Полный текст (2 289 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
قَالَ ابْنُ عَائِشَة: «وَجَّهَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الشَّعْبيَّ إِلىَ مَلِكِ الرُّومِ [أَيْ بَعَثَهُ رَسُولاً] فَلَمَّا انْصَرَفَ مِن عِنْدِهِ قَال [أَيِ الخَلِيفَةُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَان]:
يَا شَعْبيّ؛ أَتَدْرِي مَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ مَلِكُ الرُّوم ٠٠؟
قَال: وَمَا كَتَبَ بِهِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين ٠٠؟
قَال: كُنْتُ أَتَعَجَّبُ لأَهْلِ دِيَانَتِك؛ كَيْفَ لَمْ يَسْتَخْلِفُواْ عَلَيْهِمْ رَسُولَك ٠٠؟!
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ لأَنَّهُ رَآني وَلَمْ يَرَكْ» ٠
стр. 1717
رَبِيعَةُ الرَّأْي
هُوَ الإِمَامُ الْفَقِيهُ مُفْتي المَدِينَةِ رَبِيعَةُ الرَّأْيُ بْنُ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرُّوخٍ التَّيْمِيّ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٣٦ هـ
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
رَوَى عَن أَنَسِ بْنِ مَالِك، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَار، وَالقَاسِمِ بْنِ محَمَّدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁، وَمحَمَّدِ بْنِ يحْيىَ بْنِ حَبَّانَ، وَآخَرِين ٠
стр. 1718
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
رَوَى عَنهُ يحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيّ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيّ، وَسُهَيْلُ بْنُ أَبي صَالِح، وَالأَوْزَاعِيّ، وَشُعْبَة، وَالإِمَامُ مَالِك، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيّ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَة، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَمِسْعَر، وَنَافِعٌ عَالِمُ الْقِرَاءَات، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ عَيَّاش، وَابْنُ المُبَارَك، وَخَلْقٌ وَغَيرُهُمْ كَثِير ٠
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب: «أَنْفَقَ رَبِيعَةُ عَلَى إِخْوَانِهِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَار، ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ إِخْوَانَهُ في إِخْوَانِه» ٠
стр. 1719
وَقَالَ الإِمَامُ مَالِك: «ذَهَبتْ حَلاَوَةُ الفِقْهِ مُنْذُ مَاتَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَن» ٠
كَانَ القَاسِمُ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ في كِتَابِ اللهِ أَوْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرَهُم بِهِ؛ وَإِلاََّ قَال: «سَلُواْ رَبِيعَةَ أَوْ سَالِمَاً» ٠
وَقَالَ عَنهُ يحْيىَ بْنُ سَعِيد: «مَا رَأَيْتُ أَحَدَاً أَفطنَ مِنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَن» ٠
وَقَالَ عَنهُ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَنْبَرِيّ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدَاً أَعْلَمَ مِنْ رَبِيعَةَ الرَّأْي» ٠
стр. 1720
قِيلَ لَهُ: وَلاَ الحَسَنُ وَابْنُ سِيرِين ٠٠؟
قَال: وَلاَ الحَسَنُ وَابْنُ سِيرِين» ٠
وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبي سَلَمَة:
«تَقُولُونَ رَبِيعَةُ الرَّأْي ٠٠ وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدَاً أَحْفَظَ لِسُنَّةٍ مِنهُ» ٠
قَالَ الإِمَامُ مَالِك: «قَدِمَ رَبِيعَةُ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ فَأَمرَ لَهُ بِجَارِيَة؛ فَأَبَى؛ فَأَعْطَاهُ خَمْسَةَ آلاَفٍ لِيَشْتَرِيَ بِهَا جَارِيَةً فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا» ٠
