وَشِقَاقٍ) أي: في حمية يشاقونك معها؛ أي: يباعدونك، وقيل: المعنى أخذته العزة بالإثم الذي في قلبه؛ فأقام الباء مقام اللام، كما قال غيره:
حَشَرَ الإمَالةُ جوانبَ قَمْقَم
أي: من أجله؛ فأقام حرفا مقام حرف.
الخامس: الغلظة؛ قال الله: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) أي: غلظا.
السادس: العزيز بمعنى الشديد؛ قال اللَّه: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) وقوله: (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) أي: شديد يشق فعله عليه.
السابع: التقوية؛ قال: (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) أي: قوينا، واستعز الشيء إذا قوي واشتد.
стр. 317
العبادة
أصل العبادة التذلل، يقال؛ طريق مُعَبَّد؛ أي: موطوء مذلل، [وبعيرٌ مُعَبَّدٌ] وهو [الْمَهْنُوءٌ بالقَطِران]، ومعناه راجع إلى الأول.
والعبادة مفارقة لدوام الطاعة؛ لأنا نديم الطاعة للرسول ولسنا نعبده، والعبادة غاية الخضوع ولا تستحق إلا بغاية الإنعام، ولا يقدر على ذلك إلا اللَّه تعالى، ويقال: هؤلاء عباد الله، ولا يقال: عباد فلان إلا في القليل.
وقد جاء في القرآن: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) وإنما جاء كذلك لأنه وقع مع إمائكم فازدوج، ويقال: عبيد اللَّه، وعباد الله أكثر، وقال بعضهم: العباد جمع عبيد.
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: التوحيد، قال اللَّه: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) أي: وحدوه، وقوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) وقوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ) كذا قيل، ويجوز أن تكون العبادة هاهنا أداء الفرائض واجتناب المحارم.
الثاني: الطاعة؛ قال الله: (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) أي: يطيعون الشياطين، وقال: (أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) وهم لم يعبدوا الشيطان، وإنما هو كما تقول؛ فلان يعبد فلانا إذا كان شديد الطاعة له، وما كان أيضا قصدهم طاعته؛ ولكن لما وافق أفعالهم رضاه سماها طاعة له؛ لأن الطاعة توفيق رضا المطاع.
стр. 318
الثالث: السجود للأصنام وهي وإن سمتها العرب عبادة فليست بعبادة، وهي على حسب ما سمت العرب ربًّا وإلها وليس هو على الحقيقة، وقال: (مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ). وقال: (أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) فإن قيل: ما معنى قوله: (مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ)، وليس في الآخرة كذب، قلنا: معناه إنا لم نكن نستحق العبادة.؛ فلم تكن عبادتهم على الحقيقة عبادة لنا، كما تقول: لصاحبك ليس هذا القول قولك، وإن كان قاله بمعنى أنه لا يليق بك، وبمعنى أنك دون ما يقوله أيضا، وقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) أضافهم إلى الله، إضافة الخصوصية، لأن الخلق كلهم عباده.
والإضافة على خمسة أوجه:
إضافة الخصوصية، وهي مثل هذا، ومثل قوله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ).
وإضافة النسب؛ وهي قولك: ابن فلان، وبنت فلان.
وإضافة السبب؛ وهو قوله: فلان شريك فلان وصديقه.
وإضاقة التعريف؛ وهو سرج الدابة، ولجام الفرس، وقميص الرجل.
ولإضاقة الملك؛ مثل: دار زيد، وصنعة عمرو.
стр. 319
العدوان
قد ذكر أصل هذا الحرف، وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: بمعنى العذاب؛ قال اللَّه تعالى: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) أي: من انتهى منهم عن الكفر فلا عذاب عليه؛ إنما هو على من ظلم نفسه بإقامته على الكفر، وسُمِّي العذاب عدوانا لأنه مقابلة بالعدوان، كما قال الشاعر:
جزينَا ذَوِي العُدْوَان بِالأمس مثله ... قَصَاصا سوَاء جزوكَ النعل بالنِعَلِ
ويجوز أن يكون سُمي عذاب الآخرة عدوانا لمجاوزته حد العذاب المعهود.
الثاني: الظلم؛ قال الله: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وقال: (تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
والإثم في هذه المواضع يجوز أن يكون مثل العدوان مثل الإثم وإنَّمَا ذكر للتوكيد، كما تقول: الغشم والظلم هذا قول.
وقول آخر: وهو أن الإثم يقتضي أنه يتتبع عليه، وأصله في العربية التقصير. والعدوان يقتضي مجاوزة الحد؛ فعطف أحدهما على الآخر مخالفة ما يقتضيه كل واحد منهما ولو كانا في المعنى سواء لم يجز عطف أحدهما على الآخر، كما لا يجوز عطف زيد على أبي عبد الله إذا كان هو هو.
стр. 320
الثالث قوله تعالى: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ). أي: لا اعتلال ولا حجة عليَّ، ويجوز أن يكون بمعنى إلي إذا قضيت ذلك لا أظلم فأكلف غيره.
стр. 321
العفو
أصله الترك، وعفا المنزل؛ ترك حتى درس، وقوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) أي: ترك له الدم وصولح على الدية من أخيه، يعني: من ولي الدم ولم يرد القاتل،: شيء يعني: به الدم؛ فعبر بشيء وهو. نكرة عن كل معرفة؛ والعرب تكني بشيء عن كل معرفة لأنها على كل حال شىء، وأنشد:
لَعَمركَ لو شيءُ أتانا رسولُه ... سِواك ولكن لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا
والاتباع: المطالبة بما صولح عليه القاتل من الدية؛ أي: فيطالب ولي المقتول بذلك في رفق؛: (وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) أي: وليود الجاني ما يود به من الدية أداء حسنا من غير مطل ولا تأخير،: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ) يعني: إجازته أخذ الدية وترك الدم؛ فمن رضى بالدية ثم قتل فله عذاب أليم.
