استمرت في كسب الأتباع، في إيمان شعوبٍ بأكملها بالإسلام بعد سقوط القسطنطينية عام (١٤٥٣)(١). لكن فعاليتها ذهبت تخمد شيئاً فشيئاً طوال عصر ما بعد الموحدين، إلى اللحظة التي فيها دقت ساعة الاستعمار في العالم.
لقد بدأ الاحتكاك العنيف مع الحضارة الجديدة والضمير الإسلامي في أسوأ شروطه، فأوربة رجَّحت قيم الفعالية على قيم الأصالة في أسلوبها الاستعماري.
ومنذ ذلك الحين أضحى لعالمها الثقافي وجهان:
وجهٌ يلتفت إلى ذاتها بأخلاقيته الخاصة به، ووجهٌ يتَلَفَّتُ نحو العالم، وهَمُّه الوحيد الفعاليّة. والنخبة المسلمة التي تكونت عبر الجامعات الأوروبية لم تر غير وجهٍ واحدٍ، أمّا وجهها الآخر فقد حُجب عنها؛ كما يُحجب وجه القمر الآخر عن سكان الأرض.
من هنا كان في تكوينها خلطٌ يرثي له بين مظهرين متميزين لفكرةٍ واحدة: أصالتها، وفعاليتها. وهذا الخلط في نفسية النخبة المسلمة الحاضرة: هو النواة التي حولها تتجمع سائر دسائس ومناورات الصراع الفكري.
والأساتذة الكبار الذين يمسكون بأسرار ووسائل هذا الصراع: يعرفون تماماً كيف يستفيدون من هذا اللبس؛ حين يقابلون أمام أنظار شبابنا الجامعي بين أصالة الفكرة الإسلامية وفعاليتها.
ويصبح متوسط الدخل الفردي الحجة الأقوى في منطق الفعالية، والذي به
стр. 107
يتوسلون لهدم أصالة الفكرة الإسلامية في عقل المثقف المسلم.
هذه الخدعة تستخدم اليوم بعمق؛ حتى في دراسات الشباب المثقف العربي، بتوجيه مباشير أو غير مباشبر من قبل (الأساتذة) في الجامعات الأوروبية (١).
لكن اليقظة الإسلامية ليست بنت الأمس. ففي القرن الماضي أثبت عبد الله النديم سفسطة منطق الفعالية؛ الذي يتوسل به المستعمرون الأوروبيون لإدخال مركب النقص في النفس الإسلامية عندما قال: ((لو أنكم كنتم مثلنا لتصرفتم كما نتصرف)) (٢).
وإذ يضع عبد الله النديم هذه العبارة البسيطة في فم أوربة؛ فإنه يذهب إلى أبعد من مجرد كشف الحيلة التي تقوم على المقابلة بين الفعالية والأصالة؛ والتي تلجأ إليها أوربة (في كل مرة تشرع في عمل تمليه التسلطية الاستعمارية المدنية أو التوسع الديني).
ويبقى الاعتقاد بأن العقول كانت أكثر صفاءً زمن هذا الثوري الرائد؛ الذي واصل نقده فانتهى إلى نتيجة جديرة بتذكير الجيل الحاضر: ((وبهذا التصرف يهدف هؤلاء الغربيون إلى إبقاء الشرقيِّ في قبضة الغربيّ بدافع الحاجة، والإبقاء على الشرق كحقل يجري فيه التنافس بين الأوروبيين)).
وبعد قرب من الزمان لا زالت هذه الفكرة راهنةً؛ خصوصاً بعد تفاقم الصراع الإيديولوجي اليوم بإدخال تقنية القرن العشرين العالمية في أسلوبه، ولوهن الذي أورثه التطور غير المراقب عبر هذا القرن في عالمنا الثقافي.
ففي زمن عبد الله النديم القلعة هوجمت من الخارج: محتلٌ أراد أن يحتلّ
стр. 108
بأفكار هـ ليثبِّت عبر أسسٍ إيديولوجية سلطته الاستعمارية.
أما اليوم فالمعركة من الداخل وبين جدران القلعة، بين أولئك الذين يريدون الدفاع عن القلعة والذين يريدون تسليمها إلى الأفكار الأجنبية.
وهنالك الكثير بين المثقفين المسلمين الذين يفتنون بالأشياء الجديدة، وبالتالي يسحرون بمنطق الفعالية، ولا يميزون بين حدود توافقها مع مهام مجتمع يريد أن ينهض دون أن يفقد هويته.
فهؤلاء المفكرون يخلطون بين أمرين: الانفتاح الكامل على كل رياح الفكر، وبين تسليم القلعة للمهاجرين كما يفعل الجيش الخائن.
