← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37586

الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري - معتزلي

أبو هلال العسكري

Полный текст (483 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الجهاد الجهاد اسم إسلإمي لم يعرف في الجاهلية، وهو قتال المشركين خاصة. وأصله من الجهد، وهو استفراغ الطاقة في الأمر، وهو جهد وجهد لغتان، ويقال الجهد الطاقة نفسها، وبلغ الرجل جهده ومجهوده، إذا بلغ أقصى قوته. والأرض الجهاد اليابسة لأن الرجل لا يحفرها إلا إذا بلغ مجهوده، والمجهود والجهد سواء، مثل: العقل والمعقول. وجاهدت العدو إذا استفرغت قوتك في دفعه، والمفاعلة تكون من اثنين إلا في حرف جاءت نوادر منها طالبت الحاجة، وحاولت الشيء، وسافرت في الأرض. والجهاد في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الجهاد بالقول، قال الله تعالى: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) وهذه الآية مكية نزلت قبل الأمر بالكتاب. وهذا دليل على أنه أراد بها اجهاد بالقول، فيها دلالة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يلزم على حسب الطاقة، يقول: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ) أي: تترك طاعتك لهم فيما يريدونه من مقاربتك إياهم جهادا كبيرا. والجهاد هو بذل المجهود في الشيء، وترك التقصير فيه،: (وَجَاهِدهُم بِهِ) أي: بالقرآن الذي افتتح به أول السورة، والأول أجود

стр. 142

الثاني: الجهاد بالسلاح، قال اللَّه تعالى: (جَاهِدِ الكُفارَ وَالمنُافِقِينَ) وقال: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ثم قال: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ) كذا قال مقاتل. وهو غلط؛ لأن المنافق لا يقاتل ولا يقتل، لأنه إذا أظهر الإسلام حقن دمه، وإنما المراد أن جاهد الكفار بالسلاح والمنافقين بالغلظة عليهم والتنكير لهم، وقيل: جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، وكانوا هم الذين [يصيبونها] في عهد رسول اللَّه ﷺ كانوا عليه في الجاهلية. الثالث: الاجتهاد في العمل، قال الله تعالى: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ). أي: من يعمل الخير مجتهدا فإنما يعمل لنفسه، وقال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) أي: عملوا لنا: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) أي: يزيدهم إلطافا ويزدادون معها من الطاعة فتعلوا درجاتهم، وقال: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) أي: اعملوا لله حق العمل، هكذا فسر هذه الآيَات ويجوز أن تكون بمعنى جهاد المشركين

стр. 143

الجدال أصله من الجدل، وهو الفتل، يقال: جدلت الحبل جدلا إذا فتلته، وهو مجدول، وأصل الكلمة من القوة، ثم سميت الأرض جداله لقوتها، وسُمِّي الجدال جدالا لأنك تقوم به حق القيام، لتقوي مذهبك، كما أن الحبل مجدل القول، والأجدل الصقر، وسمي بذلك لقوته، ويجوز أن يقال: الجدال هو أن تفتل الخصم عن مذهبه بحجة أو [شُبْهة] أو شغب، ويفتلك عن مذهبك بمثل ذلك. والجدال في القرآن على أربعة أوجه: الأول: الخصومة، قال: (وَهُم يجادِلُونَ فِي الله)، أي: يخاصمون، وقال: (وَجَادَلُوا بِالبَاطِلِ). الثاني: السؤال، قال الله: (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) أيْ: سأل رسلنا ويستثبت أمر ما يعذب به قوم لوط، وقال أبو علي: جادلهم بما استحقوا عذاب الاستئصال، وهل ذلك واقع بهم لا محالة، أم هم إخافة ليقبلوا إلى الطاعة، وهذا يقوي ما تقدم من أنه سؤال. الثالث: المناظرة على إثبات الحق وإبطال الباطل، قال تعالى: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا)، وفي هذا دليل على أن الجدال لإقامة الحجة حسن، وأنه يقوم به الحجة ولولا ذلك لم يجادل نوح ﵇. وقد يكون المناظران محقين بأن يكون كل واحد منهما يناظر ليعرف الحق، ولا يكونان متجادلين إلا وأحدهما مبطل أو كلاهما؛ لأن الجدال هو فتل الخصم عن مذهبه، وفتل الحق عن الحق باطل، قال اللَّه تعالى (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا)، ......

стр. 144

وقد عاب اللَّه تعالى من جادل في آياته بقوله: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ)، لأن الجدال بها هو الصحيح، والجدال فيها رد ودفع. الرابع: المراء، قال الله: (وَلا جِدَالَ فِي الحجِّ)، فنهى عن المراء الواقع بين المترافقين في طريق الحج، لأن لا يؤديهما ذلك إن فعلاه إلى قول ما لا ينبغي تعظيما لأمر الحج. وقيل معناه: إن الحج قد تبين وجوهه فلا ينسى ولا يشك فيه، ونحوه: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: لا يماري، والمراء أن تستخرج ما عند خصمكَ بالمناظرة، وأصله من المري، وهو استخراج اللبن من الضرع

стр. 145

الجن أصله الستر، ومنه الْجَنَّة وهي البستان الذي تشتبك فيه الشجر، حتى يستر من يدخله. والجنة السلاح، لأنها تستر عورة صاحبه عن قرنه، يقال: (أعور الفارس إذا انكشف منه موضع للضرب أو الطعن. والمجنون المستور على عقله، وقد جن وأجنه الله، ولا يقال جنه، ومثله أجده الله وهو مجدود، وقد جد ولا يقال: جده الله وليس مجدود من أحد، لأن ذلك نقص للأصل: إنما هو على معنى أن ذلك فيه، وكذلك أجنة اللَّهـ، وهو مجنون، أي: فيه جنون وليس مجنون من أجن. والولد ما دام في بطن أمه جنين، والجمع أجنة، لأنه مستور، وفي القرآن: (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ). والجان يقع على واحد من الجن، والجن مثل الإنس يقع على الجمع. والجن في القرآن على وجهين: ......

