← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37586

الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري - معتزلي

أبو هلال العسكري

Полный текст (483 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقال قطرب: بل معناه أكبر منها؛ وهو الذباب وما يجري مجراه، ولا يقال: هذا حمار وفوق الحمار، أو نملة فوق النملة؛ بمعنى أصغر من ذلك، وإنما يكون ذلك في الصفات، يقال: هذا صغير وفوق الصغير. ورد آخرون ذلك، وقالوا: قد يقال: هو حمار وفوق الحمار، كما يقال: هو ضغير وفوق الصغير ليس بين الصفة والاسم في هذا فرق. الثاني: بمعنى أفضل؛ قال تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) والمعنى ما يفعل الله بهم من الخير ويعطيهم من الثواب أفضل مما بذلوه من البيعة يوم الحديبية. وقيل: يد اللَّه في الوفاء فوق أيديهم، وقيل: يد اللَّه في المنة عليهم حين هداهم فوق أيديهم، وتلخيص هذا أن نعمة الله عليهم فيما هداهم له من الإيمان فوق إجابتهم الرسول وطاعتهم له واليد النعمة. وقال الضحاك: يد الله عليكم في الثواب فوق أيديكم في النصر. الثالث: بمعنى أكثر؛ قال الله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ). الرابع: أرفع في المنزلة؛ قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وهكذا قوله: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي: هم أرفع منزلة. الخامس: بمعنى على؛ قال: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) أي: رفع الأغنياء على الفقراء في اليسار، ثم قال: (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) فأخبر أنه فعل ذلك لتطرد أمور الدنيا والخير بعد ذلك، والخيرة فيما عنده. السادس: قوله تعالى؛ (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ) أي: من أعلى الوادي، وذلك من علو بعض الأرض على بعض من غير أن يكون له سمك ظاهر.

стр. 352

السابع: العلو في السمك؛ مثل قوله: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا) أي: حتى يعلو فوقها، وقال: (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا) أي: من وجهها. الثامن: الغلبة والسلطان؛: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) يريد أنه القاهر لهم لاشتمال ملكه عليهم وفوقهم؛ أي: غالب لهم، ولا يجوز أن يقال: فوقهم في المسافة؛ لأنه ليس بجسم، ولأنه لا مدح له في ذلك؛ لأن اختلاف الأمكنة لا يوجب [قضاء]، وقوله: (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) والعرب تقول: أخذت الأمر من فوق؛ أي: أخذته بغلبة وقهر،. ومنه قول الراجز: إنَّ الجبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ أي هو غالب له لا يدفعه عنه توقية.

стр. 353

الفتنة أصل الفتنة شدة الاختبار من قولك: فتنت الذهب؛ إذا أدخلته النار لتعلم جودته نن رداءتهه، وفي القرآن: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: اختبرناهم، ومعنى الاختبار من الله التكليف على ما بينا. وقال لموسى ﵇: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) أي: واستعمال الاختبار في اللَّه تعالى مجاز، لأن أصل الاختبار طلب العلم والله عالم بنفسه، [والبحر يصطفي الاختبار] (١)، ولا يستعمل في اللَّه قياسًا على الاختبار؛ لأن استعمال الاختبار فيه مجاز. والمجاز لا يقاس ... قال: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) أي: أهلها، ولا يجوز أن يقال: سل الحمار؛. أي: صاحبه، وقال: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ) ويقال: فتنت الرجل، ولا يقال: أفتنت. وهي في القرآن على ثمانية أوجه: الأول: التكليف؛ " قال: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: أحسنوا أن يقع منهم بأن يقولوا: آمنا ولا تكلفون أو تمتحنون بما ظهر معه إيمانهم للرسول، وصدقهم فيه من كذبهم، فيركن إلى من يركن إليه منهم على بصيرة. الثاني: العذاب؛ قال اللَّه: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) أي: عذابكم، ويجوز أن يكون المعنى ذوقوا جزاء فتنتكم فحذف الجزاء، كما قال: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ). وقيل: يفتنون يحرقون ومنه، قيل: للحجارة السود التي كأنها قد أحرقت الصبر ومثله قوله: (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) أي: عذاب الناس

стр. 354

بعذب الله. والمراد أنه إذا أصابه أذى من الناس لسبب إيمانه جزع منه، كما يجزع من عذاب الله، يحث على الصبر عند مس الأذى. الثالث: الضلال، قال الله: (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ) أي: لستم تضلون إلا من هو ضال، أي: ليس تبعكم على عبادة الأوثان إلا من هو مثلكم في الضلال. والهاء في عليه راجعة إلى (ما) الذي، في قوله: (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) وهو مثل قولك: ما هلك فلان إلا على يد فلان. الرابع: الصد والاستزلال، قال اللَّه: (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) وقال: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ). الخامس: الكفر والشرك، قال اللَّه: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ). السادس: الإثم " قال اللَّه: (أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا)، قال: (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي: أثمتم. السابع: العبرة، قال تعالى: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي: يعتبرون أمرهم بأمرنا فإذا [رآهم] (١) في ضر وبلاء ورأوا أنفسهم في غبطة ورخاء؛ ظنوا أنهم على الحق وأننا على الباطل. الثامن: الجواب، قال: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ) أي: جوابهم؛ لأنَّهُم حين سئلوا اختبر ما عندهم بالسؤال؛ فلم يكن الجواب عن ذلك الاختبار إلا هذا القول ونتكلم في قوله: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) فيما بعد إن شاء الله.

стр. 355

ومثل قوله: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) قوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي: قاتلوهم حتى يؤمنوا فيذهب الكفر والشرك، ويكون الدين كله للَّه دون الشيطان، وأراد المشركين خاصة أي: قاتلوهم على كل حال في الحرم وغيره، حتى يقروا بالإسلام ولا تقبل من المشرك جزية. وإنما هو الإسلام والسيف وإما تبقية أهل الكتاب وأخذ الجزية منهم؛ فليتدبروا كتابهم الدال على صحة الإسلام؛ فيسلموا وليس ذلك مع عبدة الأوثان؛ فلا يزدادون على الإمهال إلا شركا. وهذه الآية ناسخة لما قبلها من قوله: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ).

