← Общие книги

Общие книги · id 37562

تعريف عام بدين الإسلام

علي الطنطاوي

Полный текст (180 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المحرمات، وأن تخصه بالتعظيم المطلق، وبكل ما يدل عليه من قول وعمل، وأن تقصد رضاه وحده، لا تقصد بعبادتك الدنيا وأهلها .. مظاهر العبادة البحث العلمي ولما كان الله قد أعطانا العقول، وأمرنا بالنظر في أسرار الوجود، وفي سننه العجيبة، وقوانينه التي أوجدها فيه، وكان علينا امتثال أمر الله، كان درس العلوم الطبيعية، واكتشاف أسرار الوجود عبادة. بشرط الاّ تقف عند معرفة القانون، بل تفكر في الاله العظيم الذي أوجده، فتزداد بهذا الفكر ايمانا بالله، واخلاصا في عبادته، وشرط آخر، هو ان تستعمل هذه الأسرار فيما ينفع الناس، ويرضي الله، لا فيما يضرهم ويؤذيهم، ويسبب في الأرض الفساد. مظاهر العبادة شبهة وردها يسأل كثيرون، ما بال الكافر يعمل على ما ينفع الناس، يوزع الصدقات، ويبني الملاجئ والمستشفيات، ويفتح المدارس، ثم لا يكون له (عندكم) ثواب في الآخرة؟ والرد: ان الله لا يضيع عمل عامل من ذكر وأنثى، ولا يحرم محسنا ثمرة احسانه بل يعطيه ما يطلبه، أليس الجزاء الأعظم أن تعطي المحسن ما يطلبه. فان كان المحسن مؤمنا، مصدقا بالآخرة، وطلب ثوابها، أعطاه الله ثواب الآخرة وان كان (هو نفسه) لا يريد الا الدنيا، الشهرة، والذكر الحسن، وان تكتب الجرائد عنه، ويسجل التاريخ اسمه، أعطاه ما يطلبه. هو لا يريد الآخرة، فلماذا تحزن أنت، وتعترض اذا لم يمنح ثوابها؟. مظاهر العبادة جدال في غير طائل امتلأت كتب علم الكلام بالجدال: في (الصفات) و (الذات)، هل علم الله تعالى (مثلا) بذاته، أم بصفة العلم فيه، وبالتفريق بين صفات الذات، كالعلم والقدرة، وصفات الأفعال كالخلق والرزق. والجدل في كلام الله الذي جر إلى فتنة كبيرة، ما كان لها من داع، هي فتنة الامتحان

стр. 72

بالقول بخلق القرآن، وفي الحسن والقبح، والصلاح والاصلاح، وفي القضاء والقدر، وارادة الانسان، وأمثالها. ووجه الحق في هذه المسائل، هو رفض البحث فيها، والجدال عليها، وهي (اذا استعرنا لغة المحاكم) دعوى مردودة شكلا. أولا: لأن السلف وهم أفضل المسلمين، وخيار هذه الأمة، من الصحابة والتابعين الكبار ما عرفوها، ولا بحثوا فيها. وكان دينهم أسلم، وايمانهم أصح، وهم قدوتنا في ديننا. ثانيا: لأن من يدقق في أقوال الفرق المختلفة، يجدها كلها مبنية على أساس واحد، هو قياس الخالق على المخلوقين، وتطبيق منطق العقل البشري، وأحوال النفس الانسانية علىالله. وذلك باطل، لأن الخالق لا يشبه بالمخلوق، ولأن الله ليس كمثله شيء. ثالثا: لأن هذه الأمور كلها، مما وراء المادة، أي من عالم الغيب، وقد تقدم في القاعدة الخامسة من قواعد الايمان، ان العقل قاصر حكمه على عالم المادة، لا يستطيع أن يحكم على ما وراء المادة، ولا يستطيع أن يدركه. مظاهر العبادة وجه الحق فيها وأنا أدعو إلى شيء جديد، شيء هو أقرب إلى الحق، وأنفع لنا، هو أن ننقل الموضوع من جدال في صفات الله، إلى سلوك في الحياة يوصل إلى رضاه، فبدلا من أن نبحث (بحثا غير منتج) في القرآن هل هو مخلوق، أم غير مخلوق، نقول، ان القرآن أنزله الله لنعمل به، فلنعمل به، ولنأتمر بأمره، ولنقف عند نهيه. وبدلا من البحث في علم الله، وهل هو بذاته أم بصفة زائدة على الذات، نقول: اذا كان الله يعلم عنا كل شيء من سرنا وجهرنا، وانفرادنا واجتماعنا. فيجب أن نسلك في الحياة سلوكا موافقا لشرع ربنا، حتى يعلم عنا ما يرضيه علينا.

стр. 73

هذا هو الحق، وما مثل من يصنع هذا ومثل من يجادل في صفات الله، الا كمثل طلاب المدرسة، الذين يقال لهم: انها ستأتي لجنة عليا من الوزارة تتولى هي امتحانكم، فالعاقل منهم يقول: اذا كانت هذه اللجنة ستتولى الامتحان، فينبغي أن أستعد وأدرس، ولا أدع من المنهج المقرر شيئا لا أحفظه، والأحمق يجادل في هذه اللجنة، كيف يكون امتحانها، هل تتولاه كلها أم أفراد منها. وهل عددها (شفع) أم (وتر)، وهل تجيء بالسيارة أم بالطيارة، ولا يزال في هذا وشبهه حتى يأتي يوم الامتحان، وهو لم يعد له شيئا. إن الله لا يسألنا يوم القيامة عن شيء مما ينى عليه المتكلمون جدالهم، وأقاموا عليه مختلف مذاهبهم، وملأوا به كتبهم. ولو كان ذلك من شروط الايمان، لبحث فيه رسول الله ﷺ وأصحابه، فلنتركه كله، فإنه أثر من آثار الفلسفة اليونانية القديمة التي دالت دولتها، وبطلت أكثر نظرياتها، ووهت أدلتها، وحل محلها في مسائل (الميتافيزيك) ما وراء المادة، فلسفة جديدة، لا تقل عنها ضلالا وتخبطا في مهامه الظنون، فلنجعل كتاب الله أمامنا، وليكن عليه اعتمادنا، وما كان فيه من ذكر لأمور مغيبة لم يعرض الا إلى جزء منها، آمنا بما جاء فيه، وفوضنا ما خفي عنا إلى من أنزله علينا.

стр. 74

مظاهر الإيمان الايمان والعمل التلميذ الذي يؤمن بأن الامتحان قريب، لم يبق دونه الا اسبوع، ثم لا يستعد له، ولا يهتم به، بل يشتغل عنه باللهو واللعب، لا يكون كامل الايمان بقرب الامتحان. والتائه الذي ترشده إلى الطريق الموصل، فيصدقك ويؤمن بكلامك، ثم يمشي إلى الشمال بدلا من اليمين، لا يكون تام الايمان بصدق المرشد. فالايمان الكامل تبدو آثاره في أعمال المؤمن، وفي سلوكه. الايمان والعمل: فالايمان لا ينفك عن العمل، لأن العمل نتيجة له، وثمرة من ثمراته، وهو مظهره الذي يظهر به للناس. ولذلك قرن الله الايمان بالعمل الصالح. ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون اولئك هم المؤمنون حقاً ... ﴾ ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه ... ﴾ ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون ... ﴾

стр. 75

﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ... ﴾. مظاهر الإيمان الايمان يزيد من العلماء من نظروا إلى الايمان، باعتباره عقيدة، لا تقبل التجزئة، فلا يكون المرء إلا واحداً من اثنين: مؤمنا، أو كافراً، ولا توسط بينهما، فذهبوا إلى ان الايمان لا يزيد ولا ينقص. ولكن الجمهور نظر اليه، مقرونا بالعمل الصالح، فرأوه يزيد بازديادها، وهذا هو الحق الذي وردت به النصوص القاطعة، قال تعالى: ﴿واذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ... فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ... وما زادهم الا إيماناً وتسليماً﴾. مظاهر الإيمان ترك العمل لا يكفر والعلماء من أهل السنة متفقون على أن مجرد ارتكاب المحرم من غير انكار لحرمته، وترك الواجب من غير انكار لوجوبه، ولا استخفاف به، يعرّض صاحبه لعذاب الآخرة لكنه لا يكفر صاحبه، ولا يخلده في النار. وما ورد في الحديث، من ان الزاني لا يزني حين يزني وهو مؤمن، معناه أنه لا يكون ساعة الزنا ذكرا ان الله مطلع عليه، ولو ذكر ذلك لمنعه منه حياؤه من الله، ولو ان فاسقا أعد عدة الزنا، وهم، فرأى أباه يطل عليه ويراه - هل يستطيع أن يمضي فيه، أم يمنعه منه الحياء من أبيه؟ فكيف لا يمنعه الحياء من الله، وهو ذاكر انه يراه؟. ثمرات الايمان الذكر وثمراته هي هذه الأعمال القلبية، التي لخصها رسول الله ﷺ ، في

