← Общие книги

Общие книги · id 37558

كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله

محمد علي محمد إمام

Полный текст (553 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثالثا: الصوم: قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) .. فالله أمرنا بالصيام وبين لنا نصاب الصيام والرسول ﷺ وضح لنا أحكام الصيام. رابعا: الحج: قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٢) فالله أمرنا بالحج .. والرسول ﷺ وضح لنا المناسك فعن جابر ﵁ قال: رأيت النبى ﷺ يرمى على راحلته يوم النحر ويقول ﷺ " لتأخذوا مناسككم فإنى لا أدرى لعلى لا أحجُ بعد حجتى هذه ". (رواه مسلم) (٣). وكذلك الزواج وجميع شئون الحياة. لكن .. جهد الدين .. تولى الله بنفسه بيانه .. حيث قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ

стр. 212

فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١). إذن .. فتفريغ الوقت والجهد والتضحية فى سبيل الله والدعوة إليه هى واجب حتمى على كل مسلم ولكن تحديد بعض الوقت .. ما هى إلا أوقات للتمرين والتدريب على التضحية حتى يأتى فينا مزاج النبوة .. مزاج التضحية للدين .. كل الحياة، ولقد علم رسول الله ﷺ ضعفنا بما أطلعه الله عليه من العلم بأحوال الأمة فقال للصحابة رضى الله عنهم أجمعين: " إنكم فى زمان من ترك منكم عُشر ما أُمر به هلك ثم يأتى زمان من عمل منهم بعُشر ما أمر به نجا " (٢). والمقصود عُشر التضحية وليس عٌشر الأوامر. * * * * *

стр. 213

هل تقدم الدعوة على القتال ؟ الدعوة الإسلامية للعرض وليس للفرض فمطلوب عرضها على الناس ومن فرضها عليهم خاطئ .. فما كانت العقائد تفرض بالإكراه أبداً لا فى القديم ولا الحديث. والله يقول عن نوح ﵇: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (١). ويقول للنبى ﷺ ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). ويقول ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٣) وهى شعار كل داعى يدعو إلى الله .

стр. 214

ويقول: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ (١). وهذا هو طابع الدعوة فى الدور المكى مع قلة المسلمين وضعف شوكتهم. وفى الدور المدنى: مع كثرة المسلمين وقوتهم قال الله لرسوله ﷺ فى المدينة ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٢). وكان فى كتب النبى ﷺ إلى الملوك لدعوتهم للإسلام آية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ ... وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣). وعندما أرسل النبى ﷺ سيدنا على إلى خيبر فقال أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال له: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام

стр. 215

وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لئن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " (١). (متفق عليه) (٢). وعن ابن عمر ﵁ قال: بعث النبى ﷺ خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل ويأسر ودفع كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت والله لا أقتل أسيرى ولا يقتل رجل من أصحابى أسيره حتى قدمنا على النبى ﷺ فذكرناه فرفع يديه فقال: " اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين " (رواه البخارى) (٣). وعن عبد الرحمن بن عائذ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث بعثاً قال: " تألفوا الناس ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم فما على الأرض من أهل بيت مدر ولا وبر إلا تأتونى بهم مسلمين أحب إلىَّ من أن تأتونى بنسائهم وأولادهم وتقتلوا رجالهم ". أخرجه ابن منده وابن عساكر والترمذى (٤). وعن أبى وائل قال: كتب خالد بن الوليد إلى أهل فارس: بسم الله الرحمن الرحيم .. من خالد بن الوليد إلى رستم ومهران فى ملاء (بلاد) فارس سلام على من اتبع الهدى .. أما بعد .. فإنا ندعوكم إلى الإسلام فإن

стр. 216

أبيتم فاعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإن معى قوماً يحبون القتل فى سبيل الله كما تحب فارس الخمر. والسلام على من اتبع الهدى. رواه فى شرح السنة (١). فكان القتال يسبقه الدعوة، فالدعوة مقدمة على القتال وقال ابن عباس ﵁ " ما قاتل رسول الله ﷺ قوماً حتى دعاهم (٢) ". رواه الحاكم فى المستدرك والإمام أحمد فى مسنده والطبرانى فى معجمه (٣). وورد أن قتيبة بن مسلم الباهلى الذى فتح ما وراء النهر وانساب فى الأرض حتى قارب حدود الصين ودخل مدينة صفد من أعمال (سمرقند) دون أن يقدم لذلك بالدعوة فشكوا إلى عمر بن عبد العزيز فكتب إليه بنظر القاضى فى أمرهم فحكم بأن يخرج العرب إلى معسكرهم وينابذونهم على سواء ويكون صلحاً جديداً. فقال أهل صفد: بل نرضى بما كان ولا نحدث شيئاً وأسلموا (٤).