وقد أجمع المسلمون أن الدية إذا وجبت على قاتل العمد كانت من ماله دون مال العاقلة، وكانت حالة لا يجوز تأخيرها -، وأن دية الخطأ على العاقلة ويلزمهم أداؤها في ثلاث سنين؛ في كل سنة ثلث وعفا الله عنك ترك معاقبتك، واستعمال الترك في الله مجاز.
والعفا: التراب؛ لأنه متروك لوجوده بكل مكان ليس هو مما يؤخذ ويدخر، ثم اشتق منه الكثرة، فقيل: عفا الشيء؛ إذا كثر كأنَّه صار كالتراب بكثرة، ثم اشتق منه الكثرة حتى عفوا، وعفاه يعفو إذا قصده وسأله، ويجوز أن يكون معناه أنه أتاه تاركا لغيره. والعفو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: الفضل من المال؛ قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) يعني: الفضل والبر، وذلك أنهم حضوا على الإنفاق. في قوله: (أنفِقُوا
стр. 322
مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) وقوله: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) فسألوا عن القدر الذي تنفقون، فقال: ما يفضل عنكمْ ويسهل عليكم إنفاقه تنفقونه؛ وهو قليل لتنالوا به الكثير من الثواب.
الثاني: الترك؛ وهو قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) أي إلا أن [يتركن لكم ما يجب] لهن من [نصف] الصداق أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح يعني: الزوج، وعفوه أن يعطي المهر كاملا وليس هو الولي؛ لأنه ليس للولي أن يترك من مهر المرأة شيئا، ومثله قوله: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ) وقوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ).
الثالث: العفو عن الذنب؛ قال الله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وفي هذا دليل على أن الأنبياء يذنبون؛ لأنه إذا لم يكن ذنب لم يكن عفو ولكن ذنوبهم صغائر (١).
стр. 323
العدل
ْأصل العدل؛ الاستقامة، عدل الرجل إذا استقام حكمه ولم يمل، وقيل: العدلان لأن كل واحد منهما يستقيم بالآخر، والعدل المثل، كأن المثلين يستقيمان في الشبه أو الصفة، والعدل لا يستعمل إلا في المدح؛ لأن رجلا لو سوى بين رجلين في الظلم، لم يقال: إنه عدل أو هو عادل، وإذا قسم رئيس القوم السرقة بينهم بالتسوبة لم يقل إنه عدل؛ وسُمِّي اللَّه عدلا من أجل أن أفعاله تقع على طريقة مستقيمة، والعدل: الفدية يرجع إلى هذا.
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: المثل؛ قال الله: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) أي: مثله، قالوا: والعدل أيضا المثل، ويجوز أن يكون سمي الحدلان عدلين؛ لأنهما مثلان، والعدل والعدل: المثل من الجنس، ومن غير الجنس، كما أن المثل هو من الجنس وغير الجنس وليس العديل مثل ذلك؛ لأن العدل أعم من العديل، وما كان أعم فإنه أخص بالنكرة فهو للجنس وغير الجنس، تقول: عمرو عدل زيد وعديله، وعمرو عدل الأسد، ولا يقال: عديل الأسد.
الثاني: الفدية؛ قال الله: (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) أي: فدية؛ وهو ما يكون بدل الشيء.
الثالث: خلاف الجور؛ قال اللَّه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) والإحسان داخل في العدل، والعدل داخل في الإحسان، ومع هذا فإن
стр. 324
الفرق بينهما معروف، وقد يعطف الشيء على الشيء وإن كانا يرجعان إلى شيء واحد إذا كان في أحدهما خلاف للآخر، فأما إذا أريد بالثاني ما أريد بالأول فعطف أحدهما على الآخر خطأ، لا تقول: جاءني زيد وأبو عبد الله إذا كان زيد هو أبا عبد الله، ولكن مثل قوله:
أمرتك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْتَ به ... فقد تَرَكْتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ
لأن المال إذا لم يفد فإنما يعني: به الماشية أو الصامت والنشب: ما نشب من العقارات، وكذلك قول الحطيئة:
وهندٌ أتى مِنْ دونِها النَّأْيُ والبعدُ
فالنَّأْيُ يكون لما ذهب عنك إلى حيث بلغ، وأدنى ذلك يقال له نائي، والبعد تحقيق الخروج والذهاب إلى الموضع السحيق، والتقدير؛ إني من دونها النائي الذي هو أول البعد، والبعد الذي هو الغاية.
стр. 325
العهد
العهد: وجدانك الشيء، ومنه قيل: عهدته عهدا، والعهد: اليمين، ومنه: عليه عهد الله، والعهد الوصية، من قولهم: عهد إليه، والعهد المطر، والعهد: الأمر والوصية في قوله تعالى: (عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ) ومنه سمي عهد الأمير؛ لأنه يؤمر فيه بما يعمل به، والعهد: الضمان الذي يوجبه الضامن على نفسه، والعهد: المودة، وقيل: ليس لفلان عهد؛ أي: مودة، ويجوز أن يكون العهد هاهنا الحفاظ، والعهد المنزل، قال الراجز:
هَل يُعرَفُ العهد المُحِيل أرسمه
والعهد: الكتاب يكتب بين قوم، وتعهدت صنعتي: تفقدتها، والعهد: الحفاط في قوله ﷺ : " حسن العهد من الإيمان وأصل الكلمة من الثبات ".
وهو في القرآن على خمسة أوجه:
الأول: الأمان؛ قال الله: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) وذلك أن الله تعالى أمره نبذ العهد إلى من عرف منه الغدر، في قوله: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) ويجوز أن يقال: إنه كان شارطهم أن يقرهم ما أقرهم الله؛ فلما أمره بقطع العهد قطعه ثم استثنى قوما ثبتوا على العهد، فقال:
стр. 326
(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) إلى أن قال: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ).
