← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37568

حياة التابعين

ياسر الحمداني

Полный текст (2 289 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ـ كَيْفَ كَانَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ يَحْتَمِلُ الجُوعَ الشَّدِيدَ وَلاَ يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئَا: حَدَّثَ أَبُو إِسْحَاقَ الجَوْزَجَانيُّ قَال: «كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُصَلِّي بِعَبْدِ الرَّزَّاقِ فَسَهَا؛ فَسَأَلَ عَنهُ عَبْدُ الرَّزَّاق؛ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مُنْذُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ شَيْئَاً» ٠ قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «خَلَّفَ لَهُ أَبُوهُ طَرْزَاً [أَيْ بَيْتَاً يُؤَجَّر] وَدَارَاً يَسْكُنُهَا؛ فَكَانَ يَكْرِي تِلْكَ الطَّرَزَ وَيَتَعَفَّفُ بِهَا» ٠

стр. 177

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الخَالِق: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيُّ قَال: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ ﵀: «كُنَّا نَخْرُجُ إِلىَ اللِّقَاط» ٠ وَكَذَا حَدَّثَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّرَسُوسِيُّ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ لِللِّقَاط ٠٠ أَيْ يَخْرُجُ ضِمْنَ الأَنْفَار؛ الَّتي تخْرُجُ في جَمْعِ المحَاصِيلِ وَالثُِّمَار ٠ قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَال:

стр. 178

«بَلَغَني أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَهَنَ نَعْلَهُ عِنْد خَبَّازٍ بِاليَمَن، وَأَكْرَى نَفْسَهُ مِنْ جَمَّالين عِنْدَ خُرُوجِه، وَعَرضَ عَلَيْهِ الإِمَامُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ دَنَانِيرَ صَالِحَةً؛ فَلَمْ يَقْبَلْهَا» ٠ قَالَ صَالح: «وَكَانَ رُبَّمَا أَخَذَ الْقَدُومَ وَخَرَجَ إِلىَ دَار السكَّان، يَعْمَلُ الشَّيْءَ بِيَدِه» قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «وَرُبَّمَا نَسَخَ بِأُجْرَة، وَرُبَّمَا عَمِلَ التِّكَك [أَيْ في فَتْلِ الحِبَال]، وَأَجَّرَ نَفْسَهُ لِجَمَّال» ٠

стр. 179

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الدِّينَوَرِيّ: حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الحَدَّادُ قَال: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا ضَاقَ بِهِ الأَمْرُ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ أَجَّرَ نَفْسَهُ مِنَ الحَاكَةِ فَسَوَّى لَهُمْ؛ فَلَمَّا كَانَ أَيَّامَ المحْنَةِ وَصُرِفَ إِلىَ بَيْتِهِ: حُمِلَ إِلَيْهِ مَالٌ فَرَدَّهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلىَ رَغِيف؛ فَجَعَلَ عَمُّهُ إِسْحَاقُ يَحْسُبُ مَا يَرُدّ؛ فَإِذَا هُوَ نَحْوُ خَمْسِمِاْئَةِ أَلْف؛ فَقَال: يَا عمّ؛ لَوْ طَلَبْنَاهُ لَمْ يَأْتِنَا، وَإِنَّمَا أَتَانَا لَمَّا تَرَكْنَاه» ٠

стр. 180

رَوَى الخُلْدِيُّ عَن أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قَال: قَالَ ليَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ ﵀: «دَخَلَ عَلَيَّ أَبي يَعُودُني في مَرَضِي؛ فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ؛ عِنْدَنَا شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يَبَرُّنَا بِهِ المُتَوَكِّل؛ أَفَأَحُجُّ مِنهُ ٠٠؟ قَالَ نَعَمْ؛ قُلْتُ: فَإذَا كَانَ هَذَا عِنْدَكَ هَكَذَا، فَلِمَ لاَ تَأْخُذُ مِنهُ ٠٠؟ قَال: لَيْسَ هُوَ عِنْدِي حَرَام، وَلَكِنْ تَنَزَّهْتُ عَنهُ» ٠