стр. 356

الفرح انفتاح القلب بما يلتذ، وقيل: هو لذة في القلب أعظم من ملاذ الحواس، [ورجل فرح إذا جعلته كالنسمة]، وفارح إذا بليته على القلب وفرحان، وامرأة فرحانة، وأفرحنى الشيء ميزني، وأفرحني إذا فرحني، وهو من الأضداد، وفي الحديثِ " لا يتركُ مُفْرِحٌ فِي الإسلامِ "، فسروه المثقل بالتبن، وقيل: مفرج بالجيم أيضا. والفرح في القرآن ثلاثة أوجه: الأول: البطر، قال الله: (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) ومثله: (إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) ونظير.: (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ) أي: تبطرون، ولم يرد الفرح المباح مثل الفرح بالولد، وسعة الرزق، والزوجة الحسناء، ونظائر هذا. الثاني: الرضى، قال الله: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: رضوا بها، ومثله: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) أي: راضون، وقال: (فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي: رضوا كذا. قال بعض المفسرين، ويجوز عندنا أن يكون أراد الفرح المعروف، بل هو الصحيح، ولا يجوز أن يعدل عما يقتضيه الظاهر إلا لضرورة.

стр. 357

فقوله: (فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي: لما جاءتهم الرسل لم تنظروا في أمرهم حق النظر، فخفي عليهم الحق الذي جاءوا به، فاستحقروه. واستحسنوا ما كانوا فيه من الباطل، وفرحوا به وسمي ما كانوا يعتدونه من الجهل علما؛ لأنه كان علما عند أنفسهم. الثالث: الفرح بعينه، قال اللَّه: (وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ).

стр. 358

الفضل أصله من الزيادة وفضلة الشيء بقيته؛ لأنها زادت على الكفاية، وقيل: الفضائل؛ لأنها زيادة في محاسن الإنسان والمفضل الثوب الذي تلبسه المرأة في بيتها؛ لأنه زيادة على جملة ثيابها. وهو في القرآن على ثمانية أوجه: الأول: الإسلام، قال الله: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) وإنما سمي الإسلام فضلا وِرحمة؛ لأنه يؤدى إلى الفضل والرحمة. الثاني: النبوة، قال تعالى: (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) ومثله أن فضله كان عليك كبيرا، أو يجوز أن يَكلون أراد فضله عليه في النبوة، أي: نعمته فيها عظيمة. الثالث: الثواب، قال: (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ) وقوله: (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) ويجوز أن يكون الفضل في هاتين الآيتين التفضل. الرابع: الرزق، قال اللَّه: (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) وقال: (يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فوضع التاجر مع المجاهدين دالا على فضل التجارة.

стр. 359

الخامس: الغنيمة، قال الله: (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ) ومثله كثير. السادس: الخلف، قاله تعالى: (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا) أي: مغفرة عند الصلاة، والفضل الحلف مما أخرج في الصدقة. السابع: اللطف، قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) أي: لولا لطفه وتوفيقه لم تكونوا أزكياء. والخطاب للمؤمين وإذا فعل الإنسان أن ما يرضى به عنه سمي زاكيا وزكيا، ومن ثم يقال للزرع إذا بلغ المبلغ الذي يريده الزارع إنه قد زكا،: (اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) أي: يفعل من يشاء من المكلفين ما يصير به مطيعا؛ إذا كان في معلومه أنه يقبل ويصلح. ويجوز أن يكون المراد أنه يخبر بصلاح من يشاء، وفضله حتى يكون زكيا عند الخلق إذا كان كذلك. الثامن: الجنة، قال: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا) وقد خرج لنا وجه آخر وهو، قوله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى) يعني: بالفضل الغنى، أي: لا يحلف أحد منكم على منع ذوي القربى واليتامى والمساكين.؛ إذا كان له غنى وسعة، والواسع الغني. والآية نزلت في أبي بكر ﵁، وذلك أنه لما خاض [مسطح] مع أهل [الإفك] في قذف عائشة - رحمها الله - حلف أبو بكر أن يمنعه بره وفضله، وكان في عيال أبي بكر فنهاه الله عن ذلك فانتهى، وعاد للإفضال عليه والبر له، ويقال: الله واسع بمعنى أنه غني، وللعبد موسع وقد أوسع مثل أير.

стр. 360

وقال أبو مسلم: (وَلَا يَأْتَلِ)، أي: لا يقصر عن إيتاء ذوي القربى [وأَلَّى الرجل بالواو وأْتَلَى ما تألي] إذا قصر، قال أبو مسلم: ولا تجيء يأتلي في [اليمين]، إنما يقال فيها [إلى يولي]، والأول قول جميع المفسرين.

стр. 361

الباب الحادي والعشرون فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله قاف قانتون القنوت: على وجوه أحدها الطاعة والآخر القيام في الصلاة، وقيل يا رسول الله صلى الله عليه: أي: الصلاة أفضل؟ قال: " طول القنوت "، أي: طول القيام، وهو الدعاء وهو الطلب أيضا، قال زيد ابن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فأمسكنا. وهي في القرآن على أربعة أوجه: الأول: السكوت، وهو قوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) وقيل: يعني: مطيعين والأول قول مجاهد، وقال غيره: أي: دائمين على الطاعة والقنوت الدائم على الشيء، وقال ابن عباس، والحسن، وعامر: هو للطلب، وقال ابن عمر: طول القيام، وقيل: هو الدعاء من قيام، والداعي إذا كان قائما قانتا، ويجوز أن يقع في جميع الطاعات لأنَّهَا لم تكن قياما على الرجلين فإنها قيام بالشيء نية وعملا، والقنوت في كثير من آيات القرآن يدل على أنه إتمام الطاعة والصبر عليها، قال الله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا) وقال: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) قال: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) يريد صبرهن على أزواجهن وقيامهن بطاعة الله.

