← Общие книги

Общие книги · id 37561

إلى الإسلام من جديد

أبو الحسن الندوي

Полный текст (183 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ممن افترى على الله كذبا﴾ [الكهف: ١٤]. وكان هؤلاء الفتيان هدف كل قسوة وظلم، واضطهاد وبلاء وعذاب، وقد قيل لهم من قبل: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ [العنكبوت: ٠٣] فصمدوا لكل ما وقع لهم وثبتواة كالجبال، وقالوا: ﴿هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله﴾ [الأحزاب: ٢٢]. حتى أذن الله في الهجرة، ولم تزل الدعوة تشق طريقها وتؤتي أكلها حتى قضى الله أن يحكم رجالها في الأرض، ويقيموا القسط، ويخرجوا الناس من الظلمات الى النور، ومن عبادة العباد الى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا الى سعتها، فقد عرف أنهم اذا تولوا وسادوا "أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر". وهكذا جاءت الدعوة بالحكومة كما تأتي الأمطار بالخصب والزرع، وكما تأتي الأشجار بالفاكهة والثمر، فلم تكن هذه الحكومة الا ثمرة من ثمرات هذه الدعوة الاسلامية. ولم تكن هذه العزة والقوة الا نتيجة ذلك العذاب الذي تحملوه من قريش وغيرهم، وذلك الهوان

стр. 107

الذي لقوه في مكة وغيرها. جاءت الحكومة بما يتبعها من عزة وشوكةن ورجال وأموال، وكنوز وخزائن، وجباية وخراج، ورفاهة ونعيم، وكان المجال واسعا جدا لجمع الأموال وحكم الرجال، ورفاهية الحال اذا اختاروا طريق الملوك والسلاطين في فرض الضرائب الكثيرة، والاتاوات المتنوعة والمكوس الجائرة. التفت القوم فاذا دولتهم الوليدة على مفترق الطرق - طريق الجباية وطريق الهداية - هنالك سمعوا هاتفا يقول: ويحكم ان محمدا ﷺ لم يبعث جابيا وإنما بعث هاديا وأنتم خلفاؤه" فلم يترددوا في ايثار جانب الهداية على جانب الجباية، واتخاذ الدعوة والهداية شعارا ومبدأ لحكومتهم فكان ذلك. لقد علموا أنهم لو آثروا جانب الجباية وأطلقوا أيديهم في أموال الناس، واسترسلوا الى النعيم، ورتعوا في اللذات، لم يحل بينهم وبين ذلك أحد، ولم يقف في سبيلهم واقف. ولكنهم علموا أنهم لو فعلوا ذلك فقد غشّوا اخوانهم الذين سبقوهم بالايمان، وقضوا نحبهم بدون أن يأكلوا ثمار غرسهم، لقد خانوا أولئك الذين لم يعرفوا الا الجهاد والتعب والجوع والسغب، ولقد

стр. 108

وصلوا الى الحكومة على جسر من متاعبهم وإيثارهم. أفيجوز لهم أن يستغلوها لمصلحتهم وشهواتهم، وأبنائهم، ويتمرغوا في النعيم، ويسرفوا في الأكل والشرب؟ لقد ظلموا اذن عثمان بن مظعون، وحمزة بن عبد الملطب، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر، وسعد بن معاذ، وكثيرا من رفقتهم الذين لم يروا شيئا من الفتوح والغنائم، ولم يشبعوا أياما متوالية، وقف القوم ولم يطب لهم الأكل والشرب، وأرادوا أن يلحقوا بإخوانهم ولم يأخذوا من الدنيا الا البلاغ. تأسست دولة الإسلام وفتحت فارس وبلاد الروم، والشام ونقلت الى عاصمة الاسلام - المدينة المنورة - كنوز كسرى وقيصر، وانصبت عليها خيرات المملكتين العظيمتين، وانهال على رجالها من أموال هاتين الدولتين وطُرَفها وزخارفها، ما لم يدر قط بخلدهم، وقد انقضى على اسلامهم ربع قرن وهم في شدة وجهد من العيش، وفي جشوبة المطعم وخشونة الملبس، لا يجدون من الطعام الا ما يقيم صلبهم، ولا من اللباس الا ما يقيهم من البرد والحر، فاذا بهم اليوم يتحكمون في أموال الاباطرة والاكاسرة، فإذا أراد الواحد منهم أن يلبس تاج كسرى وينام على بساط قيصر لفعل، لقد كانت - والله - هذه محنة عظيمة، تزول فيها الجبال الراسيات، وتطير لها

стр. 109

القلوب من جوانحها، وتعمش لها العيون، ولكنهم سرعان ما فطنوا أنهم ما وقفوا بين الفقر والغنى فحسب، بل أنهم خيروا بين أن يتنازلوا عن دعوتهم وامامتهم ومبادئهم، وينفضوا منها يدهم فلا يطمعوا فيها أبدا، وبين أن يحافظوا على روح هذه الدعوة النبوية وعلى سيرة رجالها اللائقة بخلفاء الأنبياء والمرسلين، وحملة الدعوة المؤمنين المخلصين. كان لهم أن يؤسسوا ملكا عربيا عظيما على أنقاض الدولة الرومية والفارسية، وينعموا كما نعم ملوكها وأمراؤها من قبل، فقد ورثوا امبراطوريتين: الفارسية والرومية، وجمعوا بين موارد دولتين، فإذا كان كسرى يترفه بموارد فارس فقط، وإذا كان هرقل يبذخ بموارد الروم فقط، فهذا عمر بن الخطاب يمكنه أن يترفه بموارد الامبراطوريتين ويبذخ بذخا لم يبذخه أحدهما. كان له ولأصحابه كل ذلك بكل سهولة، ولكنهم سمعوا القرآن يقول: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها لذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾ [القصص: ٨٣]. وكأنهم يسمعون نبيهم ﷺ يقول قبل وفاته:

стр. 110

"فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم" (١). فهتفوا عن آخرهم قائلين: اللهم لا عيش الا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة، وهكذاحافظوا على روح الدعوة الاسلامية وسيرة الأنبياء والمرسلين، وعاشوا في الحكومة كرجال الدعوة، وفي الدنيا كرجال الآخرة، وملكوا أنفسهم في هذا التيار الجارف، الذي سال قبلهم بالمدنيات والحكومات، والشعوب والأمم، وسال بالمبادئ والأخلاق، والعلوم والحكم. ما زال الناس يعدون اقتحام المسلمين دجلة بخيلهم وجندهم تحت قيادة سعد بن أبي وقاص ووصولهم الى الشط الثاني من غير أن يصابوا في نفس أو مال أو متاع حادثا غريبا من أغرب ما وقع في التاريخ، ان الحادث لغريب، ولكن أشد منه غرابة وأدعى للعجب أن المسلمين في عهد الخلافة الراشدة وعصر الفتوح الاسلامية الأولى خاضوا بحر مدنية الروم وفارس وهو مائج هائج، وعبروه ولم يفقدوا شيئا من أخلاقهم ومبادئهم وعاداتهم، ووصلوا

