← Общие книги

Общие книги · id 37558

كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله

محمد علي محمد إمام

Полный текст (553 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الصحابة قالوا للناس .. كونوا مثلنا .. فهم صاروا عاملين حتى يقولوا للناس كونوا مثلنا ونحن نقول للناس كونوا بهذه الصفات ونجعلها فى أنفسنا وليس فينا حياة ندعو الناس إليها. وأنا لا أقول ليست الدعوة موجودة .. بل أقول ليست على ترتيب الصحابة موجودة لأى شئ يُؤخذ منكم أربعة شهور .. ؟ (١) لتكون نيتكم إصلاح أنفسكم. (٢) وأن يأتى فيكم صفات الداعى. (٣) وأن يأتى فيكم الحياة التى تدعو الناس إليها. الناس فى زمن النبى ﷺ رفضوا الإسلام ليس من أجل الإسلام بل لأنهم دُعوا ليُغيروا حياتهم .. وهم يقولوا إذا أخذنا هذه الحياة تذهب عنا أموالنا .. لأنهم يتعاملون بالربا .. والله يقول لهم .. إذا قمتم على هذه الحياة أكون معكم (١) وإلا فلا أكون معكم. قال الله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) وقال الله

стр. 247

- ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (١). • نحن نقول اللهم انصرنا على الكفار والله يقول أنا لا أكون معكم حتى تغيروا حياتكم لحياة الأنبياء وحياة الصحابة ولهذا فالله ليس معنا. • ونحن نقول هذا العمل - عمل الدعوة - صار فى كل العالم ومع هذا الله لم ينصرنا .. ؟! نعم .. فالدعوة وصلت لكل العالم ولم تتغير حياتنا. • البعض يقول نحن خرجنا لنصلح أنفسنا ونحن مرضى وأنتم مرضى والمريض يشاور المريض .. فيقول الناس فلماذا خرجتم كيف يكون علاجنا معاً .. ؟! نحن عندما نكون مستعدين لتبديل الحياة فيأتى فينا الإصلاح ولكن إن لم نكن مستعدين لتغيير حياتنا .. لأن البعض غصب مال غيره وإرجاع هذا الشئ لمالكه صعب. • فإذا لم تكن الصفات فى الداعى فلا تقبل دعوته، ولا يأتى بدعوته الإصلاح وإن قام عليها كثير من الناس. • وعلينا أن نجعل دعوتنا كدعوة الصحابة رضى الله عنهم .. نبذل حياتنا ونجتهد على الناس أن يبدلوا حياتهم وإذا كان الجهد بهذا الترتيب يأتى التغيير فى العالم.

стр. 248

• بعض الناس خرج فى الدعوة لمدة طويلة ثم جلس .. لماذا .. ؟! قال الشيخ إلياس ﵀: لأنهم اجتهدوا على الناس ونسوا أنفسهم. • الصحابة أخذوا بكل الدين الصعب والسهل كما قال الصديق الأعظم أبو بكر ﵁ فى وصيته لعمر: وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق فى دار الدنيا وثقله عليهم (١). • إذا لم تكن حياتنا مثل حياة النبى ﷺ والصحابة رضى الله عنهم أجمعين لم تكن نصرة الله معنا وهذا ليس بصعب بل هذه فطرة الله التى فطر الناس عليها. • الله يحب أن نكون مثل الصحابة ونحن نحب أن نكون مثل فرعون وقارون ونحب أن تكون نصرة الله معنا مثل ما كانت مع موسى ﵇، فنحن نقول اخرجوا .. خذوا حياة نبيكم ﷺ . • المشايخ يقولون فى هذا الزمان الأمة جُعلت سداً لدخول الكفار فى الإسلام لأن حياتهم ليست كحياة النبى ﷺ وأصحابه رضى الله عنهم. • ذهبت جماعة - داعية إلى الله إلى الخارج .. قال لها أحد علماء النصارى: أرونا فى بلادكم قرية صغيرة فيها الإسلام كما فى عهد النبى وأصحابه لندخل فى الإسلام .. ؟! فلم يستطيعوا الجواب.

стр. 249

صفة الداعى مقام عظيم لو جاء فينا فهو مقام عظيم بعد مقام الأنبياء وهذا المقام مخصوص لهذه الأمة ومن جاء فيه هذا المقام يحشر مع الأنبياء والصحابة ولتحصيل هذا المقام لابد من الجهد (١). * * * * *

стр. 250

العقيدة أولاً أم الحاكمية ؟ نقرأ فى كتاب الله بياناً لواجب أناطه الله بأعناق عباده وألزمهم النهوض به. ونقرأ فيه إلى جانب ذلك وعداً بحق تكفل لهم الله به، إن هم أتقنوا القيام بالواجب الذى كلفهم به ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، وفى قوله ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) وفى قوله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وفى قوله ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) وفى قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا

стр. 251

زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (١). وأما الحق الذى وعدهم وتكفل لهم به فقد عرفناه وقرأناه فى قوله ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢)، وفى قوله تعالى ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْض﴾ (٣)، وفى قوله ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ

стр. 252

مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (١) وفى قوله ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقد شاء الله بواسع رحمته ودقيق حكمته، أن يختار من عباده قلة يجعل منهم المثل الذى يحتذى والنموذج الذى يقتدى به فى الانصياع لأوامر الله وتطبيق تعاليمه وأحكامه، وكأنه قضى بباهر حكمته أن يجعل من حياتهم وواقع سلوكهم فى الجملة، وسيلة إيضاح لمن بعدهم، يهتدون بهديهم كلما غم عليهم الأمر والتبست عليهم الحقائق بأشباهها. وقد تمثلت هذه القلة المختارة فى صحابة رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم. وليس فى اختيار الله لهم ما يثير دهشة أو يبعث على تساؤل، فهم الرعيل الأول الذين بلغوا عن الله وعن رسول الله ﷺ ، بعد فترة من الرسل، وهم الذين رأوا رسول الله ﷺ وأخذوا منه وتعلموا على يديه، وهم الذين سرى نور النبوة إلى أبصارهم التى اكتحلت بمرأى رسول الله ﷺ ، ثم سرى منها إلى قلوبهم التى فاضت بمحبة رسول الله ﷺ فحق أن يكونوا ظلاً لرسول الله ﷺ ثم أن يكونوا من بعده الهداة الذين يقتدى بهم والنموذج الأسمى لكيفية السير على صراط الله .