قال ابن عبَّاس: هم بنوا ضمرة من كنانة، والملة تسعة أشهر، وكان أمر عليًّا؛ فنادى من كان بينه وبين رسول الله عهد فأحله إلى أربعة أشهر، فقيل: العهد مرفوع للأمان من القتال على غرة؛ فإذا أعلمهم رفعه فهو جائز، وسواء خاف غدرهم أو لم يخف، وليس ذلك غدرا، وإنما الغدر أن يأتيهم بعد الأمان وهم غازون؛ ولذلك قال الكوفيون: يجوز للإمام أن يهادن العدو إذا لم يكن بالمسلمين قوة على قتالهم؛ فإن قووا بعد ذلك كان لهم أن ينبذ إليهم ويقاتلهم.
الثاني: اليمين؛ قال اللَّه تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) والشاهد قوله تعالى: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).
الثالث: الأمانة والنبوة؛. قال الله: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
الرابع: الوصية؛ قال اللَّه: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ) وقوله: (عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ) وقد تقدم.
الخامس: الضمان؛ قال الله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) أي: أوفوا بما ضمنتم لي من الإيمان، أوف لكم بما ضمنت لكم من الثواب.
стр. 327
العرض
أصله الظهور، ومنه عرضت عليه الشيء؛ إذا أظهرته له، والمعرض ما تعرض فيه الجارية؛ أي: تظهر، ولفلان عارضة جيدة، والعراضة: العطية ترجع إلى ذلك، وأعرض الرجل عن الرجل: ولاه عرضه؛ أي؛ جانبه وأعرض له أمكنة من عرضه، والعرض خلاف الطول، وإذا استعمل العرض فيما لا يكون عريضا على الحقيقة؛ فإنما يراد به التمام، مثل قول الشاعر:
فِي المَجدِ صَارَ إِلَيكَ العَرضُ وَالطولُ
أي صار إليك المجد بتمامه، وقوله: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ). أي: تام، والعرض: ما يظهر من منافع الدنيا، والعرض ما يحل في الجسم ولا يقوم بنفسه وليس له بقاء الجواهر.
واشتق له هذا الاسم من عارض السحاب وهو جسم؛ فسموا به ما ليس بجسم لما اجتمعا في قلة اللبث، ومثال هذه التسمية تسمية الملك ملكا، وإن لم يكن رسولا على أن أصله هذا الاسم من الألوكة؛ وهي الرسالة، ولو كان العرض عرضا لأنه ليس بجسم وَلا جوهر لكان الله عرضا؛ لأنه ليس بجسم ولا جوهر، وقولهم: عرض في كلامه، معناه أنه ذهب فيه عرضا ولم يستقم فيه، والتعريض: هو ترك الإفصاح، يقال: عرض في الجبل إذا أخذ يمينا وشمالا ولم يستقم في مصعده.
والعرض في القرآن على خمسة أوجه:
الأول: بمعنى الكثرة؛ قال تعالى: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) أي: كثير:، ولم يقل: طويل؛ لأن العرض أدل على الطول والتمام.
стр. 328
ْالثاني: التهيئة، قال: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) أي: فهيأناها لهم، ويجوز أن يكون المراد إنا أظهرناها لهم.
الثالث: بمعنى الجمع؛ قال اللَّه: (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا) أي: جمعوا للحساب بحيث أمر اللَّه، وقيل: معناه أنهم ظاهرون للَّه يرى أحدهم كما يرى جماعتهم.
وأصل العرض الظهور على ما ذكرنا، وليس المعنى أنهم كانوا مستورين عن الله فظهروا له، ولكن المعنى أنهم ظهروا من قبورهم لأمر الله؛ فعبر عن هذا المعنى بلفظ العرض عليه لما في ذلك من التفخيم لشأن الحساب والوقوف في مواقفه؛ وهو من قول الناس: عرض فلان على الأمير.
الرابع: قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) وهو لفظ مجاز والكلام فيه كثير، وتلخيص معناه عندي؛ إنا لو جعلنا هذه الأشياء بمنزلة من تكلف، ثم كلفناها لإطاعتنا وكلفنا الإنسان فعصانا.
والأمانة هاهنا الطاعة، والإنسان العاصي من الناس خاصة:، وقال الحسَن: يعني: إن الكافر والمنافق حملا الأمانة فخانا، وتصديق ذلك قوله: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ).
الخامس: السعة؛ قال: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أي -: سعتها كسعتها.
стр. 329
العين
أصلها عين الحيوان، ثم كثر الاستعمال بها حتى تصرفت على خمسين وجها أفردتها في كتاب.
وهي في القرآن على وجهين:
الأول: عين الإنسان؛ وهو قوله تعالى: (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) وذكر تعالى أنه حكم بهذا الحكم على من قبلنا، وشرائع من قبل ثابتة علينا إلى أن يرد
стр. 330
نسخها؛ والشاهد قوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فدل على ثبوت الحكم في وقت نزول هذه الآية من وجهين:
أحدهما: أنه ثبت أن ذلك مما أنزل الله ولم يفرق بين نبي من الأزمان.
والثاني: أنه معلوم أنهم استحقوا سمة الظلم والفسوق عند نزول هذه الآية بتركهم الحكم بها، وقوله: (الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) عند أصحابنا معناه؛ أن العين إذا ضربت فذهب ضوئها.
стр. 331
والقصاص في ذلك أن تحمي مرآة وتدنى إلى العين التي فيها القصاص حتى يذهب ضوئها، وليس هو أن تقلع العين، وليس في قلع العين عندهم قصاص؛ لأن استيفاء القصاص في ذلك غير ممكن؛ إذ لا يوقف على الحد الذى يجب أن يقلع منه، وكذلك كل ما لا يوقف على ذلك منه.