стр. 181

قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَيْه: قَالَ لي أَبي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: كَانَتْ أُمُّكَ في الْغَلاَءِ تَغْزِلُ غَزْلاً رَقِيقَاً، فَتَبِيعُ الأَسْتَارَ بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ نَحْوِهِ؛ فَكَانَ ذَلِكَ قُوتَنَا» ٠

стр. 182

حَدَّثَ أَبُو بَكْرٍ الخَلاََّلُ قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ فَقَال: «قَالَ أَبُو سَعِيدٍ بْنُ أَبي حَنِيفَةَ المُؤَدِّب: كُنْتُ آتي أَبَاك، فَيَدْفَعُ إِلَيَّ الثَّلاَثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَر، وَيَقْعُدُ مَعِي فَيَتَحَدَّث، وَرُبَّمَا أَعْطَاني الشَّيْءَ وَيَقُول: أَعْطَيتُكَ نِصْفَ مَا عِنْدَنَا؛ فَجِئْتُ يَوْمَاً فَأَطلْتُ الْقُعُودَ أَنَا وَهُو؛ ثمَّ خَرَجَ وَمَعَهُ تَحْتَ كِسَائِهِ أَرْبَعَةُ أَرْغِفَةٍ فَقَال: هَذَا نِصْفُ مَا عِنْدَنَا؛ فَقُلْتُ: هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَرْبَعَةِ آلاَفٍ مِن غَيْرِك» ٠

стр. 183

ـ خَبَرُ المحْنَة: قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينيِّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: «أَعَزَّ اللهُ الدِّينَ بِالصِّدِّيقِ يَوْمَ الرِّدَّة، وَبِأَحْمَدَ يَوْمِ المِحْنَة» ٠

стр. 184

قَالَ نَصْرُ بْنُ أَبي نَصْرٍ الطُّوسِيُّ قَال: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ خُشَيْشٍ قَال: سَمِعْتُ أَبَا الحَدِيدِ الصُّوفِيَّ بِمِصْرَ عَنِ أَبِيهِ عَنِ المُزَنيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: «أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَوْمَ المِحْنَة، وَأَبُو بَكْرٍ يَوْمَ الرِّدَّة، وَعُمَرُ يَوْمَ السَّقيفَة» ٠ ـ مِحْنَةُ المَأْمُون: قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ ﵀: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة، وَدِينُهُمْ قَائِمَاً في خِلاَفَةِ أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ فَلَمَّا اسْتُشْهِدَ قُفْلُ بَابِ

стр. 185

الْفِتْنَةِ عُمَرُ ﵁ وَانْكَسَرَ الْبَاب: قَامَ رُؤُوسُ الشَّرِّ عَلَى الشَّهِيدِ عُثْمَانَ حَتىَّ ذُبِحَ صَبرَاً؛ وَتَفرَّقتِ الْكَلِمَة، وَتَمَّتْ وَقعَةُ الجَمَل، ثُمَّ وَقعَةُ صِفِّين؛ فَظَهَرَتِ الخَوَارِج، وَكُفِّرَتْ سَادَةَ الصَّحَابَة، ثمَّ ظَهَرَتِ الرَّوَافِضُ وَالنَّوَاصِب، وَفي آخِرِ زَمَنِ الصَّحَابَةِ ظَهَرَتِ الْقَدَرِيَّة، ثُمَّ ظَهَرَتِ المُعْتَزِلَةُ بِالبَصْرَةِ وَالجَهْمِيَّة، وَالمُجَسِّمَةُ بِخُرَاسَانَ في أَثْنَاء عَصْرِ التَّابِعِين، مَعَ ظُهُورِ السُّنَّةِ وَأَهْلِهَا إِلىَ بَعْدِ المائَتَين؛

