وأصله أن رجلا عن المنافقين نازع يهوديا، فقال اليهودي: بينك وبيني محمد ﷺ عليه.
وقال المنافق: بيني وبينك الكاهن.
وقيل: كعب بن الأشرف ثم جاء إلى النبي ﷺ فحكم على المنافق، فلم يرض، وجاء أبا بكر فحكم عليه أيضا، فجاءا عمر وقص اليهودي عليه القصة، فأخرج السيف وقته المنافق، فبلغ رسول الله ﷺ وقال له: (أنت الفاروق، ثم قال: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) فذكر الشيطان وأراد ْأولياء الشيطان كما قال: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، وكما قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي أولياء الله.
стр. 282
الطمأنينة
أصلها الانخفاض، والمطمئن من الأرض: المنخفض، وتطامن الشيء إذا [تَطَأْطَأَ] ثم استعمل في السكون.
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: السكون؛ قال: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) وتزول عنه الوسوسة؛ لأنه إذا شاهد إحياء الموتى لم يكن للشيطان إلى وسوسته سبيل، ومثله: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) ونظيره: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ).
ويجوز أن يكون المعنى أنها تطمئن إلى ما وعد اللَّه من ثوابه، ويجوز أن يكون المعنى الذين نظروا واستدلوا فعرفوا اللَّه من طريق الدلائل فاطمأنت قلوبهم ولم يخالجها شك، فإن قيل: أوليس قد قال: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) والوجل ضد الطمأنينة، قلنا: المراد في هذا أنهم إذا ذكر اللَّه وجلت قلوبهم بذكر عقوباته للعصاة؛ وجلت قلوبهم لأنهم لا يأمنون أن يعصوه؛ فبصروا إلى عذابه.
وقوله: (تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ) أنهم إذا ذكر بذكر ثوابه اطمأنت قلوبهم لأنهم لا يعرفون من أنفسهم معصية، وقد وثقوا بأن وعد الله حق.
الثاني: بمعنى الرضا؛ قال: (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ).
стр. 283
الثالث: بمعنى الأمن؛ قال اللَّه: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ويجوز أن يكون هذا أيضا بمعنى السكون، قال بعضهم: معناها هاهنا الإقامة؛ أي: فإذا أقمتم فأقيموا الصلاة؛ أي: أتموها.
стр. 284
الطيبات
أصل الياء في الطيب واو، ومن ثم قيل للقادم: أوبة، وطوبة، وقيل: طوبى له، وقيل: شيء طيب للزوم الطيب له، كما قيل: ضيق، وميت، وسيد، وما كان الصفة فيه عارضة، قيل: فاعل، كما قيل: ضائق.
وهي في القرآن على ستة أوجه:
الأول: الحلال؛ قال تعالى: (وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وقال: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) وقال: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) يعنى: أن الطيبات أحلت لهم عند كمال الدين.
وذلك أنه قد أمنهم عند نزول هذه الآية أن ينسخ شيئا مما أحل لهم، واليوم هو الذي أنزل فيه هذه الآية، ويجوز أن يكون بمعنى الوقت، ويجوز أن تكون الطيبات الأرزاق التي جعلها اللَّه للناس، ومنع بالنهي عن منازعتهم فيها، وإنما سُمي الحلال طيبا لطيبه في العاقبة.
стр. 285
الثاني: المن والسلوى قال: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) وهو راجع إلى الأرل؛ لأن ذلك كان حلالا، ويجوز أن يكون المراد أنه طيب المطعم، ومثله: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) وقوله: (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ).
الثالث: الطعام اللذيذ، واللباس الحسن، والجماع؛ قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) وكان قوم من أصحاب رسول الله ﷺ قد هموا بترك ملاذ الدنيا؛ فأنزل الله هذه الآية، ونحوه قوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) ومثله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) أي: لم يحرم اللَّه ذلك فاللفظ لفظ الاستفهام، والمعنى الإنكار، وهو يرجع إلى معنى الأمر باستعمال هذه الأشياء من وجوهه وحله.
الرابع: الشحوم ولحوم الإبل، قال اللَّه: (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) فالمراد أنه عجل عليهم طائفة من العذاب؛ [حرم عليهم من الطيبات] (١) كل ما كانت حلالا لهم، وهي ما ذكر في قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا) كذا وكذا وذلك ما كان من ظلمهم.
الخامس: الذبائح، قال: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) يعني: الذبائح، والشاهد قوله: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ) فقرر ذلك بما هو من جنسه.
السادس: الغنيمة، قال: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ) إلى أن قال: (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) جاء في التفسير أنه أراد الغنيمة يوم بدر؛ لأنه في [قصة بدر (فَآوَاكُمْ)]؛ يعني: أنه أسكنكم المدينة، وقال في آخر السورة: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) ويجوز
стр. 286
أن يكون الطيب هاهنا الذي لا إثم فيه؛ فهو طيب في العاقبة، وكانت الغنائم محرمة على من قبل هذه الأمة؛ فأحلها الله لهذه الأمة.
