← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37586

الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري - معتزلي

أبو هلال العسكري

Полный текст (483 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الرابع: بمعنى اللعين، جاء في تفسير قوله تعالى: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) أنه يعني: الملعون، وقيل: الرجيم المرجوم بالشهب، من قوله: (رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ)

стр. 212

الرؤية أصل الرؤية رؤية العين، ثم استعمل في العلم لوقوع العلم مع الرؤية، كما أن أصل البصر بصر العين، ثم سُمي العلم بصيرة وبصرا، لأنه قد يقع مع بصر العين ورؤية العين يتعدى إلى مفعول واحد، والرؤية التي بمعنى العلم يتعدى إلى مفعولين لا غير، مثل العلم، تقول: رأيت الرجل حكيما بمعنى علمته، كذلك رأيت الرجل بمعنى أبصرته. والرؤية في القرآن على ثلاثة أوجه: أولها: رؤية العين، قال اللَّه: (تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ) ومثله كثير. الثاني: العلم، قال: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا) وقوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) ومثله: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) أي: أولم يعلم، ولم يرد أنه خصيم في الحال، ولكن إذا بلغ، ونحوه قوله: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) أي: ما يكون خمرا، ومثله قول الراجز: الحمدُ لله العَلِيم المنان ... صار الثريدُ في رُؤوسِ العِيْدانْ فسمي الحب في سنبله ثريدا على معنى أنه يكون كذلك

стр. 213

الثالث: بمعنى الخبر، جاء في التفسير عن ابن عباس أن قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) أنه يعني: ألم تخبر، وذلك أن حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف سارا إلى مكة، فقال المشركون: هذان [حبرا] اليهود، وأهل العلم بالكتب فاسألوهما عنكم وعن محمد أيكم خير فسألوهما، فقالا: إنكم خير منه أنتم أهل هذا البيت وذاك صابئ فأنزل: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا). وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) معناه ألم تخبر بذلك، وهذا أيضا يرجع إلى معنى العلم، لأنه إذا أخبر به فقد علمه، ويجوز أن يكون تعجيبا منهم كما تقول لصاحبك: ألم تر إلى فلان كيف أُحسن إليه ويجفو بي ونحو ذلك

стр. 214

الباب الحادي عشر فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله زاي الزخرف أصله الذهب، ثم استعمل في التزيين، فيقال: زخرفت البيت إذا زينته، وزخرفت القول إذا زورته وحنته، وسُمِّيت أنوار الربيع زخارف؛ لأنها تزين الأرض. وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الذهب، قال اللَّه: (وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ) وقال: (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ) يعني: الذهب. الثاني؛ الزينة والحسن، قال الله: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا) يعني: حسنها وزينتها. الثالث: تزوير القول حتى يشبه كذبه صدقا وغروره حقا، قال تعالى: (زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) والمعنى أن بعضهم يزين لبعض الأعمال القبيحة، و (غُرُورًا) منصوب على المصدر ومحمول على المعنى، كأنَّه قال: يغرون غرورا

стр. 215

الزبر أصل الزبر الكتب في الحجر، ثم كثر حتى جعل كل كتابة زبرا، يقال: زبرت الكتاب كتبته، وزبرته قرأته، والزبور فعول، بمعنى مفعول، أي: هو مزبور، كما قيل: ركوية وحلوبة، وقد يقال: ركوبة، قال اللَّه تعالى.: (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ). وأصل الكلمة الاجتماع، ومنه قيل: زبرت البئر، إذا طويتها بالحجارة بجمعك الحجارة فيها، وزبرة الأسد الشَّعْر المجتمع على كاهله، وأسد أزبر ومزبر عظيم الزبرة، والزبرة القطعة من الحديد، قال الله: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ). وروى الفقير الذي لا زبر له أي: ليس له معتمد يجمع أمره، ومن ثم سُمي الزبير، وأخذت الشيء بزوبره أي: بأجمعه، والواو زائدة، ويجوز أن يكون أصل الكلمة الغلظ، ومنه قولهم: زبره إذا أغلظ له القول. والزبر في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الكتب، قال الله: (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) أي: أرسلناهم بالعلامات البينات، والزبر يعني: الكتب المضمنة للأمر والنهي، وقوله:، (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ). وقال بعض المفسرين: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) أنه يعني: بالزبور الكتب كلها، وليس بالوجه؛ لأن الظاهر لا يترك إلا بديل، ولا دليل إلا أن يكون القراءة في الزبور، جمع زبر مثل سفر وسفور، وليس ذلك المشهور، ولا ينبغي القراءة به عندنا

стр. 216

الثاني: اللوح المحفوظ، قال الله: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) هكذا جاء في التفسير. الثالث: قوله تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) ومن قرأ زبرا أراد قطعا، الواحدة زبرة، ومنه: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) ومن قرأ زبرا أي: جعلوا دينهم كتبا مختلفة

стр. 217

الزوج الأشهر عند العرب أن الزوج واحد، والمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة ولا يقال للمرأة زوجة إلا قليلا، وكل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر، وهما زوجان مثل زوجي، يقال: وزوجي خفاف، وربما قيل للاثنين زوج، وهو قليل شاذ، والزوج النمط يطرح تحت الهودج، قال ليد: زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلّةٌ وَقِرَامُهَا وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: ......

