← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37586

الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري - معتزلي

أبو هلال العسكري

Полный текст (483 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الحرام أصله المنع، ومنه حرمته عطاءه حرمانا أي: منعته إياه وحريم الرجل ما يجب عليه منعه وكذلك حرمته، وهو ذو رحم محرم، لأنه منع عن نكاحها بالنهي والشهر الحرام الممنوع فيه عن سفك الدماء، والبلد الحرام قربت من ذلك. وجاء في القرآن على وجهين: الأول: المنع بالنهي، وهو قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) وهي ما قد مات من غير تذكية مما شرط علينا التذكية وإباحته، والدم يعني: المسفوح. لأن الكبد والطحال مباحان بالإجماع " ولحم الخنزير، وذكر اللحم وأراد جميع أجزائه من شحم وعظم، وغير ذلك؛ لأن اللحم معظمه، وإذا ذكره فقد دخل فيه غيره،: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) وهنا يوجب أن ترك التسمية عليه يقتضي تحريمه؛ لأنه لا فرق بَين التسمية عليه وبين تسمية زيد عليه. الثاني: عدم الإمكان وهو قوله تعالى: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً) ودليل هذا قوله: (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) ونظيره قول الشاعر: إني امرؤٌ صَرعِي عليكَ حَرَام يخاطب فرسه أي: لا يمكنك صرعِي إني جيد الفروسية

стр. 177

الباب السابع فيما جاء من الوجوه والنظائر وفي أوله خاء الخزي العيب التي تظهر فضيحته ويلزم الاستحياء منه، ومن ثم سمي الحياء خزاية، يقال خزى يخزي خزيا من العيب، وخزى يخزي خزاية من الاستحياء ثم كثر حتى استعمل في الهوان، فيقال: خزى الرجل، إذا هان وذل. وهو في القرآن على أربعة أوجه: الأول: بمعنى القتل والجلاء، قال الله: (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ) وإنما سمي خزيا لما فيهما من الهوان يعني: قتل قريظة، وجلاء النضير، وقال تعالى: (لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) وفي الحج: (لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) يعني: القتل يوم بدر هكذا جاء في التفسير، ويجوز أن يكون الخزي في هذه الآيات الهوان والذل يلحق العاصين في الدنيا. الثاني: العذاب، قال الله: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) يعني: العذاب لا غير، وجاء في تفسير قوله (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) وقوله: (وَلا تُخزِنَا يَومَ القِيَامَةِ) ......

стр. 178

وقوله: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ) أنه أراد العذاب، ويجوز أن يكون بمعنى الهوان أيضا. الثالث: الهوان، قال تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) أي: أهنته: وقوله: (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) أي: يهينهم، وذلك أن اليهودَ أنكروا قطع المسلمين [نخيلهم]، فأخبر الله أن القطع والترك بإذن الله [لميزوا غيرهم يتصرفون في أفعالهم فبدلوا]. الرابع: الفضيحة، قال اللَّه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ) أي: لا تفضحوني

стр. 179

الخوف الخوف خلاف الأمن، والأمن سكون النفس والخوف انزعاجها وقلقها، وهو معنى غير العلم؛ لأن العلم يبقى بعد ذهاب الخوف. وأصله من النقصان، ومنه قيل: خوفت الشيء إذ أنقصته، ودينار مخوف ناقص الوزن، وقد يجيء الخوف بمعنى العلم، قال الله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) وكذلك الخشية بمعنى العلم، قال الله: (فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) وقالوا: الخوف كالظن يكون شكا ويقينا، وأنشد: أخافُ إِذَا مَا مت ألا أذوقهَا أي أعلم، وموضعه في الظن قولك لصاحبك قد أبق غلامك، فيقول: قد خفت ذاك، ويجوز أن يكون هذا من الخوف خلاف الأمن. والخوف في القرآن على خمسة أوجه في زعم بعض المفسرين: الأول: القتل، وهو قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) يعني: القتل، وليس بالوجه لأن قوله: (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ) قد تضمن القتل، ولكن معناه الخوف على الأنفس لكثرة الأعداء، وذلك كان حال أهل المدينة بعد الهجرة، وهم مخاطبون بهذه الآية. الثاني: الحرب، قال الله: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ)، يعني: الحرب، وسماها خوفا لما فيها من الخوف كما تسمى الحرب روعا لما فيها من الروع، والروع والخوف سواء

стр. 180

الثالث: العلم، قال الله: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا) أي: علم، وقد تكلمنا في هذه الآية. ومثله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) أي: فإن علمتم، وأول الآية: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) يعني: أن المهر الذي استحل به الرجل فرجها؛ لا يحل له أن [يأخذ] مهرها على الكره، ولا على سبيل الإلجاء لها إلى دفعه إليه ليتخلص منه؛ إلا أن يكون الرجل على حال لا تصبر المرأة عليها، فتفتدي منه بمهرها وله أن يأخذ ذلك منها، ويسرحها. وقيل: لا يحل لكم إذا أردتم طلاقهن أن تضاروهن حتى تفتدين أنفسهن بترك مهورهن: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) فيما يجد لكل واحد منهما على الآخر، وقيل: يعني: في النشوز؛ لأنَّهَا إذا نشزت لم يكن على الرجل جناح في أخذ ما افتدت به نفسها منه ليطلقها، وفي النساء: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا) ومثله: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ). الرابع: الخوف بعينه، قال اللَّه: (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وقال: (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا) وقوله: (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) وقوله: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا). الخامس: التخوف، وليس هذا بابه، وهو التنقص، قال: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) أي: تنقص أموالهم وثمارهم حتى يهلكهم