стр. 287
الطعام
كل ما أكل للشبع أو للشهوة مما فيه صلاح للبدن فهو طعام، وذلك أن الطير يؤكل للشهوة وليس بطعام والذى يؤكل للشبع الخبز واللحم، وما بسبيل ذلك والذي يؤكل للشهوة والفاكهة والإدام وما يجري هذا المجرى، والطعم: المذاق؛ يقال: هو طيب الطعم، والطعم أيضا اسم يقام مقام المصدر، والمصدر الطعم بالتحريك، ورجل مطعم من الشيء؛ مرزوق منه كأنَّه جعل له طعمة، وفلان خبيث الطعمة؛ أي: رديء المكسب.
والطعام في القرآن على أربعة أوجه:
الأول -: الطعام الذي يأكله الناس؛ قال: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) وقال: (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) وقال: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) ونحوه كثير.
الثاني: مليح السمك؛ وقال: (وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ) كذا جاء في التفسير، وقيل أيضا: إنه أراد ما يصب عليه الماء وأخذ فهو من طعام البحر، وقيل: هو ما سقاه البحر فنبت فهو طعام البحر لأنه ينبت عن مائه.
стр. 288
الثالث: الذبائح؛ قال: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) ومعروف أنه لم يرد الخبز والإدام فينبغي أن يكون على الذبائح.
وقال بعضهم: أهل الكتاب هنا هم بنوا إسرائيل دون غيرهم ممن تنصر وتهود من العرب والعجم، وليس كذلك لأن هذا اسم لمن نتحل التوراة والإنجيل ويظهر التدين بذلك، ولم يسموا أهل الكبائر لأنَّهُم من بني إسرائيل؛ فكل من شاركهم في هذه العلة فهو منكم وطعامكم حل لهم؛ أي: حل لكم أن تطعموهم؛ لأن الحلال أو الحرام والفرائض بعد عقد التوحيد.
الرابع: طعم بمعنى شرب؛ قال اللَّه: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: من لم يشربه، ومجازه. لم يذقه فيجد طعمه، وقوله: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) مع قوله: (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) دل على أن الشرب من النهر الكرع فيه، وهو أن يضع شفته عليه فيشرب منه، وهو من اغترف يده فليس بشارب من النهر، وهو يدل على صحة قول أبي حنيفة فيمن قال؛ إن شربت من الفرات فعبدي حر أنه على الكرع؛ وإذا شرب بيده أو بإناء لم يحنث.
стр. 289
الطغيان
أصله مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) ثم استعمل في شدة الظلم؛ لأنه تجاوز لحد الصفة؛ وهو في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: الضلال؛ قال الله: (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) أي: في ضلالهم يتحيرون، ويجوز أن يكون أراد أنهم يتحيرون فيما هم فيه من مجاوزة الحد في التمرد؛ وتحيرهم فيه لأنهم لا يعرفون وجه قباحته، والمتحير غير عارف لوجه أمره والعمد التحير.
ومثله قوله تعالى: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ) أي: ما أضللته، والشاهد قوله: (وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) ويجوز أن يكون المراد أي: لما حمله على التمرد وشدة الظلمة لنفسه ولغيره.
الثاني: قال تعالى: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) ويجوز أن يكون أراد أنه جاوز الحد في الكبر أو الظلم والغشم، وقال: (بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ).
الثالث الارتفاع ومجاوزة الحد في الكثرة؛ وقال: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) أي: حملنا آباءكم على حسب ما يقال لبني شيبان: اليوم أنتم أصحاب يوم ذي قار.
الرابع: الخطأ؛ قال: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) أي: ما يمل ولم يخطئ في الرؤية، وقيل: ما عدل وما جاوز القصد في رؤيته؛ يعني: جبريل عليه
стр. 290
السلام، وزاغ: مال وعدل، وقيل: (مَا زَاغَ) ما قصر عن شيء رمى إليه ببصره،: (وَمَا طَغَى) ما طلب أن يجاوز ما رآه إلى غيره.
стр. 291
الطمس
أصله ذهاب الأثر؛ طريق طامس: لا علم فيه، كتاب مطموس: ممحو، وجبل طامس: لا طريق إليه؛ قال جميل:
ألا تلكمُ أعلامُ بثنةَ قد بدتْ ... كأنَّ ذَرَاها في السَّراب سَبيبُ
طوامسُ لي من دونهنَّ عداوةٌ ... ولي من وراءِ الطَّامساتِ حبيبُ
بعيدٌ على من ليسَ يطلبُ حاجةً ... وأمَّا على ذي حاجة فقريبُ
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: بمعنى القلب؛ قال اللَّه: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) أي: نقلبها فنجعلها إلى ما يلي أدبارها.
وقوله: (فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) تفسير لطمسها، وصديق هذا قوله: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) لأن الوجوه إذا قلبت أقفاء كان أصحابها يعطون الكتب وراء ظهورهم.