стр. 146

الأول: الملائكة، قال اللَّه تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) يعني: الملائكة، وذلك أنهم كانوا عبدوها، وسماهم جنًّا؛ لأنهم مستوررن عن الأبصار. وذكر بعض المفسرين أنهم الجن، وليسوا بملائكة، وكانت العرب تعبد الجن، وتذهب إلى أن سروات الجن بنات الله، وفي الخبر أنه لما هدمت العزى خرجت منها جنية منفشة شعرها تدعوا بالويل فحمل خالد بن الوليد عليها فقتلها. الثاني: الجن المعروف من غير خلاف، قال الله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، ويجوز أن تدخل الملائكة في ذلك، وقوله: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ) (١)

стр. 147

الباب السادس فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله حاء الحسنة أصل الكلمة القبول، والحسن ما تقبله النفس إذا رأته، والحسنة الخصلة التي تقبلها النفس. والإحسان ما تشتهيه النفس وتقبله، ونقيضه الإساءة، وهي التي تكرهها وتردها؛ ويقال: حسن الشيء، وهو حسن على غير الأصل، وإنما الأصل حسين كما يقال: قبح وهو قبيح، ويجوز أن يقال: حسن أحسن من حسن، ولا يقال: صدق أصدق من صدق، ولأن الحسن فاعل، والفاعل يصح في أفعل، والصدق مصدر ولا يصح في المصادر ذلك ولو لم يكن حسن أحسن من حسن لم يكن للمبالغ في قولهم: ما أحسن زيدا فائدة، ويقولون هذه الخصلة الحسنى، والمرأة الحسناء. ولا يقال في التذكير أحسن، ولا يجوز أن يوصف الله بالحسن؛ لأن الحسن حال في الحسَن ألا تراه يقبح بعد أن كان حسنا، ولا يجوز أن يكون الله محلا للأشياء، ولا يجوز أن يقال بأن الله حسن في العقل أيضا؛ لأنه لا يتصور للعقول فيحسن فيها كالحكمة والصلاح الحسن في العقول لتصوره لها. والحسنة في القرآن على خمسة أوجه: الأول: النصرة والغنيمة، قال اللَّه تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) يعني: ما كانت لهم من الدولة يوم بدر، وكذلك المعنى في هذه الآية من ......

стр. 148

سورة النساء وبراءة، وقوله قعالى: (وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) يعني: القتل والهزيمة؛ هكذا جاء في التفسير. ويجوز عندنا أن يدخل في الحسنة هاهنا جميع ما ينالهم من المحبوب، وفي السيئة جميع ما يصيبهم من المكروه. الثاني: العمل الصالح، قال اللَّه تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) وقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) والسيئة التي في هاتين الآيتين بمعنى المعصية، وقرئ: (عَشْرٌ أَمْثَالُهَا) بالإضافة أي: عشر حسنات أمثالها وقرئ: (عَشْرُ أَمْثَالِهَا) على أن أمثالها من صفة العشر. فإن قيل: كيف قال: (عَشْرُ أَمْثَالِهَا) والمثل مذكر؟ قلنا: لأنه مضاف إلى مؤنث، وهي في المعنى أيضا حسنة أو درجة فأنت على المعنى، وأراد بذكر العشر التكثير ولم يرد عشر بعينها، كما تقول: إن كلمتني واحدة كلمتك عشرا؛ وكذلك قوله: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) أراد التكثير، ولم يرد عددا بعينه، ألا ترى أنه لو زاد على السبعين لم يغفر اللَّه لهم أيضا. الثالث: الخصب والسعة، قال الله تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) يقول إن أصابهم خير وسعة وخصب نسبوه إلى الله تعالى، وإن أصابهم ضيق وقحط نسبوه إليك، وقالوا: إنما نالنا ذلك من شؤمك، ومثله قوله: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) أي: بدل الضيق بالسعة، ومثله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أي: اختبرناهم بالضيق والسعة والبلوى. والاختبار والتجربة سواء، وحقيقة معناه فعل ما يحدث معه العلم بالمبلو المختبر، ولا يجوز ذلك على الله، لأنه عالم بنفسه

стр. 149

وإنما المراد أنه يكلف عباده ويأمرهم وينهاهم، لأن الابتلاء والامتحان هو الأمر والنهي، فسمى الله تكليفه وأمره عباده ابتلاء من هذا الوجه على سبيل التوسع. ولا يجوز أن يقال [إنه يجرب عباده، وإن كان الابتلاء والتجريب] بمعنى واحد، وذلك أن استعمال الابتلاء فى الله مجاز، والمجاز لا يقاس عليه، وإنما يقاس على الحقائق، ولولا أن أهل اللغة استعملوا الابتلاء في اللَّه لم يجز استعماله فيه والعلة التي في الابتلاء ليست في التجربة وهي الاستعمال. ولو جاز القياس على المجاز لجاز أن تقول: سل الحمار وسل الشاة، وأنت تريد صاحبها، كما جاء.: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) أي: أهلها، وفي امتناع ذلك دليل على ما قلنا. الرابع: العافية والسلامة، قال اللَّه - تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) يعني: أنهم يريدون تقديم العذاب لهم في الدنيا على ما هم فيه من العافية فيها، وقوله (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ). الخامس: العفو والمعروف من القول، قال: (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) أي: يدفعون القول القبيح المؤذي بالقول الحسن مرة وبالعفو أخرى، والمعنى أنهم يتغافلون عنه فينقطع، وكأنهم دفعوه، ولو أجابوا عنه زيد فيه. وقيل: معناه أنهم يدفعون بما يعملون من الحسنات ما تقدم لهم من السيئات، قاله الزجاج، وهو غلط لأن ما تقدم لا يدفع، وإنما يقال ذلك في المستقبل، وقال تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أمره بالصفح والتغافل. والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة، و (لا) دخلت تأكيدا، و: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، أي: ادفع السيئة، ومما يلحق بما تقدم أن حد الحسن الفعل الذى يدعوا إليه العقل، وحد القبيح الفعل الذي يزجر عنه العقل، والإحسان الدفع الحسن، والإساءة الضرر القبيح