стр. 217

وعندما بدأ الناس يدخلون فى الإسلام فى عهد عمر بن عبد العزيز بعث إليه قواد الجيوش أن أكتب شرائط الدخول فى الإسلام خوفاً من الجزية فقال: ويحك .. إن محمداً ﷺ قد بعث هادياً ولم يبعث جابياً (١). ولقد أثر أن عمر بن الخطاب ﵁ جاءته عجوز فى حاجة وكانت غير مسلمة فدعاها للإسلام فأبت وتركها عمر وخشى أن يكون فى قوله وهو أمير المؤمنين إكراه لها فاتجه إلى ربه ضارعاً معتذراً .. اللهم أرشدت ولم أكره .. وتلا الآية ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ (٢) (٣). * * * * *

стр. 218

هل هناك فرق بين لفظ الجهاد ولفظ الدعوة .. ؟! يعتبر كلا من اللفظين دلالة على معنى واحد .. الجهاد هو الدعوة .. والدعوة هى الجهاد .. لأن الله يقول ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ (١) فهذه الآية نزلت فى مكة المكرمة قبل الهجرة والقتال لم يفرض إلا بعد الهجرة فما كان هناك حرب بين المسلمين والمشركين فى مكة، والله سمى الدعوة جهاداً كبيراً، فإذا أطلقنا لفظ الجهاد على الدعوة .. والدعوة على الجهاد فما يكون هناك أى تغيير .. وقال رسول الله ﷺ : " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " رواه أبو داود والنسائى والدارمى عن أنس (٢). فالجهاد باليد والمال يكون أثناء القتال .. ولكن الجهاد باللسان معناه الدعوة. ولذلك اعتبر العلماء أن الدعوة إلى الله صورة من صور الجهاد فى سبيل الله (٣).

стр. 219

ويقول الشيخ محمد عمر البالمبورى ﵀: معني الجهاد إعلاء كلمة الله .. أما القتال فهو آخر مرحلة فى الجهاد مثل العملية الجراحية، أو مثل الحشائش الضارة في الأرض والفلاح يقوم بتقطيعها حتى لا تؤثر في الزرع، ولو كان الجهاد هو القتال فما تفسير الآية المكية التي في سورة الفرقان حيث يقول الله ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ (١) فهل كان فى مكة رفع سيف؟! ... ولكن الدين رحمة للناس نجتهد عليهم بجهد الدعوة إلى الله ليسلموا ثم يدخلوا الجنة أهـ. ولهذا قال العلماء: القتال هدف لغيره وهو التمهيد للدعوة وإزالة ما يعوقها، والدعوة هدف لذاتها، فاستخدام لفظ الجهاد للاثنين تشريع قرآنى ونبوى ولا عبرة لمن لم يقدم الدليل على غير ذلك، والقتال أعلى أجراً لأن المشقة فيه أكبر إلا يوماً مثل يوم الطائف. * * * * *

стр. 220

ما هى مراتب الجهاد ؟! للجهاد أربعة مراتب: ١) جهاد النفس. ٢) جهاد الشيطان. ٣) جهاد الكفار والمشركين. ٤) جهاد المنافقين وأهل البدع والزيغ. أولاً: جهاد النفس: وذلك بحثها على تعلم الدين .. وكأن طلب العلم جهاد .. لقول الرسول ﷺ " من خرج فى طلب العلم فهو فى سبيل الله حتى يرجع " (١). مجاهدة النفس للعمل بما علمت من أوامر الله . مجاهدة النفس للدعوة إلى ما علمت من أوامر الله . مجاهدة النفس على تحمل الأذى الذى ينال الإنسان من دعوة الغير إلى الله . ثانياً: جهاد الشيطان:

стр. 221

الشيطان عدو للإنسان .. ويصرف الإنسان عن الدين بطريقين: ١) طريق الشبهات. ... ٢) طريق الشهوات. ويشكك الإنسان فى عقيدته ويلقى له الشبهات حتى ينصرف عن دينه، ثم يلقى أمامه الشهوات حتى يضيع فيها ماله .. وقته .. فكره .. وعواطفه .. فلا يبقى له شئ من الدين. ومجاهدة الشيطان فى دفع الشبهات لا يكون إلا باليقين .. وهو قوة الإيمان وصدقه فى القلب والوجدان .. فباليقين تدفع الشبهات .. ودفع الشهوات يكون بالصبر عن المعاصى والمخالفات والإغراءات وكل ما يفتن به الإنسان فى هذه الدنيا، وبهذا الصبر واليقين يتحصل الإنسان على الإمامة فى الدين .. قال الله ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١). ثالثاً: جهاد الكفار والمشركين: ويكون هذا الجهاد باليد لقول النبى ﷺ " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " رواه أبو داود والنسائى والدارمى (٢)، ولا يتم قتال المشركين إلا بعد الدعوة .. لقول ابن عباس ﵁ ما قاتل رسول الله ﷺ قوماً حتى دعاهم .. (رواه الحاكم فى مستدركه وقال حديث صحيح الإسناد

стр. 222

) (١) وكان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه فى خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال اغزوا باسم الله فى سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم .. ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين واخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا (يعنى عن ديارهم ويجاهدوا) فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذى يجرى على المؤمنين ولا يكون لهم فى الغنيمة والفيئ شئ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم (رواه مسلم) (٢) فيدفعون الجزية ويكونوا فى حماية المسلمين. وتتطلب هذه الحماية وجود المسلمين بين ظهرانى المشركين، فيرى صفات المسلمين وأخلاقهم (العفة، الأمانة، الصدق، الحلم، الرحمة، .. الخ) فيتأثروا بأخلاق المسلمين .. فيدخلوا فى دينهم .. لما يروا فى دينهم من الصفات .. والأعمال التى يرونها لصلاح حياتهم ..

стр. 223

ولذلك كثير من الناس دخلوا فى الإسلام بعدما فرض عليهم الجزية، بعد أن رأوا أخلاق وصفات المسلمين .. وكأن الجزية صورة عملية للدعوة، فإذا رفضوا كلا الأمرين (الدعوة، الجزية) حينئذٍ يقول الله : ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ومن هنا يتبين أن النصر لا يأتى للمسلمين إلا بعد أن يقوموا بالدعوة لهؤلاء الكفار قبل أن يقاتلوهم. ورفض الكفار للدعوة كأنهم رفضوا الرحمة الموجهة إليهم من الله ولما رفضوا هذه الرحمة برفض الدعوة حينئذٍ يحل عليهم العذاب .. يقول الله لعباده المؤمنين " قاتلوهم " رفضوا رحمتى إذاً يستحقوا القتل .. وكأن المرحلة الأخيرة من مراحل الدعوة هى القتال. ولهذا لا نشعر أن هناك فرق كبير بين عمل الدعوة وعمل القتال فى سبيل الله ولهذا نستشهد بالآيات والأحاديث التى جاءت فى الجهاد نستشهد بها فى عمل الدعوة إلى الله وهذا استشهاد صحيح. وحينما يقول الرسول ﷺ : " لغدوة فى سبيل الله أو روحه خير من الدنيا وما فيها .. هل هذه الروحه فقط فى القتال .. ؟ لا .. بل إن الإمام

стр. 224

البخارى أورد فى باب المشى إلى المساجد .. " عن أبى هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال: " من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له فى الجنة نزلاً كلما غدا أو راح. متفق عليه (١). وفى صحيح الإمام البخارى فى باب المشى إلى الجمعة عن عباية بن رافع قال: أدركنى أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة فقال سمعت النبى ﷺ يقول: " من أغبرت قدماه فى سبيل الله حرمه الله على النار " وقد نقل الإمام ابن حجر العسقلانى فى شرحه لهذا الحديث عن ابن بطال أنه قال: والمراد فى سبيل الله كل طاعة (٢). ولهذا تعتبر الغدوة إلى المسجد والروحة منه جهاداً فى سبيل الله، وطالب العلم كالغادى الرائح فى سبيل الله. وقال أبو الدرداء ﵁ من رأى الغدو والرواح إلى العلم ليس بجهاد فقد نقص فى عقله ورأيه (٣). رابعاً: جهاد المنافقين وأهل البدع والزيغ: وهذا الجهاد .. يكون باليد .. فإن عجز فبلسانه .. فإن عجز فبقلبه .. وذلك أضعف الإيمان. فأكمل الخلق عند الله ، من كمل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون فى منازلهم عند الله، تفاوتهم فى مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل

стр. 225

الخلق وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه ورسله، فإنه كمل مراتب الجهاد، وجاهد فى الله حق جهاده وشرع فى الجهاد من حيث بعث إلى أن توفاه الله ، فإنه لما نزل عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (١) شمر عن ساق الدعوة وقام فى ذات الله أتم قيام ودعا إلى الله ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، ولما نزل عليه ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢). ... فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم فدعا إلى الله الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والأحمر والأسود، والجن والأنس (٣). ... ويحسن بنا أن نختم هذا الباب بالحديث الشريف الذى رواه الإمام مسلم عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق " (٤). * * * * *

стр. 226

الرباط قال الحق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). اصبروا: على أوامر الله . صابروا: فى الدعوة على إيذاء الناس لكم. رابطوا: مع الله . وسمى المرابط مرابطاً .. لأن المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع. ثم قيل لكل منتظر .. قد ربط نفسه لطاعة .. مرابطاً .. ولذلك الرباط نوعين: ١) رباط فى الثغور: لئلا يهجم منه العدو الخارجى (وهو جهاد أعداء الله ) فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " رباط يوم فى سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل ". رواه الترمذى (٢).

стр. 227

٢) رباط فى المساجد: على ثغر القلوب .. لئلا يهجم عليه العدو الداخلى .. الشيطان .. فعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذالكم الرباط .. فذالكم الرباط. رواه مسلم (١) (٢). فالخروج للدعوة إلى الله ولطلب العلم ونشره مرابطة فى سبيل الله، فكان أصحاب الصفة يرابطون فى المسجد النبوى الشريف لاستقبال الوفود وفى خدمة الدين. قال الله تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀:

стр. 228

يعنى المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله ﷺ وسكنوا المدينة وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم (١). وقال الرازى: نزلت فى فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائه، وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم مسكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد ويتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون فى كل غزوة. والقول الأول: أنهم أحصروا أنفسهم ووقفوها على الجهاد وأن قوله تعالى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مختص بالجهاد فى عرف القرآن وكانت تشتد الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله ﷺ فيكون مستعداً لذلك متى مست الحاجة، فالله رغب فى الصدقة عليهم لإزالة علتهم، وتقوية قلوبهم لما انتصبوا له .. وتقوية الإسلام بتقوية المجاهدين. والإحصار فى اللغة: أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره من مرض وكبر أو عدو أو ذهاب نفقة أو نصرة الدين، أحصرتهم عن الانشغال بسائر المهمات (٢).

стр. 229

وقال قتادة بن دعامة: حبسوا أنفسهم فى سبيل الله أى فى طاعته، فلا يتفرغون إلى طلب المعاش (١). ودين الله فى هذا الزمان فى أمس الحاجة إلى مرابطة المسلمين لإقامة دين الله فى الأرض. (اللهم فهمنا جهد حبيبك علي منهاج حبيبك، حسب مرضاتك.) * * * * *

стр. 230

أقوال السلف فى آية المجاهدة قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). قال السدى: هذه الآية نزلت قبل فرض الجهاد (أى قبل الإذن بالقتال). وقال ابن عطية: قبل الجهاد العرفى وإنما هو جهاد عام فى دين الله وطلب مرضاته. وقال أبو سليمان الدارانى: ليس الجهاد فى الآية قتال الكفار بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين وعظمة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومنها مجاهدة النفوس فى طاعة الله وهذا من الجهاد الأكبر. وقال سفيان بن عيينه لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله قال لنهدينهم.