стр. 181

الخسران أصله النقصان، ومنه قيل للتاجر: إذا وضع أنه خسر ثم كثر حتى، قيل لكل من سعى في شيء فأداه إلى مكروه خاسر، وقيل: الخسران الضلال. وهو في القرآن على أربعة أوجه: الأول: بمعنى العجز، قال الله: (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ) أي: عجزه، ومثله قوله: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) وقال: (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ). الثاني: بمعنى الغبن، قال: (إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) أي: غبنوا فصاروا إلى النار، وأصل الخسران ذهاب رأس المال، فلما كانت النفس بمنزلة رأس المال وما يستفيده بعد ذلك بمنزلة الربح، قال للهالك الذي خسر نفسه؛ لأنه بمنزلة من ذهب منه رأس المال. الثالث: الضلال، قال: (فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) أي: ضل ضلالا بينا، ويجوز أن يكون بمعنى الحرمان، أي: حرم الثواب كما إذا حرم الربح، فقد خسر، وقال: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: في ضلال. الرابع: النقصان، قال: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ) أي: الناقصين في الكيل والوزن، وقال جرير: إنَّ سَليطاً في الخسار إنَّهْ ... أولادُ قومٍ خُلِقوا أَقِنَّهْ أي: فيما ينقصهم حظهم من الشرف

стр. 182

الخلق أصله التقدير، وكل مقدر مخلوق، وفي كلام بعضهم لا أخلق إلا فريت ولا أعد إلا وفيت، واختلق الكلام إذا زوره وقدره، ورجل مختلق، حسن القامة، قد قدر تقديرا جميلا وشيء أخلق أملس لأنه أحسن تقديرا من [الأخشن]. والخليقة خليقة الإنسان، وهو خليق لهذا أي: شبيه، وامرأة خليقة ذات جسم وخلق، وقد خلقت خلاقة، وليس له: خلاق.، أي: نصيب، وثوب خلق وأخلاق وخليقا الجبهة مستواها، ولا نعرف الخلق في أفعال الإنسان إلا في الأديم، ولا يجوز إطلاق اسم الخالق في غير تقييد إلا للَّه تعالى. والخلق في القرآن على ستة أوجه -: الأول: الدِّين، قال: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) أي: لدِينه، والشاهد ذلك قوله: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) واللفظ خبر، والمعنى أمر، أي: لا تبدلوا دين اللَّه، وقال: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) معناه أنههم يغيرون دين الله. لأن الله خلق الخلق على الفطرة، فمن كفر فقد غير ما خلق له، وهو مثل قوله: (لا تَبدِيلَ لخلقِ اللهِ) أي: لدِينه، ويجوز أن يقال: إن الدين سمي خلقا؛ لأن الله قدره وبينه، ويجوز أن يقال إنه دخل في قوله: (لَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) جميع ما حرموه مما أحل الله أو أحلوه مما حرم الله، ألا ترى إلى قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) ثم ......

стр. 183

قال للذين يأتون الرجال: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ) وقيل: لا تغيروا الدين عن صحته. والمراد أنه خلق الأنعام ليركبوها، ويأكلوها، فحرموا على أنفسهم ذلك، أي: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وخلق الشمس والقمر والأرض والحجارة مسخرة للناس فعبدوها، وقيل: تغيير خلق الله ...... الثاني: التخرص، قال الله: (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) وقال: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) وقال: (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ) فسمي الكذب اختلاقا؛ لأنه يقدر ويزين ليتشبه بالصدق. الثالث: التصوير، قال الله: (أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) أي: [يصوره]. الرابع: على قول بعض المفسرين النطق، قال اللَّه: (وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) قال: أنطقكم،: الوجه عندي، وهو خلقكم أول مرة: ناطقين فحذف لما في أول الآية من ذكر النطق. الخامس: الجعل، قال: (وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ) والجعل هاهنا الفعل. السادس: البعث، قال: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) أي: على أن يبعث

стр. 184

الخطأ يقال: أخطأ الرجل إذا عمد الصواب، فأصاب غيره، وخطئ يخطأ إذا فعل الخطأ على عمد، والاسم من الأول الخطأ، ومن الثاني [الخطء]، وفي القرآن: (كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) وعند كثير من أهل اللغة أن الخطأ والخطء سواء. والإخطاء يكون حسنا وقبيحا، وذلك أن الإنسان إذا رمي في محظور، فعمد الإخطاء، كان ذلك حسنا، وكذلك الإصابة يقع حسنه وقبيحه كالإنسان يصيب في المحظور فتكوان إصابته قبيحة، ولا يكون الصواب إلا حسنا؛ لأن الصواب اسم لما وقع على وجهه وحقه، والخطء أكثر في القراءة. والخطأ أفشى في كلام الناس، ولم يجئ الخطء في شيء من الشعر، إلا في بيت واحد وهو قول الشاعر: الخِطأ فَاحشة وَالبِر نَافلَةْ ... كعَجوة غرِست في الأرض تُؤتبر وقال أبو عبيدة: خطئت وأخطأت لغتان فمن قال: خطئت جعل الخطأ مصدرا، والخطء اسما. ومن قال: أخطات جعل الخطأ والخطء اسمين، والأخطاء المصدر. وقال المبرد: الخطأ اسم مفرد كالإثم " والخطيئة الذنب. قال أبو عبيدة: يكون الخطأ ما لم تتعمد، وليس هذا موضعه، يعني: الآية التي في بني إسرائيل، وأنشد: وإنَّ مهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاه ... غداتئذٍ لقد خَطِئا وحابا ......