الثاني: العين بمعنى الحفظ؛ وهو قوله: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) أي: لتربى وأنا حافظ لك، وذلك أن من له بالشيء عناية تجعله نصب عينه ناظرا إليه؛ فاستعير ذلك في شدة الحفظ لما فيه من الدلالة على صدق العناية، ومنه قوله تعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) أي: تجري [بمرأى منَّا وحفظ] (١)، ومنه قول امرئ القيس:
وَبَاتَ بِعَيْنيَ قَائِماً غَيْرَ مُرْسَلِ
стр. 332
الباب التاسع عشر
فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله غين
الغي
أصله الفساد، يقال: غوى الرجل؛ إذا فسد طريقته في الدين، ورجل غاو وغوي؛ إذا فسد عيشه وأمره أيضا، وغوى الفصيل إذا بَشِمَ من كثرة شرب اللبن، وقيل أيضا ذلك له إذا لم يزو من لبن أمه فمات هزلا، فقيل في الرجل غوى وفي الفصيل غوى والأصل واحد.
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
стр. 333
الأول: فساد العيش؛ قال تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) أي: فسد عيشه في الجنة، أخبرنا بذلك أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد ﵀، عن أبي عمر الزاهد، عن ثعلب، وأصل الغي الفساد على ما ذكرنا؛ فإن قيل: أنتم تزعمون أن صاحب الصغيرة لا يقال إنه عاص قولا مطلقا، وقد قال الله ذلك لآدم، وكذلك وصفه إياه بأنه غوى؟ قلنا: إنما قال ذلك مضمنا بالقصة التي عصى فيها، فكان ذلك كالتقييد، فكأنه قال: [إنه عصى في كذا وأخرى]؛ فإن اليد يطلق في عبده إذا عصاه ما لا يجوز أن يطلقه فيه غيره.
الثاني: فساد الطريقة في الدين؛ قال تعالى: (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ).
الثالث: العذاب؛ قال: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) أي: عذابا؛ وإنما سُمي العذاب غيا لأنه مجادلة على الغي، وقيل: غي وادٍ في جهنم.
стр. 334
الغيب
أصل الغيب الستر، وغيبت الشيء في التراب؛ إذا سترته فيه، والغيب: ما استتر عنك، وأصله ما سترك من قولك: نحن في غيب هذا الوادي؛ أي: حيث يستتر به، وكل ما ستر شيئا فهو غيابة، ومنه غيابة الجب.
والغيب في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: الخلوة؛ قال اللَّه: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) يعني: أنهم يخلصون العمل في خلواتهم خلاف المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطون، وقيل:
стр. 335
هو البعث، والأول أجود، عندى؛ لأن البعث ليس بغيب مع شهرة أمره ومع ما يدل عليه من العقل والسمع.
الثاني: ما غاب عن الأبصار؛ قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي: ما غاب وما حضر.
الثالث: الوحي؛ قال اللَّه: (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) (١). أي: ما هو على الوحي بمتهم، والظنين المظنون، وظننت في هذا يتعدى إلى مفعول واحد، ظننته أي: اتهمته.
стр. 336
الباب العشرون
فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله فاء
الفساد
قد تقدم من قولنا فيه ما يكفي، وهو في القرآن على خمسة أوجه:
الأول: الميل مع الكفار؛ قال الله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) وذلك أن المنافقين كانوا يمالون الكفار فيجترئون على المسلمين ويطمعون في النيل منهم والغلبة عليهم، ويسرعون إلى محاربتهم؛ وفي ذلك الفساد في الأرض؛ لأن الحرب مفسدة للمال ومهلكة للنفس.
الثاني: الهلاك؛ قال الله: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) والدليل على أنه أراد الهلاك قوله: (وَمَنْ فِيهِنَّ) قال بعض المفسرين: الحق هو الله تعالى؛ أي: لو اتبع الله أهوائهم.
وقيل: هو القرآن؛ أي: لولا أنزل القرآن بما يريدون، وليس يصح تفسيرا [لأنه على هذه الآية على هذين الوجهين] (١).
والصواب ما قال أبو علي ﵁: وهو أنه لو صح ما يدين به الكفار من جعلهم الأصنام آلهة مع اللَّه لتفاوتت أفعالهم، ولتمانعوا ففسدت السماوات والأرض ومن فيهن من الملائكة والإنس والجن، وهذا مثل قوله: (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ومعنى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ)
стр. 337
أنه لو وافق الحق أهوائهم ولعبادة هذه الأصنام؛ فجعل موافقة الحق أهوائهم اتباعا من الحق لهواهم على سبيل المجاز، وقال: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) أي: [لهلكتا ولم تقوما]، ومن هذه الآية أخذ المتكلمون دليل التمانع، ومن قوله: (وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
الثالث: القحط، قال اللَّه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) أي: قد كسبوا الذنوب فعجل لهم العقوبة بالقحط، ودليل ذلك قوله؛ (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي: لكي يتذكروا فيتوبوا، (ولعلا هاهنا) بمعنى لام كي، وفي هذا دليل على أن بعض ما يحمل اللَّه العبد من المكاره تنبيه وبعضه عقوبة.
الرابع: ضد الصلاح؛ قال: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) وقال تعالى: (إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا) وقال: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا).
الخامس: قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) يعني: السحرة، وقال بعضهم: الفساد في قوله: (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ). القتل، وكذلك في قوله: (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) ولا أعرف صحة ذلك، وعندنا أن الفساد في هذا الموضع ضد الصلاح والقتل داخل في ذلك.
стр. 338
الفرقان
الفرقان مصدر، مثل: السكران، والكفران، والعدوان، ثم جعل اسما للقرآن، لأنه يفرق بين الحق والباطل، وفرقت بين الحق والباطل، وبين الحسَن والقبيح بالتخفيف، وفرقت بين الشخصين بالتشديد.