стр. 231

وقال الضحاك: معنى الآية والذين جاهدوا فينا فى الهجرة لنهدينهم سبل السلام على الإيمان. وقال ابن عباس: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبل ثوابنا. وقال الحسن بن الفضل: فيه تقديم وتأخير .. أى الذين هديناهم .. هم الذين جاهدوا فينا، لنهدينهم سُبلنا أى طريق الجنة وهو معهم بالنصرة والمعونة والحفظ والهداية ومع الجميع بالإحاطة والقدرة. وقيل: والذين أرادوا سبيل المجاهدة فينا لنهدينهم سبل مجاهدتنا. وقيل معناه: والذين جاهدوا فينا لتحصيل درجة لنهدينهم لتحصيل درجة أعلى منها. وحاصله لنزيدنهم هداية وتوفيقاً للخيرات كقوله ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدى﴾ (١) وقال تعالى ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ (٢). وقيل معناه: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا .. ولذلك قال بعض العلماء: من عمل بما علم وُفق لما لا يعلم، إن الذى نرى من جهلنا لما لا نعلم هو من تقصيرنا فيما نعلم ..

стр. 232

وقال الإمام الفخر الرازى: الجهاد على ثلاثة أنواع: ١) جهاد فيما بينه وبين نفسه. ٢) جهاد فيما بينه وبين الخلق وهو أن يدع الطمع فيهم ويشفق عليهم ويرحمهم ٣) جهاد أعداء الله بالنفس والمال ونصرة دين الله. فعلق الله ﷻ الهداية بالجهاد فأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً .. جهاد النفس .. جهاد الهوى .. جهاد الشيطان .. جهاد الدنيا .. وجهاد الكفار والمنافقين (١). * * * * *

стр. 233

مزاج النبوة فى الدعوة إلى الله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخروا جميع الحوائج من أجل هداية الناس حتى جاءهم الأذى من الذين يدعونهم وهم يعفون عنهم مثل حبيب النجار .. قال الله ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ (١). قاموا عليه فضربوه حتى قتلوه .. وما دعا عليهم ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ

стр. 234

الْمُكْرَمِينَ﴾ (١) دعا لقومه حياً وميتاً، والنبى محمد ﷺ عندما آذاه قومه وآذاه أهل الطائف قال: " اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون " إغفر لقومى دعا لهم، فإنهم لا يعلمون قدم لهم العذر. فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما اشتكوا الأقوام إلى الله مع أنهم آذوهم فى أولادهم ونساءهم بل تحملوا وقدموا العذر للأقوام أمام الله، فهذا هو مزاج الدعوة .. مزاج الأنبياء عليهم الصلاة وأتم التسليم. ولذلك .. نفرغ الوقت ونخرج فى سبيل الله حتى نتحكم فى مزاجنا والذى يفعل ذلك هو الداعى الحقيقى إلى الله ولو كان لا يتكلم إلا القليل لكن الذى لم يتعلم كيف يقود نفسه، كيف يكون داعى إلى الله حتى يقود نفس غيره فتمريننا فى الدعوة حتى نؤخر حاجات النفس. * * * * *

стр. 235

مقصد الأمة - هذه الأمة مكلفة بـ ٣ مقاصد (كل فرد مكلف بها): - العبادة. - الخلافة. - النيابة. • أولاً: العبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) (٢) ويشترك معنا فى العبادة: ١) الملائكة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣)، فالساجد ساجد إلى يوم القيامة .. والراكع راكع إلى يوم الدين .. وهكذا ..

стр. 236

٢) الجن: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾. ٣) الكون كله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (١). والعبادة هى: ١) المعرفة بالله: لأسمائه وصفاته وأفعاله وآياته وكتبه ورسله. ٢) الطاعة: للأمر والنهى. ٣) الشكر: ... ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (٢). ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (٣). ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٤) ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ (٥).

стр. 237

• ثانياً: الخلافة: قال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ ... خَلِيفَةً﴾ (١). وفى الحديث الطويل الذى أخرجه الخطيب من رواية مالك عن ابن عمر ﵁ أن أبا بكر ﵁ شاور أصحابه وبعد المشورة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد .. فإن الله بعث محمداً ﷺ والحق قلَّ شريد، والإسلام غريب طريد، قد رثَّ حبله، وقلَّ أهله، فجمعهم الله بمحمد ﷺ ، وجعلهم الله الأمة الباقية الوسطى، والله لا أبرح أقوم بأمر الله ، وأجاهد فى سبيل الله حتى ينجز الله لنا ويفى لنا بعهده، فيقتل من قتل منا شهيداً، ويبقى من بقى منا خليفة الله فى أرضه، ووارث عباده الحق، فإن الله تعالى قال ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 238