стр. 76

الحديث الصحيح، بهذه الكلمة الجامعة المانعة، التي تعدّ من جوامع الكلم، ومن دلائل البيان النبوي، الذي لا يدانيه ولا يقاربه بيان بشري، هي قوله في تعريف الاحسان: "ان تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فإنه يراك". الذكر: وأول هذه الثمرات الذكر، ولقد قرأت عن أحد الصالحين (ونسيت (١) اسمه)، ان ابتداء أمره أنه كان له خال متعبد، وكان يلازمه، فقال له: "يا خالي ماذا أعمل لأكون مثلك". فقال له خاله: قل كل يوم ثلاث مرات "ان الله ناظر اليّ، ان الله مطلع عليّ". فقالها، واستمر عليها اسبوعا، فأمره أن يقولها ثلاث مرات في عقب كل صلاة، فقالها، وتركه اسبوعا، وأمره أن يقولها بقلبه بدلا من أن يحرك بها لسانه، فتعود بذلك على أن يكون دائماً ذاكراً مراقباً. وما أمر الله بشيء في القرآن ما أمر بالذكر، ولا أثنى على أحد ما أثنى على الذاكرين. والذكر في لسان العرب الذي نزل به القرآن ذكران: ذكر القلب، وذكر اللسان، وكلاهما ورد في القرآن. فمن ذكر القلب قوله: ﴿إني نسيت الحوت وما أنسانيه الا الشيطان أن أذكره﴾. أي: ان اتذكره ويخطر على بالي. ومنه: ﴿اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ... يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم﴾. ومن ذكر اللسان قوله: ﴿واذكر في الكتاب ابراهيم ... واذكر في الكتاب مريم ... اذكرني عند ربك ... واذكروا اسم الله عليه﴾.

стр. 77

فاذا أردت أن تتحقق لك صفة الذاكر، فتذكر بقلبك (١) (أي: بعقلك) وأنت وحدك، وأنت في الملأ، وأنت في السوق، وأنت في الطريق. وتذكر في كل وقت، وعلى كل حال، ان الله يراك، فلا تعمل الا ما يرضيه، فإن أديت واجبا فاذكر انك تؤديه امتثالا لأمره، وان تركت محرما فاتباعا لنهيه، وان عملت مباحا فاقصد به وجها تستحق به الثواب، وان عرض لك طريقان، فاختر منهما ما يدنيك من الجنة ويباعدك عن النار. وان نسيت فاذنبت ذنبا، ثم تذكرت فتب منه، واطلب العفو عنه. ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾. واذكر بلسانك، فان أفضل الذكر ذكر اللسان مع حضور القلب، فان كان الفكر غائبا لا يعي ما يقول اللسان، كان ذكره كلاما بال معنى، كذكر بياع الكعك في الشام ينادي: (الله كريم) لا يقصد ذكر الله، ولكن يبيع الكعك، وذكر بياع الخس ينادي: (الله دايم). وربما كان ذكر اللسان معصية، كمن يسمّي الله على شرب الخمر، ومن يذكر الله في أغاني الفسوق التي تغنيها المغنيات، فان قصد بذلك الهزء، او دلت عليه دلالة ظاهرة، كان ذكره هذا كفراً. وأفضل الذكر تلاوة القرآن، الا في المواضع التي عيّن لها الشارع ذكرا خاصا، كالتسبيح في الركوع والسجود مثلا. والذكر المأثور عن رسول الله ﷺ . وأما ما يسمى في أيامنا بحفلات الذكر، وكان يعرف عند علمائنا بالرقص لما فيه من القيام والركوع، والانحناء والاستواء، بحركات موزونة، ونغمات معروفة، ولا ينطق فيه بتهليل ولا تحميد، بل بأصوات مبهمة مثل: (آه) و (أح)، ففي حاشية ابن عابدين (٢) (وهي عمدة المذهب الحنفي) أنه

стр. 78

حرام، الا اذا فعله مغلوبا على أمره، غائبا عن حسه، لم يتعمده ولكن حملته عليه سيطرة العاطفة، وفرط الوجد، فان استحله قد يحكم بكفره. ثمرات الايمان بين الخوف والرجاء وأن يكون المؤمن بين الخوف من عقاب الله، والرجاء لعفوه، يذكر ان الله سريع الحساب وأنه شديد العقاب، فيغلب عليه الخوف، ويذكر أنه عفو رحيم، وأنه أرحم الراحمين، فيغلب عليه الرجاء، فان ملأ قلبه الخوف وحده، يكون قد يئس من رحمة الله: ﴿إنه لا ييأس من رَوْحِ الله الا القوم الكافرون﴾. وإن ملأ قلبه الرجاء وحده، يكون قد أمن مكر الله. ﴿فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون﴾. وقد قدمنا الكلام بأن الخالق لا يشبه المخلوق، والخوف منه ليس كالخوف من مخلوقاته، فأنت تخاف الأسد الذي يواجهك كاشرا عن أنيابه، مالئا الجو بزئيره، وأنت وحدك أمامه أعزل بلا سلاح، ولكن خوف الله ليس كخوف الأسد، لأن الأسد يمكن درء خطره عنك، ولو أرادك به، والله رب الأسد وخالقه، لا يمكن دفع قضائه اذا كتبه عليك. وأنت تخاف السيل الهدار، يكاد يصل اليك وأنت في مجراه، لا قوة لك على دفعه، ولكنه ليس كخوف الله الذي أجراه، والذي يوقفه ويجففه اذا شاء ويرده إذا أراد، والسيل يمكن الفرار منه، والابتعاد عنه، وعذاب الله اذا وقع، ما منه مفر. وأنت تخاف الأمراض والآفات، وفقد الاحباب، وذهاب المال، ولكن ذلك ليس كخوف الله، الذي بيده الأمر كله، ان شاء ابتلاك به، وان شاء عافاك منه، وما في الوجود شيء يعافيك بما بيتليك به الله. فالمؤمن ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء، اذا وقف في الصلاة فقال: ﴿الرحمن الرحيم﴾. استشعر الرجاء، وان قال: ﴿مالك يوم الدين﴾. احس الخوف.

стр. 79

وأكثر المسلمين اليوم، غلبّوا الرجاء على الخوف، والأمل بالعفو، على توقي العقاب. على ان المسلم اذا أتى الفرائض، واجتنب المحرمات يكون من الخائفين المتقين، لكنه يخسر الدرجات العالية في الجنة، فهو كالتلميذ الذي يحصل أقل درجات النجاح، لا يرسب في فصله، ولكن لا ينال تقديراً ولا مكافأة، ويكون نجاحه (وسطا) لا (جيدا) ولا (ممتازا). ثمرات الايمان التوكل قال الله تعالى: ﴿إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا﴾. وقال: ﴿إن الله يحب المتوكلين﴾. فما هو التوكل؟ وما حقيقته؟ لقد تقدم القول بأن الله جعل فيما خلق من الأشياء النافع والضار، وجعل من سنن الكون ما هو سبب للنفع، وما هو سبب للضرر، فهل التوكل على الله ترك الأسباب؟ لقد كان في المتصوّفة من يرى التوكل في ترك التسبب، لا يعمل لتحصيل الرزق، وينتظر ان يصل اليه رزقه بلا عمل، ويدع مريضه بلا تطبيب، ويرجو أن يناله الشفاء بلا دواء، ويسلك الصحراء بلا زاد، ويأمل أن يجيئه زاده من غير تعب، ويدع طلب العلم، ويعتقد ان العلم يأتيه بلا طلب (١)، وهذا مخالف للشرع، فالشرع يقول: ﴿فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾. ويقول: "يا عباد الله تداووا", ويقول: "وتزودوا" ويقول: "طلب

стр. 80

العلم فريضة" فمن ترك طلب العلم وزعم أنه يأتيه فقد خالف الشرع والطبع. ومن الاجانب الذين يعيشون بالمادة وحدها، وللمادة وحدها، من يعتقد ان الأسباب هي التي تصنع المسببات، وان الدواء يشفي بذاته، والسعي هو الذي يوصل وحده إلى النجاح. وهذا مخالف للواقع، فإنه قد يوجد السبب ولا يوجد المسبب، قد يحصل التداوي ولا يكون الشفاء، وقد يكون في المستشفى مريضان في غرفة واحدة، المرض لديهما واحد، والطبيب واحد، والدواء واحد، فيموت الأول، ويبرأ الثاني، وقد يحرث الفلاح الأرض بأحدث الآلات، ويلقي فيها بأحسن البذور، ويضع لها أغلى السماد، فيأتي البرد الشديد، أو الحر الشديد، أو الجفاف المحرق، أو السيل الجارف، فتذهب هذه الأسباب كلها هدرا. فلا الأسباب وحدها توجد المسبب حتما، ولا اهمالها يجوز عقلا، بل الذي يدعو اليه العقل، ويأمر به الشرع، هو أن يتخذ المرء الأسباب كلها، ثم يسأل الله تحقيق النتائج. قيد الناقة وتوكل على الله في حفظها، واقرأ دروسك كلها وتوكل على الله، واسأله النجاح في الامتحان. هذا هو التوكل الحقيقي، ليس التوكل، في اهمال الأسباب، وتعطيل سنن الله في الكون، ولا في نسيان ان الله هو النافع الضار وابتغاء النفع (حقيقة) من سواه. الأسباب لا بد منها، وفي اتخاذها اطاعة لأمر الشرع، واتباع لسنن الله في الوجود. ولكن الأسباب وحدها لا تكفي، لأن النتائج بيد الله، فالمتوكل على الله حقا، من يبذل للوصول إلى المطلوب كل جهد، ويتخذ اليه كل وسيلة مشروعة، ويعتقد ان الموصل هو الله، فيتوكل عليه، ويطلب منه ما يريد.