الثاني: ذهاب البركات؛ قال: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي: اذهب ببركتها ونفعتها وخذهم بالقحط، (وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي: حبب إليهم أوطانهم حتى لا يغار قومها لطلب الأرزاق فيموتوا هزلا وجوعا هكذا قِيل.
стр. 292
والصواب أن يقال: أراد أن صبرهم على البلاء والإقامة في البلد المطموس فيه على أموالهم حتى لا يجزعوا فيخرجوا منه. وذلك أن الشد على القلب والربط عليه هو تصبيره بما هو فيه.
وقوله: (فَلا يُؤمنُوا) موصول بقوله: (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) ومعنى ذلك كله على العاقبة؛ كقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا).
الثالث: ذهاب النور؛ قال اللَّه: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ).
стр. 293
الطائر
طار الطائر يطير طيرانا والفعلان للاضطراب، مثل: اللمعان والضربان.
والطائر في القرآن على وجهين:
الأول: الطائر واحد الطير؛ قال الله: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وطائر وطير مثل: صاحب وصحب، ولا يقال للواحد: طير إلا شاذا.
الثاني: الحظ؛ قال تعالى: (طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) أي: حظه من الرزق وغيره لازم له، كما يقال: أمانتي في عنقك، وهذا الحق لى في عنقك؛ أي: هو لازم لك.
وقيل: الطائر العمل الصالح من الخير؛ أي: يلزمك ذلك حتى تجازى به، وقيل: الحظ من الخير والشر طائر، تقول العرب: جرى على [الغُلَّان] الطائر على طريق الفأل، ويقال: طار لي منك كذا؛ أي: صار حظي منك.
وقيل: معناه أن الأمر الذي يجعلونه بالطائر يلزم أعناقهم؛ والمراد أنهم إذا تشاءموا بشيء أصابهم على ما قال النبي ﷺ : " الْبَلاءُ مُوَكلْ بِالمنطِقِِ "، ومثله: (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ) أي: حظكم لأنفسكم وتطيركم لا يزيدكم ولا ينقصكم.
وقال تعالى: (قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ) أي: حظكم من الجزاء على أعمالكم لا معدل لكم عنه في الآخرة.
стр. 294
وقال ابن الأنباري في قولهم: طير اللَّه لا طيرك، قال: فعل الله وحكمه لا فعلك وما يتخوفه منك، قال الفراء: الطائر عندهم العمل، فإن اللَّه تعالى قال: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وقوله: هو ميمون الطائر؛ يعنون الحظ، وهو الذي تسميه العامة البخت.
стр. 295
الباب السابع عشر
فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ظاء
الظلمات
الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومنه: ظلم السقاء إذا شربه قبل أن يروب، وقال الشاعر:
هرت الشقائق ظلامون للجزر
أي يعرقبونها فيجعلون العرقبة مكان النحر، وعنه قيل الظلمة لأنَّهَا قد تكون سببا لوضع الشيء في غير موضعه لعدم الإبصار فيها، وقال بعض أهل اللغة: يقال في الجمع القليل منه ظلم ومنه ثلث ظلم، والكثير الظلمات وهذا خلاف الأصْل؛ لأن الجمع القليل يجيء بالتاء في جميع اللغة.
والظلمات في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: الكفر؛ قال الله: (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) أي: من الكفر إلى الإيمان؛ فأخرج ما يرى بالعين إلى ما لا يرى بالعين ليتولد التشبيه، وجعل الكفر ظلمة لما في الكفر من الحيرة والوحشة، والإيمان نورا لما يكون مع النور من الاهتداء والاستقامة والأنس بثلج اليقين.
الثاني: الأهوال؛ قال الله: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) قال أهل التفسير: أراد أهوالهما، ويجوز أن يكون أراد الظلمات بعينها. ومن الأول قولهم: يوم مظلم، وأظلم النهار في عينه؛ يريدون الهول والشدة.
стр. 296
الثالث: الظلمة بعينها؛ قال الله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) وقد تقدم ذكر الظلمات لأنه خلق الظلمة قبل النور، كما خلق الجنة قبل النار، والسماوات قبل الأرض (١).
وفي هذا معنى حسن، وهو جعله مثالا للشك الذى غلبه البرهان والدلاة؛ فأما الجنة فقدمت لأنَّهَا الغرض المطلوب، وأما السماوات فقدم خلقها لأنها أشرف من الأرض من غير اعتراض معنى يزيلها عن مرتبتها.
والفرق بين جعل الظلمات وفعل الظلمات.؛ أن الجعل يقتضي فعلها على الصفة التي هي عليها، كما يقال: جعل الطين خزفا، والجعل أيضا يدل على الاتصال؛ ولذلك جعل طرفا للفعل يستفتح به؛ كقولك: جعل يقول، وجعل ينشد، قال الشاعر:
وَزَعَمتَ أنكَ سوف تسلك فازا ... وَالمَوتُ مُكتنع طَرِيقِي فَازِرِ
فاجعل بحلل مَنْ يمسك إنما ... حِنْثُ اليمينِ عَلَى الأثيمِ الفَاجِرِ
стр. 297
الظلم
قد ذكرنا أن أصله وضع الشيء في غير موضعه، ويجوز أن يكون أصله النقصان، ومنه قوله: (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) أي: لم تنقص، والمظلومة: أرض لم تمطر بين أرضين قد مطرتا؛ كأنها نقصت حقها.