وأصل الكلمة البعد، ومنه قيل: لتباعد ما بين اثنيين، وتباعد ما بين الفخذين فرق. ورجل أفرق وامرأة فرقاء، ومنه الفرقة بين الحينين، والعرب تقول: أسرع من فريق الخيل يعنون السابق؛ لأنه يفارق جماعتها، والفريق من الناس الجماعة [المفارقة لغيرها].
والفرقان في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: النصرة؛ قال الله (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) جاء في التفسير أنه أراد النصرة على أعدانه، وذلك أنه نصره على أعدائه إذ أبعدهم الله بالإهلاك، ومثله: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ) أي: يوم نصرناه؛ يعني: يوم بدر هكذا جاء في التفسير.
ويحتمل أن يكون معنى الفرقان هاهنا؛ الفرق بين الحق والباطل؛ لأن الحق والباطل قد فرق بينهما يوم بدر بأن علا هذا أو سفل ذا، وقيل: جعله يوم الفرقان؛ لأنه فرق فيه بين المؤمنين والكافرين، قال الله: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ) أي: إن كنتم صدَّقتم باللَّه وبما أنزلنا على عبدنا يوم بدر من هذا الحكم، وهو أن [خمس] الذي تغنمونه هو لله يجعله في الوجه الذى يريد.
والوجه الذي يريد أن يجعله فيه؛ هو أن يكون للرسول والفقراء من بني هاشم وبني المطلب، وجعل ذلك لهم بدلا من الصدقات المحرمة عليهم، والفقراء واليتامى، والمنقطع به من المسافرين؛ وهو ابن السبيل، فجرى الأمر على ذلك حياة رسول الله ﷺ ،
стр. 339
ثم اجتمع الخلفاء الأربعة ﵃ على أن يجعل بينهم الرسول في السلاح والكراع، ويصرف الباقي إلى من سمي له في الآية، وقيل: (آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) أي: الكتاب الذي فيه الفرقان، وقيل: معناه إنا آتينا موسى الكتاب وهو التوراة، ومحمدا الفرقان؛ فاكتفى بذكر الفرقان عن ذكر محمد؛ لأنه معلوم أن الفرقان نزل عليهم.
وقال بعضهم: الكتاب التوراة، والفرقان؛ انفراق البحر، وقال آخر: الفرقان؛ بيان الحلال والحرام الذي في التوراة، وقيل: الفرقان الموضع الذي فرق فيه بين موسى وبين فرعون، كما سمي يوم بدر الفرقان.
الثاني: البينة في الدين؛ قال تعالى: (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) يعني: البينة في الدين وإخراجا من الشبهة والضلالة، وقال: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا).
الثالث: القرآن؛ قال الله تعالى (الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) وقال: (أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) يعني: القرآن.
стр. 340
الفرض
أصل الفرض من التأثير، ومنه الفرض في العود وهو الحرفية، وفرضة النهر ترجع إلى ذلك، وهو في الشريعة بمعنى الإلزام، وهو قوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) أي: ألزم نفسه.
وفرض اللَّه على الناس الفريضة؛ أي: ألزمهم القيام بها، والفرق بين الفرض والواجب في اللغة؛ أن الفرض الذي له تأثير وأصله من الجزء، وليس للواجب تأثير لأنه من السقوط، يقال: وجب الحائط؛ إذا سقط، وفي القرآن: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) أي: سقطت، وللفرض في مكانه تأثير، - وليس للواجب في مكانه تأثير.
فمن يجعل الفرض أوكد من الواجب يذهب إلى هذا المعنى، وقوم يجعلونهما سواء لأن قولك أوجبت وفرضت؛ بمعنى ألزمت، والفرق بينهما عند بعض الفقهاء بين أيضا، وذلك أن سجدة التلاوة عنده واجبة وليس بفرض، وكذلك الوتر، والفرض أيضا لا يكون من الله، والواجب يكون منه ومن العبد، تقول: أوجب السلطان على رعيته كذا، ولا يقال: فرض.
стр. 341
فأما قولهم: فرض القاضي عليه فإن معناه؛ أوجب عليه ما فرض الله؛ لأن القاضي لا يفرض في الحقيقة، فأمَّا قوله تعالى (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) فهو بمعنى ألزم، فوضع حرفا مكان حرف لتقاربهما في المعنى، وكذلك فرض القاضي.
والفرض في القرآن على خمسة أوجه:
الأول: الإلزام؛ قال اللَّه: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)، وقال: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ) يعني: المهور، وأن لا يتجاوز الرجل تزوج أربع نسوة، وقيل: الفرض هاهنا الإباحة؛ أي: أبحنا لهم تزوج أربع نسوة وما ملكت أيمانهم؛ أي: وإن اتخذوا من الإماء والسراري ما يريدون، وقال في آية الصدقات بعد أن عدد أهلها: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) وقيل: للصلاة المكتوبة فرضفة ولسهام الميراث فرض لذلك.
الثاني: بمعنى التبيين؛ قال الله: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) أي: بين لكم كيف تكَفِّرون عن أيمانكم إذا حلفتم، ومثله قوله تعالى: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا) أي: بيناها وفصلناها، وقيل: معنى: (فَرَضْنَاهَا) التخفيف؛ إنا أنزلنا العمل بما فرض فيها، ومن شدد وأراد التكثير، أي: فرضنا فيها فروضا.
الثالث: فرض بمعنى أحل؛ قال اللَّه: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) يعني: فيما أحل له، ويجوز أن يكون معناه أنه أوجب عليك العمل به.
الرابع: بمعنى أنزل، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) أي: أنزل، ويجوز أن يكون معناه أنه أوجب عليك العمل به.
الخامس: الفريضة بعينها وهي الخصلة يلزم فعلها، قال تعالى: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) والفريضة المهر أصله قوله: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً).
