Полный текст (2 289 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
«قَلَّتْ ذُنُوبُ الْقَوْم؛ فَعَرَفُواْ مِن أَيْنَ أُتُواْ، وَكَثُرَتْ ذُنُوبُنَا؛ فَلَمْ نَدْرِ مِن أَيْنَ نُؤْتىَ» ٠
ـ تَوْبِيخُهُ لإِخْوَانِهِ عَلَى الْغِيبَة:
جَاءهُ نَاسٌ فَقَالُواْ: إِنَّا نِلْنَا مِنْك؛ فَاجْعَلْنَا في حِلّ؛ قَالَ ﵀:
«لاَ أُحِلُّ لَكُمْ شَيْئَاً حَرَّمَهُ الله» ٠
ـ بِرُّهُ بِأُمِّه:
حَدَّثَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِين [أُخْتُ محَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ﵀] قَالَتْ:
стр. 2102
«كَانَتْ وَالِدَةُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ﵀ حِجَازِيَّة، وَكَانَ يُعْجِبُهَا الصِّبْغ؛ وَكَانَ محَمَّدٌ إِذَا اشْتَرَى لَهَا ثَوْبَاً؛ اشْتَرَى أَلْيَنَ مَا يَجِد، فَإِذَا كَانَ عِيدٌ صَبَغَ لَهَا ثِيَابَاً، وَمَا رَأَيْتُهُ رَافِعَاً صَوْتَهُ عَلَيْهَا، كَانَ إِذَا كَلَّمَهَا كَالمُصْغِي إِلَيْهَا» ٠
حَدَّثَ بَكَّارُ بْنُ محَمَّدٍ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْنٍ ﵀ قَال: «إِنَّ محَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ ﵀ كَانَ إِذَا كَانَ عِنْدَ أُمِّهِ؛ لَوْ رَآهُ رَجُلٌ لاَ يَعْرِفُه؛ ظَنَّ أَنَّ بِهِ مَرَضَاً مِن
стр. 2103
خَفْضِ كَلاَمِهِ عِنْدَهَا» ٠
ـ حُسْنُ خَاتِمَتِهِ ﵀:
حَدَّثَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ حَفْصٍ أَنَّهُ سَأَلَ محَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ ﵀ فَقَال:
«رَأَيْتُ كَأَنَّ الجَوْزَاءَ تَقَدَّمَتِ الثُّرَيَّا؛ قَالَ ﵀: هَذَا الحَسَنُ الْبَصرِيُّ يَمُوتُ قَبْلِي، ثمَّ أَتْبَعُهُ، وَهُوَ أَرْفَعُ مِنيِّ» ٠
حَدَّثَ أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ عَنْ يحْيىَ بْنِ أَيُّوبَ قَال:
стр. 2104
«إِنَّ رَجُلَيْنِ تَآخَيَا؛ فَتَعَاهَدَا: إِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الآخَرِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِمَا وَجَد، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا؛ فَرَآهُ الآخَرُ في النَّوْم؛ فَسَأَلَهُ عَنِ الحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀ ٠٠؟
قَال: ذَاكَ مَلِكٌ في الجَنَّةِ لاَ يُعْصَي؛ قَالَ: فَابْنُ سِيرِينَ ﵀ ٠٠؟
قَال: ذَاكَ فِيمَا شَاءَ وَاشْتَهَى، شَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا؛ قَال: فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَدْرَكَ الحَسَنُ الْبَصْرِيّ ٠٠؟
قَال: بِشِدَّةِ الخَوْفِ وَالحُزْن» ٠
стр. 2105
حَدَّثَ المُحَارِبيُّ عَن حَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ قَال: «كَانَ الحَكَمُ بْنُ جَحْلٍ صَدِيقَاً لاِبْنِ سِيرِينَ ﵀، فَحَزِنَ عَلَى محَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ حَتىَّ كَانَ يُعَاد [أَيْ حَتىَّ مَرِضَ فَعَادَهُ أَصْحَابُه] ثُمَّ قَال: رَأَيْتُهُ في المَنَامِ في حَالِ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلْتُهُ لَمَّا سَرَّني: مَا فَعَلَ الحَسَن ٠٠؟
قَال: رُفِعَ فَوْقِي سَبْعِينَ دَرَجَة؛ قُلْتُ: بِمَ؛ فَقَدْ كُنَّا نَرَى أَنَّكَ فَوْقَه ٠٠؟!
قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: بِطُولِ الحُزْن» ٠
стр. 2106
حَدَّثَ هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ قَال: «كَانَ محَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ﵀ يَضْحَكُ حَتىَّ تَدْمَعَ عَيْنَاه، وَكَانَ الحَسَنُ يُحَدِّثُنَا وَيَبْكِي» ٠
ـ قَضَاءُ ابْنِهِ لِدُيُونِه، وَبَرَكَةُ ذَلِكَ عَلَيْه:
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ بَكَّارِ بْنِ محَمَّدٍ السِّيرِينيِّ عَن أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ محَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَال: «لَمَّا ضَمِنْتُ عَلَى أَبي دَيْنَهُ قَالَ لي: بِالوَفَاء ٠٠؟
قُلْتُ: بِالوَفَاء؛ فَدَعَى لي بِخَيْر؛ فَقضَى عَبْدُ اللهِ عَنهُ ثَلاَثِينَ أَلْفَ دِرْهَم، فَمَا مَاتَ عَبْدُ اللهِ حَتىَّ قَوَّمْنَا مَالَهُ ثَلاَثَمِاْئَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ نَحْوَهَا» ٠
стр. 2107
ـ مِن أَقْوَالِ ابْنِ سِيرِين:
حَدَّثَ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ محَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ﵀ أَنَّهُ قَال:
«ذَهَب الْعِلْم، وَبَقِيَتْ مِنهُ شَذَرَاتٌ في أَوْعِيَةٍ شَتىَّ» ٠
حَدَّثَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَال:
«أَكَلْتُ عِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ فَقَال: إِنَّ الطَّعَامَ أَهْوَنُ مِن أَنْ يُقْسَمَ عَلَيْه» ٠
حَدَّثَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَن أَيُّوبَ السِّخْتِسَانيِّ ﵀ عَنْ محَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ﵀ أَنَّهُ قَال: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِين؛ فَانْظُرُواْ عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دَيْنَكُمْ» ٠٠ وَتُنْسَبُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَيْضَاً لِلإِمَامِ مَالِك ٠
стр. 2108
الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاض
هُوَ الإِمَامُ الْقُدْوَةُ الثَّبْتُ الزَّاهِدُ الْعَابِدُ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ بِشْرٍ التَّمِيمِيُّ الخُرَاسَانيّ
وُلِدَ: بِسَمَرْقَنْدَ، وَنَشَأَ بِأَبِيوَرْد، وَارْتَحَلَ في طَلَبِ الْعِلْم ٠
وُلِدَ سَنَةَ ١٠٧ هـ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ١٨٧ هـ ٠
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «كَانَ يَعِيشُ مِنْ صِلَةِ ابْنِ المُبَارَكِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَنَحْوِهِ مِن أَهْلِ الخَيْر، وَيَمْتَنِعُ مِنْ جَوَائِزِ المُلُوك» ٠
стр. 2109
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
حَدَّثَ عَنْ شُيُوخِ الكُوفَةِ كَمَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِب، وَصَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم، وَأَبي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانيّ، وَيحْيىَ بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيّ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّان، وَابْنِ أَبي لَيْلَى، وَمُجَالِد، وَجَعْفَرٍ الصَّادِق، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيل، وَخَلْقٍ سِوَاهُمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالحِجَازِيِّين ٠
стр. 2110
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