стр. 186

فَظَهَرَ الخَلِيفَةُ المَأْمُونُ وَكَانَ ذَكِيَّاً مُتَكَلِّمَاً، لَهُ نَظَرٌ في المَعْقُول؛ فَاسْتَجْلَبَ كُتُبَ الأَوَائِلِ وَعَرَّبَ الْفَلْسَفَةَ اليُونَانِيَّة، وَقَامَ في ذَلِكَ وَقَعَد، وَأَدْنىَ وَأَقْصَى، وَرَفَعَتِ الجَهْمِيَّةُ وَالمُعْتَزِلَةُ رُؤُوسَهَا، بَلْ وَالشِّيعَةُ أَيْضَاً، وَآلَ بِهِ الحَالُ أَن حَمَلَ الأُمَّةَ عَلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآن، وَامْتَحَنَ في ذَلِكَ الْعُلَمَاء؛ فَلَمْ يُمْهَلْ، وَهَلَكَ لِعَامِهِ هَذَا ٠٠

стр. 187

وَخَلَّى بَعْدَهُ شَرَّاً وَبَلاَءً في الدِّين؛ فَإِنَّ الأُمَّةَ مَا زَالتْ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ كَلاَمُ اللهِ ﷻ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُه، لاَ يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِك، حَتىَّ نَبَغَ لهَؤُلاَءِ الضُّلاَّلِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ كَلاَمُ اللهِ مَخْلُوقٌ مَجْعُول، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أُضِيفَ إِلىَ اللهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ، كَبَيْتِ الله، وَنَاقَةُ الله؛ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْعُلَمَاء، وَلَمْ تَكُنِ الجَهْمِيَّةُ يُظْهِرُونَ في دَوْلَةِ المَهْدِيِّ وَالرَّشِيدِ وَالأَمِين؛ فَلَمَّا وَلِيَ المَأْمُونُ

стр. 188

وَكَانَ مِنهُمْ أَظْهَرَ مَقَالَتَهُمْ» ٠ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ عَنْ محَمَّدِ بْنِ نُوحٍ قَال: إِنَّ الرَّشِيدَ قَال: بَلَغَني أَنَّ بِشْرَ بْنَ غِيَاثٍ المَرِيسِيَّ يَقُول: الْقُرْآنُ مَخْلُوق؛ فَلِلِّهِ عَلَيَّ إِن أَظْفَرَني بِهِ لأَقْتُلَنَّه؛ قَالَ الدَّوْرَقِيّ: فَكَانَ مُتَوَارِيَاً أَيَّامَ الرَّشِيد؛ فَلَمَّا مَاتَ الرَّشِيدُ ظَهَرَ وَأَظْهَرَ المَقَالَة، وَدَعَا إِلىَ الضَّلاَلَة» ٠ قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه:

стр. 189

«كَانَ المَأْمُونُ في الْبِدَايَةِ يَنْظُرُ وَيُنَاظِرُ في تِلْكَ المَسْأَلَة، وَبَقِيَ مُتَوقِّفَاً في الدُّعَاءِ إِلىَ بِدْعَتِه» ٠ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الجَوْزِيّ: «خَالَطَه قَوْمٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ فَحَسَّنُواْ لَهُ الْقَوْلَ بِخَلقِ الْقُرْآن، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ وَيُرَاقِبُ سَائِرَ الشُّيُوخ، ثُمَّ قَوِيَ عَزْمُهُ وَامْتَحَنَ النَّاس» ٠ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمّ: أَخْبَرَنَا يحْيىَ بْنُ أَبي طَالِبٍ قَال: أَخْبَرَني الحَسَنُ بْنُ شَاذَانَ قَال:

стр. 190

حَدَّثَني ابْنُ عَرْعَرَةَ قَال: حَدَّثَني ابْنُ أَكْثَمَ قَال: قَالَ لَنَا المَأْمُون: لَوْلاَ مَكَانُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ لأَظهرْتُ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوق؛ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ جُلَسَائِه: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ وَمَنْ يَزِيدُ حَتىَّ يُتَّقَى؟ قَال: وَيْحَك؛ إِنيِّ أَخَافُ إِن أَظْهَرْتُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَيَخْتلِفَ النَّاسُ وَتَكُونَ فِتْنَة، وَأَنَا أَكْرَهُ الْفِتْنَة؛ فَقَالَ الرَّجُل: فَأَنَا أَخْبُرُ ذَلِكَ مِنهُ؛ قَالَ لَهُ: نَعَمْ؛ فَخَرَجَ إِلىَ وَاسِط، فَجَاءَ إِلىَ يَزِيدَ وَقَال: يَا أَبَا خَالِد؛ إِنَّ

