الرابع: ما يحبد من دون الله، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ) وقال: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) وسماه باطلا، لأنه لا حجة لأهله يثبتون عبادتهم إياه بها.
والخامس: الظلم، قال: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) أي: بالظلم. وبطلان الشيء: ذهابه، فسمي الظلم باطلا، لأن الله حكم فيه بأن يبطل ولا يثبت.
والمعنى على ما قال الحسن: هو أن يكون للرجل على صاحبه حق فإذا طالبه دعاه إلى الحاكم، فيحلف له، ويبطل حقه، والحاكم يحكم على الظاهر. وأصل الإدلاء: إلقاه الدلو في البئر. ويقال: أدليت الدلو، إذ أنزلتها في البئر، وفي القرآن: (فَأَدْلَى دَلْوَهُ) ثم صار كل إلقاء إدلاء، يقال: أدلى فلان حجته، إذا أرسلها على صحة، ودلوت الدلو، إذا أخرجتها من البئر، ومنه دلى فلان على فلان، إذا توسل به، قال الشاعر:
فقد جعلت إِذا مَا حَاجَتي نزلت ... بِبَاب دَارك أدلوها بِأَقْوَام
стр. 107
البر
أصله: السعة. ومنه: البر، خلاف البحر. ثم استعمل في الزيادة، فقيل: أبر فلان على فلان، إذا زاد عطية. والجواد المبر: السابق لكل ما سبقه، كأنَّه اتسع لما يتسع له غيره.
وقيل: رجل بار وبر. وفعل بمعنى فاعل معروف. مثل رجل سمح، ويوم قر. ونحوه: رجل ندب، أي: منتدب للأمور. ثم استعمل في القبول، فقيل: بر حجك، أي: قبل، وصدقت وبررت تأكيد للصدق.
وهو في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: الصلة، قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا) يعني أن تصلوا القرابة. وقيل: معنى: (أَنْ تَبَرُّوا) أن لا تَبَرُّوا. وقيل: لا يجوز أن يكون حذف لا وإثباتها سواء في شيء في الكلام.
وإنما المعنى أنه نهاهم عن كثرة [الأيمان]، وعن الجرأة على الله، ليكونوا بررة أتقياء، والمعنى: لأن تبروا. وكانوا ربما حلفوا ألا يبروا أقرباءهم، ولا يتكلموا في صلح لأمر معرض لهم. فالذي وتشتمل عليه الآية أمران:
أحدهما: النهي عن أن يجعل يمينه مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فإذا طلب منه ذلك قال: قد حلفت، والذي ينبغي في هذا أن يفعل ما حلف عليه، ويكفر عن يمينه.
стр. 108
وثانيهما: كثرة الأيمان، وهو ضرب من الجرأة على اللَّه، وابتذال لاسمه في كل حق وباطل، وتقول: هذا الشيء عرضتي، إذا كنت لا تزال معرض له، وهو عرضة للناس، إذا كانوا لا يزالون يقعون فيه، والناقة عرضة أسفار؛ إذا كان صاحبها لا يزال يسافر عليها، وقال حسان:
هُمُ الأنظَارُ عُرضَتهُا اللقاءُ
وقال الله في الممتحنة: (أنْ تَبَرُّوهُم).
الثاني: بمعنى الطاعة؛ قال الله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) أي: على طاعة الله، ومثله: (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى) أي: بالطاعة دون المعصية، وقال: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ) أي: مطيعا لها، وقال: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ)، أي: مطيعون، وقال: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ) أي: المطيعين، كذا جاء في التفسير، وهو وجه، ولو جعلت ذلك بمعنى الصلة واللطف.
الثالث: بمعنى الثواب، قال الله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) يعني: الثواب.
الرابع: التقوى، قال: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) يعني: التقوى، وأراد توكيد ما احتج به على سفهاء أهل الكتاب في إنكارهم على المسلمين توجههم إلى الكعبة بعد توجههم إلى بيت المقدس، فقال: ليس البر كله في التوجه إلى االمشرق والمغرب في الصلاة: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) أي: البر بر من آمن باللَّه، وهو التقوى، هكذا جاء في التفسير.
وليس ببعيد أن يكون البر هاهنا بمعنى الطاعة، ويسمى الطاعة برا في قولهم: هذا، من أعمال البر، أي: مما يطاع الله به، وحذف البر الثاني لبيان المعنى، كما قال الشاعر:
وَكَيفَ تُخالِلُ مَن أصبَحَتْ ... خِلالَتُه كأبِي مرجب
أي كخلال أبي مرجب.
стр. 109
وهكذا في قوله: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) أي: ولكن البر بر من اتقى،
وأول الآية: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) وهو مثل ضربه الله للمشركين في تأخيرهم أشهر الحرم فأخبر الله أن ذلك عكس البر، كما أن من أتى البيت من ظهوره؛ فقد عكس أمر الدخول.
وقيل: إن قوما من قريش وثقيف وخزاعة وطائفة من عامر بن صعصعة؛ كانوا إذا حرموا لا يأقطون الأقط؛ ولا يأكلون السمن، ولا يدخلون البيوت من أبوابها؛ ولكن من ظهورها وأدبارها، وظهورها: سطوحها، فسموا حماة، والأحمى: المتشدد في دينه، فأخبر الله أن ذلك ليس من البر، وأن البر بر من اتقى معاصي اللَّه.
стр. 110
البرهان
قال على بن عيسى ﵀: البرهان: شاهد صدق في نفسه وشهادته.
والبرهان: حق في نفسه وشهادته.
والبرهان: بيان صدق يظهر به صحة أمر.
والبرهان: ما ثبت المعنى في النفس على ثقة به، وذلك بالبيان الذي فيه.
والبرهان: ما فصل الحق من الباطل، وميز الصحيح من الفاسد بالبيان الذي فيه.