стр. 150

وكل فعل مقصود لا يخلوا من أن يكون حسنا أو قبيحا، وتدخل في الحسنة الفرائض والنوافل، ولا يدخل فيها المباح، لأن الحسنة مرغب فيها ولا يجوز أن يرغب في المباح؛ لأن ذلك قبيح، والمباح حسن وليس بحسنة

стр. 151

الحبل أصله من الإمساك، ومنه قِيل: الحابول للحبل الذي يصعد به في النخلة، والحبالة شبكة الصائد، والمحتبل الصائد، وكذلك الحابل. وهو في القرآن على وجهين: الأول: القرآن، قال اللَّه تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) أي: بكتابه، وسماه حبلا لما فيه من توكيد الحجج والبيان، كما يؤكد العهد. والحبل عند العرب العهد. الثاني: الأمان، قال الله تعالى: (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) أي: بأمان، قال الأعشى: وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلةً ... أَخَذَتْ من الأخرى إليكَ حِبالَها ......

стр. 152

ومعنى الآية أن اليهود لا يزالون مقهورين أذلاء إلا أن يأخذوا بحبل اللَّه، أي: إلا أن يكونوا ذمة للمسلمين، وعنى بالناس النبي ﵇ والمسلمين، وهنا خبر غيب، وفيه دلالة على صحة الدعوة، وقال: (مِنَ اللَّهِ) أي: عن أولياء اللَّه. ويجوز أن يكون عنى قولك لمن تعاهده إذا فعلت كذا، فأنت أمين بأمان اللَّه وأمان الرسول. وقال الفراء: أراد إلا أني يعتصموا بحبل من الله فحذف لبيان المعنى، وقال الأخفش: هذا مثل قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى) وهو استثناء خارج عن أول الكلام، وهو بمعنى لكن، وليس بأشد من قوله: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا)

стр. 153

الحسنى قد مضى القول فيها قبل. وجات في القرآن على أربعة أوجه: الأول: الخلف من النفقة في سبيل اللَّه، وهو قوله: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) ومثله قوله: (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي: بما يخلفه الله عليه في الآخرة. الثاني: الخير، قال اللَّه تعالى: (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى) أي: الخير وتأنيثها على معنى الخصلة والحلة والحال، وهي تأنيث الأحسن فإنه سمى الخير خصلة أو حلة، وقد يقع ذلك على الخير والشر، قول هذه خصلة محمودة يعني: الخير، وهذه خصلة مذمومة، يعنى: الشر. الثالث: الجنة، قال اللَّه تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) وقال: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) يعني: الجنة كذا قيل " ويجوز أن يكون المعنى: الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى العِدة الحسنة، وهم المؤمنون لأن اللَّه وعدهم أحسن العِدة

стр. 154

الرابع: الهداية، قال الله تعالى: (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى) أي: يزعمون مع قبح فعلهم أنهم على الهداية، وجاء في التفسير أن الْحُسْنَى هاهنا اليقين. والمراد تصف ألسنتهم أن لهم الْحُسْنَى بدل، أي: اليقين، وهم كاذبون في ذلك، أي: هم في شك أو شبهة وإن بدل من الكذب المعنى، وتصف ألسنتهم أن لهم الْحُسْنَى، وذلك الكذب (لا جرم أن لهم النار) رد لقولهم المعني جرم فعلهم هذا أن لهم النار، أي: الكسب، والجرم الكسب. وقال قطرب: (أنَّ) في موضع رفع، والمعنى وجب أن لهم النار، وأنهم مفرطون مقدمون للنار، وقرئ (مُفرَطُونَ) بفتح الراء مع التشديد، أي: متروكون كأنهم جعلوا مقدمين إلى العذاب متروكين فيه، وقرئ (مُفْرِّطُونَ) بكسر الراء وتشديده أي: فرطوا في الدنيا

стр. 155

الحسن على ثلاثة أوجه: الأول قوله : (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) وهي قراءة أي: حقا كذا قيل، ويجوز أن يكون المراد أن قولوا لهم قولا حسنا، وهو أولى؛ لأنه عل مقتضى اللفظ. الثاني: بمعنى المحتسب، وقال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أي: محتسبا كذا قيل، ويجوز أن يقال: إن القرض الحسَن هو للبر والصدقة التي لا مَنَّ فيها وسمي ذلك قرضا؛ لأنه قرض من المال أي: يقطع منه، والقرض القطع، ويجوز أن يكون سماه قرضا؛ لأنه يرد عليه جزاؤه، فكأنه رد عليه بعينه كالقرض يرد على المقرض. الثالث: الجنة قال الله: (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا) يعني: الجنة، ويجوز أن يكون (حسنا) أي: حسن المسموع