стр. 191

أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَك: إِنيِّ أُرِيدُ أَن أُظْهِرَ خَلْقَ الْقُرْآن؛ فَقَال: كَذَبْتَ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِين، أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ لاَ يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى مَا لاَ يَعْرِفُونَهُ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقَاً، فَاقعُدْ؛ فَإذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ في المَجْلِسِ فَقُلْ؛ فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْغَدُ، اجْتَمَعُواْ، فَقَامَ فَقَالَ كَمَقَالَتِهِ؛ فَقَالَ يَزِيد: كَذَبْتَ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِين، إِنَّه لاَ يحْمِلُ النَّاسَ عَلَى مَا لاَ يَعْرِفُونَهُ وَمَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَد؛ فَقَدِمَ وَقَال: يَا

стр. 192

أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ كُنْتُ ٠٠٠ وَقَصَّ عَلَيْه؛ قَالَ وَيْحَكَ يُلْعَبُ بِك» ٠ قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «امْتُحِنَ الْقَوْم، وَوُجِّهَ بِمَنِ امْتَنَعَ إِلىَ الحَبْس؛ فَأَجَابَ الْقَوْمُ جَمِيعَاً غَيرَ أَرْبَعَة: أَبي، وَمحَمَّدُ بْنُ نُوح، وَالقَوَارِيرِيّ، وَالحَسَنُ بْنُ حَمَّاد، ثُمَّ أَجَابَ هَذَانِ وَبَقِيَ أَبي وَمحَمَّدٌ في الحَبْسِ أَيَّامَاً، ثمَّ جَاءَ كِتَابٌ مِنْ طَرَسُوسَ بِحَمْلهِمَا مُقَيَّدَيْنِ زَمِيلَين»

стр. 193

قَال الإِمَامُ الطَّبَرَانيّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ قَال: حَدَّثَني أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ قَال: «لَمَّا أُحْضِرْنَا إِلىَ دَارِ السُّلْطَانِ أَيَّامَ المِحْنَة؛ وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَدْ أُحْضِر؛ فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ يُجِيبُونَ وَكَانَ رَجُلاً لَيِّنَاً؛ انْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ وَاحْمرَّتْ عَيْنَاهُ وَذَهَبَ ذَلِكَ اللِّين» ٠ قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَم: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْقُوبَ قَال: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ محَمَّدٍ الخَفَّافُ قَال: «سَمِعْتُ ابْنَ أَبي أُسَامَةَ يَقُول:

стр. 194

حُكِيَ لَنَا أَنَّ أَحْمَدَ قِيلَ لَهُ أَيَّامَ المِحْنَة: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ أَوَلاَ تَرَى الحَقَّ كَيْفَ ظَهرَ عَلَيْهِ الْبَاطِل؟ قَال: كَلاََّ، إِنَّ ظُهُورَ الْبَاطِلِ عَلَى الحَقِّ أَنْ تَنْتَقِلَ الْقُلُوبُ مِنَ الهُدَى إِلىَ الضَّلاَلَة، وَقُلُوبُنَا بَعْدُ لاَزمَةٌ لِلْحقّ» ٠ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ قَال: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الأَنْبَارِيَّ يَقُول:

стр. 195

«لَمَّا حُمِلَ أَحْمَدُ إِلىَ المَأْمُون: أُخْبِرْتُ؛ فَعَبَرْتُ الْفُرَات، فَإذَا هُوَ جَالِسٌ في الخَان، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَال: يَا أَبَا جَعْفَر، تَعَنَّيْت؛ فَقُلْتُ: يَا هَذَا، أَنْتَ اليَوْمَ رَأْس، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِك، فَوَاللهِ لَئِن أَجَبْتَ إِلىَ خَلْقِ الْقُرْآنِ لَيُجِيبَنَّ خَلْق، وَإِن أَنْتَ لَمْ تُجِبْ لَيَمْتَنِعَنَّ خَلْقٌ مِنَ النَّاسِ كَثِير، وَمَعَ هَذَا: فَإِنَّ الرَّجُلَ إِنْ لَمْ يَقْتُلْكَ فَإِنَّكَ تَمُوْت، لاَبُدَّ مِنَ المَوْت؛ فَاتَّقِ اللهَ وَلاَ تُجِبْ؛ فَجَعَلَ أَحْمَدُ يَبْكِي