والبرهان: ما أوجب الثقة وأزال التهمة بالييان الذي فيه.
والبرهان ما أوصل النفس إلى إدراك الحق بالبيان الذي فيه؛ فكان البرهان آلة بها يتم إدراك النفس للحق.
وقل: جاء البرهان بمعنى الدليل والدلالة.
والفرق بين الدلالة والبرهان. أن الدلالة: ما أحضر المعنى النفس، والبرهان: ما ثبت المعنى في النفس بالبيان الذي فيه؛ فكأن الدلالة آلة الإحضار، والبرهان آلة لتثبيته في النفس
стр. 111
على جهة الثقة به، وكل برهان فيه معنى الدلالة، وليس كل دلالة فيها معنى البرهان، ألا ترى أن الاسم دلالة على معناه؛ وليس ببرهان على معناه، وكذلك هداية الطريق دلالة عليه وليس ببرهان عليه، وسمعت من يقول إنه فارس معرب، ولا أعرف ما صحة ذلك.
ويجوز أن يكون أصله من البرهة، وهي القطعة من الدهر، كأن البرهان قطعة من القول، أو هو قطع بين الحق والباطل وفصل، كما أن البرهة فصل بين الزمانين، والنون فيه زائدة، كما زيدت في " السلطان "؛ وهو من السليط.
وهو في القرآن على وجهين:
الأول: الحجة، قال الله تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: حجتكم بأن ععه آلهة، وفي النمل: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
الثاني. الآية " قال اللَّه تعالى: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ) أي: آيتان، وقال: (لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) يعني آية من آيات ربِّه.
стр. 112
البعل
أصله من القيام بالأمر، ومن ثم قيل للنخلة التي تستغني بماء الماء عن سقي العيون: بعل. وقد استبعل النخل: صار بعلا.
وهو في القرآن على وجهين:
أحدهما: الزوج، قال: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) والزوجة: بعلة، ولا يقال: هو بعلها حتى يدخل بها، وهو زوجها على كل حال. وكذلك القول
стр. 113
فيها، والشاهد قولهم: باعلها، أي: جامعها، وفي الحديث: " أيام أكل وشرب وبعال " (١) أي: جماع.
والآخر: بمعنى الرَّب، قال: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) أي: رَبًّا غير اللَّه.
стр. 114
بل
أصلها في العربية: الإضراب عن الأول، وإثبات الثاني، تقول: لقيت زيدا بل عمرا. فتركت الأول، وأخذت تذكر شيئا آخر، غلطت في الأول، أو بدا لك فيه، فتداركت كلامك بـ " بل " فجعلت الأمر للثاني، - وأخرجت الأول بما دخل فيه الثاني.
ثم جاء في القرآن لغير الغلط والاستدراك والبداء، ولكن لترك قصة إلى أخرى، كأنه قال: دع هذا مع تمام فائدته إلى فائدة أخرى، ومثل هذا يكون منا أيضا، يقول أحدنا: جاءني الحاجب بل الأمير، أي: دع مجيء الحاجب مع أفدتك به، فالأمير هذا أمره.
وينقسم في القرآن على وجهين:
أحدهما: قوله تعالى: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ) كأنه قال: دع ما تقدم ذكره من أمرهم، وخذ في أنهم قالوا: إن القرآن أضغاث أحلام، وأضغاث الأحلام: مختلطاتها التي لا تأويل لها، ثم حكى عنهم فقال تعالى: (بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ)، والمراد أنه اختلط عليهم أمرهم، فكذبوا أنفسهم، وخرجوا من شيء إلى شيء، وهذا على سبيل الإضراب عن الأول وإثبات الثاني.
ومثل الوجه الأول قوله: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ)، فـ: (ادَّارَكَ) لفظ ماض ومعناه الاستقبال، أي: بل يتكامل علمهم في الآخرة إذا حصلوا فيها، ويوقنون أن ما وعدوا منها في الدنيا حق.
стр. 115
وأصل: (ادَّارَكَ): تدارك كأنَّه قال: قد يدرك بعض علمهم بعضا في الآخرة حتى تكامل، ثم قال: (بَل هُم فِي شَكٍّ مِنْهَا)، وهذا إخبار عن الدنيا، كأنَّه قال: دع ما تقدم ذكره من تكامل علمهم في الآخرة بأن ما وعدوا منها حق مع ما أفدتك بذلك، وخذ في أنهم في الدنيا شاكون في البعث، ثم قال: (بَل هُم مِنْهَا عَمُونَ) أي: دع ما تقدم من ذكر شكهم، وخذ في أنهم عمون عنه، أي: جاهلون، والشاكُّ في الشيء بمنزلة الجاهل به، وقوله: (بَل هُم مِنْهَا عَمُونَ) توكيد لقوله: (بَل هُم فِي شكٍّ منهَا) وهذا كقولك: فلان جاهل بكذا، بل هو أعمى عنه، تريد توكيد ما وصفته به من الجهل.
وأما " بلى " فليس من " بل " في شيء، و " بل " لا يكون إلا جوابا لما كان فيه حرف جحد، كقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)، وقوله: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) ثم قال في الجواب: (قَالُوا بَلَى) وهو مخالف لنعم لأن نعم لا يكون إلا جوابا للاستفهام بلا جحد؛ كقوله تعالى: (فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ) وكذلك جواب الخبر، إذا قال: فعلت ذلك، قلت: نعم لعمري قد فعلته.
стр. 116
وقال الفراء: إنما امتنعوا أن يقولوا في جواب الجحود نعم لأنه إذا قال الرجل لصاجه: أمالك عليَّ شيء؛ فلو قال الآخر: نعم، كان كأنَّه صدقه، كأنَّه قال: نعم ليس لي عليك شيء، فإذا قال: بلى؛ فإنما هو رد لكلام صاحبه، أي: بلى لي عليك شيء. فلذلك اختلف نعم وبلى.