وَمِنْ كَلِمَاتِ رَبِيعَةَ الرَّأْي: «العِلْمُ وَسِيلَة؛ إِلىَ كُلِّ فَضِيلَة» ٠
стр. 1721
حَدَّثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ قَال: «قَدِمَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ المَدِينَة؛ فَأَخَذَ بِيَدِ رَبِيعَةَ وَدَخَلاَ إِلىَ بَيْتِ الدِّيوَان؛ فَمَا خَرَجَا إِلىَ الْعَصْر؛ فَقَالَ ابْنُ شِهَاب: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ بِالمَدِينَةِ مِثْلَك، وَخَرَجَ رَبِيعَةُ وَهُوَ يَقُول: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدَاً بَلَغَ مِنَ الْعِلْمِ مَا بَلَغَ ابْنُ شِهَابٍ «الزُّهْرِيّ»» ٠
стр. 1722
حَدَّثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ قَال:
«قَدِمَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ المَدِينَة؛ فَأَخَذَ بِيَدِ رَبِيعَةَ وَدَخَلاَ إِلىَ بَيْتِ الدِّيوَان؛ فَمَا خَرَجَا إِلىَ الْعَصْر؛ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيّ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ بِالمَدِينَةِ مِثْلَك، وَخَرَجَ رَبِيعَةُ وَهُوَ يَقُول: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدَاً بَلَغَ مِنَ الْعِلْمِ مَا بَلَغَ ابْنُ شِهَابٍ «الزُّهْرِيّ»» ٠
стр. 1723
وَقَالَ عَنهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْد: «صَارَ رَبِيعَةُ إِلىَ فِقهٍ وَفَضْل، وَمَا كَانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلٌ أَسْخَى بِمَا في يَدَيْهِ لِصَدِيقٍ أَوْ لاِبْنِ صَدِيقٍ أَوْ لِباغٍ يَبْتَغِيهِ مِنهُ، كَانَ يَسْتَصْحِبُهُ القَوْمُ فَيَأْبَى صُحْبَةَ أَحَدٍ؛ إِلاََّ أَحَدَاً لاَ يَتزوَّدُ مَعَه، وَلَمْ يَكُنْ في يَدِهِ مَا يَحْمِلُ ذَلِك» ٠
أَيْ لاَ يَجِدُ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْه، وَلَكِنَّهُ لَمْ تَعَوَّدَ بَسْطَ يَدَيْه ٠
стр. 1724
أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي [ صَاحِبُ أَبي حَنِيفَة]
هُوَ الإِمَامُ المُجْتَهِدُ المُحَدِّثُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيُّ الأَنْصَارِيّ ٠
وُلِدَ سَنَةَ ١١٣ هـ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ١٨٢ هـ ٠
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
حَدَّثَ عَن هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، وَأَبي حَنِيفَة، وَيحْيىَ بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيّ، وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِب، وَأَبي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانيِّ، وَالأَعْمَش، وَحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاة
стр. 1725
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
حَدَّثَ عَنهُ يحْيىَ بْنُ مَعِين، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، وَعَلِيُّ بْنُ الجَعْد، وَأَسَدُ بْنُ الْفُرَات، وَابْنُ سَمَاعَة، وَهِلاَلٌ الرَّأْي، وَعَمْرٌو النَّاقِد، وَمُعَلَّى بْنِ مَنْصُور، وَمحَمَّدُ بْنُ الحَسَن، وَعِدَّة ٠
ـ نُبْذَةٌ عَن حَالَتِهِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
كَانَ ابْنَاً لِرَجُلٍ فَقِير، لَهُ حَانُوتٌ صَغِير؛ فَكَانَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ يَتَعَاهَدُ أَبَا يُوسُفَ بِالدَّرَاهِم، المِاْئَةَ بَعْدَ المِاْئَة، فَلَزِمَهُ أَبُو يُوسُفَ وَتَفَقَّهَ عَلَى يَدَيْه، وَهُوَ أَنْبَلُ تَلاَمِذَتِهِ وَأَعْلَمُهُمْ ٠
стр. 1726
