Полный текст (483 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
أي: معظم هذا اللإفك، ومنه الكبر من السن؛ لأن صاحبه يعظم في الصدور، فأما الكبر فأعجمي.
والكبير وما يتشعب منه في القرآن على ثمانية أوجه:
الأول: الشديد، قال الله: (وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا) قال: (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) كل ذلك بمعنى شديد كذا قيل، ونحن نقول: إن حقيقة الشدة والكبر في الأعراض إنما هي الزيادة في المقدار، فقولك: علا علوا شديدا أو كبيرا أي: علوا زائدا على علو من هو في درجته أو من جنسه أو ما أشبه هذا.
الثاني: المسن، قال: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) قال: (وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ).
الثالث: الزيادة في العلم والفهم، قال: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أي: أعلمكم وأفهمكم، ومثله قال: (كَبِيرُهُمْ) أي: أفضلهم رأيا، ولم يعن أكبرهم سنا هكلذا قيل، ويجوز عندنا أن يكون أراد أكبرهم في السن.
الرابع: بمعنى الكثير، قال اللَّه: (وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً) وقوله: (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ) أي: مالا قليلا أو كثيرا، ويجوز أن يكون أراد صغيرا أو كبيرا في القدر.
الخامس: الكبير في أسماء اللَّه تعالى، ومعناه الذي تقدم وهو قوله: (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) والمتعال الذي يتضاعف ما يستحقه من علو الصفات، ولم يزل الله متعاليا على هذا المعنى، وكل شيء نسب إلى العلو، وهو معظم الشأن، لأن العالي ينال ولا ينال، ويوصف الله بالتعالي أيضا على وجه آخر، وهو أنه يتضاعف ما تنزه به عن صفات النقص، نحو قوله تعالى: (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ولا يقال:
стр. 387
الله رفيع؛ لأن الرفيع مختص بعلو المكان والعلي مشترك بين علو المكان وعلو الشأن، ومن جهة القدر والاقتدار، وفي الرفع أيضا معنى الزوال، رفعته أي: أزلته إلى فوق، ومنه يقال ارتفع الشيء إذا زال وذهب، وقال بعضهم: العلي هو الجليل بما يستحق من ارتفاع معاني الصفات.
السادس: الكبرياء وهو بمعنى الغلبة والسلطان، قال الله: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ) يعني: السلطان والملك والغلبة، وقوله: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني: الملك والسلطان.
السابع: كبر ثقل، قال الله: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ) أي: ثقل، وحقيقة المراد به أنه ينال منك منال الحمل الثقيل من حامله، وذلك أن الكبر في أكثر الحال ثقيل.
الثامن: من الطويل، قال: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) قالوا معناه الطويل واستعمال الطول والكبر والثقل والعظم في الأعراض توسع إلا أن استعمال بعض هذه الصفات في بعض الأعراض أشهر، فلهذا قالوا: إن الكبر في الضلال بمعنى الطول، والمراد أنه ضلال يستمر صاحبه عليه ولا يفارقه.
стр. 388
كذب
أصل الكذب الترك، ومنه قيل: كذب في الحرب إذا ترك الحملة، وكذب الرجل في قوله، إذا ترك العمل بما قاله.
وكذَّبت الرجل بالتخفيف، أخبرته بكذب، وكذَّبته بالتشديد أخبرت بأنه كاذب، والمشكل في هذا الباب قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ).
ولا يجوز أن يكون في الآخرة كذب؛ لأن أهلها ملجأون إلى ترك القبيح، ولو لم يكونوا كذلك لكان القبيح قد أبيح لهم.
وإنما المراد أنهم، يقولون في الآخرة: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) أي: عند أنفسنا في الدنيا.
وقال: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) في الدنيا، بقولهم: إنهم مصيبون فيما يشركون، وليس هذا خبرا عن الآخرة، وقيل: كذبهم على أنفسهم هو جحدهم على جهة النسيان، وإنكارهم لما كانوا عليه في الدنيا.
стр. 389
وجاء لفظ كذب في القرآن على وجهين:
الأول: الجحد، قال: (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي: جحد الجنة، وقوله: (كَذَّبَ وَتَوَلَّى)،، أي: جحد وأعرض، وقوله: (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ).
الثاني: تكذيب الرسول، وهو القول بأنه كاذب، قال الله: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) ومثله كثير.
وأما قوله: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) فمعناه أنهم لا يكذبونك ولكنهم يكذبونني لأني أنا المخبر لك، وقيل: (لَا يُكَذِّبُونَكَ) بحجة، بل هو جحد ومكابرة.
وقيل: المراد أنهم لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأتهم به مما في كتبهم؛ أنك كاذب فيه، ويجوز أن يكون المراد أنهم لَا يُكَذِّبُونَكَ بقلوبهم، ولكن يجحدون أمرك بألسنتهم، [وقرئ (لَا يُكْذِبُونَكَ)]، أي: لا يصادفونك كاذبا فيما أخبرت به عن المذكور في كتبهم.
ويجوز أن يكون لا يصادفونك كاذبا إذا نظروا في أمرك حق النظر، وأكذبت الرجل صادفته كاذبا، وأبخلته صادفته بخيلا، وقيل: (كَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي: قصر به، والعرب تقول كذب الرجل في الحرب إذا ترك الحملة.
стр. 390
الكريم
أصل الكرم الشرف والفضل، ومنه سمي الكرم لفضله على غيره من الشجر، والكرم أيضا قلادة معروفة تشبه خرزها بورق الكرم، ثم جاء الكرم بمعنى العز، قالوا: هو أكرم علينا، أي: أعز، وتسمية اللَّه تعالى بأنه كريم يعني: أنه عزيز من صفات ذاته، وقد يكون أيضا بمعنى الجواد المفضال، فيكون من صفات فعله.
والكريم وما يتصرف منه في القرآن على سبعة أوجه:
الأول: أن يكون بمعنى الأفضل، " قال اللَّه: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) وفي قوله: (كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) أي: فضلناهم على غيرهم من الحيوان، وقال حكاية عن إبليس: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) أي: فضلت، وقال: (إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) أي: فضله.