стр. 117
الباب الثالث في ما جاء من الوجوه والنظائر في أوله تاء التأويل
أصل التأويل من الأول، وهو: الرجوع، يقال: آل الشيء؛ إذا رجع، وأوَّل الكلام تأويلا، إذا رده إلى الوجه الذي يعرف منه معناه، وقوله: (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي: يأتي ما يؤول إليه أمرهم في البعث، وقوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، أي: ما يرجع إليه معناه، وقيل: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)، أي: بالبعث، وليس بالوجه؛ لأنه ليس للبعث هاهنا ذكر.
والتأويل في القرآن على خمسة أوجه:
الأول: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) قال أبو علي ﵁ يعني تفسير المتشابه به كله على حقائقه، وذلك أن في القرآن أمورا مجملة، مثل أمر الساعة وأمر صغائر الذنوب التي شرط غفرانها باجتناب الكبائر، واستدل على هذا بقوله تعالى: (هَلْ يَنْظرونَ إِلا تَأوِيلَهُ)، فجعل الموعود الذي وعدهم إياه في القرآن تأويلا للقرآن.
стр. 118
وجاء في التفسير أن التأويل هاهنا منتهى مدة ملك أمة محمد ﷺ وذلك أن اليهود حسبوا ليعلموا ذلك، فأعلمهم الله أنه لا يُعرف ذلك بالحساب، وإنما يُعرف من قبل الله تعالى.
والتأويل والتفسير واحد، لأن معنى التأويل يعود إلى التفسير، ويفرق بينهما من وجه ذكرناه في " كتاب الفروق " وهو أن التفسير هو الإخبار عن إفراد آحاد الجملة، والتأويل: الإخبار بمعنى الكلام، وقيل: التفسير إفراد ما انتطمه ظاهر التنزيل، والتأويل: الإخبار عن غرض المتكلم بكلامه.
والثاني: عاقبة الأمر وما يؤول إليه، وهو قوله تعالى: (هَلْ يَنْظرونَ إِلا تَأوِيلَهُ) يذكر قوما أوعدوا بالعذاب، فتطلعوا عاقبة ما أوعدوا به رادين له، فقال: هل ينظرون إلا تأويل ذلك المصير وتلك العاقبة، أي: مرجعه ومآبه.
وقوله: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) أي: لم تأتهم عاقبة ما وعدهم في القرآن أنه كائن في الآخرة من الوعيد، ولم يعن أنه لم يأتهم العلم وتفسيره، لأن جميع ما في القرآن مفهوم المعنى، ولو كان فيه شيء لا يفهم معناه لم يكن لإنزاله وجه.
ومثل ذلك قوله تعالى: (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أي: عاقبة.
والثالث: تعبير الرؤيا، قال: (وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) يعني: تعبير الرؤيا. وقال: (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ) وقال: (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ) وقال: (وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) يعني: بجميع ذلك تعبير الرؤيا، وسميت الرؤيا أحاديث؛ لأن منها ما يصح، ومنها ما لا يصح، مثل الأحاديث التي يتحدث بها صدقا وكذبا. فأما رؤيا الأنبياء ﵈ خاصة فيقين.
стр. 119
الرابع: التحقيق، قال: (يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ) جاء في التفسير منه أراد: تحقيق رؤياي، وهو حسن، ويجوز أن يكون معناه: تفسير رؤيا و: (يَا أَبَتِ) بالكسر على حذف ياء الإضافة، ويجوز بالفتح على حذف الألف المنقلبة عن ياء الإضافة، وأجاز الفراء الضم، ولم يجزه الزجاج، إلا أن التاء عوض عن ياء الإضافة، وقال على بن عيسى: هو جائز، لأن العوض لا يمنع من الحذف.
الخامس: قوله: (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ) ٣٧،، جاء في التفسير أنه أراد بألوانه قبل أن يأتيكما، والمراد بتسميته بألوانه وصفاته؛ كأنه يفسره لهما، فلهذا سماه تأويلا، وسمي تفسير الشيء تأويلا، لأنه مآل لبيان معناه، و: (نَبَّأْتُكُمَا) أخبرتكما، والنبأ: الخبر العظيم، لا يكون إلا كذلك.
وخرج لنا بعد وجه آخر، وهو قوله: (وَأحْسَنُ تَأوِيلا) قال مجاهد: أي: جزاء. قلنا: وذلك أن الجزاء هو الشيء الذي آلوا إليه.
стр. 120
تولى
يقال: ولي الشيء يليه، إذا قرب منه، وداري يلي دارك، وولاية الأعمال، من ذلك، وكذلك: الولي، وهو: المطر الذي يلي الوسمي، والوسمي أولى سطر يجيء، والولي: الذي يليه، ومنه: الولي، خلاف العدد، لأنه يقرب منك، قم قيل: ولى عنه، وتولى عنه، إذا أعرض وبعد.
والتولي في القرآن على ستة أوجه:
الأول: الانصراف، قال: (ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) دل على أنه كان في الشمس فانصرف إلى الظل، ومثله: (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) أي: انصرف، ومثله: (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ).
والثاني: بمعنى الامتناع، قال: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) معناه: فإن امتنعوا من الإيمان بك والرضا بحكمك، وقوله: (أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) أي: لما اتنعوا من ذلك أراد الله عقوبتهم، فعجل بعضها لهم في الدنيا، والإصابة بالذنب: الإصابة بعقوبة الذنب، كما قال: (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي: حاق بهم جزاؤه، وقوله: (حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: فإن امتنعوا من الإيمان والهجرة، وكان هؤلا قوم من المنافقين زعموا أنهم احتووا المدينة واستأذنوا النبي ﷺ في الخروج منها إلى البدو، فأذن لهم، فخرجوا ولحقوا بالمشركين، فأمر الله أن يؤخذوا ويقتلوا حيث وجدوا، لأنهم كفار، إلا أن يرجعوا إلى المدينة.
