وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد فى سبعة من الأنصار ورجلين فى قريش فلما رهقوه، قال: من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقى فى الجنة. فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتل وتقدم آخر حتى قُتل فلم يزل كذلك حتى قُتل السبعة فقال لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا. رواه مسلم (١).
وعن أنس ﵁ قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن رسول الله ﷺ وأبو طلحة بين يدى رسول الله ﷺ يجوب عنه بجحفة معه وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثة وكان الرجل يمر بالجعبة فيها النبل فينثرها لأبى طلحة ويشرف نبى الله فينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة: يا نبى الله، بأبى أنت وأمى لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم، نحرى دون نحرك. متفق عليه (٢).
وفى رواية أنه ثبت بين يديه ثلاثون رجلاً منهم أبو بكر وعمر وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وأبو عبيدة ... بن الجراح وسبعة من الأنصار الحُباب بن المنذر وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن الصُمة وسهل بن ضيف وسعد بن معاذ وقيل سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة.
стр. 492
وقيل ثبت بين يديه ثلاثون رجلاً كلهم يقول: وجهى دون وجهك .. ونفسى دون نفسك .. وعليك السلام غير مودع (١).
وعن أبى بكر بن أبى موسى الأشعرى قال سمعت أبى ﵁ وهو بحضرة العدو يقول قال رسول الله ﷺ : إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف. فقام رجل رث الهيئة، فقال: يا أبا موسى .. أنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا .. ؟ قال: نعم. فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام. ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب حتى قتل. رواه مسلم (٢).
وعن خارجه بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: بعثنى النبى ﷺ يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال لى: إن رأيته فاقرأه منى السلام وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ كيف تجدك .. ؟ فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته وهو فى آخر رمق وبه سبعون ضربة. فقلت: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول لك خبرنى كيف تجدك .. ؟ قال: على رسول الله ﷺ السلام وعليك. قل له يا رسول الله: أجدُ ريح الجنة. وقل لقوم الأنصار لا عُذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم شفر يطرف وفاضت نفسه (٣).
وعن أنس ﵁ قال: غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر. فقال: غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن الله أشهدنى قتال المشركين ليرين
стр. 493
الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء – يعنى أصحابه – وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء – يعنى المشركين – ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ. فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إنى أجد ريحها من دون أحد .. واهاً لريح الجنة، فقال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل ومثل به المشركين فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفى أشباهه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (١) متفق عليه (٢).
وفى رواية لما: أنتهى أنس بن النضر إلى عمر وطلحة ورجال ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم .. ؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ . قال: فما تصنعون بالحياة بعده فقوموا موتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل (٣).
стр. 494
وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد وهم خلاد ومعوذ ومعاذ وأبو أيمن فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه قالوا: إن الله قد عذرك فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن بنى يريدون أن يحبسونى عن هذا الوجه وللخروج معك فيه، فو الله إنى لأرجوا أن أطأ بعرجتى هذه فى الجنة فقال له رسول الله ﷺ : أما أنت فقد عذرك الله تعالى، فلا جهاد عليك وقال لبنيه: ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة. فخرج وهو يقول مستقبل القبلة .. اللهم لا تردنى إلى أهلى خائباً، فقتل شهيداً ..
وروى الإمام أحمد عن قتادة بن الحارث بن ربعى الأنصارى قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت فى سبيل الله حتى أُقتل. أمشى برجلى هذه صحيحة فى الجنة - وكانت رجله عرجاء - فقال رسول الله ﷺ نعم. فقتلوه يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم فمر عليه رسول الله ﷺ فقال: كأنى أنظر إليك تمشى برجلك هذه صحيحة فى الجنة فأمر بهم رسول الله ﷺ فجعلوا فى قبر واحد (١).
وعندما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر لأخذ العير ووجد أن أبا سفيان قد نجا بالقافلة وأتى خبر مسير قريش فاستشار الناس فتكلم المهاجرون فأحسنوا ثم استشارهم. وفى رواية فقام أبو بكر فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ثم قام المقداد بن الاسود فقال: يا رسول الله أمضِ
стр. 495
لما أمرك الله فنحن معك والله ما نقول لك كما قال قوم موسى لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (١) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إن معكما مقاتلون (٢). عن يمينك وعن شملك وبين يديك ومن خلفك والذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه فأشرق وجه رسول الله ﷺ وقال له خيراً ودعا له.
وذكر موسى بن عقبة وابن عائذ، أن عمر قال يا رسول الله ﷺ إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت ولا آمنت منذ كفرت والله لتقابلنك فأهب لذلك أهبته. وأعد لذلك عُدته ثم استشارهم ثالثاً ففهمت الأنصار أنه يعنيهم وذلك أنهم عدد الناس فقام سعد بن معاذ ﵁ وجزاه الله خيراً فقال: يارسول الله ﷺ كأنك تعرض بنا قال: أجل وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود فى ديارهم فاستشارهم ليعلم ما عندهم فقال سعد: يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامضِ لما أردت ولعلك يا رسول الله تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها ألا ينصروك إلا فى ديارهم وإنى أقول عن الأنصار وأجيب عنهم:
стр. 496
فاظعن حيث شئت ... وصل حبال من شئت ... واقطع حبال من شئت ... وخذ من أموالنا ما شئت ... وأعطنا ما شئت ... وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت ... وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لرأيك ... فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان. وفى رواية برك الغماد من ذى يمن لنسيرن معك.
والله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجلٌ واحد .. وما نكره أن نلقى عدونا غداً .. وإنا لصبرٌ فى الحرب .. صُدق فى اللقاء .. لعل الله يُريك منا ما تقر به عينك .. ولعلك خرجت لأمر فأحدث الله غيره فسربنا على بركة الله فنحن عن يمينك وشمالك وبين يديك وخلفك ولا نكون كالذين قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (١) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما متبعون. فأشرق وجه رسول الله ﷺ وسر بقول سعد فقال رسول الله ﷺ سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله وعدنى إحدى الطائفتين والله لكأنى أنظر الآن إلى مصارع القوم (٢).
وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: لما حكم سعد بن معاذ فى بنى قريظة أن يقتل من جرت عليه المواسى قال رسول الله ﷺ : لقد حكم فيهم بحكم الله الذى حكم به من فوق سبع سماوات.