стр. 156

الحكمة ْأصلها المنع، يقال: أحكمت الرجل عن كذا، أي: منعته عنه، وسميت الكلمة الواعظة حكمة، لأنها تمنع عن التورط في الجهل، ومن ثَمَّ قيل: حكمة الراية، وقال جرير: أبني حَنِيْفَةَ أَحْكِموا سُفَهاءَكمْ ... إني أخافُ عليكمُ أَنْ أَغْضبا وسمي الحكم حكما؛ لأنه إذا تم منع عن التخاصم، وسمي العلم حكمة؛ لأنه يمنع صاحبه من الموارد القبيحة التي يردها الجاهل. وتسمية الله بأنه حكيم على وجهين: أحدهما: يستحقه لذاته، وهو أنه عالم. والآخر: يستحقه لفعله، وهو أن أفعاله محكمة، وفعيل بمعنى مفعل معروف في اللغة، يقال: سمع بمعنى سمع، قال عمرو بن معدي كرب: أمن ريحانة الداعي السميع ومجيء فعيل بمعنى مفعل، وفي القرآن: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) وبصير بمعنى مبصر، وهذا من الأول. والحكمة في القرآن على خمسة أوجه: الأول: الحلال والحرام والسنن والأحكام، قال اللَّه: (وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ) فالكتاب القرآن، والحكمة ما فيه من وجوه التحليل والتحريم ومعرفة الشريعة كلها، والدليل على صحة ذلك أنه أتى بذلك بعد بيان الأحكام، ......

стр. 157

وشرح الحلال والحرام، وسمي ذلك حكمة؛ لأنه يمنع من الوقوع في المحظور، ومثله: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). الثاني: الفهم والعلم، قال الله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) وقال: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) يعنى الحكمة، وهو الفهم والعلم والحكمة والحكم سواء، وهو مثل العذر والعذرة، والقل والقلة، والنحل والنحلة، وهي العطية والخير والخيرة. ومثله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) يعني: الفهم، وقال: (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) ويجوز أن يكون الحكم هنا القضاء، أي: جعله قاضيا بين الناس، وقال: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) أي: علمناه الخط، يقال: كتب كتابا، والحكمة: ما أجري على لسانه من الكلم الداعية إلى الرشد الزاجرة عن الغي، وقيل: الحكمة هنا الشرائع. الثالث: النبوة، قال: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) يعني: النبوة، ومثله: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) يعني: النبوة، والفصل الذي ينفصل به بين المتخاصمين، وقيل: فصل الخطاب هو أما بعد وداود أول من قاله، والأول الوجه. ومثله: (وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) أي: النبوة، أي: آتى الله داود الملك والحكمة بعد قتل جالوت، فدل على أن ملك جالوت انتقل إلى داود بعد قتله جالوت أو بعد موت طالوت. الرابع: تفسير القرآن، قال: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) قالوا: يعنى العلم بتفسير القرآن، ويجوز أن تكون الحكمة القرآن نفسه، ومصداق ذلك قوله تعالى: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ). ويجوز أن تكون النبوة والشاهد قوله: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) ويجوز أن يكون العلم والأصالة كقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ......

стр. 158

الْحِكْمَةَ) وجماع الحكمة، والحكم الرد إلى الصواب فكل ما رد إلى الصواب حكمة وحكمه التامة من ذل؛ لأنَّهَا ترد فى القصد. الخامس: القرآن، قال: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) يعني القرآن ونظيره: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ويجوز أن يكون المعنى في قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) القرآن، وغيره من الكلم المرشدة الزاجرة، وكل ذلك تسمى حكمة

стр. 159

الحشر أصل الحشر الجمع مع السوق، قال الله تعالى: (وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) أي: رجالا يجمعون السحرة إليك، ويقال: حشرت القوم إذا جمعتهم وسقتهم، ويجوز أن يكون أصله من الخفة كأن الذي تحشره يخف لك، ولهذا قيل: إذن حشرة، أي: حقيقة، وسهم حشرات خفيف، وحشرات الأرض صغار دوابها، وناقة حشور ملززة الحلق، وقيل: المنتفخة الجنين العظيمة البطن كأنها من الأضداد. وفسر الحشر في القرآن على وجهين: الأول: الجمع، قال الله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) أي: نجمعهم، قال: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) ومثله: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) أي: جمعت، وقوله: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ)، وقال: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) ولا يكون هذا بمعنى السوق، لأنه يقال: (وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)

стр. 160

يعني: الأصنام، والأصنام لا تساق، ولكن يجمع على أنه يقال في الجماد والأغراض السوق عل سبيل المجاز. الثاني: السوق، قال الله؛ (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) أي: نسوقهم، وقال: الأول الحشر يعني: سوقهم إلى الشام، وجعله أولا لأن الناس يحشرون إلى الشام يوم القيامة، أي: يجمعون ويساقون، وهؤلاء بنو النضير، أخرجهم اللَّه من ديارهم [واغتنمها] النبي ﷺ وقيل لأول الحشر، أي: هو أول ما حشروا: (وَأُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم) وهذا أصح وأقرب

стр. 161

الحق الحق: العقد على المعنى على ما هو به، ويدعوا إليه الحكمة، والحق في الدين ما شهد به الدليل على الثقة فيما طريقه العلم والقوة فيما طريقه غالب الظن. والحق أعم من الأصلح، لأن الأصلح حق [والأدون في الصلاح حق]، ومعنى الحق وقوع الشيء في موقعه. والصلاح: استقامة الشيء على مقدار، وأصله من الثبات، ويقول: تحققت الشيء، أي: ثبت عندي، وهنا حقك؛ لأنه قد ثبت لك ملكه، والحق من الإبل الذي يثبت للعمل. والحق خلاف الباطل؛ لأنه يثبت، والحق في أسماء اللَّه تعالى بمعنى أنه الدائم الثابت الملك غير زائل السلطان، وأنا أحق بكذا، أي: هو أثبت لي، وفي القرآن: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ) وقال: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ). وفسر الحق في القرآن على عشرة أوجه: ......