стр. 81

ثمرات الايمان الشكر ويكون بعد ذلك راضيا عن الله، مهما منعه أو أعطاه، فيتحقق بصفة الشكر. ﴿ومن شكر فانما يشكر لنفسه ... وسيجزي الله الشاكرين﴾. والشكر من ثمرات الايمان، واذا أحسن اليك عبد من عباد الله فلم تشكره، كنت مقصراً عنه، مسيئا اليه، مع أنه واسطة والمحسن الحقيقي هو الله فكيف لا تشكر الله، والله هو الذي أنعم عليك بنعمة السمع والبصر، والصحة والأمن، وسخر لك ما في الأرض، وأعطاك من النعم ما لا تستطيع عده ولا احصاءه؟ ان الانسان لا يعرف قيمة النعمة الا عند فقدها، ان وجعه ضرسه رأى أعظم النعم في زوال الألم، فان زال عنه نسي هذه النعمة، وان احتاج يوما إلى دينار ولم يجده عرف نعمة الغنى، فان هو استغنى نسيها. وان انقطع تيار الكهرباء، وشمل الدار الظلام عرف نعمة النور, فان وجده لم يعد يدرك قدره. فاذا كنت لا تستطيع أن تحصي نعم الله عليك، أفلا تشكره عليها؟ تشكر الله بلسانك بحمده والثناء عليه، فتقول: "الحمد لله ... رب لك الحمد"، وتشكر الله بعملك فتفيض من هذه النعم على من حرم منها، وشكر الغني أن يعطي الفقير، وشكر القوي أن يساعد الضعيف، وشكر صاحب السلطان أن يقيم الحق، ويسير بالعدل. فان كنت من ذوي اليسار، وكان على مائدتك خمسة ألوان، وكان جارك جوعان، فلم تعطه شيئا لم تكن من الشاكرين. ولو قلت بلسانك ألف مرة: (الحمد لله). وتشكر الله بقلبك فتكون راضيا عنه، فانعا بما قسم لك، لا تسخط ولا تستقل النعم، ولا تحسد أحداً على ما أعطاه الله. فمن جمع شكر القلب بالرضا عن الله، وشكر العمل بأن يفيض على

стр. 82

المحرومين من فضل (١) النعم، وشكر اللسان بأن يكثر من حمد الله، كان من الشاكرين حقا. ثمرات الايمان الصبر والمسلم بين نعمتين، ان أصابه خير فشكر كان له اجر، وان مسه ضر فصبر كان له أجر، فلا يعدل أجر الغني الشاكر، أو يزيد عليه، الا أجر الفقير الصابر. ﴿ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. وهذه الحياة الدنيا، ليست دار نعيم، وليست تخلو من المكدرات، من انحراف الصحة، أو ضياع المال، أو فقد الحبيب، أو غدر الصديق، أو ذهاب الأمن، هذه طبيعتها التي لا تتغير ... جبلت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الاقذار والاكدار ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار قال تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ... ﴾. لأنهم مع الأيام ينسون المصاب، ويجدون الثواب، وغيرهم يحمل الألم. ولا ينال شيئاً. مصاعب ومصائب لا بد منها، فإما أن تداويها بالصبر فتنال الاجر، وإما أن تثور عليها، فتزيد ثورتك من عذابك، ولا تدفع عنك ما بك. هذا هو النوع الأول من الصبر، الصبر على المصائب. والنوع الثاني هو الصبر عن المعاصي، صبر الشاب الذي يرى العورات البادية ونفسه تميل اليها، فيغض بصره من خوف الله عنها، ويعرف سبيل اللذات المحرمة، فيمنع نفسه عن سلوكها، على رغبته فيها. صبر

стр. 83

الموظف الذي تعرض عليه الرشوة، تعدل راتبه عن ستة أشهر، فيكف يده عنها، على حاجته اليها. صبر التلميذ في الامتحان اذ يتمكن من سرقة الجواب من الكتاب، فلا يقدم عليها، وان كان نجاحه منوطا بها. المعاصي لذيذة للنفس، فان امتنع عنها، مع تمكنه منها، كان مع الصابرين. والثالث الصبر على الطاعات، على القيام لصلاة الفجر، وترك لذة المنام ودفء الفراش، في الغداة الباردة. على احتمال الجوع والعطش في شهر الصيام، في الصيف الملتهب. على اكراه النفس المحبة للمال، على اخراج الزكاة، وبذل الصدقة. الصبر على التمسك بالدين في هذا الزمان الفاسد، الذي عاد فيه الدين غريبا كما بدأ غريبا، وصار القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وصار المتدين فيه معرضا لسخرية الناس، وايذاء الحكام، ونقص المرتب، والاخراج من الديار، فمن احتمل ذلك لله وحده قاصدا ثوابه، كان من ﴿الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ... أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ... وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم ... ﴾. ثمرات الايمان الانقياد لحكم الشرع قلنا بان الايمان عمل من أعمال القلب، سر من الأسرار التي لا يعلم بها الا الله، وانما للناس الظواهر، لذلك ميزنا المؤمن من غير المؤمن بمقاله وأعماله. فالاسلام هو مظهر الايمان، والاسلام في اللغة هو التسليم: (اسلم) و (سلم) بمعنى واحد، فالولد يستسلم لأبيه ثقة به والمحب يستسلم لمحبوبه ميلا اليه، والمهزوم يستسلم لمن هزمه خوفا منه. أما المؤمن فيسلم لحكم ربه استسلاما مطلقا، يطيع له كل أمر، ولو لم يعرف الحكمة منه، ووجه المنفعة فيه، ويدع كل ما ينهى عنه، ولو لم يدرك سر نهيه عنه، وهذا الاستسلام له جانبان: جانب عملي، هو الامتثال بالقول والعمل، وسيأتي

стр. 84

الكلام عنه ان شاء الله، في الجزء المخصص للاسلام من هذا الكتاب، وجانب نفسي هو الذي نبحث عنه الآن، ونحن نتكلم عن الايمان. هذا الجانب هو الرضا القلبي بحكم الشرع، واطمئنان النفس اليه، وأن نعمل الواجب أو نترك الحرام عن اقتناع، ليس في قلوبنا تبرم به، ولا سخط عليه، قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾. وهذا هو الجانب العملي. ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾. وهذا هوالجانب النفسي. فلا يكفي مجرد الاحتكام إلى الرسول، اذا لم يكن في قلوبنا اعتقاد صحة هذا الحكم، والرضا به، والاطمئنان اليه. ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا (بألسنتهم مقرين معترفين بقلوبهم) سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ... ﴾. ومن الناس من يسأل دائماً عن حكمة الشرع في كل أمر ونهي. كأنهم لا يطيعون الا اذا عرفوا الحكمة، وللشرع حكمة لا شك فيها، ولكنها قد تبدو لنا، بالنص أو بالاستنباط، وقد تخفى علينا، افنعصي ربنا اذا لم تظهر حكمة شرعه لنا؟! تصور: انك كلما أمرت ولدك بأمر لم ينفذه، حتى تبين له مقصدك منه، وحكمتك فيه، ولو كان الموقف ضيقا لا يتسع للبيان، ولو كان في الأمر سر لا يجوز معه الاعلان! الا تعد هذا الولد عاصيا لك؟ اولا تنتظر منه أن يطيعك على أي حال، لأنه ولدك ولأنك أبوه؟ ولو أن ضابطا تلقى أمر القيادة فأبى أن ينفذه حتى تشرح له خطتها التي أوحت به، وغايتها من اصداره ألا يستحق العقاب؟

стр. 85

ان حق الله على العبد لا يقاس بحق الوالد على الولد ولا بحق القائد على الجند، ومن حقه تعالى علينا أن نطيع في المنشط والمكره، والموافق لنا والمخالف لرغبتنا، لا أن نتمحل الادلة، ونتعسف النظر، لنجد قولا في الفقه يرضي أهواءنا؟ ولا أن نجعل من الحضارة الأجنبية، واعرافها التي أخذنا بها حجة على الشرع، فنؤول ما لا يؤول من النصوص، ونتنكب الطريق المستقيم في البحث لنقول ان ديننا لا ينافي هذه الاعراف، ثم اذا تبدلت اعراف (١) المجتمع، او تحول مورد هذه الحضارة الاجنبية من الغرب إلى الشرق، بدلنا بحثنا، وجئنا بتأويل جديد. لا، بل الاحتكام إلى الشرع، والعمل بحكمه، والرضا به، والاطمئنان اليه، هذا هو شأن المؤمنين المصدقين حقا بصحة هذا الدين. ثمرات الايمان شدة ولين ومن مظاهر الايمان ودلائله، أن يكون الحب في الله والبغض في الله، نحب المطيع التقي ولو لم يكن لنا منه نفع، ونبغض الكافر الفاجر ولو لم ينلنا منه ضرر. بل اننا نبغضه ونهجره ولو كان مفيدا لنا، ولو كانت تربطنا به أوثق الروابط. ذلك لأن اخوة الدين أقوى عند المؤمن من اخوة الدم، وصلة العقيدة أوثق من صلة النسب. ولقد بين الله لنوح ان ابنه الكافر ليس من أهله، لأنه عمل غير صالح، ونفى أن تكون بين المؤمنين وبين المعاندين الذين يحاربون الدين مودة، و (تعايش سلمي)، مهما كانت قوة الصلات بين الفريقين. فقال: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله ... ﴾. لا يكرههم على الاسلام اكراها، بل يمنعهم أن يعترضوا سبيله،