стр. 218

الأول: الحليلة، قال الله: (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) وقال: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ). الثاني: الصنف، قال: (خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا) وقال: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) وقال: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) وقال: (جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ). وكل ذلك بمعنى الصنف، ودخل اثنين تأكيدا، ويجوز أن يقال: إنه دخل؛ لأن الزوج في اللغات اثنان، فلو لم يقل: اثنين لتوهم من تلك لغته، لأن الزوجين أربعة، فلما قال: اثنين ارتفع الإشكال. الثاث: القرين، وقال: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) أي: [قرناءهم من الشياطين]. وذلك أنه لما كان الزوج الواحد الذي له قرين سُمي القرين زوجا، ومنه قوله تعالى: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) أي: قرناؤهم. ولا يجوز أن يكون من التزويج؛ لأنه لا يقال. زوجت فلانا بفلانة، وإنما يقال: زوجت فلانة فلانا بغير باء، وقال: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) أي: قرن كل واحد بمن شايع

стр. 219

الباب الثاني عشر فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله سين سواء أصل السواء من التماثل، ومنه قيل للمثل الشيء، وهما [سيان] أي: مثلان، وسواء لا يجمع؛ لأنه في مذهب الفعل فإن احتجت إلى جمعه قلت: أسوئة، وقال بعضهم: جمع سواسية على غير قياس، وهو غلط لأن سواء يستعمل في الخير والشر، وسواسية لا يستعمل إلا في الشر، وهذا دليل على أنه حرف برأسيه، وهو جمع لا واحد له من لفظه. وسواء في القرآن على خمسة أوجه: الأول: العدل، مال اللَّه: (إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) أي: عدل، وهو قوله: (لا إِلَهَ إِلا الله) وقوله: (سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) أي: عدل لمن يطلب الرزق. ومعنى ذلك أنه خلق الأرض والماء وجعل فيهما قوت الخلق بالعدل، لأنه رزق كلا منهم على قدر ما علم أنه صلاح له، وقيل: (سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) أي: لمن سأل في كم خلقت الأرض، وما فيها؟، فقيل خلقت الأرض في أربعة أيام سواء لا زيادة ولا نقصان جوابا لمن سأل

стр. 220

الثاني: الوسط، قال: (فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) وقال: (إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) أي: فى أحكم البين فشبهه بوسط الطريق، وقيل: السواء هاهنا بمعنى العدل. الثالث: الأمر البين، قال: (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) يعني: على أمر بين، قال أبو عبيد: قال الكسائي وغيره: السواء العدل، وقال غير واحد من أهل العلم: (انْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) أي: أعلمهم أنك محاربهم حتى يصيروا مثلك في العلم بذلك، فذلك هو السواء. الرابع: الاستواء، قال: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) وقال: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)، قال (فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) أي: مستوون، ومثله: (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) أي: مستو عندهم إنذارك وخلافه، وقال: (عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ). الخامس: القصد، قال الله: (أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ). وقال: (وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) ونحوه: (وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) وقيل: معناه هاهنا العدل، والمراد عندي الحكم البين، فشبهه بوسط الطريق، ووسط الطريق بينه فخصه بالذكر

стр. 221

السوء أصله المكروه ومنه قولهم: دفع الله عنك السوء؛ ثم استعمل في الحزن؛ لأن الحزن مكروه، فقيل: ساءه الأمر، والدليل على أنه يراد به الحزن أنهم يجعلونه خلاف السرور، فيقولون: ساءه ذلك، وسره هذا، وقوله: (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: يتبين فيها أثر الحزن. والسوء في القرآن على ثمانية أوجه: الأول: الشدة، قال الله: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ) أي: شدته. الثاني: المكروه، قال: (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ) أي: بمكروه، وقال: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ) قوله: (وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) وقوله: (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا) أي: مكروها، وقيل: المراد القتل والهزيمة. الثالث: جاء بمعنى الزنا، قال: (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) وهذا راجع إلى المكروه؛ لأن الزنا مكروه. الرابع: البرص، قال الله: (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ)

стр. 222

الخامس: العذاب، قال الله: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ) وقال: (لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ) يعنى: العذاب، ومعنى ذلك كله راجع إلى المكروه. ونحوه: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى) أي: العذاب. السادس: المعصية من الشرك وغيره، قال: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) يعني: الشرك، وقال: (يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) يعني: ما دون الشرك. السابع: الشتم، قال: (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ). الثامن: قوله: (سُوءُ الْحِسَابِ) قال: هو أن لا يقبل منه حسنة، ولا يتجاوز عن سيئة، و: (سُوءُ الدَّارِ) يعنى: شر الدار، وعذابها، وقيل: معناه بئس الدار