стр. 162

الأول: يعني: به الله تعالى، قال: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ) قالوا: معناه لو اتبع الله أهواءهم، ويجوز أن يكون الحق هاهنا هو الحق في قوله تعالى: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ) (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ) أي: لو كان التنزيل بما يحبون لفسدت الأمور، وفسر قوله أيضا: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) أي: أن الله واحد، وهذا بعيد، والصحيح أن بعضهم يوصي بعضا باستعمال الحق وترك تجاوزه. الثاني: القرآن، قال الله: (حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ) يعني: القرآن قالوا: هذا سحر، وإنما سموه سحرا لخفاء مسلكه عندهم، وقال: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ) وقال: (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى) أولم يكتفوا من الدلالة بالقرآن مع عجزهم عنه فطلبوا مثلا آيات موسى فأخبرهم أنهم مع تلك الآيات أيضا كفروا على الحجة في القرآن أبلغ منها في قلب العصا حية؛ لأن التحدي بالقرآن قد وقع على قوم كان صناعتهم الكلام. وكان السحر في أيام موسى ﵇ في القليل من الناس كهو فينا اليوم، ولأن القرآن يبقى على الأيد ويقف عليه في الأطراف، من لا يقف على أمر للعصا إلا بالإخبار. الثالث: الإسلام، قال الله تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) يعني: مجيء الإسلام وذهاب الشرك، والزهوق الهلاك، وقال: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ) أي: ثبت الإسلام ويزيل الشرك. الرابع: العدل، قال الله: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) أي: جزاءهم العدل: (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) وقربت منه: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ) أي: [بالمعجِز]، ويجوز أن يكون [الحق] عنى بالصدق، ويجوز أن يكون الحق هاهنا خلاف الباطل؛ لأنه قال: (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) على حسب ما تقول: الحق مر

стр. 163

الخامس: الصدق، قال الله: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) أي -: صدقا، وقال: (قَوْلُهُ الْحَقُّ) يعني: الصدق. السادس: حق بمعنى وجب، قال اللَّه: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) أي: وجب،: (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) يعني: وجبت. السابع: الحق خلاف الباطل قال الله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) أيْ: للحق.، يقول: ليعمل فيها بالحق دون الباطل، وفيه دليل على بطلان قول المجبرة. الثامن: قوله تعالى: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) أي: مولاهم على الحقيقة. التاسع: بمعنى الدَّين، قال: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) أي: الذي عليه الدَّين، وإنما يملي الذى عليه الحق؛ لأنه مشهود عليه وإملاؤه إقراره تشهد به عليه،: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) أي: ليتق عذاب الله ولا ينقص مما عليه شَيْئًا. وفي هذا دلالة على أن القول قول المطلوب فيما يقر به، لأن البخس النقصان، وقد وعظه اللَّه أن ينقص فدل علي أنه إذا بخس، أو ذكر الزيادة أو نقص الأجل أن القول قوله فيه. وكذلك قوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) لما وعظهن الله في الكتمان، دل على أن القول قولهن في الحمل،: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) أي: فإن كان ضعيف العقل أو عييا لا يستطيع الإملاء، أملى وليُّه، يعني: ولي الصغير والضعيف العقل

стр. 164

والمراد بالإملاء الإشهاد على نفسه بما حصل على الصغير، والضعيف العقل لولايته عليهما؛ لأن الشهادة لا تقع إلا على العاقل، والشاهد على أنه أراد بالإملاء الإشهاد إجماع الأمة لو أملى غيره الكُتَّاب جاز. العاشر: بمعنى الحظ، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) أي: حظ، وإنما جعله حقا؛ لأنهم أوجبوه على أنفسهم، فصار كالدَّين. وأما قوله: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ) فمعناه أنه لا ننزل الملائكة إلا بوحي أو بأجل، وكلاهما حق،: (وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) أي: لو نزل الملائكة لم يمهلوا وانقطع التوبة، فلم يقبلوا، والفرق بين الإنظار والإمهال أن الإنظار مقرون بمقدار ما يقع فيه النظر، والإمهال مبهم

стр. 165

الحساب أصل الحساب في العربية الكفاية، يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني، وحسبي الله، أي: كافيني الله، وفي القرآن: (عَطَاءً حِسَابًا) أي: كافيا،: (حَسْبُكَ اللَّهُ) أي: هو العالم لفعلك، ومجازاتك عليه. وقيل: الحسيب المقتدر، وقِيل: الحسيب الكافي، ومعناه كافي إياك الله، وقيل: الحسيب المحاسب كما يقال للمحاظ الحفيظ، وللشارب الشريب، وفي القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ) أي: كافيك اللَّه، وسمي الحساب حسابا لأنك تكتفي به من وكيلك ومعاملك، ولا تطلب شيئا بعده. وهو في القرآن على عدة أوجه: الأول: الجزاء، قال الله: (إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي) أي: جزاؤهم، وقال: (إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) ......