стр. 86

ويحاربوا دعوته، فان اطمأنوا لدعوتنا ودخلوا في ديننا صاروا منا لهم ما لنا وعليهم ما علينا وان سالموا دعوتنا، سالمناهم وحفظنا لهم حقوقهم وان بقوا على دينهم. فالمؤمن يحب اذا أحب للدين، ويبغض اذا أبغض للدين. فاذا أحب تجلى فيه كرم النفس ورقة الطبع، وبدا منه التسامح والبذل، يذل لأخيه ولا يرى ذلك ذلا، ويؤثره على نفسه بالشيء ولو كانت به حاجة اليه. واذا أبغض ظهر منه الغضب لله، والشدة في الدفاع عن دينه، والبأس في قتال أعدائه، فهو يجمع بين اللين والشدة، والرقة والغلظة. اللين والرقة لاخوانه في الايمان والشدة والغلظة على أعداء الدين أنصار الشيطان. ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... اذلةٍ على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم (١) ... ﴾. هذه حال المؤمنين، لما كانوا من المجاهدين، فلما تركنا الجهاد، وخالفنا الشرع، وصارت شدتنا على أنفسنا، وليننا أمام أعدائنا، سلط الله علينا بذنوبنا من لا يخافه ولا يرحمنا، فملك بلادنا، وتحكم فينا. ثمرات الايمان التوبة والاستغفار خلق الله الانسان وغرز في نفسه حب العاجلة، وطول الأمل، والرغبة في جمع المال، والشهوة لمقاربة النساء، والغضب، والميل إلى البطش والانتقام، وسلط عليه الشيطان يزين له الفواحش، ويحبب اليه المعاصي، ووضع فيه نفسا امارة بالسوء، متشهية للحرام، تعين عليه الشيطان، فكان من نتائج ذلك أنه يأتي المعاصي، ويرتكب الذنوب، فماذا يصنع لينجو من عقاب المعصية وتبعات الذنب؟ إن الله من رحمته به فتح له باب التوبة. قال له: انك تستطيع أن تمحو

стр. 87

من صحيفتك كل ذنب عملته، فكأنه ما كان، بل (ربما) سجلت لك حسنة، مكان السيئة التي كانت عليك. كدفتر التاجر يكون مقيدا فيه أن له عليك مئة دينار، فلا يكتفي بأن يسامحك بها، ويمحوها لك، بل ينقل قيدها من صفحة الدين الذي عليك، إلى صفحة الدين الذي لك. قال تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً﴾. وباب التوبة مفتوح، ما دام المرء صحيحا معافى، فان تاب التوبة الصادقة قبلت توبته، ولا يغلق الا ساعة الاحتضار، الساعة التي تصير فيها الروح في الحلقوم، الساعة التي يواجه فيها الانسان الحقيقة، ويرى عياناً ما جاءه به الرسول خبراً، فتكون توبته حينئذ من قبيل تحصيل الحاصل، لأن التوبة هي الرجوع الاختياري إلى الله، وقد أرجع كرها وجبرا، فلم يعد ينفعه الاقرار، بعد أن فقد الاختيار، قال تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريبٍ فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفارٌ ... ﴾. وأول شروط التوبة الانقطاع عن الاساءة والعزم على الا يعود اليها. لو كنت ماشيا في الطريق، ففتح رجل نافذته وألقى عليك ماء وسخا، فلما لمته وشتمته، اعتذر اليك، وهو مستمر بصب الماء عليك، أو امتنع عنه، ولكنه أوعدك بالعودة إلى مثله غدا، فهل تقبل اعتذاره؟ ان للتوبة روحا وجسدا، فروحها استشعار قبح المعصية، وجسدها الامتناع عنها. كمن يمشي على طريق، فيرى لوحة تدله على أنه غير طريقه المقصود، انه يشعر بخطئه، وهذا الشعور هو الأصل. اذ لولا معرفة الخطأ، ما كانت الهداية إلى الصواب، ولكنه اذا اقتصر على هذه المعرفة، ولم يعمل

стр. 88

بمقتضاها، واستمر ماشيا في الطريق المنحرف لم ينفعه علمه بانحرافه، بل انه يكون به أكبر ذنبا، وأعظم تبعة، لأن الذي ينحرف وهو لا يعرف، له بعض العذر، ولكن الذي يعرف الطريق، وينحرف عنه عمدا، لا عذر له (١). والشرط الثاني: أن يجعل الاحسان بدل الاساءة، والاصلاح مكان الافساد، أي أن يحقق التوبة، بتبديل العمل، وتعديل السلوك. ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ... فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ... الا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ... إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم ... ﴾. ومن الاصلاح أن يكون ترك الذنب حقيقيا، وأن تعزم عزما صادقا على الاّ تعود اليه. فان عقدت على ذلك العزم الصادق، ثم غلبتك النفس، أو حملتك الظروف، فعدت اليه، ثم تبت قبلت توبتك، ولو تكررت العودة وتعددت التوبة. أما ان خالط عزمك تردد من الأصل، وقلت في نفسك، اذا اشتدت رغبتي رجعت ثم تبت لا تكون توبتك صادقة ولا مقبولة. هذا في التوبة من حقوق الله، انه يكفي فيها أن تترك الذنب نادما على فعله، عازما عزم الصدق على عدم العودة إليه. أما حقوق الناس: ان كنت ظلمت احدا، أو أكلت ماله، او آذيته في جسده أو في عرضه، أو شهدت عليه زورا، او اغتبته أو وشيت به، أو أشعت عنه قالة السوء، فلا بد في ذلك وأمثاله، من أن تؤدي اليه حقه، أو ينزل لك عنه ويسامحك به، أو يرحمك الله فيرضيه عنك. والا لم تقبل توبتك، وأخذ المظلوم يوم القيامة من حسناتك، أو حمل عليك من سيئاته.

стр. 89

وباب التوبة مفتوح مهما كثرت الذنوب، فلا ييأس أحد من عفو الله، فان اليأس من عفو الله أكبر من كل ذنب. ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾. فالتوبة هي ترك للسيء و (رجوع) إلى الحسن، أما الاستغفار فهو طلب الغفران من الله، وقد أمر الشرع به، وحث عليه: ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا اليه ... واستغفروا ربكم ثم توبوا اليه إن ربي رحيم ودود ... ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾. وجاء، مثل ذلك على لسان كل رسول، ينصح به قومه، ويدلهم به على طريق العفو من الله، والنجاة من عذابه. والمذنبون على درجات: أما الذين ماتوا على كفرهم فلا أمل لهم في المغفرة. ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. والمشركون في الأصل أشد كفرا من أهل الكتاب ولكن الجميع في حكم هذه الآية سواء، فلا يقال لمن مات كافرا ﵀، ولا (غفر الله له)، ولا يقال له (المرحوم أو المغفور له فلان). وأما العصاة من المسلمين، الذين ماتوا بلا توبة فأمرهم إلى الله، ان شاء غفر لهم. ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. وان شاء عذبهم بالنار، لكنهم لا يخلدون فيها. ولا يستهن أحد بعذاب النار، ولا يستخفه، فان نار الدنيا وهي نعمة، لا يطيق أحد احتمالها دقائق، فكيف نعرض أنفسنا لعذاب جهنم دهورا؟ وأما التائبون فيتوب الله عليهم بمنه وكرمه، هذا الذي يتوب من بعد الذنب، أما الذي يتوب منه، ويتنبه لنفسه ويدركه خوف ربه، قبل اتمام

стр. 90

الذنب، ويتركه لله مع شدة الرغبة فيه، وعظم الميل اليه. فله أعظم الثواب، كمن يستنزله الشيطان، فيدفعه إلى الزنا، حتى اذا تمت له أسبابه، وشرع به او هَمَّ، فذكر الله، فأعرض عنه وشهوته متعلقة به، ونفسه راغبة فيه، وأين من يقدر على ذلك الا ان أمده الله بقوة منه؟ فلا يجرب هذه التجربة أحد، فأنه يكون كمن يتناول جراثيم المرض الخطر، ان نجا منه اكتسب مناعة تجعله أقوى ممن لم يدن منه المرض، ولكن احتمال حصول المناعة من المرض واحد في المئة، واحتمال الهلاك به تسعة وتسعون. هذا في مرض الجسد، أما الكف عن الذنب، فانه لا يكسبه مناعة من العودة اليه، فمن أراد السلامة من الشر فليبتعد عنه، وليقطع أسبابه، وليسد الطريق اليه، ويهجر من الناس من يرغبه فيه، ويدعوه اليه. فان الصاحب ساحب، المرء على مذهب خليله، وقديما قالوا: "قل لي من ترافق، أقل لك من تكون". فلينتبه لذلك الناشئون، ويطلبوا من الله العون.