стр. 223

السعي ْأصله السرعة في المشي، ثم استعمل في غيره، فيقل: سعى الرجل سعاية، إذا ولي الضدقة، والساعي إلى السلطان لسرعته، لأن الساعي حنق على المسعي به؛ فهو سريع إلى إلحاق الضرر به، والمساعاة الزنا بالإماء خاصة. وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: المشي، قال اللَّه: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) لم يرد سرعة المشي؛ وإنَّمَا أراد صدق القيام في أمر الصلاة، وتقوية العزم عليه، والمستحب أن المشي إلى الجمعة مشيا رويدا لا سرعة فيه ولا بطء، وقال: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) يعني: المشي، يقال: أراد المعاونة على أمره ونحوه قولهم: فلان يسعى في حوائج أهله، أي: يعينهم فيها. الثاني: العمل، قال: (فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) وقوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) أي: ما عمل، وحقيقته جزاء ما عمل. وقال: (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي: عملها، وقال: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) أي: عملكم مختلف، وأصل الشتت التفرق. وقال: (سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) أي: سابقين جادين في الصرف عن آياتنا، وقال: مغالبين

стр. 224

وأصل العجز الضعف، وقد عاجزه كأنَّه طلب ضعفه وقرئ: (مُعَاجِزِينَ) أي: يعجزون من يؤمن بها، وهو معنى التثبيط عنها، ويرجع الأول إلى الإسراع. الثالث: السرعة، قال الله: (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى) أي: يسرع إليك للاستفادة منك. وقال:. (مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى) وقال (يَأْتِينَكَ سَعْيًا) قيل: أراد مشيا، والأول أجود

стр. 225

السوي أصله من الاستواء، وقد جاء في معنى الصحعة؛ لأن المستوي صحيح التقاصيم، ومنه قول النبي ﷺ : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ". وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الصحيح، قال: (ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) أي: صحيحا من غير خرس. الثاني: المستوي الصورة، السوي الخلق، قال: (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) أي: سوي الخلق في صورة البشر. الثالث: العدل، قال: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ) أي: العدل، وقال: (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) يعني: دينا عدلا، قال: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يعني: عدلا مهديا

стр. 226

السبب أصله الحبل، ثم قيل: لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب، تقول: فلان سببي إليك، أي: وصلني، وما بيني وبينك سبب، أي: وصلة ورحم. وهو في القرآن على أربعة أوجه: الأول: الباب، قال: (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ) يعني: أبواب السماوات كما قال تعالى: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) أسباب السموات وسبب الشيء ما يتوصل به إليه، ويجوز أن يكون قوله؛ (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ) يعني: في الحبال وغيرها مما توصل به إلى الموضع العالي. ويجوز أن يكون أراد الهواء الذى هو سبب لصعود الملائكة إلى السماء يمدون فيه أجنحتهم فيصعدون، وهذا على جهة التعجيز للكفار المخاطبين بهذه الآية، والإخبار بأنهم يغلبون ولا يتم أمرهم، والشاهد على صحة هذا قوله: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ). الثاني: الطريق، قال تعالى: (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) وجعل الطريق سببا، لأنك إذا سلكته وصلت إلى الذي تريده، ومنه قولهم سبب لك على فلان، أي: جعل لك طريق إلى مطالبة. الثالث: الحبل، قال الله: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ)

стр. 227

الرابع: العلم، قال: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) أي: علما،: (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) أي: طريقا يهدي به إلى معلومه، ويجوز أن يكون المراد: إنا أعطيناه من كل شيء يتوصل به إلى الغلبة والسلطان آلة أو قوة أو ذريعة أو علما على ما ذكر

стр. 228

السمع أصل السمع سمع الأصوات، ثم سميت الأذن سمعا؛ لأن السمع بها يكون فيما بيننا، وسمى الإجابة سمعا، لأنها مع السمع تكون في أكثر الأوقات، والسميع لا يقتضي المسموع، لأن فعيلا جعل للمبالغة، وليس هو على مقتضى فعل، والله تعالى لم يزل سميعا، ومعناه أنه الذي لا آفة به لمنعه عن السمع المسموع إذا وجد، والسامع يقتضي المسموع، فلا يسمى الله سامعا، فيما لم يزل. والسمع في القرآن على وجهين: الأول: سمع الصوت، قال اللَّه: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) أي: يعرضون عن الإيمان وينصرفون عنه انصراف من لا يستطيع سمعه. الثاني: القبول والإجابة، قال اللَّه: (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي: مجيبه، وأنت تقول لصاحبك: اسمع نصيحتي مع أنك تعلم أنه يستجيبها، وإنما يريد أقبل، ونحوه قولك لمن يحله: سمعا وطاعة، أي: أقبل ما تقول وأطيعك فيه، وقوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ) أي: لسماهم سمعاء، ولم يسمهم صما بكما

стр. 229

السلطان ْأصل السلطان القوة، والسطوة، والجدة، وهو مشتق من السليط، وهو الزيت، وذلك أن الزيت مادة للسراج يشتعل به وتقويه حتى يبقى، والسلطان مادة وقوة لكل خير وشر، ونفع وضر، وهو يذكر ويؤنث. ورجل سليط اللسان فصيحه، يرجع إلى معنى الجدة، والمصدر السلاطة، وهو للرجل مدح وللمرأة ذم، يقال: امرأة سليطة إذا كانت كثيرة الصخب، ويقال: ذهب سلطان الحر وسلطان البرد أي: شدتهما، وسُمِّيت القدرة على الشيء سلطانا، يقال: ما لي على هذا الأمر سلطان، أي: قدرة. والسلطان في القرآن على وجهين: الأول: الحجة، قال الله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) يعني: حجة وبينة، وقال: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) وقال: (أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ) وقال: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، وإنَّمَا سميت الحجة سلطانا، لأنك تقوى بها على خصمك. الثاني: الملك والقهر، قال الله: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) وقوله: (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) أي: من ملك يقهرهم به على فعل المعاصي