стр. 362

الثاني: الإقرار، قال اللَّه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) أي: مقرون بالعبودية كذا قيل، ويجوز أن يكون بمعنى دوام الطاعة، والمراد أن جميع ما في السماوات والأرض يشهد بربوبيته، فكأنه يديم طاعته، وفسر أيضا قوله: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) على أنه أراد مقريين. الثالث: الصلاة، قال الله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا) وروى ت عنه ﷺ أنه قال: " مثل المجاهد مثل القانت الصائم "، أي: المصلي الصائم كذا قيل، ويجوز أن يكون على الوجه الذي تقدم. الرابع: الطاعة، قال اللَّه: (وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ) ومثله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ) أي: مطيعا كذا جاء في التفسير، وهو وجه.

стр. 363

القوة أصلها التعاون، ومنه [قُوَى الْحَبْلِ]، لأن كل واحدة منها تعين الأخرى؛ وكل طاقة من الحبل قوة، واستعمالها في صفات اللَّه بمعنى أن أحدا لا يغلبه، وليس معناه التعاون كما أن أصل التوبة في اللغة الرجوع، تاب يتوب إذا رجع وكذلك تائبون، وقولنا: (إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ)، ليس يعني: به الرجوع. والقوة في القرآن على خمسة أوجه: الأول: العدة، قال: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) أي: عدة إلى عدتكم، وذلك أن العدة تعبر على مغالبة العدو، وقال: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) أي: بعدد من الرجال، والمراد أن فيما أعطاني اللَّه من المال كفاية في بناء هذا السد، ولكن ينبغي أن تعينوني بأنفسكم ليتعجل العمل ويقع الفراغ منه بسرعة، والخير في هذه الآية الكفاية، والناس يقولون: فلان بخير في كفاية، وقيل: خير أي: خير لكم من خَرْجكم. الثاني: الجد، قال الله: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)، أي بجد، ومثله: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) أي: بجد، وقيل معناه أي: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ) من المقدرة وفي هذا دليل على أن القدرة على الأخذ معهم أخذوا أم لم يأخذوا. الثالث: البطش، قال الله: (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) يعني: البطش، والبطش الأخذ بالشدة والغلبة، ويجوز أن يكون بمعنى القدرة، أي: من أقدر منا على الامتناع مما يراد بنا، ويجوز أن تكون القوة هنا العدة أيضا.

стр. 364

الرابع: السلاح وهو راجع إلى معنى، العدة قال اللَّه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) أي: من سلاح، والدليل على هذا ما يتلوه من ذكر الخيل، وذلك أن الخيل يذكر مع السلاح، وليس يجوز أن يقال إن المراد بها القدرة؛ لأنَّهُم لا يقدرون عل فعل القدرة لأنفسهم. الخامس: الشدة، قال اللَّه: (لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) وتنوء بالعصبة، أي: تغلبهم ولو ناءوا بها لكانوا قد حملوها ولكن هي نأت بهم، أي: ارتفعت بهم فلم يطيقوها.

стр. 365

القضاء الحتم، ومنه أصله، قيل القاضي لأنه يحتم على الناس الأمور، ثم قيل: لكل شيء الحتمة، وفرغت منه قد قضيته، قال أبو ذؤيب: وعليهما مَسْرودتان قَضَاهُما ... داودُ أو صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ وذلك أن من عمل عملا وفرغ منه فقد حتمه وقطعه، والقضاء تأدية الفرض، ومنه قضاء الدين، وحد القضاء في اللغة فصل الأمر وإبرامه وبلوغ آخره على التمام والإحكام، ومنه قوله للموت: قضاء اللَّه لأنه آخر أمر الدنيا، ومنه قوله: (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ) ومنه التقضي والانقضاء. وهو في القرآن على اثني عشر وجها: الأول: الأمر، قال اللَّه: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) أي: أمر أن نعبد اللَّه وحده، وفي هذا بطلان قول من يقول: إنه قضى أن نعبد الشيطان، وقيل: فرض، وهو قريب من الأول، ولا يقال: قضاء إلا فيما كان لازما من الفروض؛ فأمَّا النوافل فلا يقال فيها القضاء. الثاني: بمعنى العلم، قال الله: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ) أي: أعلمناه، وإذا قلت: قضيت إليك، فهو بمعنى العلم، وقضيت عليك بمعنى الحكم، ومثله: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ) ثم فسر ما الأمر، وقال: (أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) كأنَّه قال: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، ومثله: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) أي: أعلمناهم ذلك، ويجوز

стр. 366

أن يكون القضاء في هذه الآيات بمعنى الوحي، فقوله: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: أوحينا إلى أنبيائهم. الثالث: الإتمام والفراغ، قال الله: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ) أي: أتممتموها وفرغتم منها؛: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) أي: لا تقطعوا ذكره لفراغكم من متعبداتكم، وكانت العرب إذا أرادت [الصدر] عن الحج وقفت بين المسجد والجبل بمنى فذكرت محاسن آباءها ومناقبهم، فأمر الله أن يذكروه ويثنوا عليه كذكرهم آباءهم، ثم قال: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) وأراد بل أشد ذكرا،. لأن نعم الله عليهم أكثر من نعم غيرهم، ووقوع (أو) موقع (بل) معروف، ومنه قوله: (أَوْ يَزِيدُونَ) أي: بل يَزِيدُونَ. وقال بعضهم: (أَوْ يَزِيدُونَ) عندكم، ومثله (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ) ونظيره: (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) أي: فلما فرغ النبي ﷺ من قراءة: القرآن. الرابع: بمعنى الفعل، قال اللَّه: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) أي: افعل ما أنت فاعل،: (إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) والحياة نصب على الظرف، ويجوز أن يكون القضاء هنا الحكم أي: احكم فينا بما أنت حاكم، وقال: (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا). الخامس: بمعنى الإرادة، قال اللَّه: (فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي: إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون، أي: إذا أراد أمرا لم يتعذر عليه فعله، وليس هناك قول، وإنما هو عبارة عن إيجاده الفعل من غير تعذر إذا لم يحتمل الكلام على هذا المعنى فسد؛ لأنه لا يجوز أن يخاطب المعدوم، ولا يجوز أن تقول للموجود كن؛ لأنه كان، وإنما هو كقول الشاعر: قال جناحاه ليسا فيها جفاء

стр. 367

ولم يكن هناك قول، بل هو إخبار عن سرعة اللحاق. السادس: بمعنى الموت، قال: (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) أي: ليمتنا، ومثله قوله: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) ومثله: (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ). السابع: بمعنى الوجوب، قال الله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) أي: وجب العذاب، وقال: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) والوجوب هنا الوقوع؛ لأن العذاب كان وجب عليهم في الدنيا، وإنما يقع في الآخرة. الثامن: الكتاب، قال اللَّه: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) أي: مكتوب في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون أمرا مقتضيا، أي: مقدرا مفروغا. التاسع: قضى بمعنى أتم، قال: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ) أي: أتم الشرط المشروط إلى الأجل، ومثله: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) أي: من قبل أن يتم جبريل صلوات الله عليه [قراءته عليك]. العاشر: قضى بمعنى فصل، قال اللَّه: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ) وقال: (لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) ونظيره: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ). الحادي عشر: قضى بمعنى خلق، قال اللَّه: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) أي: فخلقهن، ويجوز أن يقال: أتم خلقهن فيكون على الأصل. الثاني عشر: قضى بمعنى حكم، قال تعالى: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) وقريب منه، قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُضِ الْحَقَّ) (١).

стр. 368

[وفي هذا دليل على أنه لم يقض الكفر]؛ لأنه ليس حق فقد قال: (وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) فدل على أن قتلهم ليس من قضائه لإخباره أنه لا يقضي إلا بالحق، وإن زعموا أن قتلهم من قضائه لزمهم أن يقولوا إن قتلهم حق؛ لأن قضاءه حق. وقرئ (يَقُصُّ الْحَقَّ)، ويقضي أجود هنا، لقولنا: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) والحكم والقضاء واحد، وجميع هذه الوجَوه راجع إلى ما قلنا من الأحكام، والفراغ من نفس الشيء، أو حكمه أو الخبر عنه.

стр. 369

القدر القدر هو وجود الأفعال على مقدار الحاجة إليها والكفاية لما فعلت من أجله؛ كان القدر هو الوجه الذي أردت إيقاع المراد عليه، والمقدر للفعل هو الموجب له على ذلك الوجه. وأصل القدر في العربية التوسط بين العلو والتقصير، ومن ثم قيل: للقدرة قدرة؛ لأن الفعل يقع على قدره، وقيل: هذا على قدر ذلك، وقدره أي: غير فاصل عنه ولا مقصر دونه، ومنه قيل: القدر لأنك تطبخ فيها الطبيخ بقدر ما تحتاج إليه، أو بقدر ما تسعه. وسُمِّي قدر الله قدرا لأنه يقع على قدر المصالح، لا فضل ولا نقصان، ومنه قوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) أي: هو على قدر الصلاح. وقال بعضهم: أصل القدر هو وجود الفعل على مقدار ما أراده الفاعل وحقيقته في أفعال الله وجودها على قدر المصالح، وأما قوله: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) فإن اللفظ عام، والمعنى خاص؛ لأن المعاصي لم تدخل فيه، والشاهد قوله: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) والباطل ليس بمتقن. والدليل على أن كل شيء لغير معنى الإحاطة، قوله: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) ونحن نعلم أنها لم تؤت لحية، وقوله: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) وهو القدر، والقدر، ثم استعمل في التقصير فقيل: قدر فلان على نفسه مثل قتر ونحوه،: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) أي: ظن أن لن نضيق عليه؛ كقوله: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) ومنه: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ) أي: ضيق عليه. ومن ذلك قولهم: رجل أقدر، إذا كان قصير العنق؛ وجاء أيضا في الزيادة، فقيل: فرس أقدر للذي تتقدم موقع رجله موقع يده، والخبر السابق بما يكون قدرة أيضا إذا كان

стр. 370

المخبر عنه، ويكون كل مقدار ما تقدم به الخبر، ومنه قوله: (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) أي: أخبر عن ذلك، بقوله: (إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ) ومنه، قول العجاج: وأعلم بأن ذا الجلال قد قدر أي أخبره، وقيل: قدر وقدر لغتان بمعنى واحد، وقرئ: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) بالتثقيل فجمع بين اللغتين، كما قال الأعشى: وأنكرتني وما كان الذى نكرت والصحيح أن قدَّر الشيء بالتشديد وفي تكرير الفعل، وقيل: التخيف بمعنى القدر والملك، ومعنى قولهم: المقدور كائن، أن ما أخبر اللَّه بكونه كائن؛ وليس أن المعنى المخلوق كائن؛ لأن ذلك لا يشك فيه. والقدر في الفزآدْ على ثلاثة أوجه: الأول: الأمر والحكم، قال اللَّه: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) يعني: أنه أمر في الزاني بالرجم، وفي القاذف بالجلد، وفي السارق بالقطع، وفي القاتل بالقتل، وهدى بذلك إلى ما فيه نجاة الخلق. وفي هذا دليل على أن المعصية ليست من قدر اللَّه (١)، لقوله: (قَدَّرَ فَهَدَى). ولم يقل: قدر فأضل وأعمى. الثاني: الخلق على قدر، قال تعالى: (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) أي: يخلق كل واحد منهما بعد الآخر على قدر لا زيادة ولا نقصان. وقال: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) أي: ذلك خلقه كذا قيل، ويجوز أن يكون المعنى أنه قدر صيرها تقديرا لا يتفاوت.

стр. 371

الثالث: التسوية، قال اللَّه: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) أي: سوينا له منازل ينزل فيها حالا بعد حال، وهو راجع إلى الخلق كذا قيل، ويجوز أن يكون المراد إنا قدرنا سيره في المنازل تقديرا لا يتفاوت. قال أبو علي ﵀: القدر على وجهين: أحدهما: أن يفعل اللَّه الشيء مقدرا، والآخر: أن يقدر لخلقه بأن يعرفهم مقداره ووقت كونه؛ كقولك لصاحبك: كم تقدر مقامك بالبلد؟ وللخياط: ما يقدر أن تعطني الثوب، ومعنى ذلك أن يعرفك مقداره.

стр. 372

قليل القليل ما يقصر عن الكفاية، وهو قلَّ بمعنى قليل، والقل أيضا القلة مثل النحل والنحلة، والعذر والعذرة، وقيل: قل َّفعل ولهذا جاء فاعله علي فعيل، مثل كرم، وهو كريم، وكثر وهو كثير، وقيل هو فعل إلا أنه دخله معنى المبالغة فجاء فاعله على فعيل، كما قيل: حرص وهو حريص وهذا هو الصحيح، ويقال: هؤلاء قوم قليل وقليلون وكثير، ولم يجئ كثيرون. والقليل في القرآن على ثلاثة أوجه فيما ذكروا وبعضها عندنا داخل في بعض: الأول: بمعنى اليسير، قال: (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) أراد أن أهل الكتاب تركوا العمل بكتابهم وكتموا ما يدل منه على نبوة محمد ﷺ ، لعرض نالوه من عرض الدنيا وذلك قليل. الثاني: بمعنى الرياء في جاء عن بعضهم، وهو قوله: (وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) وهو والأول عندنا سواء، والمراد أن المنافقين يذكرون الله إذا لقوا المؤمنين فذكرهم له قليل بالإضافة إلى ذكر المؤمنين له؛ لأن المؤمنين يذكرونه على كل حال.

стр. 373

الثالث: النفي، قال الله: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) وقوله: (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ) أي: لا يؤمنون ولا يشكرون أصلا، لأنه في صفة الكفار، والعرب تقول: نَفت حِيلَتي فِي كذى إِذا لقيت وقال شاعرهم: مَنْ كانَ يكذبُ مَا يقُوُل فحيلَتي فيه قَلِيلَة أي ليس لي فيه حيلة

стр. 374

القتل إماته الحركة، وقيل: قتلت هذا الشيء علما إذا بلغت أقصى العلم به، [وناقة ذات قتال وكنال] إذا كانت ذات خلق، والفرق بين القتل والذبح، أن الذبح عمل معلوم، والقتل ليس بمعلوم، ولهذا قال أصحابنا: إن استأجر الرجل رجلا على قتل رجل قصاصا؛ إن ذلك لا يصح إن استأجر على ذبح شاة صح. والقتل في القرآن على وجهين: الأول: القتل بعينه، قال: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ). الثاني: اللعن، قال اللَّه: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) ومثله: (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) أي: لعن، كيف قدر الباطل على النبي ﷺ ، فقال: إنه ساحر.

стр. 375

القول عبارة عن جملة ما يتكلم به المتكلم على سبيل الحكاية، والكلام عبارة عن جنس ما يتكليم به موجودا كان أو معدوما، ومبتدأ أو محكيا، وقد شرحنا هذا المعنى في التفسير. ويقال: قال يقول من القول، وقال يقيل من القيولة، والقيل دون الملك الأعظم والجمع أقيال، والقيل شرب ونصف النهار، وقد اقتال الرجل إذا صار قيلا، واقتال شرب قيلا، وكل ما يجيء بعد القول فهو مرفوع إلا أن يكون من القول، تقول: قلت اليوم طيب فترفع، لأن اليوم ليس من القول، وتقول: قلت كلاما حسنا، وقلت خيرا؛ لأن الخير يقال، ولا تقول: قلت ثوبا جديدا؛ لأن الثوب ليس مما يقال. والقائل في القرآن على وجهين: الأوول: فاعل القول، قال تعالى: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ). الثاني: من. القيلولة، قال: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) أي، نائمون في أنصاف النهار.

стр. 376

القائم أصل القيام الاستواء ومنه، قام الشيء لاستوائه منتصبا؛ وقومه سواء، وقاومه استوى معه في القول أو الخصومة، وقامت السوق لاتوائها في البيع والشراء، وأقام أرزاق الجند؛ إذا أجراها على استواء، وأقام الوزن سواء وعدله، وقوم الثوب إذا ذكر ما يساويه من الثمن، وأقام بالمكان يرجع إلى هذا. والقائم في القرآن على وجهين: الأول: بمعنى المديم للفعل، قال اللَّه: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) أي: مديم لفعله، والقسط العدل ونحوه: (إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) أي: مديما للتقاضي. الثاني: القائم خلاف القاعد، قال الله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ).

стр. 377

الباب الثاني والعشرون فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله كاف الكتب أصل الكتب الجمع، والكتيبة العسكر الذي قد تكتب، أي: تجمع، وقيل: هي الذي اجتمع فيها ما تحتاج إليه للحرب، وكتبت البغلة جمعت بين أشعرها بحلقة، والكتبة الخرزة لأنها تجمع من طرفي الأديم، وسُمِّي الكتاب كتابا؛ لأنه جمع الحروف والمعاني، والكتب أيضا الخلق، قال الهذلي: كتب البياض لها وثور لونها ... فعيونها حتى الحواجب سود أي خلقن بيضا وعيونها وحواجبها سود، ولما كان في خلقها بياض وسواد عبر عن ذلك بالكتب تشبيها، ويقولون: كتب اللَّه عليكم السلامة، أي: خلقها لكم.