стр. 111

الى الشط الثاني، ولم تبل ثيابهم، ولم يزل الخلفاء الراشدون وأمراء الدولة الاسلامية من أصحاب النبي ﷺ محتفظين بروحهم، ونفسيتهم وزهدهم وبساطتهم، في المعيشة وتخشنهم في أوج الفتوح الاسلامية. حكى الطبري دخول الهرمزان المدينة، ومواجهته لعمر ﵁ قال: هيأوا الهرمزان في هيئته، فألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجا يدعى الآذين مكللا بالياقوت، وعليه حليته كيما يراه عمر والمسلمون في هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله، فلم يجدوه فسألوا عنه، فقيل: جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة، وانطلقوا يطلبونه في المسجد فلم يروه، فلما انصرفوا مروا بغلمان من أهل المدينة يلعبون، فقالوا لهم: ما تلدد كم تريدون أمير المؤمنين؟ فإنه نائم في ميمنة المسجد متوسدا برنسه، وكان عمر قد جلس لوفد أهل الكوفة في برنس، فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه وأخلوه نزع برنسه ثم توسد فنام، فانطلقوا ومعهم النظارة حتى إذا رأوه جلسوا دونه، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدرة في يده معلقه، فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هُوَ ذا، وجعل الوفد

стр. 112

يشيرون الى الناس أن اسكتواعنه، وأصغى الهرمزان الى الوفد، فقال: أين حرسه وحجابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب ولا ديوان! قال: فينبغي له أن يكون نبيا. فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء، وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة، فاستوى جالسا ثم نظر الى الهرمزان فقال: "الهرمزان"؟ قالوا: نعم! فتأمله وتأمل ما عليه وقال أعوذ بالله من النار وأستعين الله، وقال: الحمد لله الذي أذل هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدي نبيكم ولا تبطرنكم الدنيا فانها غرارة، فقال الوفد: هذا ملك الاهواز، فكلمه. فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شيء، فرمي عنه بكل شيء عليه الا شيئا ليستره، وألبسوه ثوبا صفيقا فكلمه (١) ". ويصف ضرار بن ضمرة علي بن أبي طالب في خلافته بعد وفاة علي لمعاوية، ويقول: "إنه ليستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، كان - والله - غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جَشُب (٢)، كان والله كأحدنا يجيبنا اذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه،

стр. 113

ويأتينا اذا دعوناه، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سجوفه وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه وهو يقول: "يا دنيا أبي تعرضت، أم لي تشوفت؟ هيهات هيهات!! غري غيري، قد بتتّك ثلاثا لا رجعة لي فيك. فعمرك قصير، وعيشك حقير وخطرك كبير. آه! من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق (١) ". كان شعار الدولة الاسلامية الأولى الهداية والدعوة الى الله وخدمة الناس، فكانت الدولة تخسر أموالا عظيمة في سبيل الأخلاق والدين، وكانت اذا خيرت بين أرواح الرجال ومبالغ من المال اختارت الأرواح وخسرت الأرباح، وتطيب بذلك نفسا وتقر به عينا، وإذا كان عكس ذلك فكسبت الأموال وخسرت الرجال، حزنت لذلك وحزن المسلمون كحزنهم على ملك زائل وسلطان راحل، وقد فضل الخلفاء الراشدون وخامسهم عمر بن عبد العزيز ﵀ أن يدخل المجوس والنصارى في الإسلام ويعفوا

стр. 114

من الجزية، فيخسر بيت مال المسلمين مقدارا عظيما من المال، ويكسب الدين الإسلامي والأمة الإسلامية رجالا يتخلصون من النار، وإذا كسب وربح بيت المال على حساب الإسلام حزنوا حزنا شديدا. حدّث الطبري عن زياد بن الزبيدي، قال: "جمعنا في مصر ما في أيدينا من السبايا واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا ثم نخيره بين الاسلام وبين النصرانية، فاذا اختار الاسلام كبرنا تكبيرة هي أشد من تكبيرنا حين نفتح القرية، قال: ثم نحوزه الينا، واذا اختار النصرانية نحرت النصارى ثم حازوه اليهم ووضعنا عليه الجزية وجزعنا من ذلك جزعا شديدا، حتى كأنه رجل خرج منا اليهم (١) ". وهكذا انتشر الاسلام، وانتشرت الاخلاق الفاضلة في عقود من السنين من أقصى الشرق الى أقصى الغرب، وتغلغلت الدعوة الاسلامية في أحشاء المجتمع البشري، لم يتمتع العالم الاسلامي بخلافة عمر بن عبد العزيز الا سنتين وبضعة شهور، ولكنه بحرصه على الدعوة ومحافظته على شعار الهداية، وسيرة خلفاء الأنبياء ﵈ تمكن من التأثير في القلوب والعقول، وقلب تيار المدنية،

стр. 115

واظهار الدين واخماد الكفر والفسق، والقضاء على رسوم الجاهلية، ما لم تتمكن منه دول اسلامية طويلة الاعمار لتراوحها بين الهداية والجباية، وتفضيلها الجباية في أكثر الاحيان على الهداية. وكانت المدن الاسلامية الكبرى وعواصم الاسلام مركز دعوة وهداية بحيث اذا دخلها الانسان عرف أنه يمشي في مركز الاسلام ويتنفس في جوه، فيرى الحدود قائمة وأحكام الشرع نافذة، ولا يجد أحدا يتهاون في أمر من أمور الدين، ويستخف به أو يجاهر باثم ومعصية ولا يرى بدعة ولا فجورا، ولا دعارة ولا خدعة، ولا يسمع برشوة ولا خيانة ولا ما ينافي روح الاسلام، ويسمع الدعوة الى الله والى الدار الآخرة والى الفضيلة والتقوى واتباع الكتاب والسنة، والاجتناب من الشرك والبدعة، والتمسك بفضائل الدين في كل مكان، ويرى العمل بذلك في الطرقات والمجامع، وبيوت الناس ودواوين الحكومة، فيتشبع بروح الدين ويتضلع ايمانا وحماسة، وفقها في الدين ومعرفة بأحكامه وشرائعه وحبا لأهله، فلا يخرج الا وقد استفاد الايمان والعلم والتصلب في الدين والثقة برجاله وممثليه. واذا دخلها أجنبي أو حديث عهد بالاسلام، عرف مزايا الحياة الاسلامية وفضل حكومة الاسلام، وآثر

стр. 116

الاقامة فيها، وكره أن يفارقها، ويعود الى دار الكفر كما يكره أن يقذف في النار. أما الحَرَمانِ فقد كانا في حكومة الاسلام - المؤسسة على مبدأ الهداية - مدرسة الدين ومهد الحضارة الاسلامية، تتمثل فيهماه الحياة الاسلامية بكمالها وجمالها، ويأتي اليهما المسلمون من كل ناحية من نواحي العالم الاسلامي، ومن كل فج عميق، فيشهدون منافع لهم ويتفقهون في الدين، وينذرون قومهم اذا رجعوا اليهم، ويحتجون في بلادهم بما رأوه في الحرمين، فيكون ذلك حجة لمحافظة الحجاز على الدين والسنة وحرص حكومتها على تمثيل الحياة الاسلامية في مركز الاسلام ومنبعه. ثم أتى على المسلمين حين من الدهر نسوا أن الحكومة في الاسلام لم تكن الا جائزة الدعوة والجهاد في سبيلها، ولولا رسالة محمد ﷺ ودعوته الى الله، وما لقي في مكة والطائف من قريش والقبائل، ولولا الهجرة والاختفاء في غار ثور، والرباعية المكسورة يوم أحد، ولولا ما صنع بحمزة يومئذ ولولا قتلى بئر معونة ومصلوب الانصار (١)، لما دانت الدنيا للعرب، ولا كانت