والثالث: الإعراض، قال اللَّه: (وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) وقال: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) وقال: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ) كل هذا بمعنى الإعراض على ما قالوا وهو الأصل، ويكون الإتيان الأوليان من هذا الوجه بمعنى الامتناع.
стр. 121
والرابع: قالوا: الهزيمة، قال تعالى: (فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ). يعني: الهزيمة عنهم، ومصدر هذا التولية، وليس بالتولي، نهى اللَّه تعالى المؤمنين أن يولوا الكفار أدبارهم في القتال إلا أن ينحرف أحدهم من موضع لا يمكنه فيه الضرب والطعن إلى موضع يمكنه فيه ذلك، أو أن يضيق عليه فليلتجئ إلى جماعة من المسلمين، فينضافوا معه على مدافعة العدو، ومن يولي عن العدو على غير هذين الوجهين فقد باء بغضب من اللَّه، أي: استحق الغضب من اللَّه مقابلة بقبيح فعله، وهو من البواء في القتل، وهو أن يقتل بالرجل كفوه.
قال أبو بكر الرازي ﵀: " وهذا الحكم عندنا ثابت ما لم يبلغ عدد جيش المسلمبن اثني عشر ألفا، فإذا بلغ ذلك فليس لهم أن ينهزموا عن مثلهم إلا متحرفين لقتال "، والحجة حديث ابن عباس عنه ﵇ " خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعة مائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة "؛ وسأل رجل مالكا، فقال: أيسعنا قتال من خرج من أحكام الله وحكم بغيرها، فقال مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف، وإلا فأنت في سعة من ذلك.
وقال بعضهم: هذه الآية في أهل بدر؛ وليس الفرار من الزحف كبيرة، وهذا غلط، لأن النفي عام، وليس لأحد تخصيصه، ولا يكون المجمل إلا على العموم، وقيل: هذا الوعيد لازم لمن فرَّ عن الزحف حبا للحياة، فأما من لم يجد بُدًّا من الفرار فهو في سعة.
والزحف: السير هي الثقيل، وبه يوصف العساكر، لأنَّهَا إذا دنت من العدو؛ سارت على تعبئة، وسير الجماعة المعبأة رويدا.
الخامس: بمعنى ولاية الأمر، قال: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ) بالكسر، أي: تولى الإثم فيه، كأنَّه صار صاحب الإثم فيه، وقرئ (كبره)، أي: معظمه، وكبر الشيء: معظمه، وكذلك كبره: لغتان، وقيل كبر: مصدر الكبير من الأمور، وكبر: مصدر الكبير السن، مثل: الكبر والكبر: الكبير أيضا.
стр. 122
والسادس: بمعنى الولاية، خلاف العداوة، قال اللَّه تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) وقوله: (لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) يأمرهم بعداوتهم أن لا يناصحوهم.
стр. 123
التقي
أصل التقى: (أن تجعل بينك وبين من تخافه حاجزا، قال النابغة:
سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه ... فتناوَلَتْه واتَّقَتْنَا باليَدِ
ثم كثر حتى قيل: توقيته، إذا هبت الإقدام عليه، ويقال: تقاه يتقيه، واتقاه يتقيه وتوقاه يتوقاه، والمتقي في أسماء الدين: هو الذي يؤدي الفرائض، ويجتنب المحارم، ويجعل ذلك بينه وبين النار جُنَّة، ولا يستحقه مطلقا إلا المستحق للثواب، ويجري على غيره مقيدا، وقال الشاعر يصف سيوفا:
جَلاَهَا الصّيْقَلُونَ فأَخْلَصُوهَا ... خفَافاً كُلُّهَا يَتْقِي بأثْرِ
والأثر: والأثر ماء السيف وفرنده، كأنها تجعل ذلك بينها وبين من يريد عيبها، والإقدام عليها حاجزا، وذلك أنه إذا رأي أثرها لم يحبها، أو ترك الإقدام على أصحابها. وهو في القرآن على خمسة أوجه:
الأول: - بمعنى الخشية، قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) أي: اخشوا عقابه، واجعلوا الإيمان بينكم وبينه، وقال: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ)، ومثله كثير.
الثاني: بمعنى العبادة، قال اللَّه تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) أي: أفلا تعبدون، وقال: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) هكذا جاء في التفسير، ويكون ذلك أيضا بمعنى الخشية؛ لأنه إذا قال:
стр. 124
أنا ربكم، فقد أخبر أنه القادر عليهم، وإذا كان كذلك فينبغي أن يخشى عقابه، ولا يعصى، ويرغب في ثوابه، فيعبد ويطاع.
الثالث: الإيمان. قال تعالى: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ) أي: أن توحدوه، ودليل ذلك قوله: (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ). ووضعه الكفر بإزاء التقوى دليل على أن المراد بالتقوى: الإيمان.
والرابع؛ الإخلاص، قال الله تعالى: (فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ).
والخامس: الانتهاء إلى المأمور به، وترك تجاوزه، قال: (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ)، أي: انتهوا إلى أمره في ذلك، ولا تجاوزوه.
وكل هذه الوجوه متقاربة، يجوز قيام بعضها مقام بعض.
стр. 125
التمني
يقال: تمنى الرجل الشيء، إذا قدر في نفسه بلوغه، ومنه: منى الله لك كذا، أي: قدره، وقال الشاعر:
ما تمني لك الأماني
ومنينا من فلان بكذا، أي: ابتلينا، ولا يقال ذلك إلا في المكروه.
وسُمِّيت الممية منية، لأنَّهَا مقدرة، وقيل للمني مني، لأن الولد مقدر منه، والتمني: قول الرجل يا ليتني كنت كذا.