стр. 253

وقد نظرنا، ثم تأملنا طويلاً فى موقف هؤلاء الصحابة الذين جعلهم الله، بعد رسول الله ﷺ قدوة لنا، من كل من الواجبات التى كلفهم الله بها وأنهضهم إليها، والحقوق التى بشرهم بها وتكفل لهم بإنجازها، فرأينا أنهم توجهوا بكل مشاعرهم وقدراتهم إلى الواجبات التى حملهم الله إياها، وسعوا فى ثبات واستمرار إلى النهوض بها، دون أن تطوف بأذهانهم أحلام تلك الحقوق التى وعدهم بها، ودون أن يدخروا شيئاً من جهودهم للبحث عن تلك الحقوق، بل دون أن يربطوا بين تلك الواجبات وهذه الحقوق بشئ من رابطة العلة والمعلول، أو الثمن والسلعة .. بل تأملنا فلم نجد إلا دافعاً خفياً واحداً ينهضهم إلى القيام بالوظائف التى ألزمهم الله بها، ألا وهو دافع العبودية والمملوكية لإلههم المالك. ما إن يبايع الواحد منهم رسول الله ﷺ مؤمناً بالله رباً وبمحمدٍ رسولاً، حتى يعود إلى نفسه فيلزمها باتباع أوامر الله والانتهاء عن نواهيه، مجاهداً نفسه ضد أهوائها مطهراً ذاته من بقايا الجاهلية، ثم يقبل إلى من يعيل، ثم إلى سائر من حوله من عباد الله يعرفهم على الله ويبلغهم أوامره وأحكامه، مخترقاً إلى ذلك المخاطر كلها، مضحياً بحقوق نفسه إن أهينت، متجملاً بمشاعر الحب لعباد الله والشفقة عليهم جميعاً، وقدوتهم فى ذلك كله سيدهم وحبيبهم رسول الله ﷺ . ولم يكن من شأن أى منهم أن يعود فى المساء إلى داره ليسأل نفسه: ومتى ننال الحق الذى وعدنا الله به؟ ومتى وكيف تكون الحاكمية فى الأرض

стр. 254

عن الله لنا؟ .. كما لم يكن من شأن أى منهم أن ينقلب ذات ليلة فى أحلام هذا النعيم الذى وعدهم الله به، كيف يكون مذاقه، أو إلى أى مدى يمتد ظله. بل كانوا يقطعون الليل، بعد أخذ حظهم من الراحة والرقاد، بنجوى الخائف من تقصيره الطامع فى تجاوز الله وعفوه، وربما اتهم أحدهم نفسه، لتقصير تخيل أنه قد ألم به، بلون من النفاق قد ابتلى به، فيتقلب من ذلك فى هم يكاد يذيبه، ثم لا يسكن روعه حتى يشكو أمره إلى رسول الله ﷺ ، فيذكره بعظيم رحمة الله وكرمه، ويبشره بأن إحسان الله لعباده يأتى على قدر ضعفهم وعجزهم، إن هم عظموا حرمات الله، واستشعرت قلوبهم مهابته. تحت سلطان هذه الدوافع والمشاعر، أدوا واجباتهم هذه، وصمدوا لكل ألوان الأذية فى مكة .. وتحت سلطان هذه الدوافع والمشاعر ذاتها، هاجروا فى سبيل الله إلى المدينة، وقد نفضوا أيديهم عن كل زاد إلا زاد التقوى والعمل الصالح .. وهم خلال ذلك يعرفون الناس على الله ويبلغونهم كلمات الله، ويقدمون نفوسهم وحظوظها قرابين رخيصة على طريق تطبيق أوامر الله. هل كان أى منهم يخلط بين قيامه بواجباته هذه، والتخطيط لكيفية القضاء على الإمبراطورية الساسانية أو الرومانية؟ .. هل كان فيهم من

стр. 255

يفكر بكيفية الانتقام من قريش التى أخرجتهم من ديارهم، أو يفكر بالغد القريب الذى يصبحون فيه الحكام المهيمنين عليهم والمتنفذين فيهم؟ معاذ الله .. لم يكن هذا شأن أحدٍ منهم. بل كانوا قد وضعوا همهم كله فى أن يوفقوا إلى أداء حقوق العبودية التى فى أعناقهم لله ، وأن يرحلوا إليه وهو راضٍ عنهم غفار لهم. فلما صدقوا فيما ألزموا أنفسهم به من حق الله ، وفاهم الله حقهم الذى تكفل لهم به، فأعادهم إلى الأرض التى أخرجوا منها، وأورثهم أرضاً ودياراً أخرى لم يعرفوها ولم يحلموا بها، وجعل منهم قادة العالم، ووراث الحضارة، فكانوا بحق سدى ولحمة المجتمع الإسلامى. هل كان سعيهم وجهادهم قبل ذلك تخطيطاً لبلوغ حكم، أو إمعاناً فى قهر حاكم، أو مناورة لإنشاء حلف؟ لم يكن هذا شأنهم قط، بل لم يخطر لهم شئ من هذا على بال، بل مما لا شك فيه أنهم لو ولوا وجوههم شطر شئ من هذه المشاغل أو صرفوا أفكارهم إليها، لما حقق الله لهم شيئاً مما قد أكرمهم به، ولما جعل منهم أئمة الأرض ووراث الحكم وقادة العالم. بل لو وكلهم عندئذٍ إلى أفكارهم المخططة، وأحلامهم المهتاجة، ولما جاءت قدراتهم من ذلك كله بشئ. فذلك ما نقرؤه واضحاً فى كتاب الله : واجبات كلفنا بها وأناطها بأعناقنا وحقوق تكفل لنا بها، إن نحن أخلصنا القيام بتلك الواجبات.