стр. 230

السلام قد مضى القول في أصل هذا الحرف، وهو في القرآن على ستة أوجه: الأول: اسم اللَّه تعالى، قال: (السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ) ومعناه أن عباده يسلمون من ظلمه، وقال: (سُبُلَ السَّلَامِ) أي: سبل الله، وهو دينه، وقال: (يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ) يعني: الجنة، ونسبها إلى نفسه تعظيما لها، كما يقال: بيت الله وخليفة اللَّه، ويجوز أن يكون أراد بالسلام الأمن من الخوف، لأن موضوع السلام لذلك. الثاني: الخير، قال: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ) أي: قل خير كذا قيل، ولو كان كذلك [لنصب]، فقال: سلاما؛ لأن ما كان من القول يجيء بعده [فهو] منصوب، قلت: خيرا؛ وقلت: شرا. والمراد أن قل أنا سلم ولست بحرب، وإنما أقول ما أقوله على وجه النصيحة، فإن قتلتموه وإلا فقد بلغت، وحسابكم على الله، وهذا قبل أن يؤمر بالحرب، وقال: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) أي: ردوا خيرا، وقيل: (سَلَامًا)، أي: تسلما منكم، قال سيبويه: يقال: لا تكونن من فلان إلا سلاما بسلام، يعني: به المباركة. وقوله: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ) أي قال خيرا كذا قيل، والوجه أن يكون من السليم فنجد الأول، لأن القول هو السلم، وكل ما يجيء بعد القول فهو رفع إلا أن يكون من القول، فيقول: قلت: زيد في الدار، وقلت: ......

стр. 231

كلاما حسنا؛ لأن القول هو الكلام، وليس زيد هو القول، ورفع السلام الأخير، كأنه قال حين أنكرهم: هو سلام إن شاء الله، فمن أنتم ولو كانا جميعا نصا لجاز. الثالث: الثناء الحسن، قال تعالى:: (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) وقوله: (سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ) أراد الثناء الحسن عليهم، ويجوز أن يكون أراد قول المسلمين عند ذكر الأنبياء ﵈. الرابع: السلامة من الشر، قال اللَّه: (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وقال: (فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) أي: إنك ترى لهم ما [تحب] من السلامة، وقد علمت ما أعد لهم من الجزاء، كذا قال الزجاج، وليس بالوجه؛ لأنه ليس على مقتضى لفظ الآية. والصحيح أنه أراد أن لك من إيمانهم وطاعتهم لله الخير عند اللَّه، لأنَّهُم آمنوا بدعائه وهدايته، " ومن سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها " أي: مثل أجره، ويجوز أن يكون المراد أنك مسرور بثوابهم فجعل سروره .... الخامس: بمعنى تسليم الشيء إلى صاحبه، قال: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) وكذلك قوله: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ) أي: قد سلمت إليكم فخذوها مهنأة، ويجوز أن يكون معناه ادخلوها مع السلامة من الآفات، والسلام والسلامة واحد مثل الضلالة والضلال، والجلالة والجلال. السادس: التحية، قال: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ) أي: يدخل الملائكة عليهم مسلمين مهنئين، ونحوه قوله: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) ......

стр. 232

أي: على إخوانكم، وقال: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ) حكاية ما تحيون به. وتقديره في العربيِة الابتداء، والخبر وتأويله ما تحيون به هو هذا القول، ومثله: (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) والتحية أعم من السلام، والسلام مخصوص، ويدخل في التحية: حياك الله، ولك البشرى، ولقيت كل خير. فإن قيل: كيف يعطف الجزء من الشيء على جميعه؟ قلنا: لأن من كلامهم عطف الخاص على العام، كقوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى). وكقوله: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) وقال جرير: سائل ذوي يمن ورهط محرقٍ ... والأزد إذ ندبوا لنا مسعودا والأزد من اليمن