стр. 497
وأخرج ابن سعد عن عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله ﷺ استيقظ فجاءه جبريل أو قال ملك فقال من رجل مات من أمتك الليلة استبشر بموته أهل السماء قال: لا أعلمه. إلا أن سعد بن معاذ أمس دنفاً ما فعل سعد .. ؟ قالوا: يا رسول الله ﷺ .. قبض وجاء قومه فاحتملوه إلى دارهم فصلى رسول الله ﷺ بالناس الصبح ثم خرج وخرج الناس مشياً حتى إن شسوع نعالهم تقطع من أرجلهم وإن أرديتهم لتسقط من عواتقهم فقال قائل: يا رسول الله ﷺ قد بتت الناس مشياً قال: أخشى أن تسبقنا إليه الملائكة كما
سبقتنا إلى حنظله. وفى رواية .. من مات من أمتك قد إهتز له عرش الرحمن فرحاً بقدوم روحه. وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ اهتز عرش الله لموت سعد بن معاذ (١).
وعن أبى بريدة عن أبيه قال بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلة (حلالاً) إذ قمت حتى آتى رسول الله ﷺ فأُسلم عليه قد نزل تحريم الخمر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢).
стр. 498
قال وبعض القوم شربته فى يده قد شرب بعضها وبقى بعضاً فى الإناء فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ثم صبوا ما فى باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا .. انتهينا ربنا (١)(٢).
وأخرج عبد بن حميد عن رجل من بني سليم قال: جاورت أبا ذر بالربذة، وله فيها قطيع إبل. له فيها راع ضعيف فقلت: يا أبا ذر ألا أكون لك صاحبا أكنف راعيك، وأقتبس منك بعض ما عندك، لعل الله أن ينفعني به؟ فقال أبو ذر: إن صاحبي من أطاعني، فإما أنت مطيعي فأنت لي صاحب وإلا فلا. قلت: ما الذي تسألني فيه الطاعة؟ قال: لا أدعوك بشيء من مالي إلا توخيت أفضله.
قال: فلبثت معه ما شاء الله، ثم ذكر له في الماء حاجة فقال: ائتني ببعير من الإبل، فتصفحت الإبل فإذا أفضلها فحلها ذلول، فهممت بأخذه ثم ذكرت حاجتهم إليه فتركته، وأخذت ناقة ليس في الإبل بعد الفحل أفضل منها، فجئت بها فحانت منه نظرة فقال: يا أخا بني سليم خنتني. فلما فهمتها منه خليت سبيل الناقة ورجعت إلى الإبل، فأخذت الفحل فجئت به فقال لجلسائه: من رجلان يحتسبان عملهما؟ قال رجلان: نحن. . . قال: أما لا فأنيخاه، ثم اعقلاه، ثم انحراه، ثم عدوا بيوت الماء فجزئوا لحمه على عددهم، واجعلوا بيت أبي ذر بيتا منها ففعلوا.
стр. 499
فلما فرق اللحم دعاني فقال: ما أدري أحفظت وصيتي فظهرت بها، أم نسيت فأعذرك؟ قلت: ما نسيت وصيتك ولكن لما تصفحت الإبل وجدت فحلها أفضلها، فهممت بأخذه فذكرت حاجتكم إليه فتركته فقال: ما تركته إلا لحاجتي إليه؟ قلت: ما تركته إلا لذلك قال: أفلا أخبرك بيوم حاجتي؟ إن يوم حاجتي يوم أوضع في حفرتي، فذلك يوم حاجتي. إن في المال ثلاثة شركاء: القدر لا ينتظر أن يذهب بخيرها أو شرها، والوارث ينتظر متى تضع رأسك ثم يستفيئها وأنت ذميم، وأنت الثالث فإن استطعت أن لا تكونن أعجز الثلاثة فلا تكونن مع أن الله يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١)
وإن هذا المال مما أحب من مالي فأحببت أن أقدمه لنفسي. (٢).
وفى القادسية أرسل سعد بن أبى وقاص ربعى بن عامر ﵃ إلى رستم قائد الفرس فزينوا له المجلس وبسطوا البسط والنمارق ولم يتركوا شيئاً ووضع لرستم سرير الذهب وألبس زينته فى الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب وأقبل ربعى على فرس قصيرة، ومعه سيف له، وغمده لفافة ثوب خلق، ومعه قوسه ونبله، فلما غشى الملك وانتهى إليه وإلى أدنى البسط قيل له: انزل فحملها على البساط فلما استوت عليه نزل عنها وربطها
стр. 500
بوسادتين فشقها ثم أدخل الحبل فيهما فلم يستطيعوا أن ينهوه وإنما أروه التهاون وعرفوا ما أرادوا.
فأراد استخراجهم وعليه درع له كأنها إضاة وعباءة بعير قد جابها وتدرعها وشدها على وسطه بسلب وقد شد رأسه بمعجرته وكان أكثر العرب شعره ومعجرته نسعة بعير ولرأسه أربع ضفائر قد قمن قياماً كأنهن قرون الوعلة فقالوا: ضع سلاحك فقال إنى لم آتكم فأضع سلاحى بأمركم. أنتم دعوتمونى فإن أبيتم أن آتيكم إلا كما أريد وإلا رجعت فأخبروا رستم فقال: ائذنوا له. هل هو إلا رجل واحد فأقبل يتوكأ على رمحه وزجه نصل يقارب الخطو ويزج النمارق والبسط فما ترك لهم نمرقه ولا بساط إلا أفسده وتركه منتهكاً مخرقاً فلما دنا من رستم تعلق به الحرس وجلس على الأرض وركز رمحه بالبسط فقالوا: ما حملك على هذا .. ؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه. فكلمه فقال: ما جاء بكم .. ؟ قال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
فقاال رستم: ويحكم لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأى والكلام والسيرة إن العرب تستخف باللباس والمأكل ويصونون الأحساب .. الخ (١).
وأخرج جرير فى تاريخه عن أبى عبدة العنبرى قال: لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب
стр. 501
الأقباض فقال الذين معه: ما رأينا مثل هذا قط ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه فقالوا من أنت .. ؟ فقال: لا والله! لا أخبركم لتحمدونى ولا غيركم ليقرظونى ولكنى أحمد الله وأرضى بثوابه فأتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد القيس (١).
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فعرض سعد على عبد الرحمن أن يناصفة أهله وماله.
قال سعد: أنا أكثر أهل المدينة مالاً فأقسم لى نصف مالى وانظر أى زوجتى هويت نزلت لك عنها فإذا حلت تزوجتها.
فقال عبد الرحمن: بارك الله لك فى أهلك ومالك .. دلونى على السوق فاشترى وباع (٢).