стр. 256

وهذا ما فعله أصحاب رسول الله ﷺ ، وفعله الله لهم: عاهدوا أن ينفذوا أوامره وأن يمارسوا عبوديتهم له بإخلاص وصدق، وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. وعندئذٍ وفى الله وعده لهم فورثهم الأرض والديار، وألقى أزمة الحكم فى أيديهم، وبث الهيبة منهم فى قلوب الناس. وقد علمنا أن الله جعل من أصحاب رسول الله ﷺ النموذج الذى يُتبع فى صحة التوجه والسلوك، فهم الذين يصدق عليهم قول الله ... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١). وإذا كان الأمر كذلك، فليس لنا عن الإقتداء بهم أى محيص، إلا أن أردنا أن نسلك سبل الغواية بدل الرشاد، أو أن نغامر فى إتباع مالا يجدى أو غرس مالا يثمر. ونسأل الله أن يسلمنا ويقينا من الوقوع فى هذا التيه. ونحن اليوم نعلن عن صدق إيماننا بالله واستسلامنا لألوهيته وحكمه، تماماً كما أعلن أصحاب رسول الله ﷺ . ويظهر اليوم فى الساحة الإسلامية بعض المسلمين يضعون أنفسهم من عامة الناس موضع الصحابة ممن بعدهم، فهم النموذج الذى ينبغى أن يقتدى به اليوم بعدهم، إذ هم طليعة رجال الدعوة إلى الله، والقائمون بأمر الله، والمجاهدون فى سبيله، والمنافحون عن حرماته. والحق أن على عامة المسلمين، فى هذا الحال، أن يقتدوا بهم

стр. 257

وينهجوا نهجهم إذ هم الوراث للخصائص التى تميز بها الصحابة عمن سواهم، وليت .. هؤلاء المسلمين يسلكون مسلك رسول الله ﷺ ومن ثم مسلك أصحاب رسول الله؟ فيحصرون أنفسهم، فعلاً، فى نطاق الواجبات التى كلفهم الله بها، فى حق أنفسهم والناس الذين من حولهم، ويفوضون ما التزم لهم به الله إلى الله؟ إننا ننظر، فنجد، ويا للأسف، عكس ذلك تماماً. لقد نامت فى نفوسهم مشاعر الواجبات الذاتية، التى أذاب أصحاب رسول الله ﷺ أنفسهم فى ضرام السعى إليها والنهوض بها، واستيقظت بدلاً من ذلك لديهم مشاعر التطلع إلى الوعود التى تكفل الله لهم بها. أمرهم الله أن يصطبغوا بذل العبودية لله شعوراً وتبتلاً وأخلاقاً وسلوكاً، فشردوا عن واجبهم هذا بأحلام السعى إلى إقامة الحكم الإسلامى .. ! وأمرهم الله أن يعرفوا الناس على الله وأن يبلغوهم كلماته وأحكامه، وناشدهم ذلك رسول الله ﷺ قائلاً: " بلغوا عنى ولو آية " فتشاغلوا عن واجبهم هذا بهموم الوصول إلى الحكم، ومناوأة من يصدهم عن ذلك. والخلاصة .. أنهم قصروا كل التقصير فيما طلبه الله منهم، واجتهدوا كل الاجتهاد فيما ضمنه الله لهم .. ! فصدق عليهم قول ابن عطاء الله السكندرى .. اجتهادك فيما ضُمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك .. هما كلمتان، خاطب الله بهما عباده المسلمين من

стр. 258

خلال قرآنه: حققوا فى أنفسكم أهلية الحكم فى الأرض عبودية وإخلاصاً لله، وتزكية نفسية ومن ثم أخلاقاً زكيه مع عباد الله، أصعد بكم إلى سدة القيادة فى الأرض، وأضع بين يديكم مقاليد الحكم من حيث لا تحتسبون. وقد رأينا كيف وعى أصحاب رسول الله ﷺ هاتين الكلمتين، فعكفوا على الواجب الذى ألزمهم به الله عبودية وإخلاصاً وتزكية وأخلاقاً .. وما هو إلا أن ورثهم الله مقاليد الحكم، من حيث لا يحتسبون .. أجل من حيث لا يحتسبون .. ! ثم خلف من بعدهم خلف، تجملوا من حيث الألفاظ والشعارات، بما يرقى بهم إلى مصاف صحابة رسول الله ﷺ ، وتنكبوا من حيث العمل والسلوك عن هذا النهج الذى كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم جعلوا كل همهم بدلاً عن ذلك فى طرق أبواب الحكم، بكل ما تطول إليه أيديهم من الوسائل التكتيكية والأسباب المتنوعة. أين هى ليالى التبتل بين يدى الله .. ؟ وأين هى مجالس " تعالوا بنا نؤمن ساعة .. "؟ وأين هى معارج التزكية بالنفس إلى حيث الإيثار بدلاً من الأثرة، والحب بدلاً من الحقد، والتضحية بالحظوظ بدلاً من التضحية بالخصوم؟ وأين هى حِلق الذكر التى كانت تزدان بأصحاب رسول الله ﷺ فتورثهم الأفئدة الرقيقة والعيون الدامعة .. ؟ أين هى مجالس التبليغ عن الله .. والتعريف بألوهية الله وعظيم سلطانه .. ؟ أين هو البحث عن التائهين والشاردين والضالين، وما أكثرهم

стр. 259

فى كل فجٍ وصوب، للحوار معهم والإجابة عن مشكلاتهم وتذويب شبهاتهم والصبر فى سبيل ذلك على آذاهم .. ؟ أين هو السلاح الأول فى حياة المسلم الربانى القائم على حدود الله وأوامره؟ وهل إلا صدق التوكل على الله والثقة بالله والرضا عن الله، ثم الاصطباغ فى التعامل مع الناس بأخلاق رسول الله ﷺ الذى قال فيما صح عنه " إنكم لن تسعون الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق " (١). إننى أنظر .. وينظر الناس جميعاً معي، فلا نرى إلا انصرافاً عن هذا كله .. آلاف التائهين والشاردين، تتصيدهم كل يوم شباك الشهوات والأهواء، أو تتربص بهم جهود الدعاة إلى النار، وقد تسلحوا بما كان أولى بالمسلمين أن يتسلحوا به، من حسن المعشر وخفض الجناح ولين الجانب، والصبر على مشاق الرحلة، ومخلوف الصد والرد .. ولسان حال هؤلاء التائهين والجاهلين يصرخ قائلاً ألا من منقذ يخلصنا من رق أهوائنا التى تحكمت بنا، أو من هؤلاء الماكرين المبشرين الذين يحيطون بنا .. ؟ أين هم وراًّث شريعة الله ورجال الدعوة إلى الله، ينتشلوننا من عذاب نفوسنا ومن كيد المتربصين بنا .. ؟ غير أن لسان حال بعض المسلمين يرد قائلاً: نحن فى شغل شاغل عن هذا الذى تدعوننا إليه وتستنجدون بنا من أجله، إننا مشغولون عنكم باتخاذ