وهو في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: الشرك؛ قال الله: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) والشاهد قوله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ولما نزل قوله: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)، شق على الناس؛ فقالوا: يا رسول اللَّه، وأينا لا يظلم نفسه؟ فقال إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ".
الثاني: ظلم العبد نفسه؛ قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).
فإن قيل: كيف يظلم العبد نفسه ولم يقصد ضررها؟ قلنا: لأنه يقصد إلى ضرر قبيح ينزل بها من أجل شهوته له فيضرها من حيث يظن أنه ينفعها، ولو نظر فيما يأتيه حق النظر وقف على مكان الضرر منه فيكون ظالما لنفسه بذلك؛ ونظيرها قوله: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ).
ويجوز أن يكون المعنى أنه ينقصها الحظ من الثواب والذكر الجميل.
الثالث: ظلم الإنسان غيره؛ قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا) والعدوان والظلم واحد؛ وإنما كرر اللفظين على المعنى الواحد إرادة التوكيد والتصرف في الكلام على ما بينا من مذهب قوم يذهبون إلى ذلك، وأصح منه أن
стр. 298
يقال. العدوان مجاوزة الواجب، والظلم هنا وضع الشيء في غير موضعه من قبل النفس المذكورة في الآية، فلما اختلف معنى اللفظين عطف أحدهما على الآخر؛ ولولا ذلك لم يجز العطف.
الرابع: النقص؛ قال: (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) أي: لم تنقص وقال: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا).
стр. 299
الظالمون
في القرآن على أربعة أوجه:
أولها: المشركون؛ قال: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) كذا قيل، ويجوز أن يكون غيرهم ممن يظلم، كثير الظلم داخلا معهم، وقوله: (قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وهم يعلمون أن الله لا يجعلهم مع المشركين؛ ولكن هذا القول منهم تعظيم لما فيه المشركون من العذاب.
الثاني: الظالم لنفسه؛ وهو الذي يقصها بعض ثوابها بمعصية يوافقها، قال: (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) وقوله: (سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) أي: لنفسه بخطيئته، وقال موسى ﵇: (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) ومعنى هذين الحرفين داخل فيما تقدم.
الثالث: الجحود؛ قال تعالى: (بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) أي: يجحدون؛ كذا قال ابن عبَّاس، ومقاتل.
وقيل: أراد أنهم يظلمون أنفسهم بالكفر بها، وقيل: يظلمون بها؛ أي: يكفرون بها لوضعهم إصاها فى غير موضعها.
ويجوز أن يكون المعنى أنهم يظلمون النبي والمؤمنين بها؛ أي: بتصديقهم بها لأنهم ينسبونهم في ذلك إلى الخطأ ويؤذونهم من أجلها وهذا على مقتضى اللفظ، وقوله: (فَظَلَمُوا بِهَا) أي: جحدوا بها.
ويحتمل الوجوه التى تقدمت أيضا، ويقال: جحد بالشيء؛ إذا أنكر صحته، وجحده؛ إذا أنكر وجوده، كما يقال: جحد حقه.
стр. 300
الرابع: السرقة؛ قال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ)، ثم قال: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ) وقال: (وَكَذَلِكَ نَجزِي الظالمِينَ) يعني: السارقين.
والظلم في هذا الوجه يرجع إلى النقصان؛ لأن السارق ينقص مال المسروق، ويجوز أن يكون سمى الله السارق ظالما لأنه يدخل الضرر على من لا يستحقه، وكل ضرر غير مستحق ولا معقب نفعا ظلم، وقد سمي أيضا ظالما؛ لظلمه لنفسه.
стр. 301
الظهور وما يتصرف منه
قد ذكرنا أن أصله من العلو، يقال: ظهر فوق البيت إذا علاه، وقال الشاعر:
وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنكِ عارُها
أي عارها مرتفع عنك لا يلحقك،: ظهر كل شىء أعلاه، ث ظهر الرجل؛ بين درعين إذا ألبس إحداهما فوق أخرى، وظاهر الرجل الرجل إذا عاونه فعلا أمره، وهو ظهيره؛ أي: معينه، ودرع مظاهرة؛ إذا نسجت حلقتين حلقتين.
وهو في القرآن على سبعة أوجه:
الأول: ظهر إذا بدا؛ قال اللَّه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ونتكلم في هذه الآية في باب الفاء إن شاء الله تعالى.
وقال: (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) وقال: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يعني: ما بدا منه من معاشهم؛ أي: يعرفون ذلك من شدة عنايتهم به، ويغفلون عن المعاد، وقال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي: لا يبدبن الزينة الباطنة، نحو: المخنقة، والخلخال، والدملوج، والسوار؛ فإن ذلك من التبرج، والذي يظهر الثياب والوجه والكفان، وزينة الوجه الكحل، وزينة الكف الخضاب والخاتم.