الْفَاسِقُونَ﴾ (١). والله لو منعونى عقالاً مما كانوا يعطون رسول الله ﷺ ثم أقبل معهم الشجر والمدر، والجن والإنس، لجاهدتهم حتى تلحق روحى بالله ، إن الله لم يفرق بين الصلاة والزكاة، ثم جمعهما، فكبر عمر وقال: قد علمت والله حين عزم الله بأبى بكر على قتالهم أنه الحق. (كذا فى الكنز) (٢). وهى تنفيذ قوانين الله فى الأرض (أمناء على شرع الله فى الأرض) فلا يطبق فى الأرض إلا شرع الله ونحزن إذا وجدنا الله يُعصى فى الأرض ونفرح إذا وجدنا الله يُطاع فى الأرض، ونغار على أوامر الله ، ونبذل الغالى والنفيس حتى تكون كلمة الله هى العليا .. وكلمة الذين كفروا هى السفلى .. فقد قال النبى الكريم ﷺ " تخلقوا بأخلاق الله " ولم يشترك معنا فى هذا المقصد الجن. ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وهذا الشرف طمع فيه الملائكة ولم يعطوه وأسجد الملائكة للإنسان لهذا الشرف وهو منصب

стр. 239

الخلافة .. فشرف المُستَخلَف من المُستخلِف .. ويشترك معنا فى هذا المقصد سبعين أمة. • ثالثاً: النيابة: قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ (١). هذه مهمة خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام " .... بُعثت إلى كل أحمر وأسود ... .. " (رواه مسلم عن جابر بن عبد الله) (٢) والأمة فى نيابة النبى ﷺ ، قال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣) والنيابة هى تعريف الخلق بالخالق (٤). * * * * *

стр. 240

النبوة والخلافة والنيابة فى أى شئ يقال الدين .. ؟ يتصور الناس أن الدين يعنى بعض الأحكام والعبادات وآدائها على طريق مخصوص إسم الدين ولكن حقيقة الدين كما بينه الله والنبى الكريم ﷺ والصحابة رضى الله عنهم أجمعين أن الدين هو إرتفاع الإنسان إلى الأعلى أى وصول الإنسان إلى الله. - ومن الدين يُجعل الإنسان نائباً عن الله فى الأرض أى خليفة الله فى الأرض. - وإذا صار خليفة الله فيجعله خليفة على جميع الكائنات ويصير حاكماً لها. - فهو فى جانب مخلوق وفى جانب آخر حاكم على المخلوقات (١). - والله جعل فى الإنسان شيئين: الحاكمية ... والمحكومية ...

стр. 241

يعنى محكوم من الله ومأمور من الله .. وبعد ذلك يجعله حاكماً على الكائنات .. ولهذا بين للإنسان أن مقامك عند الله الخلافة والنيابة: قال الله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). وقال الله ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٢). - فمن كان فيه مادة الخلافة فهذا الإنسان يصير إنسان .. ومن ليس فيه هذه الصفة فهو ليس إنسان بل فقط صورة إنسان .. - فالمقصود .. أن يكون الله معه والكائنات تحته. - بعض الناس يظنون أن اسم الخلافة أن يكون لهم فى بعض المناطق حكومة وهذا ليس صحيح .. ولكن فى الحقيقة .. الخلافة اسم ليتعلق الإنسان بخالقه حتى يصير نائباً من الله على المخلوقات سواء له حكومة أم لا وهذا يصير خليفة الله. - وبعض الناس يظنون .. أن من له مال يكون سعيد ولهذا صار الناس مختلفون، ولذا أصبح عقيدة المسلمين كعقيدة الكفار، فقارون .. قد بين الله قصته فى القرآن الكريم ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ (٣) وليس مع موسى شئ ولكن معه الله قال له موسى ﵇

стр. 242

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (١) الله أعطاه المال لينفقه على الناس فقال ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (٢) أى اكتسبته بكمالى ليس لأحد فيه دخل لا خالق ولا مخلوق .. قال له موسى ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْض إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٣). وفى إرتكاز المال فى بعض الناس .. يأتى الفساد .. بل ويخرج منه الفساد .. فهو لا ينفق ما عنده .. والآخرون ينتظرون الأخذ منه ولو بالسرقة. فيجب على كل فرد فى الأمة أن يأخذ ضروريته والباقى يوزعه على الناس لأن المال الذى بيده ليس ملكه بل ملك لله الذى أعطاه له، فقد قال تعالى ﷺ ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٤) فالضرورة تكفى لأننا كالمسافرين ومنزلنا الأصلى الجنة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (٥). ويجب على المسلم أن يختار لنفسه القليل