حَدَّثَ عَنهُ ابْنُ المُبَارَك، وَيحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّان، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة، وَالأَصْمَعِيّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاق، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُس، وَيحْيىَ بْنُ يحْيىَ التَّمِيمِيّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب، وَمُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَد، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، وَبِشْرٌ الحَافِي، وَالسَّرِيُّ السَّقَطِيّ، وَأَحْمَدُ بْنُ المِقْدَام، وَالحُمَيْدِيّ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَرْدَوَيْه، وَابْنُ قُدَامَةَ المِصِّيصِيّ، وَخَلْقٌ كَثِير ٠
стр. 2111
ـ قَالُواْ عَنْ تَوْثِيقِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: قَالَ عَنهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعِجْلِيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «كُوفِيٌّ ثِقَة، رَجُلٌ صَالِحٌ مُتَعَبِّد» ٠
وَقَالَ عَنهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَِّازِي: «صَدُوق» ٠
وَقَالَ عَنهُ الدَّارَقُطْنيّ: «ثِقَة» ٠
وَقَالَ عَنهُ الإِمَامُ النَّسَائِيّ: «ثِقَةٌ مَأْمُون، رَجُلٌ صَالِح» ٠
حَدَّثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ محَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَال: «فُضَيْلٌ ثِقَة»
стр. 2112
ـ تَقْدِيرُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ لَهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْعَث:
«رَأَيْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يُقَبِّلُ يَدَ الْفُضَيْلِ مَرَّتَيْن» ٠
ـ ثَنَاءُ الأَئِمَّهِ عَلَيْه، وَتَوْثِيقُهُمْ لَه:
قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل: «سَمِعْتُ الرَّشِيدَ يَقُول:
«مَا رَأَيْتُ في الْعُلَمَاءِ أَهْيَبَ مِنْ مَالِك، وَلاَ أَوْرَعَ مِنَ الْفُضَيْل» ٠
стр. 2113
حَدَّثَ أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيِّ عَنِ الهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ عَنْ شَرِيكٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: «لَمْ يَزَلْ لِكُلِّ قَوْمٍ حُجَّةٌ في أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَإِنَّ فُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ حُجَّةٌ لأَهْلِ زَمَانِه» ٠
ـ ثَنَاءُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ ﵀ عَلَيْه:
حَدَّثَ أَبُو وَهْبٍ محَمَّدُ بْنُ مُزَاحِمٍ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: «رَأَيْتُ أَعَبْدَ النَّاسِ: عَبْدَ الْعَزِيز بْنَ أَبي رَوَّاد، وَأَورَعَ النَّاسِ: الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاض» ٠
حَدَّثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَمَّاسٍ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال:
«مَا بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنَ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاض» ٠
стр. 2114
حَدَّثَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ الصَّائِغُ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: «إِنَّ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ صَدَقَ اللهَ جَلَّ وَعَلاَ؛ فَأَجْرَى الحِكْمَةَ عَلَى لِسَانِه» ٠
حَدَّثَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَفَّانَ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: «مَا بَقِيَ في الحِجَازِ أَحَدٌ مِنَ الأَبْدَالِ إِلاََّ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَابْنُهُ عَلِيّ»
ـ قَالُواْ عَنْ تَوَاضُعِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
حَدَّثَ الحُسَيْنُ بْنُ زِيَادٍ المَرْوَزِيُّ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ﵀ أَنَّهُ قَال:
«لَوْ حَلَفْتُ أَنيِّ مُرَاءٍ، كَانَ أَيْسَرَ عِنْدِي مِن أَن أَحْلِفَ أَنيِّ لَسْتُ بِمُرَاءٍ»
стр. 2115
ـ قَالُواْ عَنْ صَلاَحِهِ وَتَقْوَاه، وَخُشُوعِهِ في الصَّلاَة، وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ لله:
حَدَّثَ المُفَضَّلُ الجَنَدِيُّ عَن إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَال: «مَا رَأَيْتُ أَحَدَاً أَخَوْفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلاَ أَرْجَى لِلنَّاسِ مِنَ الْفُضَيْل؛ كَانَتْ قِرَاءتُهُ حَزِينَةً شَهِيَّة، بَطِيئَةً مُتَرسِّلَة، كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ إِنْسَانَاً، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّة: يُرَدِّدُ فِيهَا، وَسَأَل، وَكَانَ أَكْثَرُ صَلاَتِهِ بِاللَّيْلِ قَاعِدَاً، يُلْقَى لَهُ الحَصِيرُ في مَسْجِدِهِ، فَيُصَلِّي في أَوَّلِ اللَّيْلِ سَاعَةً، ثمَّ تَغْلِبُهُ عَيْنُه؛ فَيُلْقِي نَفْسَهُ عَلَى الحَصِيرِ فَيَنَامُ قَلِيلاً، ثمَّ يَقُوم، فَإِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ نَامَ قَلِيلاً، ثمَّ يَقُوم ٠٠ هَكَذَا حَتىَّ يُصْبِح» ٠
стр. 2116
ـ قَالُواْ عَنِ خَوْفِهِ مِنَ اللهِ :
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْعَث: «مَا رَأَيْتُ أَحَدَاً كَانَ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ في صَدْرِهِ أَعْظَمَ مِنَ الْفُضَيْل؛ كَانَ إِذَا ذَكَرَ اللهَ جَلَّ وَعَلاَ أَوْ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَوْ سَمِعَ الْقُرْآن: ظَهَرَ بِهِ الخَوْفُ وَالحُزْنُ وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَبَكَى، حَتىَّ يَرْحَمَهُ مَنْ يحْضُرُهُ، وَكَانَ دَائِمَ الحُزْن، شَدِيدَ الْفِكرَة، مَا رَأَيْتُ رَجُلاً يُرِيدُ اللهَ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِه، وَأَخْذِهِ وَعَطَائِه، وَمَنعِهِ وَبَذْلِه، وَبُغْضِهِ وَحُبِّه، وَخِصَالِهِ كُلِّهَا غَيرَه؛ كُنَّا إِذَا خَرَجْنَا مَعَهُ في جَنَازَة: لاَ يَزَالُ يَعِظُ وَيُذَكِّرُ وَيَبْكِي ٠٠ كَأَنَّهُ مُوَدِّعٌ أَصْحَابَهُ ذَاهِبٌ إِلى الآخِرَة ٠٠ حَتىَّ يَبْلُغَ المَقَابِر، فَيَجْلِسُ مَكَانَهُ بَيْنَ المَوْتىَ مِنَ الحُزْنِ وَالبُكَاء؛ حَتىَّ يَقُومَ وَكَأَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الآخِرَةِ يُخْبِرُ عَنهَا» ٠
стр. 2117
ـ قَالُواْ عَنِ خُشُوعِهِ وَبُكَائِهِ مِن خَشْيَةِ الله:
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
«إِذَا نَظَرْتُ إِلىَ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ: جَدَّدَ لِيَ الحُزْن، وَمَقَتُّ نَفْسِي، ثُمَّ بَكَى رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه» ٠
قَالَ سَهْلُ بْنُ رَاهَوَيْه: «قُلْتُ لِسُفْيَانَ ِبْنِ عُيَيْنَة: أَلاَ تَرَى إِلىَ الْفُضَيْلِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ لاَ تَكَادُ تَجِفُّ لَهُ دَمْعَة ٠٠؟
قَالَ سُفْيَانُ ِبْنُ عُيَيْنَة: إِذَا قَرِحَ الْقَلْب: نَدِيَتِ الْعَيْنَان» ٠
стр. 2118
ـ مَوَاعِظُهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ لِطَلَبَةِ الحَدِيث:
رَأَى الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ قَوْمَاً مِن أَصْحَابِ الحَدِيثِ يَمْزَحُونَ وَيَضْحَكُون؛ فَنَادَاهُمْ: مَهْلاً يَا وَرثَةَ الأَنْبيَاءِ مَهْلاً؛ إِنَّكُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِكُمْ» ٠