والتمني في القرآن على وجهين:
стр. 126
الأول: هذا القول، وهو قوله تعالى: (تمَنوُا المَوتَ إِن كنتُم صَادِقينَ) وذلك أن اليهود قالوا: نحن أبناء الله واحباؤه، فقال اللَّه لهم: إِن كنتُم كذلك فتمنوا الموت لتموتوا، فتصيروا إلى الثواب عاجلا، ثم أخبر أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم من الذنوب، فكان هذا خبر غيب دالا على صدق الدعوة، فلم يكن فيهم أحد يقول: إني تمنيت ولم أمت، وشرح ذلك جرى في كتابنا في التفسير.
والثاني: القراءة، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) يقال: تمنى الرجل إذا قرأ، قال الشاعر:
تَمَنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ لَيلهِ ... وآخِرَه لاقى حِمامَ المقادِرِ
والرسول والنبي واحد، وإنما أراد التوكيد فكرر. كما تقول: أحب كل مؤمن ومسلم، والمؤمن والمسلم سواء، وعلى هذا فإن بين المؤمن والمسلم فرقا في العربية، وكذلك بين الرسول والنبي، وأما فى أسماء الدين فكل ذلك سواء، وكان النبي ﷺ إذا قرأ القرآن غلط الغلط الذى يجوز مثله على القارئ، وكان اللَّه ينبهه على الصواب، فيرجع إليه، فعاب ذلك عليه أعداؤه، وليس فيه عيب؛ لأن البشر لا يخلو من السهو والغلط، وجعل الله تنبيهه إياه على الغلط نسخا له، ورده إلى الصواب إحكاما لآياته.
وأما ما روي أنه ﷺ قرأ: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى، ثم سجد، وسجد المشركون، وقالوا: قد رجع إلى دينكم، فإن ذلك كذب، لأن القارئ لا يغلط بمثل هذا، ولا يجوز أن يقوله النبي صلى الله عليه وآله تعمدا، لأنه كفر، ولا يقع الكفر من الأنبياء.
وأخرى فإنه لا خلاف بين الرواة أنه ﷺ كان لا يمكنه الصلاة عند الكعبة ظاهرا؛ لما كان المشركون ينالونه به من المكروه، فكان يصلي عندها ليلا حين لا يطلع عليه أحد منهم، فكيف سجدوا لقراءته، وهذه حاله عندهم، حتى كأنهم كانوا على ميعاد؟!
стр. 127
التوفي
أصل - الوفاء: التمام وشيء واف: تام، وقوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) أي.: قوموا بأوامري على التمام أعطكم جزاء أعمالكم على التمام.
وتوفيت حقي، واستوفيته، إذا أخذته بتمامه، ومعنى توفي الله الأنفس: قبضها عند تمام آجالها، وقد وفيت الرجل حقه، وأوفيت له، إذا تممت عهده، وخلافه: الغدر، وهو أن تترك الوفاء به، وأصل الغدر: الترك، يقال: غادر الشيء، وأغدره، إذا تركه.
والتوفي في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: الإنامة، قال اللَّه تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) كأنَّه يقبض العقل والذهن الذي تميز به الأشياء.
الثاني: قوله تعالى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) وروي عن الحسن؛ أنه قال: التوفي هاهنا: رفعه إلى السماء.
ومثله قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) أي: آخذك من بين بني إسرائيل، ورافعك إلى السماء حيث لا ينفذ إلا حكمي، ولا يريد أن اللَّه في السماء، وشبه رفعه إلى السماء بالموت؛ لأنه يفقد عند الرفع [كما] يفقد عند الموت، وقيل: الرفع هنا رفع المنزلة.
الثالث: قبض الرُّوح، قال الله تعالى: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) وقال:. (يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) وقال: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) يعني: أنهم يقبضون أرواحهم.
стр. 128
التسبيح
أصله: التنزيه من السوء على جهة التعظيم.
ولا يجوز أن يسبح غير اللَّه؛ لأنه صار علما في الدين على أعلى مراتب التعظيم، وذلك لا يستحقه إلا الله الذي لا يعجزه شيء.
стр. 129
وسبحان اللَّه: تنزيه له مما لا يليق به، ونصبه كل مذهب المصدر؛ كأنك قلت: تسبيحا له.
وسبحان: معرفة وعلم خاص؛ فإن نَوَّنَه شاعر فللضرورة، وقوله تعالى: (إِنَّ لَكَ فِي النهَارِ سَبَحًا طَوِيلا) أي: فراغا كبيرا للنوم، وقد أوجب الله على العباد أن يسبحوه ويقدسوه، وفي ذلك أوضح الدلالة على أنه لا يجوز إضافة الفواحش إليه.
والتسبيح في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: الصلاة قال الله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) والسبحة: صلا التطوع، وقوله: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) أي: المصلين.
стр. 130
الثاني: ظهور أثر الصنعة والخلق، وهو قوله: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) يعني: ما ظهر فيها من آثار الصنع الدال على التوحيد.
والثالث: الاستثناء، وهو قوله: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ) أي: تثتنون، وهو قول: إن شاء اللَّه، وإنَّمَا قيل للاستثناء: تسبيح؛ لأنه تعظيم، كما أن قول " سبحان الله " تعظيم له، وكانوا قالوا: قال: (لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) ولم يقولوا: إن شاء الله، وفسر أيضا على ظاهره؛ فقيل: لولا تسبحون الله وتقدسونه وتعطون حقوق المساكين.
стр. 131
الباب الرابع فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ثاء
الثواء
الثراء: الإقامة، يقال: ثوى بالمكان، وأثوى: لغتان فصيحتان، قال الحارث بن حلزة:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ
ويتصرف هذا الحرف في القرآن كل أوجه:
الأول: (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) أي: لم تكن مقيما فيهم، فتعلم من أخبارهم ما تخبر به، وإنَّمَا هو وحي، وإن كان " مدين " عربيا فاستقامة من قولهم: مدن بالمكان إذا أقام به، والياء فيه زائدة، والذي أظن: أنه أعجمي الأصل.