стр. 196

وَيَقُول: مَا شَاءَ اللهُ كَان، ثمَّ قَال: يَا أَبَا جَعْفَر؛ أَعِدْ عَلَيَّ؛ فَأَعَدْتُ عَلَيْه؛ وَهُوَ يَقُول: مَا شَاءَ اللهُ كَان» ٠ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ محَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيّ: «جَعَلُواْ يُذَاكِرُونَ أَبَا عَبْدِ اللهِ بِالرَّقَّةِ في التَّقِيَّةِ وَمَا رُوِيَ فِيهَا؛ فَقَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: كَيْفَ تَصْنَعُونَ بحَدِيثِ خَبَّاب: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يُنْشَرُ أَحَدُهُمْ بِالمِنْشَارِ لاَ يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِه» ٠٠ فَأَيِسْنَا مِنهُ، وَقَال: لَسْتُ أُبالِي بِالحَبْس؛ مَا هُوَ

стр. 197

وَمَنْزِلِي إِلاََّ وَاحِد، وَلاَ قَتْلاً بِالسَّيْف؛ إِنَّمَا أَخَافُ فِتْنَةَ السَّوْط؛ فَسَمِعَهُ بَعْضُ أَهْل الحَبْسِ فَقَال: لاَ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ فَمَا هُوَ إِلاََّ سَوْطَان، ثمَّ لاَ تَدْرِي أَيْنَ يَقَعُ الْبَاقِي، فَكَأَنَّهُ سُرِّي عَنهُ» ٠ ـ مِحْنَةُ المُعْتَصِم: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ محَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيّ: «حَدَّثَني مَن أَثِقُ بِهِ عَنْ محَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ [وَهُوَ يَوْمَئِذٍ صَاحِبُ شُرطَةِ المُعْتَصِمِ خِلاَفَةً لأَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ] قَال: مَا

стр. 198

رَأَيْتُ أَحَدَاً لَمْ يُدَاخِلِ السُّلْطَانَ وَلاَ خَالَطَ المُلُوكَ أَثْبَتَ قَلْبَاً مِن أَحْمَدَ يَوْمَئِذٍ، مَا نَحْنُ في عَيْنِهِ إِلاََّ كَأَمْثَالِ الذُّبَاب» ٠ قَالَ ابْنُهُ صَالِح: حُمِلَ أَبي وَمحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ مِنْ بَغْدَادَ مُقَيَّدَيْن؛ فَصِرْنَا مَعَهُمَا إِلىَ الأَنْبَار؛ فَسَأَلَ أَبُو بَكْرٍ الأَحْوَلُ أَبي: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ إِن عُرِضْتَ عَلَى السَّيْفِ تُجِيب ٠٠؟

стр. 199

قَال: لاَ؛ ثُمَّ سُيِّرَا؛ فَسَمِعْتُ أَبي يَقُول: سِرْنَا إِلىَ الرَّحْبَة، وَرَحَلْنَا مِنهَا في جَوْفِ اللَّيْل، فَعَرَضَ لَنَا رَجُلٌ فَقَال: أَيُّكُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل ٠٠؟ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا؛ فَقَالَ لِلْجمَّال: عَلَى رِسْلِك، ثُمَّ قَال: يَا هَذَا، مَا عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ هَا هُنَا، وَتَدْخُلَ الجَنَّة ٠٠؟ ثمَّ قَال: أَسْتوْدِعُكَ الله، وَمَضَى؛ فَسَأَلْتُ عَنهُ، فَقِيلَ لي: هَذَا رَجُلٌ مِن الْعَرَبِ مِنْ رَبِيعَةَ يَعْمَلُ الشَّعْرَ في الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ جَابِرُ بْنُ عَامِر، يُذْكَرُ بِخَيْر» ٠٠ أَيْ