стр. 342
والمراد أن من تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها من غير أن يدخل بها؛ فالواجب لها عليه أن يمتعها على قدر حاله في الغنى والفقر.
قال الكوفيون: أول المتعة ثلاثة أبواب؛ إلا أن يكون ذلك أكثر من نصف مهر مثلها، والتمتيع في هذه الآية التزويد، وفي غيرها التلذذ، ومنه نكاح المتعة، وقال ابن أبي ليلى، وأبو على: المتعة ليست بواجبة.
وقوله تعالى: (مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) يدل على خلاف ما قالا؛ لأنه جعل المتعة في شرط التقوى، وقال: (حَقًّا) وليس في الإيجاب أوكد من هذا، وعلى كل واحد أن يكون من المتقين؛ فإن قيل: إنما خص المتقين بالذكر لأنها غير واجبة، قلنا: الظاهر يقتضي وجوبها على المتقين، وإذا وجبت عليهم وجبت على غيرهم، لأن أحدا لا يفرق بين المتقي وغير المتقي في الفروض، ولا يجوز أن يكون ندبا؛ لأن الندب لا يختلف فيه المتقي وغيره.
стр. 343
الفاحشة
أصلها المبالغة في القبح، ومنه قيل: أفحش الرجل، وفحش في الكلام إذا أقذع، والاسم الفحش، وربما جعل الفحشاء الفجور.
والفاحشة في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: ما حرم أهل الشرك في الجاهلية؛ قال: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا) يعني: سنن الغي التي سنها لهم آباوهم من البحيرة والسائبة وما يجري مجراها.
الثاني: الزنا؛ قال: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ) وقال: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) يعني: الزنا، وقوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) أراد الزنا، وذلك أن العرب كانت تحل الزنا باطنا وتحرمه ظاهرا؛ فأخبر الله أن جميعه حرام، وقد مر ذلك قبل.
الثالث: إتيان الرجال في أدبارهم؛ قال: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ).
الرابع: على قول بعض أهل التفسير: النشوز؛ قال اللَّه: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) قال: هي النشوز، وعندنا أنه الزنا وما يجري مجراه من قبح المعاصي؛ لأنه لا تكاد العرب تسمي بالفاحشة إلا كل ذنب شديد القبح لازم العار، وليس النشوز مما يجري عليه اسم الفاحشة، وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة
стр. 344
فاحشة، وقِيل: هو أن تتبدى على أهله فيحل لهم إخراجها قبل انقضاء العدة، وذلك فاحشة منها، وقيل: أن تزني فتخرج للحد أو فتاتي بمعصية كبيرة لا يحل مقاربتها معها فتخرج.
والفاحشة والفحشاء سواء، والشاهد قوله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا) إلى أن قال: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) ولا يقال في تذكير الفحشاء: أفحش، ونحوه ديمة هطلاء، ولا يقال: ومطر أهطل.
وقيل: الاستثناء في هذه الآية من العضل؛ أي: من أتت منهن بفاحشة مبينة، وهو الزنا فلكم حبسها على ما فرض قبل نزول الحد.
وقيل: الاستثناء من الذهاب ببعض ما آتوهن ومن العضل جميعا، ومعروف أنه لم يصح ظلمهن؛ بقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) ولكن عنى ما يدخل عليها الزوج من المساءة والأذى بالحق والعدل إذا أرادت الخلع؛ وهو أن يأخذ منها بعض ما آتاها على الخلع والمباراة؛ لأن الظلم حينئذ جاء من قبلها، والعضل هو الحبس والضيق.
стр. 345
الفرار
أصله من الخفة والسرعة، ومنه قيل: رجل فرفار إذا كان خفيفا كثير الكلام، والفرفار: شجر يتخذ منه القصاع خفيف الوزن، والفرير والفرار ولد البقرة الوحشية سمي بذلك لخفته وسرعته، وفررت الدابة؛ إذا فتحت فاه لتعرف سنه؛ لأنك إذا فتحت فاه وقفت على سنه بسرعة من غير تعذر.
والفرار في القرآن على خمسة أوجه:
الأول: التوبة؛ قال اللَّه: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) أي: توبوا إليه ولا تعدلوا عن سبيله، وإنما عبر عن هذا المعنى بالفرار، لأن من يفر إلى الإسلام لا يعرج إلى غيره.
الثاني: الهرب؛ قال الله: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ).
الثالث: الكراهة؛ قال: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) أي: تكرهونه.
الرابع: ترك التعرج؛ قال الله. (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) أي: لشغله بنفسه لا يعرج على أخيه.
الخامس: التباعد؛ قال اللَّه: (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا) أي: تباعدا مني ومما أدعوهم إليه.
стр. 346
في
موضوعة في العربية الأوعية، تقول: زيد في الييت، والمال في الكيس، وإنما يراد أن ْالبيت قد حواه، وك الكيس قد اشتمل عليه، ثم اتسع القول فيه، فقيل: فلان ينظر في العلم؛ فجعلوا العلم بمنزلة متضمن، كما قيل: دخل عمرو في العلم وفي الصلاة، وقالوا في يد فلان الضيعة؛ وإنَّمَا قيل هذا لأن ما أحاط به علمه بمنزلة ما أحاطت به يده.
وهو في القرآن على خمسة أوجه:
الأول: بمعنى مع؛ قال تعالى: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ) وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ) وقال: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ). وقال: (لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) هذا قول بعض المفسرين.
وآخرون يقولون: إن قوله: (فِي أمَمٍ) أي: في جملة أمم وفي جملة عبادك، هكذا جميع ما تقدم، ومثله: (فِي تِسْعِ آيَاتٍ) قال: مع تسع، وقيل: في من صلة قوله: (وَأَلْقِ عَصَاكَ): (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) والتأويل: وأظهر هاتين الأيتين في تسع آيات؛ والمعنى من تسع آيات. وعندنا أن قوله: (فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ) إخبار بأنه يفعل بأهل الجنة هذا الفعل، وهؤلاء المذكورون فى جملتهم، كما تقول: أحبك وأكرمك فى أهل السمع والطاعة، وكذلك قوله: (فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ).
