← Общие книги

Общие книги · id 37558

كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله

محمد علي محمد إمام

Полный текст (553 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إيمان الجند سبيل النصر قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١). أخرج الإمام مسلم، عن بريده ﵁ قال، كان النبى ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه فى خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً (٢). وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعد بن أبى وقاص ﵁ ومن معه من الأجناد .. أما بعد: فإنى آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة فى الحرب وآمرك ومن معك أن تكون أشد احتراساً من المعاصى منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإن إستوينا فى المعصية كان لهم الفضل علينا فى القوة وإلا ننصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم فى سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصى الله وأنتم فى سبيل الله ، ولا تقولوا عدونا شرٌ منا فلن يسلط علينا فرب قوم سُلط عليهم شرٌ منهم كما سلط على بنى إسرائيل لما عملوا

стр. 282

بمساخط الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا، سلوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله ذلك لنا ولكم (١). وأخرج بن عبد الحكم عن زيد بن أسلم قال: لما أبطأ على عمر بن الخطاب ﵃ فتح مصر كتب إلى عمرو بن العاص ﵁: أما بعد فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر تقاتلونهم منذ سنين ومازال .. إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم وإن الله لا ينصر قوماً إلا بصدق نياتهم وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر وأعلمت أن الرجل منهم بمقام ألف رجل على ما أعرف إلا أن يكون غيرهم ما غير غيرهم فإذا آتاك كتابى هذا فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم ورغبهم فى الصبر والنية وقدم أولئك النفر الأربعة فى صدور الناس وأمر الناس أن يكون لهم صدمة رجل واحد وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة فإنها ساعة تنزل فيها الرحمة ووقت الإجابة وليعج الناس إلى الله وليسألوه النصر على عدوهم. فلما أتى عمرو الكتاب جمع الناس وقرأ عليهم ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين ثم يرغبون إلى الله ويسألون النصر ففتح الله عليهم. وفى رواية أخرى: أن عمرو بن العاص لما أبطأ عليه فتح مصر كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ أن يستمده فأمده عمر بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل رجل وكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁ أنى قد أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف

стр. 283

رجل منهم رجل مقام الألف: (الزبير بن العوام. . المقداد بن الأسود .. عبادة بن الصامت. . مسلمة بن مخلد ﵃) وأعلم أن معك إثنى عشر ألف ولا يغلب إثنا عشر ألف من قلة (١). وعندما كان المسلمون يحاصرون الروم فى مصر أرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص رسلاً يفاوضونه على الصلح فحبس عمرو الرسل فى معسكر المسلمين ليروا بأعينهم حالة الجنود مع الله ومع الناس ومع بعضهم البعض وعاد الرسل إلى المقوقس فقالوا له: لقد رأينا قوماً: الموت أحب إليهم من الحياة والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لهم رغبة فى الدنيا ولا نهمة وما يعرف قادتهم من جنودهم وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف منهم أحد ويغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون فى الصلاة فلما سمع المقوقس مقالتهم قال: هؤلاء لو استقبلوا الجبال لأزالوها وما مثلهم يغلب من قلة. وأخرج أحمد بن مروان بن المالكى فى المجالسة عن أبى إسحاق قال كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء فقال هرقل للروم وهو فى إنطاكية حين جاءوه منهزمين أمام المسلمين ويلكم؟ أخبرونى عن هؤلاء الذين يقاتلونكم. أليسوا بشراً مثلكم؟ قالوا: نعم. قال: أفأنتم أكثر أم هم؟ فقالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافاً فى كل موطن. ... فقال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال له شيخ من عظمائهم: نحن ننهزم وهم ينتصرون من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن

стр. 284

المنكر ويتناصفون بينهم .. ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزنى، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغصب، ونظلم، ونأمر بالسخط، وننهى عما يرضى الله، ونفسد فى الأرض فقال. أنت صدقتنى (١). وعن أبى الزهراء القشيرى عن رجل من بنى قشير قال لما خرج هرقل نحو القسطنطينية لحقه رجل من الروم كان أسيراً فى أيدى المسلمين فأفلت، فقال أخبرنى عن هؤلاء القوم فقال أحدثك كأنك تنظر إليهم فرسان بالنهار ورهبان بالليل ما يأكلون فى ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام يقفون على من حاربهم حتى يأتوا عليه فقال: لئن كنت صدقتنى ليرثن ما تحت قدمى هاتين (٢). وقال رستم عندما سمع وصفهم أكل كبدى عمر (٣). وقال القبقلار: عندما أخبرته الجواسيس بصفتهم .. لئن كنت صدقتنى لبطن الأرض خيرٌ من لقاء هؤلاء على ظهرها ولوددت أن حظى من الله أن يخلى بينى وبينهم فلا ينصرنى عليهم ولا ينصرهم علىًّ (٤). *****

стр. 285

الأفراح ١) أفراح المؤمنين: أ - الفرح بنصر الله : قال الله ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١). ب _ الفرح بفضل الله ورحمته: قال الله ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢) (٣). ٢) أفراح الكفار:

стр. 286

أ _ الفرح بالمال: (فرح قارونى): قال تعالى ﴿: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (١). ب ـ الفرح بالحياة الدنيا: قال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ ... إِلا مَتَاعٌ﴾ (٢). ٣) أفراح المنافقين: أ _ فرح بترك الخروج: قال الله ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٣).

стр. 287

ب ـ فرح بغير الحق: قال الله ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ (١). *****

стр. 288

الابتلاء طريق الدعاة إلى الله قال الله ﴿: إِنَّا خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (١). وقال الله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٢). وقال الله ﴿: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٣). فالله قد اقتضت حكمته: أن يبتلى الرسل بأممهم، والأمم برسلهم، والحكام بالمحكومين، والمحكومين بالحكام، والقوى بالضعيف، والضعيف بالقوى، والغنى بالفقير، والفقير بالغنى، والصحيح بصحته، والمريض بمرضه، والزارع بمزرعته، والتاجر بتجارته، والصانع بصناعته .. الخ. فالكل مبتلى كلٌ على قدر دينه. فعن سعد ﵁ قال: سُئل النبى ﷺ : أى الناس أشد بلاءاً؟ قال: " الأنبياء ثم

стр. 289

الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان صلباً فى دينه اشتد بلاؤه، وإن كان فى دينه رقه هون عليه، فمازال كذلك حتى يمشى على الأرض ماله ذنب " رواه الترمذى فى الزهد، وابن ماجة، والدارمى، وقال الترمذى هذا حديث حسن (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط " رواه الترمذى وحسنه (٢). فطريق الدعوة هو طريق الإبتلاء: فالنبى ﷺ قبل الدعوة وهو فى العبادة فى غار حراء يتعبد .. قالوا عنه: الصادق الأمين .. لكن لما جهر بالدعوة قالوا عنه: (ساحر، مجنون، كذاب، كاهن .. ). • الذهب قبل وضعه فى الفاترينة لابد له أن يوضع أولاً فى النار. • فالابتلاء مادة الاختبار لأهل الإيمان. • والابتلاء للمنافق يجعله كعود الكبريت المضىء سريع الإطفاء إذا جاءته الريح. • والبلاء للمؤمن يجعله كالنار فى الغابة كلما جاءتها الريح تزداد اشتعالاً .. وهذا يعنى أنه كلما يأتى المؤمن البلاء يزداد إيماناً على إيمانه وفى هذا يقول الرسول المصطفى الكريم ﷺ " مثل المؤمن مثل السنبلة تستقيم مرة وتخر مرة

стр. 290

، ومثل الكافر مثل الأرزة لا تزال مستقيمة حتى تخر ولا تشعر " رواه الإمام أحمد عن جابر (١). • وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة لا تهتز حتى تستحصد " متفق عليه (٢). • وللبلاء صور مختلفة: قال الله ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣). فالصلوات والرحمة والهداية بعد الإبتلاء والصبر. فمن صور الابتلاء (الخوف) كما فى الأحزاب: أخرج الحاكم والبيهقى عن عبد العزيز ابن أخى حذيفة ﵁ قال: ذكر حذيفة ﵁ مشاهدهم مع رسول الله ﷺ فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا فقال حذيفة ﵁: لا تمنوا ذلك لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود وأبو سفيان ومن معه فوقنا وقريظة اليهود أسفل منا

стр. 291

نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحاً منها فى أصوات ريحها أمثال الصواعق وهى ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه فجعل المنافقون يستأذنون النبى الكريم ﷺ ويقولون أن بيوتنا عورة وما هى بعورة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ويأذن لهم ويتسللون ونحن ثلاثة مائة ونحو ذلك إذا استقبلنا رسول الله ﷺ رجلاً .. رجلاً حتى أتى علىَّ وما على جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط امرأتى ما يجاوز ركبتى قال: فأتانى وأنا جاثٍ على ركبتى فقال من هذا؟ فقلت حذيفة، فقال: حذيفة، فتقاصرت للأرض قلت: بلى يا رسول الله ﷺ كراهية أن أقوم فقمت فقال: وأنا من أشد الناس فزعاً وأشدهم قراً قال: فخرجت فقال رسول الله ﷺ اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته قال: فو الله ما خلق الله فزعاً ولا قراً إلا خرج من جوفى فما أجد فيه شيئاً. قال: فلما وليت قال: يا حذيفة لا تحدثن فى القوم شيئاً حتى تأتينى قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت ضوء نار لهم توقد وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيديه على النار ويمسح بخاصرته ويقول الرحيل .. الرحيل ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك فانتزعت سهماً من كنانتى أبيض الريش فأضعه فى كبد قوس لأرميه به فى ضوء النار فذكرت قول رسول الله ﷺ لا تحدثن فيهم شيئاً حتى تأتينى فأمسكت ورددت سهمى إلى كنانتى ثم إنى شجعت نفسى حتى دخلت العسكر فإذا أدنى الناس منى بنو عامر يقولون: يآل عامر الرحيل .. الرحيل لا مقام لكم وإذا الريح فى عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبراً فو الله إنى لأسمع صوت الحجارة فى رحالهم وفرشهم تضرب بها ثم إنى خرجت نحو رسول الله ﷺ فلما انتصفت بى الطريق أو نحو من ذلك إذ أنا بنحو من عشرين فارساً أو نحو ذلك معتمين، فقالوا أخبر

стр. 292

صاحبك أن الله قد كفاه فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو مشتمل فى شملة يصلى فو الله ما عدا أن رجعت راجعنى البرد وجعلت أقرقف فأومأ إلىًّ رسول الله ﷺ وهو يصلى فدنوت منه فأسبل على شملته وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى فأخبرته خبر القوم أخبرته أنى تركتهم وهم يرحلون قال وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً .. إلى قوله تعالى .. وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ (١) (٢). ومن صور الإبتلاء (الجوع) الذى مر به أصحاب رسول الله ﷺ : أخرج أبو نعيم فى الحلية عن سعد ﵁ قال: كنا قوماً يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله ﷺ وشدته فلما أصابنا البلاء اعترفنا لذلك ومرنَّا عليه وصبرنا له ولقد رأيتنى مع رسول الله ﷺ بمكة خرجت من الليل أبول وإذا أنا أسمع بقعقعة شئ تحت بولى فإذا قطعة جلد بعير فأخذتها فغسلتها ثم أحرقتها فوضعتها بين حجرين ثم أستفها وشربت عليها من الماء فقويت عليها ثلاثاً (٣) .. ومن أراد الاستزادة فعليه بكتاب حياة الصحابة ﵃ فهو مليئ بقصص جوع الصحابة الكرام ﵃ وهى أكثر من أن تحصى.

стр. 293

ومن صور البلاء (نقص الأموال): أخرج البيهقى عن أبى عمران قال غزونا المدينة يريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل على العدو فقال الناس مه مه لا إله إلا الله يلقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب ﵁ إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا: هلم نقيم فى أموالنا ونصلحها فأنزل الله ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة أن نقيم فى أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد فى سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية (٢). وهذا دليل على أن الصحابة ﵃ بسبب انشغالهم بالدين جاءهم النقص فى الأموال والأنفس فصبروا وابتلوا بالجوع والخوف فصبروا. ومن صور البلاء (الابتلاء فى الجسد بالمرض وفقد الأولاد): - مثل سيدنا أيوب ﵇: كان سيدنا أيوب ﵇ كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الأنعام والعبيد والمواشى والأراضى المتسعة وكان له أولاد كثير فسلب منه ذلك جميعه وابتلى فى جسده بأنواع من البلاء ولم يبق منه عضو سليم إلا

стр. 294

قلبه ولسانه يذكر الله بهما وهو فى ذلك صابر محتسب ذاكر الله ليله ونهاره وصباحه ومسائه (١). فنادى ربه .. ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٢) وقال تعالى ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ *ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٣). - ومثل عروة بن الزبير: عن نافع بن ذؤيب قال: لما قدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك فخرج برجله الأكلة فبعث إليه يعنى الوليد بالأطباء فأجمع رأيهم إن لم ينشروها قتلته، فقال: شأنكم بها. قالوا: نسقيك شيئاً لئلا تحس بما نصنع قال: لا شأن لكم بها. فنشروها بالمنشار فما حرك عضو عن عضو وصبر، فلما رأى القدم بأيديهم دعا بها فقلبها فى يده ثم قال أما والذى حملنى عليك أنه ليعلم انى ما مشيت بك إلى حرام أو قال معصية. وفى رواية أخرى عن هشام بن عروة:

стр. 295

قيل فقطعت وإنه لصائم فما تضور وجهه قال: ودخل ابن له أكبر ولده اصطبل فرفسته دابة فقتلته فما سمع من أبى فى ذلك شئ حتى قدم المدينة، فقال اللهم إنه كان لى بنون أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة فلك الحمد وكان لى أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة فلك الحمد وإيم الله لئن أخذت فلقد أعطيت ولئن ابتليت طالما عافيت (١). ومن صور البلاء أيضاً: (الإبتلاء بالنعم): قال الله ﴿: فَأَمَّا الأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ (٢). وقال : ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣). فلابد أن يبتلى الإنسان بما يسره وما يسوؤه، فالنعم من الله يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور .. فسيدنا سليمان ﵇ عندما رأى عرش بلقيس عنده قال ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (٤). والأبرص والأقرع والأعمى .. كما فى الحديث عن أبى هريرة ﵁ أنه سمع النبى ﷺ يقول إن ثلاثة من بنى إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً .. فأتى الأبرص فقال (أى شئ أحب إليك .. ؟ قال

стр. 296

: لون حسن وجلد حسن ويذهب عنى الذى قد قذرنى الناس. فمسحه فذهب عنه قذره وأعطى لوناً حسناً، فقال: فأى المال أحب إليك قال: الإبل أو قال البقر - شك الراوى – فأعطى ناقة عشراء فقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأقرع فقال: أى شئ أحب إليك؟ قال شعر حسن ويذهب عنى هذا الذى قذرنى الناس فمسحه فذهب عنه وأعطى شعراً حسناً قال: فأى المال أحب إليك قال: البقر. فأعطى بقرة حاملاً. وقال بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى. وقال: أى شئ أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلىَّ بصرى فأبصر الناس فمسحه فرد الله إليه بصره. قال أى المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطى شاة والداً فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا وادٍ من الإبل ولهذا وادٍ من بقر ولهذا وادٍ من الغنم. ثم إنه أتى الأبرص فى صورته وهيئته. فقال: رجل مسكين قد انقطعت بى الحبال فى سفرى فلا بلاغ لى اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذى أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ به فى سفرى. فقال: الحقوق كثيرة. فقال: كأنى أعرفك. ألم تكن أبرص يقذرك الناس. فقيراً فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع فى صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا ورد عليه مثلما رد هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى فى صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بى الحبال فى سفرى فلا بلاغ لى اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذى رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها فى سفرى. فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلىَّ بصرى،

стр. 297

فخذ ما شئت فو الله لا أجهدك اليوم بشئ أخذته لله . فقال: أمسك مالك فإنما أبتليتم فقد رضى الله عنك وسخط على صاحبيك. متفق عليه (١). يقول الشيخ محمد عمر البلامبورى – ﵀ (٢): متى يعرف أنه الابتلاء لترقية العبد ومتى يعرف أنه ابتلاء عذاب ونقمة؟ إذا كان الابتلاء بعد الطاعة وامتثال الأوامر فهو نعمة لترقية العبد، أولاً يأتى المشقة ثم يأتى الراحة. أما إذا جاء الابتلاء بعد المعصية مثل فرعون ... ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا ... تُبْصِرُونَ﴾ (٣). وقارون ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٤) كانا أولاً فى الراحة ثم أتى عليهما المشقة. وقيل: وُكِلَ البلاء بالولاء حتى لا يُدعى .. فالذى يقول أنا مؤمن .. أنا موحد أنا مجاهد يأتيه البلاء. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٥).

стр. 298

لذلك يأتى الاختبار من الله ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وقال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (٢). ولذلك جعل الله الميزان هو الجهد: قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤).

стр. 299

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١). ويقول ابن القيم ﵀: البلاء لابد له من صبر ... والصبر ثلاثة أنواع بها يكتمل الصبر: • حبس النفس عن التسخط بالمقدور. • حبس اللسان عن الشكوى. • حبس الجوارح عن المعصية (كلطم الخدود، وشق الجيوب، ودعوى الجاهلية). فإذا صبر الإنسان صارت المحنة منحة .. والبلية عطية .. والمكروه محبوب .. فالله ما امتحنه ليهلكه ولكن امتحنه ليختبر صبره وعبوديته فإن لله عبودية فى السراء وله عبودية فى الضراء وله عبودية على العبد فيما يكره كما له عبودية فيما يحب، وأكثر البشر يعطون العبودية فيما يحبون ولكن تتفاوت المنازل عند الله (٢). والابتلاء ... لماذا .. ؟ ١) ليميز الله الخبيث من الطيب: - وقد سئل الإمام الشافعى: يا أبا عبد الله: أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟

стр. 300

- فقال الإمام الشافعى: لا يُمكن حتى يُبتلى فإن الله إبتلى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم (١). ٢) للإختبار: قال تعالي: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (٢) وقال تعالي: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٣) ٣) والله يبتلينا لنرجع إليه بالتوجه والدعاء والذل والمسكنة: " ... اللهم إنى أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتى .. الخ ". والصبر على

стр. 301

محن الدنيا أهون من الصبر على محن النار (١). • فالذى يريد الدين بدون أحوال كالذى يريد العوم والسباحة بدون أن يبتل والذى يريد الملاكمة بدون أحد يلمسه. • الأحوال ليس مقصد ولكن مقصود الأحوال التربية. • الله ربى سيدنا إبراهيم ﵇ فى النار. • الله ربى سيدنا إسماعيل ﵇ فى وادى غير ذى زرعٍ. • الله ربى سيدنا يونس ﵇ فى بطن الحوت. • الله ربى سيدنا موسى ﵇ فى بيت فرعون. • الله ربى سيدنا محمد ﷺ فى شعب أبى طالب، وفى الغار. • والصحابة تربوا فى شعب أبى طالب ثلاث سنوات لأنهم الذين يذهبون إلى كسرى وقيصر والمقوقس والنجاشى والعالم كله ... فالله يُعدَهم للعمليات الخاصة لذلك فالله ما نزل عليهم المن والسلوى وأكلوا ورق الشجر، الله يربى الداعى ويعلمه بنفسه. • فالحكومة تدرب رجال الصاعقة فى الصحراء وتدربهم على أكل الحيات مع أن الحكومة عندها الطعام الشهى وكذلك الفنادق .. حتى يكونوا رجال عند الشدائد. • س: لماذا تأتى الأحوال على الداعي الخارج في سبيل الله ؟ ج: لأنه على طريق الأنبياء ﵇ وكان يصيبهم البلاء والامتحان والذى تأتى عليه الأحوال ويثبت ينزل الله كيفيات القلب التى كانت فى قلب رسول الله ﷺ (٢).

стр. 302

على الداعى أن لا يتأثر من الأحوال: أبو بكر الصديق ﵁ ما تأثر بموت الرسول الكريم ﷺ بل تأثر بالأمر (كيف يعزل أسامة وقد عينه رسول الله ﷺ ) وقال أبو بكر الصديق ﵁ كلمة هى سبب قيام الدين فى العالم إلى يوم القيامة .. أينقص الدين وأنا حى .. هذه الكلمة شعار كل مسلم إن لم تكن فى حياته فهو ليس بمبلغ عن الله ورسوله. واصبر .. إن الذين شرفهم ربهم بشرف القيام بالدعوة إليه عليهم أن يصبروا على إيذاء الناس لهم وعلى مقارعة الناس لهم ولا يكون ذلك إلا بالنظر فى سيرة الأنبياء والمرسلين ﵇ والإقتداء بهم فى مواجهة أقوامهم. فقد قال الله لحبيبه محمد ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ (١). ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢). ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (٣).

стр. 303

﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١). ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ (٢). ولقد أوصى لقمان ﵇ ابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٣). فالصبر من الصفات الأساسية التى لا غنى عنها للداعى ولا سيما إذا قورن الصبر باليقين فلا تنال الإمامة فى الدين إلا بهما قال الله ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٤). فبالصبر يبلغ الإنسان حاجته، وباليقين يأتى الثبات على الأمر. والخلاصة .. أن الصبر نوعان: - اختيارى: (الصبر على الطاعة والدعوة كما مر فى الآيات). - اضطرارى (القدر المر): مثل الصبر على المرض، وعلى ألم الضرب، والجراح، والبرد والحر، وفقد الأولاد.

стр. 304

والصبر الاختيارى أكمل من الاضطرارى، فإن الإضطرارى يشترك فيه الناس برهم وفاجرهم .. مؤمنهم وكافرهم .. (١) واعلم أنه ما وصل من وصل إلى المقامات المحمودة والنهايات الفاضلة إلا على جسر المحنة والابتلاء. كذا المعالى إذا ما رمت تدركها فاعبر إليها على جسرٍ من التعب وقال المتنبي: تُرِيدِينَ إِدْرَاكَ الْمَعَالِي رَخِيصَةً ... وَلا بُدَّ دُونَ الشَّهْدِ مِنْ إِبَرِ النَّحْل *****

стр. 305

صيحة إلى كل داعى ما من قائم يقوم فى مجتمع من هذه المجتمعات البشرية داعياً إلى ترك ضلالة من الضلالات أو بدعة من البدع إلا وقد آذن نفسه بحرب لا تخمد نارها ولا يخبوا أوارها حتى تهلك أو يهلك دونها. فليس موقف الجندى فى معترك الحرب بأحرج من موقف المرشد فى معترك الدعوة وليس سلب الأجسام أرواحها بأقرب منالاً من سلب النفوس غرائزها وميولها .. ولا يضن الإنسان بشئ مما تملك يمينه ضنه بما تنطوى عليه جوانحه من المعتقدات وأنه ليبذل دمه صيانة لعقيدته، ولا يبذل عقيدته صيانة لدمه، وما سالت الدماء ولا تمزقت الأشلاء فى موقف الحروب البشرية من عهد آدم ﵇ إلى اليوم إلا حماية للمذاهب وذوداً عن العقائد. لذلك كان الدعاة فى كل أمة أعدائها وخصومها لأنهم يحاولون أن يرزؤها فى نضائر نفوسها ويفجعونها فى أعلاق قلوبها. الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة وقلوب صابرة على احتمال المصائب والمحن التى يلاقونها فى سبيل الدعوة حتى يبغوا الغاية التى يريدونها أو يموتوا فى طريقها.

стр. 306

فالدعاة الصادقون لا يبالون أن يسميهم الناس خونة .. أو جهلة .. ... أو زنادقة .. أو ملحدين .. أو ضالين .. أو كافرين .. لأن ذلك ما لابد أن يكون .. الدعاة الصادقون يعلمون أن سيدنا محمد ﷺ عاش (١) بين أعدائه ساحراً وكاذباً ومات سيد المرسلين .. وكذلك كل من اتبع نهجه ﷺ .. فالإمام الغزالى .. عاش بالكفر والإلحاد ومات حجة الإسلام .. فهم يحبون أن يكونوا أمثال هؤلاء العظماء أحياءاً وأمواتاً .. سيقول كثير من الناس .. وما يعنى الداعى دعوته فى أمة لا تحسن به ظناً ولا تسمع له قولاً إن يضر نفسه من حيث لا ينفع أمته فيكون أجهل الناس وأحمق الناس ... هذا ما يوسوس به الشيطان للعاجزين الجاهلين وهذا هو الداء الذى ألم بنفوس كثير من العلماء فأمسك ألسنتهم عن قول الحق وحبس نفوسهم عن الانطلاق فى سبيل الهداية والإرشاد فأصبحوا لا عمل لهم يكرروا للناس ما يعلمون ويعيدوا عليهم ما يحفظون فجمدت الأذهان وتبلدت المدارك وأصبحت العقول فى سجن مظلم لا تطلع عليه الشمس ولا ينفذ إليه هواء. الجهل غشاء سميك يغشى العقل .. والعلم نار متأججة تلامس ذلك الغشاء فتحرقه رويداً .. رويداً فلا يزال العقل يتألم لحرارتها مادام الغشاء

стр. 307

بينه وبينها حتى إذا أتت عليه انكشف له الغطاء فرأى النار نوراً والألم لذة وسرورا. لا يستطيع الباطل أن يصرع الحق فى ميدان .. لأن الحق وجود والباطل عدم .. إنما يصرعه جهل العلماء بقوته وبأسهم فى غلبته وإغفالهم النداء به والدعاء إليه. محال أن يهدم بناء الباطل فرد واحد فى عصر واحد وإنما يهدمه أفراد متعددون فى عصور متعددة فيهزه الأول هزاً تباعد ما بين أحجاره ثم ينقض الثانى منه حجراً والثالث آخر وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر. الجهلاء مرضى والعلماء أطباء ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحى فراراً من إزعاج المريض أو خوفاً من صياحه وعويله أو اتقاءاً لسبه وشتمه فإنه سيكون غداً أصدق أصدقائه وأحب الناس إليه. وبعد فقليل أن يكون الداعى فى الأمة الجاهلة حبيباً لها إلا إذا كان خائناً فى دعوته سالكاً سبيل الرياء والمداهنة فى دعوته وقليل أن ينال حظه من إكرامها وإجلالها إلا بعد أن تتجرع مرارة الدواء ثم تشعر بحلاوة الشفاء. الدعاة فى هذه الأمة كثيرون ملء الفضاء وكظت بهم الأرض والسماء ولكن لا يكاد يوجد بينهم داع واحد لأنه لا يوجد بينهم شجاع واحد. أصحاب الصحف وكتاب الرسائل والمؤلفون وخطباء المجامع وخطباء المنابر كلهم يدعون إلى الحق وكلهم يعظون وينصحون ويأمرون بالمعروف

стр. 308

وينهون عن المنكر ولكن لا يوجد بينهم من يستطيع أن يحمل فى سبيل الدعوة ضراً أو يلاقى فى طريقها شراً. رأيت الدعاة فى هذه الأمة أربعة: رجلاً يعرف الحق ويكتمه عجزاً وجبناً فهو ساكت طول حياته لا ينطق بخير ولا شر. رجلاً يعرف الحق وينطق به ولكنه يجهل طريق الحكمة والسياسة فى دعوته فيهجم على النفوس بما يزعجها وينغصها وكان خيراً له لو صنع ما يصنعه الطبيب الماهر الذى يضع الدواء المر فى برشامه ليسهل تناوله وازدراده. ورجلاً لا يعرف حقاً ولا باطلاً فهو يخبط فى دعوته خبط الناقة العشواء فى بيدائها فيدعو إلى الخير والشر والحق والباطل والضار والنافع فى موقف واحد .. فكأنه جواد امرئ القيس الذى يقول فيه .. مكرٍ .. مفرٍ .. مقبلٍ .. مدبرٍ معاً. ورجلاً يعرف الحق ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجد المجتهد وهو أخبث الأربعة وأكثرهم غائلة لأنه صاحب هوى يرى أنه لا يبلغ غايته منه إلا إذا أهلك الأمة فى سبيله فهو عدوها فى ثياب صديقها لأنه يوردها موارد التلف والهلاك بإسم الهداية والإرشاد فليت شعرى من أى واحد من هؤلاء الأربعة تستعيد الأمة رشدها وهداها.

стр. 309

ما أعظم شقاء هذه الأمة وأشد بلائها فقد أصبح دعاتها فى حاجة إلى دعاة ينيرون لهم طريق الدعوة ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال فى سبيلها فليت شعرى متى يتعلمون ثم يرشدون (١)؟ *****

стр. 310

ما هو الترقى .. ؟! قال الله ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١). وعلى الرغم من الرقى والتقدم التكنولوجى فى مظاهر الحياة المختلفة الذى جُعل لخدمة الإنسانية وتحقيق الرفاهية وإسعاد البشرية .. إلا أننا نجد أن الأمراض النفسية بصورها المختلفة قد انتشرت. الأمر الذى يجعل الإنسان لا يستمتع بما وصل إليه. فهل هناك علاقة بين التقدم التكنولوجى والأمراض النفسية .. ؟ وهل هناك علاقة بين هذا التقدم وأمراض العصر التى يشكوا منها العالم أجمع .. ؟

стр. 311

نعم .. هى ضريبة يجب أن يدفعها الإنسان، فالإنسان يبحث عن الفراغ من أجل تحقيق متعته الدنيوية التى ما تلبث أن تذله ويكثر قلقه لأنه ما استغل هذا الفراغ فى طاعة الله الذى بيده سعادة البشرية كلها. والتقدم العلمى يعطى الإنسان الكثير فهذا الكمبيوتر الذى يعطيك فى ثوانى بسيطة ناتج عملية حسابية معقدة كان يمكن أن تبذل فيها جهداً ووقتاً. وهذا الإنترنت .. يجوب بك العالم شرقاً وغرباً .. شماله وجنوبه .. ترى الأحداث فى موقعها .. لحظة وقوعها .. أو للحصول على المعلومة .. أو استشارة طبيب .. أو عقد الصفقات .. أو عقد مؤتمرات ومنتديات .. كم يوفر من الوقت والجهد. وهذه القطعة من الترانزستور مم تتألف وبكم تباع .. توفير فى الوقت والجهد والكسب. ولذا نجد الغرب مع وجود الفراغ والانهماك فى الشهوات والملذات والمتع الدنيوية إلا أنهم ما يشعرون بالسعادة فى الحياة لأنهم فقدوا الحياة الروحية من القلوب. لأن الله يقول ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ

стр. 312

رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (١). وقال الله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). ولذلك .. نجد أحد الأطباء النفسيين يتحدث عن ذلك فيقول .. حضرت إحدى المؤتمرات الخاصة بالصحة النفسية فى مدينة استكهولم بالسويد فوجدت عجباً. مدينة ذات جمال فتان .. حدائق رائعة الجمال .. فحدثتنى نفسى بأنه لو بإمكانى إحضار الآلاف من المرضى النفسيين الذين أتعامل معهم فى بلدى يستشفون بين أحضان هذه الجنان اليانعة ولكن فى نفس الوقت نظرت حولى فلم أجد أحداً ثم علمت فيما بعد أن نسبة الأشغال فى هذه الفيلات الجميلة لا يزيد على واحد ونصف .. أى أن واحدة يسكنها فرد والأخرى يسكنها اثنان وفى نفس الوقت وجدت الأمراض الاجتماعية منتشرة (إيدز – انتحار – فراغ .. ). قابلت أحد سكان هذه المدينة وسألته عن أحواله ... ؟ قال: أنه لا توجد متعة فى هذا المكان نهائياً. قلت: وكيف وأنا أرى متع الدنيا تجمعت فى

стр. 313

هذا المكان .. ؟ فقال: أنا خرجت مع الناس أعمل وأَّكل مما يأكلون وقضيت هناك أمتع ستة أشهر فى حياتى. هذا يوضح ما يعود به الفراغ وتوافر الإمكانيات على الإنسان من الاكتئاب والمشاكل وشبابنا يتمنى الخروج إلى أوروبا وهم هناك غير مستمتعين بما لديهم وذلك لأنهم فقدوا الحياة الدينية الروحية التى هى السبب الوحيد لإسعاد البشرية. الناس يعترضون ويقولون: أنتم تتكلمون فى زمن الرقى والسلاح عن السواك وكذا وكذا .. يعنى من سنة الحبيب المصطفى ﷺ ! فما هو الرقى .. ؟! الناس يترقون فى الحياة أم الممات .. ؟! فى تعمير الدنيا أم فى تخريبها وتدميرها .. ؟! الأسلحة .. ما فائدة وجودها الآن .. ؟! هم ما صنعوا السلاح ليدمروا به الحيوان أو الهوام والحشرات والسباع بل ليدمروا به الإنسان .. تحت مسميات غريبة وعجيبة .. ما أنزل الله بها من سلطان .. ففى الزمن الماضى كان السيف والعصا .. فلو يريدوا قتل إنسان أخذوا وقت طويل لذلك .. ولكن السلاح الحديث يستطاع من خلاله تدمير قبائل ومدن فى وقت بسيط .. وهكذا نجد أعداء الإسلام يصنعون السلاح ويريدون بيعه، فيوقعوا بين الدول ثم تنشب الحرب بينهم فيبيعوا

стр. 314

لهم السلاح، وعندما ينفذ سلاحهم يذهبون إليهم ويقولون لهم أنتم ما عندكم عقل .. تعالوا وتصالحوا .. وبالحرب هذه كم من الناس يموتون ويشردون .. ؟! ولما سُئل الشيخ يوسف ﵀ وهو يتكلم عن السنة وعظمتها .. فقيل له: تتكلم عن السواك والسنة والناس قد وصلوا للقمر .. ؟! فقال الشيخ ﵀ (: هم صعدوا على القمر وتعرفوا على القمر ولم يتعرفوا على خالق القمر، فمخلوق تعرف على مخلوق لا يعنى شئ، كما أن الصفر + الصفر = صفر .. والعصفور على الأرض عصفور، ولو صعد على الشجرة فهو عصفور، ولو صعد على الجبل فهو عصفور، فالكافر على الأرض كافر وعلى القمر كافر .. وهؤلاء الذين وصلوا إلى القمر قالوا رأينا الدنيا مثل الكرة فكيف يقتتلون عليها وهى حقيرة، ونحن سعادتنا بأن نبينا وحبيبنا محمد ﷺ أخبرنا قبل أربعة عشر قرناً من الزمان أن الدنيا لا تساوى جناح بعوضة ومن شرف نبينا ﷺ أنه صعد إلى السماء الأولى ثم الثانية .. وهكذا حتى السابعة حتى سدرة المنتهى .. ورأى الجنة والنار ولم ينزل على القمر ولا الشمس هذه الكواكب السيارة مثل الطرق المتشعبة والنبى ﷺ وهو على الأرض فقط بإشارته .. بإصبعه إلى القمر انشق نصفين، فالوصول إلى القمر لا يساوى شئ أمام الإشارة بالإصبع، والذين وصلوا إلى القمر قالوا نحن رأينا هذا الشق فى القمر.

стр. 315

وفى زمن الصحابة ﵃ لم يكن يستطيع أحد أن يفكر فى الوصول إلى القمر حيث كانت وسيلة الانتقال الجمل ولكن القرآن أخبر .. ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ * فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) (٢). وماذا عن الذين وصلوا إلى القمر؟! عندما وصلوا إلى الأرض أحدهم جُن عقله وطلق إمرأته والآخر وضعوه فى غرفة لأنه جاء بجراثيم من القمر. إذن .. الترقى: هو ما كان عليه الصحابة الكرام ﵃، كانت الملائكة تنزل عليهم، والرياح، والبحار، والنيران ... تسخر لهم، وبحركتهم كانت تتحرك العوالم، فترقى الإنسان ليس فى الأشياء، بل فى حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قد يقول قائل: هم كانوا صحابة!! فماذا نفعل .. ؟! بل نقول كانوا عبدة الأحجار والأصنام ولما أصبحوا على طريق النبى ﷺ فازوا لأنهم عزموا وصدقوا. الله يريد من الإنسان كما استعمل عقله فى أموره الدنيوية كان ينبغى عليه أن يستعمله فى أموره الدينية فينظر إلى ما حوله فيجد كل ما حوله

стр. 316

عبيد مربوبون وعباد مقهورون، ليس على وجه الأرض من يملك لنفسه منهم نفعاً ولا ضراً ولا حياة ولا نشورا، بل ولا فى السماء من أجرامها العظام وطبقاتها المتناهية فى السعة ما يضر أو ينفع بذاته فيحكم بأنه ليس فوقه فى هذا العالم أجمع إلا الله وما عاداه آثار رحمته وأسباب وضعها سبحانه أظهرها لمن أحبه فمن أهمل هذا العقل وقلد غيره تقليداً أعمى من غير حجة ولا برهان كان أضل من الأنعام وقد استوجب عقاب الله لأن العقول التى تبحث وتخترع الآلات والأدوات التى تغير بها وجه الأرض ولم تبحث فيما أودعه الله فى تلك الكائنات من الدلائل على وحدانيته من الآيات الدالة على قدرته وحكمته وعلى تفرده بالألوهية والربوبية، فكانت تلك العقول أدنى من عقول أخس الحيوانات، لأن من الحيوانات والطيور من هُدى بالفطرة ما يدرك به جلب المنافع ودفع المضار بقدرة، فمنها ما يصنع له الحجرات فى بطن الأرض وفى المغارات وفى كهوف الجبال ومنها ما يصنع له القصور العاليات فوق الأشجار ومنها ما يقود الجيوش لحرب أخصامه كالقردة فى جزيرة مدغشقر ومنها ما يصنع النفق بين البر والبحر ومنها ما يتعاون على جلب ضرورياته ويصنع له بيوتاً هندسية بحجرات مسدسة يعجز عن إتقانها أمهر المهندسين وغير ذلك من أنواع تربية الإناث لأولادهن .. فمن الحيوانات ما يخرج أولاده من بطنه ويضعه فى كيس تحت بطنه ليتم حمله، وبعضها تلد فيفر المولود من أمه بسرعة يكون فيها أسرع من

стр. 317

الريح المرسلة وأمه تجرى وراءه لتنظفه بلسانها، ولسانها كالشوك لو لمسته لقتلته فينجو منها بعدوة، ومنها ما يلد خارج البحر ثم يرجع إلى البحر فيربى أولاده بالنظر إليها .. وسبحان الله القادر الكريم .. ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (١). هذا ما فطرت عليه الأنواع الحية السافلة فيكون ما فطر عليه الإنسان أرقى من هذا بحسب ضرورياته ولا يحكم على الإنسان أنه عاقل حتى يدرك عقله ما هو ظاهر فى الكائنات من الآيات القائمة على وحدانية الله فإذا لم يدرك هذا حكم على نفسه بأنه أخس من البهائم لأنهم لا يعقلون إلا بالعقل المكتسب الذى دعت إليه الضرورة ثم أنها تعمل ما يُعجز الإنسان. وهنا أشير إلى أن .. عالم النبات أكمل وأعظم فى نيل ضرورياته من الإنسان، فإنك ترى فى النباتات الصغيرة أنها تتحول إلى الشمس عند شروقها وتدور معها إلى غروبها وترى الأشجار الضخمة أول فرع منها يتجه حيث شروق الشمس والفرع الثانى إلى غروبها حتى لا يضر أخاه بظله، والفرع الثالث يرتفع إلى أعلى، وكل ذلك لتتمتع الشجرة بحرارة الشمس ونورها وكل نبات يكون فى ظل يمتد رأسه ناحية الشمس. ولذلك فإنك ترى بعض النخيل إذا كان بجانب نخلة تحجب عنه يميل شرقاً أو غرباً وترى فى الشجرة الواحدة أزهاراً إناثاً فيلقح بعضه بعضا.

стр. 318

من هنا يتضح .. أن ما بلغ إليه الإنسان مما يقولون عليه مدنية واختراعاً وتفوقاً، كل ذلك مفطور عليه الإنسان كما فطرت عليه الحيوانات والنباتات ولذلك يقول الله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١) .. نفى الله عنهم العقل الذى يعقل عن الله مع أن الإنسان من لدن آدم وهو آخذ فى الرقى حتى أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها لجهلهم بأنفسهم وبربهم أنهم قادرون عليها .. والحقيقة أنهم ما عقلوا شيئاً لأن الذى عقلوه من الصناعات والفنون والزخارف والعلوم المتعلقة بظاهر الحياة الدنيا لا تخرج محصلتها عن أنه نوع من أنواع البهائم الراقية كالقردة والنسانيس والنمل والنحل والخيل والطيور الرحالة والعاقل من عقل عن الله أمره ونهيه (٢). *****

стр. 319

قطوف من بستان الدعوة إلى الله الدين .. ! قال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ (١). وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢). ... يطلق لفظ الدين على العادة والشأن وهو نظام الحياة (٣) .. (وهذا فى اللغة) .. أما فى الاصطلاح الإسلامى .. وضع إلهى شرعى لإسعاد البشرية فى معاشهم ومعادهم أى فى حياتهم فى الدنيا والآخرة. يقول الله ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى

стр. 320

* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (١). وقال الله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). وعن مفهوم الدين يقول الشيخ طه عبد الستار (٣): الدين: هو امتثال الأمر مع النفع أو الضر مع الحب والكراهية. ولكن الإنسان إذا جاءه الضر يأتى التردد والريب .. فإبراهيم ﵇ عندما أمره ربه أن يترك هاجر بوادٍ غير ذى زرعٍ .. إذا حكَّم عقله ما فعل ولكنه امتثل الأمر دون تفكير ودون تردد .. وكذلك عندما أمره بذبح ولده إسماعيل ﵇، ما تردد .. وكذلك إسماعيل ﵇ حينما عرض عليه أبيه الرؤيا ما حكم عقله وما تردد، وقال لأبيه علي الفور، كما قال تعالي: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤).
следующие страницы →