стр. 243

من الأشياء فى المأكولات والملبوسات والمسكن .. فإذا كان على هذا الترتيب .. لا يأتى الخراب فى المملكة. وقارون أعطى المرأة المال حتى تتهم سيدنا موسى ﵇ بالزنا واعترفت المرأة أمام موسى ﵇ بذلك، والله خسف به وبداره الأرض، وقال موسى للأرض خذيه، وهذا مقام الخلافة، فهو حاكم على الأرض .. من هذا عُلم أن الخلافة فى أداء أمر الله . بعض الأشياء صنعها الإنسان وركبها كالسيارة وصار مالكاً لها وبعض الأشياء الله خلقها وجعله خليفة عليها مثل الأرض .. سيدنا عيسى بن مريم ﵇ كان خليفة الله ولهذا أحى الله الأموات بدعائه، وفى الحقيقة هذا أمر الله لأنه خليفة الله وبذلك صار الناس مرتدين، فمن الناس من قال هذا هو الله جاء فى صورة عيسى .. ومنهم من قال أنه ابن الله ولكنهم ما فهموا .. إذا كان هذا الإحياء فى اختيار عيسى ﵇ فهو شرك .. وإن كان من اختيار الله فالله بصير والإنسان بصير .. ولكن هناك فرق بين بصر الله وبصر الإنسان .. فبصر الله من نفسه .. وبصر الإنسان من الله ، قال الله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١).

стр. 244

وإذا كان هذا الإنسان خليفة الله يصير إنسان .. والله يعطيه عوض عن هذه الإنسانية أن يكون معه .. فيعرض الترتيب على الإنسان ولكن الإنسان بحماقته يعرض ويختار غير ذلك ولذلك قال قولوا .. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١). والله أرسل الأنبياء ليعلموا الناس هذا الترتيب .. حاكماً ومحكوماً .. وفلق البحر وعدم الحرق .. هذه الأشياء ليست قصراً على الأنبياء بل لكل الناس كما قال الله ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). والله قال للنبى الكريم ﷺ انقل عملك للغير .. وانتقال عمل النبى هو الدعوة .. والناس يحبون أن تأتى حياة النبى ﷺ وعمله ولكن بدون جهد النبى وهذا لا يأتى فى الناس إلا بالجهد .. والإنسان بهذا الدين يصير فيه الأخلاق ويصير إنسان .. فالنبى ﷺ جاء بالحياة .. وجاء بالجهد لإحياء الحياة. وقد كان للصحابة أربعة أدوار: • الدور الأول: يخرجون الناس من الشرك والكفر. • الدور الثانى: بعد أن صار الناس مسلمون يعلمونهم عمل الدعوة.

стр. 245

• الدور الثالث: كيف يفعلون بمن يصد عن هذا العمل. • الدور الرابع: يصيرون مستقيمين على هذا العمل حتى ينتشر الدين فى العالم. قال موسى ﵇ لفرعون ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى* إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (١) يعنى إذا اتبعتنى فأنت محبوب الله وإذا خالفتنى فأنت عدو لله . وحتى يكون الله مع الداعى لابد أن يأتى فيه صفات الداعى .. ولهذا كان النبى ﷺ قبل الدعوة فى الغار وسيدنا موسى ﵇ فى مدة أربعين يوماً ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٢) حتى يتحصل على صفات الداعى .. وعلى هذه الأمة أن تخرج لتتحصل على صفات الداعى حتى يقول الله .. الآن جميع قدرتى معكم .. الآن الله ليس معنا لأننا فقط نحب الدعوة وليس فينا صفات الداعى، وكلاً منا يقول بلسان حاله .. ابذل حياتك كما شئت .. ولكن أنا أظل هكذا ..