стр. 233

السيئات قد تكلمنا في هذا الحرف بما فيه كفاية، وهو في القرآن كل خمسة أوجه: الأول: المعاصي، قال: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) وارتفع (جزاء) بإضمار لهم، أى: لهم: (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا). وقال البلخي: الباء في قوله: (بِمِثْلِهَا)، زائدة وليس كما قال، وإنَّمَا هو على تقديم وتأخير، كأنَّه قال: يجازي بسيئة مثلها، والسيئات هنا الكبائر من المعاصي. والمراد أن من يأتي بكبيرة من الكبائر يجازى بما يستحق عليها من غير زيادة، وهذا دليل على أنه لا يعاقب بغير ذنب؛ لأن العقاب بغير ذنب قبيح من الزيادة في العقاب. ولا يسمى إيصال العذاب زيادة، وقيل: منه قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) أنه أراد به إيصال الثواب، وقيل: هي التفضل، وقال الكلبي: الزيادة للواحد عشرة ونحوه عن الحسن ﵀. الثاني: العذاب، قال: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) وسمي العذاب، وهو فعلة سيئة، كما سماه شرا في قوله: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ) وإنما سماه شرا وسيئة من أجل أنه مضرة، وقال الشاعر: أنا عَلى الماء لشر موضُوع فسمى نفسه وقومه شرا، أراد أنهم مضرة على من يزاحمهم على الماء. ولا يجوز أن يسمى اللَّه شريرا ولا مسيئا لفعله العذاب الذي سماه شرا أو سيئة، لأن الشرير هو الذي يفعل الشر القبيح، مثل الظلم وما بسبيله. الثالث: الضر، قال الله: (بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) وقال: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أي: بالضر وسوء الحال، والبلوى من الله التكليف، وأصلها استنارة العلم بالمبلو

стр. 234

الرابع: الشر، قال: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا)، أي: الشر الذي أراده به فرعون. الخامس: الفاحشة، قال: (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) يعني: إتيان الرجال. ويجوز أن يكون أراد ذلك وغيره من قبيح أعمالهم، والأصل في هذا كله المكروه على ما ذكرنا، وهاهنا وجه آخر وهو قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) والسيئات هاهنا الصغائر. والمراد إن اجتنبتم المعاصي التي هي أكبر من طاعتكم وغفرت لكم معاصيكم التي هي أصغر منها ولو لم تكن هذه الكبائر أعظم من طاعات فاعليها لغفرت بالطاعات؛ كما يغفر بها الصغائر، ولو كانت الكبائر تغفر بالطاعات لم يكن، لقوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فائدة

стр. 235

السبيل تذكر وتونث، وأصلها من الامتداد، ومنه قيل للمطر بين السماء والأرض سبل، لامتداده من السحاب إلى الأرض، وأسبلت الستر إذا أرخيته فامتد من علو إلى سفل، والسبيل في القرآن على ثلاثة عشر وجها: الأول: الطاعة، قال اللَّه: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: في طاعته. الثاني: البلاغ، قال: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) أي: بلاغا، والمراد بالاستطاعة هاهنا وجدان النفقة، وصحة البدن، ورفع الموانع، وتمام الوقت. الثالث: المخرج، قال اللَّه: (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) وقال اللَّه: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) وكان الله فرض أن يحصن الزاني، وهو قوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) فلما نزل؛ ......

стр. 236

(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ)، وقال ﵇: " قد جعل الله لهن سبيلا ". وأخرج من كان عنده من الزناة محبوسا فجلدهم مائة مائة وخلاهم، ثم فصل ﵇ حد الزاني فجعل للذكر الجلد، وللأنثى الرجم، وقال: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) ولم يذكر الذكور؛ لأنه معلوم أن حد الزناة مثل حد الزواني فاكتفى بذكر أحد الصنفين. والفاحشة هنا الزنا، واستشهدوا مثل اشهدوا كما تقول: استوقد نارا، أي: أوقد، هذا قول، والأجود أن يقال: استشهد، طلب الإشهاد. واستوقد طلب الاستضاءة بالنار، ولا يجوز أن يكون افعل واستفعل بمعنى واحد، كما لا يكون علم واستعلم بمعنى واحد. الرابع: الصنيع، قال اللَّه: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) أي: صنيعا. الخامس: العلة، قال: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) أي: علة، تقول: إذا نشزت المرأة على زوجها فله أن يهجرها من غير أن يمنعها النفقة والسكنى، وإذا أطاعته فلا يبغي عليها سبيلا، أي: لا يكلفها حبه، فإن ذلك لا تملكه. السادس: الدِّين، قال اللَّه: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: غير دينهم، وقال (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ). السابع: الهدى، قال: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) والإضلال هاهنا التسمية كما تقول: جهلت الرجل إذا سميته جاهلا، وعدلته إذا سميته عدلا، ومثله قوله: (فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ) أي: من حكم عليه باسم الضلال عقوبة له

стр. 237

ودليل ذلك قوله في أول الآية: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ) ومثله: (فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ). الثامن: الحجة، قال الله: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) أي: حجة، وفي هذا دليل على أن اللَّه قد مكنهم من الإيمان؛ لأنه لو لم يمكنهم منه لكان للكافرين على من يدعوهم إلى الإيمان حجة (١). التاسع: الطريق، قال: (لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) يعنى: أنهم لا يعرفون الطريق إلى المدينة. وقال (وَابْنِ السَّبِيلِ)، وَابْنُ السَّبِيلِ المسافر يأخذ من الصدقة، وإن كان له مال في بلده، وكل من ذكر في الآية، أنه يأخذها فإنما يأخذها بالفقر إلا ابن السبيل، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وقوله في هذه الآية: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) فإنه يعني: الجهاد. وقال الكوفيون: لا يعطى إلا الفقراء من المجاهدين؛ فإذا أعطوها وهم فقراء فقد ملكلوها وأجرى المعطي وإن لم تصرفوه في سبيل اللَّه، وقال الشافعي: " يعطى الغني والفقير من المجاهدين ". العاشر: الهدى، قال: (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) أي: عن قصد الهدى، يعني: الإسلام، ومثله: (وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السبِيلِ). الحادي عشر: قيل: الانتقام، قال: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) وقال: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ).