стр. 260

أسباب الوصول إلى الحكم ولسوف نتعطف عليكم من فوق كراسى الحكم، لنقودكم إلى الحق عندئذٍ كرهاً، بدلاً من أن نحاوركم وندعوكم إليه عن طواعية ورضا .. ! أجل .. هذا ما يقوله اليوم لسان حال هؤلاء المسلمين .. بل هذا ما يقوله كثير منهم بألسنتهم عندما يأتى من يذكرهم بتنكبهم عن الطريق، وهذا ما قاله لى كثير منهم فى كثير من المناسبات. ولكن .. ألا ترى يا قارئى الكريم .. أن هذا الاعتذار الذى يأتى بلسان الحال أو بلسان المقال، إنما هو فى الحقيقة تطاول إلى تصحيح النهج الذى قد قضى وأمر به الله .. ؟ إن المضمون الذى يختفى وراء هذا الاعتذار، ليس إلا قراراً تصحيحياً لما أمر الله به عباده ولما تعهد لهم به، ثم للسلوك التطبيقى الذى لبى من خلاله الصحابة أمر الله وللعهد الذى أنجزه الله لهم لقاء ذلك، وإن هذا القرار التصحيحى لينطق قائلاً: خير من سلوك هذا الطريق الطويل إلى نشر دين الله فى الأرض وبسط سلطانه على النفوس والبلاد، عن طريق دعوة الناس ومحاورتهم فرداً فرداً .. ، أن نقفز إلى كراسى الحكم فنتبوءها، فنفرض سلطان الإسلام على الناس من هناك شرعة ومنهاجاً، والحكم الذى سيحققه الله لنا، بإتباع هذا المنهج الطويل، من حيث لا يحتسب بوسعنا أن نناله الآن بسلوك الأسباب والوسائل التى يسلكها غيرنا من حيث ندري ونحتسب .. !

стр. 261

هذه هى مأساة العمل الإسلامى الذى تحول إلى جهد خائب وسعى ضائع، وأخفى عن كثير من الأذهان الحقيقة العلوية المشرقة للإسلام، ثم أبرز له صورة زائفة أخرى ما هو منها فى شئ تبعث على الإستيحاش والنفور منه، بل وربما بعثت على الارتياب فى مصدره وحقيقته. غير أنا لابد أن نستثنى قلة من المسلمين يسلكون سيرة رسول الله ﷺ وأصحابه فى سكينة وهدوء، يبلغون عن الله كما كانوا يبلغون ويلقون بالدعوة إليه فلول التائهين والشاردين والفاسقين فى حوار لين مشفق كما كانوا يفعلون، وقد تركوا النتائج التى تكفل لهم بها الله لمشيئته وحكمته .. وإنى لأعُدُّ جماعة التبليغ أول السالكين فى هذا الطريق وخير القائمين بهذا الواجب، ولكنهم من القلة بحيث لا يسدُّون مسداً، وربما كانوا بحاجة إلى دعامة من العلم والعلماء يكونون رفداً لهم فى سلوكهم، وسلاحاً إضافياً أمام الشبهات وعكر الفلسفات الجانحة (١). البعض يقول إن الإسلام سيعود من قبل الحاكمية .. والبعض الآخر يقول سيعود الإسلام عن طريق تصحيح العقيدة والتربية الجماعية .. أيهما أصح .. ؟! من أين تأتى حاكمية هذا الدين فى الأرض إن لم يوجد دعاة يصححون العقيدة ويؤمنون إيماناً صحيحاً ويُبتلون فى دينهم فيصبرون ويجاهدون فى سبيل الله فيحكم دين الله فى الأرض .. قضية واضحة جداً ما يأتى الحكم من السماء، نعم كل شئ يأتى من السماء .. لكن بجهد من البشر فرضه الله على البشر.

стр. 262

قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (١). لابد من أن نبدأ بتصحيح العقيدة وتربية جيل على العقيدة الصحيحة .. جيل يبتلى فيصبر على البلاء كما صبر الجيل الأول (٢). * * * * *

стр. 263

هل ننصر بدون الدعوة ؟ إذا جاءت التعليمات الإلهية ينقسم الناس إلى ٤ طبقات: الأولى: المؤمنون بالتعليمات الإلهية ويطبقونها ثم يجتهدون لنشر هذه التعليمات فى المجتمع الإسلامى. الثانية: مؤمنون بالتعليمات ويطبقونها ولكن لا همَّ لهم بنشرها. الثالثة: مؤمنون بالتعليمات الإلهية ولكن لا يطبقونها ولا ينشرونها. الرابعة: الكافرون .. بالتعليمات الإلهية. الله قسم هذه الأقسام وبين لكل قسم حكمه: فالقسم الأول: هم الأنبياء والرسل ﷺ وأصحابهم والله يبين فى محكم كتابه: قال تعالى ﴿الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ

стр. 264

﴾ (١). وقال تعالى ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٢). وقال تعالى ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٣). وهذه الأمة التي ذكره الله فيكتابه هى أمة محمد ﷺ . وقال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٤). هذا القسم: وعدهم الله بالغلبة على أعدائهم سواء كانوا بالعدة أو بغيرها، فالله جعل لهم الغلبة على المخالفين: قال تعالي: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٦).