стр. 91

الإيمان باليوم الآخر نحن والموت نحن والموت على أصناف أربعة: صنف يهتف مع الشاعر الاحمق: ما مضى فات والمؤمَّل غيبٌ ... ولك الساعة التي أنت فيها!! لا يفكر في ماض، ولا يعد لمقبل. يظن الامس (١) قد فني، والغد لا يأتي، يقول: (ما مضى فات) ولا والله ما فات، ولكن قيد علينا حسنه وسيئه، في كتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها. و (المؤمل غيب)، ولكنه غيب عن الحس، حاضر في النفس موجود عند الله، آت لا شك فيه، وهذا الصنف شر الثلاثة، وهو الذي لا يذكر الموت ولا يفكر فيه. وصنف، يذكر الموت، ولكن كذكر الشاعر الفارسي، عمر الخيام الذي فتن بباطله الناس، يقول: اذا كان الموت حقاً لا شك فيه، وكانت الحياة قصيرة لا بقاء لها، فلنملأها بالعشق والهيام. واذا كانت قد جبلت على المكاره والآلام، فلنهرب منها إلى كأس المدام، فنمضي العمر في شعر ... وسكر ... وعهر ... وصنف يذكر الموت ولكن كذكر أبي العتاهية، ملأ بذكر الموت بيانه، وشغل به لسانه، ولكنه لا يذكر (الا قليلا) ما بعد الموت. فكأنه يقول مع

стр. 92

القائل: "رأيت الموت غاية كل حي". والقائل الآخر: "ان تحت الرجام نوماً طويلاً". وأهل الحق الذين عرفوا أنه ليس غاية ولكنه البداية، وما هو بنوم ولكنه يقظة من النوم، (الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا) وعرفوا ان وراء الموت حياة أطول، حياة لا تكاد تنتهي، اما أن يكون فيها النعيم المقيم، وأما أن يكون فيها العذاب الأليم. وهذا هو الصنف الرابع، صنف المهتدين المؤمنين. الإيمان باليوم الآخر الحياة الأخرى هذه هي الحياة الحقيقية، من أصيب بقصر النظر لم يرها، ومن ابتلي بضعف العقل لم يصدق الخبر عنها، ومن كان له بصر يرى، وعقل يدرك، رأى أن حياة الانسان مراحل. فلقد كان يوماً منطوياً على نفسه، مكوماً في بطن أمه، يعيش بين أحشائها، ولو كان يفكر يومئذ لظن أن هذه هي الحياة فهو يتمسك بها، لا يخرج منها الا مرغماً. ولو كان ينطق لحسب هذا الخروج موتاً ودفنا في الأعماق مع أنه (ولادة)، وانتقال إلى عالم أرحب، هو هذه الدنيا، والذي نراه نحن موتا، وخروجا من هذه الدنيا، هو في الحقيقة ولادة، وانتقال إلى عالم أرحب، إلى عالم البرزخ، البرزخ بين الدنيا المادية الفانية، والحياة الاخرى الباقية. الإيمان باليوم الآخر الاستعداد للموت الانسان مغروز فيه طول الأمل، فهو (غريزة) في نفسه، لذلك كان الموت أقرب شيء في حواسنا منا، وأبعد شيء في أفكارنا عنا. نرى مواكب الأموات تمر بنا كل يوم، ونحس أننا باقون. ونمشي في الجنائز، ونحن نفكر في الدنيا أو نتحدث عنها. ونرى القبور تملأ رحاب الأرض، ولا نفكر اننا سنكون يوما من ساكنيها. استغفر الله، بل تسكنها أجسادنا، وما الاجساد؟ ان الرجل يتوسخ قميصه فيخلعه ويرميه، والطفل يولد فيدع مشيمته ويخرج منها، والرجل يموت فيفارق جسده ويتخلى عنه، وما الجسد الا قميص، يلبس ويخلع، وما يوضع في التراب إلا الجسد.

стр. 93

الانسان ينسى الموت، ولكن المؤمن يذكره دائماً، ويكون أبدا على استعداد لاستقباله، يستعد بالتوبة والاستغفار ورد الحقوق، كلما أصبح وكلما أمسى حاسب نفسه. فشكر الله عما وفقه اليه من خير، واستغفره مما وقع منه من شر، يذكر الآخرة، ويخاف يوما تتقلب فيه الوجوه والابصار. يخشى ما بعد الموت من العذاب، ويرجو ما بعده من المكافأة، ويستعين على ذلك بالصبر والصلاة، وفعل الخير ابتغاء رضا الله، واحتسابا لما عنده. الإيمان باليوم الآخر ساعة الموت من أدلة الايمان تأمل قوله تعالى ﴿فلولا اذا بلغت﴾ أي الروح (الحلقوم) وجاءت ساعة الموت التي لا مهرب منها (وأنتم حينئذ) تحفون بالمحتضر الحبيب اليكم، العزيز عليكم (تنظرون) تظهرون العاطفة، تستنجدون الطب، تبذلون الجهد، تعانقونه تحدبون عليه (ونحن أقرب اليه منكم ولكن لا بتصرون) لأن حواسكم لا تدرك الا عالم المادة، وقد أوشك أن يدخل عالم ما وراءها (فلولا ان كنتم غير مدينين) - كما تزعمون - وغير خاضعين لرب الكون ومالكه وكان لكم شيء من الأمر (ترجعونها ان كنتم صادقين) تردون الروح الى الجسد بعدما خرجت منه، تسخرون لذلك عقولكم وعلومكم وأموالكم فان لم تستطيعوا، فلم لا تقرون بأن لهذا الكون ربا، مالكا لكم، هو أحياكم وهو يميتكم وهو بعد ذلك يحييكم؟. الإيمان باليوم الآخر شبهة تافهة قرأت لبعض الملحدين فصلا يسألون فيه ساخرين، يقولون: "اذا كان يموت في لحظة واحدة ميت في اميركا وميت في الصين، فكيف يقبض ملك الموت روحيهما؟ ... ". والجواب (اولا): ان مثل مثل الملك بالنسبة لأرضنا، كمثل أحدنا لو انحنى على قربة فيها آلاف النمل، أو كأس فيها ملايين الجراثيم، بل ان الملك من الملائكة أكبر من ذلك بالنسبة الينا، وما كرتنا الأرضية في كفه الا كحبة قمح في كف واحد من البشر .. هذه واحدة.

стр. 94

والثانية: ان لملك الموت أعوانا في قبض الأرواح، قال تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾. الإيمان باليوم الآخر يوم القيامة الايمان باليوم الاخر (يوم القيامة) الركن الثاني من أركان العقائد، ولا يكاد يذكر الايمان بالله في القرآن، حتى يقرن به الايمان باليوم الآخر. والمؤمن يذكره دائما، فيكثر من الخير ابتغاء ثوابه، ويبتعد عن الشر ما استطاع خوف عذابه، اذا عرض له محرم لذيذ، ذكر ألم الآخرة على ارتكابه فصرف نفسه عنه، وزهدها في لذته. وان واجه واجبا صعبا، ذكر ثواب الآخرة على فعله، فحمل نفسه عليه ورغبها فيه، تتجافى جنوبهم عن المضاجع، ينفقون في السراء والضراء، يؤثرون على أنفسهم بالخير ولو كانوا أحوج اليهن يفكرون في شدة عقاب الله، فتوجل من سماع اسمه قلوبهم، ثم يتذكرون رحمته فتلين قلوبهم به، وتستريح إلى ذكره. الإيمان باليوم الآخر موعد الساعة لقد صرح القرآن، بأنه لا يعلم موعدها أحد من الخلق، لا يعلمه الا الله وحده. ﴿يسألونك عن الساعة قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ... ﴾. وانها لا تأتي الا بغتة، وان أمرها. ﴿كلمح البصر أو هو أقرب﴾. ولكن ورد في القرآن أنه يسبقها أحداث غريبة تقع في هذا الكون، منها: انه يخرج من الأرض دابة تكلم الناس وهذا خبر حق، من الغيب الذي لا يدرك بالعقل البشري، ولا نعلم عنه الا ما أعلمنا الله به، والله لم يبين لنا ما هي هذه الدابة؟ وما صفتها؟ فوجب الايمان بها، وترك الكلام فيها بلا دليل سمعي ثابت. ومن ذلك: دك سد يأجوج ومأجوج، وخروجهم منه، والله لم يبين من هم يأجوج ومأجوج، وأي الامم هم، وما بلدهم، وأين يقع السد، فان استطعنا تحديد ذلك بالبحث والاستقراء، ووصلنا إلى نتيجة لا تخالف خبر

стр. 95

القرآن، قلنا بها، والا صدقنا بخبر القرآن مجملاً ووقفنا عند حدوده، قال تعالى: ﴿واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ... ﴾. وأمور أخرى ورد بها الحديث الصحيح (١)، ولم يصرح بذكرها القرآن، منها: انه يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا، ويقل الرجال، ويكثر النساء، وتندر الامانة، وتضطرب موازين المجتمع، فيرتفع المنخفض، وينزل العالي، ثم يكون ظهور (الدجال)، ونزول (عيسى) ناصراً لشريعة خاتم الرسل، (محمد) ﷺ وعلى اخوانه المرسلين. الإيمان باليوم الآخر ابتداء الساعة الذي يظهر من آيات الساعة في القرآن (٢)، ان ابتداءها يكون يزلزال هائل، لا يشبه ماعرف الناس من الزلازل، يقع - والله أعلم - والحياة البشرية لا تزال مستمرة على الأرض، والناس لا يزالون أحياء في الدنيا، فيصاب المجتمع البشري بفزع عام، ورعب شامل، يبلغ من شدته ان الام تذهل عن رضيعها، على ما ركب في طبعها من الحنو عليه، والميل اليه. والحوامل يسقطن من الرعب ما في بطونهن، والناس يكادون يفقدون عقولهم الواعية، فيغدون كأنهم سكارى. ﴿وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾. ومما يرجح القول بأن هذا الزلزال قبل القيامة قوله تعالى: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الانسان ما لها﴾؟.