стр. 117

دمشق ولا بغداد، ولا كان لبني مروان أن يجبوا خراج الروم وفارس، ولا كان للرشيد أن يقول لسحابة مرت به: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك". أسس ملوك المسلمين بعد الخلافة الراشدة دولهم على مبدأ الجباية السياسية، وأهملوا الدعوة الى الله والى دار السلام، وعطلوا الحدود وأبطلوا الحسبة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، ولم تعد مراكز الاسلام مدرسة الدين ومرآة لمدنيته واجتماعه، بل أصبحت تغرس الشك والنفاق في قلوب الوافدين وتزعزع عقيدتهم وثقتهم بالدين وأهله، وأصبح القاصدون من مختلف أنحاء العالم الاسلامي يكتسبون منها استخفافا بشعائر الاسلام، ورقة في الدين، ووهنا في العمل، وسوء ظن بممثلي الاسلام، ورجعوا يحتجون بالاوضاع الفاسدة في مراكز الاسلام، وبالفوضى الدينية، فكانت داهية عظيمة على رجال الاصلاح والدعوة في الاقطار الاسلامية، وفتنة كبيرة. ليس العالم الاسلامي اليوم بأشد افتقارا الى شيء، منه الى حكومة تمثله تمثيلا صحيحا، وتقوم على أساس الدعوة والهداية، والنصيحة والخدمة، فإن الإسلام لا يؤثر في عقول الناس، ولا يشفي المتفحصين حتى تكون له رقعة في الأرض، تتمثل فيها حياته وتتجلى فيها مدنيته واجتماعه، وتظهر فيها نتائج دعوته وتعاليمه، فإذا كان ذلك ولو في

стр. 118

رقعة صغيرة كان على الاسلام اقبال عظيم لم يعهد من قرون. وليس العالم الانساني بأقل افتقارا من العالم الاسلامي لمثل هذه الحكومة التي شعارها الهداية والاصلاح، لا الجباية والكفاح، فان الانسانية العليلة جريحة لا يسعفها اليوم الا قيام هذه الحكومات التي تؤسس على أساس الفضيلة والدين، واحترام الانسانية، وايثار الأرواح على الأرباح، والأخلاق على الاعلاق، وكسب الرجال على كسب الاموال، فإذا تأسست هذه الحكومة - مهما كانت صغيرة ومهما كانت مواردها ضعيفة - كان ذلك حادثا غريبا يستحق كل تنويه واشادة، وقام كبار السياسيين وأصحاب اليراع، وقادة الفكر يشيرون اليها بالبنان ويضربون بها الامثال، ويؤلفون عنها مؤلفات، وأصبح الناس يأوون اليها كما يأوي الغرقى الى جزيرة في البحر، لينعموا في ظل حكومتها، وينفضوا عنهم غبار الظلم والفتن، ويتنفسوا من متاعب المدنية المعقدة المزورة، والحكومات الجابية الجائرة، ولكانت هذه الحكومة غُرة في جبين الدهر، وشامة بين الحكومات والدول. أن الانسانية قد جربت حكومات الجباية على اختلاف أنواعها وأسمائها - من شخصية وديمقراطية، ورأسمالية واشتراكية وشيوعية - فوجدتها بنات علات، لا تختلف في أصلها ومبدئها، وروحها ونزعتها، وقلبتها على كل جانب فلم تر منها الا شرا ومرا، ولم تر اختلاف الاسماء يغني عن شيء، واذا تأسست جديدة باسم جديد، نادى لسان الحقيقة في لفظ أبي العلاء المعري: ألا إنما الأيام أبناء واحد ... وهذي الليالي كلها أخوات فلا تطلبن من عند يوم وليلة ... خلاف الذي مرت به السنوات

стр. 119

واذا ضمت الى هذه الحكومات المعدودة بالمئات حكومة جديدة لا تختلف عن اخواتها الا أنها يرأسها مسلم أو يديرها عدد من المسلمين، لم تكن بدعا ولم تكن شيئا طريفا ينوه به أو يشار اليه بالبنان، أو تعقد به الآمال، فان هنالك حكومات تفوق هذه الحكومة عشرات من المرات في طول مساحتها وضخامة ميزانيتها، وكثرة انتاجها واصدارها، وفي جيشها وأساطيلها وبوارجها الحربية وعدد الطائرات، وكثرة المصانع ورقي الصناعة والتجارة، واحتفال المدنية والحضارة، وحسن الادارة وانتشار العلم في طبقات الشعب وقلة الامية، الى غير ذلك مما تمتاز به الحكومات الاوربية. ان قيام دولة للمسلمين في بقعة من بقاع الارض فرصة سعيدة نادرة لا تسنح في كل حين، ومثل هذه الفرص - كما يعرف المطلع على السنن الالهية وعلى تاريخ الاديان والدعوات الاصلاحية - قد تسنح بعد قرون، وتكون من فلتات الدهر، وفي قصرها كوميض البرق في ليلة مظلمة، وتكون امتحانا عظيما لرجالها، كيف يستخدمون هذه الفرصة لدعوتهم ومبادئهم الدينية على حساب مصالحهم الذاتية، وراحتهم ولذائذهم، فاذا انتهزوا هذه الفرصة وعرفوا قيمة الوقت، وأحسنوا تمثيل هذه العقيدة والدين الذي ينتسبون اليه وحسن ظن الناس بهم، وصدقوهم في ما يقولون فقد خدموا دينهم وأنفسهم خدمة باهرة، وان كان غير ذلك فأساءوا استعمالها واستغلوها لمصالحهم الشخصية على حساب الدعوة الدينية، ورجالها المخلصين وجهودهم في سبيل نشر هذه الدعوة، وقيام هذه الحكومة، كما فعلت الدولة الاموية

стр. 120

والعباسية ودول كثيرة، فقد ضيعوا الفرصة وخسروا دورهم، وخسرت معهم الدعوة التي وصلت أسبابها بأسبابهم دورها، وما يعلم أحد متى يعود هذا الدور، وهل يعود أم لا؟ فقد شهد التاريخ أمما وجماعات كثيرة ضيعت فرصة حكمها وسلطانها، ولم تنتفع بها، وانتهى دورها القصير أو الطويل فوقفت مع المتفرجين المنعزلين وبقيت تنتظر دورها في حلبة الأمم، وتعض على تفريطها ببنان الحسرة والندم. هذا والى الحكومات الاسلامية ومن كان على رأسها أن ينتهزوا الفرصة ويحرزوا قصب السبق، ويبلغوا بهمتهم وعنايتهم الى حيث لا يبلغ اليه كبار الصالحين والاتقياء بعبادتهم وزهدهم، وذلك بما آثرهم الله من حول وطول، ونفوذ وسلطان، وفرص لا تتأتى لغيرهم، ولهم أن يصلوا في خدمة هذا الدين واعادة شبابه، واصلاح المجتمع وتغيير اتجاهه، من الجاهلية الى الاسلام في يوم واحد - اذا أرادوا بذلك وصحت عزيمتهم وصدقت نيتهم - مالا يصل اليه المصلحون، والمؤلفون والعاملون في أعوام وقرون، وينالوا من رضى الله وثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، ما يغبطهم عليه كثير من العباد والمتقين، وعباد الله الصالحين. وما أطلق الناس على عمر بن عبد العزيز لقب المجدد الكبير والخليفة الراشد الا بتغييره مجرى الحكومة من الجباية الى الهداية، والاصلاحات التي قام بها، وبرجولته