الثاني: المثوى بمعنى المأوى، قال تعالى: (يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) وقوله: (فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)، وهو قريب من الأول؛ بل هو فيه بعينه لأن المثوى: مفعل من ثوى، وقيل للمنزل والمسكن: مثوى؛ لأن صاحبه يقيم فيه.
стр. 132
الثالث: المنزلة، قال: (أَحْسَنَ مَثْوَايَ) أي: أعلى منزلتي، ولو أوردنا هذين الحرفين في باب الميم جاز، وأم المثوى: المرأة التي ينزل بها وبأهلها الضيف، وأبو المثوى: الرجل، وتقول: من أم مثواك الليلة، ومن أبو مثواك؟.
стр. 133
الباب الخامس فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله جيم
الجبار
أصل الكلمة: الإصْلاح، جبر العظم إذا أصلحه وجبر هو، ثم استعمل في الامتناع، فقيل: نخلة جبارة؛ إذا امتنعت ففاتت الأيدى، وهو راجع إلى الأصل؛ لأنها إذا فاتت اليد صلحت ثمرتها ولم تشعث، والجبيرة: الدملوج، وكذلك الجبارة؛ لأنه يصلح ويسوى، والجبارة أيضا، والجمع: الجبائر: الحث الذي يشد على العضو المكسور، وأجبرت الرجل على الأمر؛ إذا كرهته عليه؛ لأنك تريد بإجبارك إياه إصلاحه، وإصلاح نفسك - جبار يرجع إلى ذلك.
والجبار في أسماء اللَّه بمعنى أنه لا ينال بالأذى، وبمعنى الكبرياء والعظمة، وقال واصل بن عطاء: الجبار في صفات اللَّه تعالى بمعنى أنه يجبر فاقة العبد.
وهو في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: القهار، قال اللَّه تعالى: (الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ) يعني: القهار لخلقه بما أراد، وقال: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) أي: بمسلط تقهرهم على الإيمان، إنما أنت مذكر، ويجوز أن يكون معناه: إنك لست بمتكبر تياه، كما قال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
стр. 134
الثاني: المتغلب الجابر، قال الله: (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) أي: متغلبين جبارين، وقال: (إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ) وقال بعض أهل التفسير: المرد بالجبار في هذه المواضع: القتال، والبطش: الأخذ بالغلبة والشدة.
الثالث: المتكبر قال: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) جاء في التفسير أنه عنى المتكبر عن عبادة ربه.
والرابع: العظيم الخلق القوي، قال الله : (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ) جاء في التفسير: إنه عنى العظام الأجساد الطوال الأقوياء، زعموا أنه لا يقاومونهم، وقيل: إنه أراد الممتنعين الغلابين العتاة، وهذا أصح؛ لقوله: (فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ) كأنهم قالوا: إن فيها قوما من عادتهم غلب أعدائهم، فقيل لهم: اذهبوا إليهمْ فإنكم تغلبونهم، وأعمل إن في القوم وجعل الجبارين من صفتهم؛ لأن فيها ليس باسم.
قال: ومثله: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) والجبار هاهنا والمتكبر سواء، وإنما كرر للتوكيد، ولا يجوز أن يقال أنه يعني: بـ " الجبار " هاهنا: القتال والغلاب؛ لأن القتل والغلبة لا يضافان إلى القلب ويضاف إليه الكبر، ويجوز أن تكون هذه الوجوه كلها بمعنى واحد وهو التكبر، وإنَّمَا أوردتها على ما جاء في التفسير.
стр. 135
الجعل
يقال: جعلت بمعنى أنشأت ولا يتجاوز مفعولا، ومنه: جعل الله الناس، وجعل الأرض، وجعلت أيضا بمنزلة نقلت، كقولك: جعلت الطين آجرا، وجعلت الفضة خاتما، وجعلت بمنزلة ظننت، تقول: اجعل الأمين خادما وكلمه؛ أي: ظنه خادما، وجعلت بمنزلة سميت، قال: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا) ويقال أيضا: جعلت القرية عن يميني.
والفرق بين الجعل والفعل؛ أن جعل الشيء يكون بإحداث غيره فيه، كجعلك الطين خزفا، وفعل الشيء إحداثه لا غير.
وقال بعضهم: جد الجعل الفعل ولابد لكل جعل من تعلق بمجعول ومفعول، أما نفس الشيء الوقع عليه ظاهر اللفظ؛ كقوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) أي: خلقهما، وأما اسمه ووصفه، كقوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا) أي: جعلوا اسمهم اسم الإناث ووصفهم، وفعلوا ذلك، وأما حكمه؛ كقوله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي: جعلتم حكم هذا كحكم هذا، وكقولك: جَعل الله هذا حلالا وهذا حراما، أي: جعل حكمه حكم ذلك، وأما علته لها كان المجعول على صفته؛ كقولك: جعلت المحرك متحركا؛ أي: فعلت العلة.
стр. 136
وأما قوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً) فمعناه سمياهم بذلك، ومثله جعلت فلانا لصا، وقوله تعالى: (جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا) أي: وصفناهم بهذا الوصف بعد أن عادوا الأنبياء، وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) أراد الخبر بما في قلوبهم من ذلك ووصفه؛ فالمجعول هو الخبر ويكون بمعنى اللطف، وقوله: (قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) أي؛ خلقها، ويجوز أن يكون مكن يوسف ﵇ ظهر صدق رؤياه؛ فالمجعول نفس الرؤيا في الأول وفي الثاني للدلالة على صحته.
