← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37568

حياة التابعين

ياسر الحمداني

Полный текст (2 289 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ قَال: «لَمْ أَرَ في هَؤُلاَءِ أَفْقَهَ مِنَ الزُّهْرِيّ، وَقَتَادَة، وَحَمَّاد» ٠ ـ مِن أَقْوَالِهِ ﵀: قَالَ أَبُو هِلاَلٍ الرَّاسِبيّ: «سَمِعْتُ قَتَادَةَ ﵀ يَقُول: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَشْبَعُ مِنَ الْكَلاَم؛ كَمَا يَشْبَعُ مِنَ الطَّعَام» ٠ قَالَ أَبُو هِلاَلٍ الرَّاسِبيّ: «سَمِعْتُهُ يَقُول: الحِفظُ في الصِّغَرِ كَالنَّقشِ في الحَجَر» ٠ ـ قَالُواْ عَن عِلْمِهِ:

стр. 1752

حَدَّثَ أَبُو هِلاَلٍ الرَّاسِبيُّ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ قَال: «مَا زَالَ قَتَادَةُ مُتَعَلِّمَاً حَتىَّ مَات» قَالَ فِيهِ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الْعَلاَء: «كَانَ قَتَادَةُ ﵀ مِن أَنْسبِ النَّاس» ٠ ـ قَالُواْ عَنْ ذَكَائِهِ وَفِطْنَتِه عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: حَدَّثَ ابْنُ أَبي عَاصِمٍ عَن هُدْبَةَ عَن هَمَّامِ بْنِ يحْيىَ عَنْ قَتَادَةَ ﵀ أَنَّهُ قَال: «قَالَ لي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ ﵀: لَمْ أَرَ أَحَدَاً أَسْأَلُهُ عَمَّا يُخْتَلَفُ فِيهِ مِنْك» ٠

стр. 1753

حَدَّثَ سَلاََّمُ بْنُ مِسْكِينٍ عَن عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ لِقَتَادَة: «مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ خَلَقَ مِثْلَك» ٠ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ: «وَهَلْ كَانَ في الدُّنْيَا مِثْلُ قَتَادَة» ٠ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀: «كَانَ قَتَادَةُ عَالِمَاً بِالتَّفْسِيرِ وَبِاخْتِلاَفِ الْعُلَمَاء، ثُمَّ وَصَفَه بِالْفِقْهِ وَالحِفْظِ وَأَطنَبَ في ذِكْرِهِ، وَقَالَ في النِّهَايَة: قَلَّمَا تَجِدُ مَنْ يَتَقَدَّمُه» ٠

стр. 1754

ـ قَالُواْ عَن حِفْظِهِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀: «كَانَ قَتَادَةُ أَحْفَظَ أَهْلِ الْبَصْرَة، لاَ يَسْمَعُ شَيْئَاً إِلاََّ حَفِظَه؛ قُرِئَ عَلَيْهِ صَحِيفَةُ جَابِرٍ مَرَّةً وَاحِدَةً فَحَفِظَهَا» ٠ نَقَلَ الْقِفْطِيُّ في تَارِيخِهِ: «إِنَّ الرَّجُلَيْنِ مِنْ بَني أُمَيَّةَ كَانَا يخْتَلِفَانِ في الْبَيْتِ مِنَ الشِّعر؛ فَيُبْرِدَانِ بَرَيْدَاً إِلىَ الْعِرَاقِ يَسْأَلاَنِ قَتَادَةَ عَنهُ» ٠ قَالَ مَعْمَر: «جَاءَ رَجُلٌ إِلىَ محَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ﵀ فَقَال: رَأَيْتُ كَأَنَّ حَمَامَةً الْتَقَمَتْ لُؤْلُؤَةً؛ فَخَرَجَتْ مِنهَا كَمَا دَخَلَتْ ٠٠؟ [أَيْ بِلاَ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَان]

стр. 1755

فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ﵀: ذَاكَ قَتَادَة؛ فَهُوَ أَحْفَظُ النَّاس» ٠ حَدَّثَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ ﵀ أَنَّهُ قَال: «مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ شَيْئَاً قَطُّ إِلاََّ وَعَاهُ قَلْبي» ٠ ـ بَعْضُ نَوَادِرِه غَفَرَ اللهُ لَه: حَدَّثَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ عَن أَبِيهِ عَن خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ قَال: «قَالَ قَتَادَة: مَا نَسِيتُ شَيْئَاً، ثُمَّ قَال: يَا غُلاَم؛ نَاولْني نَعْلِي؛ قَال: نَعْلُكَ في رِجْلِك» ٠

