فتأتى عليهم أوقات الصلاة فى أثناء سفرهم وحركتهم، فالله جعل لهم الأرض كلها مسجداً وتربتها طهوراً فيصلون فى أى مكان تدركهم فيه الصلاة فبارك الله فى الأرض كلها وجعلها لهم مسجداً وذلك بسبب " بُعثت إلى الناس عامة "، وفى الحديث الذى رواه أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " من عاد مريضاً أو زار أخاً له فى الله ناداه منادٍ أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا " رواه الترمذى وقال حديث حسن (٢).
* * * * *
стр. 171
عاقبة
ترك الدعوة إلى الله -
وسنتناول هذا الموضوع من عدة جوانب هى:
- الله يحذر الأمة من ترك الدعوة إلى الله .
- بترك الدعوة إلى الله يصبح فكر مشاع.
- بترك الدعوة إلى الله تقع الأمة فى الذل والهوان.
- بترك الدعوة إلى الله تحرم الأمة بركة الوحى وتذهب هيبتها.
- بترك الدعوة إلى الله تقع الأمة فى الحيرة.
стр. 172
الله ﷻ
يحذر هذه الأمة من ترك الدعوة إلى الله
قال تعالى ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا ... مُصْلِحُونَ﴾ (١).
فهلا وجد من القرون الماضية (أُولُو بَقِيَّةٍ) أولوا فضل وخير. . أي بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد فى الأرض.
إلا قليلاً: أى قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيراً وهم الغرباء الذين أشار إليهم النبى ﷺ فى الحديث الشريف الذى أخرجه الإمام
стр. 173
مسلم .. عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال: " بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً فطوبى (١) للغرباء " (٢).
وفى رواية: قيل يا رسول الله ﷺ .. ومن الغرباء .. ؟ قال: النزاع (٣) من القبائل.
وفى رواية: الذين يفرون بدينهم من الفتن.
وفى رواية: الذين يزيدون إذا نقص الناس.
وفى رواية: الذين يصلحون حين فساد الناس.
وفى رواية: الذين يصلحون إذا فسد الناس.
وفى رواية: الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتى.
وفى رواية: قوم قليل فى ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم.
وفى رواية: الفرارون بدينهم .. يجتمعون إلى عيسى بن مريم ﵇ يوم القيامة (٤) .. وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته، ولهذا
стр. 174
أمر الله هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر (١) حتى لا يحل بهم ما حل بالأمم السابقة من العذاب والهلاك والاستئصال بسبب ترك الدعوة إلى الله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (٢) بظلم .. أى بمجرد ظلم، وأهلها مصلحون .. مجرد الإصلاح.
فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أول ما دخل النقص على بنى إسرائيل أنه كان الرجل يلق الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ .. إلى قوله .. فَاسِقُونَ﴾ (٣). ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه
стр. 175
على الحق أطراً ولنقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم ". رواه أبو داود والترمذى وقال حديث حسن وهذا لفظ أبو داود.
ولفظ الترمذى .. قال رسول الله ﷺ : " لما وقعت بنوا إسرائيل فى المعاصى نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم فى مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئاً فقال: والذى نفسى بيده .. حتى تأطروهم على الحق أطراً (١).
أصحاب السبت:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٢).
وهم أهل إيلة .. قرية كانت على البحر الأحمر بين مدين والطور وقيل بين مصر والمدينة أراد الله أن يبتليهم وقد حرم الله على اليهود العمل فى يوم السبت فيظهر السمك على وجه الماء يوم السبت وهو اليوم المحرم عليهم فيه الصيد ويخفيه عنهم فى اليوم الحلال فيه الصيد فينزل إلى قاع البحر فذلك قول الله ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ
стр. 176
إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١).
وظلوا على ذلك فترة من الزمن ثم أخذوا يتحايلون على أمر الله فقام أحدهم وأخذ الحوت وخزمه فى أنفه وربطه فى وتد على الشاطئ وأخذه يوم الأحد وأخذ يشوى السمك فيشم جاره رائحته فيسأله فيخبره الخبر فيعمل مثله وبعضهم جعل يحفر الحفرة ويجرى لها نهراً من البحر فيفتح النهر يوم السبت فتأتى الأمواج بالحيتان فتلقيها فى الحفرة فإذا أرادت العودة لا تستطيع من قلة الماء وهكذا انتشر الخبر وظهرت المعصية حتى أصبحت علانية فقامت منهم طائفة تعظهم وتنهاهم عن هذا الفعل وتبين لهم أن هذا احتيال على أمر الله الذى لا يغفل ولا ينام وطائفة ثالثة قالت لهم كما قال الله ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (٢) قالت لهم الطائفة الواعظة ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٣) أى فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولعلهم يرجعون ويتوبون إلى الله قال تعالى ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا
стр. 177
ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (١).