الثاني: بمعنى على؛ قال الله: (فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) وجاز أن يقع في هاهنا، لأنه يكون في الجذع على جهة الطول، والجذع مشتمل عليه فقد صار فيه، وقال الشاعر:
هُمُ صَلَبُوا العَبْدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ ... فَلا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إلاَّ بأَجْدَعا
стр. 347
الثالث: على قول بعض المفسرين بمعنى إلى، قال: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) قال: أراد أرض المدينة، و: (فيهَا) بمعنى إليها، ويجوز أن يكون المعنى فسيروا فيها مهاجرين لمن يريد إيذائكم في الدين حتى تصلوا إلى حيث تتمكنون من عبادة ربكم.
الرابع: بمعنى من؛ وهو في قوله: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) أي: من كل أمة، كذا قيل: وإذا بعثه شهد عليهم فينبغي أن تكون فيما بينهم ومخالطا لهم، وإذا كان كذلك فإنه فيهم؛ أي: في جماعتهم.
الخامس: فينا بمعنى لنا؛ قال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) ذكروا أنه أراد عملوا لنا، وقد تقدم هنا قبل، ويجوز أن يكون فينا أي: من أجلنا؛ يريد عن أجل ديننا وأوليائنا، كما تقول: أنا أوالي فيك وأعادي فيك؛ أي: من أجلك.
стр. 348
الفتح
أصله الكشف والتبيين، يقال: فتح لي فلان القول في هذا الباب؛ أي: بين، والفتوح الأمطار؛ لأنها تكشف القحط، والفتح: الحكم، والفاتح الحاكم؛ قال: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) وفتح الباب وفتح البلد يكون بحرب وبغير حرب، وإنما الفتح للظفر بالمكان؛ فإذا ظفر به فقد فتحه حارب عليه أو لم يحارب.
وهو في القرآن على ثمانية أوجه:
الأول: القضاء، قال اللَّه: (ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا) وقال: (افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) وقال: (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ) أي: يوم القضاء، وهو دعاء لإنزال العذاب بهم لأن ذلك حق؛ فكأنهم قالوا: أنزل بهم ذلك ليفصل بيننا وبينهم، والقضاء والحكم إنما هو للفصل، ويجوز أن يكون المعنى أن اكشف أمرنا حتى ينفتح ويظهر أن الحق معنا.
الثاني: الهداية إلى الإسلام؛ قال: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) وقيل عني: فتح الحديبية، والحديبية بئر فسمي المكان بها، وقيل: هو فتح مكة وليس ذلك بالوجه؛ لقوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) وذلك
стр. 349
أنه لا يحسن أن يقول: فتحت لك هذا المكان لأغفر لك ذنبك، وقيل: إنه فتح له الحجج والإبانة فتحا بينا إن الذي تدعوا إليه الحق، وقيل: الفتح المبين؛ الهداية إلى الإسلام؛ وهذا هو الوجه.
الثالث: التخصيص؛ قال تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ) يعني: ما يخصهم به من رزق.
الرابع: التخلية؛ قال اللَّه: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ).
الخامس: البعث؛ قال اللَّه: (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ) أي: بعثنا عليهم عذابا، ولما ذكر الباب ذكر الفتح، قال أبو علي ﵀: أراد عذاب الآخرة؛ أي: حتى أدخلناهم جهنم إذا هم مبلسون؛ أي: آيسون والإبلاس اليأس.
السادس: فتح الباب؛ قال الله: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) والتشديد للتكثير، يقال: أبواب مفتَّحة، ولا يقال: مفتوحة في الأكثر، وروى لنا أبو أحمد؛ أنه لما قال الفرزدق:
ما زِلتُ أفتحُ أبوابًا وأغلِقُها
عابه الناس، وقالوا؛ يقال في التكثير: فتحت وغلقت، وغيره من أهل العربية قال: فعلت في التكثير والتقليل، وفعلت بالتشديد لا يكون إلا في التكثير إلا في أحرف منها كلمته.
السابع: النصر؛ قال تعالى: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ).
الثامن: الظفر بالمكان؛ قال: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) يقول: يفتح لكم ما توجهتم اليد إليه من البلدان وذلك قريب، وقال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال بعضهم؛ يعني: فتح مكة وكان فتح مكة سنة ثمان، ونزلت هذه سنة عشر بعد حجة الوداع، وقيل: المراد أنه يفتح لك الأمم والبلدان.
стр. 350
فوق
أصله من العلو، يقال: فاق الشيء غيره؛ إذا علاه، وهو فائق.
وله في القرآن ثمانية مواضع:
الأول: بمعنى دون؛ قال بعض المفسرين: (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) قالوا: فما دونها؛ كأنَّه قال: فما فوقها في الصغر.
وقال المبرد: (فَمَا فَوْقَهَا)، أي: فما يتجاوزها؛ فحق هذا أن ينظر إلى الغاية المطلوبة فيجعل فوق من ناحيتها. فإذا قيل: فلان فوق فلان في اللوم؛ فمعناه أنه يتجاوزه فيه، فالمطلوب هاهنا الصغير؛ وكأنه قال: بعوضة فما يتجاوزها صغرا.
стр. 351
وقال قطرب: بل معناه أكبر منها؛ وهو الذباب وما يجري مجراه، ولا يقال: هذا حمار وفوق الحمار، أو نملة فوق النملة؛ بمعنى أصغر من ذلك، وإنما يكون ذلك في الصفات، يقال: هذا صغير وفوق الصغير.