стр. 121

وعصاميته في سبيل مبدأه، ولو وزن ما تنازل عنه من نعيم زائل ومتاع فان، وأنواع من لباس وطعام، ودواب وأنعام - كان لا بد أن يتركها يوما من الأيام - لو وزن ذلك كله بما اكتسب من نعيم لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وما يرجو من مرافقة محمد ﷺ وأصحابه والالتحاق بحزبه. وما جعل الله له من لسان صدق في الآخرين، لرجح ما اكتسب رجحانا واضحا، وعد من كبار الأذكياء وعقلاء العالم.

стр. 122

خاتمة دعوتان مُتنافستان لم تزل في الدنيا منذ وجدت دعوتان متنافستان متصارعان، دعوة تدعو الى اتباع النفس وتحكيمها، والى حرية الانسان المطلقة، التي لا تقف عند حد - الا اذا اضطرت الى ذلك - وان كان في غضون هذه الحرية وأثنائها مئات وآلاف من أنواع الرق والعبودية، ودعوة تقول: ان الانسان عبد لله، مكلف ومسئول أمامه، وتدعو الى اتباع الوحي من الله وشرائع الأنبياء. الدعوة الأولى هي "الجاهلية" في مصطلح الاسلام الواسع، والدعوة الثانية هي دعوة الاسلام نفسه، واقتسمت هاتان الدعوتان أمم العالم وأجياله. ولم تزل تتداول قيادتهما وتمثيلهما من حين الى حين، وليس تاريخ الاديان والعقل والاخلاق، الا حكاية هذا الصراع المستمر، والنزاع الدائم، وذلك أكبر صراع وأوسعه، شهده العالم في عمره الطويل. ومنذ ثلاثة عشر قرنا ونصف، اختار الله لقيادة

стр. 123

الدعوة الثانية - الاسلام - أتباع محمد ﷺ ، وكتب لهم الامامة في ذلك الى يوم القيامة. كذلك لم تزل تمثل الدعوة الجاهلية وترأسها أمم وحضارات جاهلية في عصورها ودوائرها، حتى قضى ربك أن تتولى زعامتها وتحمل رايتها أمم أوربا النصرانية قبل نحو قرنين، وانما رشحها لهذا المنصب وجعلها حاملة لرسالة الجاهلية في العالم مجاهدة في سبيلها، سوء تمثيل النصرانية المحرّفة للدين المطلق، ورهبانيتها وعجزها عن حل القضايا الانسانية والمعضلات البشرية، ثم سوء تمثيل علمائها وكهنتها، وقسُسُها للنصرانية نفسها، وبما حالوا بين أمتهم وبين الرقي والتقدم، وبما أذاقوا العلماء الأحرار والمكتشفين من أنواع العذاب التي تقشعر لها الجلود، وتتفطر منها مرارة الانسان مما حفظه لنا تاريخ الصراع بين الدين والمدنية، والدين والعقل، والدين والعلم في أوربا، زد الى ذلك كله تهور الثائرين على النظام القديم وطيشهم، فكان عاقبة ذلك أن أصبحت أمم أوربا وهي المتحفزة للنهوض، الطامحة الى الرقي تبغض الدين مطلقا، وتتحرر من نظام قديم، وتعادي كل دعوة دينية خلقية، وترى فيها حجر عثرة في سبيلها، وفي أصحابها عدوا لدودا للرقي الانساني. وعلى كل تحولت أمم أمم أوربا جاهلية مادية محضة، وكان

стр. 124

هذا التحول من أتعس الحوادث التي وقعت في التاريخ والذي قد جر على الانسانية شقاء طويلا وويلا عظيما، ولكنه كان واقعا لا محالة لاسباب طبعية عقلية. وتقدمت أمم أوربا الفتية المتحمسة لغزو العالم وفتحه، وقد أخذت له أهبته وأعدت له عدته فكان بحكم الطبيعة أن تصادم ممثلي الدعوة الثانية المضادة لها، وهم المستولون على أجمل رقع العالم المتمدن المعمور، وعلى أهم بقاع الأرض سياسيا وجغرافيا، وأخصبها وأثراها اقتصاديا، وكان بديهيا أن يقع أول صراع وأكبره بين هاتين الفئتين، فكان ذلك! كان ذلك والمسلمون منذ أمد بعيد، قد فقدوا روح الرسالة التي كانوا يحملونها، والتي قد أصبحوا بقوتها سيلا جارفا جبارا لا تقاومه الحشائش، ولا تقف في وجهه الصخور، وقوة المسلمين وروحهم دائما من الرسالة والدعوة، فأضحوا لا يحملون رسالة الاسلام الى العالم، ولا يدعون دعوة دينية تنفخ فيهم الحماسة والفتوة، ويأتون لها بخوارق ومعجزات، وتفتح لهم هذه الرسالة قلوبا وعقولا، وتسخر لهم ممالك ودولا، وأصبحوا جيلا من الناس كسائر الأجيال، يرى ما يحدث في العالم من خير وشر وما يسود فيه من حق وباطل، هادئا مطمئنا، كمتفرج أو كعاجز ليس له من الأمر شيء.

стр. 125

وفقدوا الايمان والحماسة الدينية، ففقدوا القلوب التي كانوا يلقون بها عدوهم، وسلاحهم الذي كانوا يقارعون به فيهزمون أضعافهم في العدد والعُدد، وأصبحوا كسائر الناس لا يمتازون بمزيد قوة ولا بزائد يقين، يألمون كما يألمون ولا يرجون من الله ما كانوا يرجون. وفقدوا الأخلاق والفضائل التي كانت لهم قوة روحية وسلاحا ماضيا في معترك الحياة، دانت بها لهم الجبابرة، ولانت بها صخور القلوب، واستبدلوا بها عيوبا وأدواء خلقية واجتماعية، أخذوها من الأمم الجاهلية المنحطة التي عاشروها وسرت فيهم أيام ترفهم وانحطاطهم الخلقي والاجتماعي، فكانت كدابة الأرض تأكل منسأتهم. وتنخر الدعائم التي قام عليها بناؤهم. ونضب معين علومهم، وجمدت قرائحهم وعقولهم، وحرموا الاجتهاد، والتفكير، وقوة الاكتشاف والابداع، ومني علماؤهم بجمود عقلي وركود علمي، لا يزيدون في ثروة العلم، ولا يفتحون للعقل أبوابا ومنافذ جديدة، ولا ينظرون في علوم الطبيعة والكون، بينما كانت أوربا تسخِّر لمصالحها قوى الطبيعة، ويكشف علماؤها عن أسرار الكون، ويتخذ عاملوها نفقا في الأرض وسلما في السماء.