стр. 238

وقيل: المراد أن الحجة على الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ في القعود عن الجهاد، وهم يقدرون على [النفوذ] فيه، وقالوا: ومثله: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) يعني: أن مناصحتهم للدِّين إحسان، وليس على المحسن حجة. الثاني عشر: الطاعة والقربة، قال الله: (إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) أي: زلفى وقربة. الثالث عشر: الملة، قال اللَّه: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي) أي: ملتي وديني

стр. 239

الباب الثالث عشر فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله شين الشرك أصل الشرك إضافة الشيء إلى مثله، ومنه قيل: شراكا النعل، لأن كل واحد منها يشبه الآخر، وشراك الطريق مشبه بشراك النعل، وأشرك بالله عبد معه غيره؛ لأنه أضافه إليه وشبهه به. والشرك في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الإشراك بالله في العبادة، كقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) و (إن) في موضع نصب. والمعنى إن اللَّه لا يغفر الشرك به إلا بالتوبة؛ فحذف ذكر التوبة لدلالة العقل عليه، ولشهادة السمع به، وهو قوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ) وقال: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) يعني: (أصحاب الصغائر؛ لأن ما دون الشرك صغائر وكبائر فلو كانا جميعا مغفورين لم يكن لقوله: (لمِنْ ......

стр. 240

يَشَاءُ) فائدة ولا يجوز أن يكون ما دون الشرك لا يكون كفرا، لأن الشرك والكفر في أسماء الدين واحد، وكل كافر مشرك. وقوله: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) وقوله: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). الثاني: قالوا: الشرك بمعنى الطاعة، قال اللَّه: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ) أي: أطعتموني. وقيل: أراد إني كفرت اليوم بما أنتم في الدنيا تدعونه لي من الشرك بالله، وهو مثل قوله: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ). وقال الكلبي: هو على التقديم والتأخير، أي: إني في دار الدنيا كفرت بربي الذي أَشْرَكْتُمُونِي به. وقال الحسن: إني كفرت بما جعتموني إلها وما على التفسير مصدر، أي: كفرت، بإشراككم إياي بالله، وقال أبو علي ﵀: أي: إني كفرت بما أَشْرَكْتُمُونِي به بعد ذلك، لأنه قد تقدمهم بالكفر. الثالث: الربا علي ما جاء في التفسير، قال اللَّه: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) أي: لا يرائي فيما نفعل من العبادة. وقيل أيضا: إنه أراد الإشراك بالله غيره، وقوله: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) يعني: الشياطين المذكووين في قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) يزينون لهم ذلك بالوسوسة، وقيل: هم رؤساء السوء، وقيل: هم السدنة، وقوله: (وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) يعني: للأصنام وجعلها لهم شركاء، لأنَّهُم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه عليها

стр. 241

الشقاق أصل الشقاق من قولهم: شققت الشيء إذا قطعته بنصفين فبعد أحدهما عن الآخر وكل قطعة منه شقة، وسمي الثوب الطويل القليل العرض شقة كأنَّه من قلة عرضه قد شق من غيره، وشقيق الرجل أخوه؛ كأنَّه شق منه، وسُمِّيت الأرض البعيدة شقة لطولها وتراخي بعضها عن بعض، ومن ثم قيل للطويل أشق، وشق الأمر على فلان طال حتى أتعبه، وشاق فلان فلانا إذا عاداه وباعده، والأصْل في ذلك كله البعد. والشقاق في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الضلال قال اللَّه: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) ويجوز أن يكون أراد المجانبة والمباعدة، أي: هم في بعد عن الحق وعن صاحب الحق شديد. الثاني: الخلاف، قال: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) جاء في التفسير أنه أراد الخلاف، ويجوز أن يكون بمعنى الفُرْقة وهو أجود. الثالث: العداوة، قال: (وَشَاقُّوا الرَّسُولَ) أي: عادوه. قال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وقال: (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي) وهذه الألفاظ يقام بعضها مقام بعض في هذه الآيات، وأصلها واحد، وإنَّمَا أوردتها على ما جاء في التفسير

стр. 242

الشهادة الشهادة الإخبار عن معرفة تقوم مقام الرؤية، والشاهد المخبر بها. وهو في اللغة على وجوه: أحدها: الحضور، شهدته حضرته. والآخر: الإعلام شهد الشهود، وهو إعلام ما عندهم، ومنه: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أراد تعريف عباده أنه لا إله إلا هو، فقال: شهد بذلك لأن هذا القول أفخم وأوكد ومن الألفاظ ما هو أقوم فتفخم المعنى ألا ترى أن قولك: تضعضع ركن فلان أفخم من قولك: ضعف فلان، ولذلك رغم أنف فلان أفخم من قولك: ذل فلان. ومنه الإقرار، وهو قوله: (وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) وقال: (شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا). ومنه الحكم، قال: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) واليمين في قوله. (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ) وأربع، والرفع على خبر الابتداء، أي: شهادة أحدهم أربع، والنصب على أن تشهد أحدهم أربع شهادات، وهو أن تقول: أشهد بالله وأحلف بالله إني صادق فيما قذفتها به، وتقول المرأة: أشهد باللَّه وأحلف باللَّه إنه لمن الكاذبين فيما قذفتني به، فإذا فعلا ذلك فرق بينهما، ولا [تحل] له أبدا عند أكثر الفقهاء. وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) قيل: أراد اليمين، والصحيح أنه أراد أن أحدكم إذا حضره الموت وهو ضارب في الأرض، أي: مسافر وأراد أن يوصي فينبغي أن يشهد على وصيته اثنين منكم، أي: من المسلمين، فإن لم ......

стр. 243

يجدها فمن أهل الذمة، وهو قوله: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) فإن ارتبتم في شهادتهما فأقيموها بعد الصلاة، أي: صلاة العصر، وذلك لتعظيم أهل الذمة لهذا الوقت، فيحلفان على صحة شهادتهما، وقيل: إنها منسوخة بقوله: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ). والشهداء في قوله: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الكبراء الأعلام، وقيل: الأصنام. والشهيد في القرآن على ثمانية أوجه: الأول: نبي كل أمة شهيد عليهم يوم القيامة، قال: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) وقال: (وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) وقال: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) إلا أن هذا في الدنيا. وفى هذا دليل على أن ذنوبهم بعلمهم، وإلا فبأي شيء يشهد عليهم، الأنبياء أتراهم يشهدون عليهم بأفعال الله، وليس ذلك بمعقول. الثاني: الحافظ، قال الله تعالى: (ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) أي: حافظ له مجاز عليه. ويجوز أن يكون العالم ومنه الشهادة في الحقوق؛ لأنها لا تصح إلا مع العلم، وهو قوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) ثم قال: (إِلا الذِينَ تَابُوا)، قالوا: فشهادكم في كتاب الله مقبولة. وعن شريح، وابن المسيب، وإبراهيم، وسعيد بن جبير: أن شهادته غير مقبولة، وإن تاب. وعن عطاء، وطاووس، ومجاهد، والشعبي، والقاسم بن محمد، وسالم، والزهري: أنها مقبولة إذا تاب

стр. 244

والصحيح أنها لا تقبل وإن تاب؛ لأن حكم الاستثناء أن يكون راجعا إلى ما يليه، ولا يرجع إلى ما تقدمه، إلا بدلالة، ألا ترى أن قائلا لو قال لفلان عليَّ عشرة درهم إلا ثلاثة درهم إلا درهما كان عليه ثمانية درهم، لأن الدرهم مستثنى من الثلاثة، هذا أصل الاستثناء. وقد جاء في القرآن [مثنا ولا لجميع المذكور] (١)، وهو قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إلى قوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) فكان الاستثناء راجعا إلى جميع المذكور، فيقول في ذلك إن الدلالة قد قامت في هذه الآية؛ ولم تقم في الأول. وقال الأوزاعي: لم تقبل شهادة محدود في قذف في الإسلام. وقال أبو علي ﵀: تقبل شهادته إذا تاب؛ لأنها إنما ترد عقوبة، فإذا تاب سقطت العقوبة، وقيل: ليس ذلك بشيء؛ لأنه أيضا يحد عقوبة، وإذا تاب لم يسقط الحد بالإجماع، فكذلك الشهادة لا تقبل بالتوبة. قلنا: وهذه المعارضة ليست بالصحيحة؛ لأن الحد في القذف حتى لآدمي فلا يسقط بالتوبة. وليست كذلك الشهادة. وقال: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) يعني: الملك الذي حفظ عليه عمله في الدنيا يشهد عليه في الآخرة. ومثله: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ) يعني: الحفظة من الملائكة.

стр. 245

ومثله: (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) يعني: الحفظة، ويجوز أن يكون المعنى الذين يشهدون على الناس بأعمالهم من كل أمة. والأشهاد جمع شهيد نادر وجاء في جميع بأن أبناء، وفي جمع جان أجناء، فقيل في مثل أجناؤها أبناؤها، وله حديث ذكرناه في كتاب " جامع الأمثال ". الثالث: قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) يعني: أمة محمد ﷺ : (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا). يعني: على أهل زمانه. ولو كان شهيدا على غيرهم فحن جاء بعده لم يكن لقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) أي: معرفين منبهين،: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) أي: معرفا ومبينا، كما قال: (ويتلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) وكما قال: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ) والوجه أن يكون المراد الشهادة: عليهم بأعمالهم. الرابع: المستشهد في سبيل الله، قال الله: (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) يعني: من قتل فى سبيل اللَّه وسُمِّي شهيدا، لأن الملائكة تشهده، فعيل بمعنى مفعول، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى فاعل، أي: شهد ما سره من الثواب والبشارة الحسنة. الخامس: الذى يشهد على الحقوق، وقال تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) والمرضي هو العدل؛ وهذا موكول إلى الاجتهاد؛ لأنه قد يجوز أن يكون المرضي عندك غير مرضي عند غيرك. وقال أبو يوسف: إذا سلم من الفواحش وكان ما فيه من أخلاق البر أكثر عن المعاصي الصغار قبلت شهادته؛ لأنه لا يسلم عبد من الذنب، ومثله: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) أي: من أهل ملتكم

стр. 246

وجواز شهادة أقل من رجلين أو رجل وامرأتين خطأ بدلالة هذه الآية، ومن أجاز بتثبيت الحق بتميز الطالب وإشهاد شاهد واحد؛ فإنه مبطل لظاهر هذه الآية. والأمة مجمعة على أنها غير منسوخة، وقوله: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) لفظ عام، والمعنى خصوص، أي: إذا خفتم رجوع أحد المبايعين عما عقد على نفسه، فأشهدوا عليه بما عقد. والكتاب والإشهاد واجبان عند تخوف الإضاعة، وقوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) يشهد بصحة هنا التأويل، وقال: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ). السادس: الحاضر، قال تعالى: (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) وقال: (وَبَنِينَ شُهُودًا) أي: حضورا. (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) أي: حضورا. السابع: الأحكام والأعلام من الناس؛ وهو قوله: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقد مر. الثامن: الفطن الحاضر الذهن؛ قال: (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) وحقيقة إلقاء السمع الاستماع؛ أي: استمع إليك وهو شهيد؛ أي: قلبه شاهد عندك لا يغيب عنك فهمه، وإذا كان كذلك انتفع بالخير الذى تدعوا إليه. وأما قوله: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) فمجازه: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً فيكون شاهد لي على دعائي إياكم، وتكذيبكم لي قل الله شاهد لي على ذلك. وفي هذا دليل على أن اللَّه شيء، ألا نرى أنه لا يحوز لك إذا قيل لك: أي الناس أصدق؟ أن تقول جبربل؛ لأن جبريل ليس من الناس، ولو لم يكن منفردا عند القائل والسامع أن الله شيء؛ لكان هنا الكلام لغوا لا معنى له؛ فإن قيل: (أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً) تمام

стр. 247

وقوله: (شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) ابتداء وليس بجواب، ولو كان جوابا [كان ما بعده من قوله: (شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)] (١). والشهادة في قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) بمعنى المشاهدة، وأصل الكلمة الظهور، ومنه قيل: شاهده؛ أي: ظهر به ظهور المقابل بالشهادة، ويشهد ذكر الشهادة وهو قول: أشهد أن لا إله إلا هو، وتشاهدوا: تعاونوا على إقامة الشهادة. وقال: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قيل: الشاهد: محمد صلوات الله عليه، والمشهود: يوم القيامة، والشهد: العسل على ما شوهد في موضعه قبل أن يصفى. والشهادة في قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) الحضور؛ يعني: من كان حاضرا في أهله، ومن شرائط ذلك الصحة، والشاهد قوله ْتعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ).

стр. 248

الشيع أصلها من العموم، ومنه شاع الخبر؛ إذا فشا فعرفه كل أحد، ولك سهم شائع في الدار وشاع؛ أي: هو في جميع الدار غير مشار إليه في موضع منها دون موضع

стр. 249

وشيعة الرجل؛ من يعينه على أموره، وشايعه، إذا عاونه معاونة عامة، وشيع الرجل؛ الرجل إذا صار معه كما يسير الخبر الشائع. ويقال: هو شيعة لك، وقيل: الشيعة مأخوذة من الشياع؛ وهو الحطب الصغار التي تشعل بها النار ويعين الحطب الكبار على الاتقاد. وقيل: أصل الكلمة من الاتباع، ومنه شاعك؛ أي: تبعك، وشاعكم السلام؛ أي: تبعكم. والشيع في القرآن على أربعة أوجه: الأول: الفرق المختلفة؛ قال: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) يعني: إنهم فارقوا الإسلام وصاروا فرقا يهودا ونصارى وجعل الإسلام دينهم ولم يدينوا به؛ لأنَّهُم بُدِّلوا إليه وأمروا به. ويجوز أن يكون معناه أنهم فارقوا دينهم حين اختلفوا فيه، [وذلك أن النصارى يكفر بعضهم بعضا وصاروا شعابا لاختلافٍ فيه]

стр. 250

وفي هذا نهي عن إحداث البدع في الدِّين، ومفارقة جميع المسلمين، ومثله: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) وقال: (وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا). الثاني: قوله: (هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ) يعني: أنه ولد ابنه إسرائيل ولم يكن من القبط. الثالث: أهل دين؛ قال اللَّه: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ) أي: من كان على دينكم، وقال: (كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ) وقال: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) أي: من كِل أهل دين باطل، وقال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ) أي: من أهل دينه. الرابع: اختلاف الآراء وتغاير الأهواء، قال الله: (هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) يوعدهم بالعذاب من فوقهم وهو الطوفان، أو من تحت أرجلهم الخسف، أو يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا أي: يخذلهم ويخليهم من ألطافه وفوائده (١)، كل ذلك بذنوبهم فيلتبس عند ذلك أمرهم ويختلفوا حتى يذوق بعضهم بأس بعض.
следующие страницы →