стр. 166

جاء في التفسير أنه أراد بهاتين الآيتين الجزاء، وكذلك قالوا في قوله تعالى: (فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) أي: جزاؤه. والأجود أن يفسر على الوجه المعروف، فيقال: أراد أن عليك أن تبلغهم، وعلينا أن نحاسبهم، وفي هذا تهديد شديد، وهو أيضا يرجع إلى معنى الجزاء، لأنه إذا حاسبهم جازاهم. الثاني: الحساب المعروف، قال: (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) وأراد بالحساب هاهنا عدد الأيام والأعوام، ومدد الأعمار والآجال والديون، وغير ذلك مما يجري مجراه. ولم يعن حساب الأموال وما بسيلها، وقال: (سَرِيعُ الحِسَابِ) ومعنى ذلك أنه إذا أراد حسابهم لم يتعذر عليه، وفي هذا دليل على أنه ليس بجسم؛ لأن الجسم يتعذر عليه حساب الجماعات الكثيرة في حال واحدة. وقيل الحساب أن تأخذ ما لك، وتعطي ما عليك، والله تعالى قد أحصى الأعمال؛ فهو يجازي عليها من غير تعذر ولا إطالة. الثالث: بمعنى الكافي، قال الله: (عَطَاءً حِسَابًا) أي: كافيا على ما ذكرنا. ووجه رابع: وهو قوله: (يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) قال المبرد: المراد أنه يتجاوز بهم جد ما فعلوا، وعندنا أن هذا موضوعه للكثرة، يقال: أعطاه بغير حساب، أي: أعطاه كثيرا، وذلك أن الحساب للإحاطة والحصر؛ وكأنه قد أعطاه عطاء لا يحصر كثرة، ومثله قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ويجوز أن يكون تفضل عليه، بغير استحقاق، والتفضل غير محسوب

стр. 167

الحياة أصلها من الطراة والجدة، ومن ثم قيل: والشمس بيضاء حية، أي: باقية على حالها غير [حائلة] اللون، وسمي الحياء حياء؛ لأن اللون يحمر معه، والحمرة لون الحياة؛ وسمي الحي من القرب؛ لأن بعضهم يجيء مع بعض، وسميت الحية حية؛ لأنها لا تموت حتى تقتل وإلا فهي حية أبدا تكبر إلى أن تنتهي ثم تبتدئ فتصغر حتى ننتهي ثم تكبر وكذلك أبدا إلى أن يصاب هكذا قالوا، وأنشدوا: داهِية قد صَغُرَت مِنَ البكرِ والحياة في القرآن على ستة أوجه: الأول: تمييز الصورة ونفخ الرُّوح قال: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) أي: كنتم نطفا فميز صورتكم، ونفخ فيكم الروح كذا قيل، ويجوز عندنا أن يكون أراد أنكم كنتم نطفا أمواتا فجعلكم أحياء. وليس في الكلام دلالة على أنه أراد تمييز الصورة. وسمي النطف أمواتا؛ لأن كل ما ينفصل من الإنسان سمي ميتا مثل النطفة والدم وما بسبيلهما ونحوه،: (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) وقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) قالوا: معناه يخرج الحيوان من النطفة والطائر من البيضة، وقيل: يخرج المؤمن من ......

стр. 168

الكافر، ويجوز أن يكون أراد أنكم كنتم ترابا فجعلكم أحياء، والجماد قد تسمى ميتا على جهة التوسع؛ لأنه عدم الحس والحركة .. الثاني: محي الحي بمعنى العاقل العارف، قال الله: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا) ونحوه قول الشاعر: لقد أَسْمَعْتَ لو نادَيْتَ حَيَّاً ... ولكنْ لا حياةَ لمَنْ تُنادي أي: لو تنادي عاقلا، والمراد أنه لا يستعمل عقله، ولو لم يكن له عقل أصلا لم يكن مكلفا. الثالث: الحي بمعنى المهتدي، قال الله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) أي: كافرا فهديناه ونحوه قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) معناه لا يستوي المؤمن ولا الكافر، فأخرج ما لا يقع عليه الحاسة إلى ما يقع عليه الحاسة، كما قال: (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) وما كان مجري هذا المجرى، وهو أعظم في البيان؛ لأن العيان فضلا على ما سواه. الرابع: الحياة بمعنى البقاء، قال: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) يعني: أن من يعرف أنه إذا قتل اقتُصَّ منه كفَّ عن القتل فبقى

стр. 169

والمراد أنه يبقى حيًّا فحقيقة المعنى أن لكم في القصاص بقاء حياة ونحوه،: (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) أي: يستبقونهن فتضاعف المحنة عليكم ببقاء النساء مع فناء الرجال، واستحياه واستبقاه بمعنى واحد فاستبقاه طلب بقاءه، واستحياه طلب حياته، ولا يستبقيه إلا وهو يستحييه، ولكن لفظ الاستبقاء أكثر في الاستعمال فلأجل هذا فسروا الاستحياء بالاستبقاء، أخرجوا الأغمض إلى الأشهر. الخامس: مثل قال الله: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). أي: من استنقذها من الضلال أو أغاثها من المكروه فإنه أحيا الناس جميعا، أي: أجره أجر من أحيا الناس جميعا وأجر من يحيي الناس جميعا يتضاعف على قدر ذلك، ويجوز أن يكون معناه أنه قد أسدى إلى كل واحد منهم يدا بإحيائه أخاه المؤمن؛ فكأنه أحياهم كما تقول للرجل يسدي إليك يدا قد أحييتني، وإن كان لا يقدر على ذلك. السادس: الحياة بعد الموت، قال: (وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) وقال: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى)