وقد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف؛ فاقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكف، ويدل على أن الوجه والكف ليسا من العورة؛ إنها تصلي مكشوفة الوجه واليدين فجاز نظر الأجنبي إليهما لغير شهوة، وجاز أن ينظر إليهما لعذر وإن كان تشبيها، مثل: أن يريد تزويجها، أو ينظر إليها لشهادة، أو لأنه حاكم يريد أن يسمع إقرارها، ويدل على أنه لا
стр. 302
يجوز النظر إلى الوجه لشهوة، قول النبي ﷺ : " لَا تُتْبعِ النظرَةَ النظْرَةَ؛ فَإن لَكَ الأولَى وَليسَت لَكَ الآخِرَة "
الثاني: الإطلاع؛ قال الله: (فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) وقال: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) أي: يطلعوا.
الثالث: الارتقاء؛ قال اللَّه: (وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ) أي: يرتقون، والمعارج: الدرج، يقال: أعرج الملك إذا صعد، وعرج إذا نزل، وقال: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ) أي: يعلوه، وهو من قولهم: ظهر فوق البيت؛ إذ علاه.
الرابع: التعاون؛ قال: (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) أي: تعاونا، وقال: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) أي: ظهرا، يريد أن الملائكة أيضا تضار النبي ﷺ ، وقريب منه: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا) أيِ الملائكة، وقال: (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) فذكر الواحد وأراد الجمع.
والأرجاء: الجوانب واحدها رجاء مقصور، وهما رجوان، ويقال: يرمي بفلان الرجوان، إذا كان سائرا لا يستقر ركابه، وقال: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ).
الخامس: العلو والغلبة؛ قال: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) أي: ليغلبه حتى يغلب كل دين يدان به.
стр. 303
وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد ﷺ ؛ لأنه خبر وقع مخبره على ما أخبر به، ومثله: (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ) أي: عالين قاهرين، ومثله: (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ).
السادس: الباطل؛ قال أهل التفسير في قوله: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) أي: بباطل، وأم هاهنا بمعنى بل، ومنه قوله: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) أي: بل أنا خير لأنه قال: أيخبرونهم بما لا يعلم في الأرض بل يقول؛ زائل باطل لا [يثبت]، وهو ادعاؤكم لهم الإلهية.
وقوله: (قُلْ سَمُّوهُمْ) يعني: الملائكة لأنهم عبدوهم، فقال لهم: إنكم تعبدونهم فما أسماؤهم، قالوا ومنه قوله تعالى: (يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) أي: يقولون باطلا.
وأصل هذه الكلمة عندنا من قولهم: أنت عليَّ كظهر أمي، وكان من طريق الجاهلية، وصار في الإسلام فيه كفارة صورتها معروفة ونزلت في خولة بنت ثعلبة، وأوس بن الصامت.
السابع: بمعنى الإعراض عن الشيء؛ قال: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أي: جعلتموه وراء ظهوركم؛ يعني: أنكم تركتم العمل به، ويقال: جعلت حاجتي تظهر إذا اطرحتها ولم تلتفت إليها.
والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر يستمر، وقيل: الظهري؛ ما جعل وراء الظهر وقد ظهرته أي؛ جعلته كذلك، وقيل: معناه أنه ثقل عليكم، من قول العرب: حملت فلانا على ظهري إذا ثقل عليك، ويقال أيضا: ظهر بفلان؛ إذا لم يلتفت إليه، قال الشاعر:
جَدَّ تَأمرُ بَني البر شَاءَ من وَلَدِ الظهرِ
أي: الذين يظهر بهم ولا يلتفت إلى أرحامهم، والظهري في غير هذا الموضع: العون، ومنه الظاهري في الدواب.
стр. 304
والكلمة من الأضداد،: (وَاتخَذْتموهُ) أي: اتخذتم الله وراءكم، وحقيقة المعنى أنكم جعلتم أمره بمنزلة ما وراء ظهوركم لا يلتفتون إليه، وقيل: الضمير في: (اتخَذْتموهُ) لما جاء به متغيب وهو قول مجاهد، ولفظ الآية دال على الوجه الأول.
стр. 305
الظلال
يجوز أن يقال أصل الظل: الدوام، ومنه يقال: ظل يفعل كذا؛ أي: دام يفعله، ويجوز أن يكون أصل الظل: الستر، وظل الليل: ظلمته لأنها تستر كل شيء، وهو بالغداة وما طلعت عليه الشمس ثم زالت فهو فيء، لأنه فاء من جانب إلى جانب، والفيء الرجوع. وهو في القرآن على وجهين:
الأول: جمع ظل، قوله: (وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) جاء في التفسير أن الكافر لا يسجد لله، ومثله؛ يسجد على كره منه، والمراد أن الحال يتصرف بالظل لدوران الشمس وتنقلها من مكان إلى مكان؛ وفيه دليل على الخالق؛ فجعل ذلك سجودا؛ لأن حال السجود أبين، والغدو هنا اسم للوقت، وأصله المصدر، والآصال جمع أصيل، وهو العشي، وقال بعضهم: الظل ما يستراح إليه.