стр. 200

حَسَنُ السِّيرَة، محمُودُ السَّرِيرَة قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الله قَال: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل: «مَا سَمِعْتُ كَلِمَةً مُنْذُ وَقعْتُ في هَذَا الأَمْرِ أَقوَى مِنْ كَلِمَةِ أَعْرَابيٍّ كَلَّمني بِهَا في رَحْبَةِ طَوْق: قَالَ يَا أَحْمَد؛ إِنْ يَقْتُلْكَ الحَقُّ مُتَّ شَهِيدَاً، وَإِن عِشْتَ عِشْتَ حَمِيدَاً؛ فَقَوَّى قَلْبي» ٠

стр. 201

قَالَ ابْنُهُ صَالِح: قَالَ أَبي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «لَمَّا صِرْنَا إِلىَ أَذَنَة [بَلْدَةٌ جَنُوبَ تُرْكِيَا]، وَرَحَلْنَا مِنهَا في جَوْفِ اللَّيْلِ وَفُتِحَ لَنَا بَابُهَا؛ إِذَا رَجُلٌ قَدْ دَخَلَ فَقَال: الْبُشْرَىَ؛ قَدْ مَاتَ الرَّجُل [يَعْني: المَأْمُون]؛ قَالَ أَبي: كُنْتُ أَدْعُو اللهَ أَنْ لاَ أَرَاه» ٠

стр. 202

قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: لَمَّا صَدَرَ أَبي وَمحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُمَا إِلىَ طَرَسُوس، رُدَّا في أَقْيَادِهِمَا؛ فَلَمَّا صَارَ إِلىَ الرَّقَّةِ حُمِلاَ في سَفِينَة، فَلَمَّا وَصَلاَ إِلىَ عَانَةَ تُوُفِّيَ محَمَّدٌ وَفُكَّ قَيْدُه، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبي، قَالَ حَنْبَل: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: مَا رَأَيْتُ أَحَدَاً عَلَى حدَاثَةِ سِنِّهِ وَقدْرِ عِلْمِهِ أَقْوَمَ

стр. 203

بِأَمْرِ اللهِ مِنْ محَمَّدِ بْنِ نُوح، إِنيِّ لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ خُتِمَ لَهُ بِخَيْر؛ قَالَ لي ذَاتَ يَوْم: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ الله الله؛ إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلِي؛ أَنْتَ رَجُلٌ يُقْتَدَى بِك؛ قَدْ مَدَّ الخَلْقُ أَعْنَاقَهُمْ إِلَيْكَ لِمَا يَكُونُ مِنْك؛ فَاتَّقِ اللهَ وَاثْبُتْ لأَمْرِ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ، فَمَاتَ وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ وَدَفَنْتُهُ بِعَانَة» ٠٠ عَانَة: بَلْدَةٌ عَلَى الْفُرَاتِ بِشَمَالِ الْعِرَاق ٠

стр. 204

قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «صَارَ أَبي إِلىَ بَغْدَادَ مُقَيَّدَاً، فَمَكَثَ بِاليَاسِرِيَّة أَيَّامَاً، ثُمَّ حُبِسَ في دَارٍ اكْتُرِيَتْ عِنْدَ دَارِ عُمَارَة، ثُمَّ حُوِّلَ إِلىَ حَبْسِ الْعَامَّةِ في دَربِ المَوْصِليَّة ٠٠ قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: كُنْتُ أُصلِّي بأَهْلِ السِّجْنِ وَأَنَا مُقَيَّد؛ فَلَمَّا كَانَ في رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعَ عَشَرَةَ [بَعْدَ مَوْتِ المَأْمُونِ بأَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرَاً] حُوِّلْتُ إِلىَ دَارِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَالي بَغْدَاد» ٠

стр. 205

قَالَ حَنْبَل: حُبِسَ أَبُو عَبْدِ اللهِ في دَارِ عُمَارَةَ بِبَغْدَادَ في إِصْطَبْلِ الأَمِيرِ محَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيم، أَخِي إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيم، وَكَانَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ في حَبْسٍ ضَيِّق، وَمَرِضَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ في رَمَضَان، فَحُوِّلَ بَعْدَ قَلِيلٍ إِلىَ سِجْنِ الْعَامَّة، فَمَكَثَ في السِّجْنِ نحْوَاً مِنْ ثَلاَثِينَ شَهْرَاً، وَكُنَّا نَأْتِيه، فَقَرَأَ عَلَيَّ كِتَابَ «الإِرْجَاءِ» وَغَيْرَهُ في الحَبْس، وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي بِهِمْ في الْقَيْد» ٠