стр. 170

حين ْالحين يقع على كل شيء من الأوقات قصير وطويل، ويكون محدود أو غير محدود، وأصله من القرب، ومنه حان الشيء إذا قرب، والحائن الذي قرب أجله، والاسم الحسن. والحسن في القرآن على أربعة أوجه: الأول: السَّنَة، قال: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) أي: كل سنة، هذا قول بعض الفقهاء، وإليه ذهب مقاتل. وذهب الكوفيون إلى أن الحين هنا ستة أشهر، وهو من أوان الطلع إلى وقت الصَّرام، قالوا: فمن حلف لا يكلم فلانا حينا، فهو ستة أشهر، لأنه قد علم أنه لم يرد أقصر الأوقات ومعلوم أنه لم يرد أربعين سنة؛ لأن من أراد ذلك حلف على التأبيد دون التوقيت ثم كان قوله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) لما اختلف السلف فيه كان أقصر الأوقات فيه ستة أشهر. أولها أوان الطلع وآخرها وقت [الصرام]، وهو أولى من اعتبار السَّنة؛ لأن وقت الثمرة لا يمتد سنة،. بل ينقطع حتى لا يكون منه شيء، وأما الشهران فلاَ معنى لاعتبارهما إذ قد علم أن الزمان بين صرام النخل، وبين ظهور الطلع أكثر من شهرين فلما بطل اعتبار السنة واعتبار الشهرين ثبت اعتبار السنة إلا شهر. الثاني: منتهى الآجال، قال اللَّه: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) وقال: (وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)

стр. 171

الثالث: قال اللَّه: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) ثم قال: (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) يعني: ساعة غروب الشمس، وساعة طلوعها، وساعة الظهر، وأراد بالتسبيح هاهنا، وجوب الصلاة في هذه الأوقات. الرابع: زمان غير مؤقت، قال اللَّه: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) وكان المراد به ما كان ببدر من الدبرة على الكفار، فلم يؤقت في وقت الإنزال، وقوله: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)

стр. 172

الحرج أصل الحرج من الضيق، ومكان حرج ضيق، والحرجة الشجر الملتف. وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الشك، قال اللَّه تعالى: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) أي: شكًّا، وذلك أن الرجل يضيق بالشك صدرا، والثلج هو مع العلم واليقين، ومثله: (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) المخاطبة له والمعنى لأمته، ﷺ كما قال في موضع آخر،: (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ). وقوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وليس كل ما خاطب به النبيين والمؤمنين أرادهم به، ألا ترى إلى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) والقصاص في العمد فكأنه أثبت لهم الإيمان مع قتل العمد، وقيل العمد يبطل الإيمان، وإنما أراد أن يعلمهم الحكم فيمن يستوجب ذلك، ونحوه قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا). الثاني: الضيق، قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي: - من ضيق، وقيل: من ضيق لا مخرج منه، وذلك أنه يتخلص من الذنب بالتوبة، فالتوبة مخرج

стр. 173

وليس في الإسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من عقوبته، ويحتج به فيما اختلف فيه من الحوادث، قيل: إن ما أدى إلى الضيق وهو مفي، وما أوجب التوسعة فهو أولى، وقال: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) والمعنى أنه تعالى يمنعهم الطاعة التي يشرح مع أمثالها قلوب المؤمنين جزاء بما قدموا من الذنوب، ودليل ذلك قوله في آخر الآية: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) فيحلهم الذنب كما تسمع. الثالث: الإثم، قال الله: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) أي: إثم، وقوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ) وإذا لم يكن عليه مع العمى إثم، فكيف يكون مع عدم القدرة عليه الإثم والعقاب. وقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: إن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وعميانهم في بيوتهم، ودفعوا إليهم المفاتيح، وقالوا لهم: أحللنا لكم أن تأكلوا منها؛ فكانوا يتحرجون من ذلك فنزل قوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ). وذهب أبو علي ﵀ إلى أن معنى قوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ) أنه ليس عليه ضيق في ترك القتال، والصحيح الذي قلنا، والدليل على ذلك قوله: (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) فتلى ذكر الأكل بذكر الأكل، وليس بالوجه أن يتلو ذكر الحرب بذكر الأكل

стр. 174

حتى حتى بمعنى الغاية تقارب إلى، وهي من عوامل الأسماء خاصة، فإذا وقع بعده الفعل أضمرت بينهما أن، فتكون أن - مع الفعل اسما، كقولك: أسير حتي تمنعني، ويرتفع بعدها الفعل أيضا؛ وإن ارتفع فهو خبر لمحذوف، وذلك قولك: مرض حتى تمر به الطائر فترحمه، كأنَّه قال: حتى أنه هذه حالة، ويكون أيضا بمعنى كم فينصب، كقولك: أطع الله حتى يدخلك الجنة، ويرتفع الفعل بعده، فيقول: سرت حتى أدخلها؛ أي: كان مني سير فدخول، أي: أنا في حالة دخول اتصل به سير ونحوه، فإن المبدئ رحلة. فركوب. ولها في الرفع موضع آخر، وهو قولك مرض حتى لا يرجونه، أي: هو الآن كذلك، ويقع الاسم بعد ما مرفوعا ومنصوبا ومجرورا، تقول: ضربت القوم حتى زيد زيد وقدم القوم حتى المشاة، وأكلت السمكة حتى رأعسها، وينشد: ألْقَي الصحيفَة كي يخفِّفَ رَحْلهُ ... والزَّادَ حَتَّى نعْلُه أَلْقَاهَا نصبوا نعله وخفضوها ورفعوها فمن نصب " جعلها - بمنزلة الواو على قولك: ضريت زيدا وعمرا كلمته. ومن رفع فعلى قولك: ضربت زيدا وعمرو كلمته، ومن خفضها فعل قولك: غاية بمنزلة، أي: إلى أن أنتهي إلى نعله. وكذلك القول في أكلت السمكة حتى رأسها، ورأسها، ورأسها، والكلام فيه يطول. وحتى في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى إلى، قال تعالى: (تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ) أي: إلى حين، وقال: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) أيْ: إلى حين، وقال: (حَتى مَطلَع الفَجرِ). الثاني: بمعنى فلما، وذلك إذا وقعت مع إذا، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) وقال (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) ......