هؤلاء الذين مردوا بإدمانٍ على تقليد الآخرين: ليس لديهم أي مفهوم عن ابتكار هذا الغير، ولا عن دوافع هذا الابتكار، عن تكاليفه في جميع المجالات التي يقلدونهم فيها، وكان الأجدر بهم أن يبتكروا هم أنفسهم وفق دوافعهم الخاصة بدل أن يقلدوا.
ويجب أن نلاحظ أن هذا التقليد ليس تقليداً لفعالية أي مجتمع دينامي، كما فعلت اليابان مثلاً، ولكنه تقليدٌ لقالب فلسفيٍّ يصبح دفعةً واحدة منطقاً معادياً للإسلام. إنهم يختارون (الماركسية) وعلى الخصوص (التروتسكية) (١)،
стр. 109
يضعون عليها سمة الماوية ليدخلوا الإعجاب في عيون المتفرجين.
على كل حالي فإن حالتهم تفرض علينا أمثولة. فالعالم الثقافي في البلاد الإسلامية ليس فقط المسرح الذي يدور عليه الصراع بين الفكرة والشيء والفكرة والوثن.
إنه أيضاً الحلبة التي ينبغي فيها الانتصار في صراع يفرض منطلق الفعالية، فالفكرة الإسلامية لكي تقارع الأفكار الفعالة للمجتمعات المتحركة في القرن العشرين عليها أن تستعيد فعاليتها الخاصة، أي أن تأخذ مكانها من جديد وسط الأفكار التي تصنع التاريخ.
стр. 110
الفصل الثاني عشر
الأفكار وديناميكا المجتمع (١)
• في عصر التلقين الحديث الفكرة تكون صحيحةٌ إذا ضمنت النجاح.
• المجتع الإسلامي في مواجهة العصر مدعوٌّ لأن يستعيد تقاليده العليا ومعها حس الفعالية.
• المسألة مسألة مناهج وأفكار. مثال: فشل أندونيسيا رغم توفر الوسائل والخبرة الغربية، نجاح ألمانيا بعد الحرب، والصين الشعبية رغم فقر الوسائل والظروف.
• الْمُفَجِّرُ الذي يطلق قوى العالم الإسلامي لا يأتي من النظريات الغربيَّة.
ــ
في عصر الإنتاجية: لا يكفي أن نقول الصدق لنكون على حق، وليس من الحكمة اليوم أن نقول: اثنان زائد اثنين يساوي أربعة، ثم نموت جوعاً، وإلى جوارنا شخص آخر يقول: إنها لا تساوي سوى ثلاثة، ومع ذلك يضمن لنفسه لقمة العيش.
إن روح التلقين التي تطبع هذا العصر تؤدّي إلى تأكيد خطأ الأول، وصحة الثاني. ففي منطق هذا العصر لا يكون إثبات صحة الأفكار بالمستوى الفلسفي أو الأخلاقي، بل بالمستوى العملي: فالأفكار صحيحة إذا هي ضمنت النجاح.
стр. 111
يقول ماوتسي تونغ: ((إن أفضل دليلٍ على سلامة أفكار نا هو نجاحها في الإطار الاقتصادي)). فليست المسألة في أن يقبل المجتمع الإسلامي أو يرفض الأسلوب العملي (١) هذا أو ذاك، بل عليه أن يدافع عن عالمه الثقافي ضدَّ روح التلقين في هذا العصر.
ولا يكفي أن نعلن عن قدسية القيم الإسلامية، بل علينا أن نزوِّدها بما يجعلها قادرة على مواجهة روح العصر. وليس المقصود أن نقدم تنازلات إلى الدنيوي على حساب المقدَّس، ولكن أن نحرر هذا الأخير من بعض الغرور الاكتفائي والذي قد يقضي عليه.
بكلمةٍ واحدة، ينبغي العودة ببساطةٍ إلى روح الإسلام نفسها، ولم يترك الرسول ﷺ فرصةً واحدةً تمرّ دون أن يحذرنا من مثل هذا التمسك والاكتفاء الذي نعرف اليوم آثاره المعوّقة للنمو الاقتصادي في المجتمع الإسلامي الحالي.
فبعد عودة الرسول ﷺ من إحدى الغزوات وسط شهر رمضان وكانت مشقة الصوم كبيرةً على الصائمين، نراه يعزو الفضل في الانتصار إلى الذين أفطروا في ذلك اليوم (٢)، فالشريعة أباحت لهم الإفطار لمواجهة وإعداد ما تحتاج إليه القافلة في السفر.
ونحن اليوم أكثر من أي يوم مضى بحاجة للتذكير بهذا الهدي النبوي الذي يعطي في حالة معينة الأولوية لفضيلة الفعالية على فضيلة الأصالة. ومن المناسب أن نشير إلى هذا الجانب من الفعالية الإسلامية في الوقت الذي تقارن التقاليد الإسلامية بخبث بالقيم العملية للبلاد الصناعية لإثبات عدم صلاحية الإسلام في القرن العشرين.