ورد آخرون ذلك، وقالوا: قد يقال: هو حمار وفوق الحمار، كما يقال: هو ضغير وفوق الصغير ليس بين الصفة والاسم في هذا فرق.
الثاني: بمعنى أفضل؛ قال تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) والمعنى ما يفعل الله بهم من الخير ويعطيهم من الثواب أفضل مما بذلوه من البيعة يوم الحديبية.
وقيل: يد اللَّه في الوفاء فوق أيديهم، وقيل: يد اللَّه في المنة عليهم حين هداهم فوق أيديهم، وتلخيص هذا أن نعمة الله عليهم فيما هداهم له من الإيمان فوق إجابتهم الرسول وطاعتهم له واليد النعمة.
وقال الضحاك: يد الله عليكم في الثواب فوق أيديكم في النصر.
الثالث: بمعنى أكثر؛ قال الله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ).
الرابع: أرفع في المنزلة؛ قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وهكذا قوله: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي: هم أرفع منزلة.
الخامس: بمعنى على؛ قال: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) أي: رفع الأغنياء على الفقراء في اليسار، ثم قال: (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) فأخبر أنه فعل ذلك لتطرد أمور الدنيا والخير بعد ذلك، والخيرة فيما عنده.
السادس: قوله تعالى؛ (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ) أي: من أعلى الوادي، وذلك من علو بعض الأرض على بعض من غير أن يكون له سمك ظاهر.
стр. 352
السابع: العلو في السمك؛ مثل قوله: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا) أي: حتى يعلو فوقها، وقال: (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا) أي: من وجهها.
الثامن: الغلبة والسلطان؛: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) يريد أنه القاهر لهم لاشتمال ملكه عليهم وفوقهم؛ أي: غالب لهم، ولا يجوز أن يقال: فوقهم في المسافة؛ لأنه ليس بجسم، ولأنه لا مدح له في ذلك؛ لأن اختلاف الأمكنة لا يوجب [قضاء]، وقوله: (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) والعرب تقول: أخذت الأمر من فوق؛ أي: أخذته بغلبة وقهر،. ومنه قول الراجز:
إنَّ الجبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
أي هو غالب له لا يدفعه عنه توقية.
стр. 353
الفتنة
أصل الفتنة شدة الاختبار من قولك: فتنت الذهب؛ إذا أدخلته النار لتعلم جودته نن رداءتهه، وفي القرآن: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: اختبرناهم، ومعنى الاختبار من الله التكليف على ما بينا.
وقال لموسى ﵇: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) أي: واستعمال الاختبار في اللَّه تعالى مجاز، لأن أصل الاختبار طلب العلم والله عالم بنفسه، [والبحر يصطفي الاختبار] (١)، ولا يستعمل في اللَّه قياسًا على الاختبار؛ لأن استعمال الاختبار فيه مجاز.
والمجاز لا يقاس ... قال: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) أي: أهلها، ولا يجوز أن يقال: سل الحمار؛. أي: صاحبه، وقال: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ) ويقال: فتنت الرجل، ولا يقال: أفتنت.
وهي في القرآن على ثمانية أوجه:
الأول: التكليف؛ " قال: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: أحسنوا أن يقع منهم بأن يقولوا: آمنا ولا تكلفون أو تمتحنون بما ظهر معه إيمانهم للرسول، وصدقهم فيه من كذبهم، فيركن إلى من يركن إليه منهم على بصيرة.
الثاني: العذاب؛ قال اللَّه: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) أي: عذابكم، ويجوز أن يكون المعنى ذوقوا جزاء فتنتكم فحذف الجزاء، كما قال: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ).
وقيل: يفتنون يحرقون ومنه، قيل: للحجارة السود التي كأنها قد أحرقت الصبر ومثله قوله: (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) أي: عذاب الناس
стр. 354
بعذب الله. والمراد أنه إذا أصابه أذى من الناس لسبب إيمانه جزع منه، كما يجزع من عذاب الله، يحث على الصبر عند مس الأذى.
الثالث: الضلال، قال الله: (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ) أي: لستم تضلون إلا من هو ضال، أي: ليس تبعكم على عبادة الأوثان إلا من هو مثلكم في الضلال.
والهاء في عليه راجعة إلى (ما) الذي، في قوله: (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) وهو مثل قولك: ما هلك فلان إلا على يد فلان.
الرابع: الصد والاستزلال، قال اللَّه: (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) وقال: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ).
الخامس: الكفر والشرك، قال اللَّه: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ).
السادس: الإثم " قال اللَّه: (أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا)، قال: (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي: أثمتم.
السابع: العبرة، قال تعالى: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي: يعتبرون أمرهم بأمرنا فإذا [رآهم] (١) في ضر وبلاء ورأوا أنفسهم في غبطة ورخاء؛ ظنوا أنهم على الحق وأننا على الباطل.
الثامن: الجواب، قال: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ) أي: جوابهم؛ لأنَّهُم حين سئلوا اختبر ما عندهم بالسؤال؛ فلم يكن الجواب عن ذلك الاختبار إلا هذا القول ونتكلم في قوله: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) فيما بعد إن شاء الله.
стр. 355
ومثل قوله: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) قوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي: قاتلوهم حتى يؤمنوا فيذهب الكفر والشرك، ويكون الدين كله للَّه دون الشيطان، وأراد المشركين خاصة أي: قاتلوهم على كل حال في الحرم وغيره، حتى يقروا بالإسلام ولا تقبل من المشرك جزية.
وإنما هو الإسلام والسيف وإما تبقية أهل الكتاب وأخذ الجزية منهم؛ فليتدبروا كتابهم الدال على صحة الإسلام؛ فيسلموا وليس ذلك مع عبدة الأوثان؛ فلا يزدادون على الإمهال إلا شركا.
وهذه الآية ناسخة لما قبلها من قوله: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ).