← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37586

الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري - معتزلي

أبو هلال العسكري

Полный текст (483 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وجواز شهادة أقل من رجلين أو رجل وامرأتين خطأ بدلالة هذه الآية، ومن أجاز بتثبيت الحق بتميز الطالب وإشهاد شاهد واحد؛ فإنه مبطل لظاهر هذه الآية. والأمة مجمعة على أنها غير منسوخة، وقوله: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) لفظ عام، والمعنى خصوص، أي: إذا خفتم رجوع أحد المبايعين عما عقد على نفسه، فأشهدوا عليه بما عقد. والكتاب والإشهاد واجبان عند تخوف الإضاعة، وقوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) يشهد بصحة هنا التأويل، وقال: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ). السادس: الحاضر، قال تعالى: (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) وقال: (وَبَنِينَ شُهُودًا) أي: حضورا. (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) أي: حضورا. السابع: الأحكام والأعلام من الناس؛ وهو قوله: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقد مر. الثامن: الفطن الحاضر الذهن؛ قال: (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) وحقيقة إلقاء السمع الاستماع؛ أي: استمع إليك وهو شهيد؛ أي: قلبه شاهد عندك لا يغيب عنك فهمه، وإذا كان كذلك انتفع بالخير الذى تدعوا إليه. وأما قوله: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) فمجازه: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً فيكون شاهد لي على دعائي إياكم، وتكذيبكم لي قل الله شاهد لي على ذلك. وفي هذا دليل على أن اللَّه شيء، ألا نرى أنه لا يحوز لك إذا قيل لك: أي الناس أصدق؟ أن تقول جبربل؛ لأن جبريل ليس من الناس، ولو لم يكن منفردا عند القائل والسامع أن الله شيء؛ لكان هنا الكلام لغوا لا معنى له؛ فإن قيل: (أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً) تمام

стр. 247

وقوله: (شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) ابتداء وليس بجواب، ولو كان جوابا [كان ما بعده من قوله: (شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)] (١). والشهادة في قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) بمعنى المشاهدة، وأصل الكلمة الظهور، ومنه قيل: شاهده؛ أي: ظهر به ظهور المقابل بالشهادة، ويشهد ذكر الشهادة وهو قول: أشهد أن لا إله إلا هو، وتشاهدوا: تعاونوا على إقامة الشهادة. وقال: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قيل: الشاهد: محمد صلوات الله عليه، والمشهود: يوم القيامة، والشهد: العسل على ما شوهد في موضعه قبل أن يصفى. والشهادة في قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) الحضور؛ يعني: من كان حاضرا في أهله، ومن شرائط ذلك الصحة، والشاهد قوله ْتعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ).

стр. 248

الشيع أصلها من العموم، ومنه شاع الخبر؛ إذا فشا فعرفه كل أحد، ولك سهم شائع في الدار وشاع؛ أي: هو في جميع الدار غير مشار إليه في موضع منها دون موضع

стр. 249

وشيعة الرجل؛ من يعينه على أموره، وشايعه، إذا عاونه معاونة عامة، وشيع الرجل؛ الرجل إذا صار معه كما يسير الخبر الشائع. ويقال: هو شيعة لك، وقيل: الشيعة مأخوذة من الشياع؛ وهو الحطب الصغار التي تشعل بها النار ويعين الحطب الكبار على الاتقاد. وقيل: أصل الكلمة من الاتباع، ومنه شاعك؛ أي: تبعك، وشاعكم السلام؛ أي: تبعكم. والشيع في القرآن على أربعة أوجه: الأول: الفرق المختلفة؛ قال: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) يعني: إنهم فارقوا الإسلام وصاروا فرقا يهودا ونصارى وجعل الإسلام دينهم ولم يدينوا به؛ لأنَّهُم بُدِّلوا إليه وأمروا به. ويجوز أن يكون معناه أنهم فارقوا دينهم حين اختلفوا فيه، [وذلك أن النصارى يكفر بعضهم بعضا وصاروا شعابا لاختلافٍ فيه]

стр. 250

وفي هذا نهي عن إحداث البدع في الدِّين، ومفارقة جميع المسلمين، ومثله: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) وقال: (وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا). الثاني: قوله: (هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ) يعني: أنه ولد ابنه إسرائيل ولم يكن من القبط. الثالث: أهل دين؛ قال اللَّه: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ) أي: من كان على دينكم، وقال: (كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ) وقال: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) أي: من كِل أهل دين باطل، وقال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ) أي: من أهل دينه. الرابع: اختلاف الآراء وتغاير الأهواء، قال الله: (هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) يوعدهم بالعذاب من فوقهم وهو الطوفان، أو من تحت أرجلهم الخسف، أو يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا أي: يخذلهم ويخليهم من ألطافه وفوائده (١)، كل ذلك بذنوبهم فيلتبس عند ذلك أمرهم ويختلفوا حتى يذوق بعضهم بأس بعض.