حَدَّثَ المُفَضَّلُ الجَنَدِيُّ عَن إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْفُضَيْلِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ لَه: «لَوْ أَنَّكَ طَلَبتَ مِنيِّ الدَّنَانيرَ، كَانَ أَيْسَرَ عَلَيَّ مِن أَنْ تَطلُبَ مِنيِّ الحَدِيث؛ فَقُلْتُ: لَوْ حَدَّثْتَني بِأَحَادِيثَ فَوَائِدَ لَيْسَتْ عِنْدِي، كَانَ أَحَبَّ إِليَّ مِن أَنْ تهَبَ لي عَدَدَهَا دَنَانِير؛ قَالَ: إِنَّكَ مَفْتُون،
стр. 2119
وَاللهِ لَوْ عَمِلْتَ بمَا سَمِعْتَ لَكَانَ لَكَ في ذَلِكَ شُغُلٌ عَمَّا لم تَسْمَعْ؛ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ مِهْرَانَ يَقُول: إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْكَ طَعَامٌ تَأْكُلُه، فَتَأْخُذُ اللُّقمَةَ، فَتَرْمِي بِهَا خَلْفَ ظَهْرِكَ، مَتىَ تَشْبَع» ٠٠؟
ـ مَوَاعِظُهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ لِلدُّعَاةِ وَالْعُلَمَاء:
حَدَّثَ أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيِّ عَن أَبي عَبْدِ اللهِ الأَنْطَاكِيِّ قَال:
«اجْتَمَعَ الْفُضَيْلُ وَالثَّوْرِيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا فَتَذَاكَرَا؛ فَرَقَّ سُفْيَانُ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَال:
أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هَذَا المَجْلِسُ عَلَيْنَا رَحْمَةً وَبَرَكَةً؛ فَقَالَ لَهُ الْفُضَيْل: لَكِنيِّ يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ أَخَافُ أَنْ لاَ يَكُونَ أَضَرَّ
стр. 2120
عَلَيْنَا مِنهُ؛ أَلَسْتَ تَخَلَّصْتَ إِلىَ أَحْسَنِ حَدِيثِكَ، وَتَخَلَّصْتُ أَنَا إِلىَ أَحْسَنِ حَدِيثِي ٠٠ فَتَزَيَّنْتَ لي وَتَزَيَّنْتُ لَك ٠٠؟
فَبَكَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَال: أَحْيَيْتَني أَحْيَاكَ الله» ٠
حَدَّثَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ عَن عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قَال:
«بَلَغَ الْفُضَيْلَ أَنَّ حَرِيزَاً يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَهُ؛ فَأَقفَلَ الْبَابَ مِن خَارِج؛ فَجَاءَ فَرَأَى الْبَابَ مُقْفَلاً؛ فَرَجَعَ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: حَرِيز؛ قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
стр. 2121
مَا يَصْنَعُ بي؛ يُظْهِرُ لي مَحَاسِنَ كَلاَمِهِ، وَأُظْهِرُ لَهُ مَحَاسِنَ كَلاَمِي؛ فَلاَ يَتَزَيَّنُ لي وَلاَ أَتَزَيَّنُ لَهُ خَيْرٌ لَنَا جَمِيعَاً» ٠٠!!
وَذَلِكَ أَنَّ قُطُوفَ المَوَاعِظِ لَيْسَتْ فَاكِهَةً تُلْقِيهَا لِلنَّاسِ في محَاضَرَة، وَلَكِنَّهَا تَذْكِرَة، وَزَادٌ إِلىَ الآخِرَة
ـ مَوَاعِظُهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ لِلْخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيد:
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الجَوْهَرِيُّ عَنِ الخَلِيفَةِ المَأْمُونِ أَنَّهُ قَالَ له: «قَالَ لي الرَّشِيد:
стр. 2122
«مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه؛ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لي: فَرِّغْ قَلْبَكَ لِلْحُزنِ وَالخَوْفِ حَتىَّ يَسْكُنَاهُ فَيَقْطَعَاكَ عَنِ المَعَاصِي وَيُبَاعِدَاكَ مِنَ النَّار» ٠
حَدَّثَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ عَنْ محَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْبَارِيِّ عَنِ الْفُضَيْلِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال:
«لَمَّا قَدِمَ هَارُونُ الرَّشِيدِ إِلىَ مَكَّة: قَعَدَ في الحِجْرِ هُوَ وَوَلَدُهُ وَقَوْمٌ مِنَ الهَاشِمِيِّين، وَأَحضَرُواْ المَشَايِخ، فَبَعَثَوْاْ إِلَيَّ؛ فَأَرَدْتُ أَنْ لاَ أَذهَب
стр. 2123