стр. 1756

سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر هُوَ الإِمَامُ الحَافِظُ المُقْرِئُ المُفَسِّرُ الشَّهِيدُ أَبُو عَبْدِ اللهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ هِشَامٍ الْوَالِبيُّ الْكُوفِيّ ٠ وُلِدَ ﵀ سَنَةَ ٣٨ هـ في خِلاَفَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٩٥ هـ؛ قَتَلَهُ الحَجَّاجُ أَبْعَدَهُ الله ٠ ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ: كَمَا رَوَى عَن أَبي هُرَيْرَة، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَر، وَأَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ، وَأَبي مُوسَى الأَشْعَرِيّ، عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّل، وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِم، وَأَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيّ، وَعَائِشَةَ ﵃ ٠

стр. 1757

ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه: قَالَ أَبُو الشَّيْخِ: «قَدِمَ ﵀ أَصْبَهَانَ زَمَنَ الحَجَّاجِ أَبْعَدَهُ اللهُ وَأَخَذُواْ عَنه» ٠ حَدَّثَ عَنهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانيّ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَة، وَسُلَيْمَانُ الأَحْوَل، وَسُلَيْمَانُ الأَعْمَش، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو سِنَان، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ الجَزَرِيُّ، وَعَدِيُّ بْنُ ثَابِت، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِب، وَعَمْرُو بْنُ دِينَار، وَمَالِكُ بْنُ دِينَار، وَالزُّهْرِيّ، وَمحَمَّدُ بْنُ وَاسِع، وَالمِنْهَالُ بْنُ عَمْرو، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيّ، وَأَبُو حَصِينٍ الأَسَدِيّ، وَخَلْقٌ كَثِير ٠

стр. 1758

ـ مَكَانَتُهُ في الْقِرَاءَاتِ وَعُلُومِ الْقُرْآنِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: أَخَذَ الْقُرْآنَ وَالْقِرَاءَاتِ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآن، وَبَرَعَ في عُلُومِ الْقرْآنِ حَتىَّ أَصْبَحَ فِيهَا إِمَامَاً وَقَرَأَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ عَلَى رَأْسِهِمْ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الْعَلاَء ٠ قَالَ ابْنُ شِهَاب: «كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَؤُمُّنَا، يُرَجِّعُ صَوْتَهُ بِالقُرْآن» ٠ ـ قَالُواْ عَنِ عِلْمِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ أَحمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ عَن عَلِيِّ بْنِ المَدِينيِّ قَال: «لَيْسَ في أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مِثْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵀؛ قِيلَ وَلاَ طَاوُوس؟ قَالَ وَلاَ طَاوُوسٌ وَلاَ أَحَد» ٠

стр. 1759

حَدَّثَ عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ حَرْبٍ عَن خُصَيْفٍ قَال: «كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِالقُرْآنِ مُجَاهِد، وَأَعْلَمَهُمْ بِالحَجِّ عَطَاء، وَأَعْلَمَهُمْ بِالحَلاَلِ وَالحَرَامِ طَاوُوس، وَأَعْلَمَهُمْ بِالطَّلاَقِ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب، وَأَجْمَعَهُمْ لِهَذِهِ الْعُلُوم: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر» ٠

стр. 1760

ـ قَالُواْ عَنْ مَنَاقِبِهِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: رَوَى ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ عَن أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ قَال: «كَانَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ دِيك، كَانَ يَقُوم مِنَ اللَّيْلِ بِصِيَاحِهِ، فَلَمْ يَصِحْ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالي حَتىَّ أَصْبَح، فَلَمْ يُصَلِّ سَعِيدٌ ﵀ تِلْكَ اللَّيْلَة، فَشَقَّ عَلَيْهِ فَقَال: مَا لَهُ قَطَعَ اللهُ صَوْتَه ٠٠؟! فَمَا سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ بَعْد؛ فَقَالَتْ لَهُ أُمُّه: يَا بُنيّ؛ لاَ تَدْعُ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهَا» ٠ حَدَّثَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَن أَبي سِنَانٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵀ أَنَّهُ قَال: «لَدَغَتْني عَقْرَب؛ فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ أُمِّي أَن أَسْتَرْقِيَ، فَأَعْطَيْتُ الرَّاقِيَ يَدِيَ الَّتي لَمْ تُلْدَغْ وََكَرِهْتُ أَن أُحَنِّثَهَا» ٠

стр. 1761

ـ قَالُواْ عَنْ فِقْهِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: قَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبي المُغِيرَة: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ بَعْدَ مَا عَمِيَ إِذَا أَتَاهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَسْأَلُونَهُ ﵁ يَقُول: تَسْأَلُوني وَفِيكُمْ ابْنُ أُمِّ دَهْمَاء «يَعْني سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ﵀»» ٠ حَدَّثَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَن أَسْلَمَ المِنْقَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵀ قَال: «سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﵁ عَنْ فَرِيضَةٍ فَقَال: ائْتِ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْر؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِالحِسَابِ مِنيِّ، وَهُوَ يَفْرِضُ فِيهَا مَا أَفْرِض» ٠

стр. 1762

٠ ـ خَبَرُهُ مَعَ الحَجَّاجِ أَبْعَدَهُ الله: قَال الإِمَامُ الذَّهَبيّ: «قِيَامُ الْقُرَّاءِ عَلَى الحَجَّاجِ كَانَ في سَنَةِ ٨٢ هـ، وَمَا ظَفِرُواْ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵀ إِلاَّ سَنَةَ ٩٥ هـ، السَّنَةَ الَّتي قَلَعَ اللهُ فِيهَا الحَجَّاج» ٠ أَيْ أَنَّ سَعِيدَاً ظَلَّ طَرِيدَاً شَرِيدَاً بَعِيدَاً عَن أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَة ٠ حَدَّثَ صَالِحُ بْنُ عُمَرَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبي هِنْدٍ قَال: «لَمَّا أَخَذَ الحَجَّاجُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ﵀ قَال: مَا أُرَاني إِلاََّ مَقْتُولاً؛

стр. 1763

وَسَأُخْبِرُكُمْ: إِنيِّ كُنْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لي دَعَوْنَا حِينَ وَجَدْنَا حَلاَوَةَ الدُّعَاء، ثمَّ سَأَلْنَا اللهَ الشَّهَادَة؛ فَكِلاَ صَاحِبيَّ رُزِقَهَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُهَا» ٠ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَد: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ عَن أُمَيَّةَ بْنِ شِبْلٍ عَن عُثْمَانَ بْنِ بُوذَوَيْهِ قَال: يَا أَبَا عَبْدِ الله، كَمْ لَكَ مُنْذُ خِفْتَ مِنَ الحَجَّاج ٠٠؟ «كُنْتُ مَعَ وَهْبٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ يَوْمَ عَرَفَةَ بِنَخِيلِ ابْنِ عَامِر، فَقَالَ لَهُ وَهْب:

стр. 1764

يَا أَبَا عَبْدِ الله، كَمْ لَكَ مُنْذُ خِفْتَ مِنَ الحَجَّاج ٠٠؟ قَالَ: خَرَجْتُ عَنِ امْرَأَتي وَهِيَ حَامِل، فَجَاءَني الَّذِي في بَطْنِهَا وَقَدْ خَرَجَ وَجْهُه» ٠ حَدَّثَ أَبُو حُذَيْفَةَ النَّهْدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَن عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبي حُسَيْنٍ قَال: «حِينَ دُعِيَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﵀ لِلْقَتْلِ جَعَلَ ابْنُهُ يَبْكِي؛ فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ ٠٠؟! مَا بَقَاءُ أَبِيكَ بَعْدَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ سَنَة» ٠

стр. 1765

عَن أَبي بَكْرٍ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي زِيَادٍ [أَحَدُ أَصْحَابِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵀] قَال: «أَتَيْنَا سَعِيدَاً ﵀ فَإِذَا هُوَ طَيِّبُ النَّفْسِ وَبِنْتُهُ في حَجْرِهِ؛ فَبَكَتْ، وَشَيَّعْنَاهُ إِلىَ بَابِ الجِسْرِ، فَقَالَ الحَرَسُ لَه: أَعْطِنَا كَفِيلاً؛ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ تُغْرِقَ نَفْسَك؛ قَالَ [أَيْ يَزِيدُ بْنُ أَبي زِيَاد]: فَكُنْتُ فِيمَنْ كُفِلَ بِه» ٠

стр. 1766

رَوَى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَن الرَّبِيعِ بْنِ أَبي صَالِحٍ قَال: «دَخَلْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵀ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلىَ الحَجَّاج؛ فَبَكَى رَجُل، فَقَالَ سَعِيدٌ ﵀: مَا يُبْكِيكَ ٠٠؟! قَال: لِمَا أَصَابَك؛ قَال: فَلاَ تَبْكِ؛ كَانَ في عِلْمِ اللهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا، ثُمَّ تَلاَ ﵀: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الأَرْضِ وَلاَ في أَنْفُسِكُمْ إِلاََّ في كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحَدِيد: ٢٢]

стр. 1767

حَدَّثَ حَامِدُ بْنُ يحْيىَ الْبَلْخِيُّ عَن أَبي مُقَاتِلٍ حَفْصٍ السَّمَرْقَنْدِيِّ عَن عَوْنِ بْنِ أَبي شَدَّادٍ أَنَّ الحَجَّاجَ لَمْ يَزَلْ يَجِدُّ في طَلَبِهِ بِكُلِّ مَكَان، وَيَبُثُّ عَلَيْهِ الْعُيُونَ وَالأَعْوَان؛ حَتىَّ وَصَلَ إِلىَ مَكَانِهِ؛ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ قَائِدَاً في عِشْرِينَ مِن أَعْوَانِه؛ فَلَمْ يَزَالُواْ يَتَحَسَّسُونَ وَيَتَجَسَّسُونَ حَتىَّ خَلَصُواْ إِلَيْهِ وَقَبَضُواْ عَلَيْه؛ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنىَ عَلَيْهِ وَقَامَ مَعَهُمْ، حَتىَّ انْتَهَواْ إِلىَ دَيْرِ رَاهِبٍ فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الْفُرْسَانِ

стр. 1768

أَصَبْتُمْ صَاحِبَكُمْ ٠٠؟ قَالُواْ نَعَمْ؛ فَقَال: اصْعَدُواْ؛ فَإِنَّ اللَّبُؤَةَ وَالأَسَدَ يَأْوِيَانِ حَوْلَ الدَّيْر ٠ فَفَعَلُواْ، وَأَبَى سَعِيدٌ أَنْ يَدْخُل؛ فَقَالُواْ: مَا نَرَاكَ إِلاََّ تُرِيدُ الهَرَبَ مِنَّا ٠ قَالَ ﵀: لا، وَلَكِنْ لاَ أَدْخُلُ مَنْزِلَ مُشْرِكٍ أَبَدَا ٠ قَالُواْ: فَإِنَّا لاَ نَدَعُك؛ فَإِنَّ السِّبَاعَ تَقْتُلُك ٠ قَالَ لاَ ضَيْر؛ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي يَصْرِفُهَا عَنيِّ وَيَجْعَلُهَا حَرَسَاً تَحْرُسُني ٠ قَالُواْ: فَأَنْتَ مِنَ الأَنْبيَاءِ ٠٠!! [يَسْتَهْزِئُون]

стр. 1769

قَالَ ﵀: مَا أَنَا مِنَ الأَنْبيَاء، وَلَكِن عَبْدٌ مِن عَبِيدِ اللهِ ﷻ مُذْنِب ٠ فَأَخَذُواْ مِنهُ المَوَاثِيقَ أَلاَّ يَبرَحَ المَكَان؛ فَأَعْطَاهُمْ أَغْلَظَ الأَيْمَان؛ فَرَضُواْ بِذَلِكَ مِنهُ، فَقَالَ لَهُمْ الرَّاهِب: اصْعَدُواْ وَأَوْتِرُواْ الْقِسِّيَّ لِتُنَفِّرُواْ السِّبَاعَ عَن هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِح، فَلَمَّا صَعِدُواْ وَأَوْتَرُواْ الْقِسِّيّ؛ إِذَا هُمْ بِلَبْوَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ، فَلَمَّا دَنَتْ مِنْ سَعِيدٍ تَحَكَّكَتْ بِهِ [أَيِ حَكَّتْ جِسْمَهَا بِهِ] وَتَمَسَّحَتْ بِهِ، ثُمَّ رَبَضَتْ

стр. 1770

قَرِيبَاً مِنهُ، وَأَقْبَلَ الأَسَدُ فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِك ٠ فَلَمَّا رَأَواْ ذَلِك؛ أَصْبَحُواْ فَنَزَلُواْ إِلَيْه، فَسَأَلَهُ الرَّاهِبُ عَنْ شَرَائِعِ دِينِهِ وَسُنَنِهِ؛ فَفَسَّرَ لَهُ سَعِيدٌ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ فَأَسْلَم، وَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَى سَعِيدٍ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْه، وَيُقَبِّلُونَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْه، وَيَأْخُذُونَ التُّرَابَ الَّذِي وَطِئَهُ فَيَقُولُون: يَا سَعِيد؛ حَلَّفَنَا الحَجَّاجُ بِالطَّلاَقِ وَالعَتَاقِ إِنْ نَحْنُ رَأَيْنَاكَ وَتَرَكْنَاكَ فَمُرْنَا بِمَا شِئْت ٠٠؟

стр. 1771

قَالَ ﵀: امْضُواْ لأَمْرِكُمْ؛ فَإِنيِّ لاَئِذٌ بِخَالِقِي، وَلاَ رَادَّ لِقَضَائِه ٠ فَسَارُواْ حَتىَّ بَلَغُواْ وَاسِط؛ فَقَالَ سَعِيد: قَدْ تَحَرَّمْتُ بِكُمْ وَصَحِبْتُكُمْ، وَلَسْتُ أَشُكُّ أَنَّ أَجَلِي قَدْ حَضَر؛ فَدَعُوني اللَّيْلَةَ آخُذْ أُهْبَةَ المَوْت، وَأَسْتَعِدَّ لِمُنْكَرٍ وَنَكِير، وَأَذْكُرْ عَذَابَ الْقَبْر، فَإِذَا أَصْبَحْتُمْ؛ فَالمِيعَادُ بَيْنَنَا المَكَانُ الَّذِي تُرِيدُون؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَتُرِيدُونَ أَثَرَاً بَعْدَ عَيْن ـ

стр. 1772

أَيْ أَتُرِيدُونَ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ رَأْيَ الْعَينِ أَنْ تَطْلُبُواْ غَدَاً أَثَرَهُ بَعْدَ عَيْن ـ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ بَلَغْتُمْ مَأْمَنَكُمْ وَدَنَتْ مِنْكُمْ جَوَائِزَ الأَمِير؛ فَلاَ تَعْجَزُواْ عَنهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَكَانُواْ أَقْرَبَ مِن أُوْلَئِكَ إِلىَ الخَير: يُعْطِيكُمْ مِثْلَمَا أَعْطَاكُمْ لَيْلَةَ الدَّيْر، وَيْلَكُمْ؛ أَمَا لَكُمْ عِبْرَةٌ بِمَا فَعَلَ بِهِ الأَسَد؟!

стр. 1773

فَنَظَرُواْ إِلىَ سَعِيدٍ وَقَدْ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَشَعِثَ رَأْسُهُ وَاغْبَرَّ لَوْنُهُ وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ لَقُوهُ وَصَحِبُوه؛ فَقَالُواْ: يَا خَيْرَ أَهْلِ الأَرْض؛ لَيْتَنَا لَمْ نَعْرِفْكَ وَلَمْ نُسَرَّحْ إِلَيْك، الْوَيْلُ لَنَا وَيْلاً طَوِيلاً، كَيْفَ ابْتُلِينَا بِك، اعْذِرْنَا عِنْدَ خَالِقِنَا يَوْمَ الحَشْرِ الأَكْبَر؛ فَإِنَّهُ الْقَاضِي الأَكْبَرُ وَالعَدْلُ الَّذِي لاَ يَجُور؛ قَالَ ﵀: مَا أَعْذَرَني لَكُمْ وَأَرْضَاني لِمَا سَبَقَ مِن عِلْمِ اللهِ فِيّ ٠

стр. 1774

فَلَمَّا فَرَغُواْ مِنَ الْبُكَاءِ وَالمُجَاوَبَةِ قَالَ كَفِيلُه: أَسْأَلُكَ بِاللهِ إِلاَّ زَوَّدْتَنَا مِنْ دُعَائِكَ وَكَلاَمِك؛ فَإِنَّا لَنْ نَلْقَى مِثْلَكَ أَبَدَاً؛ فَفَعَلَ ذَلِك؛ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَغَسَلَ رَأْسَهُ وَمِدْرَعَتَهُ وَكِسَاءهُ، وَهُمْ مُحْتَفُونَ اللَّيْلَ كُلَّهُ يُنَادُونَ بِالوَيْلِ وَاللَّهْف ٠ فَلَمَّا انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ جَاءَهُمْ سَعِيدٌ فَقَرَعَ الْبَاب؛ فَنَزَلُواْ وَبَكَوْاْ مَعَهُ وَذَهَبُواْ بِهِ إِلىَ الحَجَّاجِ، وَمَعَهُ آخَر؛ فَدَخَلاَ، فَقَالَ الحَجَّاج: أَتَيْتُمُوني بِسَعِيدِ بْنِ

стр. 1775

جُبَيْر ٠٠؟ قَالُواْ نَعَمْ، وَعَايَنَّا مِنهُ الْعَجَب؛ فَصَرَفَ بِوَجْهِهِ عَنهُمْ وَقَال: أَدْخِلُوهُ عَلَيّ ٠ فَخَرَجَ قَائِدُهُمْ إِلىَ سَعِيدٍ فَقَالَ لَه: أَسْتَوْدِعُكَ اللهَ وَأَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَم ٠ ثُمَّ قَالَ لَهُ الحَجَّاجُ بَعْدَ كَلاَمٍ جَرَى فِيه؛ مَا يَنُمُّ عَنْ تَشَفِّيه: اخْتَرْ أَيَّ قِتْلَةٍ تُرِيدُ أَن أَقْتُلَك ٠٠؟ قَال: اخْتَرْ لِنَفْسِكَ يَا حَجَّاج؛ فَوَاللهِ مَا تَقْتُلُني قِتْلَةً إِلاََّ قَتَلْتُكَ في الآخِرَةِ قَتْلَةً مِثْلَهَا وَشَرَّاً مِنهَا ٠ قَال: فَتُرِيدُ أَن أَعْفُوَ عَنْكَ ٠٠؟

стр. 1776

قَالَ ﵀: إِنْ كَانَ الْعَفْو؛ فَمِنَ الله، وَأَمَّا أَنْتَ فَلاَ بَرَاءةَ لَكَ وَلاَ عُذْر ٠ قَال: اذْهبُواْ بِهِ فَاقْتُلُوه ٠ فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْبَابِ ﵀ ضَحِك؛ فَأُخْبِرَ الحَجَّاجُ بِذَلِك؛ فَأَمَرَهُمْ بِرَدِّهِ؛ فَقَال: مَا أَضْحَكَكَ ٠٠؟ قَالَ ﵀: عَجِبْتُ مِنْ جُرْأَتِكَ عَلَى اللهِ وَحِلْمِهِ عَنْك ٠٠!! فَأَمَرَ بِالنِّطْعِ فَبُسِطَ وَقَالَ اقْتُلُوه ٠ فَقَالَ ﵀: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفَاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِين﴾

стр. 1777

﴿الأَنعَام/٧٩﴾ قَالَ أَبْعَدَهُ الله: شُدُّواْ بِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَة ٠ قَالَ ﵀: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ ﴿البَقَرَة/١١٥﴾ قَالَ أَبْعَدَهُ الله: كُبُّوهُ لِوَجْهِه ٠ قَالَ ﵀: ﴿مِنهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ﴿طَهَ/٥٥﴾ قَالَ أَبْعَدَهُ الله: اذْبَحُوه ٠ قَالَ ﵀: إِنيِّ أَشْهَدُ وَأُحَاجُّ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاََّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ محَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، خُذْهَا مِنيِّ حَتىَّ تَلْقَاني يَوْمَ

стр. 1778

الْقِيَامَة، ثمَّ دَعَا اللهَ سَعِيدٌ وَقَال: اللَّهُمَّ لاَ تُسَلِّطْهُ عَلَى أَحَدٍ يَقْتُلُهُ بَعْدِي، فَذُبِحَ عَلَى النَّطْع ٠ حَدَّثَ هَارُونُ الحَمَّالُ عَنْ محَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ المَخْزُومِيِّ عَنْ مَالِكٌ عَنْ يحْيىَ بْنِ سَعِيد، عَنْ كَاتِبِ الحَجَّاجِ قَال: كُنْتُ أَكْتُبُ لِلْحَجَّاجِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلاَمٌ يَسْتَخِفُّني وَيَسْتَحْسِنُ كِتَابَتي، وَأَدْخُلُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْن، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا قَتَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَهُوَ في قُبَّةٍ لَهُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَاب، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ مِمَّا

стр. 1779

يَلِي ظَهْرَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُول: مَا لي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، فَخَرَجْتُ رُوَيْدَاً وَعَلِمْتُ أَنَّهُ إِن عَلِمَ بي قَتَلَني [لأَنَّهُ اطَّلَعَ مِنهُ عَلَى لحْظَةِ ضَعْفٍ قَدْ يُفْشِيهَا] فَلَمْ يَنْشَبْ قَلِيلاً حَتىَّ مَات ٠ حَدَّثَ خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَن أَبِيهِ قَال: «شَهِدْتُ مَقْتَلَ سَعِيد، فَلَمَّا بَانَ رَأْسُهُ قَال: لاَ إِلَهَ إِلاََّ الله، لاَ إِلَهَ إِلاََّ الله، وَلَمْ يُتِمَّ الثَّالِثَة» ٠

стр. 1780

قَالَ الإِمَامُ مَالِك: «لَمَّا قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﵀ خَرَجَ مِنهُ دَمٌ كَثِيرٌ حَتىَّ رَاعَ الحَجَّاج؛ فَدَعَا طَبِيبَاً فَقَالَ لَه: مَا بَالُ دَمِ هَذَا كَثِير ٠٠؟ قَال: إِن أَمَّنْتَني أَخْبَرْتُك؛ فَأَمَّنَهُ فَقَال: قَتَلْتَهُ وَنَفْسُهُ مَعَه» ٠٠ أَيْ غَيرَ هَائِبِ المَوْت ٠ بِسْمِ اللهِ الرَِّحْمَنِ الرَِّحِيم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّة ﴿٢٧﴾ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة ﴿٢٨﴾ فَادْخُلِي في عِبَادِي ﴿٢٩﴾ وَادْخُلِي جَنَّتي﴾ ﴿الفَجْر﴾

стр. 1781

الإِمَامُ الطَّبَرِيّ هُوَ المُؤَرِّخُ وَإِمَامُ التَّفْسِيرِ وَعَالِمُ الْعَصْر: أَبُو جَعْفَرٍ محَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ كَثِيرٍ الطَّبَرِيّ، مِن أَهْلِ آمُلَ طَبَرِسْتَان [بِتُرْكُمَانِسْتَان] ٠ وُلِدَ سَنَةَ ٢٢٤ هـ بِآمُل، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٣١٠ هـ وَدُفِنَ بِبَغْدَادَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه ٠

стр. 1782

ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ: سَمِعَ محَمَّدَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبي الشَّوَارِب، وَأَحْمَدَ بْنَ مَنِيع، وَأَبَا كُرَيْبٍ محَمَّدَ بْنَ الْعَلاَء، وَهَنَّاد بْنَ السَّرِيّ، وَأَبَا هَمَّام السَّكُونِيّ، وَبُنْدَارَاً، وَمحَمَّدَ بْنَ المُثَنىَّ، وَيُونُسَ بْنَ عَبْدِ الأَعْلَى، وَأَحْمَدَ بْنَ المِقْدَامِ الْعِجْلِيّ، وَالحَسَنَ بْنَ عَرَفَة، وَيَعْقُوبَ الدَّوْرَقِيّ، وَنَصْرَ بْنَ عَلِيٍّ الجَهْضَمِيّ، وَعَمْرو بْنَ عَلِيٍّ الْفَلاََّس، وَأَحْمَدَ بْنَ أَبي سُرَيْج الرَّازِيّ، وَمحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانيّ، وَعَبْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الصَّفَّار، وَسُفْيَانَ بْنَ وَكِيع، وَالحَسَنَ بْنَ الصَّبَّاحِ الْبَزَّار، وَأُمَمَاً سِوَاهُمْ ٠

стр. 1783

ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه: حَدَّثَ عَنهُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانيّ، وَالحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيّ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ ـ قَالُواْ عَنْ صِفَاتِهِ الشَّكْلِيَّةِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ كَامِل: لَمْ يُغَيِّرْ شَيْبَهُ، وَكَانَ السَّوَادُ فِيهِ كَثِيرَاً، وَكَانَ أَسْمَرَ إِلىَ الأُدْمَة ـ أَيْ شَدِيدَ السُّمْرَة ـ أَعْيَنَ [أَيْ وَاسِعَ الْعَيْنَين] نَحِيفَ الجِسْم، طَوِيلاً فَصِيحَاً» ٠

стр. 1784

ـ نُبْذَةٌ عَن حَيَاتِهِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَة: قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «رَحَلَ مِن آمُلَ [مَسْقَطِ رَأْسِهِ] لَمَّا تَرَعْرَعَ وَحَفِظَ الْقُرْآن، وَسَمَحَ لَهُ أَبُوهُ في أَسْفَارِه، وَكَانَ طُولَ حَيَاتِهِ يَمُدُّهُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ إِلىَ الْبُلْدَان، فَيَقْتَاتُ بِهِ، سَمِعْتُهُ يَوْمَاً يَقُول: أَبْطَأَتْ عَنيِّ نَفَقَةُ وَالِدِي فَاضْطُرِرْتُ إِلىَ فَتْقِ كُمَّيْ قَمِيصِي فَبِعْتُهُمَا» ٠ قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ ﵀: «اسْتَقَرَّ في أَوَاخِرِ أَمْرِهِ بِبَغْدَاد» ٠

стр. 1785

ـ رِحْلَتُهُ في طَلَبِ الْعِلْمِ: قَالَ عَنهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَه: «طَلَبَ الْعِلْمَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ وَمِاْئَتَيْن، وَأَكْثَرَ التَّرْحَال، وَلقِي نُبَلاَءَ الرِّجَال» ٠ قَالَ الْفَرْغَانيّ: حَدَّثَني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَال: قَالَ لي أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيّ: أَظْهَرْتُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَاقْتَدَيْتُ بِهِ بِبَغْدَادَ عَشْرَ سِنِين، وَتَلَقَّاهُ مِنيِّ ابْنُ بَشَّارٍ الأَحْوَلُ أُسْتَاذُ ابْنِ سُرَيْج» ٠

стр. 1786

ـ بَعْضُ مَا لَقِيَهُ مِنَ الْعَذَابَاتِ في سَبِيلِ طَلَبِ الْعِلْمِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: قَالَ الخَطِيب: حَدَّثَني أَبُو الْفَرَجِ محَمَّدُ بْنُ عبيدِ اللهِ الشِّيرَازيُّ الخَرْجُوشِيُّ قَال: «سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مَنْصُورٍ الشِّيرَازِيَّ قَال: سَمِعْتُ محَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الصَّحَّافَ السِّجِسْتَانيَّ قَال: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْبَكْرِيَّ يَقُول: جَمَعَتِ الرِّحْلَةُ بَيْنَ محَمَّدِ بْنِ جَرِير، وَمحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَة، وَمحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيّ، وَمحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الرُّويَاني بِمِصْر؛ فَأَرْمَلُواْ [أَيْ نَفِدَ زَادُهُمْ] وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مَا يقُوتُهُمْ، وَأَضَرَّ بِهِمُ الجُوع، فَاجْتَمَعُواْ لَيْلَةً في مَنْزِلٍ كَانُواْ يَأْوُونَ إِلَيْه؛

стр. 1787

فَاتَّفَقَ رأَيُهُمْ عَلَى أَنْ يَسْتَهِمُواْ وَيَضْربُواْ الْقُرْعَة، فَمَن خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرعَةُ سَأَلَ لأَصْحَابِهِ الطَّعَام؛ فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى ابْنِ خُزَيْمَة؛ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: أَمْهِلُوني حَتىَّ أُصَلِّيَ صَلاَةَ الحَاجَة؛ فَانْدَفَعَ في الصَّلاَة؛ فَإِذَا هُمْ بِالشُّمُوعِ وَخَصِيٍّ مِنْ قِبَلِ وَالِي مِصْرَ يَدُقُّ الْبَاب؛ فَفَتَحُواْ؛ فَقَال: أَيُّكُمْ محَمَّدُ بْنُ نَصْر ٠٠؟ فَقِيل: هُوَ ذَا؛ فَأَخْرَجَ صُرَّةً فِيهَا خَمْسُونَ دِينَارَاً فَدَفَعَهَا إِلَيْه، ثمَّ قَال: وَأَيُّكُمْ محَمَّدُ بْنُ جَرِير ٠٠؟

стр. 1788

فَأَعْطَاهُ خَمْسِينَ دِينَارَاً، وَكَذَلِكَ لِلرُّويَانيِّ وَابْن خُزَيْمَة، ثمَّ قَال: إِنَّ الأَمِيرَ كَانَ قَائِلاً بِالأَمْسِ فَرَأَى في المَنَامِ أَنَّ المَحَامِدَ جِيَاعٌ قَدْ طَوَوْا كَشْحَهُمْ [أَيْ بَاتُواْ جِيَاعَاً]؛ فَأَنْفَذَ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الصُّرَرَ وَأَقْسَمَ عَلَيْكُمْ: إِذَا نَفِدَتْ فَابْعَثُواْ إِلَيَّ أَحَدَكُمْ» ٠ قَالَ أَبُو محَمَّدٍ الْفَرْغَانيُّ في «ذَيْلِ تَارِيخِهِ» عَلَى «تَارِيخِ الطَّبَرِيّ»: «حَدَّثَني أَبُو عَلِيٍّ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ لَمَّا دَخَلَ بَغْدَادَ كَانَتْ مَعَهُ بِضَاعَةٌ يَتَقَوَّتُ مِنهَا، فَسُرِقَتْ فَأَفْضَى بِهِ الحَالُ إِلىَ بَيْعِ ثِيَابِهِ، وَكُمَّيْ قَمِيصِهِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ: تَنْشَطُ لتَأَدِيبِ بَعْضِ وَلَدِ الْوَزِيرِ أَبي الحَسَنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ يحْيىَ بْنِ خَاقَان ٠٠؟

стр. 1789

قَال: نَعَمْ؛ فَمَضَى الرَّجُل، فَأَحْكَمَ لَهُ أَمْرَهُ، وَعَادَ فَأَوْصَلَهُ إِلىَ الْوَزِيرِ بَعْدَ أَن أَعَارَهُ مَا يَلْبَسُه؛ فَقرَّبَهُ الْوَزِيرُ وَرَفَعَ مَجْلِسَهُ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ عَشْرَة دَنَانِيرَ في الشَّهْر؛ فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَوْقَاتَ طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ وَالصَّلوَاتِ وَالرَّاحَة، وَسَأَلَ إِسْلاَفَهُ رِزْقَ شَهْر؛ فَفَعَل، وَأُدْخِلَ في حُجْرَةِ التَّأَدِيب، وَخَرَجَ إِلَيْهِ الصَّبيُّ وَهُوَ أَبُو يحْيىَ فَلَمَّا كتَّبَهُ أَخَذَ الخَادِمُ اللَّوْحَ وَدَخَلُواْ مُسْتَبْشِرِين؛ فَلَمْ تَبْقَ جَارِيَةٌ إِلاََّ

стр. 1790

أَهْدَتْ إِلَيْهِ صِينِيَّةً فِيهَا درَاهُمُ وَدَنَانِير، فَرَدَّ الجَمِيعَ وَقَال: قَدْ شُورِطْتُ عَلَى شَيْءٍ فَلاَ آخُذُ سِوَاه؛ فَدَرَى الْوَزِير بِذَلِكَ فَأَدْخَلَهُ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ فَقَال: هَؤُلاَءِ عَبِيدٌ وَهُمْ لاَ يَمْلِكُون؛ فَعَظُمَ ذَلِكَ في نَفْسِه» ـ قَالُواْ عَنْ فِقْهِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: قَالَ عَنهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَه: «كَانَ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الاِجْتِهَاد» ٠
следующие страницы →