стр. 126

أما الأمراء والملوك المسلمون فقد تركوا الجهاد في سبيل الله منذ قرون، واشتغلوا عنه بحروب بغضاء ومنافسة، وشهوات ومطامع، حتى دهم الاسلام الزحف الصليبي فلم يقم له الا صلاح الدين الايوبي وبعض الافراد المتصلين به. ومرت كارثة الأندلس وكأن لم يكن شيء، وزحف التتار والمغول - ذلك الجراد المنتشر - فنهكوا قوى المسلمين، وزادوهم وهناً على وهن. هذه هي العوامل التي ساعدت الأوربيين في فتحهم وانتصرت بهم الجاهلية على الاسلام، فكان أكبر انتصار نالته الجاهلية على الاسلام منذ زمن طويل، ولو تكلمت لقالت: الويم انتصفت من عدوي، وأخذت ثار الأمم التي فتحها والدول التي محاها، والحضارات التي طمسها ومن اليوم أزدهر في بلاده وأخصب في نجاده ووهاده، وأجري مجراي لا يسد تياري شيء. لو قالت لصدقت، لأن المسلمين - على علاتهم - كانوا أمناء لرسالة الأنبياء، حملة لمصابيح شرائعهم، وحرزا للدين في الدنيا ودرءا للأخلاق والفضيلة على كل حال، وكانوا أعظم سد في وجه الجاهلية، ويتحولون أكبر خطر عليها في كل وقت. كانت رزيئة المسلمين في هذه الهزيمة عظيمة وخطبهم فادحا جدا، فقد خسروا بلادهم التي كانت تفيض لبنا وعسلا، وخسروا جميع

стр. 127

دولهم تقريبا، ومنوا بنوعين من العبودية السياسية والعقلية، وحيث أفلتوا من العبودية المادية لمي فلتوا من العبودية العلمية والخلقية. ورزئوا في أخلاقهم التي أورثتهم اياها تعاليم الأنبياء، والمحاسن التي حافظوا عليها طوال هذه القرون: من صدق وأمانة، وشجاعة ووفاء، وعفة وطهارة، وكرم وتواضع، وتقوى الله في السر والعلانية، ومراقبة حدوده الى غير ذلك، مما يمتاز به اتباع الشرائع السماوية عن أهل الجاهلية، وتسلطت عليهم بتأثير الأمم الغربية العيوب الخلقية، والمخازي البشرية التي ورثتها أوربا من روما ويونان الوثنيتين، ومن قرونها المظلمة، ومن جاهليتها: كالنفاق والرياء، والغدر بالعهود، اذا دعت الى ذلك مصلحة، والشجع المادي والايمان بالقوة وحدها، والاحترام للمال والثروة وحدها، وتقديم المصالح والمنافع على الأخلاق والفضائل. وما كانت رزيئة الانسانية في هذا الانتقال بهينة، فتزلزلت مباني الأخلاق والفضيلة في كل صقع وقطر، وحدثت ثورة على كل نظام قديم، وإن كان عدلا وحسنا، وعمت الفوضى في البيوتات والأسر، وتغير الولد للوالد وعقه، وتركت المرأة بعلها وثارت عليه، وانحلت عقد الأرحام، ولم يعد الصغير يوقر الكبير، ولم يعد الكبير يرحم الصغير، وتعوضت القلوب من الألفة والمحبة الجفاء والبغضاء، وكثر التنافس في الحياة الدنيا وفي الرقي المادي، وفي أسباب الجاه والثروة، وتولدت من ذلك ثروة وآفات كدرت صفو الحياة وأماتت القلب والروح، الى غير ذلك من الظواهر التي تشكو منها كل ديانة وكل

стр. 128

حضارة شرقية بثها وحزنها، ومما يشترك فيه المسلمون وغيرهم من الشرقيين. ثم إن هذه الأمم قد أصبحت تتحكم في أموال الناس ونفوسهم وأرزاقهم، وأصبحت تملك السلم والحرب، وأصبح العالم في حضانتها كولد يتيم أو شاب سفيه لا يملك من أمره شيئا، فتارة تسوقه الى ساحة القتال، وطورا تملي عليه الصلح، وليس له في صلح أو حرب يد مرفوعة أو كلمة مسموعة. ماذا عسى أن يكون أثر هذه الهزيمة والرزية العامة في نفوس المسلمين وفي نفوس بني آدم عامة؟ أما الناس عامة فلكل انسان أن يجيب عنه، وسيجيبون عنه، أما المسلمون وهم أولى بأن يوجه هذا السؤال اليهم لأن منهم انتقل هذا الملك الواسع والأمر والنهي الى الأوربيين، ولأن دينهم يقتضي أن يكون ظاهرا على كل دين، وأن يكونوا هم الأسوة وحدهم للعالم، فسيقول كل مسلم لم يمت قلبه: ان من الطبيعي أن تنطوي صدور المسلمين على احن وأحقاد للجاهلية، وأن ينظروا الى كل من يمثلها في كل مكان كعدو غاصب، وغريم منافس، وأن طبيعة رسالتهم ودعوتهم في العالم تقتضي بداهة أن تعزل الأمم الجاهلية من قيادة العالم، والتأثير في عقول الناس وتوجيه

стр. 129

أفكارهم، وأن تمنع من تمثيل الجاهلية في العالم، وأن ينزع منها سلطانها حتى لا تكون في دعوتها فتنة لمفتون، وحتى لا تنافس الدعوة الى الله دعوة، ولا ينازع في الدنيا عاملان يتجاذبان النفوس والعقول الى جهتين مختلفتين، ﴿حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾. ويعلم كل ذي بصيرة بل كل ذي بصر أن مجرد سيادة هذه الأمم، واستعلائها السياسي والمادي دعاية عظيمة لدينها، وحضارتها ومبادئها، ومناهج فكرها وأخلاقها، لا يقاومها منطق ولا استدلال، ولا حجة ولا برهان، ولا فلسفة ولا أخلاق، ولا تنجح ضدها دعوة الأديان، وإنها قد أصبحت بزخارفها مغناطيسا للقلوب، تنجذب اليها كما ينجذب الحديد. هذه هي الحقيقة التي ذكرها موسى ﵊ فيما حكى القرآن عنه في دعائه الذي دعا به في مصر على عهد فرعون، وهي حقيقة في كل عصر ومصر: ﴿ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨].