стр. 378

وكتب قدر والمكتوب بمعنى معلوم وبمعنى محدد، قال أبو عبيدة: كتب قضى، وكتب حفظ. والكتب في القرآن على خمسة أوجه: الأول: بمعنى الفرض، قال اللَّه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) أي: فرض، وإنما جعل الفرض كتبا؛ لأنه فرضه في الكتاب وهو في القرآن، ومثله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)، ومثله كثير. الثاني: كتب قضى، قال اللَّه: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) ومثله: (لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) ومثله: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) أي: قضى وبين؛ لأن كل من تولاك ضال وقال: (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) أي: قضى: ذلك أن اللَّه يقضي عليهمْ بالموت عند القتل لا محالة، فجعل القتل من قضائه؛ لأنه سبب لما يقضيه، وهو الموت. وليس ذلك بموجب أن يكون الذين قتلوا المؤمنين كانوا لا يقدرون على أن يقتلوهم؛ لأنهم لو كانوا كذلك ما نهاهم اللَّه عن قتلهم، ولكن كان في المعلوم أنهم سيختارون قتلهم مع قدرتهم على تركه؛ كما أن ما كتب أو أخبر أنه سيفعله فهو سيكون لا محالة، وأن اللَّه قادر على أن لا يفعله. ونزلت هذه الآية في قصة أُحُدٍ لما أصيب بها المسلمون، فقال المنافقون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، أي: لو كان ما يزعمه محمد حقا ما قتل إخواننا هاهنا؛ يعنون ْالسلطان والغلبة، فجعل قتل إخوانهم وأوليائهم قتلا لهم، لأنهم منهم فأجابهم اللَّه بقوله: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) أي: لو قعدتم في بيوتكم أراد السلامة لخرج منكم الذين كتب الله؛ وعلم أنهم يقتلون إلى مضاجعهم، أي: مصارعهم، ولم يرد القتل عنهم قعودكم، لأن خلاف ما علمه لا يكون.

стр. 379

الثالث: الجعل، قال الله: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي: اجعلنا، ويجوز أن يكون (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) في اللوح المحفوظ؛ لأن كل شيء يفعله اللَّه [مكتوب فيه]، وقال: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) أي: سأجعلها، وقيل [الشاهدون أمة محمد] ﷺ ، المؤمنون الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، ويجوز أن يكونوا الأنبياء لأنهم يشهدون على أممهم بما شاهدوا من أعمالهم، وقيل: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) أي: [سأجمعها] وذلك أن رحمته ونعمته قد عمت الكافر والمؤمن في الدنيا، وهي في الآخرة مجموعة للمؤمنين. الرابع: الأمر، قال الله: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) أي: أمركم بدخولها. الخامس: الكتب المعروف، قال اللَّه: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ). أي: اكتبوا مبلغ الدَّين؛ لأن لا ينسى، ومبلغ الأجل لأن لا يزاد فيه أو ينقص، ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن هاهنا ندب وإرشاد إلى الأحوط. وقد نقلت الأمة عقود المداينات والبياعات بغير إشهاد ولا نكير من الفقهاء. وروي عن ابن جبير، وعطاء، وإبراهيم: أن الإشهاد على كتب المداينات والبياعات وقليلها واجب، وليس ذلك [بمعول عليه]. وعن الحسن، والشعبي: أن الشهادة والكتب كانا واجبين فنسخا، بقوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا). وقال ابن عباس: لم ينسخ ذلك، وأما قوله: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) فمعناه أنه حكم بها وأوجبها على نفسه (١)، وقال: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) أي: علامة الإيمان، كما قال: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) أي: حب العجل، فحذف.

стр. 380

وكان بنان بن سمعان يذهب إلى أن اللَّه كتب على وجهه وسائر أعضائه الرحمة، ويذهب إلى أنه ليس في كلام الله مجاز، وكان يقول: إن اللَّه يفنى سائره ويبقى وجهه، لقوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ).

стр. 381

الكفر أصله التغطية، ويقال: لليل كافر؛ لأنه يغطي كل شيء بظلمته، وكفر الغمام النجوم سترها، [والكافر الذي لبِس فوق درعه ثوبا]، والزارع كافر؛ لأنه يغيب البذر في الأرض، وكفر النعمة إذا لم يشكرها كأنَّه سترها، ويقال: لوعاء كل ثمرة كافور، لأنه يغطيها، ويقال للطلع [الكافور]؛ لأنه في غطاء، ويكفر الذنوب يسترها كالغفران، ومعنى ذلك أن الله لا يفضح أصحابها بها. والكفر في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الجحد، قال: (الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) أي: يجحدونها، والجحد لا يكون إلا مع العلم مثل جحد الرجل حق صاحبه؛ فأمَّا من ينكر ما لا يعرف صحته فليس بجاحد، ونظيره قوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) أي: جحدوه فجعلوا الجحد مع المعرفة على ما ذكرنا.

стр. 382

الثاني: كفر النعمة، ق ل: (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ). وقوله: (لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) وكقول فرعون لموسى: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) أي لنعمتي. الثالث: بمعنى البراء، قال اللَّه تعالى: (كَفَرْنَا بِكُمْ) وقال: (يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ) وقال في: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ) أي: تبرأت.