стр. 185

خطئا: ركبا ذنبا، وحاب من الحوب، وهو الذنب المزجور عنه مأخوذ من قولهم في زجر الإبل [حَوْبِ حَوْبِ]. وجاء في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الذنب المتعمد دون الشرك، قال: (اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ). الثاني: الشرك، قال: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) أي مشركين. الثالث: ما لم يتعمد من الذنوب، قال تعالى: (لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً). وقيل: هو استثناء منقطع، كأنَّه قال: لكن إن فتله خطأ فحكمه كيت وكيت، وقيل: هو استثناء صحيح وهو أن له أن يقتله في بعض الأحوال إذا رأي عليه سيماء المشركين، وهو خطأ. وقيل: (إلا) بمعنى (الواو)، أي: ولا خطأ، وليس بشيء، وقيل: هو استثناء صحيح، لأن الآية قد أفادت إيجاب العقاب على قاتله، ثم قال: (إِلَّا خَطَأً)، فإنه لا عقاب عليه، فاستثني من هذا المعنى، وقوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا) يعنى: أن من أخطأ خطأ يجب فيه العزم أو يعمد إثما فيه عار فرمى غيره بذلك ليغرمه أو يلحق به عاره، فقد احتمل الكذب أو الباطل: وقد مضى تفسير البهتان

стр. 186

الخبيث أصل الخبث الدنس والرداءة: ومنه خبث الحديد وخبث الفضة ما ينفى منها؛ لأنه يفسدها ويدنسها، وتستعمل في الدهاء، فيقال: خبيث إذا كان داهيا، ويستعمل في المعصية والحرام، وإن ذلك كله مما يدنس العرض والدِّين، ورجل خبيث: رديء المذهب، والمخبث الذي له أصحاب خبثاء. والخبثة الفجور، والأخبثان الرجيع والبول، في الحديث " لا يصلي أحدكم. هو يدافع الأخبثين ". وقوله تعالى: (وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) أي: الذي رد ولا يكون إلا قليلا، والنكد القليل، وهو العسر أيضا؛ لأن خير العسر قليل. وهو في القرآن على وجهين: الأول: الحرام، قال الله: (لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) يعني: الحلال والحرام، معناه أن الخبيث وإن كثر فأعجب، فإن الطيب خير منه في العافية، وإن قلَّ

стр. 187

والخبيث اسم يقع على جميع ما حرم الله، والطيب اسم يتناول جميع ما أحله الله وأعجبك مخاطبة الواحد، والمراد الجماعة، ومجاز الكلام أن الخبيث لا يساوي الطيب، وإن كان على حال يعجب ويسر. وقال الله تعالى: (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) أي: لا تأخذوا الحرام من أموال اليتامى بدلا مما أحل من سائر الأموال. الثاني: الكافر، قال الله: (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) يعني: الكافر والمؤمن، والخبيث والفاجر، قال اللَّه: (وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ) من الرجال. وهذه الآية منسوخة بالإجماع، ونزلت في الوقت الذي نزل فيه قوله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً) وقد علمنا أن النبي ﷺ كان طيبا من الرجال فينبغي أن تكون أزواجه طيبات [لقضية] اللَّه بذلك في هذه الآية. وفي قوله. (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً) دليل في أن الزناة ليسوا بمؤمنين في أسماء الدين التي هي على جهة المدح، ولو كانوا مؤمنين على ما تقول المرجئة، لكان هذا التحريم يجب أن يعم هؤلاء الزناة كما عم المؤمنين لاجتماعهم في هذا الاسم الذى أجري اللَّه التحريم عليه في قوله: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) فلما كان هذا ناقضا لحكم الآية موجبا أن يكون حلل فيها ما حرم فيها ذلك على أن الزناة لا يدخلون في هذا الاسم

стр. 188

الخير الخير اسم لكل منفعة ومنه الخيرة في الأمور والاختيار، اختيارك الشيء على الشيء لما في [الاختيار] من المنفعة في الظاهر، وقد تكلمنا في هذا الحرف بأكثر من هذا في كتابنا في التفسير. والخير في القرآن على عشرة أوجه: الأول: المال، قال: (إِنْ تَرَكَ خَيرًا) وقال: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) وقيل: الخير هنا المال الكثير الذي له قدر، وكذلك في قوله: (حُبَّ الْخَيْرِ). وروي أن رجلا من بني هاشم حضرته الوفاة، فأراد أن يوصي، فقال على ﵇: كم ترك؟ قيل: [أربعمائة]، فقال: إن هذا قليل إن الله يقول: (إِنْ تَرَكَ خَيرًا) وقيل كانت [سبعمائة]. وقال قتادة: الخير ألف درهم فصاعدا. وقال الزهري: الخير كل ما وقع عليه اسم المال من كثير وقليل، وأزاد علي ﵇: أن المال إذا كان قليلا يوفر على الورثة ولا يوصي منه استحبابا لا إيجابا. الثاني: الإيمان، قال الله: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ) وكانوا يقترحون أن يسمعهم الله كلام الموتى، فقال: لو علم الله أنهم إن سمعوا ذلك آمنوا لفعل ذلك، وقيل: معناه لو علم فيهم إيمانا لسماهم سمعاء، ولم يسمهم بكما وصما. الثالث: الثواب، قال: (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا) أيْ ثوابا أي: لا أقول أن أعمالهم الحسنة تضيع عند الله لأجل فقرهم، والمراد أن المؤمن الزري المنظر ليس عند الله بمحروم، كما أنه عندكم محروم