стр. 130

فماذا كان المنتظر من المسلمين - وهم حاملوا رسالة الإسلام -؟ كان المنتظر منهم أن يروا في أوربا وأمريكا زعيما للجاهلية، الذي تولى كبرها وحمل رايتها في الآفاق. وكان الواجب أن تكون هذه المسألة هي أمّ المسائل وكبراها في نظرهم، وأن تشغل ذهنهم وتستغرق سعيهم، وكان الواجب أن يعدوا أنفسهم في كل ناحية من نواحي العالم ممثلين لدعوة الإسلام ضد هذه الدعوة الجاهلية، وأن لا يتخذوا موقفا مهما كان اقتضاء المصالح الوطنية والسياسية والمالية، لا يتفق وممثلي الإسلام وحاملي رسالته، وأن لا يأتوا بشيء تتغذى به الحركة الجاهلية في العالم، وأن لا يظهر منهم شيء ينم عن ركونهم الى هذا النظام الجاهلي الذي بسطته هذه الأمم في العالم، وتريد أن تبسطه ويظهر به تعاونهم على الإثم والعدوان، الذي لا عدوان أكبر منه. ولكن مما يبعث الأسف العميق والعجب الشديد في النفوس "عجبا يميت القلب ويشغل الفهم، ويكثر الأحزان" كما قال علي بن أبي طالب ﵁ في خطبة له، إن المسلمين عامتهم لم يدركوا هذه الحقيقة مع وضوحها وانجلائها، وذهلوا عن موقفهم الصحيح في العالم، ونسوا وجهلوا أنهم والأمم الأوربية الجاهلية دعاة لنظامين للحياة متضادين، لحضارتين متناقضتين،

стр. 131

وأنهم وإياها ككفتي ميزان، كلما رجحت واحدة طاشت الأخرى. وأصبح المسلمون أخيرا لجهلهم للدين وما يقتضي من حب وبغض، وبتأثير الدعاية، يرون الى الجاهلية الأوربية كالحليف الوحيد للإسلام، وأنهم يقرعون بين أممها ودولها أيها أقرب اليهم، وأنفع لمصالحهم، وأغراضهم السياسية والمالية، ويجهلون أنها مهما اختلفت في نظمها السياسية، وفي ادارتها الداخلية، أو سياستها الخارجية، ومهما تعادت وتباغضت فيما بينها، فإنها أخوات شقيقات من أب واحد وأم واحدة، وأنها لا تختلف في المبادئ الأولية وفي فلسفتها التي يسميها الإسلام "الجاهلية" وغاب عن عقلاء المسلمين والمتعلمين منهم بل وقادتهم وزعمائهم، - فضلا عن العامة - أنه ما دامت هذه الأمم تتمتع بالغلبة السياسية، وما دامت لها سيطرة على العالم فهي المثل الكامل والقدوة المثلى في الأخلاق والسيرة، والعلم والمدنية، والفضائل الرذائل، وما دامت كلمتها عليا فلا تزدهر للدين دعوة، ولا تعلو له كلمة، ولا تسود في العالم الأخلاق الفاضلة ولا تكون لها قيمة، ففي مصلحة الإسلام وفي مصلحة الإنسانية أن تعزل بأسرها عن قيادة العالم، ولما كان المسلمون هم المسؤولين وحدهم عن صلاح العالم وفساده، ووظيفتهم

стр. 132

الحِسبة على الناس، وهم القوامون بالقسط، شهداء لله، وهم المراقبون لسير العالم، فلهم أن يجتهدوا في ذلك أكثر من كل شعب وأمة، بل يجب عليهم أن يكونوا طليعة، وأن يكونوا اماما في الحركة ضد الجاهلية وأممها، بل يجب أن تبدأ منهم الدعوة واليهم تعود. ولكن أجل نظرك في العالم الإسلامي كله وانظر في شعوبه وأممه ودوله - ان كانت فيه دول تملك أمرها - وفي جميع طبقات المسلمين، هل ترى شيئا تستدل به على أن هذه الأمة المنبثة في أرجاء الأرض صاحبة رسالة في العالم وصاحبة دين وعقيدة، وأنها تنكر مما وقع وواقع شيئا؟ وتحمل في صدرها حفيظة ضد الجاهلية وأهلها، وتريد أن ترفع للاسلام راية وتجتهد لاعلاء كلمة الله؟ كلا! بل ترى أمة هادئة مطمئنة راضية بكل ما يقع في العالم اليوم، سليمة الصدر، قريرة العين، ناعمة البال، تتعاون مع الجاهلية وأممها وتتحالف، وتقدم لها كل معونة تقدر عليها. لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... ان كان في القلب اسلام وايمان! أجل ان كان في القلب اسلام وايمان لما ارتضى مسلم بهذا الخزي، ولكن كل ذلك يرجع الى كون الرجل مسلما،

стр. 133

يحب لله وبيغض لله، ويوالي في الله ويعادي في الله، ولذلك ذكره القرآن شرطا في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون اليهم بالمودة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق، يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي، تسرون اليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل. إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا اليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء، وودوا لو تكفرون﴾ [الممتحنة: ١ - ٢] ثم ضرب لذلك مثلا بابراهيم وأصحابه: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم: إنا برآءُ منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [الممتحنة: ٠٣]. يلاحظ القارئ العربي النكتة في قول ابراهيم وأصحابه "كفرنا بكم" وبلاغة الكلمة وسعتها، فلم يقولوا كفرنا بدينكم كأنهم قد أصبحوا صورة وتمثالا للكفر والجاهلية، جامعين لمعانيها وأشكالها ومظاهرها، ولأن حياتهم كلها

стр. 134

وما يتصل بها من علوم وفلسفة، وحضارة وثقافة قد سرى فيها روح الكفر والجهل، وذلك ينطبق على كل أمة جاهلية حرمت هَدي الأنبياء وعلومهم، وبنت حياتها وعلومها ومدنيتها على دلالة الحواس أو على القياس أو التجارب، فعم الانكار لجميع هذا وكأنهم أعلنوا بهذا اللفظ أنهم ثائرون على هذا النظام الجاهلي برمته وحذافيره، جاحدون به كافرون بأصحابه، لا يؤمنون لهم بفضل ولا يخضعون لهم بشيء! ثم لينظر القارئ ويعتبر كيف أن المسلمين وهم أتباع دين وأصحاب يقين، قد آمنوا بزعماء الجاهلية وأئمة الكفر ولو لم يؤمنوا بدينهم، ولكنهم آمنوا بهم بأوسع معاني الكلمة وقد اشترط الله للايمان به الكفر بالطاغوت وقدم عليه وقال: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾. أما إذا أصبح المسلمون لا يعنيهم أمر الدين والأخلاق، ولا يهمهم مصير الانسانية ومستقبل العالم، ولا تهمهم الا المصالح السياسية والفوائد المادية الحاضرة التي تعود على بلادهم أو شعبهم، وبالأصح على أشخاصهم، فحبلهم على غاربهم، وأمرهم بيدهم، ولكن ليعلموا أخيرا أن سفينة الجاهلية التي اختاروها لسفرهم قد أحيط بها،

стр. 135

وأن ألواحها قد تآكلت ونخرت منذ زمن، وأن ربابينها قد اختلفوا فيما بينهم في تسييرها وقيادتها، ويعلموا أن هذه السفينة اذا غرقت فانها تغرق ركابها، وكل من وصلوا أسبابهم بأسبابها، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم. وقد قال: ﴿ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار، وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون﴾ [هود: ١١٢].