وقوله تعالى: (وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا) أي: فرقا، والجعل راجع إلى ما به كانوا فرقا؛ وهو الفعل الذي فرق بينهم، وقوله تعالى: (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) أي: حجة.؛ وهو قلب الفصاحة.
وقوله - تعالى: (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) هؤلاء قوم آمنوا فلحقهم أذى من الكفار وهزوا فكفروا، وكان يجب أن يدعوا الكفر خوفا من عذاب الله وتركوا الإيمان خوفا من عذاب الناس؛ فأبدلوا حكم عذاب الناس حكم عذاب الله؛ فالحكم هو المجعول، وقال: (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) فالمجعول فعل ما صارت به آية، وقال: (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) أي عبرة، وفعل ما صار به المسيح عبرة هو المجعول.
وقوله تعالى: (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) فأمره بالاقتداء بهم هو المجعول، وقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: بالإجبار.
والجعل بعد ذلك في القرآن على ستة أوجه فيما ذكره بعض المفسرين:
الأول: التسمية؛ قال: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا) وقال: (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) أي: سميناها قاسية.
стр. 137
الثاني: بمعنى التخلية، قال تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) أي: يخلي بينه وبين ما يخرج به صدره من الكفر؛ لأن مع الإيمان ثلج الصدور، وليس ذلك مع الكفر.
وأما الطبع والختم واللعن والأكنة والوقر والعمى والصمم والبكم والرجس ونحو ذلك فإنه ذم وليس بمن ذكره إلا بعد ذكر المعصية ولزمهم هذه الأسماء جزاءا لذنوبهم، ويجوز أن يكون تسميته إياهم بهذه الأسماء على جهة التمثيل؛ لأنا نعلم أنه ليس على بصر الكافر غشاوة.
الثالث؛ منع الإلطاف؛ قال الله تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا) أي: تمنعه ألطافنا فيعرض عن القرآن ولا ينتفع به؛ فكأنا جعلنا بينه وبينه حجابا، ولو علم أن ألطافه تنفعه ما منعه إياها ولكنها لا تنفعه فهو بمنزلة من لا ألطاف له ولو كان الطبع والختم وما بسبيلهما منعا لهم عن الإيمان لما قال: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ).
الرابع: بمعنى الوصف؛ قال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) و: (الْجِنَّ) هاهنا الملائكة سموا بذلك لاستتارهم عن الأبصار، وأصل الجن والجِنَّة، والجَنَّة والجنون الستر، أي: وصفوا الملائكة بأنهم شركاء الله، ونحوه قول الرجل لمن يصفه باللصوصية: جعلتني لصا، أي: وصفتني بذلك، ونحوه قوله: (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا) قال بعض أهل اللغة: الجزء هاهنا بمعنى الإناث، يقال: أجزئت المرأة إذا ولدت أنثي، وأنشد:
إنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يوماً فلا عَجَبٌ ... قد تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أحياناً
ويجوز أن يكون الجن في قوله تعالى: (شُرَكَاءَ الْجِنَّ). الجن المعروف.
وكان بعض العرب يذهب إلى أن سروات الجن بنات اللَّه، فرد اللَّه ذلك بهذا القول وشَرْحُ ذلك جرى في كتابنا في التفسير.
стр. 138
الخامس: الخلق، قال: [(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)] (١) أي: خلقناه كذلك، وأحدثناه ومثله: (جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا) أي: خلقها صلبة يمكن الاستقرار عليها، ومثله: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) أي: خلقه من غير ذكر، فصار عبرة وعلامة.
السادس: الحكم، قال الله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا)، أي: حكموا بذلك.
والمراد أنهم حكموا بأن للَّه نصيا في زروعهم ومواشيهم ولأصنامهم نصيبا فيها، وسماهم شركائهم؛ لأنهم جعلوا بعض أموالهم لها، ثم كانوا يصرفون مما جعلوه لله إلى أوثانهم فينفقونه عليها ولا يصرفون ما جعلوه لأوثانهم إلى ما يقربون به إلى اللَّه وقيل الأنعام هاهنا البحيرة والسائبة.
فأما قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ) فمعناه أنه جعل نبيه عدوا له، لأنه فرض عليه محاربتهم ومناصبتهم، فإذا جعل النبي عدوا لهم، فقد جعلهم عدوا له، وليس معنى ذلك أنه أمره بعداوته وأرادها منهم أو خلقها فيهم لأنه لو فعل ذلك لم يذمهم عليه، وقوله: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) أي: لا تجعلوا القسم بالله عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ فتكثروا الحلف، وكذلك:
стр. 139
(وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) أي: ضمنتموه ثوابكم على الوفاء بأيمانكم فلا تنقضوها.
стр. 140
الجناح
أصله الميل، ومنه قيل: جنحت السفينة، أي: مالت، وقال تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) وسمي الإثم جناحا، لأنه ميل إلى هوى النفس، وجنح الليل حين يميل، وقيل: حين تميل الشمس للمغيب، ومنه جناح الطائر، لأنها في جانبيه ما يلين عن سواء جنبك.
والجناح في القرآن على وجهين:
الأول: الإثم، قال اللَّه: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) أي: لا إثم عليكم في التعريض للمرأة المعتدة ترغبون في نكاحها، إذا خرجت من العدة، فأمَّا التصريح بذلك، فهو إثم.
الثاني: الضرر، هو قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) أي: إذا تبايعتم بالنقد فلا ضرر عليكم في ترك الكتاب والإشهاد، فإن قيل إن قوله: لا جناح عليكم في ترك ذلك في الحاضر، دليل على أن عليه جناح في تركه في النساء، قلنا: أراد بالجناح الضرر على ما ذكرنا، ولم يرد الإثم، ولو أراد الإثم لكان قوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) رخصة في تركه.
стр. 141
الجهاد
الجهاد اسم إسلإمي لم يعرف في الجاهلية، وهو قتال المشركين خاصة.