стр. 189

الرابع: القرآن، قال: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) ويجوز أن يكون المراد ما يرزقهم الله من نعمة وسعة. الخامس: بمعنى أفضل، قال الله: (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) ومثله: (خَيْرُ الرَّازِقِينَ) و: (خَيْرُ الحاكِمِينَ) وخير وشر يجيئان بمعنى أفعل، ولا يقال: أخير ولا أشر. السادس: النعمة، قال الله: (وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ) يعني: بنعمة وعافية. السابع: المنفعة، قال: (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) يعني: في ظهورها وألبانها. الثامن: الطعام، قال: (إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ). التاسع: الظفر في القتال، قال الله: (لَم يَنَالُوا خَيرًا) أي: ظفرا ولا غنيمة. العاشر: الهدى والبيان، قال الله: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) أي: بيانا وهدى، والمراد القرآن، وخرج لنا وجه آخر، وهو الخير بمعنى الكفاية، قال الله: (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) أي: كفابة، وأنت تقول: فلان فى خير أي: في كفاية ونشبع القول في ذلك في باب القاف إن شاء الله. ومما يجري مع هذا الباب الكلام في الاختيار والإيثار، فالاخيار إرادة الشيء بدلا من غيره، والإيثار مثل الاخيار؛. إلا أنه قيل في قوله: (لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا) أي: قدم اختيارك علينا، فكان الإيثار وهو الاختيار المقدم؛ ولا يكون أيضا إيثار شيء إلا على شيء

стр. 190

وأجود من هذا أن يقال: الإيثار اختصاص الشيء دون غيره مأخوذ من قولهم: هو عندي من أهل الأثرة، أي: من أهل الاختصاص، وذلك لما يظهر فيه من آثار الصلاح، والاختيار إرادة الشيء دون غيره، لما فيه من الخير. وسميت الإرادة اختيارا؛ لأن المريد من الأجسام لا يريد في الأغلب إلا الخير في الحقيقة. أو ما هو عنده خير ثم اتسع فيه فسميت كل إرادة أوثر بها على شيء اختيارا، وسميت أفعال الجوارح اختيارا تفرقة بين حركة البطش، وحركة المرتعش، كأنه سمي المختار من اختيارا، كما سمي المشتهي شهوة، والمسروق سرقة

стр. 191

الخيانة الخيانة ترك الوفاء للمؤتمن، وأصله من النقص تخونه إذا تنقصه، وبين الخائن والسارق فرق، وكل سارق خائن، وليس كل خائن سارقا. والخيانة في [القرآن] على وجهين: الأول: المعصية، قال اللَّه: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) وقال: (لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) كذا قيل، والصحيح أنه أراد أنكم تنقصون أنفسكم من شهواتها بامتناعكم عن مباشرتهن لنهينا إياكم، والمخاطبة على هذا عامة، ويجوز أن تكون خاصة لقوم لا يصرون على الفرض، فيتركونه فينقصون أنفسهم الثواب، ويقال: ما يتخونك عندى إلا خصلة، أي: ما ينقصك. الثاني: خيانة المؤتمن، قال الله تعالى: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) نزلت في [طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ]، رجل من بني ظفر من الأنصار، سرق درعا من حديد، وأخفاها في جراب دقيق، وأودعها يهوديا، فاطلع عليه فعذره بنو ظفر عند النبي ﷺ ، وألزموا اليهودي الذنب، فهمَّ النبي ﷺ بعقوبته، فأنزل اللَّه: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) أي: معينا واستغفر اللَّه من همِّك باليهودي، ثم خاف [طُعْمَةُ] القطع فهرب إلى مكة فنقب بيت الحجاج بن غلاط، فتشبث في النقب فأخذ ثم خلي لجواره فمضى نحو الشام فسرق في منزل نزله، فرمي بالحجارة حتى قتل، وفيه نزل: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) قال ابن عباس: (تَختَانُونَ أنفُسَكُم) أي: تظلمونها بالخيانة، وقيل: لا تنصحون لتعرضكم إياها للعذاب الدائم

стр. 192

و الخصيم المخاصم خاصمه، وهو خصيمه، مثل عاشره وهو عشيره، وخالطه وهو خليطه، ومن خاصم عن الإنسان فهو معينه، ولهذا قيل: إن الخصيم المعين، وقد ذكرنا أن كل سارق خائن، وليس كل خائن سارقا، ولهذا سمى الله [طُعْمَةَ] خائنا في هذه الآية، وقيل: للدهر خؤون؛ لأنه يأتي بأحداثه من حيث يؤمر. وذكر في الخائنين كل ذي ذنب كبير، لأن الآتي بالكبير خائن لنفسه، كأنه لم يناصحها إذ عرضها لغضب الله عز وجل

стр. 193

الباب الثامن فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله دال الدِّين أصله في العربية اللزوم، ويتصرف في العربية على خمسة أوجه: الملة، والعادة، والحساب، والطاعة، والجزاء. وكل ذلك مما يلزم الإنسان أو يلزمه الإنسان، ومن ثم أيضا قيل: الدَّين للزومه الدائن لا يسقط عنه إلا بالأداء. وهو في القرآن على خمسة أوجه: الأول: التوحيد، قال: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، وقال: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) يعني: التوحيد كذا قيل، ويجوز أن يكون أراد جملة ما عليه المؤمن من دينه. الثاني: الحساب، قال الله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أي: يوم الحساب، وقِيل من دان نفسه ربح: أي: من حاسبها، وقيل: الدين هنا الجزاء ومثله (هَذَا يَومُ الدِّينِ) ومثله: (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) والتكذيب به جحده. الثالث: الحكم، قال اللَّه: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) أي: في حكمه، وفيه دليل على أن الزاني والزانية ليسا بمؤمنين لإخراجه إياهما من ......