стр. 136

خاتمة مصرع الجاهلية من الأساطير التي سمعنا في الصغر، وبقيت في غضون الذاكرة وبعض ثناياها، أن رجلا اعتدى عليه عفريت من الجن بمثل ما كان يعتدي به الجن على البشر، فبرز الرجل بكل ما أوتي من حول وطول، وبكل ما قدر عليه من سلاح وشكّة ليقتله. هجم الرجل على العفريت بكل سلاح ماض، وسيف باتر، وسهم مصيب، ونثر كنانته، ولم يدع في القوس منزعا، ولكنه لم ينكأ عدوه ولم يصب منه مقتلا، وما زال الرجل يعيد الكرة بعد الكرة، ويجرب سلاحا بعد سلاح، والعفريت ساخر منه غير محتفل به كأنه من نفسه على أمان، ومن سهام الرجل وهجماته في حصن حصين. حار الرجل في أمره وأعياه أمر العفريت، وكاد يقطع من قتله الرجاء اذ أخبره العقلاء أن روح هذا العفريت في حوصلة ببغاء، وهذه الببغاء في قفص من حديد، وهذا القفص معلق في غصن شجرة، وهذه

стр. 137

الشجرة في غابة كثيفة يسكنها سباع ضارية، وحيات فتاكة، وعقارب سامة، ودونها خرط القتاد وحولها شُمّ الجبال. وما زال الرجل يطلع جبلا بعد جبل، ويقطع واديا بعد واد، ويقتل وحشيا بعد وحشي، حتى خلص الى هذا القفص، وخنق هذه الببغاء ولم يكد يقتلها حتى حدثت رجة عظيمة دارت بها الأرض الفضاء، وأظلمت بها آفاق السماء، وصاح العفريت صيحته الأخيرة، وكان جثة هامدة لا حراك بها، وهكذا قتل الرجل عدوه بعدما لقي منه عرق القربة. لعلك سمعت هذه الأسطورة من عجوز في بيت تحكيها لاحفادها أو أسباطها فمررت بها مستهزئا وقلت: حديث خرافة يا أم عمرو. نعم إنها لحديث خرافة، وأسطورة من أساطير الأولين، ولكنها تفيدنا بأن كل حي له مقتل ووريد، ولا يؤثر فيه عدو، حتى يصيبه في مقتله ويقطع منه الوريد، وأن دون ذلك المقتل وحول هذا الوريد حواجز وحصونا. قد تسلط على الأمة الإسلامية عفريت من الحياة الجاهلية، واعتدى عليها بصنوف من الخبال، وضروب من الأذى والوبال، ظهرت في كثير من أخلاقها وأفعالها،

стр. 138

كاستخفاف بأحكام الشرع، وتجرؤ على المعاصي، ووقوع في محارم الله، واستعباد لعباد الله، وامعان في الشهوات، واسراف في سبيل المتع واللذات، وتهافت على الخسائس والرذائل، وفرار عن مكارم الأخلاق والفضائل، ﴿وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا﴾ [الأعراف: ١٤٦]. والناس طبقات: عامة، وأوساط، وعظماء. فأما العامة فمساكين تدور حولهم رحى الحياة بسرعة، لا يرفعون فيها الى الدين والسعادة الأخروية والاستعداد للموت رأسا، وإنما همهم أن يؤدوا ضرائبهم، ويجمعوا لأيام فراغهم ويكسبوا قوت يومهم، ويكسوا عيالهم، فهم يكدحون في الحياة كدح الحمير والثيران، لا يتعبون الا للراحة الموهومة، ولا يستريحون الا للتعب الواقع، فهم من البيت الى الدكان، ومن الفراش الى المصنع أو السوق أو الإدارة، ومن نصب الى نصب، ومن هم الى هم، لا تنتهي همومهم ولا تنقضي متاعبهم، حتى اذا جاءتهم الساعة بغتة، قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها. وأما الأوساط فهم أسوأ منهم حالا وأكدر منهم بالا، عذبهم الله بالحرص والجشع، ينظرون دائما الى من

стр. 139

فوقهم ولا ينظرون أبدا الى من دونهم، فهم في هم متواصل، وأحزان متسلسلة، وشقاء مستمر، وتذمر جار، وشكوى قائمة، وأنين باق، يجرون في رهان لا تنتهي، ويسابقون جيادا لا تكل ولا تسبق، ولا يزال قصب السبق بعيدا، كلما انتهوا الى غاية راوا غاية أخرى، فجروا وراءها وهي تبتعد عنهم، كما يبتعد الأفق من الطفل الذي يحاول مسكه، وشعاع الشمس الذي يجتهد لقبضه، وهكذا يتفلت منهم "المثل الأعلى" في الغناء والثروة، والرخاء والجاه، فيموت الواحد منهم كثيبا منكسرا، ولم يتسعد ليوم الجد ولم يأخذ لنفسه عدتها ويأتيه الموت فيقول: ﴿رب لولا أخرتني الى أجل قريب، فأصدّق وأكن من الصالحين﴾ [المنافقون: ١٠]. وأما العظماء - من الملوك وأبناء الملوك والأمراء - فإنهم يريدون أن يتلهموا الدنيا طولا وعرضا، وينتهبوا المسرات جريا وركضا، لا يشفى عليلهم ولا يروى غليلهم، وهم من دقائق الراحة الى دقائق، من بدائع الى بدائع، ومن ابتكار الى ابتكار، ومن لذيذ في الطعام والشراب الى ألذ، ومن حديث من مستحدثات المراكب والقصور والأزياء الى أحدث، لا تكفيهم في ذلك موارد

стр. 140

قطر بأسره ومنابع ثروة أمة بطولها، حتى يلجأوا الى استقراض وتجارات وضرائب جديدة وأتاوات، ولا يبالون في سبيل ذلك أن يرهنوا بأيدي عدوهم رداء الزهراء، أو كساء أبي ذر، أوشملة أُوَيس، أو مصحف عثمان، أو صمصامة عمرو بن معدي كرب، أو رمح الزبير، أو بردة كعب بن زهير، ويهيئوا صبوحا أو غبوقا. وقد هجم على عفريت الجاهلية جيش من المصلحين فصاحوا به من كل جانب، ورموه عن قوس واحدة، ولكن لم ينكأوا عدوهم ولم يصيبوا منه مقتلا. ألقى الوعاظ والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر دروسا في الأخلاق، وأحاديث في الترغيب والترهيب، طمعوا الناس في الجنة، وحذروهم من النار، بشروهم بالوعد، وخوفوهم من الوعيد، فسمع الناس كل ذلك في هدوء ولم يحرك منهم ساكنا ولم يغير منهم خلقا. ألف المؤلفون كتبا جاءوا فيها بكل رقيق مرقِّق، أوردوا فيها حكايات زهد العُمَرين، وتقشف علي بن أبي طالب، ومواعظ الحسن البصري، وكلمات ذي النون المصري، ورقائق الفضيل بن عياض، وزهديات أبي العتاهية، وفصاحة الواعظ ابن الجوزي، وتحليل الامام الغزالي.