стр. 383

كان أصلها الحدوث، كان الشيء إذا أحدث فهو كائن، ثم كثر حتى وقع موقع صار، وموقع لم تزل وموقع هو وغير ذلك مما يذكره. وذلك على ما حكى أهل التفسير، وقال النحويون: كان لا يتعدى، ومعناه حدوث الشيء، أي: خلق، فهو في أنه غير متعد بمنزلة قام؛ [فلما احتيج] إلى ذكر المضي في المبتدأ أو الخبر، أدخلت كان على قوله: زيد قائم، فقيل: كان زيد قائما. والمعنى زيد قائم فيما مضى، فرفع بها المبتدأ ونصب الخبر، كما قيل: ضرب زيد عمرا؛ فإن أردت في المبتدأ والخبر الاستقبال قلت: يكون ومن أخواته ليس، وهو ينفى به الحديث ولا ينفى به إلا ما في الحال دون المستقبل والماضي، وهو موضوع للعبارة عن هذه الجملة. وما دام وهما كلمتان ويعبر بذلك عن المبتدأ والخبر أيضا إذا كان له دوام، ويرفع به الاسم ويتصرف معموله كما يتصرف معمول كان، إلا أن ما لا يجوز أن يقدم عليه المعمول؛ لأن المعمول هو في الصلة؛ والصلة لا تقدم على الموصول. ولكن تقدم بعض الصلة على بعض، تقول: لا أكلمك ما دام زيد قائما، وما قائما دام زيد وما زال، وهما كلمتان إلا أن ما حرف نفي هاهنا وليس باسم، وما في قولك ما دام اسم مبهم ناقص ودام صلته، وهو فعل وزال فعل منفي بما، ومعناه ضد دام. فلما دخلت عليه ما النافية صار بمعنى دام؛ لأن نفي النفي إيجاب، وتقول في المستقبل يزال ويزول، وأما أصبح وأمسى وظل وبات فإنهن أفعال بمنزلة كان في العبارة عن بعض، وفي أنها في الأصْل غير متعدية إلا أن لكل واحد منها زيادة ليست للآخر؛ فاصبح يدل على وقت خاص وهو الصباح، وأمسى تدل على وقت خاص وهو المساء، وظل يدل على المكث في النهار، وبات تدل على المكث بالليل. وكان في القرآن على أربعة أوجه فيما قيل: قالوا:

стр. 384

الأول: أن تكون بمعنى لم يزل، قال: (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) أي: هو لم يزل كذلك، ويجوز أن يكون دخول كان هاهنا للتوكيد، وكذا في قوله: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) ويكون المعنى أنه غفور غفرانا عظيما، ورحيم رحمة كبيرة، ويجوز أن يكون المراد أن الغفران وإحكام الأمور من فعله فيما مضى، وهذا الوجه هو الصحيح. الثاني: بمعنى صار، قال تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) وكذلك قوله: (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا) وقال: (وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا) أي: صارت، وحقيقة المعنى أنها تصير كذلك، ويجوز أن يكون معناه أنه إذا كان يوم القيامة صارت كذلك، وهذا هو الصحيح، وقوله: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) أي: تصير. الرابع: قراءته تفسيره، قال: (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) وقوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) وإذا جاء قبل كان حرف نفي كانا بمعنى لا ينبغي وهو قوله: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) أي: لا ينبغي له ذلك، لأنه مستغن عنه، وكذلك قوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) وقوله: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ).

стр. 385

كبير أصل الصغر والكبر النقصان عن المعادلة والزيادة عليها، ويقال اللَّه كبير من جهة العظمة، ولا يقال له: إنه صغير ولا قليل من جهة أنه واحد؛ لأن الأصل في القليل أنه أنقص من غيره، والصغير ما هو أصغر من غيره، وهذا إنما يكون إذا كان غيره أكبر منه وأكثر. ويجوز أن يكون الكبير في أسماء اللَّه تعالى بمعنى أنه سيد مالك الأشياء؛ لأن سيد القوم كبيرهم، ويجوز أن يسمى بذلك؛ لأنه لا مثل له، وكذلك تسميتنا بأنه عظيم وجليل. وأصل الصفة بكبير كبر الشخص ثم استعمل في كبر الشأن، والكبير الشأن هو الممتنع من مساواة غيره بتضعيف أو غيره، وذلك أن صفاته في أعلى مراتب التعظيم، فيستحيل مساواتها الأصغر على وجه من الوجوه، وهذه صفة اللَّه. والكبير الشخض، هو الذي يمكن مساواته للأصغر بالتجزئة، ويمكن مساواة الأصغر له بالتضعيف، والصفة على هذا المعنى لا تجوز على اللَّه، ويذكر الشأن في صفاته؛ لأنه يظهر به امتناع المساواة واستعماله على المجاز، والله لم يزل كبيرا وأكبر من كل كبير؛ لأنه يمتنع مساواة كبير غيره له، ونظير الصفة تكبير عظيم، والعظيم الشخص، يمكن مساواة غيره له بالتضعيف. ولا يصح في الجليل؛ لأنه غلب عليه المدح، والعظيم الشأن مثل الكبير الشأن، لا يجوز مساواة غيره له، والكبير في السن والشخص والشرف بالعلم يمكن مساواة الصغير له؛ إما في السن يضاعف مدة البقاء، وإما في الشرف بالعلم فباكتساب مثل ذلك العلم، والكبير الشأن لا يمكن بمساواة الصغير الشأن له؛ كفضيلة النبي بالنبوة لا يمكن أن يساويه في فضلها إنسان، وكبر الشيء معظمه، وقرئ في: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ)