стр. 194

استحقاق الرأفة والرحمة اللاتي جعلهما للمؤمنين، ويجوز أن يكون الدِّين هَاهنا بمعنى الملة، وقيل: في طاعة الله، وقيل: لا تأخذكم بهما رأفة فتقصروا في دين الله. الرابع: الطاعة، قال الله: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) أي: في طاعته، وقد دان الناس لملكهم إذا أطاعوه، قال الشاعر: لَئِنْ حَلَلْتَ بجوٍّ في بني أسَدٍ ... في دينِ عمروٍ وحالَتْ بينَنَا فَدَكُ الخامس: الملة، قال الله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) أي: ليعلو على كل دين يدان به، والظهور العلو، وظهر فوق البيت علاه، وقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) وقال: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي: الملة المستقيمة. وقال بعض الشعوبية: الدين فارسي واستدل على ذلك بأن الدين يوجد في كتب الفرس القديمة فقالوا دين ذو يرى على قديم الدهر من قبل أن تدخل العربية أرضهم، يعنون خطا يكتبون به علوم دينهم، ونحن لا نعرف هذا، والصحيح أن الدين عربي معروف

стр. 195

الدعاء أضله الطلب، يقول: دعا إلى الشيء، أي: طلب المصير إليه، وادعى على فلان حقا؛ لأنه يطلبه. والدعوة إلى الطعام معروفة، ثم كثر حتى سمي الطعام دعوة، وسمي بالمصدر من قولك: دعا دعوة واحدة، والدعوة في النسب؛ لأنه طلب الدخول فيه. والدعاء أيضا الاستعانة، لأنها طلب الإعانة، قال اللَّه : (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: استعينوهم، قال الشاعر: وَقبلُك كل خصم قد تمالوا ... عليَّ فما جَزَعت وَلا دَعَوتُ أي: ما استعنت غيري على دفعهم. وكل ما وقع لأجله الفعل فهو داع إليه إلا أن يقع على غير الاختيار، كالمتولد الذي يقع سببه عن سهو. والدعاء في القرآن على خمسة أوجه: الأول: القول، قال الله: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا) وقال: (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ) أي: ما زالت تلك الكلمة دعواهم، أي: يدعونها، وهو قوله: (قَالُوا يَا وَيلَنَا) ......

стр. 196

ويقولون: فلان يدعوا بالويل، إذا كان يقول: يا ويله، وقال: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ). الثاني: العبادة، قال: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا) وقال: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) وقال: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) أي: لولا عبادتكم الأوثان [لم يبال بعذابكم]. الثالث: الدعاء بعينه، وهو النداء، قال: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ) وقال: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) وقال: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ) وقال: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ) وقال: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ) أي: يراكم. الرابع: الاستعانة، قال الله: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقال: (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال: (وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) أي: ليستعن به. الخامس: السؤال، قال الله: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ) أي: سله، وقال.: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ) أي: سله يفعل، وقال: (يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) وقال: (ادْعُوا رَبَّكُمْ) أي: سلوه، وهذا الضرب في السؤال واجب على العبد، لأن الأمر قد جاء به مطلقا، والأمر على الوجوب

стр. 197

الباب التاسع فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ذال الذكر أصل الذكر القوة ومنه تسمية الذكر خلاف الأنثى؛ لأنه أقوى من الأنثى وجديد ذكر لفضل قوته على الأنوثة، والذكر بالقلب يرجع إلى هنا؛ لأن الشيء يثبت في القلب مع الذكر، فكان له قوة، والذكر باللسان شبيه بذلك. وهو فى القرآن على خمسة عشر وجها: الأول: الطاعة، قال اللَّه: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) قال بعض المفسرين معناه أطيعوني أثبكم، ويجوز أن يكون معناه اذكروني بقلوبكم وألسنتكم، أذكركم بالمدح والتعظيم [وإيجاب الثواب] (١)، وهو جواب لقوله: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ): (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) فيكون لـ (اذْكُرُونِي) جوابان مقدم ومؤخر، كما يقال: إذا أتاك فلان فأته ترضه، ومعناه مثل معنى قوله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وقيل: اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي، وقيل: اذكروني بالثناء بنعمتي أذكركم بالثناء أي الطاعة،، وأكثر ما يستعمل الذكر بعد النسيان، وهذا حقيقة، وليس ذلك بموجب [ألَّا] يكون إلا بعد النسيان إذ

стр. 198

كل من حضره المعنى بالقول أو العقد أو الخطور بالبال، فهو ذاكر ويكون أصله التنبيه على الشيء، وكل من ذكر لنا شيئا فقد نبهنا عليه، والذكر أنبه من الأنثى. الثاني: قال هو الذكر باللسان في قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) وقوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) وقال: (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) كذا قيل، ولا ننكر أن يكون أراد الذكر بالقلب واللسان جميعا. الثالث: الذكر في القلب خاصة، قال: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ)، أي: ذكروا قدرة الله عليهم وأياديه إليهم فاستغفروه وتابوا إليه. الرابع: ذكر الصفة والأمر، قال: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) أي: اذكر أمري وصفتي،: قال: (وَاذكر فِي الكتَابِ مَريَمَ) أي: أذكر أمرها، فإن فيه عجبا، وهكذا قوله: (وَاذكُر فِي الكِتَابِ إِبرَاهِيمَ) أي: اذكر في الكتاب الذي أنزل عليك قصة إبراهيم ﵇، أي: اقرأها واعتبر بها. الخامس: الحفظ، قال اللَّه: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) (وَاذكُرُوا مَا فيهِ) أي: احفظوه. السادس: الوعظ، قال: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) أي: وعظوا، وفي الأعراف أيضا: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) وقال: (أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ) أي: وعظتم، وقال: (فَذَكر بِالقُرءَانِ)، وقال: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) وفي هذه الآيات دليل على أن الطاعة والمعصية من العبد (١)؛ لأنهما لو كانتا من الله لم يكن لتذكير الله إياه فائدة.