؛ فَاسْتَشَرْتُ جَارِي فَقَال: اذْهبْ؛ لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ تَعِظَه، فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ فَقُلْتُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه؛ فَرَدَّ عَلَيَّ، وَقَالَ اقعُدْ، ثمَّ قَال: إِنَّمَا دَعَونَاكَ لِتُحَدِّثنَا بِشَيْءٍ وَتَعِظَنَا؛ فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا حَسَنَ الْوَجْه، حِسَابُ الخَلْقِ كُلِّهُمْ عَلَيْك؛ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَشْهَق، فَرَدَّدْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْكِي، حَتىَّ جَاءَ الخَدَمُ فَحَمَلُوني وَأَخْرَجُوني، وَقَال: اذْهَبْ بِسَلاَم» ٠
стр. 2124
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ الحَرَّانيُّ عَن أَبي عُمَرَ النَّحْوِيِّ الجَرْمِيِّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ قَال:
«حَجَّ الخَلِيفَةُ هَارُونُ الرَّشِيدُ فَقَالَ لي: وَيْحَكَ قَدْ حَكَّ في نَفْسِي شَيْءٌ، فَانْظُرْ لي رَجُلاً أَسْأَلُه؟
فَقُلْتُ: هَا هُنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة؛ فَقَال: امْضِ بِنَا إِلَيْه، فَأَتَيْنَاه، فَقَرَعْتُ بَابَهُ فَقَال: مَنْ ذَا؟
فَقُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ فَخَرَجَ مُسْرِعَاً فَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْ أَرْسَلتَ إِلَيَّ، أَتَيْتُك ٠
стр. 2125
فَحَكَى لَهُ الرَّشِيدُ عَمَّا أَقْدَمَه؛ فَحَدَّثَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة سَاعَةً، ثُمَّ سَأَلَهُ الرَّشِيد: عَلَيْكَ دَين؟
قَالَ نَعَمْ؛ فَقَالَ لي: اقْضِ دَيْنَه، فَلَمَّا خَرَجْنَا قَال: مَا أَغْنىَ عَنيِّ صَاحِبُكَ شَيْئَاً؛ قُلْتُ: هَا هُنَا عَبْدُ الرَّزَّاق؛ قَال: امْضِ بِنَا إِلَيْه؛ فَأَتَيْنَاه، فَقَرَعْتُ الْبَاب؛ فَخَرَجَ وَحَادَثَه سَاعَةً، ثمَّ قَالَ لَهُ:
عَلَيْكَ دَين ٠٠؟
стр. 2126
قَالَ نَعَمْ؛ قَال: أَبَا عَبَّاسٍ؛ اقْضِ دَيْنَه، فَلَمَّا خَرَجْنَا قَال: مَا أَغْنىَ عَنيِّ صَاحِبُك شَيْئَاً؛ انْظُرْ لي رَجُلاً أَسْأَلُه؛ قُلْتُ: هَا هُنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاض؛ قَال: امْضِ بِنَا إِلَيْه؛ فَأَتَيْنَاه، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَتْلُو آيَةً يُرَدِّدُهَا؛ فَقَال: اقْرَعِ الْبَاب؛ فَقَرَعْتُ؛ فَقَال: مَن هَذَا ٠٠؟
قُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ المُؤْمِنِين ٠
قَال: مَا لي وَلأَمِيرِ المُؤْمِنِين ٠٠؟
стр. 2127
قُلْتُ: سُبْحَانَ الله؛ أَمَا عَلَيْكَ طَاعَة ٠٠؟ [أَيْ أَيْنَ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ مِنْ طَاعَةِ أُوْلي الأَمْر]
فَنَزَلَ فَفَتَحَ الْبَاب، ثُمَّ ارْتَقَى إِلىَ الْغُرفَةِ فَأَطْفَأَ السِّرَاج، ثُمَّ الْتَجَأَ إِلىَ زَاوِيَةٍ؛ فَدَخَلْنَا؛ فَجَعَلْنَا نَجُولُ عَلَيْهِ بِأَيْدِينَا، فَسَبَقَتْ كَفُّ هَارُونَ إِلَيْهِ قَبْلِي، فَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
стр. 2128
يَا لهَا مِنْ كَفٍّ مَا أَلْيَنَهَا إِنْ نجَتْ غَدَاً مِن عَذَابِ الله؛ فَقُلْتُ في نَفْسِي: لَيُكَلِّمَنَّهُ اللَّيْلَةَ بِكَلاَمٍ نَقِيّ؛ مِنْ قَلْبٍ تَقِيّ ٠٠ فَحَكَى لَهُ الرَّشِيدُ عَمَّا أَقْدَمَه؛ فَقَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ لَمَّا وَلِيَ الخِلاَفَة؛ دَعَا سَالِمَ بْنَ عَبْدِ الله، وَمحَمَّدَ بْنَ كَعْب، وَرَجَاءَ بْنَ حَيْوَة؛ فَقَالَ لَهُمْ: «إِنيِّ قَدِ ابْتُلِيْتُ بِهَذَا الْبَلاَء؛ فَأَشِيرُواْ عَلَيّ» ٠٠؟
стр. 2129
فَعَدَّ الخِلاَفَةَ بَلاَءً، وَعَدَدْتَهَا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ نِعمَةً ٠٠!!
فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: إِن أَرَدْتَ النَّجَاةَ فَصُمِ الدُّنْيَا، وَلْيَكُن إِفْطَارُكَ مِنهَا المَوْت ٠
وَقَالَ لَهُ محَمَّدُ بْنُ كَعْب رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: إِن أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِن عَذَابِ الله، فَلْيَكُنْ كَبِيرُ المُسْلِمِينَ عِنْدَك أَبَاً، وَأَوْسَطُهُمْ أَخَاً، وَأَصْغَرُهُمْ وَلدَاً؛ فَوَقِّرْ أَبَاكَ وَأَكْرِمْ أَخَاكَ وَتَحَنَّن عَلَى وَلَدِك ٠
стр. 2130
وَقَالَ لَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: إِن أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِن عَذَابِ الله؛ فَأَحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك، وَاكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِك، ثُمَّ مُتْ إِذَا شِئْت ٠
وَإِنيِّ أَقُولُ لَكَ هَذَا، وَإِنيِّ أَخَافُ عَلَيْكَ أَشَدَّ الخَوْفِ يَوْمَاً تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَام؛ فَهَلْ مَعَكَ رَحِمَكَ اللهُ مَنْ يُشِيرُ عَلَيْكَ بِمِثْلِ هَذَا ٠٠؟
فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدَاً حَتىَّ غُشِيَ عَلَيْه؛ فَقُلْتُ لَهُ: ارْفُقْ بِأَمِيرِ المُؤْمِنِين ٠٠
стр. 2131
فَقَال: يَا ابْنَ أُمِّ الرَّبِيع؛ تَقْتُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ وَأَرْفُقُ بِهِ أَنَا ٠
ثُمَّ أَفَاقَ الرَّشِيدُ فَقَالَ لَهُ زِدْني رَحِمَكَ الله؛ قَال: بَلَغَني أَنَّ عَامِلاً لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ شُكِيَ لَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: يَا أَخِي؛ أُذَكِّرُكَ طُولَ سَهِرِ أَهْلِ النَّارِ في النَّار، مَعَ خُلُودِ الأَبَد، وَإِيَّاكَ أَنْ يُنْصَرَفَ بِكَ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَكُونَ آخِرَ الْعَهدِ وَانقِطَاعَ الرَّجَاء ٠٠ [أَيْ يُؤْمَرُ بِكَ إِلىَ النَّار]
стр. 2132
فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ طَوَى الْبِلاَدَ حَتىَّ قَدِمَ عَلَيْه؛ فَقَالَ لَهُ عُمَر: مَا أَقْدَمَك ٠٠؟
قَال: خَلَعْتَ قَلْبي بِكِتَابِك، لاَ أَعُودُ إِلىَ وِلاَيَةٍ حَتىَّ أَلْقَى الله؛ فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدَاً ٠
فَقَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبيِّ ﷺ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَال أَمِّرْني؛ فَقَالَ لَهُ ﷺ :
стр. 2133
«إِنَّ الإِمَارَةَ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَة؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ تَكُونَ أَمِيرَاً فَافْعَلْ» ٠
فَبَكَى هَارُونُ، وَقَال: زِدْني؛ قَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: يَا حَسَنَ الْوَجْه؛ أَنْتَ الَّذِي يَسْأَلُكَ اللهُ عَن هَذَا الخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَة؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقِيَ هَذَا الْوَجْهَ مِنَ النَّارِ فَافْعَلْ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمسِيَ وَفي قَلْبِكَ غِشٌّ لأَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِك، فَإِنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
стр. 2134
«مَن أَصْبَحَ لَهُمْ غَاشَّاً، لَمْ يُرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّة» ٠
فَبَكَى هَارُونُ الرَّشِيد، ثُمَّ قَالَ لَه: عَلَيْكَ دَين ٠٠؟
قَالَ نَعَمْ: دَينٌ لِرَبيِّ لَمْ يُحَاسِبْني عَلَيْه؛ فَالوَيْلُ لي إِنْ سَاءَلَني، وَالوَيلُ لي إِنْ نَاقَشَني ٠
قَال: إِنَّمَا أَعْني مِنْ دَينِ الْعِبَاد ٠٠؟