وقال حذيفة العدوى: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لى ومعى شئ من ماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه فإذا أنا به فقلت: أسقيك؟ فأشار إلىَّ أن نعم، فإذا رجل يقول: آه فأشار ابن عمى إلىَّ أن انطلق به إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فسمع به آخر فقال: آه. فأشار هشام انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى
стр. 502
هشام فإذا هو قد مات فرجعت إلى ابن عمى فإذا هو قد مات .. رحمة الله عليهم أجمعين (١).
وقيل أن ذلك حدث أيضاً مع كل من عكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام .. أنهم أتوا بماء وهم صرعى فتدافعوا حتى ماتوا ولم يذوقوه (٢).
ومن أمثلة الصدق ..
وجاء رجل من الأعراب إلى النبى ﷺ فآمن به واتبعه فقال أهاجر معك فأوصى به بعض أصحابه فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله ﷺ شيئاً فقسمه له وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا .. ؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله ﷺ فأخذه فجاء إلى النبى ﷺ فقال: ما هذا ... يا رسول الله ﷺ .. ؟ قال: قسم قسمته لك. قال: ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أُرمى ههنا – وأشار إلى حلقه – بسهم، فأموت فأدخل الجنة. فقال: إن تصدق الله يصدقك ثم نهضوا إلى قتال العدو فأتى به إلى رسول الله ﷺ وهو مقتول. فقال: أهو هو .. ؟ قالوا: نعم. قال صدق الله فصدقه، فكفنه النبى ﷺ فى جبته ثم قدمه فصلى عليه وكان من دعائه له: اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً فى سبيلك قتل شهيداً وأنا عليه شهيد (٣).
стр. 503
هؤلاء هم الرجال .. العظماء .. الذين صنعهم النبى ﷺ فى مدرسة الدعوة إلى الله فى بيت الأرقم بن أبى الأرقم فى مكة المكرمة ثم فى مسجد النبى ﷺ فى المدينة المنورة .. فأخرج رجالاً أدهشوا تاريخ العالم لأنهم صُنعوا على عين رسول الله ﷺ فضربوا أروع الأمثلة فى:
فى حب الله ورسوله ﷺ ...
فى بذل النفوس والأرواح ...
فى العطاء والإيثار ...
فى الطاعة والانقياد ...
فى الاستخفاف بزخارف الدنيا الزائفة وحطامها الفانى ...
فى العفة والأمانة ...
فى الزهد فى الدنيا والإقبال على الآخرة.
فى الإخلاص ...
فى الصدق ...
وهكذا كان شأن الذين احتضنوا الدعوة إلى الله من هذه الأمة المباركة فقد كان لكل منهم نصيب من متاعب الجهاد وخسائر النفوس والأموال أعظم من نصيب أى أمة فى العالم وقد خاطبهم الله بقوله ... ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ
стр. 504
إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
وقال المولى ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٢).
لأن سعادة البشرية كانت تتوقف على ما يقدمونه من تضحية وإيثار وما يتحملون من خسائر ونكبات فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٣).
وقال ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (٤).
لأن إحجام العرب عن هذه المكرمة وقد ردهم بسبب امتداد الشقاء للإنسانية واستمرار الأوضاع السيئة فى العالم .. فقال ﴿إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٥).
стр. 505
فتضحية شباب العرب قنطرة لسعادة البشرية .. فالعالم لا يسعد .. وخيرة الشباب فى العواصم العربية عاكفون على شهواتهم ومدار حياتهم حول المادة والملذات لا يفكرون فى غيرهما ولا يترفعون عن الجهاد فى سبيلهما.
إن العالم لا يمكن أن يصل إلى السعادة إلا على قنطرة من جهاد ومتاعب يقدمها الشباب المسلم ومصاعب يواجهها ويتغلب عليها ..
إن الأرض لهى فى أشد الحاجة إلى سماد .. وسماد أرض البشرية الذى تصلح به وتنبت زرع الإسلام الكريم هى الشهوات والمطامع المغرية التى يضحى بها الشباب العربى فى سبيل علو الإسلام وبسط الأمن والسلام على العالم وانتقال الناس من الطرق المؤدية إلى جنهم والعياذ بالله إلى الطريق المؤدية إلى الجنة وإنه لثمن قليل جداً لسلعة غالية جداً (١).
عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .. من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة (٢).
*****
стр. 506
الدعوة إلى الله
من البداية إلى النهاية ..
أيها السادة المسلمون أنتم شامة بين الناس لا لأنكم تمتازون عن زملائكم في الشارة واللباس، بل لأنكم تمثلون تلك الأمة العظمية التى كانت ولا تزال شامة بين الأمم.
حال العالم قبل ظهور الأمة المحمدية:
كان العالم قبل ثلاثة عشر قرناً سائراً سيره الطبيعى ... لا ينكر من أمره شئ، فكانت القرى والمدن عامرة بالسكان، وكانت العواصم الكبرى زاخرة العمران، شامخة البنيان، وكانت الحرف البشرية ووجوه المعاش فى ازدهار وانتشار، كانت الزراعة، وكانت التجارة، وكانت الصناعة، فبينما كانت سكة الفلاح فى شغل ونشاط، كانت القوافل التجارية غادية رائحة بين الشرق والغرب، وكانت الأسواق مشحونة بالمتاجر والبضائع وكان الصانعون مكبين على أعمالهم، وكانت الحكومات والإمارات والدول غنية بأموالها ورجالها لكل وظيفة رجل كفؤ بل رجال أكفاء وكان على وجه
стр. 507
الأرض من كل نوع من البشر وكل لون من الحياة وكل مظهر من مظاهر المدنية، لا يرى فى الحياة الإنسانية المادية عوزاً وفراغ ولم تكن فى المدنية وظيفة شاغرة يترشح لها مترشح جديد، وكانت كأس الحياة مترعة فائضة لا تطلب المزيد.
ظهور الأمة المحمدية:
فى هذه الحال ظهرت أمة فى جزيرة العرب ووجد نوع جديد من البشر، وكأنى بالأمم المعاصرة وهى تتساءل: أى داع إلى ظهور أمة جديدة والأمم على وجه الأرض كثيرة منتشرة وما شغل هذه الأمة الحديثة وما مهمتها فى العالم .. ؟!