стр. 199

السابع: الشرف [والنباهة]، قال: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) وقال: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) فامتن عليهم بما جعل لهم من النباهة بهذا الدين، ودل على أن الخمول معيب. الثامن: الخبر، قال؛ (لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ) وقال: (سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا) أي؛ خبرا، وقيل في قوله: (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) أي: هذا خبري وخبر من قبلي، والوجه هل فيما أنزل إليَّ أو فيما أنزل من قبلي دليل على أن مع الله إلها آخر، وذكرٌ له. التاسع: الوحي، قال: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) وقال: (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) ومثله: (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا). العاشر: القرآن، قال: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ) وقال: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) فسماه مُحْدَثا. والمحدَث إذا كان مقدرا مخلوق (١)، وجاء في قوله: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا) أنه أراد القرآن، وقيل: أراد ذكر العذاب أي: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ ذكر العذاب فلا تذكرة لكم لأجل إشراككم، لا بل نذكر لكم العذاب لتنزجروا، ويقال: أضربت عنه الذكر أيضا، والشاهد على هذا التأويل قوله: (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا). الحادي عشر: التوراة، قال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) يعني: أهل التوراة عبد الله بن سلام وأصحابه، الذين يصدفون عن الذكر وهو التوراة دون من يكتم ويتخرص لأن القبول يكون من أهل الثقة،: (إِن كُنتُم لا تَعلَمُونَ) أن الرسل بشروا بمحمد ﷺ .

стр. 200

الثاني عشر: اللوح المحفوظ، قال: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) أي: من بعد اللوح المحفوظ. الثالث عشر: البيان، قال اللَّه: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ) أي: بيان، وقال: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) يعني: ذا البيان، وقيل: يعني: به ما ذكر فيه من الأقاصيص والحلال والحرام. الرابع عشر: الدليل، قال: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) وقال: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) ويجوز أن يكون الذكر هنا الموعظة. الخامس شر: الصلوات الخمس كذا قال بعض المفسرين في تفسير قوله: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) والصحح أنه أراد تمام الصلاة مع الذكر فيها؛ لأنه تعالى قال في أول الآية: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ). والمراد فإن خفتم عدُوًّا أو سبعًا فلم تقدروا على الركوع والسجود، فصلوا على أرجلكم وعلى رواحلكم [أيما]، والرجال جمع رجل، والرجل جمع راجل فإذا زال عنكم الخوف فصلوا الصلاة التامة واذكروا الله فيها كما علمكم الشرائع. وقوله: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) قالوا: يعني: الصلوات الخمس، وليس هذا بالوجه في هذه الآية؛ لأنه قال فيها: (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) وقال: (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) يعني: الصلوات الخمس زعموا، قال: ودليل ذلك قوله، (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) يعني: صلاة الجمعة

стр. 201

وقالوا في قوله تعالى: (أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) أي: أثرت حب المال على الصلاة، وقيل: على ذكر الله، وينبغي أن تكون الصلاة هنا تطوعا؛ لأن النبي ﷺ لا يصنع المفروض، وخرج لنا وجه آخر، وهو الذكر بمعنى الغيب في قوله: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) أي: يعيبهم، كذا قيل، والصحيح أنه يذكرهم بالعيب

стр. 202

الباب العاشر فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله راء الرحمة أصلها من الرقة، وقيل: ذوا الأرحام، لأن بعضهم يرق لبعض، والرحم في الأصل رحم المرأة ثم صارت ذو القربى أرحاما. والرحيم في أسماء. اللَّه تعالى بمعنى المنعم المقيل للعثة القابل للتوبة وليس معناه الرقة، كما أن أصل العفو الترك، والترك لا يجوز على الله، يقال: عفا المنزل إذا ترك حتى درس ودلالة التعظيم أيضا يوجب انتفاء الرقة عن الله، ومع أن نعمة في الاتساع تقع موقع ما يبحث عليه الرقة، والرحمن أبلغ من الرحيم. وليس لأحد من المخلوقين فيه شركة والرحمة. الإنعام على المحتاج إلى ذلك، ألا ترى أن الإنسان إذا أهدى إلى ملك شيئا، لم يقل: إنه رحمة، ويقال: إنه أنعم عليه. والرحمة في القرآن على ثمانية أوجه: ......

стр. 203

الأول: قالوا هو بعثة الرسل وإنزال الكتب، قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وقوله: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً) وهذه الرحمة العامة المبتدأه بالدعاء والبيان، والوجه أن يقال: أنه أراد أن بعثة للرسل وإنزال الكتب نعمة من الله على عباده، والرحمة من الله النعمة. الثاني: الجنة، قال: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ) وقال: (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) وقال: (فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ) وقوله: (أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) وهي خاصة للمؤمنين جزاء لأعمالهم، وقال أبو علي ﵁: الرحمة والفضل هنا هو الثواب. الثالث: المطر، قال: (يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) وقوله: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) يعني: المطر. ْالرابع: الرزق، قال: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) وقيل: وينشر رحمته يعني: رزقه، وقال: (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ) وقال: (ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا) وقال: (آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) ويجوز أن تكون هذه كلها بمعنى النعم والرزق داخل فيها. الخامس: النبوة، قال: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) وقال: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ). السادس: الرحمة، قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) [أراد]: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ) فقدم وأخر؛ لأن الناس كلهم ......