стр. 112
فالمجتمع الإسلامي مدعو لأن يستعيد تقاليده العليا ومعها حِسُّ الفعالية. ومن أجل أن يثبت العالم الإسلامي بمنطق العصر بأن أفكار هـ صحيحة لا توجد غير طريقة واحدة هي إثبات قدرته على تأمين الخبز اليومي لكل فرد.
والقضية هي الشاغل اليومي في البلاد الإسلامية. على الأقل منذ الحرب العالمية الثانية. لذا فثمة مسافة من الزمن كافية لنقوِّم خلالها فعالية الوسائل المستعملة ولكي نضع في الضوء أسباب التأخر أو الركود في هذه المسيرة.
إن الرؤية الاقتصادية الحالية للعالم تقدم صورة أكثر دقة عن وضع البلاد الإسلامية حينما نقارن تطورها بتطور بلاد أخرى منذ ربع قرن.
ومن المؤكد أن بعضاً منها كأندونيسيا قد انطلقت غداة الحرب العالمية الثانية بأفضل شروط السباق لما توفر لديها من موارد طبيعية هائلة. لكنها اليوم مختلفة جداً إذا قسناها ببلادٍ كاليابان وألمانيا انطلقت في سباقها بالأسوأ من الشروط.
وبمعنى آخر- ولن نمل التكرار- فالمسألة ليست مسألة وسائل وإنما مسألة مناهج وأفكار.
ومما يزيدنا غبطةً من ناحية أخرى أن هذه الظاهرة غير مجهولة في العالم الإسلامي. فبعض المثقفين قد نوَّه بها بدقة المراقب البارع.
فعشية لقاء عقد في الجزائر عام ١٩٦٧ ضمَّ نُخبةً من المثقفين المهتمين بالوضع الاقتصادي في البلاد العربية من بينهم شاب مغربي مختص بالاقتصاد هو السيد محمد ريفي الذي أعطى لمحة ذكية جداً حول شروط الدينامية الاقتصادية في بلاده فكتب يقول:
((بالنسبة إلى الخطة الخمسية (١٩٦٠ - ١٩٦٤) فإن ما يسمى الخطة الثلاثية
стр. 113
التي غطت الفترة ما بين ١٩٦٥ - ١٩٦٧ تمثل تراجعاً محضاً سواء في تصورها العام أو في الظروف المتوقعة لتنفيذها)).
إننا في صميم المشكلة إذ التخطيط في بلد مسلم يمكن له أن يتخلى عن موقع بدلاً من أن يكتسب موقعاً. علينا أن نعمم هذه النتيجة المؤلمة في العالم الإسلامي.
فحينما يتزايد الشذوذ بسبب الموارد المتوفرة وكفاءة المخططين غير العادية فإن هذا الشذوذ يستلفت انتباهنا بصورة أكبر.
فأندونيسيا توفر لها هذان الجانبان: موارد أرضها ومساعدة الدكتور Dr. Schacht (١) لتحقيق الشروط الفضلى لإقلاعها، إنما لم تصب رياح الإقلاع.
حتى فكرة التخطيط التي أثبتت نجاحها بصورة مدوّية في العديد من البلاد الأخرى كالاتحاد السوفيتي والصين الشعبية تفقد كل معناها في أندونيسيا رغم أفكار وخبرة المخطط ووفرة الموارد.
وفي عام ١٩٥٥، كان في استطاعة مؤتمر باندونغ (٢) ان يعد نظاماً اقتصادياً صالحا لإفريقية وآسيا لو أنه أخذ في اعتباره الفشل والنتائج السلبية لهذه التجارب حيث كان يمكن على الأقل أن يستخرج فائدة من دلالتهما المعبرة.
كان ينبغي على المؤتمر أن يدخل شيئاً من ترتيب الأفكار ك كيما يستفيد من تجارب الماضي ومن الأفكار الجديدة في تحديد وجهة جديدة للاقتصاد الإفريقي الآسيوي كانت تنقصه على وجه للتحديد.
стр. 114
لقد أدرك تبيورماندح Tibor Was de أكثر من أي اختصاصي محدود الفكر بحدود مهنته النقص الجوهري الذي يمنع البلاد الإفريقية الآسيوية من توليد ديناميكا اجتماعية.
فعندما قال بأن مشكلة هذه البلاد تكمن في أنها من اختصاص عالم (البيولوجيا الاجماعية) أكثر من (المهندس الاجتماعي) فقد وضع المشكلة في مستواها الحقيقي حين تبدأ الانطلاق من الصفر.
ليس هذا بالتأكيد الحل الجاهز، إنما من أجل بلدٍ هو في نقطة الصفر فإن هذه الملاحظة الصادرة عن عالم في الاجتماع أكثر تعبيراً في دلالتها من خطة مختصٍ في الاقتصاد ضاعت من رؤيته حقيقةٌ إنسانية؛ تدخل معادلتها الذاتية بالطبيعة في تنفيذ هذه الخطة.