هل بعثت الأمة للزراعة؟
إذا كانت هذه الأمة إنما بعثت للزراعة وعمارة الأرض فقد كان فى فلاحى الطائف وأكارى مدينة يثرب، وزراع وادى الفرات والنيل وربوع كنكا وجمنا غنى عن أمة زراعية جديدة فقد أصبحت أراضى هؤلاء الفلاحين وبلادهم جنة تدر لبناً وعسلا، وإذا كان المسلمون إنما بعثوا ليشتغلوا بالزراعة فقط فلماذا لم يبعثوا فى العراق والشام وفى مصر والهند مثلاً وهى بلاد مخصبة زراعية ولماذا كان مبعثهم فى وادٍ غير ذى زرعٍ؟
وهل بعثت الأمة للتجارة ؟
стр. 508
وإذا كانت هذه الأمة إنما بعثت للتجارة فقد كان فى يهود يثرب وفى أنباط الشام وفى أقباط مصر وتجار السند كفاية، فقد أحكموا فن التجارة وانتشروا فى العالم، وإذا كانوا قد بعثوا ليشتغلوا بالتجارة حقاً، فلماذا لم يبعثوا على طريق القوافل التجارية وبالقرب من أسواق التجارة الكبرى؟
وهل بعثت الأمة للصناعة ؟
وإذا كانت هذه الأمة إنما بعثت للصناعة وأعمال اليد فقد كان فى قيون البلاد المتمدنة وأصحاب الصنائع والحرف - وإنهم لكثير - غنى وكفاية .. !!
وهل بعثت الأمة لتنضم إلى الحكومات ؟
وإذا كانت هذه الأمة بعثت لتنضم إلى الحكومات الرومية والإيرانية وتشغل أفرادها وظائف هذه الحكومات ومناصبها، فقد كان فى أهل الشام وفارس غنى وكفاية فى الإدارة ويزاحمون الأجانب بالمناكب ويدفعونهم بالراح.
وهل بعثت الأمة للتوسع في الشهوات والملذات ؟
وإذا كانت هذه الأمة إنما بعثت لعيش هنيئ، ومطعم شهى، ومشرب مرئ، وملبس رضى ومسكن بهي لا لشئ آخر، وإنما مناها وهمها أن تلقى لبوساً ومطعماً لم تكن بدعاً من الأمم، وكانت منافسة لنا فحق لنا أن نقاتلها ونذودها عن مناهلنا وقد ضاقت بنا مواردنا فكيف تسع أمة جديدة؟
стр. 509
* وهل تريد ملكا ؟
وإذا كانت هذه الأمة إنما تحاول ملكاً أو تريد أن تؤسس دولة فيجب أن تصرح بذلك ولا تتظاهر بالدين وتتخذ لذلك طريق الملوك والفاتحين.
وإن الطريق إلى كل ذلك .. من زراعة وتجارة وصناعة ووظيفة وحياة بذخ وترف وملك وشرف غير الطريق التى سلكتها هذه الأمة الجديدة التى سفهت أحلامنا وعابت آلهتنا ونعت علي عقائدنا وأخلاقنا وأعمالنا ودعت إلى دين جديد وسارت فى سبيل ذلك فى شوكة وقتاد وجاهدت فى غير جهاد، فقد كان الطريق إلى كل ذلك مسلوكة معبدة قد سلكتها الأمم من قبل.
هذا يا سادتى ما أظنه قد تناجى به ضمير الإنسان الحى فى فجر الإسلام، ولا ألومه، ولا أستغرب هذا السؤال، فإن هذا السؤال طبيعى ينبغى أن يهجس فى قلب الإنسان وينطق به اللسان عند كل ناشئة، فلماذا لا ينشأ هذا السؤال عند ظهور أمة بأسرها .. ؟
ما هو الجواب .. ؟ إذا كان الجواب فى الإثبات وإذا كان مبعث هذه الأمة فى الحقيقة لشئ مما ذكرنا، ولم تكن لهذه الأمة مهمة جديدة فى العالم ورسالة خاصة إلى الأمم كانت هذه الأمة حقاً من فضول الأمم ومن المتطفلين على مائدة العالم .. !!
ولكن لم يكن مبعثها لهذا ولا ذاك، والأمم والأشخاص لا يبعثون لشئ من هذا وإنما هى من طبائع البشر لا تحتاج إلى نبوة النبى وبعثة أمة وجهاد
стр. 510
طويل وزلزال عالمى لم يسبق فى التاريخ، زلزال فى المعتقد والأخلاق والمجتمع والميول والنزعات وفى نظام الفكر ومنهاج الحياة.
لقد بعثت الأمة لغرض سام جداً .
لقد كان مبعثها لغرض سامٍ جداً، لمهمة غريبة طال عهد الإنسانية بها وتشاغلت أمم الأنبياء عنها حتى نسيتها وذلك ما خاطب به الله هذه الأمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) فنبه على أن هذه الأمة ليست نابتة نبتت فى الأرض كأشجار برية أو حشائش شيطانية بل أنها أمة أخرجت ولأمر ما أخرجت، وإنما لم تظهر لمصلحتها فقط كسائر الأمم بل أنها أخرجت للناس، وذلك ما تمتاز به هذه الأمة فى التاريخ فما من أمة إلا وهى تسعى لأغراضها كأنما خلقت لها، وهى خير أمة أخرجت للناس وذلك يرجع إلى شغلها ومهمتها وهى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان بالله.
في أي مكان ظهرت هذه الأمة ؟
ظهرت نواة هذه الأمة فى مكة فى قلب جزيرة العرب.
стр. 511
مجابهه قريش لها:
فقام العقلاء من قريش وهم الآخذون بزمام الحياة فى البلاد - ونثروا كنانتهم وقاسوا الناشئة الجديدة بمقاييسهم التى عرفوها وألفوها ووزنوها فى ميزان الإنسان الذي طالما وزنوا فيه أصحاب الطموح فوجدهم خفيفة الوزن طائشة الكفة وذهبوا إلى إمام الدعوة الإسلامية وأول المسلمين فى العالم ﷺ فقال قائلهم " إنك قد أتيت قومك بأمرٍ عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع منى أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها.
قال فقال له رسول الله ﷺ قل يا أبا الوليد أسمع.
قال يا ابن أخى إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا.
استمع رسول الله ﷺ لكل ذلك فى هدوء وتأنٍ، ثم رفضه فى غير شك ولا تأخير، ولم يكن هذا العرض من قريش على شخص الرسول ﷺ بل كان على هذه الأمة التى كان يمثلها ويقودها، ولم يكن رفض رسول الله ﷺ لما عرضت قريش رفضاً عن نفسه الكريمة فقط بل كان رفضاً عن أمته إلى آخر الأبد.