стр. 251

الباب الرابع عشر فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله صاد الصدق أصل الصدق من الثبات، ومنه قيل: صدقهم القتال؛ إذا ثبت لهم، وتمرٌ صادق الحلاوة يرجع إلى هذا. والصدق خلاف الكذب؛ لأنه يثبت، والكذب يبطل، والصداقة: ثبات المودة، ثم صار الصداقة اسما لاتفاق الضمائر على المودة، فإذا أضمر كل واحد من المتعاشرين مودة صاحبه، فصار باطنه فيها كظاهره سميا صديقين. ولهذا لا يجوز أن يقال: إن الله صديق المؤمن، كما يقال: إنه وليُّه، ولا يجوز أن يكون المؤمن صديقه كما أنه خليله وحبيبه ووليه، ومعنى الولي أنه يحب الخير لوليه، كما أن العدو يحب الضر لعدوه، ويقول الله: (وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) بمعنى أنه يتولى حفظهم وكفايتهم، كما أن ولي الطفل هو المتولي لشأنه والمتكفل لمعونته، ومعنى محبة العبد لله؛ إرادة: طاعته، ومحبة الله للعبد إرادة ثوابه. ومعنى الخلة الاختصاص، فقيل: إن إبراهيم خليل اللَّه لاختصاص اللَّه إياه بالرسالة، ولا يجوز أن الله خليل له؛ لأنه لا يجوز أن يخص اللَّه بشيء غير العبادة، والخلق في عبادة الله سواء ليس لأحد فيها خصوصية

стр. 252

والوجه الأجود في أصل الصدق والصداقة وما في بابه أن يقال: إن أصل الكلمة الكمال، فقيل: الصدق لكماله في الحسن، وصادق الحلاوة كامل الحلاوة، والصداقة كمال المودة [بحمل جميع في هذا الباب على هذا الوجه فيصح]. والصادقون في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: النبيون " قال الله: (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) فأخبر أنه يسأل الأنبياء ليكون غيرهم على حذر. الثاني: المهاجرون؛ قال تعالى: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) جاء في التفسير أنه أراد المهاجرين خاصة؛ لأن الآية نزلت فيهم، وذكر بعدهم الأنصار. الثالث: المؤمنون جميعا؛ قال اللَّه: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ) يعني: المؤمنين؛ لأن الآية نزلت فيهم

стр. 253

الصف أصله في اللغة الامتداد والطول؛ ومنه قيل: صفة البيت؛ لأنها ممدودة طويلة، وصف الطائر: بجناحيه إذا مدهما في طيرانه، وصفة السرج: ما غشي به ما بين القَرَبُوسَين والسرجين وهما جانبا الرحل، [والصَّفِيفُ مِنَ اللَّحْمِ: ما شُرِّحَ طولا وجفف في الشمس]. وهو في القرآن على وجهين: الأول: بمعنى الجميع؛ قال الله: (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا) وقوله: (ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) أي: جمعا، وقيل: ذكر الواحد وأراد الجمع، أي: عرضوا صفوفا، وقيل: صفا، أي: قياما، وذلك أن القائم يصف قدميه في القيام وهو أجود. الثاني: الصف الممدود، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) وقال: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) يعني: صفوفا ملائكة في السماء مصلين ومسبحين

стр. 254

والمعنى ورب الصافات، وأنث على معنى الجماعة للصافة، ثم جمع فقال: (الصافاتِ)، فأمَّا قوله: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) فالمراد به أنها قائمة قد صفت بدنها، ولم يرد أنها مصطفة لإجماع الناس أنها يجوز نحرها غير مصطفة. فأما السُّنَّة في نحر الإبل أن تنحر قائمة، وفي قوله: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) ما يدل على أنه أراد وبالصواف القيام؛ لأنَّهَا إذا كانت باركة فنحرت فانقلبت على جنب، لم يقل: إنها سقطت لجنبها

стр. 255

الصيحة فعلة من صاح يصيح، ويستعمل في جميع الحيوان، وجاء في غير ذلك أيضا، قال الشاعر: تصيحُ الرُدينياتُ فينا وفيهمُ ... صياحَ بناتِ الماءِ أمسينَ جوّعا والصيحة في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: صيحة جبريل - صلى الله عليه -؛ قال الله: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) في مواضع من القرآن. الثاني: النفخة الأولى لفناء الخلق، قال الله: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) ومثله: (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً). الثالث: النفخة الثانية لقيام الساعة؛ قال الله: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) ونوه: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ) ولم يقل: ما ينظرون ليكون أعظم في الإخبار، كما يقول: لو رأيت عليا بين الصفين، ومثله: (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ)

стр. 256

الصاعقة هي ما كثف من البروق وعظم، وأصلها من شدة الضرب، يقال: صقعه إذا ضربه ضربا شديدا، وأكثر ما يستعمل في الضرب على الرأس فقلب، فقيل: صاعقة، وربما قيل: صاقعة على الأصل، وصعق الرجل؛ إذا سمع صوتا شديدا فغشي عليه وهو صعق، وفي القرآن: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) وصعق الرجل بالفتح، إذا صاح، ويجوز أن تكون الصاعقة من هذا. والصاعقة في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: شدة الصوت، قال: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) وكانوا سمعوا صوت تدكدك الجبل؛ فماتوا موتا لم يضطروا معه إلى معرفة البارئ ولهذا أجاز أن يكلفهم بعده لأن التكليف مع وقوع العلم ضرورة لا يصح من أجل أن العالم ضرورة ملجأ إلى فعل الطاعات، والتكليف لا يكون إلا مع الاختيار وإلا فإنه ليس بتكليف (١). الثاني: العذاب، قال: (فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ). الثالث: الموت قال: (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ). أي: ماتوا، وقيل: معنى ذلك أنهم يغشى عليهم ثم يموتون

стр. 257

الصلاح الصلاح نفع يلتئم به الأمور، والإصلاح تقويم العمل على ما ينفع بدلا مما يضر؛ والفساد ضر تضطرب به الأمور، والإفساد تقويم العمل على ما يضر بدلا مما ينفع. ْوأما القبح فهو المنكر في النفس من جهة زجر العقل (١)، والفرق بين فساد التفاحة بتعينها وفساد الإنسان بخطيئته؛ أن أحدهما تزجر عنه الحكمة، والآخر لا تزجر عنه على أنه قد حدث ما ينافي في المنفعة به. والصلاح في القرآن على سبعة أوجه قالوا: الأول -: الإيمان؛ قال الله : (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ). قال: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) يعني: المؤمنين، وقال تعالى: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ). الثاني: المنزلة الرضية؛ قال الله: (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) قال بعض أهل التفسير: تصلح منزلتنا عند أبينا، ومثله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) أي: في المنزلة الرضية عند الله. ويجوز أن يكون المراد إنا نتوب فيما بعد ونكون من الصلحاء، وقيل: الصلاح في قوله: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) العفة وليس أن من لم تكن عفيفة لا تزوج؛ وإنما أراد الحث على الصلاح.

стр. 258

وظاهر هذا الأمر الوجوب؛ وهو ندب بالإجماع، ولم يخل عصر من الأعصار من الأيامي من الرجال والنساء، ولم ينكر أحد أن ترك تزويجهن محظور. وأيضا فإن الأيم إذا لم ترد التزويج لم يكن للولي إجبارها، وأيضا فإن الرجل لا يجبر على تزويج عبده وأمته وهو معطوف على الأيامي. قال أبو علي ﵀: هو في الأيم إذا أرادت التزويج على الوجوب، وفي العبد والأمة ترغيب، قال: ويجوز أن يكون المعنى ترغيب الأحرار أن يتزوجوا الإماء الصالحات، وترغيب الحرائر أن يتزوجوا العبيد الصالحين. الثالث: الرفق على قولهم؛ قال تعالى: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) أي: ممن يرفق ولا يخرق، قال: ومثله: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ). وليس هذا بالوجه؛ وإنما أراد ضد الفساد، والشاهد: (وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) ويجوز أن يكون المراد بقوله: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) أي: أصلح لك في أمورك، وإني أفي لك ولا أخونك فأفسد أمرك. الرابع: تسوية الخلق؛ قال اللَّه: (لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أي: ولدا سويا، ويجوز أن يكون أراد صلاح الطريقة. الخامس: ضد الفساد؛ قال: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) وقال: (قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) أي؛ لأمور أنفسنا فيما نولي الكافرين؛ لأنهم إذا ظهروا أبقوا علينا، والدليل على صحة هذا التأويل أنه قرنه بالفساد، وقال: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ). السادس: الطاعة؛ قال: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يعني: الطاعات

стр. 259

السابع: الأمانة، قال الله: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) قالوا: يعني: ذا أمانة، ويجوز أن يكون معناه صلاح الطريقة في الدين، ويرجع معناه إلى الطاعة، وفلان صالح في نفسه؛ إذا أتى بمحاسن الأفعال،، وفاسد في نفسه؛ إذا أتى بمقابحها

стр. 260

الصراط هو في العربية الطريق الواضح السهل، يذكر ويؤنث، مثل: الطريق، والسبيل ولم نسمع له بجمع، والقياس: أصرطة، وسرط، وأصل الصاد فيه سين؛ من قولهم: سرطت الطعام؛ إذا أسرعت بلعه، وذلك أن السراط: ممر الحلق، والمسرط: البلعوم؛ لسرعة مرور الطعام فيه. وسمي [الفالوذ سَرَطْراطا]؛ لسرعته وسهولته في الحلق، ويف سراطي سريع القطع، سمي الطريق القاصد السهل سرطا؛ لسرعة المشاة فيه؛ لسهولته لا يمنعه من ذلك شيء، وجعل السين صادا لموافقة الصاد الطاء. وهو في القرآن على وجهين: الأول: الطريق؛ قال اللَّه: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ) ومثله: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ). الثاني: الدِّين؛ قال اللَّه: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) يعني: الدين المستقيم؛ فجعله صراطا على التمثل، ومثله: (وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا). والْمُسْتَقِيم: القاصد، والاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة؛ فإذا كان في الدِّين فالاستمرار على طريق الحق

стр. 261

وقال بعضهم: الصراط: الطريق المستقيم، والذي يفيده الصراط هو السهولة على ما ذكرنا، والذي يدل على ذلك أصل الكلمة وما يصرف منها، مثل: السرطراط وسرطته؛ إذا أسرعت بلعه لسهولته

стр. 262

الصلاة أصلها الدعاء صليت إذا دعوت، قال الشاعر: وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم وسميت الصلاة لما فيها من الدعاء، والصلاة على الجنازة؛ لأنَّهَا دعاء لا سجود فيه ولا ركوع، وقيل: أصلها اللزوم، [ومنه قيل]: (تَصْلَى نَارًا) أي يلزمها. واستعمل في القرآن على خمسة أوجه زعموا: الأول: الدعاء؛ قال الله: (إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) أي: ادع لهم إن دعائك مما يسكنهم وتطمئن [إليه] قلوبهم، وقيل: معناه استغفر لهم، ومعناهما قريب. والثاني: الترحم: قال بعضهم: قوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) أي ترحم عليهم أنهم يسكنون إلى ذلك، قال الأعشى: ......

стр. 263

عَلَيكَ مِثل الذي صَلَّيتَ فَاعتَصمِي رفع مثل على الدعاء دعا لها مثل الذي دعوت له، ونصبه على الأمر؛ أي: تزداد من الدعاء، أي: عليك بمثل ما قلت، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ). الثاني: الرحمة؛ قال: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ). وقال رسول الله ﷺ : " اللهُم صلِّ عَلى آلِ أبِي أوفَى " أي: ارحمهم، وهذا والأول واحد؛ لأن الترحم دعاء، ولا شك أن الله يرحم نبيه. والفائدة في الترحم عليه ما يستحق المترحم من الثواب، فإذا جدد الله تعالى لنبيه تكريما عند دعاء الداعي؛ قيل: إن اللَّه أجاب دعائه وفي الإجابة تكريم المجاب. والدعاء ليس بواجب في العقول؛ وإنَّمَا أوجبه القرآن لأن العاقل يعلم أن الله لا يختار له إلا الأصلح في دينه ودنياه (١). فيجوز أن ينصرف عن الدعاء تفويضا لأمره إلى الله، والله لا يمنع العبد ما فيه صلاحه؛ ولكنه أمره بالدعاء تعريضا للإجابة لما فيها من إكرام المجاب. ويجوز أن يكون أمره بالدعاء؛ لأن الذي يطلبه لا يكون مصلحة له إلا بالدعاء. الثالث: الصلاة المعروفة؛ قال: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) وقيل: دلوكها: غروبها، وقِيل: زوالها. الرابع: قوله: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) قال المفسرون: أراد قراءتك والمشهور الصلاة المعروفة. وقالوا له ذلك لما أنكروا ما يدعوهم إليه من مخالفة دينهم، كما تقول للرجل الصالح: تنكر منه أمرا أورعك أو صلاحك أمرك بهذا؟ وأنت تريد نهيه عن ذلك وإنكاره عليه.

стр. 264

الخامس: المغفرة؛ قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ) يعني: أنه يغفر لكم إذا تبتم إليه، ويستغفر لكم ملائكته، وهذا الوجه قريب من الوجه الثاني؛ لأن الرحمة والمغفرة يتقاربان

стр. 265

الصوم أصله الإمساك، ومصام الشيء مكانه، قال امرؤ القيس: كأنَّ الثُّرِيَّا عُلِّقَتْ في مَصامِها ... بأمراسِ كُتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ والخيل الصائمة: الممسكة عن الحملة، وقد صام النهار عبد قائم الظهيرة؛ كأن الشمس تسكن عند ذلك فلا تسير. والصوم في القرآن على وجهين: الأول: الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح مع النية، وهو قوله: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) وفي هذه الآية دليل على أن هذه الآية منسوخة لأنه لا يجوز أن تقول في هذا الوقت إن الصيام في شهر رمضان خير من الإفطار فيه. الثاني: الصمت؛ قال اللَّه: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي: صمتا، ويسمى الصمت صوما لأنه إمساك عن الكلام، ومن قال: إن الصوم ليس بمعنى؛ ......

стр. 266

فقد قال: إن الله فرض ما ليس بشيء، وأن النية والعزم يصح ما ليس بشيء، والنهي نحو عن ترك ما ليس بشيء، وتوطين النفس يكون لا على شيء وليس هذا بمعقول، وقد يكون صوم أعظم من صوم، وهذا يوجب على قوله: أن يكون لا شيء أعظم من لا شيء

стр. 267

الباب الخامس عشر فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ضاد الضحى مؤنثة وأصلها من البروز، ويقال مكان ضاح؛ أي: بارز، وضواحي المدينة. ظواهرها، وضحى الرجل يضحي إذا برز للشمس، وفي القرآن: (لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) والأضحية ترجع إلى هذا، وذلك أنهم كانوا يذبحونها في الضحى، والضحا بالمد بعد الضحى. والضحى في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: النهار كله؛ قال: (أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) جاء في التفسير أنه بمعنى النهار جمع قلنا، وذلك أنه جعله بإزاء البيات، والبيات يكون في جميع الليل، ولا يحسن في نظم الكلام أن يجعل الضحى التي هي أول النهار إزاء الليل كله. الثاني: إذا ترجل النهار؛ قال الله: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) الثالث: حر الشمس؛ قال اللَّه: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) قالوا يعني: حرها، ويجوز أن يكون الوقت ونسبه إلى الشمس؛ لأن الأوقات تعرف بمسير الشمس

стр. 268

الضرب أصله الثبات، ومن ثم قيل: ضرب على فلان البعث أي: ألزمه وأثبت عليه حكمه ومنه قوله تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ). ويخبر عن الإلزام بالضرب؛ لأن للضرب تأثيرا ليس إلا إلزاما؛ فلما أراد أنهم ألزموا ذلة تبقى أثرها كبقاء أثر الضرب، عدل عن ذكر الإلزام إلى ذكر الضرب، وقيل: المعنى أن الذلة أحاطت بهم من قولك: ضربت الخيمة على القوم، ونحوه قوله: ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنكَبُوتُ بِنَسْجِهَا ... وَقَضَى عَلَيْكَ بها الكتابُ المُنْزَلُ ومنه المضرب لأنه تضرب أوتاده في الأرض فتثبت، ويقال للجليد: الضريب؛ لأنه يثبت أكثر مما يثبت الثلج ولا يثبت ولا يجري. واستضرب العسل إذا غلظ تشبيها بالجليد، وضريبة الإنسان: خليقته لأنها ثابتة له لا يكاد يزول عنها، والضرب في الأرض المسير فيها؛ وهذا خلاف الثبات، والمضارب مشتق من الضرب في الأرض. والضرب العسل الأبيض الغليظ، والضريب ضرب من اللبن، والضرب من الشيء: الصنف منه. والضرب في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الضرب في الأرض؛ قال اللَّه: (إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وقال معاوية لبعض رؤساء اليمن: ما قول قومك في: (بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) ......

стр. 269

قال: أرادوا بعد الهمة والضرب في الأرض؛ ولكن ما قول قومك في: (إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ) هلا قالوا: إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ [عِنْدِكَ] فاهدنا له؟ ومثله: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فوضع التاجر مع المجاهد، وفي ذلك بيان عن فضل التجارة. الثاني: الضرب باليد والسيف وغيره؛ قال: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) وسمي ضربا لأن أثره يثبت في المضروب، ونصب ضرب الرقاب على المصدر. والمراد فإذا لقيتم الذين كفروا فاقتلوهم؛ ولكن أكثر القتل ضرب الرقبة، فأخرج الكلام على الأكثر، ولم يرد وأن هذا الضرب مقصور على الرقبة. والشاهد قوله: (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) وقال: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ) يعني: اضربرا الرءوس، واضربوا منهم كل بنان؛ لأنه قال: إنكم تتمكنون منهم أشد تمكن؛ فاضربوا الجليل من أبدانهم والدقيق. وقيل: (فَوْقَ الْأَعْنَاقِ) أي: ما بدا منها وهو على ما قلنا أنه أراد أن اقتلوهم. الثالث: التبيين والوصف؛ قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) أي: [وصف شَبَهًا وبيَّنه]

стр. 270

وقال: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) قالوا: معناه [لا تصفوه] بصفات غيره ولا تشبهوه بسواه. وضارب المثل كأنَّه ينصب شبها لما يريد أن يعرفك إياه فتنظر إليه وهو راجع إلى الإثبات. ويجوز أن يقال: ضرب المثل أي: جعله يسير فيكون من الضرب في الأرض، وقال: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً) أي: وصف له شبها ومثله كثير. وأما قوله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فإنما أراد إلقاء الثوب على الصدر ليتتر به، والجيب جيب الدرع، وكن يلبسن الدروع، وللدرع جيب مثل جيب الدراعة، والمرأة فيها مكشوفة الصدر فأمر بستره؛ وفيه دليل على أن صدر المرأة ونحرها عورة

стр. 271

الضر الضر ضد النفع، والضر: الهزال وسوء الحال، وكذلك الضراء، وقيل: الضُّر والضَّر لغتان وليس بالوجه. وذكر أن الضر أبلغ من الضر؛ لأنه عدل عن صيغة المصدر للمبالغة وهذا أجود. وأصل الكلمة الدنو، ومعنى قولهم: ضره؛ إذا لحق به المكروه، وإذا لحقه به فقد أدناه منه. وسحاب مضر إذا دنا من الأرض لكثرة مائه، قال الشاعر: غَوَاشي مضُر تحتَ ريحٍ وَوَابلِ وسميت الضرة ضرة؛ لأنَّهَا أدنيت من مثلها، والضرة أصل الضرع لقربها من البدن. والضر في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الشدة وسوء الحال؛ قال: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ) والفرق بين المس واللمس؛ أن المس يكون من الحجارة وما بسبيل ذلك، يقول: مس الحجر الحجر، واللمس لا يكون إلا لطلب معرفة اللين، أو الخشونة، والحرارة، والبرودة: فهو مستعمل في الإنسان. الثاني: الهول، قال الله: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ) يعني: الهول، ويجوز أن يكون المعنى جميع ما يدخل عليهم من الضرر عند الضلال. الثالث: النقص؛ قال الله: (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) أي: لا ينقصونه من ملكه شيئا [بمعاصيهم]

стр. 272

وأما الضرأء فقد جاءت بمعنى القحط والجدب، في قوله: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ) أي: خصبا وسعة بعد قحط وشدة. والفرق بين الضر والضراء؛ أن الضراء مضرة تظهر، ويجوز أن يكون الضر خافيا، والضراء خرجت مخرج الأحوال الظاهرة؛ مثل: الحمراء، والسوداء. وكذلك الفرق بين النعمة والنعماء؛ أن النعماء أنعام تظهر أثره، ويجوز أن تكون النعمة خافية

стр. 273

الضلال أصل الضلال الزوال عن القصد والسير عن غير بصيرة، وصاحبه بصدد الهلاك؛ ولهذا قيل -: إن الضلال الهلاك. ثم استعير لمن زال عن سبيل طاعة اللَّه؛ فقيل للكافر ضال، وللفاسق مثله؛ ثم جعل اسما للعقاب على الفسق والكفر، ويقال: أضللت فرسي وبعيري، وكل ما زال عنك فذهب. وضللت الطريق والدار وكل عا لا يترح، وأضللت فلانا؛ وجدته ضالا، ومنه قوله:، (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ). والإضلال؛ أيضا الإحباط في قوله: (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) والإضلال؛ الصرف عن القصد في قوله: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى). وقال بعضهم: الضلال والهلاك من قولهم: ضلت الناقة إذا أهلكت بضياعها، وضل الكافر إذا هلك بكفره، وضللنا في الأرض؛ إذا هلكنا بقطع أوصالنا، ورجل مضل؛ منسوب إلى الهلاك بأنه لا يتوجه لخير، وضل الرجل عن الطريق؛ إذا هلك عن قصده

стр. 274

والضلال في القرآن على اثني عشر وجها: الأول: التسمية والحكم، وقال تعالى: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) يعني: أنه يسميهم ضالين، كما تقول: جهلته إذا سميته جاهلا. (١) الثاني: النسيان؛ قال: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا) أي: تنسى، وإذا ذهب عن الطريق، قيل: قد ضل وكذا إذا ذهب عن معرفة الشيء. الثالث: عدم العلم بمبلغ الجرم؛ قال: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) أي: لم أعلم أن وكزتي تبلغ القتل؛ كأنَّه قال: فعلتها وأنا ضال عن العلم بها أنها تبلغ القتل، ومن ذهب عن الشيء يجوز أن يقال: إنه ضل عنه. وقال الزجاج: (وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) أي: الجاهلين، وهذا خطأ لأن اسم الجاهلين لا يطلق على الأنبياء. الرابع: الخطأ؛ قال اللَّه: (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي: في خطإ بين، ولو عنوا غير ذلك كفروا؛ فإن تضليل الأنبياء عليهم السلا على الحقيقة كفر. وحقيقة المعنى أنه ذهب عن الاستواء في تدبير أمر الدنيا؛ لأنه يفضل من لا غنى له على من له غنى. الخامس: الكفر، وهو قوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) يعني: بالضالين النصارى، والمغضوب عليهم اليهود، والمعنى غير طريق الذين تريد عقابهم في الآخرة من اليهود والنصارى، والغضب من اللَّه العقاب. السادس: الغفلة؛ قال الله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) كنت في غفلة عن النبوة لم تدو أنك تؤتاها، ودليله قوله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ). وقال بعضهم: (ضَالًّا) أي: في قوم ضُلَّال كما قال أبو عثمان المازني؛ لنزولة في بني مازن، وعمر والغزال؛ لمقامه بين الغزالين، وكل من نزل في قوم نسب إليهم، ومن

стр. 275

ذلك قولهم: العلوي الحماني، فأما قول من قال إنه كان على دين قومه فخطأ؛ لأن من يصلح للنبوة لا يجوز أن يستصوب عبادة الصنم. السابع: الإحباط؛ قال الله: (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: أحبطها ولم يحصلوا على ثوابها، وفي هذا دليل على أن الحساب لا ينفع مع الكفر. الثامن: العذاب؛ قال: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا) أي: عذابا؛ لأنه لا يضلهم في الأول فيزيدهم، والزيادة لا تكون إلا على أصل، وما سمي ما يوصل إليهم من العذاب المستحق في الحال الثاني والثالث، وما بعد ذلك زيادة لم يرد إنه يريدهم منه ما لا يستحقونه. التاسع: تفرق الشيء حتى لا يرى؛ قال تعالى: (أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ). العاشر: الصد، قال تعالى: (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ). أن يصدوك عن الإيمان ويردونك إلى الكفر. الحادي عشر: الخسار؛ قال الله: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ). وكل ما نسبه اللَّه إلى نفسه من الضلال فسبيله التسمية والحكم، أو الضلال عن الثواب، ودليل هذا قوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ). وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) وقال: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ). وأما قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ) فالفتنة؛ المحنة والابتلاء.

стр. 276

ونسب الضلال بها إلى نفسه؛ لأن الضلال وقع من بعض الناس عندما ابتلى بها، فنسب ذلك إلى نفسه، كما قال: (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) يعني: السورة، والمراد أنهم ازدادوا رجسا عندها. الثاني عشر: الحيرة قال تعالى: (فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) أي: في حيرة شديدة، أو في حيرة بعيد دواؤها وتلافيها. ويقال: ضل الطائر إذا تحر وضل - الصبي، مثله. وأما قوله: (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) فمعناه أن دعاء الكافرين لأوثانهم باطل لا مرجوع له، وضل الشيء إذا بطل وهلك. وأما قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ). فمعناه أنه يهدي الناس إلى ثوابه. لا إلى الدين؛ لأن الناس مهتدون إلى الدين. وكذلك ينبغي أن يكون الإضلال هنا من الثواب لا عن الدين، ولو جاز أن يضل عن الدين لجاز لنا ذلك، كما أنه جاز لنا أن نهدي إليه إذ كان الله يهدي إليه، ولو جاز أن يضل عن الإيمان لجاز أن يدعو إلى الكفر، ولو جاز له ذلك لجاز لنا (١).

стр. 277

الباب السادس عشر فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله طاء الطهارة أصل الطهارة في اللغة: البعد، يقال: طهرت الشيء وطهرته؛ إذا أبعدته، وسمي الطهور طهورا لأنه يبعد الفاحشة عن الجد وغيره. والطهور اسم ما يتطهر به، والطهور اسم الفعل على القياس دون السماع، والمسموع للطهر والطهارة. والطهارة في الشريعة: اسم يقع على معان كثيرة، منها: الصلاة، والزكاة، والبر؛ كلها طهارة؛ يعنى: أنها تطهر من الذنوب، وقوله: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) يطلبون إطهار النساء ولا يأتون الرجال، أو يأتوهن في قبل الطهر يطلبون النجاسة على ما كانت العرب تدعي من ذلك. والطهارة في القرآن على عشرة أوجه: الأول: طهارة المرأة من دم الحيض؛ قال الله: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ).

стр. 278

الثاني: الاغتسال؛ وهو قوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) أي: إذا اغتسلن أو تيممن عند عدم الماء. ولا يجوز عند الفقهاء مجامعتهن إذا طهرن فقط؛ لأنه قال تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) يعني: الفرج، وفيه دليل على أن [إتيانهن] في أدبارهن حرام؛ لأنه حرام إتيانهن في الحيض لأجل الأذى؛ وهو القذر، والقذر للدبر ألزم. ويجوز عند بعضهم مجامعتهن إذا طهرن قبل أن يتطهرن، ومنه كلام كثير اسقتصيناه في غير موضع. الثالث: التطهر بمعنى الاستنجاء بالماء؛ قال اللَّه: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) قال المفسرون: أراد غسل أثر البول والغائط بالماء، وقيل نزل في الأنصار وذلك أنهم كانوا يتبعون الحجر بالماء. الرابع: الطهور من جميع الأحداث والجنابة؛ قال الله: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) يعني: من الأحداث والجنابة، ونظيره قوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا). الخامس: التنزه عن إتيان الرجال في أدبارهم، قال: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) ويحتمل أيضا الوجوه التي ذكرنا. السادس: طهارة نساء أهل الجنة من الحيض والقذر؛ قال الله: (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) ويتضمن ذلك طهارة الأخلاق أيضا، لأنه جاء بلفظ التكثير. السابع: الطهارة من الذنوب؛ قال: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) يعني: الملائكة، وأراد طهارتهم من الذنوب، وقرئ (المطهِّرون)؛ ومعناه أنهم يطهرون غيرهم وليس بالوجه، وقيل: هو على الأمر؛ أي: لا يمس المصحف إلا طاهر، ومثله: (ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) أي: أطهر من الذنوب.

стр. 279

ومعنى ذلك أنه يكون كفارة، ونحوه قوله: (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ) أراد إذا لم يعضلوهن لأن أزكى لكم وأطهر لكم ولهن من الذنوب، لأنكم تأثمون بعضلكم إياهن، ولعل العضل يحملهن على الزنا، والعضل: المنع من التزويج وخبرها هنا أفعل. الثامن: التبرئة من الخطأ والغلط؛ قال اللَّه: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) يعني: القرآن، كذا قيل؛ وقيل: يقول إنها مكرمة عند الملائكة، مرفوعة عن الأرض. ويجوز أن يكون أراد رفع القذر مطهرة أن ينالها يد عاصية، ومثله: (يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً) يعني: القرآن أيضا، ويجوز أن يكون؛ (مُطَهَّرَةً) أي: منزهة أن يكون فيها كذب وباطل. التاسع: إبعاد الأوثان والأصنام؛ قال الله: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) أي: أبعد عنه ما يعبد منها. العاشر: تطهير الله العبد من الذنوب؛ بمعني أنه يمنحه ألطافا يمتنع معها من الذنوب، قال اللَّه: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (اصْطَفَاكِ) اختصك بأن قَبِل نذر أمك فيك ففرغك لعبادته [وسدانة بيته] (١)، وطهرك من الذنوب بأن وفقك لمجانبتها، واختصك من نساء العالمين بولادة عيسى ﵇ من غير ذكر؛ فلما كان المراد بالاصطفاء الأخير غير المراد بالاصطفاء الأول لم يكن تكرارا معيبا، وقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) والمعنى أن اللَّه وفقكم لمجانبة الذنوب فتجنبتموها وكنتم طاهرين.