قَال: إِنَّ رَبِّي لَمْ يَأْمُرْني بِهَذَا، أَمَرَني أَن أَصْدُقَ وَعْدَه، وَأُطِيعَ أَمْرَه، فَقَالَ :
стр. 2135
(وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون ﴿٥٦﴾ مَا أُرِيدُ مِنهُمْ مِن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُون ﴿٥٧﴾ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِين (﴿الذَّارِيَات﴾
فَقَال: هَذِهِ أَلفُ دِينَار، خُذْهَا فَأَنْفِقْهَا عَلَى عِيَالِك، وَتَقَوَّ بِهَا عَلَى عِبَادَةِ رَبِّك ٠٠
فَقَال: سُبْحَانَ الله ٠٠ أَنَا أَدُلُّكَ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاة، وَأَنْتَ تُكَافِئُني بِمِثْلِ هَذَا، سَلَّمَكَ الله،
стр. 2136
ثمَّ صَمَتَ، فَلَمْ يُكَلِّمْنَا، فَخَرَجْنَا، فَقَالَ هَارُون: أَبَا عَبَّاس؛ إِذَا دَلَلْتَني فَدُلَّني عَلَى مِثْلِ هَذَا، هَذَا سَيِّدُ المُسْلِمِين، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: قَدْ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الضِّيق؛ فَلَو قَبِلْتَ هَذَا المَال ٠٠؟
قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ: كَمَثَلِ قَوْمٍ لَهُمْ بَعِيرٌ يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِهِ؛ فَلَمَّا كَبِرَ نحَرُوهُ فَأَكَلُواْ لَحْمَه، فَلَمَّا سَمِعَ هَارُونُ هَذَا الْكَلاَمَ قَال: نَدْخُلُ فَعَسَى أَنْ يَقْبَلَ المَال ٠
стр. 2137
فَلَمَّا عَلِمَ الْفُضَيْلُ خَرَجَ فَجَلَسَ في السَّطحِ عَلَى بَابِ الْغُرفَة [أَيْ لِيَنْظُرَ هَلِ انْصَرَفَا أَمْ سَمِعَاهَا] فَجَاءَ هَارُونُ فَجَلَسَ إِلىَ جَنْبِهِ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ فَلاَ يُجِيبُه، فَبَيْنَا نحْنُ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا هَذَا؛ قَدْ آذَيْتَ الشَّيْخَ مُنْذُ اللَّيْلَة؛ فَانْصَرِفْ؛ فَانْصَرَفْنَا» ٠
ـ مِن أَقْوَالِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
стр. 2138
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ عَبْدَوَيْهِ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: «تَرْكُ الْعَمْلِ مِن أَجْلِ النَّاسِ رِيَاء، وَالعَمْلُ مِن أَجْلِ النَّاسِ شِرْك، وَالإِخْلاَصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللهُ مِنهُمَا» ٠
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «لاَ يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ المُتَّقِينَ حَتىَّ يَأْمَنَهُ عَدُوُّه» ٠
حَدَّثَ فَيْضُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال:
стр. 2139
«وَاللهِ مَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُؤْذِيَ كَلْبَاً وَلاَ خِنْزِيرَاً بِغَيْرِ حَقّ؛ فَكَيْفَ تُؤْذِي مُسْلِمَاً» ٠٠؟
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «بِقَدْرِ مَا يَصْغُرُ الذَّنْبُ عِنْدَك: يَعْظُمُ عِنْدَ اللهِ ، وَبِقَدْرِ مَا يَعْظُمُ عِنْدَك: يَصغُرُ عِنْدَ الله » ٠
حَدَّثَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَرْدَوَيْه: عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال:
стр. 2140
«لَمْ يَتَزَيَّنِ النَّاسُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الصِّدْق، وَطَلَبِ الحَلاَل؛ فَقَالَ ابْنُهُ عَلِيّ: يَا أَبَتِ؛ إِنَّ الحَلاَلَ عَزِيز [أَيْ قَلِيل] قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: يَا بُنيّ، وَإِنَّ قَلِيلَهُ عِنْدَ اللهِ كَثِير» ٠
حَدَّثَ السَّرِيُّ السَّقْطِيُّ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال:
«مَن خَافَ اللهَ : لَمْ يَضُرَّهُ أَحَد، وَمَن خَافَ غَيْرَ اللهِ : لَمْ يَنْفَعْهُ أَحَد» ٠
следующие страницы →