стр. 512
اقتنعت قريش بهذه المحاورة ويئست من مساومة هذه الأمة ولم تعد تعرض على الرسول ﷺ مباشرة وعلى هذه الأمة بواسطة ما عرضت من قبل وقطعت منها أملها.
وكان بعد ذلك صراع مستمر ونزاع طويل ولم يكن نزاعاً فى أغراض المادة، وشهوات البطن والاستئثار بموارد الرزق والتغلب على الأسواق بل كان نزاعاً بين الإسلام والجاهلية بمعنى الكلمتين نزاعاً بين حياة العبودية والانقياد لله ولرسوله ﷺ ، وبين الحياة الحرة المطلقة التى لا تعرف قيداً ولا تخشى معاداً ولا حساباً.
* غزوة بدر وبيان مهمة الأمة:
وكان فى نتيجة ذلك معركة بدر الحاسمة، وقد قاد النبى الكريم ﷺ إلى ساحة القتال جيشاً لا يزيد عدد المقاتلين فيه على ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً والجيش المنافس فيه ألف، وكان النبى ﷺ يعلم يقيناً أن لو وكل المسلمون إلى أنفسهم وقوتهم المادية لكانت النتيجة معلومة واضحة، نتيجة كل قليل ضعيف أمام قوى كثير العدد.
فزع الرسول الكريم ﷺ إلى الله فى إنابة نبى وإلحاح عبد ودعاء مضطر وشفع لهذه العصابة فى كلمات صريحة واضحة نيرة خالدة هى خير تعريف لهذه الأمة وبيان لمهمتها وغرضها الذى خلقت له.
стр. 513
لم يقل رسول الله ﷺ لو هلكت هذه العصابة وكانت فريسة للعدو أقفرت المدينة وأوحشت أسواقها وكسدت التجارة، وبطلت الزراعة أو تعطل شغل من أشغال الحياة ... أو وقفت إدارة الحكومات، لم يقل رسول الله ﷺ شيئاً من ذلك لأن شيئاً منها لم يتوقف على المسلمين ولم يقم بهم بل كان قبل وجود المسلمين ولا يزال فى غنى عنهم.
ولكن الرسول الكريم ﷺ ذكر شيئاً بعث المسلمون لأجله وقام بالمسلمين وحدهم فقال " اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد .. "
شرط بقاء الأمة:
أجاب الله دعاء النبى الكريم ﷺ وقضى بانتصار المسلمين على عدوهم وبقائهم، فكأنما كان بقاء المسلمين مشروطاً بقيام حياة العبودية بهم وقيامهم بها، فلو انقطعت الصلة بينهم وبين العبادة ورواجها وازدهارها فى العالم انقطعت الصلة بينهم وبين الحياة ولم يبق على الله لهم حق وذمة، وأصبحوا كسائر الأمم خاضعين لنواميس الحياة وسنن الكون بل كانوا أشد جريمة وأقل قيمة من الأمم الأخرى إذ لم يشترط لبقائها وحياتها مثل ما اشترط لهم وكان كما أخبر الله ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ (١).
стр. 514
وقد حافظ المسلمون على هذا الشرط وبروا بهذا العهد وتذكروا أنهم إنما نُصروا على عدوهم، وقد كاد يأتى عليهم ويستأصلهم فى ساحة بدر، وتركوا على ظهر الأرض لأن عبادة الله منوطة بهم على أرض الله .
بهذه الرسالة انبثوا فى العالم وحملوها إلى الملوك والسوقة والأمم، وفى سبيل ذلك هاجروا وجاهدوا ولأجل ذلك حاربوا وعاهدوا، ولم يزالوا يعتقدون أنهم مبعوثون من الله وحاملوا راية الإسلام فى العالم.
ربعي بن عامر ﵁ يبين لرستم قائد الفرس مقصد بعثة الأمة:
أرسل سعد قبل القادسية ربعى بن عامر إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابى الحرير وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة، والزينة العظيمة وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة وقد جلس على سرير من ذهب ودخل ربعى بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضه على رأسه فقالوا له ضع سلاحك، فقال إنى لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتمونى، فإن تركتمونى هكذا وإلا رجعت، فقال رستم ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها فقالوا له ما جاء بكم؟ فقال الله إبتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله .. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها .. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ومن أبى قاتلناه أبداً
стр. 515
حتى نفضى إلى موعود الله ، قالوا: وما موعود الله؟ قال الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقى .. !! (١).
عتاب الله لمن تلكأ عن المهمة:
أباح الله للمسلمين الطيبات وفسح لهم فى طرق الكسب ووجوه المعاش ولم يضيق عليهم فى ذلك فقال ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢) وقال ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣) ولكن الله لم يبعثهم لذلك أمة، ولم يرضه لهم غاية ومهمة بل خلقهم للسعى للآخرة وخلق أسباب الحياة لهم قال النبى الكريم ﷺ " إن الدنيا خلقت لكم وإنكم خلقتم للآخرة " وجعل الحياة وأسبابها خاضعة لمهمتهم التى بعثوا لأجلها فإذا زاحمتهم فى سبيل مهمتهم أو غلبتهم عليها رفضوها وإذا تلكأ المسلمون فى ذلك عاتبهم الله عتاباً شديداً وقال ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ
стр. 516
إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
أراد الأنصار ﵃ أن يفرغوا لإصلاح أموالهم لأيام اكتفاء بأنصار الإسلام فعاتبهم الله على ذلك وأنزل ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢).
قال سيدنا أبو أيوب الأنصارى ﵁ .. إنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها فأنزل الله هذه الآية (٣)
ولكن مع الأسف الشديد قد تشاغل المسلمون اليوم بالدنيا كالأمم الجاهلية وسعوا ورائها وعقدوا حياتهم بها، فإذا أشرفتم على مدنهم وبلادهم من مرقب عالٍ لم تميزوا بينهم وبين أفراد أمة جاهلية، سعى وراء المادة فى غير اقتصاد، واكتساب من غير احتساب، سهر فى غير طاعة، وعمل فى غير نية، تجارة فى لهو عن ذكر الله وحرفة فى جهل عن دين الله ، ووظيفة فى الإخلاص لغير الله وحكومة فى مشاقة حكم الله، شغل فى ضلالة، وقعود فى بطالة .. !!