стр. 96

فالانسان باق في الأرض، يشهد الزلزال، ويسأل عن أمره، ويبحث في أسبابه (١). الإيمان باليوم الآخر حوادث فلكية يوم القيامة، وما يكون فيه، وما يأتي بعده، هو (كما قدمت القول) من الأمور الغيبية، ليس للحواس احاطة به، كما تحيط بالمخلوقات المادية، ولا للعقل البشري حكم عليه، كما يحكم على الحوادث الدنيوية، وعمله كله في فهم النصوص، وادراك معناها. وفي القرآن نصوص صريحة، تدل على أن كثيراً من السنن الكونية، التي سميناها (اصطلاحا) قوانين الطبيعة، تطرأ عليها تبديلات وتعديلات، فكأن استمرارها منوط باستمرار هذه الحياة الدنيا، فاذا انتهت مدتها انتهى أمد هذه القوانين. وكأن العالم الذي تشاهده، بأرضه وكواكبه، على ما فيه من الاتقان العجيب، بناء مؤقت، أقيم لغرض محدود، ولمدة محدودة. من هذه الحوادث، ان الجبال تصيبها رجفة أرضية هائلة، تفتت صخورها حتى تصير الجبال كالقطن المنفوش، ويغدو الجبل العظيم تلا متداعيا، وكثيبا مهيلا. ثم تنسف نسفا، فتسير كما تسير كثبان الرمل، ثم تغدو سرابا، وتصير الأرض كلها قاعا مستويا. كل هذا خبر به القرآن، وخبر ان البحار تتفجر مياهها، ثم تتبخر. والكواكب ينتثر عقدها، ويتبدل مسيرها. والقمر يجمع مع الشمس، والسماء تكشط وتنشق وتنفطر، ثم تطوى كما تطوى الرسائل في السجل الكبير، ثم تكون النتيجة ان الأرض تبدل فكأنها غير الأرض، وان السماء تبدل فكأنها غير السماء، وكل هذا خبر به القرآن.

стр. 97

الإيمان باليوم الآخر النفخ في الصور لا نعرف ما هو (الصور) على حقيقته، ولا (كيفية) النفخ فيه، وكل ما يقال في وصفه وتفصيل أمره، ما لم يكن مستندا إلى دليل سمعي صحيح، لا يعوَّل عليه. والذي جاء في القرآن: انه ينفخ فيه (فيفزع) من في السموات ومن في الأرض، وينفخ فيه (فيصعق) من في السموات ومن في الأرض. والظاهر من القول: انهما نفختان، وربما كانت - وهذا أرجح - نفخة الفزع هي نفخة الصعق، فلا يبقى بعد ذلك من الأحياء أحد إلا مات "الا من شاء الله"، وتمضي مدة الله أعلم بمداها، لم يخبرنا الله عنها. ثم ينفخ نفخة البعث، فتعود الحياة لكل ميت، ويبعثون من قبورهم "ينظرون" "إلى ربهم ينسلون". الإيمان باليوم الآخر البعث والحشر يبعث كل ميت على الحالة النفسية التي مات عليها، يظن انه لم يمر عليه الا ساعة أو ساعات، كالذي تصدمه سيارة وهو يشتري أو يبيع أو يتحدث، فيغمى عليه ويغيب عن وعيه ثلاثة أيام، فاذا صحا عاد يتم حديثه، أو يكمل بيعه وشراءه، لا يدري انها مرت عليه أيام ثلاثة، وكذلك يكون الناس يوم البعث، لذلك علمنا الدين أن نسأل الله حسن الخاتمة. وقد أقام الله للناس أمثلة على ذلك في الدنيا، منها الذي مر على القرية الخالية الخاوية، فقال: ﴿انَّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عامٍ﴾. وأهل الكهف، الذي ناموا ثلاث مئة وتسع سنين، ثم قاموا يظنون أنهم ناموا ساعات، وبعثوا يشترون بنقودهم التي الغي التعامل بها، وهم لا يدرون. هذه حال الناس عند البعث، يظن كل منهم أنه نام قليلا واستيقظ، يتناقضون فيما بينهم:

стр. 98

﴿يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ... وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ... ﴾. يظنون أنهم لا يزالون في الدنيا، ولكن هول الموقف، يقطع كل رابطة بينهم. ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ﴾. يرى المرء صديقه الحميم فلا يسأل عنه ولا يهتم به. لا يهتم أحد إلا بنفسه، يهرب من أخيه وأمه وأبيه، ومن زوجته وبنيه. بل انه يضحي بهم ويقدمهم افدية له، لو كان يقبل منه الفداء، ويتركون امدا - الله أعلم بمدته - يموج بعضهم في بعض، ثم يجمعون فيساقون إلى المحشر .. يساقون جميعا. البشر كلهم، من آدم إلى آخر واحد من ذريته، من مات منهم على فراشه، ومن غرق في البحر، ومن أكله السبع، ومن سقط من الطيارة، ومن أحرق بالنار وذري رماده في الهواء، يعيدهم الذي أوجدهم من العدم أول مرة، ويجمعهم جميعا، ويساقون إلى أرض المحشر، هم والجن والشياطين والوحوش. ﴿مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يومٌ عسر﴾. ثم يأمر ربنا بجهنم فتبرز للناس من بعيد، ويقول لهم: ﴿ألم أعهد اليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين وان اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون .. ﴾. ويأمر ربنا فيفرز المجرمون ويمتازون فيعرفون، فيتمنى كل منهم أنه لم يكن بشرا، ويقول: ﴿يا ليتني كنت ترابا﴾. ثم يجمع الله الكافرين في جهنم، مع الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، ويظنونهم آلهة من الجن والشياطين، وما اخترعوا من أسماء ما لها حقائق، وما أنزل الله من سلطان زعموها آلهة كما فعل اليونان بما سموه (زيوس) و (افروديت). والرومان: (جوبيتر) و (فينوس). والفرس:

стр. 99

(هرمز) و (اهرمان). والمصريون: (حابي). والفينيقيون (بعل). و (اللات) و (العزى) عند العرب. زعموهم شركاء لله وزعم اليونان او الرومان أن (ابولّون) اله الشمس والفنون. و (باخوس) اله الخمر، و (ديانا) وهي نفسها (ارتيميس) الهة الصيد و (مينرفا) الهة الحكمة و (نبتون) اله البحر الخ ... فيقول لهم: ﴿نادوا شركائي الذين زعمتم .. فدعوهم فلم يستجيبوا لهم﴾. فقال لهم ربنا: ﴿ما لكم لا تناصرون؟!﴾. وينظر الضعفاء إلى المستكبرين، الذين جعلوا أنفسهم في الدنيا (زعماء)، فقادوا قومهم إلى الشرك وإلى الكفر، فاستنصروهم فقالوا: ﴿إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء؟﴾.فأجابوهم بالبراءة منهم، وأقروا بعجزهم عن أن يغنوا عنهم ولا عن أنفسهم شيئا، ووقف الجميع خاضعين خانعين، قد ذلوا جميعاً أمام رب العالمين، وذهبت الالوهيات المزعومة، ومحيت الزعامات الباطلة المكذوبة، وانفصمت عرى الحلف الشيطاني بين الكفار وما كانوا يعبدون من مخلوقات، وتبرأ كل معبود بالباطل ممن كان يعبده، حتى الشيطان يعترف لمن تبعه بكذبه فيقول: ﴿لما قضي الأمر أن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم﴾. ويتملص من التبعة ويلقيها كلها عليهم، مقراً بضعفه وعجزه في الدنيا، وانه لم يكن يملك الا الوسوسة والتضليل، ما كان له من حول ولا طول، ولا كان يقدر على نفع ولا ضر ويقول: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ ﴿ان كيد الشيطان كان ضعيفا﴾.