الثاني: الشرف، قال الله: (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) أي: شريفا [قرئ (ندخلكم) من أدخل]، وما كان من أفعل فإنه يجيء فيه مفعل، وقرئ (مَدخلا)، وهو من دخل مدخلا، وكذلك قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ) إذا جعلته من قام فتحته، وإذا جعلته من أقام ضممته، ويجوز أن يكون المدخل موضع الإدخال، والمراد به الجنة، كما قال تعالى: (أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا).
الثالث: الصفوح، قال اللَّه: (إِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).
стр. 391
الرابع: العزيز، قال الله: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) أي: العزيز الذي لا يغلب ولا يفوته شيء، فما الذى غَرَّكَ به فعصيته.
الخامس: الكثير، قال اللَّه: (رِزْقٌ كَرِيمٌ)، قالوا: هو كثير، ويجوز أن يكون معناه أنه يأتي صاحبه من غير امتهان، والمراد كريم صاحبه.
السادس: الحسن، قال: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) أي: حسن، وهو مثل قوله: (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) ومثله: (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) أي: حسنا.
السابع: الجواد، قال تعالى: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) أي: كنت كذلك في الدنيا كذا قيل، ويجوز أن يكون معناه إنك كنت كذلك عند نفسك، وروى أنه قال: " أنا أعز أهل الواي وأكرمهم، فقال الله له في جهنم: ذق إنك أنت القائل هذا "، ويجوز - أن يكون المعنى أن ملائكته يقولون له ذلك، وقيل: أراد إنك الذليل المهين، ومعنى ذلك [أنك] أهل للذل والهوان لكفرك.
стр. 392
الكلمة
اشتقاق الكلمة من الكلم، وهو الجرح لأن تأثير الحروف في مخارجها وفي السمع كتأثير الجرح فى المجروح، وإن كانت آثارها أخفى، وتقارب المعاني وتشابهها بحيث تتقارب الألفاظ، فإذا قلت: كلمته تكليما، فإنما أدخلت التشديد في الفعل لتدل على تكرير الفعل، ألا ترى أن الكلمة الواحدة أقل الكلام.
وهى لا تخلوا من حروف وحركات، وكأنَّ كل واحد من ذلك كلمه من الكلوم، لأنها أثر بعد أثر تقع في مخارج الحروف وفي السمع، فلذلك قيل: كلمته تكليما، وقد يجوز كلمته كلاما؛ لأنه يعلم أنه لا يكون مصدر كلمه إلا التكليم، ولا مصدر تكلمت إلا التكلم، وإن كلاما إنما ناب عن ذلك وقام مقامة، وإن كان على غير لفظ الفعل، لأنَّهُم لم يستعملوا الفعل منه بغير تشديد ما لم تحل الكلمة، وإن قل عدد حروفها من التكرير؛ ولأنهم كرهوا التباس هذا الفعل ما هو من الجرح أيضا.
والكلمة في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: الخبر، قال اللَّه: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) أي: لولا الخبر السابق بأن الاستئصال لا ينزل بهذ الأمة لأنزلته بها.
الثاني: قوله تعالى: (لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي) قيل: يعني: مقدوراته، وقيل: نعمه وعطاياه، وعندنا أنه أراد بكلماته وعده لأهل الجنة ووعده لأهل النار، وهو مثل قوله: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) والمراد أنه لو يفعل ما وعد به أهل الجنة وأوعد به أهل النار حالا بعد حال، فيما يستقبل وكتب ذلك بما في البحر، وقد جعله مدادا وزاد عليه في مثله لنفد قبل نفاد
стр. 393
ذلك، وإنما أراد الإخبار عن كثرة ما أعده للفريقين، وقيل: كلماته معلوماته ما خلق، وما يريد أن يخلق [وبالجملة] إنه لم يرد الموجود، وإنما يريد ما يستأنف، لأن ما حصل في الوجود معروف قدره.
الثالث؛ قوله: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) قيل أراد أمره، والمعنى عندى يرجع إلى الخلق، أي: خلقه في رحمها من غير ذكر، وسمي في رحمها من غير ذكر وسمي ليس أيضا في موضع آخر كلمة، وهو قوله: (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) وذلك أن الناس ينتفعون به كما ينتفعون بكلام الله، ويجوز أن تكون الكلمة هنا من، قوله: (كُنْ فَيَكونُ)، وهو راجع إلى الخلق على ما ذكرنا، ويجوز أن تكون كلمته ألقاها، أي: بشارته ألقاها إلى مريم على لسان ملك، كما قال لنا: (سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) وقيل ألقاها عليها أي: خلقه في بطنها، وكأنَّ الله أخبر به في الكتب المتقدمة، فلما ولد من غير ذكر، قال الله لها: إن تلك الكلمة، أي: المعنى بالكلمة، وأما الكلمات في قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) فمعناه أمره إياه وابتلاؤه بها تكليفه إياه طاعته فيها؛ سمي التكليف ابتلاء على مقتضى العرف، وذلك إنا لا نعرف ما يأتي الرجل منا، وما نذر حتى يكلفه، والله عالم بنفسه غير محتاج إلى اجتلاب العلم بالابتلاء ولكنه على ما ذكرته.
стр. 394
الباب الثالث والعشرون
فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله لام
اللباس
اللباس واللبس: ما يلبس واللبس المصدر، وسُمِّي الخلط لبسا لأن وجه الصواب مستمر معه، وأصل اللبس الستر، واللبوس مثل اللباس، قال الشاعر:
لبوسا ومطعما
وجاء في القرآن بمعنى الدرع، وهو قوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ).
واللباس في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: قوله: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) جاء في التفسير أنهن سكن لكم، وأنتم سكن لهن، وقيل: معناه أن الرجل والمرأة يتضامان فيصير كل واحد منهما بمنزلة اللباس للآخر، ومن الأول قوله: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) أي: سكنا.
الثاني: الثبات، قال الله: (أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) ومعنى قوله: (أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ) أعطيناكم، كما قال: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)، والحديد إنما [يُسْتَثارُ من الأرض]، وعبر عن الإعطاء بالإنزال، كما يعبر عن الجعل بالرفع، فتقول: رفعنا أمرنا فى الوالي، وقيل: إنما قال: ((أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا)؛ لأن أصول اللباس ينبت [بماء السماء]، وقيل: [بذره كان من السماء].
стр. 395
الثالث قوله: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى) قالوا معناه: العمل الصالح، وهو على هذا التأويل مرتفع على الابتداء، وذلك من صفته، وقيل معناه أن ستر العورة: لباس المتقين، وقيل؛ رفع بإضمار هو والمعنى، ولباس التقوى وهو خير، وقِيل: لباس التقوى اللباس الخشن الذي يلبسه من يختار العبادة، وأشير به إلى الصوف، وبالأول إلى الكتان والقطن، وقيل: هو لباس الصلاة، لأن الصلاة أحق ما يسمى بالتقوى، وقيل: أنزلنا عليكم الوحي الذي فيه لباس التقوى، ولباس التقوى على هذين التأويلين منصوب، وقال ابن الكلبي: لباس التقوى العفاف؛ لأن المؤمن لا تبدوا عورته وإن كان عاريا، والفاجر لا يزال تبدوا عورته وإن كان كاسيا، وذكر اللباس هاهنا الذكر عن بني آدم.
стр. 396
لولا
لولا كلمتان يعدهما النحويون من حروف الرفع على المسامحة، وإنما يرتفع ما بعدهما على الابتداء وضم لا إلى لو للمعنى الحادث بينهما، وهو الدلالة على الشيء لا يقع من أجل غيره، كقولك: لولا زيد لخرجنا، فزيد مبتدأ لم يعمل فيه (لو) ولا (لا)، وأما قولهم لولاك فغير جائز عند المحققين.
والصواب لولا أنت لكان كذا على الابتداء والخبر، فإذا قلت: لولا زيد تأخذه، فزيد منتصب بفعل مضمر، والظاهر تفسبر، ويسمى هذا تحضيضا، والتحضيض توكيد الأمر والمعنى، لولا تأخذ زيدا تأخذه، وقال القتبي: لولا تكون في بعض الأحوال بمعنى هلا، وذلك إذا رأيتها بغير جواب تقول: لولا فعلت كذا تريد هلا، قال الشاعر:
تَعُدُّون عقر النيبِ أفضلَ مَجْدِكُمْ ... بني ضَوْطَرى لولا الكَمِيَّ المقنَّعا
يريد ولا تعدرن الكَمِيَّ المقنَّع، فإذا رأيت لولا جوابا كقوله: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ) فهي التي تكون لأمر لا يقع لوقوع غيره.
وجاء في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: على قول بعض المفسرين بمعنى لم، وهو قوله: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) معناه أنهم لم يؤمنوا يعني: أهل القرية، ثم استشنى قوم يونس بالنصب على الانقطاع مما قبله؛ ألا ترى أن ما بعد إلا في الجحد يتبع ما قبلها، فيقول: ما قام أحد إلا زيد، وإذا قلت: ما فيها أحد إلا كلبا وحمارا نصبت؛ لأنهما منقطعان عما قبل، إلا وكذلك قوم يونس منقطعون من قوم غيره من الأنبياء ممن لم ينفعه إيمانه، ولو كان الاستثناء هاهنا قد وقع على طائفة منهم لكان رفعا، وقيل: (إِلا قومَ
стр. 397
يُونُسَ) مردود إلى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) إلا قوم يونس.
ويكون على أن يؤمن أهل قرية بأسرها، [حتى لا يشتد منهم أحد إلا قوم يونس]، يقول: فهلا كانت القرى كذلك، وهذا الوجه أجود من الأول، وقال بعضهم: إلا هاهنا بمعنى سوى، أي: فهلا أهل قرية سوى قوم يونس آمنوا فنفعهم إيمانهم وزال عنهم العذاب، وعندنا أنهم آمنوا قبل أن يروا من العذاب ما يقع به العلم الضروري؛ بأنهم لو صاروا إلى ذلك كانوا ملجأين، والملجأ غير محمود على فعل الخير.
قال الثاني: بمعنى هلا، قال اللَّه: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ) وقوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) وقوله: (فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ) وكذلك لو ما في قوله تعالى: (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ) أي: هلا وهذا والأول عندنا سواء.
الثالث: التي تكون لأمر لا يقع لوقوع غيره، قال الله: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)، وقيل: المسبحون المصلون، وقد ذكرناه، ويجوز أن يكون من التسبيح.
стр. 398
لَمَّا ولِمَا
لَمَّا تكون بمعنى لم وبينهما فرق، ويدخل فيه الألف للتوكيد، وإذا كان مخففا كان بمعنى إلا، فالذي هو بمعنى لم، قوله: (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) والمخفف الذي يكون دخوله بمعنى إلا، وقوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) وقوله: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهي لغة لهذيل، والمشدد أيضا بمعنى حين، قال الله: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) وفي المخفف وجه آخر.
فال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) إلى قوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) فقال: ما هنا بمنزلة الذي، ودخلتها اللام كما، دخلت على أن حين قلت: لمن فعلت؟ لأفعلن، ودخلت على نية اليمين، واللام الثانية للجواب؛ كقوله: (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ).
وقال الكسائي: هو على مذهب الجزاء، قال اللَّه: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ) جواب لقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ).
وقال الفراء: قرئ: (لِمَا آتَيْتُكُمْ) بكسر اللام، والمراد إذ أخذت ميثاقكم بهذا الكلام، يعني: قوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ)
والفرق بين لَمَّا ولم أن لما يوقف عليها نحو قد جاء زيد، فتقول: لَمَّا، أي: لم
стр. 399
يجئ، ولا يجوز ذلك في لم وفي كلامهم كاد ولَمَّا، أي: كاد يفعل ولم يفعل، ولَمَّا جواب قد فعل ولم جواب فعل، لأن قد للوقيع. قال سيبويه:. لبست ما في لَمَّا زائدة، لأن لَمَّا تقع في مواضع لا يقع فيها لم؛ فإذا قال القائل: لم يأتني زيد فهو نفي لقوله: أتاني وإذ قال: لَمَّا يأتني فمعناه أنه لم يأت وأنا متوقعه.
стр. 400
اللغو
أصل اللغو الصوت، وسواء كان له معنى أو لم يكن بمعنى، ثم سمي ما يتكلم به كل جيل لغة، وأصلها لُغْوة، كما قيل: [إن بك قِدَةٌ]، والأصل قِدْوَةٌ ومثال هذا كثير، ثم قالوا: لغو الطائر ثم لما رأوا ذلك صوتا لا معنى له، جعلوه أصلا في كل شيء لا معنى له، فقالوا لغى فلان يلغوا؛ إذا تكلم بكلام لا معنى له، ومنه قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) أي: عارضوه بكلام لا معنى له لشغلوه به عن قراءته؛ ثم سموا المسقط الملغي لغوا؛ لأنه في سبب ما لا معنى له، وقيل: ألغيت الشيء إذا أسقطته، وقال جرير:
ويسقط بينها المرئي لغواً كما ... كما أَلْغَيْتَ في الدِّيَة الحُوارا
ثم سموا الباطل لغوا تشبيها بالمسقط الملغي؛ لأن الباطل يسقط مع الحق؛ فلا يكون له ثبات، ويقال للفحش لغو؛ لأنه ساقط من الكلام مطرح لا يلتفت إليه، ويقال: هو لغو ولغا، وقيل: اللغو في اليمين؛ لأنه لا إثم فيه، فكأنه ساقط لا معنى له، ويجوز أن تكون اللغة من قولهم لغى الشيء يلغي إذا يعلو به فأمَّا اللهجة فهي من قولهم: لهجت بالشيء إذا لزمته.
واللغو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: اللغو في اليمين، قال اللَّه: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) قالوا: هو قول لا والله، وبلى والله، مما يقوله الرجل ولا يعتمده، وقيل: هي اليمين الكاذبة التي يرى صاحبها أنه صادق فيها، وليس فيها كفارة ولا إثم، وقال
стр. 401
سعيد بن جبير: اللغو أن يحلف الرجل على الحرام؛ فلا يؤاخذه الله بتركه، وهنا موافق لتأويل من تأول قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) هو أن يمتنع باليمين عن فعل مباح أو يقدم على فعل محظور، وعند الكوفيين: أن الغموس لا كفارة فيها، لأنَّهَا يمين ولا يترقب بِرُّها ولا حنثها فهي كللغو، والمؤاخذة المعاقبة، ويقال: لا آخذك الله أي: لا عاقبك.
الثاني: الباطل، قال اللَّه: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) وقال: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) أي: بالباطل. وقيل: يراد باللغو هاهنا جميع ما يلغى أي: يطرح، وقيل: أراد أنهم إذا ذكروا النكاح كبوا عنه، وقوله: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) وقِيل: يعني به هاهنا الكفر.
الثالث: مكروه الكلام، قال: (لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً) (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا) واللاغية مصدر مثل العافية، والعاقبة.
стр. 402
اللام المكسورة
أجمع أهل العربية أن الحروف حقها البناء على السكون؛ فإذا وقع الحرف أولا امتنع النطق به ساكنا؛ فاضطر الناطق إلى حركتها فحركت كلها بالفتح، لأنه أخف الحركات إلا حرفين الباء واللام، فقيل: مررت بزيد؛ وهذا لزيد فأمَّا الباء فعلة كسرها إنها لا تنتقل عن باب الجر إلى غيره، فألزم الكسر؛ لأن عملها الكسر؛ ولأنها لا تتغير عن حالها كما تتغير اللام والكاف، وذلك أن اللام قد تكون توكيدا والكاف تكون اسما وحرفه وكونها اسما، قال الشاعر:
وصَالياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ
فالكاف الثانية اسم لدخول الكاف الأولى عليه؛ لأن الحرف لا يدخل على الحرف فألزم الباء الكسر لما فارقت أخواتها؛ وأما لام الجر فإنها كسرت إزالة للالتباس، وذلك إنك لو قلت: إن هذا لزيد ففتحت اللام لم يعرف ليزيد التوكيد والتمليك؛ ألا تراهم لما ارتفع الالتباس في المضمر فتحوها، فقالوا: هذا لك وله.
واللام المكسورة في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: بمعنى كي، قال الله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) أي: كي تنذرهم.
الثاني: بمعنى أن، قال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ) وقوله: (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) أي: أن تزول.
قالوا الثالث: في موضع لأن لا، قال: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ): أي: لأن لا تكفروا، وهو مثل قوله: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) قيل: لأن لا تضلوا، وليس لا عد المحققين النحويين مما يحذف في هذا الموضع، وإنما المعنى في ذلك كراهة أن تضلوا، ومعنى قوله: (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ)، أنهم أشركوا معنا غيرنا فعبدوه دوننا ليكفروا
стр. 403
نعمنا عليهم، ويطرحوا شكرها وليتمتعوا في الدنيا باطراح عبادتنا، وذلك أن العبادة فيها على النفس مشقة، فهم اطرحوها حبًّا للتمتع وللترفه.
وقال بعضهم: معناه جعلوا ما رزقناهم وأنعمنا به عليهم سببا إلى الكفر، واللامات ثمانية: لام القسم، ولام الابتداء، ولام الإضافة، ولام الأمر، ولام كي، ولام الأصل، ولام التعريف، ولام الاستغاثة، ولام القسم: لأمر لقد ولا يجوز أن تكون لام الابتداء؛ لأن لام الابتداء لا تلحق إلا الاسم، وما كان بمنزلة الاسم من الفعل المضارع في باب إن، ولام الإضافة كقوله: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) ولزيد الثوب، ولام الأمر كقوله: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) ولام كي مثل: (وَلِيَرْضَوْهُ)، ولام الأصل: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) ولام التعريف: (آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) ولام الاستغاثة، قول الشاعر:
يا لَبَكْرٍ أَنْشِرُوا لي كُلَيْباً
стр. 404
الباب الرابع والعشرون
فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ميم
مَا ومَنْ
قال أهل العربية مَا ومَنْ أصلهما واحد، جعلت مَن لمن يعقل، وما لغير من يعقل، وتجيء ما بمعنى لا، وبمعنى ليس، وبمعنى الاستفهام، وبمعنى مَن، وبمعنى الذي.
وهي في القرآن على هذه الوجوه كلها؛ فمجيئها بمعنى لا، قوله: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) قيل هي: بمعنى لا، ويجوز أن تكون بمعنى لم، أي: لم يقل لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، وكذلك: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ)، هي هاهنا بمعنى لم لا غير.
ومجيئها بمعنى ليس، قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) أي: ليس لكم ذلك.
ومجيئها في لفظ الاستفهام وهو يقريع، قوله تعالى: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ).
وتجيء بمعنى التوكيد، في قوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) أي: فبرحمة عظيمة، لأن دخولها في هذا الموضع وأمثاله لابد أن تكون بمعنى، وليس هاهنا معنى سوى التوكيد، وتدخل بمعني مَن، وهو قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) أي: ومَن بناها، والعرب تقول: سبان ما سبح الرعد بحمده، وقيل: المراد السماء وبنائها، وكذلك: (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا) أي: وطحوها.
стр. 405
وتجء بمعنى الذي، وهو قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) وقوله: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ).
وقال أبو عبيدة: مجازه مجاز اليمين، كأنَّه قال: الذي أخرجك ربك؛ كقوله: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) إنما هو الذي خلق الذكر والأنثى.
قال الفراء: جوابه: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) تقول فامض لأمرك في الغنائم على ما شئت كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وهم كارهون فافعل ذلك.
وقال الكسائي: قد يكون قوله: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ) هو والجواب فمجادلتهم الآن كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ومرادنا فيما ذكرناه من أن ما يجيء بمعنى لا وبمعنى ليس وغير ذلك إنها تقع موقع ذلك، ويفيد فائدة ليس إن معنى ما معنى ليس وغيره مما ذكرناه.
стр. 406
المس
أصل المس اللصوق، مسسته بيدي ثم قيل على وجه التمثيل مسه الضر، وقيل: مسه النار، ومس الرجل المرأة إذا جامعها، والمس الجنون، ورجل ممسوس مجنون، وما مسوس نالته الأيدس، والفرق بين المس واللمس، أن اللمس يكون باليد لتعرف الخشونة أو اللين أو غير ذلك، ويكون المس باليد والحجر وغيره، وقد ذكرنا ذلك.
والمس في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: الجماع، قال الله: (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) وقوله: (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) وإنَّمَا سمي الجماع مسًّا؛ لأنه مع المس يكون.
الثاني: الإصابة، قال الله: (مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) أي: أصابتهم الشدة والرخاء؛ فجعل المس هنا موضع الإصابة؛ ليدل على قصر مدة ما أصابهم من ذلك، وتعرف به أن مدة المكروه والمحبوب في الدنيا قصيرة، وقال: (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) وقال: (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ).
الثالث: الجنون، قال الله: (يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ).
الربع.: المس بالجارحة، قال الله: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) أراد بالمطهرين الملائكة، وهو التطهير من الذنوب، وقيل: لفظه لفظ خبر، ومعناه النهي، أي: لا يمسه إلا طاهر.
стр. 407
المعروف
قد ذكرنا أصله، وهي في القرآن كل أربعة أوجه:
стр. 408
الأول: القدر المستحق بحق الولاية، قال الله: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) أي: من كان غنيا من أولياء اليتامى فليستغن بماله عن مال اليتيم، ولا يتناول منه شيئا، ومن كان فقيرا فليأخذ منه القدر الذي يستحقه بقيامه عليه من غير تجاوز له.
وقال بعضهم: يأخذ منه القليل على جهة القرض، قال: والمعروف هاهنا القرض، وكذلك في قوله: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) أي: بصدقة أو قرض.
فال أبو علي ﵀: له في المال القليل أجر مثله من غير تجاوز، وليس له في المال الكبير أجر مثله؛ لأنَّهَا تكونن أكثر من نفقته ونفقة عياله، والله تعالى جعل له الأكل بالمعروف، فإن كان أكله بالمعروف أكثر من أجره مثله لم يحل له ذلك، وهذه الآية وهي الأصل في الحجر على المفسد لما له؛ لأن اليتيم إذا بلغ ولم يؤنس رشده؛ منع من التصرف في ماله فغيره ممن يجري مجراه في إفساد ماله مثله.
الثاني: التزين، قال الله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: إذا بلغن انقضاء عدتهن، فلا إثم عليكم في تركهن والتزين والتطيب وطلب الأزواج من وجه يحسن ويؤلف ولا ينكر وكل ما كان حسنا مألوفا فهو معروف.
الثالث: القول الحسَن، قال الله: (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) أي: أعطوهم ما يعطونهم إياه وعدوهم بعد ذلك وعدا حسنًا جميلا، أراد أن أعطوهم في لين مس وحسن قول من غير انتهاز وهذا على وجه الترغيب دون الإيجاب؛ وإن كان اللفظ لفظ أمر، ومثله قوله: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) وليس ذوي القربى هاهنا بالوراث.
والشاهد أنه [قرنهم] باليتامى والمساكين، وقال بعضهم: نسخ أمر المشركين الفرض في القسمة وإباحة الثلث للميت يجعله حيث يريد، ونحن نقول: إن النسخ لا يكون في
стр. 409
النوافل، وإنما هو في الفروض، وقوله: (لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا) والمعنى إباحة التعريض للمرأة المعتدة بالنكاح دون التصريح.
الرابع: قدر الإمكان من ننتة العدة، قال: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) يعني: نفقة العدة، وهو حق على المتقي وغير المتقي، ولكنه خص المتقين تشريفا لهم، وقد تكلمنا في هذه الآية ما فيه كفاية.