стр. 517
حال الأمة اليوم:
هل إذا أطلعتم يا سادتى على بلاد إسلامية ورأيتم هذه الأمة فى غدواتها وروحاتها إلى الأسواق والإدارات ومصالح الحكومة عرفتم أنها أمة خلقت لشيء آخر، وبُعثت لغرض آخر أسمى من هذه الأغراض التى يسعى لها الكافر والمؤمن؟
حجة ظاهرة علي المسلمين:
إن هذا الأسلوب من الحياة لحجة ظاهرة لأهل الجاهلية على المسلمين فلو نطقوا لقالوا ما ذنبنا أيها المسلمون إذ عرضنا على نبيكم المال والسيادة والملك فأبى ورفض كل ذلك ألا نراكم تسعون وراء الذى رفضه نبيكم كأنما خلقتم لأجله، أما آذيتم نبيكم بقبول ما رفضه عنه وعنكم؟!
وإذا كنتم تسعون لمال أو جاه أو شرف أو حكم على قطعة أرض فلماذا تظاهرتم بالدين وأقمتم وأقعدتم الدنيا لأجله وكدرتم علينا صفو العيش، لقد كنتم وكنا فى غنى عن هذه الحروب الطويلة التى أيتمت البنين وأيئمت النساء وأجلت الناس عن الأوطان!
أعيدوا إلينا إذاً تلك الدماء التى أريقت فى ساحة بدر وأحد وحنين وخيبر واليرموك والقادسية، وأعيدوا إلينا تلك النفوس التى قتلت فى سبيل الدين!
стр. 518
وماذا يكون جوابنا لو تعرض لنا أحد من أخلافهم الأحياء وقال ما غنائكم أيها المسلمون لقد سهمتمونا فى أسباب الحياة وخلفتم لنا فوق ذلك مشاكل كثيرة فى الحياة السياسية والاجتماعية، ولا نراكم تسدون عوزاً وتصلحون خللاً أو تلمون شعثاً أو تقيمون زيغاً فى الحياة .. !!
عفواً أيها السادة وسماحاً أيها الكرام فقد طال العتاب وقديماً قال الشاعر العربى " وفى العتاب حياة بين أقوام ".
لماذا كتب الله لنا الخلود والظهور ؟
إن حياة الأمم أيها السادة الكرام بالرسالة والدعوة وأن الأمة التى لا تحمل رسالة ولا تستصحب دعوة حياتها مصطنعة غير طبيعية، وأنها كورقة انفصلت من شجرتها فلا يمكن أن تحيا بسقى ورى ﴿فأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (١).
إننا أيها السادة أمة الحاضر وأمة المستقبل قد كتب لنا الخلود والنصر لأننا أصحاب دعوة ورسالة نبوية وهى الرسالة الأبدية التى قضى الله بخلودها وظهورها، فلسنا تحت سيطرة المادة وحكم الزمان المنقلب بشرط أن نقوم بدعوتنا ونستقل برسالتنا ونعود أمة دعوة نبوية كما بدأنا دعوة فيما بيننا معشر المسلمين ودعوة فى غيرنا من الأجانب فى الدين.
стр. 519
* تخلف الأمة عن الأمم المعاصرة:
لقد تخلفنا عن الأمم المعاصرة فى العلوم الطبيعية والأسباب الحربية وفى الأخذ بأسباب الرقى المادى بعدة قرون، وقد كانت المسابقة بيننا وبينهم كمسابقة الأرنب والسلحفاة إلا أن الأرنب كان ساهراً مع خفته وسرعته والسلحفاة نائمة رغم بطئها وثقلها، ولو جارينا هذه الأمم اليوم لاستغرق ذلك قروناً ثم كانت المقارنة بحساب دقيق، فإذا فاق العدو وسبقنا بشعرة فى القوة المادية والعدد الحربية رجحت كفته لأن المادة عمياء وهى من القساوة والحياد التام بمكان لا تفرق فيه بين المحق والمبطل والشريف والوضيع.
ما الذي يقهر المادة ؟
ولكن الدعوة والرسالة- وهى الروح التى تقهر المادة وتسخر الأسباب وتستنزل النصر - تأتى بخوارق ومعجزات وطالما قهرت القاهر وفتحت الفاتح، وطالما خضعت الحكومات القاهرة ودانت الملوك الجبابرة بقوة الدعوة والرسالة للمماليك والصعاليك وقد جربت ذلك هذه الأمة مرتين بوضاحة فى التاريخ.
مرة لما خرج العرب من جزيرتهم إلى البلاد الرومية والفارسية فى ثياب صفيقة مرقعة وفى نعال وضيعة مخصوفة يحملون سيوفاً بالية الأجفان رثة المحامل على خيل قصيرة متقطعة الغرز وسرعان ما قهرت دعوتهم
стр. 520
ورسالتهم حللاً فاخرة وأعواداً أسندت إلى الجدار لحرمانها من رسالة وقعودها عن دعوة، وكان الانتصار فى الأخيرة للرسالة على النظام وللروح على المادة وللمعنى على الظاهر.
ومرة ثانية لما قهر التتار - ذلك الجراد المنتشر - العالم الإسلامى من أقصاه إلى أقصاه وخضدوا شوكة المسلمين فلم تقم لهم قائمة ولم يقف فى وجههم واقف وكاد المسلمون يصبحون أثراً بعد عين واستولى اليأس على قلوبهم حتى كان من الأمثال السائرة " إذا قيل لك أن التتار هُزموا فلا تصدق " هناك فعلت الدعوة الإسلامية فعلها ونفذت فيهم فإذا القاهر يصبح مقهوراً وإذا الفاتح مفتوح لدين المفتوحين وإذا التَتَر يلفظون بكلمة الإسلام ويدينون برسالة محمد ﷺ ويصبحون أمة إسلامية.
العالم بأسرة ينتظر رسل المسلمين:
وأن الرسالة الإسلامية لتأتى بالمعجزات اليوم وتقهر الأمم - طوعاً لا كرهاً بسلطانها الروحى ونفوذها العجيب.
إن آبائكم أيها السادة المسلمون قد انتشروا فى عواصم الجاهلية الأولى ومراكزها الكبرى يقولون " الله إبتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " وخلصوا الأمة الرومية من عبادة المسيح والصليب والأحبار والرهبان والملوك وخلصوا الأمة الفارسية من عبادة النار وعبودية البيت الكيانى،
стр. 521
والأمة الطورانية من عبادة الذئب الأبيض والأمة الهندية من عبادة البقر إلى عبادة الله وحده وأخرجوها فعلاً من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، والعيون تنتظر منذ زمان رسل المسلمين ينتشرون فى عواصم الجاهلية الثانية يهتفون الله إبتعثنا لنخرج العباد من عبادة المادة والبطن إلى عبادة الله وحده ومن ضيق عالم التنافس والأثرة وجشع المادة إلى سعة عالم القناعة والإيثار والزهد ونعيم الروح وطمأنينة القلب، ومن جور النظم السياسية والاجتماعية إلى عدل الإسلام.