стр. 100

الإيمان باليوم الآخر الحساب ولا بد من الوقوف للحساب، فيقام ميزان العدل المطلق، الذي لا يضيع مثقال حبة من خردل، ولا ذرة من غبار، ولا واحدة من الكهارب (الالكترونات) التي تسبح في فضاء الذرة، ولا أصغر من ذلك. تحصى على المرء أعماله كلها، وتقدر ظروفه كلها، وتبرز نياته الخيرة واخلاصه القلبي، فتكون ثقلا له في جانب الحسنات من الميزان، وما كان في قلبه من نفاق أو رياء، فيكون ثقلا عليه في جانب السيئات من الميزان (١). محاكمة عادلة، لا ينفع فيها الانسان الا عمله الذي قدمه، وعفو ربه الذي يرجوه، ورحمته التي يؤملها، لا يسعفه ما كان له من مال الا ما أنفق منه لله وفي سبيل الله، ولا يعينه ما كان له من جاه الا إن استعمله في طاعة الله، ولا يستطيع أحد أن ينفع احداً أبدا، ولا تملك نفس لنفس شيئا، ولا يجد أحدهم شفيعا يشفع له الا من بعد اذن ربه. وشفاعة الآخرة ليست كشفاعة الدنيا، فالشفيع في الدنيا يدخل على الحاكم يدل عليه بمودته له أو جاهه عنده، يلزمه الشفاعة ولو كان في قرارة نفسه لا يريدها، فيحابي بها موظفا، أو يبرئ بها متهما، أما الشفاعة في الآخرة فتكون عندما يريد ربنا (برحمته) العفو عن أحد، ويريد (بكرمه) تشريف احد، يجعله سبباً ظاهراً لهذا العفو، فيأذن له بالشفاعة له، فيشفع بإذنه وأمره. الإيمان باليوم الآخر الشهود والبينات محاكم الدنيا، التي يتولاها حكام من العباد، لها عدالة بشرية محدوة، ووسائل للاثبات ظاهرة معدودة، ولكن محاكمات الآخرة قاضيها رب الأرباب، وعدالتها مطلقة لا حد لها، وبيناتها شهادات الأنبياء، والملائكة الذين كانوا يحصون الأعمال، ويدونون الحسنات والسيئات. والصحف التي دونت فيها هذه الاحصاءات، واعترافات المذنبين وشهادات الأعضاء.

стр. 101

شهادة الرسل: اذا كان يوم الحساب أحضر النبيون كما قال تعالى: ﴿ووضع الكتاب وجيء بالنبيين﴾. وكانت محاكمة كل أمة وفق شريعتها، بحضور نبيها: ﴿وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها﴾ ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾. الكتب والصحف: هذه الصحف التي تسجل فيها أعمالنا كلها في الدنيا، تكون مطوية مخفية، سراً لا يدري به الخلق. فإن تاب العبد من ذنوبه المدونة فيها التوبة الصادقة، مُحيت منها، وإلا بقيت فيها، فإذا حل يوم الحساب، نُشرت وأُعلنت، كنتائج الامتحانات تكون سراً عند الفاحصين فلا يعلم برسوب الراسب سواهم، فإذا جاء وقت إعلانها عرف بذلك الناس، وافتضح الراسب في أهله وبين إخوانه، ولكن الفضيحة هنا على رؤوس الخلائق جميعاً، وهي الفضيحة الكبرى، والراسب هنا يسقط في جهنم ويخسر -إن كان كافراً- سعادة الأبد، ويلقى العذاب الدائم. تُنشر الصحف وتوزع، فيلقى كل إنسان كتابه منشوراً، ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. فمن كانت حسناته التي دونها ملك اليمين أكثر، ناوله كتابه بيمينه بشارة له بأنه سوف ﴿يحاسب حساباً يسيراً﴾، فإذا رأى ما فيه فرح واستبشر، كما يفرح التلميذ الذي يأخذ نتيجة الامتحان فيرى أنه ناجح، ويحب أن يطلع على نجاحه الإخوانُ والأقران، يقول: ﴿هاؤُمُ اقرؤوا كتابيه. إني ظننت -أي: إني أيقنت في الدنيا- أني ملاق حسابيه﴾. ومن كانت سيئاته التي دونها ملك الشمال أكثر، ناوله كتابه بشماله

стр. 102

فيبكي على نفسه، ويوقن بهلاكه، ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾. ويقرأ المجرمون كتبهم، فيرون كل عمل عملوه مدونَّاً فيها ﴿أحصاه الله ونسوه﴾، قيقولون متعجبين: ﴿يا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾. وأيقنوا أنهم ظلموا أنفسهم: ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾. وندموا على ما فرطوا، حين اتبعوا وسوسة الشيطان، وهوى النفس الأمّارة بالسوء، فمقتوا لذلك أنفسهم، وإذا هم: ﴿يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. الإيمان باليوم الآخر الدفاع ثم الاقرار ثم إذا وقف الكفار للحساب، لجأوا إلى الانكار، وحلفوا كذبا على براءتهم، يظنون أنهم أمام حاكم من البشر، ممن لهم الظواهر، ونسوا أنهم أمام رب العالمين، الذي يطلع على ما في النفوس، ويعلم ما تكن الضمائر، ﴿فيحلفون له كما يحلفون لكم﴾. يقولون: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾. فيمسك الله بألسنتهم، ويمنعهم من أن ينطقوا، ويأمر أعضاءهم التي مارست الحرام فتقر بما صنعت، تنطق اليد معترفة بما اجترحت من حرام، والرجل بما مشت اليه من حرام. ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون .. ﴾.

стр. 103

فاذا أخذوا باقرارهم، وثبت الذنب عليهم، عاتبوا أعضاءهم. ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء!!﴾. كانوا يختبئون في الدنيا ليأتوا الفواحش، مع ان المتحدث اليوم في الراني (التلفزيون) يكون في غرفة لها أبواب مغلقة، وجدران مطبقة، ثم يراه من ورائها الملايين، ويسمع كلامه، ويشهد عليه، فان كان هذا مما وقف اليه البشر في الدنيا، فكيف بعلم الله وحسابه في الآخرة؟ لذلك يؤنبهم ربهم ويقول لهم: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾. وكيف يفر المرء من جلده، وبصره وسمعه، وهو معه قائم به. ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين﴾. وهذه عاقبة كل كافر بالله، منكر ليوم الحساب، لا يمتد بصره إلى أبعد من هذه الدنيا، يجحد الآخرة وهي آتية لا ريب فيها، ويختفي بذنبه من الله، والله مطلع عليه، وأعضاؤه التي يمارس بها الذنوب ستشهد عليه، فكيف يتوارى من شاهد هو معه، لا يستطيع أن يفارقه؟ اللهم عفوك وغفرانك، واستر علينا في الآخرة، كما سترت علينا في الدنيا وأنت الغفار الستار. الإيمان باليوم الآخر اعتراض تافه وقد كان فريق من الناس، يقولون لنا ساخرين ونحن صغار: "كيف تنطق اليد والرجل، وما لهما لسان، وما تقدران على بيان؟ ". فاخترعت آلات التسجيل، والسينما الناطقة، وصارت تقام في مداخل المصارف آلات تصوير

стр. 104

خفية، تصور بالأشعة التي لا ترى (١)، تتحرك لمجرد اجتياز الشخص من أمامها، فاذا سرق السارق وأنكر، عرضوا عليه (الفلْم) يعيد حركاته وسكناته، وهمسه لنفسه وكلامه مع رفيقه، فكانت هذه المخترعات حجة على هؤلاء المتعالين الجهلاء، كأنها تقول لهم: "ويحكم الذي أنطق الشريط في الدنيا، وسجل الحركات والكلمات، تعلن كلام السارق الذي أخفاه وتثبت عليه فعله الذي أنكره .. الذي وفق إلى هذا في الدنيا، الا ينطق اليد والرجل في الآخرة؟ ". الإيمان باليوم الآخر الحساب ونتائجه الحساب أنواع، منه الحساب اليسير كحساب الذين أعطوا كتابهم بايمانهم، ومنه الحساب الشديد كحساب القرية التي عتت عن أمر ربها. ويخرج الناس بنتيجة الحساب وهم أصناف: السابقون المقربون، وأصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة. ﴿فأما إن كان من المقربين فروحٌ وريحان وجنةُ نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزلٌ من حميمٍ وتصلية جحيم إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم﴾. الإيمان باليوم الآخر ورود جهنم ويمرون جميعا على صراط من فوق جهنم، يسرعون باجتيازه بمقدار قربهم من الله، واستكثارهم من الحسنات، فينجو منها المتقون، ويسقط فيها الظالمون، قال تعالى: ﴿وان منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً﴾.