ـ قَالُواْ عَنْ دَأَبِهِ في طَلَبِ الْعِلْمِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
قَالَ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي: «صَحِبْتُ أَبَا حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً» ٠
ـ غَلَبَةُ شُهْرَتِهِ كَفَقِيهٍ عَلَى شُهْرَتِهِ كَمُحَدِّثٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
حَدَّثَ بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَن أَبي الْوَلِيدِ قَال:
«لَمَّا قَدِمَ أَبُو يُوسُفَ الْبَصْرَةَ مَعَ الرَّشِيد؛ اجْتَمَعَ الْفُقَهَاءُ وَالمُحَدِّثُونَ عَلَى بَابِه» ٠
ـ كَانَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ عَالِمَاً مَوْسُوعِيَّاً:
قَالَ هِلاَلٌ الرَّأْي:
стр. 1727
«كَانَ أَبُو يُوسُفَ يَحْفَظُ التَّفْسِيرَ وَيَحْفَظُ المَغَازِي وَأَيَّامَ الْعَرَب، وَكَانَ الْفِقْهُ أَحَدَ عُلُومِهِ» ٠
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
«بَلَغَ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي مِنْ رِئَاسَةِ الْعِلْمِ مَا لاَ مَزِيدَ عَلَيْه، كَانَ الرَّشِيدُ يُبَالِغُ في إِجْلاَلِه» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ مَكَانَتِهِ في الحَدِيث:
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «كَانَ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي مُنْصِفَاً في الحَدِيث»
ـ قَالُواْ في تَوْثِيقِهِ:
стр. 1728
قَالَ عَنهُ الإِمَامُ النَّسَائِيُّ في «طَبَقَاتِ الحَنَفِيَّة»: «أَبُو يُوسُفَ ثِقَة» ٠
قَالَ عَنهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِي: «يُكْتَبُ حَدِيثُه» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ جَوْدَةِ حِفْظِهِ:
حَدَّثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبي دَاوُدَ الْبُرُلُّسِيُّ عَنْ يحْيى بْنِ مَعِينٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ قَال:
«مَا رَأَيْتُ في أَصْحَابِ الرَّأْيِ أَثْبَتَ في الحَدِيثِ وَلاَ أَحْفَظَ وَلاَ أَصَحَّ رِوَايَةً مِن أَبي يُوسُف» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ رُسُوخِ قَدَمِهِ في الْفِقْهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
قَال يحْيىَ بْنُ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيّ:
стр. 1729
«قَدِمَ أَبُو يُوسُفَ وَأَقَلُّ مَا فِيهِ الْفِقْه؛ فَمَا لَبِثَ أَنْ مَلأَ بِفِقْهِهِ الخَافِقَيْن» ٠
ـ ثَنَاءُ الإِمَامِ أَبي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَيْه:
قَالَ محَمَّدُ بْنُ الحَسَن: «مَرِضَ أَبُو يُوسُف؛ فَعَادَهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه، فَلَمَّا خَرَجَ قَال:
إِنْ يَمُتْ هَذَا الْفَتى: فَهُوَ أَعْلَمُ مَن عَلَيْهَا» ٠
ـ ثَنَاءُ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ عَلَيْه:
стр. 1730
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «أَوَّلُ مَا كَتَبْتُ الحَدِيث: اخْتَلَفْتُ إِلىَ أَبي يُوسُف؛ وَكَانَ أَمْيَلَ إِلىَ المحَدِّثِينَ مِن أَبي حَنِيفَةَ وَمحَمَّد» ٠٠ أَيِ ابْنُ الحَسَن، أَشْهَرُ تَلاَمِذَةِ أَبي حَنِيفَة
ـ قَالُواْ عَنْ وَرَعِهِ صَلاَحِهِ وَتَقْوَاه، وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ لله:
قَالَ عَنهُ ابْنُ سَمَاعَة: «كَانَ وِرْدُ أَبي يُوسُفَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ في اليَوْمِ مِاْئَتيْ رَكْعَة» ٠
ـ مِن أَقْوَالِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
стр. 1731
حَدَّثَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَن أَبي يُوسُفَ الْقَاضِي عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ أَنَّهُ قَال:
«مَنْ طَلَبَ المَالَ بِالكِيمِيَاءِ أَفلَس، وَمَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالكَلاَمِ تَزَنْدَق، وَمَنْ تَتَبَّعَ غَرِيبَ الحَدِيثِ كُذِّب» ٠
стр. 1732
أَبُو الزِّنَادِ عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَان
وُلِدَ هَذَا الإِمَامُ الْفَقِيهُ الحَافِظُ سَنَةَ ٦٥ هـ، وَتُوُفِّيَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ سَنَةَ ١٣٠ هـ ٠
حَدَّثَ الإِمَامُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَن عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ قَال:
«دَخَلَ أَبُو الزِّنَادِ مَسْجِدَ النَّبيِّ ﷺ وَمَعَهُ مِنَ الأَتْبَاعِ مِثْلُ مَا مَعَ السُّلْطَان، فَمِنْ سَائِلٍ عَنْ فَرِيضَة، وَمِنْ سَائِلٍ عَنِ الحِسَاب، وَمِنْ سَائِلٍ عَنِ الشِّعر، وَمِنْ سَائِلٍ عَنِ الحَدِيث، وَمِنْ سَائِلٍ عَنْ مُعْضِلَة» ٠
стр. 1733
حَدَّثَ يحْيىَ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ﵀ أَنَّهُ قَال:
«رَأَيْتُ أَبَا الزِّنَادِ ﵀ وَخَلْفَهُ ثَلاَثُمِاْئَةِ تَابِعٍ مِنْ طَالِبِ فِقْهٍ وَشِعْرٍ وَصُنُوف؛ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَقِيَ وَحْدَهُ وَأَقْبَلُواْ عَلَى رَبِيعَة؛ فَكَانَ أَبُو الزِّنَادِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ يَقُول:
شِبْرٌ مِن حُظْوَة [أَيْ حَظّ]: خَيْرٌ مِنْ بَاعٍ مِن عِلْم» ٠
حَدَّثَ أَبُو يُوسُفَ عَن أَبي حَنِيفَةَ ﵀ قَال: «قَدِمتُ المَدِينَةَ فَأَتَيْتُ أَبَا الزِّنَاد، وَرَأَيْتُ رَبِيعَة؛ فَإِذَا النَّاسُ عَلَى رَبِيعَةَ وَأَبُو الزِّنَادِ أَفْقَهُ الرَّجُلَيْن، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ أَفْقَهُ أَهْلِ بَلَدِكَ وَالعَمَلُ عَلَى رَبِيعَةَ ٠٠؟
فَقَالَ ﵀: وَيْحَك؛ كَفٌّ مِن حَظّ: خَيْرٌ مِنْ جِرَابٍ مِن عِلْم» ٠
стр. 1734
أَعْلاَمُ المُفَسِّرِين:
مُجَاهِد
هُوَ شَيْخُ الْقُرَّاءِ وَالمُفَسِّرِينَ الإِمَامُ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ أَبُو الحَجَّاجِ المَكِّيُّ المَخْزُومِيُّ الأَسْوَد، وُلِدَ سَنَةَ ٢٠ هـ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ١٠٢ هـ، وَقِيلَ سَنَةَ ١٠٣ هـ، وَقِيلَ سَنَةَ ١٠٤ هـ ٠
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَال:
«بَلَغ مُجَاهِدٌ ٨٣ سَنَة» ٠
стр. 1735
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَكْثَرَ وَجَوَّد، وَأَخَذَ عَنهُ الْقُرْآنَ وَالتَّفْسِيرَ وَالفِقْه ٠
وَرَوَى عَن أَبي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأُمِّ هَانِئ ٠
стр. 1736
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
وَتَلاَ وَقَرَأَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ عَلَى رَأْسِهِمْ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الْعَلاَء ٠
وَحَدَّثَ عَنهُ عِكْرِمَةُ وَطَاوُوسٌ وَعَطَاء ٠ وَهُمْ مِن أَقْرَانِهِ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ أَبي نَجِيح، وَمَنْصُورُ بْنُ المُعْتَمِر، وَسُلَيْمَانُ الأَعْمَش، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانيّ، وَابْنُ عَوْن، وَعُمَرُ بْنُ ذَرّ، وَقَتَادَةُ بْنُ دِعَامَة، وَالفَضْلُ بْنُ مَيْمُون، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِر، وَحُمَيْدٌ الأَعْرَج، وَبُكَيْرُ بْنُ الأَخْنَس، وَخُصَيْف، وَسُلَيْمَانُ الأَحْوَل، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ الجَزَرِيّ، وَخَلْقٌ كَثِير ٠
стр. 1737
ـ نِيَّتُهُ ﵀ في طَلَبِ الْعِلْم:
قَالَ مُجَاهِد: «طَلَبْنَا هَذَا الْعِلْمَ، وَمَا لَنَا فِيهِ كَبِيرُ نِيَّةٍ، ثُمَّ رَزَقَ اللهُ النِّيَّةَ بَعْد» ٠
ـ مَكَانَتُهُ في الْقِرَاءَاتِ وَعُلُومِ الْقُرْآن:
حَدَّثَ الأَنْصَارِيُّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مَيْمُونٍ قَال: «سَمِعْتُ مُجَاهِدَاً يَقُول: عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ ثَلاَثِينَ مَرَّة» ٠
стр. 1738
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَن أَبَانَ بْنِ صَالحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَال:
«عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ ثَلاَثَ عَرْضَات، أُوقِفُهُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ أَسْأَلُهُ فِيمَ نَزَلَتْ وَكَيْف» ٠٠؟
[قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِم، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٣١٠٥]
حَدَّثَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ عَن إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ قَال:
«قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّاد، وَقَرَأَ عَلَى ابْنِ كَثِير، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ عَلَى مُجَاهِد، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁» ٠
قَالَ عَنهُ قَتَادَة: «أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِالتَّفْسِيرِ مُجَاهِد» ٠
стр. 1739
ـ قَالُواْ عَن عِلْمِهِ:
حَدَّثَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ عَنْ قَتَادَةَ ﵀ قَال:
«أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِالحَلاَلِ وَالحَرَام: الزُّهْرِيّ، وَأَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِالقُرْآن: مُجَاهِد» ٠
ـ إِكْرَامُ الصَّحَابَةِ لَهُ:
قَالَ مُجَاهِد: «صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵁ وَأَنَا أُرِيدُ أَن أَخْدُمَهُ فَكَانَ يَخْدُمُني» ٠
стр. 1740
وَحَدَّثَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ في مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ قَال:
«رُبَّمَا أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ لي بِالرِّكَابِ ﵁» ٠
ـ وَرَعُهُ وَتَقْوَاه، وَعِبَادَتُهُ لله:
وَبَلَغَ مِن عَظِيمِ تَوَاضُعِهِ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: «لاَ تُنَوِّهُواْ بي في الخَلْق» ٠
وَقَالَ عَنهُ الأَعْمَش:
«كَانَ مُجَاهِدٌ كَأَنَّهُ حَمَّال [لِرَثَاثَةِ هَيْئَتِه] فَإِذَا نَطَقَ خَرَجَ مِنْ فِيهِ اللُّؤْلُؤ» ٠
ـ عَقِيدَتُهُ وَمَذْهَبُه:
стр. 1741
حَدَّثَ يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَال: «مَا أَدْرِي أَيُّ النِّعْمَتَيْنِ أَعْظَم: أَن هَدَاني لِلإِسْلاَم، أَوْ عَافَاني مِن هَذِهِ الأَهْوَاءِ ٠٠؟
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيّ: «مِثْلُ الرَّفْض، وَالقَدَر، وَالتَّجَهُّم» ٠
حَدَّثَ يحْيىَ بْنُ سُلَيْمٍ عَن عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ قَال: «كُنْتُ عِنْدَ أَبي [أَيْ مجَاهِد] فَجَاءَ وَلَدُهُ يَعْقُوبُ فَقَال: يَا أَبَتَاه؛ إِنَّ لَنَا أَصْحَابَاً يَزْعُمُونَ أَنَّ إِيمَانَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الأَرْضِ وَاحِد؛ فَقَالَ ﵀: يَا بُنيّ؛ مَا هَؤُلاَءِ بِأَصْحَابي؛ لاَ يجْعَلُ اللهُ مَن هُوَ مُنْغَمِسٌ في الخَطَايَا كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَه» ٠
стр. 1742
ـ غَرَائِبُهُ وَعَجَائِبُه:
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ الحَافِظُ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ عَنِ الأَعْمَشِ قَال:
«كَانَ مُجَاهِدٌ لاَ يَسْمَعُ بِأُعْجُوبَةٍ إِلاََّ ذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ٠٠ ذَهَبَ إِلىَ بِئْرِ بَرَهُوتَ بِحَضْرَمَوْتَ [الَّذِي وَرَدَتْ آثَارٌ صَحِيحَةٌ تَذْكُرُ أَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ تُحْبَسُ فِيه] وَذَهَب إِلىَ بَابِلَ وَعَلَيْهَا وَالٍ؛ فَقَالَ لَهُ مُجَاهِد: تَعْرِضُ عَلِيَّ هَارُوتَ وَمَارُوت؛ فَدَعَا رَجُلاً مِنَ السَّحَرَةِ فَقَالَ اذْهَبْ بِهِِ؛ فَقَالَ اليَهُودِيّ: بِشَرْطِ أَنْ لاَ تَدْعُوَ اللهَ عِنْدَهُمَا؛ قَالَ مُجَاهِد: فَذَهَبَ بي إِلىَ قَلْعَة، فَقَطَعَ مِنهَا حَجَرَاً ثُمَّ قَال: خُذْ بِرِجْلِي [يَبْدُو أَنَّهُمَا دَخَلاَ سِرْدَابَاً] فَهَوَى بِهِ،
стр. 1743
حَتىَّ انْتَهَى إِلىَ جَوْبَة [أَيْ حُفْرَةٍ عَمِيقَة] فَإِذَا هُمَا مُعَلَّقَانِ مُنَكَّسَانِ كَالجَبَلَيْن، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمَا قُلْتُ سُبْحَانَ اللهِ خَالِقِكُمَا؛ فَاضْطَرَبَا؛ فَكَأَنَّ الجِبَالَ تَدَكْدَكَتْ [أَيْ تَهَدَّمَتْ] فَغُشِيَ عَلَيَّ وَعَلَى اليَهُودِيّ، ثمَّ أَفَاقَ قَبْلِي فَقَال: أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ وَأَهْلَكْتَني» ٠
ـ حُسْنُ خَاتِمَتِه:
قَالَ أَبُو نُعَيْمٌ وَالمَدَائِنِيّ، وَالهَيْثَمُ بْنُ عَدِيّ:
«مَاتَ مُجَاهِد؛ وَهُوَ سَاجِد» ٠
стр. 1744
قَتَادَة
هُوَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ عَزِيزٍ السَّدُوسِيّ، وَقِيلَ ابْنُ دِعَامَةَ بْنِ عُكَابَة
وُلِدَ سَنَةَ ٦٠ هـ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ١١٧ هـ ٠
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَخَلِيفَةُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «مَاتَ قَتَادَةُ ﵀ سَنَةَ ١١٧ بِوَاسِط» ٠
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
وَرَوَى عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِس، وَأَنَسِ بْنِ مَالِك، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب، وَأَبي الْعَالِيَة، وَصَفْوَانَ بْنِ مُحْرِز، وَأَبي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ، وَزُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى،
стр. 1745
وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَس، وَعِكْرِمَةَ مَوْلىَ ابْنِ عَبَّاس، وَأَبي المَلِيحِ بْنِ أُسَامَة، وَالحَسَنِ الْبَصْرِيّ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبي رَبَاحٍ، وَمُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّة، وَخَالِدِ بْنِ عُرْفُطَة، وَسَالِمِ بْنِ أَبي الجَعْد، وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَب، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيق، وَمُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّير، وَمحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، وَنَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيّ، وَأَبي مِجْلَز، وَأَبي أَيُّوبَ المَرَاغِيّ، وَعَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَسَفِينَةَ، وَأَبي هُرَيْرَةَ مُرْسَلاً ٠
وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، وَقَزَعَةَ بْنِ يحْيىَ، وَعَامِرٍ الشَّعْبيِّ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ ٠
وَكَانَ مِن أَوْعِيَةِ الْعِلْم، وَمِمَّنْ يُضرَبُ بِهِ المَثَلُ في قُوَّةِ وَسُرْعَةِ الحِفظ ٠
стр. 1746
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
رَوَى عَنهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانيّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبي عَرُوبَة، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِد، وَالأَوْزَاعِيّ، وَمِسْعَرُ بْنُ كِدَام، وَشُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاج، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِم، وَشَيْبَانُ النَّحْوِيّ، وَهَمَّامُ بْنُ يحْيىَ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَة، وَأَبَانُ الْعَطَّار، وَسَلاَمُ بْنُ أَبي مُطِيع، وَخُلَيْدُ بْنُ دَعْلَج، وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيّ، وَأَبُو عَوَانَةَ الْوَضَّاح، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ كَثِير ٠
وَاتُّهِمَ بِأَشْيَاءَ في الْقَدَر؛ نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لَه ٠
стр. 1747
حَدَّثَ وَكِيعٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبي عَرُوبَةَ وَهِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَال:
«كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ إِلاََّ المَعَاصِي» ٠
وَهَذَا عَفَا اللهُ عَنهُ خَطَأٌ مِنهُ أَرَادَ بِهِ تَنْزِيهَ اللهِ مِن أَنْ يَجْرِيَ شَيْءٌ عَلَى غَيرِ مُرَادِه ٠
وَالمَعَاصِي وَإِنْ كَانَ اللهُ لاَ يُرِيدُهَا؛ إِلاَّ أَنَّهُ تَقَدَِّسَتْ أَسْمَاؤُهُ لاَ يُعْجِزُهُ إِيقَافَهَا عَنِ الجَرَيَان، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ لاَ يُرِيدُ بِذَلِكَ سَلْبَ الحُرِّيَّةِ عَنِ الإِنْسَان، وَلَوْ كَانَتِ المَعَاصِي لَيْسَتْ بِقَدَرِ اللهِ
стр. 1748
عَلَى حَدِّ قَوْلِ قَتَادَةَ غَفَرَ اللهُ لَه؛ لَكَانَ في الْكَوْنِ أَشْيَاءُ لاَ تَجْرِي بِقَدَرِ الله، بَلْ وَلَقَادَ ذَلِكَ إِلىَ الْقَوْلِ بِأَنَّ ثَمَّ خَالِقَاً غَيرَ الله [وَالْعِيَاذُ بِالله]
فَالمَعَاصِي تَجْرِي بِقَدَرِ الله؛ لِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ ﴿القَمَر/٤٩﴾
فَهِيَ شَيْءٌ مِنْ كُلِّ شَيْء: بِقَدَرِ الله، وَلَكِنْ لَيْسَتْ بِإِرَادَةِ الله: أَيْ بِرَغْبَةِ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ وَإِرَادَتِه، وَبِلَفْظٍ مُهَذَّبٍ مُؤَدَّب: لاَ يَرْضَاهَا اللهُ ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ
стр. 1749
يُمْهِلُ صَاحِبَهَا وَيُؤَخِّرُهُ لِيَوْمِ الدِّين
وَقَتَادَةُ معَ هَذَا مَا كَفَّ أَحَدٌ عَنْ صِدْقِهِ وَعَدَالَتِه ٠٠
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيّ:
«لَعَلَّ اللهَ ﷻ يَعْذُرُ أَمْثَالَه مِمَّنْ تَلبَّسَ بِبِدعَةٍ يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمَهُ جَلَّ وَعَلاَ وَتَنزِيهَه، وَبَذَلَ وِسْعَه، وَاللهُ حَكَمٌ عَدلٌ لَطِيفٌ بِعِبَادِه، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَل ٠٠
ثمَّ إِنَّ الْكَبِيرَ مِن أَئِمَّةِ الْعِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُهُ وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحقِّ وَاتَّسَعَ عِلْمُهُ وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ وَعُرِفَ صَلاَحُهُ وَوَرَعُهُ
стр. 1750
وَاتِّبَاعُه: يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُهُ، وَلاَ نُضِلِّلْهُ وَنَطرْحُهُ وَنَنْسَى مَحَاسِنَهُ ٠٠
نَعَم، وَلاَ نَقْتَدِي بِهِ في بِدْعَتِه وَخَطَئِه، وَنَرْجُو لَهُ التَّوْبَةَ مِنْ ذَلِك» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ صَلاَحِهِ وَتَقْوَاه، وَعِبَادَتِهِ لله، وَوَرَعِهِ في فَتْوَاه:
قَالَ أَبُو هِلاَلٍ الرَّاسِبيّ: «سَأَلْتُ قَتَادَةَ ﵀ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لاَ أَدْرِي؛ فَقُلْتُ: قُلْ فِيهَا بِرَأْيك؛ قَالَ ﵀: مَا قُلْتُ بِرَأْيٍ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَة» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ فِقْهِهِ:
стр. 1751
رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ قَال:
«لَمْ أَرَ في هَؤُلاَءِ أَفْقَهَ مِنَ الزُّهْرِيّ، وَقَتَادَة، وَحَمَّاد» ٠
ـ مِن أَقْوَالِهِ ﵀:
قَالَ أَبُو هِلاَلٍ الرَّاسِبيّ:
«سَمِعْتُ قَتَادَةَ ﵀ يَقُول: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَشْبَعُ مِنَ الْكَلاَم؛ كَمَا يَشْبَعُ مِنَ الطَّعَام» ٠
قَالَ أَبُو هِلاَلٍ الرَّاسِبيّ: «سَمِعْتُهُ يَقُول: الحِفظُ في الصِّغَرِ كَالنَّقشِ في الحَجَر» ٠
ـ قَالُواْ عَن عِلْمِهِ:
стр. 1752
حَدَّثَ أَبُو هِلاَلٍ الرَّاسِبيُّ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ قَال: «مَا زَالَ قَتَادَةُ مُتَعَلِّمَاً حَتىَّ مَات»
قَالَ فِيهِ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الْعَلاَء: «كَانَ قَتَادَةُ ﵀ مِن أَنْسبِ النَّاس» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ ذَكَائِهِ وَفِطْنَتِه عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه:
حَدَّثَ ابْنُ أَبي عَاصِمٍ عَن هُدْبَةَ عَن هَمَّامِ بْنِ يحْيىَ عَنْ قَتَادَةَ ﵀ أَنَّهُ قَال:
«قَالَ لي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ ﵀: لَمْ أَرَ أَحَدَاً أَسْأَلُهُ عَمَّا يُخْتَلَفُ فِيهِ مِنْك» ٠
стр. 1753
حَدَّثَ سَلاََّمُ بْنُ مِسْكِينٍ عَن عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ لِقَتَادَة:
«مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ خَلَقَ مِثْلَك» ٠
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ: «وَهَلْ كَانَ في الدُّنْيَا مِثْلُ قَتَادَة» ٠
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀: «كَانَ قَتَادَةُ عَالِمَاً بِالتَّفْسِيرِ وَبِاخْتِلاَفِ الْعُلَمَاء، ثُمَّ وَصَفَه بِالْفِقْهِ وَالحِفْظِ وَأَطنَبَ في ذِكْرِهِ، وَقَالَ في النِّهَايَة: قَلَّمَا تَجِدُ مَنْ يَتَقَدَّمُه» ٠
стр. 1754
ـ قَالُواْ عَن حِفْظِهِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه:
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀: «كَانَ قَتَادَةُ أَحْفَظَ أَهْلِ الْبَصْرَة، لاَ يَسْمَعُ شَيْئَاً إِلاََّ حَفِظَه؛ قُرِئَ عَلَيْهِ صَحِيفَةُ جَابِرٍ مَرَّةً وَاحِدَةً فَحَفِظَهَا» ٠
نَقَلَ الْقِفْطِيُّ في تَارِيخِهِ: «إِنَّ الرَّجُلَيْنِ مِنْ بَني أُمَيَّةَ كَانَا يخْتَلِفَانِ في الْبَيْتِ مِنَ الشِّعر؛ فَيُبْرِدَانِ بَرَيْدَاً إِلىَ الْعِرَاقِ يَسْأَلاَنِ قَتَادَةَ عَنهُ» ٠
قَالَ مَعْمَر: «جَاءَ رَجُلٌ إِلىَ محَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ﵀ فَقَال: رَأَيْتُ كَأَنَّ حَمَامَةً الْتَقَمَتْ لُؤْلُؤَةً؛ فَخَرَجَتْ مِنهَا كَمَا دَخَلَتْ ٠٠؟
[أَيْ بِلاَ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَان]
стр. 1755
فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ﵀: ذَاكَ قَتَادَة؛ فَهُوَ أَحْفَظُ النَّاس» ٠
حَدَّثَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ ﵀ أَنَّهُ قَال:
«مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ شَيْئَاً قَطُّ إِلاََّ وَعَاهُ قَلْبي» ٠
ـ بَعْضُ نَوَادِرِه غَفَرَ اللهُ لَه:
حَدَّثَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ عَن أَبِيهِ عَن خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ قَال: «قَالَ قَتَادَة: مَا نَسِيتُ شَيْئَاً، ثُمَّ قَال: يَا غُلاَم؛ نَاولْني نَعْلِي؛ قَال: نَعْلُكَ في رِجْلِك» ٠
следующие страницы →