стр. 410
مِنْ
قال النحويون: من تدخل لابتداء الغاية، وهو قولك: سرت من البصرة، فأعلمت أن ابتداء سيرك كان منها، وقولك: من فلان إلى فلان، قال: وأخذت منه درهما، وسمعت منه حديثا،، أي: هو أول هذا الذكر.
وتدخل للتبعيض في قولك: أكلت من طعامك، وأخذت من مالك، وقيل: معنى ذلك أنه جعل ماله ابتداء غاية ما أخذ منه، فدل على التبعيض من حيث صار ما بقي إمهاله والأصل واحد.
قال المبرد: وتكون لإضافة الأنواع إلى الأسماء؛ كقوله: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) وقوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) والرجس يجمع الأوثان وغيرها؛ فإذا قلت: من الأوثان وغيرها فإنما معناه الذي ابتداوه من هذا الصنف، قال: وكذلك قول سيبويه: هذا ياب علم ما الكلم من العربية؛ لأن الكلام يكون عجميا وعربيا فأضاف النوع إلى اسمه الذي يبين فيه، وهو العربية، وقيل: لما كان في الوثن رجس وغير رجس، قال: من الأوثان فحرم الرجس منها، وهو عبادتها، ولم يحرم أجسامها، ودخلت (مِن) على هذا التقدير، وقالوا: يكون دخولها كسقوطها في قولك: ما جاءني من أحد.
وقول اللَّه: (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وعند المحققين من النحاة إنها هاهنا ليست زيادة؛ لأن الزيادة في الكلام من غير فائدة عيب؛ ولـ مِن هاهنا معنى صحيح، وهو أنك إذا قلت: ما جاءني أحد فجاز أن تكون أحد هاهنا بمعنى واحد، وجاز أن تكون أحد الذي هو بمعنى الجنس، فإذا دخل مِن زال اللبس فصار المعنى من الناس كلهم؛ إذا كانوا واحدا واحدا، وإذا لم يدخل مِن جاز، لأن لا يجيئه واحد ويجيئه اثنان فما فوق.
وقال ابن درستويه: إنما أفادت هاهنا أنه لم يجيئه من هذا الجنس شيء، وإذا لم تدخل من، كان المعنى أنه لم يجيئه هذا الجنس كله، ولما كان بمعنى التنكير في الوجهين، والعموم موجود ظنوا أن مِن لا معنى لها.
стр. 411
وجاء في القرآن على أربعة أوجه فيما قيل:
الأول: مجيئه بمعنى الباء، قال: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ) وقال: (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ).
الثاني: بمعنى في، قال الله: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) أي: في الأرض.
الثالث: بمعنى على، وقال اللَّه: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أي: عليهم، وعندنا أن ذلك يقال على المسامحة والمقاربة، فإذا أردت هذه الوجوه إلى أصل من في العربية صحت؛ فقوله: (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أي: ابتداء الغاية من ذلك، وهكذا قوله: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ) أي: أمره ابتداء الغاية، وقوله: (مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) أي: ماذا خلقوا بعض الارض.
الرابع: الوجه الذي ذكر أنه زيادة، وهو على ما ذكرناه، قال اللَّه: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) وقوله: (مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وقوله: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ) قالوا: دخل مِن هاهنا لتختص هذا الملك من سائر الأشياء، وكذلك قوله: (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) وإذا كان لدخوله معنى خرج من أن تكون زيادة، فقوله: (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أي: بعض ذنوبكم، وهو الذي يتولون منه، وقوله: (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)، فإن مِن للتبعيض، أي: بعض أبصارهم يريد ما حرم عليهم النظر إليه، وقيل؛ هو للتبيين لأنه لما قال؛ (يَغُضُّوا) احتمل أشياء كثيرة، فبين المراد بـ مِن فقال: (مِنْ أَبْصَارِهِمْ) وأما قوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) بمعنى قوله (مِنَ السَّمَاءِ)
стр. 412
أي: من جهة السماء من جبال يعني السحاب، وهو شبيه الجبال فجعلها جبالا على التشبيه، كما تقول للشديد المقدام: إنه لأسد، أي: كالأسد، وقال فيها: (مِنَ بَرَدٍ)، مِن هنا للتبعيض، وذلك أن ما أنفع من البرد في هذا الوقت غير ما يقع في الوقت الآخر، كما يقع في هذا الوقت هو بعض البرد.
وقال المبرد: أراد من جبال في السماء وتلك الجبال من البرد وإلى نحو من ذلك، ذهب أبو علي ﵀.
وقال الزجاج: أراد من جبال برد، كما يقال: خاتم في يدي من حديد، والمعنى خاتم حديد في يدي، والوجه هو الذي قلناه، وقيل أيضا: مِن الأولى لابتداء الغاية؛ لأن ابتداء الإنزال من السماء، والثانية للتبعيض؛ لأن البرد بعض الجبال التي في السماء، والثالثة لتبيين الجنس إذا كان جنس تلك الجبال البرد.
стр. 413
المد
أصل المد إشباع بعض الشيء بعضا، ومنه مددت الجيش ومد الحبل ومدة الشيء وأمد الجرح؛ كأنَّه اتبع فسادا بفساد، ومنه مادة الشيء، وهو ما يتشعب منه.
وهو في القرآن على سبعة أوجه:
الأول: التعمير، قال الله: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) أي: يمد لهم الأيام، وهم في ضلالهم يتحيرون، كما قال: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) أي: يمد له العمر، وهو في ضلاله ويحسن منه ذلك؛ لأن العبد يصل اختيارا وهو قادر على الهداية.
وليس يجب على الله أن يحول بينه وبين الاستكثار من المعاصي، كما لا يجب عليه أن يحول بينها وبينه أصلا.
ويجوز أن يكون معناه أنه يمنعهم الطاعة، وفوائده التي يؤتيها المؤمنين، وذلك أن تسوية المعاصي بالمطيع مفسدة وإغراه بالازدياد من المعصية.
الثاني: الإعطاء، قال الله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ) وقال: (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ).
الثالث: من مدد الجيش، قال: (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ) وقوله: (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ) كذا
стр. 414
جاء في التفسير، وهذا الوجه والذي قبله سواء، ولا فرق بين أن تقول أمده بعطيه، وأمده بجيش، ويقال: أمد النهر، ومده نهر آخر.
الرابع: البسط، قال الله: (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) أي: مبسوط، ومنه مددت الثوب والبساط، أي: بسطته.
الخامس: الدوام، قال اللَّه: (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا) أي: يديمه.
السادس: [الإدرار، قال الله: (مَالًا مَمْدُودًا) أي: دارا لا تنقطع في شتاء ولا صيف].
السابع: التسوية، قال الله: (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ) قالوا: معناه وألقى ما على ظهرها من الجبال حتى استوت، وقيل: معناه غيرت عن هيئتها وبدلت.
стр. 415
المستقر
أصل الاستقرار السكون، ومنه قيل: لبطن الوادي قرار، لأن الشيء إذا صار إليه سكن، والقرة البرد، لأن الناس يسكنون معه، ويقال للشيء: يوضع في موضعه صابت بقر؛ لأنه إذا وضع في موضعه لزمه، ولم يزايله فشبه بالساكن، ويقال: للهودج قد لثباته على ظهر البعير؛ كأنَّه سكن قوته، وأما قولهم: قر عليه دلوا من ماء، فليس من هذا وإنما حكوا صوت الماء عند انصبابه، وأما قرت عينه، فهو راجع إلي البرد، وهو خلاف سخنت.
والمستقر في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: قوله: (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) قالوا: المستقر أرحام النساء، والمستودع أصلاب الرجال، والمرتفع على معنى قبلكم مستقر ومستودع وقرئ فمسقِر بكسر القاف، ومستودَع بفتخ الدال لا غير، أي: فمنكم مستقر في الرحم ومنكم مستودع في الصلب.
وقيل: مسقر في الدنيا، ومستودع في الأصلاب وقيل: مستقر في الأحياء، ومستودع في الثرى.
الثاني: قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا) أي: حيث مستقر بالليل ومستودعها حيث يموت، هكذا قيل.
وقيل: مستودعها كالولد في البطن والنطفة في الظهر، وقال: (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) أي: كتب ذلك مع أنه عالم به لما للملائكة فيه من العبر.
الثالث: المنتهى، قال اللَّه: (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ) أي: منتهى، وقيل: إن لأخذنا إياكم بالإيمان [جبرا وقسرا]، مستقر أي: وقت، وسوف تعلمون
стр. 416
في الآخرة، ومثله قوله: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) أي: لمنتهى لها، وهو القيامة، والمعنى أن لها أجلا تصير إليه، وقرئ " لا مستقر لها " أي: هي تسير أبدا لا تستقر، وقيل: (لِمُسْتَقَرٍّ) أي: [لأبعد مطالعها ومنازلها في الغروب]، وقيل: لمقدار من السير قد استقرت عليه لا تجاوزها، وقيل: مستقرها وقوفها عن المسير في الليلة التي تطلع في صبيحتها من المغرب عند دنو الساعة.
стр. 417
المشي
أصله من الزيادة والمشاء النماء.، والمشي الإسهال؛ لأنه زيادة عن الحاجة، ومشى بفلان مشيا ومشوا، وهو الدواء المسهل، وقيل للماشية ماشية؛ لأن الغالب على حرتها المشي دون العَدْو.
والمشي في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: مجيئه بمعنى المضي، قال: (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ).
الثاني: بمعنى المرور، قال الله: (كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) أي: تمرون على قراهم وترونها خرابا بعد إن كانت عامرة.
الثالث: السير، قال اللَّه: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) أي: سيروا، وهذه المعاني كلها متقاربة، يجوز أن يقع بعضها مقام بعض.
الرابع: النماء، قال الله: (امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ) قال معناه: أنموا، قال الشاعر:
مثلي لا يحسن قولا فعفع ... والشاة لا تمشي مع الهملع
стр. 418
أي لا تنمي، وقيل: أراد أن بعضهم قال لبعض: امشوا أي: امضوا، واصبروا أي: انطلقوا وهم يقولون هذا القول، ويقال: مشيت الماشية مشاء، وفشت فشاء، ونمت نماء، وضنت ضناء، وأمشى أصحابها وأفشوا وأنموا وأضنوا.
стр. 419
المرض
أصله من الضعف، ومنه قيل: [امرأة مريضة الألحاظ والنظر أي: ضعيفتها]، وسمي المرض مرضا؛ لأنه يضعف الجسم، ومنه قيل: مرض في القول إذا ضعف قوله والتمريض القيام على المريض.
والمرض في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: الغم، في قوله: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) أي: غما بما يرزقه من التأييد حالا بعد حال، وسُمِّي الغم في القلب مرضا تشبيها بمرض الحسد، لأنه يغيره عن حاله.
الثاني: النفاق، قال اللَّه: (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) أي: نفاق وشك.
الثالث: المرض المعروف، قال اللَّه: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أراد فمن كان كذلك وأفطر [فعليه عدة الأيام التي أفطر فيها]، فحذف أفطر، كما قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) يريد فمن كان كذلك [فحلق فعليه فدية، وقال: (وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ).
стр. 420
المحصنات
أصل الكلمة من المنع، ومنه الحصن لمنعه لما فيه، وامرأة حصان لمنعها فرجها [وفرس حصان لامتناع فارسيه به]، والعرب تسمى الخيل حصونا به، قال الأشقر:
ولقَدْ عَلِمْتُ عَلَى تَجَشُّمي الرَدَى ... أنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لَا مَدَرُ
وأوصى بعضهم بمال في الحصون فجعل في الخيل، وقال اللَّه تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً). والإحصان على ضربين:
стр. 421
أحدهما: ما يتعلق، وجوب الرجم على الزاني، وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما، وقد تزوج امراة نكاحا صحيحا ودخل بها وهما كذلك.