стр. 141

قوارع تبري العظم من كلم مض. فقام الأغنياء والأمراء وأبناء الملوك فاقتنوا هذه الكتب، وزينوا بها مكاتبهم، وتحدثوا عنها الى ندمائهم وزائريهم في لباقة ورشاقة، ولكن لم تنفذ سهامها من العيون الى القلوب، ولم تجاوز أحاديثها تراقيهم. قام الخطباء البارعون فألقوا خطبا أسمعت الصم واستنزلت العصم، فسمعها هؤلاء وأثنوا على براعتهم وفصاحتهم، ومضوا لسبيلهم لم يبكوا على زلة ولم يقلعوا عن سيئة، ولم يحدثوا لله عهدا. لقد كان - والله - أقل من هذا يهز القلوب في الجوانح. ويستفرغ الدموع من العيون، ويرجف القصور، ويقلب عروش الملوك، ويجعل من أبناء السلاطين والأمراء مثبل ابن أدهم وشقيق البلخي، يسمع أحدهم وهو خارج من قصر أو رائح الى لهو قارئا يقرأ: ﴿ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ [الحديد: ١٦]، فيقول: والله لقد آن، والله لقد آن، ويرمي آلات اللهو، ويخرج من أبهة الملوك وحشمة السلاطين الى تبذل الفقراء وتقشف الزهاد.

стр. 142

فهل فقدت الألفاظ على تعاقب الأيام معانيها، أم اعتلت الأذواق، أم استعجمت اللغات، أم ماذا؟ إن شيئا من ذلك لم يقع، ولكن نفسية الانسان تغيرت تغيرا عظيما. كان أمر الدين في الزمان الماضي - برغم جميع أدوائه وعيوبه الخلقية والاجتماعية - جدا غير هزل، وكان أمر الدين يعني كل واحد ويهمه كما تهم الحقائق والأمور الواقعة، وكان في بعض الأحيان حجب من الترف والطبع والرسم وسوء المعرفة وقلة العلم، فاذا ارتفعت هذه الحجب وتطرقت دعوة الدين الى القلوب لم يحل دون التوبة واصلاح الحال شيء. أما الآن فقد أصبح الدين موضوعا تاريخيا أو حديثا علميا بحتا، وأصبح الحديث عنه في المجتمع العصري كالحديث عن كوكب المريخ وعجائبه وعن القطب الشمالي وأخباره، لا يعود على المتحدث والمستمعين بضرر أو نفع، ولا يطالبهم بعمل أو ترك، ولا يمسهم في صميم مسائلهم، ولا يعني الانسان لا يهمه في حياته الا بمقدار ما يتظرف بمعرفته ودراسته في بعض المجالس، أو ما يحادث به أهله عند الحاجة، أو ما يجلب به نفعا ويدفع به ضرا في مجتمع لا يزال يدين بالدين أو يحترمه، فليس له الا قيمته المادية المؤقتة.

стр. 143

وأصبحت الحياة وتكاليفها جد الجد ولب اللباب، وأصبحت مسائلهم همّ الشيخ ودرس الصبي وشغل الشاب، وأصبح الجهاد في سبيلها والنجاح في ميدانها مقياس الفطنة والذكاء ومعيار الظرافة، واللباقة، ورمز المروءة والشهامة. وهنا يقف الداعي الديني حائرا في أمره كيف يواجه هذه العقلية الهامدة والنفسية الباردة في سبيل الدين، أنه واجه العقول الثائرة على الدين فأخضعها ببراهينه، ووجد شكوكا وريبا تمكنت من النفوس، فسلَّها بحكمته وملأ القلب ايمانا وطمأنينة، ولكن ههنا يجد نفسه في موقف غريب لم يعهده، فلا انكار ولا جحود، ولا اباء ولا استكبار، ولا عناد ولا اعتراض، ولا دليل ولا فلسفة، ولكن حياد تام في مسألة الدين، واستغناء عن كل ما يتصل بالآخرة، واخلاد الى الأرض ورضى بالحياة الدنيا واطمئنان بها. هنا يقف الداعي حائرا في أمره كيف يواجه هذه النفسية ومن أي باب يدخلها، انه يجد حولها غشاء من حب الدنيا والمال فلا سبيل اليها ولا نفوذ فيها الا بطريق الدنيا والمال، وأن سبيل الدين غير سبيل المال، وأن طريق الغيب غير طريق الحس والشهود، فماذا يصنع ومن أين يبدأ؟

стр. 144

ان ألقى القوم نصائحه ووجه اليهم خطابه وحكمته، ونثر كنانته في الدين وأجلب عليهم بخيل العلم والبراهين، ذهب كل ذلك فيهم سدى، وأجابه لسان الحال قائلا: ﴿قلوبنا في أكنة مما تدعونا اليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون﴾ [فصلت: ٠٥]. قرأنا في حكايات "ألف ليلة وليلة" أن سندباد البحري وجد بيضة عنقاء، فظنها لكبرها وضخامتها وملاستها قصرا من الرخام، فدار حولها لعله يجد بابا يدخل منه في داخل القصر، ودار مرارا عديدة ولكنه لم يجد بابا، وعرف بعد ذلك أنها بيضة عنقاء، لا قصرا من القصور. كذلك يدور الداعي حول هذه النفسية المستديرة التي استهوتها الدنيا وغشى عليها حب المال أو الجاه، فلا يجد فيها منفذا ينفذ منه الى النفسية وينزل في أعماقها، فيقطع منها الرجاء، وينقلب منها خاسئا وهو حسير. اذن روح هذا العفريت الجاهلي، هو الاخلاد الى الأرض، الرضى بالحياة الدنيا والاطمئنان بها، وعبادة المال والمادة. هذا مقتل هذا العفريت وهذا أبهره ووريده.

стр. 145

وإنما ضاعت فصاحة الفصحاء، وخطابة الخطباء، وبلاغة المؤلفين وأصحاب اليراع، واخلاص المخلصين وحكمة الحكماء، لأنهم لم يضربوا على الوتر الحساس ولم يصيبوا العدو في مقتله. بلغت المادية أوجها في عهد الاستيلاء الأوربي، وأصبحت فلسفة وفنا وحياة ودنيا، وليس من مظهر من مظاهر حياتها ولا مركز من مراز نشاطها اليوم الا والفضل فيه يرجع الى أوربا وسيطرتها السياسية والاقتصادية مباشرة أو بواسطة، والى غزوها التجاري العالمي. نافس تجار الغرب بدافع من حب الغنى والثروة، واحتكار الأموال في الصناعة والانتاج، وغزوا ببضائعهم الشرق وامتصوا بها دماءه، ولم يقض ذلك لبانتهم لأن نطاق الضرورة ضيق، والجشع ما له نطاق، فنافسوا في انتاج دقائق المدنية وفضول الصنائع وكماليات الحياة وصبوها على الشرق صبا، واستهلكوا في ترويجها كل ذكاء وأدب وفلسفة وسياسة، واستغلوا سذاجة الشرق وحبه للدعاية والفخر، فما لبثت هذه الدقائق والكماليات أن دخلت في أصول المعاش ولوازم الحياة في الشرق، وأصبح الذي لا يتحلى بها لا يعد من الاحياء ولا يعامل في المجتمع معاملة سواء، وأخذت بتلابيب الشرقي وأذهلته عن
следующие страницы →