الثاني: جمع ظلة؛ قال اللَّه: (فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) وهي جمع ظلة، مثل: قلة، وقلائل.
وأما قوله: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) و: (ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ) ومعناه دخان جهنم، واليحموم الأسود، وأراد أنه يغشاهم فيسترهم؛ فسماه ظل لأن الظل الستر.
стр. 306
الظن
الظن في العربية على وجهين: شك، ويقين، وقد جاء في القرآن كذلك، قال الله: (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) أي: أيقنت، ومنه قول الشاعر:
ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ
أي: أيقنوا ذلك، وليس ذلك في أصل اللغة، وإنما صار كذلك في الاستعمال، ومن جهة الاستعارات وكثرتها في الكلام.
وقال تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) أي: يوقنون. وقال ابن درستويه: يتوهمون ذلك، والكافر لا يتوهمه.
وهذا خطأ؛ لأنهم لو كانوا يتوهمونه ولا يوقنونه لكانوا كفارا؛ لأن التوهم من قبيل الشك، والشاك بالبعث كافر.
والآخر قوله: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى) أخبر أنه كان شاكا في البعث.
وقال أبو بكر ﵀: الظن على أربعة أقسام: محظور، وواجب، ومندوب إليه، ومباح.
فالمحظور: سوء الظن بالله، وكل ظن لصاحبه سبيل إلى العلم فيه؛ مما تعبد به فهو محظور.
стр. 307
وأما الظن الواجب: فمثل ما تعبد بإنفاذ الحكم به:، ولم ينصب عليه دليل؛ نحو: قبول شهادة العدول، وتحري القبلة، وتقويم المستهلكات، وأروش الجنايات التي لم يرد بها توقيف.
وأما المباح: فكالظانِّ في الصلاة، أمره النبي ﷺ بالعمل على غالب الظن؛ فإن فعل كان مباحا، وإن عدل إلى البناء على اليقين كان جائزا.
والمندوب إليه: حسن الظن بالأخ المسلم، قال اللَّه تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا).
стр. 308
الباب الثامن عشر
فبما جاء من الوجوه والنظائر في أوله عين
القول في العالَمِين
العالم يقع على الملائكة والإنس والجن، واشتقاقه من العلم؛ لأنه يقع على من يعلم، ويصلح أن يكون من العلامة؛ لأن فيهم دلائل على خالقهم.
وقيل: أهل كل زمان عالم، وقيل: كل ما يحوي الفلك عالم، والناس يقولون: العالم العلوي؛ يعنون السماء وما فيها، والعالم السفلي؛ يريدون الأرض وما عليها، ويقولون على وجه التشبيه: إن الإنسان العالم الصغير وإلى فلان تدبير العالم يعنون الدنيا.
واشتقاقه على هذا القول من العلامة فقط، وقيل: العالم اسم أشياء مختلفة فلا يوحد وليس هو مثل الناس؛ لأن كل واحد من الناس إنسان، وليس كل واحد من العالم ملائكة.
والعالم إن كان جمعا لا واحدا له من لفظه؛ فليس هو، كالنعم والرهط والنسوة؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء جمع لجنس بعينه، والعالم جمع لأجناس مختلفة، وقال بعضهم. العالم كل جنس ذي روح.
وحكي عن العرب: عالم من الطير ومن الظباء وليس ذلك بمعروف عندنا، وعندنا أن العالم سمي عالما لأنه يصلح أن يستدل به فيوصل إلى العلم، ومثله: الخاتم لأنه يصلح للختم على الأشياء، والطابع يصلح أن يطبع به.
قال المفضل: العرب تقول: العالمين في الرفع والنصب والجر؛ لأنه جمع لا نظير له، وكان حقه أن يجمع به على عوالم وعواليم، مثل: خاتم وخواتيم وخواتم، فلما انقطع عن بابه جمع بالنون وألزم الياء وأُجريَ مجرى: المقتوين والمفتكرين، قال: وقد جاء عن قوم من كنانة وأسد عالمون وليس بمشهور.
ولفظ العالمين في القرآن مستعمل في أربعة مواضع:
стр. 309
الأول: الملائكة والجن والإنس؛ وهو قوله تحال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هذا قول أكثر المفسرين، وإنما ذكر هؤلاء: (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) لأن الأقل داخل في الأكثر.
الثاني: الجن والإنس خاصة؛ قال اللَّه: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) أي: عظة وزجرا عن المعاصي وداعيا إلى التوحيد.
الثالث: قوله: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) يعني: عالمي زمانهم، ودليل هذا أنه لم يفضلهم على أمة محمد ﵇؛ ولو فضلهم لم يقل: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).
стр. 310
الرابع: الناس من لدن آدم ﵇ إلى يوم القيامة، قال: (وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) والاصطفاء هاهنا بمعنى أنه خصها بإخراج الولد منها من غير ذكر.
ويجوز أن يكون في الأنبياء من هو مثلها في الفضل، مثل: آسية وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، للأثر المروي " خير نساء العالمين: آسيا، ومريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد ﷺ .
стр. 311
العمى
أصل العمى من الستر، ومنه قيل: السحاب العماء؛ لأنه يستر السماء، وعمي الرجل؛ كأنه سترت عنه المرئيات، وعمي عن الصواب تشبيه كأنَّه ستر عنه، ويقولون للفلاة التي لا علم فيها: عمياء وعطشاء، والعطش ضعف البصر، وقالوا لها ذلك لأنهم لا يبصرون فيها القصد لأنه قد ستر، وفي القرآن: (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ) لأنَّهَا سترت.
والعمى وما يتصرف منه في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: عمى القلب؛ قال: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ) والمعنى أنها لا تنتفع ببصائرها كما لا تنتفع العمي بأبصارها، ومثله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) فجعلهم صما لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون فكأنهم لا يسمعون، كما أن الأصمَّ لا يسمع؛ وسماهم عميا على هذا السبيل، وبكمًا لأنهم إذا صئلوا عن صحة ما يذهبون إليه لم يأتوا بحجة وكأنهم بكم.
وقوله: (أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ) وقال: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى) ومعنى ذلك أنه إذا عمى في الدنيا عن التوبة وقد جعل اللَّه إليها سبيلا كان في الآخرة أعمى؛ لأنه لا يجد متابا، وأضل سبيلا؛ لأنه لا يهتدي إلى طريق النجاة والفوز.
الثاني: عمى البصر؛ قال: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ) وقوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) يعني: عبد اللَّه ابن أم مكتوم، وكان ضريرا؛ جاء النبي ﵇ وهو
стр. 312
يدعوا بعض أشراف قريش فى الإسلام؛ فشاغل عنه؛ فنزلت: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) إلى قوله: (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى).
الثالث: العمى عن الحجة؛ قال تعالى: (لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا) جاء في التفسير أنه أراد؛ لم حشرتني أعمى عن الحجة وقد كنت بها بصيرا في الدنيا، ويجوز أنه يكون بمعنى عمى العين على ما قدمنا قبل؛ وهو أنه حشره أعمى ليجعله علامة بين الخلق.
стр. 313
العلم
هو اعتقاد الشيء على ما هو به على سبيل الثقة، وأصله الظهور، ومنه قيل للجبل: علم لظهوره، وأعلام الشيء دلائله، لأنها تدل بظهورها عليه، والمعلم: الموضع المعروف.
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: على قول بعض المفسرين الرؤية؛ قال اللَّه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ) ومثله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ).
جاء في التفسير هي أنه أراد الرؤية؛ أي: حتى نراهم مجاهدين؛ لأنه تعالى كان يعلم المجاهدين قبل الجهاد، وقيل: معنى العلم هنا التمييز، ويمي التمييز علما؛ لأن العلم يقع معه بحال ما يتميز وما يتميز منه، وقيل: معناه ليصبر المؤمنون على ما يصابون به؛ فجعل العلم منه مكان الصبر منهم إذ كان اللَّه عالما بصبرهم إذا صبروا، وقيل: يعلمهم فاعلين كما يعلمهم معتقدين.
الثاني: العلم بعينه؛ قال: (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) وقال: (يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ).
стр. 314
الثالث: الإذن قال تعالى: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: بإذن اللَّهِ، وسُمِّي الإذن علما، لأن أصلَ الإذن العلم، ومنه الأذان؛ وقد ذكرنا ذلك، وقيل: معناه أنزله وهو عالم به.
стр. 315
العز
أصله العز الغلبة، ومنه قيل: من عزيز. أي: من غلب اغتصب، ثم استعمل في المنعة، فقيل: فلان عزيز الجانب، أي: منيعه، وقال الهزلي:
حتى انتهيتُ إلى فراشِ عزيزةٍ ... سوداءِ روثةٍ أنفها كالمِخصفِ
ومن الغلبة؛ قوله تعالى: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) أي: غالبني، وسمي الله عزيزا لأنه الغالب الذي لا يقهر، وفي مثل: إنما تعز من ترى وتعزك من لا ترى، والعزيز أيضا القليل، يقال: هذا شيء عزيز؛ أي: قليل، وإنما سمي القليل عزيزا؛ لأنه لا يقدر عليه، شبهه بالعزيز من الرجال، ليس أن العز في العربية القلة.
وهو في القرآن على سبعة أوجه:
الأول: المنعة؛ قال تعالى: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ).
الثاني: العظمة؛ قال اللَّه: (بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ) أي: بعظمته.
الثالث: خلاف الذل؛ قال: (وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) وقوله: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) وقوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) ومعنى ذلك يرجع إلى العظمة.