والآخر: الإحصان الذى يجب به الحد على قاذفه، وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما عفيفا ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في هذا، وخص قاذف المحصنات، وأجمعوا على أن قاذف المحصنين مثله، واتفقوا على أن المراد القذف بالزنا دون القذف بالسرق وشرب الخمر والكفر وغير ذلك.
والمحصنات في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: الحرائر، قال الله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ) يعني: الحرار، أي: من لم يتسع حاله ليتزوج الحرائر لما يحتاج إليه من زيادة النفقة والمهر تزوج الإماء؛ لأن مهرهن أقل ونفقتهن على مواليهن، وسميت الحرة محصنة؛ لأنَّهَا تحصن أي: تمنع وليست كالأمة تبتذل وتمتهن.
الثاني: ذوات الأزواج، قال اللَّه: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وذلك أن أزواجهن أحصنوهن فعطف بهن على قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) أي: وذوات الأزواج محرمات عليكم،: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) يعني: سبايا المشركين، فإنهن محللات لكم إذا استبرأتموهن، وإن كان لهن أزواج في بلاد الشرك. الثالث: العفائف، تجال اللَّه: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) أي: عفيفات، وكذلك قوله: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي: أعفاء غير زناة، وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أراد أنه أحل لكم طعام أهل الكتاب، وأحل لكم العفائف من المؤمنات، والعفائف من اليهود والنصارى.
وقال بعضهم: أراد اللاتي كن على اليهودية والنصرانية ثم أسلمن وهذا غلط؛ لأنه ذكر المؤمنات، فلم يكن لذكرهن ثانية وجه، قال الشعبي: إحصان الكتابية أن تغتسل من الجنابة
стр. 422
وتحصن فرجها من الزنا، قالوا: وأما قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)؛ فإن إطلاق اسم الشرك لا يتاول أهل الكتاب، وإنما يتناول عُبَّاد الأوثان؛ لأن الله فرق بينهم في قوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) فعطف المشركين على أهل الكتاب.
الرابع: المسلمات، كذا قال بعض أهل التفسير، ولم يقل: الذين يرمون المحصنين، لأن قوله: (الْمُحْصَنَاتُ) دليل عليهم، وذلك أن المرأة ترمى بالرجل، كما قال (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ولم يذكر البرد، لأنَّهَا إذا وقت الحر وقت البرد، وخص المحصنات بالذكر؛ لأن ذلك [اتسع]، وأكثر أهل التفسير على أن المحصنات هاهنا العفائف.
стр. 423
المثل
المثل في الأصْل يشتمل على ذكر تماثل الشيئين كقولهم: كما تدين تدان، وهو من قولك: هذا مثل الشيء، ومثله كما تقول شبهه وشبهه، وبين المثل والشبه فرق ذكرناه في كتاب " البديع في الفروق " ثم جعل كل حكمة [وسائرة ومثلا]، وقد يأتي القائل بما يحسن أن يتمثل به، إلا أنه لا يتفق له أن يسير فلا يكون مثلا.
وهو في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: الشبه، قال الله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) وقال: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا). وقوله: (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) أي:. وصف شبها، وضرب المثل جعله يسير في البلاد من قولك ضرب في الأرض إذا سار فيها.
الثاني: العبرة، قال اللَّه: (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) وقوله: (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) والمعنى أنه صارت له شهرة كشهرة الأمثال السائرة، وأراد أن من بعدهم يتمثل بهم إذا رأي مثل حالهم.
الثالث: على ما قيل الصفة، قال اللَّه: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ) أي: صفتها أن فيها أنهارا.
стр. 424
وقال بعضهم: إن مثل ما يوعدون من أنهار الماء واللبن والخمر في الجنة ما يعرفون من هذه الأشياء في الدنيا، كأنَّه قال: مثل الجنة التي توعدون في الآخرة والجنة التي تعقلونها بهذه الصفة، وهذا هو الوجه المختار.
الرابع: السنن، قال الله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) يعني: سنن الذين من قبلكم، أي: [ما أخروا عليه في الدنيا من السراء والضراء] وهذا بعيد.
والوجه أن يقال: إنه أراد ولما يصبكم مثل ما أصابهم من السراء والضراء، وقيل: الشبه والمثل في الشبه والمثل في الهيئة في أكثر الكلام، وقد يقال فيه: مثل ومثل لغتان، والشبه في المتماثلين من كل شيء، وبيان ذلك مشروح في كتابنا في الفروق، وليس هذا موضع الإطالة فيه، وعندنا أن المماثلة تكون بين الذوات والمشابهة بين الصفات، ومثله قوله: (وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي: سننهم.
ومثله قوله: (وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ)، يعني: سنن العذاب، كذا قيل، والصحيح أنه أراد: (أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: أخبارا تكون لكم مثلا، وعبرة تعتبرونها فتنتفعون بها في آيات الدِّين والدنيا، وهكذا معنى قوله: (وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي: مضى في القرآن من أخبارهم ما يكون مثلا.
стр. 425
المتاع
أصله الطول والامتداد، ومنه قيل: متع النهار إذا امتد، وتمتعت بالشيء إذا طال تلذذك به.
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: المدة، قال اللَّه: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) أي: مدة تمتد إلى حين، كذا جاء في التفسير، ويجوز أن يكون المراد المنفعة أي: لكم مستقر ومنفعة إلى حين.
الثاني: ما ينتفع به من آلة، قال الله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ).
الثالث: المنفعة " قال الله: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) يعني: النار. جعلها الله تذكرة بنار جهنم، ومنفعة للمقوين.
قال أهل العربية: للمقوي الضعيف،. والقوي وهو من الأضداد، وقيل: للمقوي الذي صار إلى القواء، وهو القفر من الأرض، ومثله: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) وقال اللَّه: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ) أي: منفعة يعني: أنها تقيكم من الحر والبرد، ومنه متعة المطلقة وهي أن تطلق المرأة قبل تسمية المهر، والدخول.
قال أصحابنا: المتعة في هذا واجبة لقوله تعالى: (مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) فأمر بها، والأمر على الوجوب ثم أكد بقوله: (حَقًّا عَلَى
следующие страницы →