فمسخهم الله قردة بمعصيتهم ونجى الناهين وأهلك الظالمين وسكت عن الساكتين وقيل أنه أهلك الساكتين مع الهالكين وقيل أنهم لم يهلكوا (٢).
فيا إخوانى .. احذروا المعاصى واعملوا على إزالتها لأنه إذا حدثت معصية فى مكان فأثرها السيئ يؤثر على الأرض كلها لحديث النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مثلُ القائم فى حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين فى أسفلها إذا ستقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاُ وإن أخذوا على أيديهم نجو ونجوا جميعاً. رواه البخارى (٣).
стр. 178
والمعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها وإن أعلنت ولم تنكر ولم تغير أهلك الله العامة والخاصة. قال الله ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١).
يقول ابن عباس ﵁ فى تفسير هذه الآية .. أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب. ويدل على ذلك الأحاديث الواردة فى الفتنة.
فعن عميرة الكندى ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة ... والعامة ". رواه فى شرح السنة ورواه الإمام أحمد (٢).
وعن حذيفة ﵁ أن النبى ﷺ قال: " والذى نفسى بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم ". رواه الترمذى (٣).
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أوحى الله إلى جبريل ﵇ أن أقلب مدينة كذا وكذا بأهلها قال: يارب إن فيهم عبدك فلاناً لم يعصك
стр. 179
طرفة عين. قال: فقال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فىَّ ساعة قط " (١).
وعن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش رضى الله عنها أن النبى ﷺ دخل عليها فزعاً يقول: " لا إله إلا الله. ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتى تليها فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون.؟ قال: نعم إذا كثر ... الخبث (٢) " متفق عليه (٣).
وهذا بيان لشؤم المعصية والتحريض على إنكارها فمع وجود الصالحين قد يحصل الهلاك والتدمير.
يقول الشيخ الشعراوى ﵀:
يأمرنا الحق أن نتقى الفتن من بدئها قبل أن يستفحل شأنها وأن يتجنب الإنسان المعصية وأن يضرب المجتمع على يد أى منحرف .. فمن يسرق الآن الخزائن قد بدأ أولاً بسرقة اليسير .. سرق من أخيه .. أو من البيت ثم من الجيران .. ثم من البنك .. ولو أن كل انحراف عوجل بالضرب على يد من فعله وهو صغير لما كبر المنحرف والانحراف ولتم وأد الجرائم الكبيرة فى مهدها لأن من ارتكب الصغيرة قد عوقب.
стр. 180
وإياكم أن يقول أحدكم مادام مثل هذا الانحراف لا يمسنى فليس لى به شأن لأن الذى اجترأ على مثلك من السهل أن يجترئ عليك ونحن نعرف جميعاً قصة الثيران الثلاثة (الأحمر، الأبيض، الأسود) فقد هاجم الأسد الثور الأبيض فأكله ولم يدافع عنه الثور الأحمر أو الأسود، ثم هاجم الأسد الثور الأحمر بعد ذلك .. فقال الثور الأسود لنفسه: مادام الأسد لم يأكلنى فلا دخل لى بهذا الأمر، ثم جاء الأسد إلى الثور الأسود وبينما هو يقترب منه قال: لقد أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض.
وهذا القول يدلنا على .. أن اتقاء الفتنة يبدأ من الضرب على أيدى صانع الفتة وهى فى بدايتها، وأضرب هذا المثل ليبقى فى الذاكرة دائماً .. إن الأم التى قسمت الأكل بما فيه من لحم وخضر وفاكهة على الأبناء، فأكل أحد الأبناء نصيبه ثم احتفظت الأم ببقية أنصبة اخوته فى الثلاجة .. وبعد ذلك لاحظت الأم أن الإبن الذى أكل نصيبه يأكل نصيب إخوته من خلف ظهرها ودون استئذانها وهنا يجب أن تؤنبه وتعاقبه على مثل هذا الفعل حتى لا يتمادى فى ذلك.
كذلك .. إذا دخل الابن بلعبة أو بشئ يفوق ثمنه قدرة مصروف يده على الشراء .. فعلى الأب أن يضرب على يد الابن حتى لا يتمادى الولد فى إفساد نفسه
ولذلك .. نجد الحق جعل الدية فى القتل الخطأ على العاقلة وهم العصبة أى قرابة القاتل من جهة أبية ويطلق عليهم العائلة أى عائلة القاتل