стр. 386

أي: معظم هذا اللإفك، ومنه الكبر من السن؛ لأن صاحبه يعظم في الصدور، فأما الكبر فأعجمي. والكبير وما يتشعب منه في القرآن على ثمانية أوجه: الأول: الشديد، قال الله: (وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا) قال: (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) كل ذلك بمعنى شديد كذا قيل، ونحن نقول: إن حقيقة الشدة والكبر في الأعراض إنما هي الزيادة في المقدار، فقولك: علا علوا شديدا أو كبيرا أي: علوا زائدا على علو من هو في درجته أو من جنسه أو ما أشبه هذا. الثاني: المسن، قال: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) قال: (وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ). الثالث: الزيادة في العلم والفهم، قال: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أي: أعلمكم وأفهمكم، ومثله قال: (كَبِيرُهُمْ) أي: أفضلهم رأيا، ولم يعن أكبرهم سنا هكلذا قيل، ويجوز عندنا أن يكون أراد أكبرهم في السن. الرابع: بمعنى الكثير، قال اللَّه: (وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً) وقوله: (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ) أي: مالا قليلا أو كثيرا، ويجوز أن يكون أراد صغيرا أو كبيرا في القدر. الخامس: الكبير في أسماء اللَّه تعالى، ومعناه الذي تقدم وهو قوله: (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) والمتعال الذي يتضاعف ما يستحقه من علو الصفات، ولم يزل الله متعاليا على هذا المعنى، وكل شيء نسب إلى العلو، وهو معظم الشأن، لأن العالي ينال ولا ينال، ويوصف الله بالتعالي أيضا على وجه آخر، وهو أنه يتضاعف ما تنزه به عن صفات النقص، نحو قوله تعالى: (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ولا يقال:

стр. 387

الله رفيع؛ لأن الرفيع مختص بعلو المكان والعلي مشترك بين علو المكان وعلو الشأن، ومن جهة القدر والاقتدار، وفي الرفع أيضا معنى الزوال، رفعته أي: أزلته إلى فوق، ومنه يقال ارتفع الشيء إذا زال وذهب، وقال بعضهم: العلي هو الجليل بما يستحق من ارتفاع معاني الصفات. السادس: الكبرياء وهو بمعنى الغلبة والسلطان، قال الله: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ) يعني: السلطان والملك والغلبة، وقوله: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني: الملك والسلطان. السابع: كبر ثقل، قال الله: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ) أي: ثقل، وحقيقة المراد به أنه ينال منك منال الحمل الثقيل من حامله، وذلك أن الكبر في أكثر الحال ثقيل. الثامن: من الطويل، قال: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) قالوا معناه الطويل واستعمال الطول والكبر والثقل والعظم في الأعراض توسع إلا أن استعمال بعض هذه الصفات في بعض الأعراض أشهر، فلهذا قالوا: إن الكبر في الضلال بمعنى الطول، والمراد أنه ضلال يستمر صاحبه عليه ولا يفارقه.

стр. 388

كذب أصل الكذب الترك، ومنه قيل: كذب في الحرب إذا ترك الحملة، وكذب الرجل في قوله، إذا ترك العمل بما قاله. وكذَّبت الرجل بالتخفيف، أخبرته بكذب، وكذَّبته بالتشديد أخبرت بأنه كاذب، والمشكل في هذا الباب قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ). ولا يجوز أن يكون في الآخرة كذب؛ لأن أهلها ملجأون إلى ترك القبيح، ولو لم يكونوا كذلك لكان القبيح قد أبيح لهم. وإنما المراد أنهم، يقولون في الآخرة: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) أي: عند أنفسنا في الدنيا. وقال: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) في الدنيا، بقولهم: إنهم مصيبون فيما يشركون، وليس هذا خبرا عن الآخرة، وقيل: كذبهم على أنفسهم هو جحدهم على جهة النسيان، وإنكارهم لما كانوا عليه في الدنيا.

стр. 389

وجاء لفظ كذب في القرآن على وجهين: الأول: الجحد، قال: (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي: جحد الجنة، وقوله: (كَذَّبَ وَتَوَلَّى)،، أي: جحد وأعرض، وقوله: (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ). الثاني: تكذيب الرسول، وهو القول بأنه كاذب، قال الله: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) ومثله كثير. وأما قوله: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) فمعناه أنهم لا يكذبونك ولكنهم يكذبونني لأني أنا المخبر لك، وقيل: (لَا يُكَذِّبُونَكَ) بحجة، بل هو جحد ومكابرة. وقيل: المراد أنهم لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأتهم به مما في كتبهم؛ أنك كاذب فيه، ويجوز أن يكون المراد أنهم لَا يُكَذِّبُونَكَ بقلوبهم، ولكن يجحدون أمرك بألسنتهم، [وقرئ (لَا يُكْذِبُونَكَ)]، أي: لا يصادفونك كاذبا فيما أخبرت به عن المذكور في كتبهم. ويجوز أن يكون لا يصادفونك كاذبا إذا نظروا في أمرك حق النظر، وأكذبت الرجل صادفته كاذبا، وأبخلته صادفته بخيلا، وقيل: (كَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي: قصر به، والعرب تقول كذب الرجل في الحرب إذا ترك الحملة.

стр. 390

الكريم أصل الكرم الشرف والفضل، ومنه سمي الكرم لفضله على غيره من الشجر، والكرم أيضا قلادة معروفة تشبه خرزها بورق الكرم، ثم جاء الكرم بمعنى العز، قالوا: هو أكرم علينا، أي: أعز، وتسمية اللَّه تعالى بأنه كريم يعني: أنه عزيز من صفات ذاته، وقد يكون أيضا بمعنى الجواد المفضال، فيكون من صفات فعله. والكريم وما يتصرف منه في القرآن على سبعة أوجه: الأول: أن يكون بمعنى الأفضل، " قال اللَّه: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) وفي قوله: (كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) أي: فضلناهم على غيرهم من الحيوان، وقال حكاية عن إبليس: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) أي: فضلت، وقال: (إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) أي: فضله. الثاني: الشرف، قال الله: (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) أي: شريفا [قرئ (ندخلكم) من أدخل]، وما كان من أفعل فإنه يجيء فيه مفعل، وقرئ (مَدخلا)، وهو من دخل مدخلا، وكذلك قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ) إذا جعلته من قام فتحته، وإذا جعلته من أقام ضممته، ويجوز أن يكون المدخل موضع الإدخال، والمراد به الجنة، كما قال تعالى: (أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا). الثالث: الصفوح، قال اللَّه: (إِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).
следующие страницы →