стр. 204

آمنوا بفضل اللَّه علم في ألطافه وفوائده، وقوله: (أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ) وقِيل: يعني: العافية، وقوله.: (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) يعني: نعمة، وقيل: أراد الفتح والنصر. السابع: القرآن، قال اللَّه؛ (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ويجوز أن يكون بمعنى النعمة، أي: هنا القرآن بيان ونعمة. الثامن: الهداية، قال: (وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) أي: دلني على الإيمان فآمنت وصدقت، وهذا كله يرجع إلى معنى النعمة؛ لأن الرحمة من اللَّه تعالى النعمة، وإنما أوردت هذه الوجوه على ما جاء في التفسير

стр. 205

الروح أصل الريح، والرُّوح والرَّوح، والراحة واحد؛ وإنما الريح فعل، والروح فعل والراحة فعلة، ولرائحة فاعلة، وقد يجيء فاعلة في أسماء الأفعال، مثل العافية. وأصل الكلمة من الطيب، وذلك أن الريح تطيب الهواء، والروح يطيب به الجسد، والرائحة أصلها في الطيب ثم استعملت في النتن،، والأريحية طيب النفس بالبذل، وقيل: الراحة، لأن العيش يطيب معها، والطيب في الأصل فيما يستنشق، وإنما قيل: طيب النفس بالبذل. والراحة طيب العيش على وجه التشبيه، والريحان معروف سمي بذلك لطيب ريحه، والريحان الرزق؛ لأن من وجده استراح؛ ولأن النفس تحبه كما تحب الريحان. والروح في القرآن على ستة أوجه: الأول: على ما قيل الرحمة، قال تعالى: (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) أي: قولهم برحمة منه، والوجه أنه أراد بالروح هاهنا القرآن، وسماه روحا؛ لأنه يوصل به إلى المنافع كما يوصل الروح، والشاهد قوله: (أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) والتأييد التقوية، ومعنى التأييد بالقرآن أنه أبطل به حجج خصماء الدِّين، وثبت حجج أهله به؛ لما عجز الناس عن الإتيان بمثله. الثاني: جبريل ﵇، قال: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا) وقيل الروح هاهنا خلق كالإنسان، وقيل: هو ملك يقوم على يمين العرش، وقوله: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) يعني: جبريل ﵇ على قلبك بالقرآن، وخص القلب لأنه موضع الحفظ، ولو قال: عليك لم ......

стр. 206

يتضمن معنى الحفظ. وقوله: (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) وقال: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا). الثالث: الوحي، قال: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) أي: بالوحي، و: (مِن أمرِه) أي: بأمره، وبعض حروف الصفات يقوم مقام بعض؛ إذا لم يشكل المعنى، ويجوز أن يكون المعنى أن ابتداء تنزيله من أمر الله، و (مِن) لابتداء الغاية، أي: حين أمرهم به نزلوا. الرابع: عيسى ﵇، قال اللَّه: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) وسماه روحا وكلمة؛ لأن الناس ينتفعون به كانتفاعهم بكلام اللَّه، وكانتفاعهم بالروح، وقال بعضهم: قال: (بِرُوحٍ مِنْهُ)؛ لأنه خلقه من غير شر، ولا أعرف ما هذا. الخامس: خلق يرون الملائكة ولا يرونهم كما يرانا الملائكة، ولا نراهم، وهو المعنى بقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، هكذا جاء عن بعض المفسرين، ويجوز أن يكون معناه الروح الذي بحياته الحيوان، وهو يذكر ويؤنث، وقال: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) ولم يبين لهم كيفية ذلك؛ لأنَّهُم كانوا توافقوا على أن يردوا كل ما يقول فيه، فأجابهم بما لا يمكنهم رده، فقال: هو من أمر ربي. السادس: الروح الذي يحيا معه الحيوان لا غير بلا خلاف، قال اللَّه: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) وقال: (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) ونسب الروح إلى نفسه؛ لأنه الفاعل له، ويجوز أن يكون قال ذلك تعظيما لأمر الروح، كما يقال: بيت الله، وحرم اللَّه، وخليفة اللَّه، وقال: (وَنَفَخَ) لأن الروح عن جنس الريح

стр. 207

الرجاء الرجاء مقصور الناصية، والرجاء ممدود من الأصل، والأصل الميل: وذلك أن من يرجو نيل الشيء فإنه يخاف فوته في أكثر الحال، فكان الرجاء طرف، والخوف طرف، ومنه قيل: رجاء اليئر لناحيته، فأما الطمع فيما قيل فتوطين النفس على نيل المطلوب من غير مخافة للفوت. والصحيح أن الرجاء ما كان عن سبب، والطمع ما كان عن غير سبب، ولهذا ذم الطمع، ولم يذم الرجاء. وربما جاء الطمع في معنى الأصل، وهو قوله: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ). والرجاء في القرآن على وجهين: الأول: الأمل؛ قال الله: (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ). وهذا دليل على ما قلنا من أن الرجاء يكون طرفا، والخوف طرفا. الثاني: الخوف، قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) ونحوه قوله: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ) أي: [يخاف] البعث، وقال: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ)

стр. 208

وليس اللقاء الرؤية (١)، ألا ترى الأعمى يقول لقيت فلانا، ولم يعن أنه رآه. وأصل اللقاء المصادفة، وهو هاهنا لقاء ما وعد اللَّه، لأن الله لا يصادف. والرجاء بمعنى الخوف معروف في العربية. قال الهزلي: إذا لَسَعَتْه النحلُ لَم يَرْجُ لَسْعَها

стр. 209

الرقبة أصل الرقبة الانتظار، وسميت الرقبة رقبة، لأنك تمدها إذا انتظرت توقفا للمنتظر، والرقبى أن تعطي الرجل دارا أو أرضا، فإن مات قبلك رجعت إليك، وإن مت قبله كانت له، وسميت رقبى؛ لأن كل واحدا منهما يرقب موت صاحبه، والمرقب [المرْبَأ]. والرقيب الذي يشرف على أصحاب الميسر، والارتقاب انتظار مع مخافة، ولهذا يقال: فلان يراقب فلانا، أي: يخافه، وراقب اللَّه، أي: خفه، ولهذا كان أكثر ما يستعمل الارتقاب في المكروه، ومنه قوله تعالى: (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) والرقيب في أسماء الله تعالى الحفيظ. وهو في القرآن على وجهين: الأول: الحفيظ، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) أي: هو حافظ لأعمالكم، وفي ذلك ترغيب وترهيب، وإخبار بأن الجزاء من وراء العباد، وقوله: (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ). الثاني:. بمعنى الانتظار، قال: (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) وقال: (فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ) أي: انتظر ما يكون من نصرنا إياك، أنهم مننظرون ما يكون من مثل ذلك لهم

стр. 210

الرجم أصله الرمي ثم قيل للقتل رجم، والشتم رجم تشبيها، والرجمة القبر لما يرمى فيه من التراب على الميت. والرجم في القرآن على أربعة أوجه:. الأول: القتل، قال في يس: (لَنَرْجُمَنَّكُمْ) أي: نقتلنكم، وقال: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ) أي: أن تقتلون، وقال: (وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) وقيل: معناه رجمناك بالحجارة، وقيل: بالسب، ويجوز أن يكون ما تقدم مثل ذلك، وقال: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ) يعنى: القتل، وقيل الشتم. الثاني: الرمي، قال اللَّه: (رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ). الثالث: الظن، قال الله: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) أي: يقولون ذلك ظنا، ويقال رجمت الظن في كذا إذا ذهب ظنك فيه كل مذهب، قال زهير وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ أي المظنون

стр. 211

الرابع: بمعنى اللعين، جاء في تفسير قوله تعالى: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) أنه يعني: الملعون، وقيل: الرجيم المرجوم بالشهب، من قوله: (رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ)

стр. 212

الرؤية أصل الرؤية رؤية العين، ثم استعمل في العلم لوقوع العلم مع الرؤية، كما أن أصل البصر بصر العين، ثم سُمي العلم بصيرة وبصرا، لأنه قد يقع مع بصر العين ورؤية العين يتعدى إلى مفعول واحد، والرؤية التي بمعنى العلم يتعدى إلى مفعولين لا غير، مثل العلم، تقول: رأيت الرجل حكيما بمعنى علمته، كذلك رأيت الرجل بمعنى أبصرته. والرؤية في القرآن على ثلاثة أوجه: أولها: رؤية العين، قال اللَّه: (تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ) ومثله كثير. الثاني: العلم، قال: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا) وقوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) ومثله: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) أي: أولم يعلم، ولم يرد أنه خصيم في الحال، ولكن إذا بلغ، ونحوه قوله: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) أي: ما يكون خمرا، ومثله قول الراجز: الحمدُ لله العَلِيم المنان ... صار الثريدُ في رُؤوسِ العِيْدانْ فسمي الحب في سنبله ثريدا على معنى أنه يكون كذلك

стр. 213

الثالث: بمعنى الخبر، جاء في التفسير عن ابن عباس أن قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) أنه يعني: ألم تخبر، وذلك أن حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف سارا إلى مكة، فقال المشركون: هذان [حبرا] اليهود، وأهل العلم بالكتب فاسألوهما عنكم وعن محمد أيكم خير فسألوهما، فقالا: إنكم خير منه أنتم أهل هذا البيت وذاك صابئ فأنزل: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا). وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) معناه ألم تخبر بذلك، وهذا أيضا يرجع إلى معنى العلم، لأنه إذا أخبر به فقد علمه، ويجوز أن يكون تعجيبا منهم كما تقول لصاحبك: ألم تر إلى فلان كيف أُحسن إليه ويجفو بي ونحو ذلك

стр. 214

الباب الحادي عشر فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله زاي الزخرف أصله الذهب، ثم استعمل في التزيين، فيقال: زخرفت البيت إذا زينته، وزخرفت القول إذا زورته وحنته، وسُمِّيت أنوار الربيع زخارف؛ لأنها تزين الأرض. وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الذهب، قال اللَّه: (وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ) وقال: (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ) يعني: الذهب. الثاني؛ الزينة والحسن، قال الله: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا) يعني: حسنها وزينتها. الثالث: تزوير القول حتى يشبه كذبه صدقا وغروره حقا، قال تعالى: (زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) والمعنى أن بعضهم يزين لبعض الأعمال القبيحة، و (غُرُورًا) منصوب على المصدر ومحمول على المعنى، كأنَّه قال: يغرون غرورا

стр. 215

الزبر أصل الزبر الكتب في الحجر، ثم كثر حتى جعل كل كتابة زبرا، يقال: زبرت الكتاب كتبته، وزبرته قرأته، والزبور فعول، بمعنى مفعول، أي: هو مزبور، كما قيل: ركوية وحلوبة، وقد يقال: ركوبة، قال اللَّه تعالى.: (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ). وأصل الكلمة الاجتماع، ومنه قيل: زبرت البئر، إذا طويتها بالحجارة بجمعك الحجارة فيها، وزبرة الأسد الشَّعْر المجتمع على كاهله، وأسد أزبر ومزبر عظيم الزبرة، والزبرة القطعة من الحديد، قال الله: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ). وروى الفقير الذي لا زبر له أي: ليس له معتمد يجمع أمره، ومن ثم سُمي الزبير، وأخذت الشيء بزوبره أي: بأجمعه، والواو زائدة، ويجوز أن يكون أصل الكلمة الغلظ، ومنه قولهم: زبره إذا أغلظ له القول. والزبر في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الكتب، قال الله: (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) أي: أرسلناهم بالعلامات البينات، والزبر يعني: الكتب المضمنة للأمر والنهي، وقوله:، (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ). وقال بعض المفسرين: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) أنه يعني: بالزبور الكتب كلها، وليس بالوجه؛ لأن الظاهر لا يترك إلا بديل، ولا دليل إلا أن يكون القراءة في الزبور، جمع زبر مثل سفر وسفور، وليس ذلك المشهور، ولا ينبغي القراءة به عندنا
следующие страницы →