стр. 206

قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «قَالَ أَبي: كَانَ يُوجَّهُ إِلَيَّ كلَّ يَوْمٍ بِرَجُلَيْن، أَحَدُهُمَا يُقَالُ لَهُ: أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَبَاح، وَالآخرُ أَبُو شُعَيْبٍ الحجَّام؛ فَلاَ يَزَالاَنِ يُنَاظِرَانِني؛ حَتىَّ إِذَا قَامَا؛ دُعِيَ بِقَيْدٍ فَزِيدَ في قُيُودِي؛ فَصَارَ في رِجْلِيَّ أَرْبَعَةُ أَقْيَاد؛ فَلَمَّا كَانَ في اليَوْمِ الثَّالِث: دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلاَن، فَنَاظرَني أَحَدُهُمَا؛ فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَقُولُ في عِلْمِ الله ٠٠؟

стр. 207

قَالَ مَخْلُوق؛ فَقُلْتُ: كَفَرْتَ بِالله؛ قَالَ الرَّسُولُ الَّذِي كَانَ يَحْضرُ مِنْ قَبْلِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيم: إِنَّ هَذَا رَسُولُ أَمِيرِ المُؤْمِنِين؛ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَدْ كَفر، فَلَمَّا كَانَ في اللَّيْلَةِ الرَّابِعَة، وَجَّهَ المُعْتَصِمُ إِلىَ إِسْحَاقَ فَأَمَرَهُ بِحَمْلِي إِلَيْه؛ فَأُدْخِلْتُ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَقَال: يَا أَحْمَد، إِنَّهَا وَاللهِ نَفْسُك، إِنَّه لاَ يَقْتُلُكَ بِالسَّيْف، إٍِنَّهُ قَدْ آلَى إِنْ لَمْ تُجبْه أَنْ يَضْرِبَكَ ضَربَاً بَعْدَ ضَرب، وَأَنْ يَقْتُلَكَ في مَوْضِعٍ

стр. 208

لاَ يُرَى فِيهِ شَمسٌ وَلاَ قَمَر، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللهُ (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنَا عَرَبِيَّاً ( أَفيَكُونُ مَجْعُولاً إِلاََّ مَخْلُوقَاً ٠٠؟ فَقُلْتُ: فَقَدْ قَالَ ﷻ : (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُول (﴿الْفِيل/٥﴾ أَفَخَلَقَهُمْ؟ أَمْ صَيَّرَهُمْ؟ وَهَذِهِ عِدَّةُ آيَاتٍ تُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الإِمَامُ أَحْمَد: وَقَالَ تَعَالىَ: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ نجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِين (﴿فُصِّلَت/٢٩﴾

стр. 209

وَقَالَ تَعَالىَ: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ نجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يحْكُمُون (﴿الجَاثِيَة/٢١﴾ وَقَالَ تَعَالىَ: (وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورَا (﴿الفُرْقَان/٢٣﴾ وَقَالَ تَعَالىَ: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً (﴿الفُرْقَان/٣٧﴾

стр. 210

وَقَالَ تَعَالىَ: (وَظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ في ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور (﴿سَبَأ/١٩﴾ وَقَالَ تَعَالىَ: (فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْدَاً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِين (﴿الصَّافَّات/٩٨﴾ وَقَالَ تَعَالىَ: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِين (﴿الأَنْبِيَاء/٧٣﴾