стр. 105

وفي سورة (الهاكم التكاثر) قوله تعالى: ﴿لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين﴾. أما الرؤية الأولى: فهي - والله أعلم - ورود المتقين عليها، الذي يكون معه النجاة منها، وأما الرؤية الثانية: فهي ورود الظالمين عليها، وسقوطهم فيها. وربما كانت الرؤية الأولى قبل الحساب، حين تبرز الجحيم فيراها الناس كما قدمنا. الإيمان باليوم الآخر الجنة وجهنم أوصاف الجنة التي وردت في القرآن، كقوله تعالى: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾، وان أهلها يُحَلّون فيها من أساور من ذهب، ولؤلؤا، وان لباسهم فيها حرير، وان فيها أنهارا من لبن، وأنهارا من خمر، وأنهارا من عسل، وان فيها الحور العين، والغلمان. كل ذلك جاء على وجه التقريب إلى الافهام، لأن اللغات البشرية موضوعة في الأصل للتعبير عن الأشياء الأرضية، ومن المحقق أن أنهار الجنة ليست كأنهار الدنيا، ولا لبنها وعسلها وخمرها، كخمر الدنيا وعسلها ولبنها، ولا حورها كنساء الأرض، ولا غلمانها كغلمانها، ولو رجعنا إلى المقدمات التي قدمناها في أول هذا الكتاب، وهي (قواعد العقائد) لذكرنا ان الخيال البشري يعجز عن الاحاطة بها، أو تمثل حقيقتها. والذين فصلوا في وصفها من المفسرين، لم يستندوا في ذلك إلى دليل، وكان منتهى جهدهم ان قاسوا الآخرة على الدنيا، كما قاس المتكلمون عدالة الله وصفاته، على ما عرفوا من الصفات البشرية، والعدالة البشرية، فتخبطوا في متاهات وضلالات، كان ينجيهم منها، ويبعدهم عنها، أن يقفوا عند حدود النصوص، وأن يسلكوا مسلك السلف، وان يقروا بعجز العقل عن ادراكها، والخيال عن تمثيلها. ومن هذه المباحث السقيمة، والمجادلات العقيمة، ما قالوه عن الحور العين، وهل الاستمتاع بهن كالاستمتاع بنساء الدنيا، ونسوا أن هذه المتعة

стр. 106

على شكلها المعروف، غايتها الحمل وبقاء النسل (١)، ولا داعي لذلك في الآخرة، فكان الحق أن نؤمن بكل ما ورد في القرآن، ثم نشتغل بالعمل الصالح الذي يوصلنا إلى الجنة، بدلا من المناقشة في تفصيل أمرها، والخلاف على وصف حقيقة ما فيها، مما لم يذكره القرآن لنا. الإيمان باليوم الآخر دخول الجنة وليس دخول الجنة بالتمني والتشهي، ولكن بالايمان والطاعة. ﴿ليس بأمانيِّكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجزَ به﴾ ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين؟﴾. فالمؤمن الذي يدخل الجنة ام أن يكون (فاعلا) للخير داعيا إلى الله، باذلا الجهد في سبيل اعلاء كلمته، عاملا على ذلك بنفسه وماله ولسانه، فيكون من الذين جاهدوا، فان لم يستطع فعليه - على الأقل - الا يكون (منفعلا) بالشرّ، ولا متبعا لدعوته، وأن يسلم بنفسه وأهله، وأن يصبر على ما يلقى في سبيل تمسكه بدينه، فيكون من الصابرين. فاذا انتهى الحساب، واجتاز المؤمن الصراط، تحققت النجاة. ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زُمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها (٢) وقال لهم خزنتها سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ... ﴾.

стр. 107

الإيمان باليوم الآخر وصف الجنة أما سعتها فان عرضها عرض السماوات والأرض، ولا تعجبوا من هذا فان الآخرة بالنسبة لهذه الدنيا، كهذه الدنيا بالنسبة لبطن الأم، أما يرى الجنين بطن الأم دنياه كلها، أو ليست دار واحدة من دور الدنيا، أوسع من دنيا الجنين بملايين المرات؟ هذه الجنة (أعدت للمتقين)، ومن هم المتقون الذين أعدت لهم؟ وماذا كانوا يصنعون؟ لعلنا نصنع مثلهم فنكون معهم، لقد بيّن الله ان المتقين هم: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس .. والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾. هذه بعض صفات المتقين، فمن اتصف بها بعد تصحيح العقيدة، وصدق التوحيد، أدخله الله بكرمه ومنّه، هذه الجنة التي أعدّها لهم. والجنة درجات: ففيها جنة النعيم وهي أبعد من أن ينالها كل واحد: ﴿أيطمع كل امرئٍ منهم أن يدخل جنة نعيم﴾. وهي للسابقين السابقين. ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾. وفيها الجنة التي سماها الله (الغرفة)، ووعد بها عباد الرحمن، الذين وصفهم في سورة الفرقان بأنهم الذين يجمعون صحة الاعتقاد، واستقامة السلوك، وكثرة العباد، وعلو الأخلاق فدل ذلك على ان (الغرفة) درجة عالية في الجنة، خص بها هؤلاء الذين جمعوا صفات الكمال، وصبروا على مشقة القيام بها، وصرف النفس عن رغبتها في التملص منها. وبين ربنا في الجنة: ﴿جناتٌ معروشاتٌ وغير معروشات﴾. وإن فيها مكانا اسمه: (جنة المأوى)، ومكانا اسمه: (جنات عدن)، ولمن خاف مقام ربه جنتان لا جنة واحدة، وان فيها ما دعاه بـ (عليين). فدل ذلك على أن نعيمها درجات، وأهلها منازل.

стр. 108

الإيمان باليوم الآخر أهل الجنة وأحوالهم يجتمع أهل الجنة باخوانهم وأهلهم: ﴿ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ... هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ... والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذريتهم ... ﴾. يجتمعون على ود وصفاء، ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غلٍ﴾، وحقد. تصف لهم الأسرة والأرائك، فتكون مجالسهم عليها: ﴿متكئين على سررٍ مصفوفة﴾. يقعدون عليها. ﴿اخواناً على سررٍ متقابلين﴾. عليها فرش بطائنها من شيء نفيس، سماه ربنا (الاستبرق)، وحولهم جنتان ملتفتان، ثمارهما قريبة من أيديهم، دانية منهم. يخدمهم فيها خدم صغار. ﴿غلمان لهم كأنهم لؤلؤٌ مكنونٌ ... يدعون فيها بكلِّ فاكهة آمنين ... يطاف عليهم بكأسٍ من معينٍ بيضاء لذة للشاربين لا فيها غولٌ ولا هم عنها ينزفون﴾. والطعام (يطاف) به: ﴿عليهم بصحافٍ من ذهبٍ﴾. أما شرابهم فيحمل اليهم: ﴿بأكوابٍ وأباريق وكأسٍ من معين﴾. يؤتى اليهم بكل ما يريدون من طعام. ﴿وفاكهةٍ مما يتخيرون ولحم

стр. 109

طيرٍ مما يشتهون ... في سدرٍ مخضودٍ وطلحٍ منضود وظل ممدودٍ وفاكهة كثيرةٍ لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرشٍ مرفوعة ... لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ودانيةً عليهم ظلالها وذُللت قطوفها تذليلاً ... تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾. فوجوههم "ناعمةٌ لسعيها راضية" .. يقصدون من أركان الجنة حيث شاؤوا، يتقابلون فيها ويتحدثون. ﴿تحيتهم فيها سلامٌ﴾. لا يقولون الا خيرا. ﴿وهدوا إلى الطيب من القول ... واقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا انا كنا قبل في أهلنا مشفقين (خائفين من دخول النار) فمنَّ الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾. وهذا: من ثمرة الدعاء والاستغفار. ﴿انا كنا من قبل ندعوه إنه هو البرُّ الرحيم﴾. فاذا تحدثوا تذكروا في أحاديثهم أيام الدنيا، وأحوال أهلها، وما كان من أمرهم فيها، وما انتهوا اليه في الآخرة. ﴿قال قائل منهم انه كان لي قرينٌ يقول (ساخراً معانداً) أئنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون قال (أي المؤمن في الجنة لاخوانه فيها) هل أنتم مطلعون﴾. على أهل النار لتروه فيها؟ ودل ذلك على أنهم يستطيعون الاطلاع عليهم. ﴿فاطلع فرآه في سواء الجحيم﴾. قال له (وهذا وما يأتي بعده يدل على أن أهل الجنة وأهل النار يتبادلون الحوار): ﴿تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين﴾. ويمنّ عليهم ربهم بالحور العين، يزوجهم بهن.

стр. 110

﴿وزوجناهم بحورٍ عين كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾. انشأهن إنشاء، فجعلهن: ﴿أبكاراً عرباً أتراباً .. قاصرات الطرف (من الحياء) لم يطمثهن انس قبلهم ولا جانٌّ ... ﴾. وأهل الجنة. ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾. يقولون: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا ان تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون ... لا يمسهم فيها نصب وما هم بمخرجين ... لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الأولى ... والملائكة يدخلون عليهم من كل بابٍ﴾. يحيونهم ويهنئونهم يقولون: ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ... وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ... ان هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون ... وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾. اللهم برحمتك التي وسعت كل شيء، وعفوك ومغفرتك - وأنت العفو الغفور - أعذنا من عذاب النار، وأدخلنا الجنة بسلام. الإيمان باليوم الآخر جهنم المتبادر إلى الأذهان ان جهنم نار كالنار التي نعرفها في الدنيا، لكنها أشد منها. حتى انها لا تقاس من شدتها بها، وان ماثلتها في نوعها، ولكن الذي يبدو لمن ينعم النظر في وصف القرآن لها، انها من نوع آخر. اذ لو كانت نارا من نوع نار الدنيا، لأحرقت كل شيء فتركته فحما. مع ان جهنم فيها شجر،
следующие страницы →