стр. 175

وقال: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ) وقال: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا). الثالث: بمعنى إلى أن، قال تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ) كذا جاء عن أهل التفسير فينبغي أن يحمل هذه الوجوه على الأصول التي ذكرناها في أول الباب؛ فيصح

стр. 176

الحرام أصله المنع، ومنه حرمته عطاءه حرمانا أي: منعته إياه وحريم الرجل ما يجب عليه منعه وكذلك حرمته، وهو ذو رحم محرم، لأنه منع عن نكاحها بالنهي والشهر الحرام الممنوع فيه عن سفك الدماء، والبلد الحرام قربت من ذلك. وجاء في القرآن على وجهين: الأول: المنع بالنهي، وهو قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) وهي ما قد مات من غير تذكية مما شرط علينا التذكية وإباحته، والدم يعني: المسفوح. لأن الكبد والطحال مباحان بالإجماع " ولحم الخنزير، وذكر اللحم وأراد جميع أجزائه من شحم وعظم، وغير ذلك؛ لأن اللحم معظمه، وإذا ذكره فقد دخل فيه غيره،: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) وهنا يوجب أن ترك التسمية عليه يقتضي تحريمه؛ لأنه لا فرق بَين التسمية عليه وبين تسمية زيد عليه. الثاني: عدم الإمكان وهو قوله تعالى: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً) ودليل هذا قوله: (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) ونظيره قول الشاعر: إني امرؤٌ صَرعِي عليكَ حَرَام يخاطب فرسه أي: لا يمكنك صرعِي إني جيد الفروسية

стр. 177

الباب السابع فيما جاء من الوجوه والنظائر وفي أوله خاء الخزي العيب التي تظهر فضيحته ويلزم الاستحياء منه، ومن ثم سمي الحياء خزاية، يقال خزى يخزي خزيا من العيب، وخزى يخزي خزاية من الاستحياء ثم كثر حتى استعمل في الهوان، فيقال: خزى الرجل، إذا هان وذل. وهو في القرآن على أربعة أوجه: الأول: بمعنى القتل والجلاء، قال الله: (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ) وإنما سمي خزيا لما فيهما من الهوان يعني: قتل قريظة، وجلاء النضير، وقال تعالى: (لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) وفي الحج: (لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) يعني: القتل يوم بدر هكذا جاء في التفسير، ويجوز أن يكون الخزي في هذه الآيات الهوان والذل يلحق العاصين في الدنيا. الثاني: العذاب، قال الله: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) يعني: العذاب لا غير، وجاء في تفسير قوله (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) وقوله: (وَلا تُخزِنَا يَومَ القِيَامَةِ) ......

стр. 178

وقوله: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ) أنه أراد العذاب، ويجوز أن يكون بمعنى الهوان أيضا. الثالث: الهوان، قال تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) أي: أهنته: وقوله: (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) أي: يهينهم، وذلك أن اليهودَ أنكروا قطع المسلمين [نخيلهم]، فأخبر الله أن القطع والترك بإذن الله [لميزوا غيرهم يتصرفون في أفعالهم فبدلوا]. الرابع: الفضيحة، قال اللَّه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ) أي: لا تفضحوني

стр. 179

الخوف الخوف خلاف الأمن، والأمن سكون النفس والخوف انزعاجها وقلقها، وهو معنى غير العلم؛ لأن العلم يبقى بعد ذهاب الخوف. وأصله من النقصان، ومنه قيل: خوفت الشيء إذ أنقصته، ودينار مخوف ناقص الوزن، وقد يجيء الخوف بمعنى العلم، قال الله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) وكذلك الخشية بمعنى العلم، قال الله: (فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) وقالوا: الخوف كالظن يكون شكا ويقينا، وأنشد: أخافُ إِذَا مَا مت ألا أذوقهَا أي أعلم، وموضعه في الظن قولك لصاحبك قد أبق غلامك، فيقول: قد خفت ذاك، ويجوز أن يكون هذا من الخوف خلاف الأمن. والخوف في القرآن على خمسة أوجه في زعم بعض المفسرين: الأول: القتل، وهو قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) يعني: القتل، وليس بالوجه لأن قوله: (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ) قد تضمن القتل، ولكن معناه الخوف على الأنفس لكثرة الأعداء، وذلك كان حال أهل المدينة بعد الهجرة، وهم مخاطبون بهذه الآية. الثاني: الحرب، قال الله: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ)، يعني: الحرب، وسماها خوفا لما فيها من الخوف كما تسمى الحرب روعا لما فيها من الروع، والروع والخوف سواء

стр. 180

الثالث: العلم، قال الله: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا) أي: علم، وقد تكلمنا في هذه الآية. ومثله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) أي: فإن علمتم، وأول الآية: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) يعني: أن المهر الذي استحل به الرجل فرجها؛ لا يحل له أن [يأخذ] مهرها على الكره، ولا على سبيل الإلجاء لها إلى دفعه إليه ليتخلص منه؛ إلا أن يكون الرجل على حال لا تصبر المرأة عليها، فتفتدي منه بمهرها وله أن يأخذ ذلك منها، ويسرحها. وقيل: لا يحل لكم إذا أردتم طلاقهن أن تضاروهن حتى تفتدين أنفسهن بترك مهورهن: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) فيما يجد لكل واحد منهما على الآخر، وقيل: يعني: في النشوز؛ لأنَّهَا إذا نشزت لم يكن على الرجل جناح في أخذ ما افتدت به نفسها منه ليطلقها، وفي النساء: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا) ومثله: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ). الرابع: الخوف بعينه، قال اللَّه: (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وقال: (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا) وقوله: (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) وقوله: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا). الخامس: التخوف، وليس هذا بابه، وهو التنقص، قال: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) أي: تنقص أموالهم وثمارهم حتى يهلكهم
следующие страницы →