стр. 211

فَسَكَت؛ فَلَمَّا صِرْنَا إِلىَ المَوْضِعِ المَعْرُوفِ بِبَابِ الْبُسْتَان: أُخْرِجْتُ، وَجِيءَ بِدَابَّة؛ فَأُرْكِبْتُ وَعَلَيَّ الأَقْيَاد، مَا مَعِي مَنْ يُمْسِكُني، فَكِدْتُ غَيْرَ مَرَّةٍ أَن أَخِرَّ عَلَى وَجْهِي لِثِقَلِ الْقُيود، فَجِيءَ بي إِلىَ دَارِ المُعْتَصِم؛ فَأُدْخِلْتُ حُجْرَةً، ثمَّ أُدْخِلْتُ بَيْتَاً، وَأُقْفِلَ الْبَابُ عَليَّ في جَوْفِ اللَّيْلِ وَلاَ سِرَاج؛ فَأَرَدْتُ الْوضُوء؛ فَمَدَدْتُ يَدِي؛ فَإذَا أَنَا بَإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطسْتٌ مَوْضُوع، فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْت، فلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَخْرَجْتُ

стр. 212

تِكَّتي [أَيْ حَبْلَ سِرْوَالي]، وَشَدَدْتُ بِهَا الأَقْيَادَ أَحْمِلُهَا [أَيْ بَدَلاً مِنْ جَرِّهَا وَهِيَ مِن حَدِيدٍ ثَقِيل] وَعَطَفْتُ سَرَاويلِي، فَجَاءَ رَسُولُ المُعْتَصِمِ فَقَال: أَجِبْ؛ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَدْخَلَني عَلَيْه، وَالتِّكَّةُ في يَدِي أَحْمِلُ بِهَا الأَقْيَاد، وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَأَحْمَدُ بْنُ أَبي دُوَادَ حَاضِر، وَقَدْ جَمَعَ خَلْقَاً كَثِيرَاً مِن أَصْحَابِهِ؛ فَقَالَ لي المُعْتَصِم: ادْنُه ٠٠ ادْنُه؛ فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيني حَتىَّ قَرُبْتُ مِنهُ، ثمَّ قَال: اجْلِسْ؛ فَجَلَسْتُ وَقَدْ أَثْقَلَتْني

стр. 213

الأَقْيَاد، فَمَكَثْتُ قَلِيلاً، ثُمَّ قُلْتُ: أَتَأْذَنُ في الْكَلاَم ٠٠؟ قَالَ تَكَلَّمْ؛ فَقُلْتُ: إِلىَ مَا دَعَا اللهُ وَرَسُولُه ٠٠؟ فَسَكَتَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَال: إِلىَ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاََّ الله؛ فَقُلْتُ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاََّ الله؛ ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّ جَدَّك ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُول: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنِ الإِيمَان ٠٠؟ فَقَالَ ﷺ : «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَان» ٠٠؟

стр. 214

قَالُواْ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم؛ قَالَ ﷺ : «شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاََّ اللهُ وَأَنَّ محَمَّدَاً رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلاَة، وَإِيتَاءُ الزَّكَاة، وَأَنَّ تُعْطُواْ الخُمُسَ مِنَ المَغْنَم» ٠ فَقَالَ المُعْتَصِم: لَوْلاَ أَنيِّ وَجَدْتُكَ في يَدِ مَنْ كَانَ قَبْلِي: مَا عَرَضْتُ لَك، ثُمَّ قَال: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاق؛ أَلَمْ آمُرْكَ بِرَفْعِ المِحْنَة ٠٠؟

стр. 215

فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ إِنَّ في هَذَا لَفَرَجَاً لِلْمُسْلِمِين؛ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: نَاظِرُوهُ وَكَلِّمُوه، يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَلِّمْه؛ فَقَال: مَا تَقُولُ في الْقُرْآن ٠٠؟ قُلْتُ: مَا تَقُولُ أَنْتَ في عِلْمِ الله ٠٠؟ فَسَكَتَ، فَقَالَ لي بَعْضُهُمْ: أَلَيْسَ قَالَ اللهُ تَعَالىَ: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء ([الرَّعْد/١٦﴾ وَالقُرْآنُ أَلَيْسَ شَيْئَاً ٠٠؟ فَقُلْتُ: قَالَ اللهُ : (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ (﴿الأَحقَاف/٢٥﴾ فَدَمَّرتْ إِلاََّ مَا أَرَادَ الله ٠٠؟
следующие страницы →