انحراف المسلمين عن المثل الكامل:
لقد انحرفت حياة المسلمين - أيها السادة - ومدنيتهم عن مركزها ومثلها الكامل ولم تزل الشقة تطول بينهما والخرق يتسع حتى أصبحت حياة مدنية لا تشبه أصلها إلا ببعض شعائر الإسلام الظاهرة فى بلاد المسلمين، وصعب على المسلم اليوم أن يتمثل تلك الحياة الماضية فسافروا معى أيها السادة على صفحات التاريخ فى المسافة الزمنية وارجعوا إلى عهد الرسالة المحمدية على صاحبها السلام والتحية وقفوا بنا فى مدينة الرسول ﷺ ساعة نشاهد حياتها وتصورها لأبناء هذا العصر لعلهم يدركون ما فاتهم.
هذه هى المستعمرة الإسلامية الأولى وهى مدينة بمعانى الكلمة ليست بزاوية من زوايا الشيوخ أو مدرسة من مدارس العلم أو مسجد فحسب ولكنها مدينة جامعة قد تمثلت فيها الحياة الإنسانية بجميع معانيها ونواحيها
стр. 522
، ففيها الأسواق وفيها المزارع وفيها البساتين وفيها الأسر والبيوت وفيها التاجر وفيها الفلاح وفيها الملاك وفيها من يأكل بعرق جبينه وكد يمينه.
ماذا كان يفعل الصحابة إذا أسفر النهار ؟
وهاهو ذا قد أسفر النهار والناس راجعون من المسجد النبوى فى سكينة ووقار ولكن فى خفة ونشاط، وهنا دكان يفتح فى السوق، وهنالك سكة تمشى فى الحقل وهذا بستان من نخيل يسقى وذلك أجير يشتغل فى حائط على أجرة يأخذها فى المساء قد اندفعوا إلى أشغالهم بما سمعوا من فضيلة كسب الحلال وعول العيال ولبَّوا مرضاة الله بالمال، قفوا منهم بجنب وارقبوهم عن كثب ترونهم خفاف الأيدى فى العمل ذلل اللسان بذكر الله ، عامرى القلوب بالحسبة، وطلب الأجر يحتسبون فى أشغالهم مالا يحتسب المصلى اليوم فى صلاته مقبلين بقلوبهم إلى الله وبقالبهم إلى شغلهم.
و ماذا إذا أذن المؤذن ؟
وها هو ذا قد أذن المؤذن فإذا بهم ينفضون أيديهم مما كانوا فيه كأن لم يكن لهم به عهد وكأنما نشطوا من عقال وخف إلى المسجد ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (١).
стр. 523
فإذا قد قضوا صلاتهم انتشروا فى الأرض يبتغون من فضل الله ويذكرون الله وقد مالت الشمس إلى الغروب، فرجعوا إلى بيوتهم وقابلوا أهلهم وجلسوا إليهم يتحدثون معهم ويلاطفونهم ويؤنسونهم لما سمعوا بالأمس من فضائله وثوابه، وناموا بعد صلاة العشاء وإذا بهم قائمون أمام ربهم فى الأسحار لهم دوى كدوى النحل وفى صدورهم أزيز كأزيز المرجل، وينصرفون بعد صلاة الصبح إلى أشغالهم فى نشاط الجندى وقوته كأن لم يتعبوا فى النهار ولم يسهروا فى الليل.
أليست المدينة إذاً يا سادتى مسجداً واسعاً فهل رأيتم فيها غير عبادة ودين؟ أو ليسوا عاكفين فى هذا المسجد الواسع طول النهار وطول الليل؟ وهل دار الفلك على زاوية أعمر من هذه الزاوية - إن كان لابد من هذا المصطلح - وأكثر منها منقطعين إلى الله .. ؟!!
مجالس الذكر والعلم:
وانظروا إلى مجالس الذكر والعلم فى المسجد وقد ضمت صنوفاً وأنواعاً من الناس فهذا هو الفلاح الذى رأيناه فى النهار على حافة حقله، وهذا هو الأجير الذى رأيناه ينزع الدلاء ويسقى النخيل فى بستان يهودى، هذا هو التاجر الذى رأيناه فى سوق المدينة يبيع، وهذا هو الصانع الذى وجدناه مشتغلاً بصناعته وليسوا الآن إلا طلبة علم، وقد هجروا راحتهم - وهم فى حاجة إليها بعد شغل النهار - وتركوا أهلهم وهم فى حنين إليهم، لأنهم
стр. 524
سمعوا أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العالم رضا بما يصنع (١)، ولأنهم سمعوا أن من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة (٢) ولأنهم سمعوا " ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في ملأ عنده (٣) وتراهم ساكتين كأن علي رؤوسهم الطير خاشعين كأن الوحي ينزل ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٤) يتسابق العلم والخشوع فلا يدرى أيهما أسبق وتبتدر المعاني الى القلوب والكلمات إلى الأذان فلا يدرى أيها أسرع.
ومن تفقدونه فى هذا المسجد ممن عرفتموه فى النهار فلأنه قد اتفق مع جاره على التناوب فيحضر يوما ويغيب يوما وهذا دور جاره ولكنه على اتصال بما يدور فى هذا المسجد من حدث وخبر وحكم وآيه بواسطة جاره.
حال القراء في الليل والنهار:
стр. 525
وهؤلاء هم القراء وقد انقطعوا إلى العلم فإذا جنهم الليل انطلقوا الى معلم لهم بالمدينة فيدرسون الليل حتى يصبحوا فإذا أصبحوا فمن كانت له قوة استعذب من الماء وأصاب من الحطب ومن كانت عنده سعة اجتمعوا فاشتروا الشاة وأصلحوها فيصبح ذلك معلقا بحجر رسول الله ﷺ (١).
المعرفة بالحلال والحرام:
وما من أحد فى المدينة إلا ويعرف الحلال والحرام وما يتعلق بحياته وحرفته وصناعته وشغله من الأحكام ويحفظ من القرآن ما يقوم به فى صلواته، ثم هو مستمر فى طلب العلم يزداد كل يوم فقها فى الأحكام ورسوخا فى الدين وحرصاً على العمل وشوقاً إلى الآخرة ورغبة فى الثواب وهذا هو العلم الذى يمتازون به وعلمهم بالفضائل أكثر من علمهم بالمسائل، وبأصول الدين أكثر من علمهم بفروعه وبمحكماته أكثر منه بمتشابهاته، " أبر الناس قلوباً وأعمقهم علماً وأقلهم تكلفا " (٢).