стр. 280

الطاغوت كل ما عبد من دون الله وهو طاغوت، والطاغوت أيضا الشيطان وهو من طغى يطغوا، مثل: الملكوت من ملك يملك، وقيل: هو أعجمي، مثل: جالوت، وطالوت، وهو واحد وجمع. وجاء في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الشيطان؛ قال الله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) قالوا: هو الشيطان، ويجوز أن يكون الأوثان والذي لا شك فيه أنه الشيطان، قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)، لأنه قال بعد ذلك: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ). الثاني: الأوثان؛ قال اللَّه: (وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) وهو يذكَّر ويؤنث، والتأنيث قوله: (الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا) والتذكير قوله: (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ). الثالث: قوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) جاء في التفسير أنه أراد كعب بن الأشرف، وقيل: الكاهن.

стр. 281

وأصله أن رجلا عن المنافقين نازع يهوديا، فقال اليهودي: بينك وبيني محمد ﷺ عليه. وقال المنافق: بيني وبينك الكاهن. وقيل: كعب بن الأشرف ثم جاء إلى النبي ﷺ فحكم على المنافق، فلم يرض، وجاء أبا بكر فحكم عليه أيضا، فجاءا عمر وقص اليهودي عليه القصة، فأخرج السيف وقته المنافق، فبلغ رسول الله ﷺ وقال له: (أنت الفاروق، ثم قال: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) فذكر الشيطان وأراد ْأولياء الشيطان كما قال: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، وكما قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي أولياء الله.

стр. 282

الطمأنينة أصلها الانخفاض، والمطمئن من الأرض: المنخفض، وتطامن الشيء إذا [تَطَأْطَأَ] ثم استعمل في السكون. وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: السكون؛ قال: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) وتزول عنه الوسوسة؛ لأنه إذا شاهد إحياء الموتى لم يكن للشيطان إلى وسوسته سبيل، ومثله: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) ونظيره: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ). ويجوز أن يكون المعنى أنها تطمئن إلى ما وعد اللَّه من ثوابه، ويجوز أن يكون المعنى الذين نظروا واستدلوا فعرفوا اللَّه من طريق الدلائل فاطمأنت قلوبهم ولم يخالجها شك، فإن قيل: أوليس قد قال: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) والوجل ضد الطمأنينة، قلنا: المراد في هذا أنهم إذا ذكر اللَّه وجلت قلوبهم بذكر عقوباته للعصاة؛ وجلت قلوبهم لأنهم لا يأمنون أن يعصوه؛ فبصروا إلى عذابه. وقوله: (تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ) أنهم إذا ذكر بذكر ثوابه اطمأنت قلوبهم لأنهم لا يعرفون من أنفسهم معصية، وقد وثقوا بأن وعد الله حق. الثاني: بمعنى الرضا؛ قال: (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ).

стр. 283

الثالث: بمعنى الأمن؛ قال اللَّه: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ويجوز أن يكون هذا أيضا بمعنى السكون، قال بعضهم: معناها هاهنا الإقامة؛ أي: فإذا أقمتم فأقيموا الصلاة؛ أي: أتموها.

стр. 284

الطيبات أصل الياء في الطيب واو، ومن ثم قيل للقادم: أوبة، وطوبة، وقيل: طوبى له، وقيل: شيء طيب للزوم الطيب له، كما قيل: ضيق، وميت، وسيد، وما كان الصفة فيه عارضة، قيل: فاعل، كما قيل: ضائق. وهي في القرآن على ستة أوجه: الأول: الحلال؛ قال تعالى: (وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وقال: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) وقال: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) يعنى: أن الطيبات أحلت لهم عند كمال الدين. وذلك أنه قد أمنهم عند نزول هذه الآية أن ينسخ شيئا مما أحل لهم، واليوم هو الذي أنزل فيه هذه الآية، ويجوز أن يكون بمعنى الوقت، ويجوز أن تكون الطيبات الأرزاق التي جعلها اللَّه للناس، ومنع بالنهي عن منازعتهم فيها، وإنما سُمي الحلال طيبا لطيبه في العاقبة.

стр. 285

الثاني: المن والسلوى قال: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) وهو راجع إلى الأرل؛ لأن ذلك كان حلالا، ويجوز أن يكون المراد أنه طيب المطعم، ومثله: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) وقوله: (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). الثالث: الطعام اللذيذ، واللباس الحسن، والجماع؛ قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) وكان قوم من أصحاب رسول الله ﷺ قد هموا بترك ملاذ الدنيا؛ فأنزل الله هذه الآية، ونحوه قوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) ومثله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) أي: لم يحرم اللَّه ذلك فاللفظ لفظ الاستفهام، والمعنى الإنكار، وهو يرجع إلى معنى الأمر باستعمال هذه الأشياء من وجوهه وحله. الرابع: الشحوم ولحوم الإبل، قال اللَّه: (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) فالمراد أنه عجل عليهم طائفة من العذاب؛ [حرم عليهم من الطيبات] (١) كل ما كانت حلالا لهم، وهي ما ذكر في قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا) كذا وكذا وذلك ما كان من ظلمهم. الخامس: الذبائح، قال: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) يعني: الذبائح، والشاهد قوله: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ) فقرر ذلك بما هو من جنسه. السادس: الغنيمة، قال: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ) إلى أن قال: (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) جاء في التفسير أنه أراد الغنيمة يوم بدر؛ لأنه في [قصة بدر (فَآوَاكُمْ)]؛ يعني: أنه أسكنكم المدينة، وقال في آخر السورة: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) ويجوز
следующие страницы →