وأصله من الجهد، وهو استفراغ الطاقة في الأمر، وهو جهد وجهد لغتان، ويقال الجهد الطاقة نفسها، وبلغ الرجل جهده ومجهوده، إذا بلغ أقصى قوته.
والأرض الجهاد اليابسة لأن الرجل لا يحفرها إلا إذا بلغ مجهوده، والمجهود والجهد سواء، مثل: العقل والمعقول.
وجاهدت العدو إذا استفرغت قوتك في دفعه، والمفاعلة تكون من اثنين إلا في حرف جاءت نوادر منها طالبت الحاجة، وحاولت الشيء، وسافرت في الأرض.
والجهاد في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: الجهاد بالقول، قال الله تعالى: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) وهذه الآية مكية نزلت قبل الأمر بالكتاب.
وهذا دليل على أنه أراد بها اجهاد بالقول، فيها دلالة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يلزم على حسب الطاقة، يقول: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ) أي: تترك طاعتك لهم فيما يريدونه من مقاربتك إياهم جهادا كبيرا.
والجهاد هو بذل المجهود في الشيء، وترك التقصير فيه،: (وَجَاهِدهُم بِهِ) أي: بالقرآن الذي افتتح به أول السورة، والأول أجود
стр. 142
الثاني: الجهاد بالسلاح، قال اللَّه تعالى: (جَاهِدِ الكُفارَ وَالمنُافِقِينَ) وقال: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ثم قال: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ) كذا قال مقاتل.
وهو غلط؛ لأن المنافق لا يقاتل ولا يقتل، لأنه إذا أظهر الإسلام حقن دمه، وإنما المراد أن جاهد الكفار بالسلاح والمنافقين بالغلظة عليهم والتنكير لهم، وقيل: جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، وكانوا هم الذين [يصيبونها] في عهد رسول اللَّه ﷺ كانوا عليه في الجاهلية.
الثالث: الاجتهاد في العمل، قال الله تعالى: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ). أي: من يعمل الخير مجتهدا فإنما يعمل لنفسه، وقال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) أي: عملوا لنا: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) أي: يزيدهم إلطافا ويزدادون معها من الطاعة فتعلوا درجاتهم، وقال: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) أي: اعملوا لله حق العمل، هكذا فسر هذه الآيَات ويجوز أن تكون بمعنى جهاد المشركين
стр. 143
الجدال
أصله من الجدل، وهو الفتل، يقال: جدلت الحبل جدلا إذا فتلته، وهو مجدول، وأصل الكلمة من القوة، ثم سميت الأرض جداله لقوتها، وسُمِّي الجدال جدالا لأنك تقوم به حق القيام، لتقوي مذهبك، كما أن الحبل مجدل القول، والأجدل الصقر، وسمي بذلك لقوته، ويجوز أن يقال: الجدال هو أن تفتل الخصم عن مذهبه بحجة أو [شُبْهة] أو شغب، ويفتلك عن مذهبك بمثل ذلك.
والجدال في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: الخصومة، قال: (وَهُم يجادِلُونَ فِي الله)، أي: يخاصمون، وقال: (وَجَادَلُوا بِالبَاطِلِ).
الثاني: السؤال، قال الله: (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) أيْ: سأل رسلنا ويستثبت أمر ما يعذب به قوم لوط، وقال أبو علي: جادلهم بما استحقوا عذاب الاستئصال، وهل ذلك واقع بهم لا محالة، أم هم إخافة ليقبلوا إلى الطاعة، وهذا يقوي ما تقدم من أنه سؤال.
الثالث: المناظرة على إثبات الحق وإبطال الباطل، قال تعالى: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا)، وفي هذا دليل على أن الجدال لإقامة الحجة حسن، وأنه يقوم به الحجة ولولا ذلك لم يجادل نوح ﵇.
وقد يكون المناظران محقين بأن يكون كل واحد منهما يناظر ليعرف الحق، ولا يكونان متجادلين إلا وأحدهما مبطل أو كلاهما؛ لأن الجدال هو فتل الخصم عن مذهبه، وفتل الحق عن الحق باطل، قال اللَّه تعالى (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا)، ......
стр. 144
وقد عاب اللَّه تعالى من جادل في آياته بقوله: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ)، لأن الجدال بها هو الصحيح، والجدال فيها رد ودفع.
الرابع: المراء، قال الله: (وَلا جِدَالَ فِي الحجِّ)، فنهى عن المراء الواقع بين المترافقين في طريق الحج، لأن لا يؤديهما ذلك إن فعلاه إلى قول ما لا ينبغي تعظيما لأمر الحج.
وقيل معناه: إن الحج قد تبين وجوهه فلا ينسى ولا يشك فيه، ونحوه: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: لا يماري، والمراء أن تستخرج ما عند خصمكَ بالمناظرة، وأصله من المري، وهو استخراج اللبن من الضرع
стр. 145
الجن
أصله الستر، ومنه الْجَنَّة وهي البستان الذي تشتبك فيه الشجر، حتى يستر من يدخله.
والجنة السلاح، لأنها تستر عورة صاحبه عن قرنه، يقال: (أعور الفارس إذا انكشف منه موضع للضرب أو الطعن.
والمجنون المستور على عقله، وقد جن وأجنه الله، ولا يقال جنه، ومثله أجده الله وهو مجدود، وقد جد ولا يقال: جده الله وليس مجدود من أحد، لأن ذلك نقص للأصل: إنما هو على معنى أن ذلك فيه، وكذلك أجنة اللَّهـ، وهو مجنون، أي: فيه جنون وليس مجنون من أجن.
والولد ما دام في بطن أمه جنين، والجمع أجنة، لأنه مستور، وفي القرآن: (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ).
والجان يقع على واحد من الجن، والجن مثل الإنس يقع على الجمع.
والجن في القرآن على وجهين: ......