التبليغ:
وإذا تعلم أحد منهم شيئا من الدين أسرع إلى إخوانه يعلمهم لأنه سمع " ألا فليبلغ الشاهد الغائب .. فرب مبلغ أوعى من سامع .. (٣) وسمعوا نبيهم
стр. 526
يقول " إنما بعثت معلما " (١) وسمعوه يقول " لا حسد إلا فى اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطته على هلكته فى الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها " (٢) وسمعوه يقول " إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة فى جحرها وحتى الحوت يصلون على معلم الناس الخير " (٣).
وهكذا انقسم المسلمون فى المدينة بين طالب ومعلم فإما طالب وإما معلم بل كل واحد منهم طالب ومعلم فى وقت واحد يأخذ من مكان ويدفع إلى مكان.
الحب .. التضحية .. الإيثار:
أفليست المدينة إذاً مدرسة واسعة عامرة بالطلبة والمعلمين وهل عرف التاريخ مدرسة أوسع وأعمر من هذه المدرسة النبوية التى يتعلم فيها التاجر والفلاح والأجير والصانع والمحترف والمشغول والشاب الناهض والشيخ الفانى، يتعلمون فيها بجميع مشاعرهم، فالأذن تسمع والعين تبصر والقلب يشعر ويتأثر والعقل يفكر والجوارح تعمل، يشاهدون المعانى فى صورها وأمثالها، ولا يقرؤونها بلفظها فقط، فإذا عرفوا الإيثار على النفس مثلاً
стр. 527
عرفوه فى ضيافة أبى طلحة لضيوف رسول الله ﷺ وقد بات هو وأطفاله جياعاً، وفى قصة الجرحى الذى آثروا إخوانهم على أنفسهم فى الماء فماتوا عطاشاً، وإذا عرفوا حب رسول الله ﷺ عرفوه فى قصة خبيب ﵁ لما رفعوه على الخشبة نادوه يناشدونه أتحب أن محمداً مكانك؟ قال ... لا والله العظيم ما أحب أن يفدينى بشوكة يشاكها فى قدمه فضحكوا منه (١) فعرفوا من معانى الإيثار والحب مالا يعرفه أكبر لغوى وأديب وعالم علوم النفس.
وضع كل شيء في محله:
عرفوا أحكام الاجتماع فى الاجتماع وأحكام الاختلاط فى الاختلاط وأحكام التجارة فى التجارة وأحكام المعاشرة فى المعاشرة، فقدروا أن يحافظوا على دينهم ونياتهم وخشوعهم وذكرهم فى المجامع والمجالس وفى صخب الأسواق وفتنة البيوت وفى مجامع الشياطين ومقاعدهم، فإذا خاضوا فى لجة الحياة واندفع بهم التيار لم يغلبوا على أمرهم، شأن الذى يتعلم السباحة فى بحر متلاطم ونهر فياض فكانوا فى المسجد إذا خرجوا من المسجد، وفى الصلاة إذا انصرفوا من الصلاة، بررة القلوب، صادقى الوعد، سديدى القول فى المساجد والأسواق معاً، وفى المعتكف والحانوت معاً، وفى الحضر والسفر معاً، ومع الصديق والعدو معاً.
стр. 528
ماذا لو نادي منادي الجهاد:
حتى إذا نادى منادى الجهاد ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) وهتف هاتف الجنة ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) دارت حماليق وجوههم ورقصت قلوبهم فى صدورهم تحولت المدينة إلى ثكنة واسعة فما هى بالتى رأيتموها وأصبح أهلها جنوداً متطوعة فماهم بالذين عرفتموهم، أقفل التاجر دكانه، وترك الفلاح سكنه، ورمى الصانع آلاته وترك الأجير رشاء دلوه وخرجوا فى سبيل الله لا يلوون على شئ كأنهم كانوا من ذلك على ميعاد وفى ديارهم وأهلهم على مسامحة ورخصة.
يسيحون في الأرض:
وترونهم يتجولون فى البلاد ويسيحون فى الأرض ويتغربون فى دين الله كأنهم خلقوا على ظهور الخيل وولدوا على متون الإبل يعدون غدوة أو روحة فى سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها فيصلون النهار بالليل
стр. 529
والشتاء بالصيف حتى يحتاج إمامهم إلى تحديد اغترابهم بأربعة أشهر (١) وهم أينما رحلوا ونزلوا مدارس سيارة ومساجد متنقلة وهكذا نشروا الدين من أقصى الأرض إلى أقصاها ومن شرقها إلى غربها.
هذه مدينة رسول الله ﷺ على ساكنها ألف ألف سلام فى القرن الهجرى الأول، وهكذا كان يجب أن يكون العالم الإسلامى كله – إذا كان عالماً إسلامياً – فكما أن الرسول ﷺ إمام المسلمين بأجمعهم والأسوة العامة لجميع المسلمين فى كل زمان ومكان كذلك مدينته إمام المدن الإسلامية والأسوة العامة فى كل زمان فإن النبى ﷺ قد انتهج منهجاً للحياة وهذه الحياة قد تمثلت فى مدينته فى عهده ويجب أن تتمثل فى جميع البلدان الإسلامية فى كل زمان.
стр. 530
كيف السبيل إلى عودة هذه الحياة:
ولكن كيف السبيل إلى ذلك وقد انحرفت حياة المسلمين عن مركزها وكأنها رحى لا تزال تدور ولكن ليس حول قطبها، فتسمع جعجعة ولا ترى طحناً، ولا يستقيم سيرها ولا ينتج عملها إلا إذا عادت إلى قطبها، وذلك القطب هو كلمة الشهادة التى يدين بها كل مسلم فينبغى أن تتوغل أصولها وعروقها فى أعماق القلب والذهن وفى أحشاء الحياة وتتمدد فروعها حتى تظل الحياة كلها فلا تخرج ناحية من نواحيها من سماوتها، وذلك بتجديد العهد بها والتفكر فى معانيها ومقتضياتها والتشبع بروحها وتحقيق مطالبها وأحكامها فى الحياة.
الكلمة وتغيير منهاج الحياة:
والكلمة تقتضى بالطبع تغييراً جوهرياً فى مبدأ الحياة وفى منهاج الحياة، فأما فى مبدأ الحياة فهو معنى قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وأما التغيير فى منهاج الحياة فهو نقلها من حياة المادة إلى حياة الإيمان والاحتساب أو بلفظ آخر نقلها من الحياة البشرية العامة إلى الحياة النبوية الخاصة.