стр. 265

الأنبياء كانوا أصحاب دعوة وكانوا يغلبون على أعدائهم لأنهم ليسوا فقط من العبَّاد والزهَّاد بل فى الحقيقة مبعوثون من الله وسفراء لله ولذلك جعل نصرهم مؤكد لأنهم سفراء من الله ومن مد يده إلى السفير بالشر كأنه مد يده على كرامة الحكومة .. لذا فهى تعاقبه أشد العقاب .. وهؤلاء هم سفراء لله ومن مد يده إلى أحدهم فكأنه مد يده إلى الله ولذا قال الله لموسى ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (١) قال موسى أنت ترسلنى إلى جبار وعنيد وليس معى قوة .. قال الحق ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٢). فالدعوة أمر الله إلى النواب والله وعدهم بالغلبة .. فهذا القسم يكون فى جميع الأحوال غالباً على غيره ومن خالفهم أو حاربهم أو مد يده إليهم بالسوء .. لا يتركهم الله ولكن ينتقم منهم .. الله جعل أمر الدعوة إلى الأنبياء وبعد خاتم النبيين انتقلت هذه الوظيفة إلى هذه الأمة بجميع الوعود وجميع العهود ... ولكن الفرق أن كل واحد منهم كان داعياً ورسولاً وسفيراً عن النبى ﷺ ولكن هذه الأمة إذا قامت بهذه الوظيفة

стр. 266

أعطاهم الله الغلبة، فالله ما جعل هذه الوظيفة لأى أمة قبل الأمة المحمدية، لكن كان عليهم العبودية والدعوة إلى أنبيائهم ولذا فإذا احتاجت الأمة شئ كانوا يذهبون إلى أنبيائهم ويقولون: يا موسى ادعُ لنا ربك ... يا عيسى ادعُ لنا ربك ... ومن طريق أنبيائهم ينصرون، فمن تعلم وتبحر يجد أنه لا يقوم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الأمم السابقة إلا أشخاص معدودون ... القسم الثانى .. يتحصلون على الجنة بأعمالهم وإن حوسبوا على التقصير ولكن ليس لهم الموعود الذى وعده الله للقسم الأول. القسم الثالث .. الذين آمنوا ولم يطبقوا .. لهم النجاة فى الآخرة بعد شفاعة الأنبياء ولهم الخزى والعار فى الدنيا. القسم الرابع .. يكون لهم الغلبة فى الدنيا إن لم يوجد القسم الأول .. وتكون لهم جهنم يوم القيامة. ولحماية القسم الثانى .. لابد من القسم الأول، ولإخراج القسم الثالث من الأهواء إلى الأعمال لابد من القسم الأول، ولإخراج القسم الرابع من الكفر إلى الإيمان لابد من القسم الأول. فبسبب هذا القسم يكون النصرة، ولذا فالله نقل هذا القسم إلى هذه الأمة ووعدهم بما وعد به الأنبياء .. ويتضح ذلك جلياً فيما أخرجه بن ماجة وابن حبان

стр. 267

عن عائشة رضى الله عنها قالت: دخل علىَّ النبى ﷺ فعرفت فى وجهه أنه قد حضره شئ فتوضأ وما كلَّم أحداً فلصقت بالحجرة أستمع ما يقول فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: " .. يا أيها الناس إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيبكم وتسألونى فلا أعطيكم وتستنصرونى فلا أنصركم .. فما زاد عليهن حتى نزل. " كذا فى الترغيب (١). وهذا يعنى أن العبَّاد والزهَّاد لا يستجاب لهم إذا لم يقوموا بهذه الوظيفة فالصحابة كانوا يفهمون هذا الأمر حتى أعدائهم كانوا يفهمون أن نصرة الصحابة بسبب الدعوة، وفى التاريخ لما كتب سعد بن أبى وقاص إلى سيدنا عمر ﵁ بأموال القادسية وطلب منه المدد كتب له رسالة هى قانون لنصرة هذه الأمة .. أما بعد: فإنى آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال .. الخ (٢). ولما جيئ بالهرمزان أسيراً وسأله عمر بن الخطاب ﵁ كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ قال الهرمزان قول لا يستطيع أن يقوله أعلم الناس اليوم .. حين أمره عمر بالكلام بعد أن جاء أسيراً فقال يا عمر: إنا وإياكم فى الجاهلية كان الله خلا بيننا وبينكم فغلبناكم، إن لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتونا فى الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا (٣). وعندما ذهب ربعى بن عامر إلى رستم وقال إن الله إبتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ... الخ وعرض عليه قبول الإسلام أو الجزية

стр. 268

أو السيف، ولما سمع رستم الكلام قال: أنظر .. حتى نتشاور .. فقال ربعى بن عامر: إن رسولنا أمرنا أن لا نترك عدونا فوق ثلاثة أيام، فأرسل رستم إلى سعد بن أبى وقاص ﵁ أن يرسل له رسول آخر فأرسل له المغيرة بن شعبة ﵁ فوجدوا كلام المغيرة مثل كلام ربعى بن عامر .. المقصد .. أن الأمة فى ذلك الزمان كان يعرفون وظيفتهم، وبها كانت لهم الغلبة على أعدائهم. وفى هذا الزمن .. لو سألت المسلم ما وظيفتك .. ؟ فما يعرف شئ .. ويقول التجارة .. الزراعة .. الوظيفة ... الخ. والصحابة ﵃ لما قاموا على وظيفة الدعوة غلبوا على البلاد .. لا بالعدد والعدة وإنما بمعية الله ، ولما خلف من بعدهم خلفٌ ظنوا أن حرب الكفار يأتى بنصرة الله والله يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١). يعنى إن بقى التقوى .. يأتى النصر من الله . انتقل المسلمون بالتدريج من حياة الدين إلى إتباع أعدائهم، ويريدون الغلبة على أعدائهم مع أن مزاجهم مثل مزاج أعدائهم، ولباسهم مثل لباسهم .. فى جميع ما يتعلق بشئون الحياة .. ثم يريدون الغلبة عليهم ... !!. وكيف تكون الغلبة للتابع على المتبوع؟.

стр. 269

وفى هذا الزمن نريد مجد الإسلام .. كان الشيخ يوسف ﵀ (١) يقول: نريد شوكة الإسلام ومجد الإسلام، والله يقول: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). الآن لا يريدون الإسلام .. بل يريدون مجد الإسلام ... !!! ولحصول مجد الإسلام .. لا يأتى إلا بالدعوة إلى الله فتتحقق العبودية وبالعبودية تأتى حياة التقوى والإيمان، فالله يكون معهم ويكون لهم الغلبة على أعدائهم. ولذلك لابد للمسلم من المرور بأربع مراحل: ١) الدعوة إلى الله . ٢) العبودية لله . ٣) المعية الإلهية. ٤) الخلافة: (وهي الغلبة والإقتدار علي الأعداء). قال الله ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ

стр. 270

دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). الناس يريدون الخلافة أولاً .. ثم الدين .. (العبودية) .. ولكن لابد من أربع مراحل .. الدعوة .. التربية .. وهى تغيير الحياة إلى حياة الإسلام .. ثم ظهور النصرة من الله كما فعل مع بنى إسرائيل. فكان بعض الأنبياء يحب النصر على الأعداء. قال الله ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (٢). فالآن المسلمون يريدون المرحلتين الآخيرتين .. ظهور النصرة .. الخلافة ... وأما مرحلة التربية والدعوة فلا يريدون. وفى عام ١٩٥٤م .. كنت خارجاً فى سبيل الله فى سوريا فى حماه ووقتئذٍ .. كان اجتماع الملوك والسلاطين المسلمين .. فى مكة المكرمة، وكان هناك عالم يحاضر فى ساحة كبيرة فى حماه، وينادى بإقامة الدولة الإسلامية الكبرى والخلافة الإسلامية، فقال له أحد الحاضرين: ولكن .. هذا الشيخ يخالفك فى ذلك .. فالتفت إلىَّ الأستاذ المحاضر وقال لى: كيف تخالفنى يا شيخ .. القضية واضحة .. وساطعة ولم يكن الأمر يتحمل المناقشة .. والأخذ والرد فى

стр. 271

هذه القضية الهامة، فقلت له: اسمع يا شيخ .. أنت تريد خلافة إسلامية حقاً .. ؟ قال: نعم ولا شك .. فقلت له كلاماً مختصراً جداً: لما وجد الدين .. وجدت الخلافة .. ولما ضعف الدين .. ضعفت الخلافة .. ولما ضاع الدين .. ضاعت الخلافة .. فقال لى: نحن نريد الخلافة .. حتى يوجد بها الدين .. أنت تقول بالعكس .. نحن نريد الدين أولاً ثم تكون الخلافة، فعليك الدليل .. ؟ فقلت هذه الآية الكريمة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). ثم قلت له: يا أخى الأمر يشبه أنك تريد بيتاً كاملا ً. فقال لك المهندس: أنت عليك القيام بالأساس والقواعد والأعمدة والجدران، وأنا أقوم بوضع السقف، ولكنك تقول: لا .. نريد السقف أولاً .. مما قد يؤدى للموت تحت أنقاضه .. وكنت فى لبنان وقال عميد الكلية .. لابد من الجهاد وإقامة الدين .. قلت له: هل تستطيع أن تعطى الشهادة النهائية لمن هو فى المرحلة الإبتدائية.؟! قال: لا. قلت الخلافة .. هى المرحلة النهائية، فكان بعض الصحابة

стр. 272

عندهم هذا الفكر، فقال الله لهم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (١). والله بين لنا أنه ابتلى أهل الكتاب .. اليهود والنصارى .. ، اليهود بالمال .. والنصارى بالملك .. فاليهود تركوا حياة الدين لاشتغالهم بالأموال، والنصارى تركوا حياة الدين لانشغالهم بالملك. والله عاقب اليهود بالذل والمسكنة والهوان .. وعاقب النصارى بالبغضاء والشحناء إلى يوم القيامة .. والله أكرم المسلمين بالإتباع والدين والأوامر .. وكأن الله يقول للمسلمين .. إن تركتم التعليمات الإلهية من أجل المال .. فسأعذبكم مثلهم .. وإن تركتم التعليمات الإلهية من أجل الملك فسأعذبكم مثلهم .. وكثير من المسلمين اليوم منهمكين فى كسب الأموال، وما فى أيدى المسلمين من أموال أكثر مما فى أيدى أعدائهم والله جعل بينهم الشحناء والبغضاء .. يقولون التبليغ للكفار .. ولكن من يبلغ .. ؟ ! المسلم يقول .. ليس عندى وقت .. فنحن نأخذ وقت المسلمين حتى يتعلموا الدعوة ويتصلوا بالله ويتحصلوا على الصفات ثم يمشوا بها بين الناس (٢)

стр. 273

الدعوة طريق العودة نظام العبودية: خوطب به جميع الأنبياء ﵈ وأمة محمد ﷺ ، ونظام العبودية لا يقوم إلا بالدعوة، وليس مفهوم الدعوة هو فقط الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، بل بذل جميع القوى والأوقات والأموال والتضحية لإحياء نظام العبودية. والأنبياء ﵈ اشغلوا كل أوقاتهم وأحوالهم مائة فى المائة لإحياء الدين وكذلك الصحابة رضى الله عنهم وهذه الأمة كذلك لو اجتهدت مائة فى المائة يحيي الله الدين كله فى العالم كله. وقيام الأمة على وظيفة الدعوة تصبح أمة قيادية .. وعدم قيامها على هذه الوظيفة تصبح أمة انقيادية .. فعندما تتوقف الدعوة تسقط الأمة كما فى عهد الأمويين (١) (٢). ويقول الشيخ أبو الحسن الندوى ﵀: بعد أن تحدث عن نعمة الله على العرب وإخراجهم من جزيرة العرب إلى العالم الفسيح وفى الحياة القبلية إلى الإنسانية الواسعة التى يشرفون عليها

стр. 274

ويوجهونها يقول: وأصبحوا بفضل هذا التطور العظيم الذى فجأ العرب والمملكة الفارسية العظيمة والمملكة الرومية بل العالم كله يقولون بكل صراحة ووضوح .. الله ابتعثنا ليخرج بنا من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. وبقيت هذه القيادة الشاملة الكاملة مدة طويلة والناس لا يفكرون فى ثورة عليها وفى التخلص منها كما هى عادة المفتوحين والأمم المغلوبة على أمرها فى كل عهد لأن صلتهم بهذه القيادة صلة المفتوح بالفاتح أو المحكوم بالحاكم أو الرقيق بالسيد إنما هى صلة المتمدين بالمتدين أو المؤمن بالمؤمن وعلى الأكثر أنها صلة التابع بالمتبوع الذى سبقه إلى معرفة الحق والإيمان بالدعوة والتفانى فى سبيلها .. فاعترفوا لهم بالفضل، وهذه هى القيادة التى هيأتها البعثة المحمدية والتى أعلنتها سورة الإسراء (١) وهى القيادة التى يجب أن يحرص عليها العرب أشد الحرص

стр. 275

ويعضوا عليها بالنواجذ ويسعوا إليها بكل ما أوتوا من مواهب ويتواصى بها الآباء والأبناء ولا يجوز لهم فى شريعة العقل والدين والغيرة أن يتخلوا عنها فى زمن من الأزمان ففيها عوض عن كل قيادة وهى تسيطر على القلوب والأرواح أكثر من سيطرتها على الأجسام والأشباح. إن الطريق إلى هذه القيادة صورة ميسورة للعرب وهى الطريق التى جربوها فى عهدهم الأول. الإخلاص للدعوة الإسلامية واحتضانها والتفانى فى سبيلها وتفضيل منهج الحياة الإسلامى على جميع مناهج الحياة. وبذلك من غير قصد وإرادة لنيل هذه القيادة تخضع لهم الأمم الإسلامية فى أنحاء العالم وتتهالك على حبهم وإجلالهم وتقليدهم.

стр. 276

وبذلك تنفتح لهم أبواب جديدة وميادين جديدة فى مشارق الأرض ومغاربها الميادين التى استعصت على غزاة الغرب ومستعمريه وثارت عليه وتدخل أمم جديدة فى الإسلام أمم فتيه فى مواهبها وقواها وذخائرها أمم تستطيع أن تعارض أوروبا فى مدنيتها وعلومها إذا وجدت إيماناً جديداً وديناً جديداً وروحاً جديداً ورسالة جديدة. إلى متى أيها العرب تصرفون قواكم الجبارة التى فتحتم بها العالم القديم فى ميادين ضيقة محدودة وإلى متى ينحصر هذا السيل الهرم الذى جرف بالأمس بالمدنيات والحكومات فى حدود هذا الوادى الضيق. واليكم هذا العالم الإنسانى الفسيح الذى اختاركم الله لقيادته واجتباكم لهدايته وكانت البعثة المحمدية فاتحه هذا العهد الجديد فى تاريخ أمتكم وفى تاريخ العالم جميعاً .. فاحتضنوا هذه الدعوة الإسلامية من جديد .. وتفانوا فى سبيلها .. وجاهدوا فيها .. ﴿ ... وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ (١) (٢). *****

стр. 277

الداعى إلى الله مؤيد من الله عندما نقوم بالدعوة نكون مؤيدين من الله .. فالذى يعادينا، كأنه يعادى الله . نوح ﵇ قام على مراد الله (ليل - نهار) دعوة ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ (١). فالله استجاب دعاءه، والفاء للتعقيب والسرعة. وموسى ﵇ ونجاة الله له، وإغراق فرعون عليه اللعنة، وإهلاك قارون .. عن ابن عباس ﵄ قال: عندما أتى موسى قومه أمرهم بالزكاة فجمعهم قارون فقال لهم جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فتحملتموها فتحملوا أن تعطوه أموالكم، فقالوا: لا نتحمل أن نعطيه أموالنا فما ترى، فقال: لهم أرى أن أرسل إلى بغى بنى إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها فدعا موسى ﵇ عليهم فأمر الله الأرض أن تطيعه فقال موسى للأرض خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم فجعلوا يقولون يا موسى .. يا موسى، ثم قال للأرض خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم فجعلوا يقولون يا موسى .. يا موسى، ثم قال للأرض خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم فجعلوا يقولون يا

стр. 278

موسى .. يا موسى فقال للأرض خذيهم فأخذتهم فغيبتهم فأوحى الله إلى موسى ﵇ سألك عبادى وتضرعوا إليك فلم تجبهم وعزتى لو أنهم دعونى لأجبتهم قال ابن عباس ﵃ وذلك قول الله : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ (١) خسف به إلى الأرض السفلى (٢). وإبراهيم ﵇: وتأييد الله له وحفظه فى النار فالقرآن الكريم مليئ بتأييد الله للأنبياء ﵇. فعندما نقوم على الدعوة نكون مؤيدين من الله ، قال الهرمزان حين أمره عمر بالكلام بعد أن جاء أسيراً: إنا وإياكم معشر العرب ما خلى الله بيننا وبينكم كنا نغصبكم ونقتلكم ونفعل، فلما كان الله معكم لم يكن بكم يدان (٣). وفى رواية ابن سعد قال عمر للهرمزان .. كيف رأيت صنيع الله بكم؟ قال يا معشر العرب كنتم وأنتم على غير دين نستعبدكم ونقتلكم وكنتم أسوأ الأمم عندنا حالاً فلما كان الله معكم لم يكن لأحدٍ بالله طاقة (٤).

стр. 279

قال الله فى الحديث القدسى: " من عادى لى ولياً فقد آذنته بالحرب " رواه البخارى. (١) تقف بجوار الواحد ﷻ يمدك بقدرته وقوته وعزته. وعن أبى هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : " رُب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره " رواه مسلم (٢). الصحابة ﵃ لما وصفهم يزدجرد لملك الصين فقال هؤلاء القوم: " لو يحاولون (٣) الجبال لهدوها (٤) " (رواه ابن جرير فى تاريخه) (٥). لما رأى ربنا فى قلوب الصحابة ﵃ الرغبة الشديدة لهداية الناس أشغل معهم فى الدعوة (الذئاب، الضب، الشجر، الجن، الهواتف .. ) حياتهم شديدة جداً .. ولكن جهدهم قوى جداً .. تعجز البشرية أن تقدم مثلهم .. فمن الآن يترك بناته مثل الصديق يترك بناته وابنه كافر وأبوه ضرير. فالله اختار هذه الأمة لهذا المقصد ونصرة الله مع المسلم على الدعوة .. على الحرص لهداية الناس.