الرابع: الحمية؛ قال الله: (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) أي: إذا أمرته بالتقوى أخذته الحمية من الائتمار لك فأثم، ومثله: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ
стр. 316
وَشِقَاقٍ) أي: في حمية يشاقونك معها؛ أي: يباعدونك، وقيل: المعنى أخذته العزة بالإثم الذي في قلبه؛ فأقام الباء مقام اللام، كما قال غيره:
حَشَرَ الإمَالةُ جوانبَ قَمْقَم
أي: من أجله؛ فأقام حرفا مقام حرف.
الخامس: الغلظة؛ قال الله: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) أي: غلظا.
السادس: العزيز بمعنى الشديد؛ قال اللَّه: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) وقوله: (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) أي: شديد يشق فعله عليه.
السابع: التقوية؛ قال: (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) أي: قوينا، واستعز الشيء إذا قوي واشتد.
стр. 317
العبادة
أصل العبادة التذلل، يقال؛ طريق مُعَبَّد؛ أي: موطوء مذلل، [وبعيرٌ مُعَبَّدٌ] وهو [الْمَهْنُوءٌ بالقَطِران]، ومعناه راجع إلى الأول.
والعبادة مفارقة لدوام الطاعة؛ لأنا نديم الطاعة للرسول ولسنا نعبده، والعبادة غاية الخضوع ولا تستحق إلا بغاية الإنعام، ولا يقدر على ذلك إلا اللَّه تعالى، ويقال: هؤلاء عباد الله، ولا يقال: عباد فلان إلا في القليل.
وقد جاء في القرآن: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) وإنما جاء كذلك لأنه وقع مع إمائكم فازدوج، ويقال: عبيد اللَّه، وعباد الله أكثر، وقال بعضهم: العباد جمع عبيد.
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: التوحيد، قال اللَّه: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) أي: وحدوه، وقوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) وقوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ) كذا قيل، ويجوز أن تكون العبادة هاهنا أداء الفرائض واجتناب المحارم.
الثاني: الطاعة؛ قال الله: (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) أي: يطيعون الشياطين، وقال: (أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) وهم لم يعبدوا الشيطان، وإنما هو كما تقول؛ فلان يعبد فلانا إذا كان شديد الطاعة له، وما كان أيضا قصدهم طاعته؛ ولكن لما وافق أفعالهم رضاه سماها طاعة له؛ لأن الطاعة توفيق رضا المطاع.
стр. 318
الثالث: السجود للأصنام وهي وإن سمتها العرب عبادة فليست بعبادة، وهي على حسب ما سمت العرب ربًّا وإلها وليس هو على الحقيقة، وقال: (مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ). وقال: (أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) فإن قيل: ما معنى قوله: (مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ)، وليس في الآخرة كذب، قلنا: معناه إنا لم نكن نستحق العبادة.؛ فلم تكن عبادتهم على الحقيقة عبادة لنا، كما تقول: لصاحبك ليس هذا القول قولك، وإن كان قاله بمعنى أنه لا يليق بك، وبمعنى أنك دون ما يقوله أيضا، وقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) أضافهم إلى الله، إضافة الخصوصية، لأن الخلق كلهم عباده.
والإضافة على خمسة أوجه:
إضافة الخصوصية، وهي مثل هذا، ومثل قوله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ).
وإضافة النسب؛ وهي قولك: ابن فلان، وبنت فلان.
وإضافة السبب؛ وهو قوله: فلان شريك فلان وصديقه.
وإضاقة التعريف؛ وهو سرج الدابة، ولجام الفرس، وقميص الرجل.
ولإضاقة الملك؛ مثل: دار زيد، وصنعة عمرو.
стр. 319
العدوان
قد ذكر أصل هذا الحرف، وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: بمعنى العذاب؛ قال اللَّه تعالى: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) أي: من انتهى منهم عن الكفر فلا عذاب عليه؛ إنما هو على من ظلم نفسه بإقامته على الكفر، وسُمِّي العذاب عدوانا لأنه مقابلة بالعدوان، كما قال الشاعر:
جزينَا ذَوِي العُدْوَان بِالأمس مثله ... قَصَاصا سوَاء جزوكَ النعل بالنِعَلِ
ويجوز أن يكون سُمي عذاب الآخرة عدوانا لمجاوزته حد العذاب المعهود.
الثاني: الظلم؛ قال الله: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وقال: (تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
والإثم في هذه المواضع يجوز أن يكون مثل العدوان مثل الإثم وإنَّمَا ذكر للتوكيد، كما تقول: الغشم والظلم هذا قول.
وقول آخر: وهو أن الإثم يقتضي أنه يتتبع عليه، وأصله في العربية التقصير. والعدوان يقتضي مجاوزة الحد؛ فعطف أحدهما على الآخر مخالفة ما يقتضيه كل واحد منهما ولو كانا في المعنى سواء لم يجز عطف أحدهما على الآخر، كما لا يجوز عطف زيد على أبي عبد الله إذا كان هو هو.
стр. 320
الثالث قوله تعالى: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ). أي: لا اعتلال ولا حجة عليَّ، ويجوز أن يكون بمعنى إلي إذا قضيت ذلك لا أظلم فأكلف غيره.