стр. 246

الصحابة قالوا للناس .. كونوا مثلنا .. فهم صاروا عاملين حتى يقولوا للناس كونوا مثلنا ونحن نقول للناس كونوا بهذه الصفات ونجعلها فى أنفسنا وليس فينا حياة ندعو الناس إليها. وأنا لا أقول ليست الدعوة موجودة .. بل أقول ليست على ترتيب الصحابة موجودة لأى شئ يُؤخذ منكم أربعة شهور .. ؟ (١) لتكون نيتكم إصلاح أنفسكم. (٢) وأن يأتى فيكم صفات الداعى. (٣) وأن يأتى فيكم الحياة التى تدعو الناس إليها. الناس فى زمن النبى ﷺ رفضوا الإسلام ليس من أجل الإسلام بل لأنهم دُعوا ليُغيروا حياتهم .. وهم يقولوا إذا أخذنا هذه الحياة تذهب عنا أموالنا .. لأنهم يتعاملون بالربا .. والله يقول لهم .. إذا قمتم على هذه الحياة أكون معكم (١) وإلا فلا أكون معكم. قال الله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) وقال الله

стр. 247

- ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (١). • نحن نقول اللهم انصرنا على الكفار والله يقول أنا لا أكون معكم حتى تغيروا حياتكم لحياة الأنبياء وحياة الصحابة ولهذا فالله ليس معنا. • ونحن نقول هذا العمل - عمل الدعوة - صار فى كل العالم ومع هذا الله لم ينصرنا .. ؟! نعم .. فالدعوة وصلت لكل العالم ولم تتغير حياتنا. • البعض يقول نحن خرجنا لنصلح أنفسنا ونحن مرضى وأنتم مرضى والمريض يشاور المريض .. فيقول الناس فلماذا خرجتم كيف يكون علاجنا معاً .. ؟! نحن عندما نكون مستعدين لتبديل الحياة فيأتى فينا الإصلاح ولكن إن لم نكن مستعدين لتغيير حياتنا .. لأن البعض غصب مال غيره وإرجاع هذا الشئ لمالكه صعب. • فإذا لم تكن الصفات فى الداعى فلا تقبل دعوته، ولا يأتى بدعوته الإصلاح وإن قام عليها كثير من الناس. • وعلينا أن نجعل دعوتنا كدعوة الصحابة رضى الله عنهم .. نبذل حياتنا ونجتهد على الناس أن يبدلوا حياتهم وإذا كان الجهد بهذا الترتيب يأتى التغيير فى العالم.

стр. 248

• بعض الناس خرج فى الدعوة لمدة طويلة ثم جلس .. لماذا .. ؟! قال الشيخ إلياس ﵀: لأنهم اجتهدوا على الناس ونسوا أنفسهم. • الصحابة أخذوا بكل الدين الصعب والسهل كما قال الصديق الأعظم أبو بكر ﵁ فى وصيته لعمر: وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق فى دار الدنيا وثقله عليهم (١). • إذا لم تكن حياتنا مثل حياة النبى ﷺ والصحابة رضى الله عنهم أجمعين لم تكن نصرة الله معنا وهذا ليس بصعب بل هذه فطرة الله التى فطر الناس عليها. • الله يحب أن نكون مثل الصحابة ونحن نحب أن نكون مثل فرعون وقارون ونحب أن تكون نصرة الله معنا مثل ما كانت مع موسى ﵇، فنحن نقول اخرجوا .. خذوا حياة نبيكم ﷺ . • المشايخ يقولون فى هذا الزمان الأمة جُعلت سداً لدخول الكفار فى الإسلام لأن حياتهم ليست كحياة النبى ﷺ وأصحابه رضى الله عنهم. • ذهبت جماعة - داعية إلى الله إلى الخارج .. قال لها أحد علماء النصارى: أرونا فى بلادكم قرية صغيرة فيها الإسلام كما فى عهد النبى وأصحابه لندخل فى الإسلام .. ؟! فلم يستطيعوا الجواب.

стр. 249

صفة الداعى مقام عظيم لو جاء فينا فهو مقام عظيم بعد مقام الأنبياء وهذا المقام مخصوص لهذه الأمة ومن جاء فيه هذا المقام يحشر مع الأنبياء والصحابة ولتحصيل هذا المقام لابد من الجهد (١). * * * * *

стр. 250

العقيدة أولاً أم الحاكمية ؟ نقرأ فى كتاب الله بياناً لواجب أناطه الله بأعناق عباده وألزمهم النهوض به. ونقرأ فيه إلى جانب ذلك وعداً بحق تكفل لهم الله به، إن هم أتقنوا القيام بالواجب الذى كلفهم به ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، وفى قوله ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) وفى قوله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وفى قوله ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) وفى قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
следующие страницы →