стр. 280

التأييد .. كرامة من الله يريها الله للعبد حتى لا يتأثر بمن حوله يعنى طريقك صحيح. النصرة .. قبول الناس للدعوة ولذلك كان النبى الكريم ﷺ يفرح بقبول دعوته أكثر من انتصاره فلما أسلمت همدان سجد رسول الله ﷺ شكراً لله .. فالنصر .. قبول الأعداء للحق .. والفتح .. جهادهم مع النبى ﷺ . يقول الشيخ إلياس ﵀ نصرة الله تتوجه إليكم إذا أنتم تحملتم المشاق فى سبيل الله . *****

стр. 281

إيمان الجند سبيل النصر قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١). أخرج الإمام مسلم، عن بريده ﵁ قال، كان النبى ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه فى خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً (٢). وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعد بن أبى وقاص ﵁ ومن معه من الأجناد .. أما بعد: فإنى آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة فى الحرب وآمرك ومن معك أن تكون أشد احتراساً من المعاصى منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإن إستوينا فى المعصية كان لهم الفضل علينا فى القوة وإلا ننصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم فى سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصى الله وأنتم فى سبيل الله ، ولا تقولوا عدونا شرٌ منا فلن يسلط علينا فرب قوم سُلط عليهم شرٌ منهم كما سلط على بنى إسرائيل لما عملوا

стр. 282

بمساخط الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا، سلوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله ذلك لنا ولكم (١). وأخرج بن عبد الحكم عن زيد بن أسلم قال: لما أبطأ على عمر بن الخطاب ﵃ فتح مصر كتب إلى عمرو بن العاص ﵁: أما بعد فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر تقاتلونهم منذ سنين ومازال .. إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم وإن الله لا ينصر قوماً إلا بصدق نياتهم وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر وأعلمت أن الرجل منهم بمقام ألف رجل على ما أعرف إلا أن يكون غيرهم ما غير غيرهم فإذا آتاك كتابى هذا فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم ورغبهم فى الصبر والنية وقدم أولئك النفر الأربعة فى صدور الناس وأمر الناس أن يكون لهم صدمة رجل واحد وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة فإنها ساعة تنزل فيها الرحمة ووقت الإجابة وليعج الناس إلى الله وليسألوه النصر على عدوهم. فلما أتى عمرو الكتاب جمع الناس وقرأ عليهم ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين ثم يرغبون إلى الله ويسألون النصر ففتح الله عليهم. وفى رواية أخرى: أن عمرو بن العاص لما أبطأ عليه فتح مصر كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ أن يستمده فأمده عمر بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل رجل وكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁ أنى قد أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف

стр. 283

رجل منهم رجل مقام الألف: (الزبير بن العوام. . المقداد بن الأسود .. عبادة بن الصامت. . مسلمة بن مخلد ﵃) وأعلم أن معك إثنى عشر ألف ولا يغلب إثنا عشر ألف من قلة (١). وعندما كان المسلمون يحاصرون الروم فى مصر أرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص رسلاً يفاوضونه على الصلح فحبس عمرو الرسل فى معسكر المسلمين ليروا بأعينهم حالة الجنود مع الله ومع الناس ومع بعضهم البعض وعاد الرسل إلى المقوقس فقالوا له: لقد رأينا قوماً: الموت أحب إليهم من الحياة والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لهم رغبة فى الدنيا ولا نهمة وما يعرف قادتهم من جنودهم وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف منهم أحد ويغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون فى الصلاة فلما سمع المقوقس مقالتهم قال: هؤلاء لو استقبلوا الجبال لأزالوها وما مثلهم يغلب من قلة. وأخرج أحمد بن مروان بن المالكى فى المجالسة عن أبى إسحاق قال كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء فقال هرقل للروم وهو فى إنطاكية حين جاءوه منهزمين أمام المسلمين ويلكم؟ أخبرونى عن هؤلاء الذين يقاتلونكم. أليسوا بشراً مثلكم؟ قالوا: نعم. قال: أفأنتم أكثر أم هم؟ فقالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافاً فى كل موطن. ... فقال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال له شيخ من عظمائهم: نحن ننهزم وهم ينتصرون من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن

стр. 284

المنكر ويتناصفون بينهم .. ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزنى، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغصب، ونظلم، ونأمر بالسخط، وننهى عما يرضى الله، ونفسد فى الأرض فقال. أنت صدقتنى (١). وعن أبى الزهراء القشيرى عن رجل من بنى قشير قال لما خرج هرقل نحو القسطنطينية لحقه رجل من الروم كان أسيراً فى أيدى المسلمين فأفلت، فقال أخبرنى عن هؤلاء القوم فقال أحدثك كأنك تنظر إليهم فرسان بالنهار ورهبان بالليل ما يأكلون فى ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام يقفون على من حاربهم حتى يأتوا عليه فقال: لئن كنت صدقتنى ليرثن ما تحت قدمى هاتين (٢). وقال رستم عندما سمع وصفهم أكل كبدى عمر (٣). وقال القبقلار: عندما أخبرته الجواسيس بصفتهم .. لئن كنت صدقتنى لبطن الأرض خيرٌ من لقاء هؤلاء على ظهرها ولوددت أن حظى من الله أن يخلى بينى وبينهم فلا ينصرنى عليهم ولا ينصرهم علىًّ (٤). *****

стр. 285

الأفراح ١) أفراح المؤمنين: أ - الفرح بنصر الله : قال الله ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١). ب _ الفرح بفضل الله ورحمته: قال الله ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢) (٣). ٢) أفراح الكفار:
следующие страницы →