إن مشروع الدكتور (شاخت) من أجل أندونيسيا قد فشل؛ لأنه لم يأخذ باعتباره هذه المعادلة.
بعد ذلك يأتي اختيار الأساس المنهجي للخطة. خطة متقنة لا تشقق فيها، ولا تحتوي على خليط من رأسمالية واشتراكية.
فالمشروع الذي يعد طبقاً لأفكار البعض ونقوم بتنفيذه طبقاً لوسائل البعض الآخر لا يفضي إلى شيء.
إن هدف التخطيط واضحٌ: إنه خلق الشروط الدينامية الاجتماعية، وبعد ذلك نحدد الوسائل التي ستتولى تسيير تلك الدينامية الاجتماعية.
فنحن لا نستثمر ما نريد بل ما نستطيع. ولا نستثمر بوسائل الغير، إنما بالوسائل التي تقع بالفعل تحت أيدينا.
فما هي الوسائل المتوفرة حقيقةً في بلدٍ عند نقطة الصفر من انطلاقه؟
стр. 115
لقد بدأت ألمانيا في التحرك عام (١٩٤٨) بخمسة وأربعين ماركاً وهذا مبلغ تافه في الاستثمار.
أما الاستثمار الحقيقي، فقد كان في رأسمال الأفكار؛ التي هي في رأس كل ألماني، في تصميم الشعب الألماني، وفي الأرض الألمانية، التي كانت فقيرةً ومحتلةً من الآخرين، لكنها كانت السند اللازم لكل نشاط.
وفي الفترة نفسها عام (١٩٤٨) أقلعت الصين الشعبية في شروط أشد قساوةً، وبدمارٍ أكبر خلفته الحرب.
وبغض النظر عن خيار الصين الإيديولوجي فقد أنشأت رأسمالها من الأفكار الأولية.
وإن تجربتها في بيئةٍ اجتماعيةٍ اقتصاديةٍ كبيرة الشبه بغالبية البلاد الإسلامية تلقي كثيراً من الضوء على الوسائل البدائية للإقلاع.
وبصفةٍ عامةٍ فإن إمكانيات بلدٍ في هذا المستوى هي:
أ - زراعته وهي في حالة بدائية إلى حد ما.
ب - ما يتوفر لديه من مواد أولية في السوق وفي باطن الأرض.
جـ - طاقة العمل (عدد الأيدي العاملة) التي يمكن تحويلها إلى ساعات عملٍ فعلية.
هذه الميزانية التحليلية تمثل الطاقة الاقتصادية الكامنة في أي مجتمع نامٍ،! لمجتمع الإسلامي.
وهي تمثل هذه الطاقة في مرحلتين من الإقلاع:
أ - مرحلة اقتصاد الكفاف.
ب - مرحلة اقتصاد التطور؛ أي الإقلاع بمعنى الكلمة.
стр. 116
لكن هذه القدرة في حالتها البدائية. تمثل الشروط المسبقة الضرورية، غير أنها غير كافية لتوليد الدينامية الاجتماعية. ولأجل تحريك جميع القوى الإنتاجية فإن الأمر يتطلب أكثر من ذلك.
لا بد أيضاً من مفجِّر يستطيع إطلاق عجلة هذه القوى. هذا هو دور الخطة، وهو دورها الأساسي، وهو الفرصة الوحيدة التي على المخطط أن يمسك بها؛ حتى لا تفشل الخطة كما فشلت خطة الدكتور (شاخت) في (أندونيسيا) حين لم يأخذ بالاعتبار الطبيعية الخاصة لمفجِّر الطاقة الضروري في خطته، فاختلط عليه الأمر، إذ ساوى حالة أندونيسيا وحالة بلاده ألمانيا.
ولاشك أنه من المؤسف لرجل العلم أن يضع كالفرس على جانبي عينيه كمامة ثقافته الأصلية. لكن هذا ليس حكراً فقط على اقتصاديّ أوروبي يتناول دراسة مشاكل العالم الثالث. بل إن النخبة الإفريقية الآسيوية هي أيضاً- وخصوصاً في البلاد الإسلامية- تضع بأسفٍ أكبر على جانبي عينيها كمامة معلميهم الغربيين حين يدرسون المشاكل نفسها.
فمشكلة الفجر الملائم للبلاد الإسلامية يجب أن تجد حلها بعيداً عن النظريات المشتقة من (آدم سميث) (١) و (ماركس) (٢).
стр. 117
والمجتمع الإسلامي يستطيع أن يستعيد فعاليّته بأن يضع دفعةً واحدةً في أساس تخطيطه مُسَلَّمَةً مزدوجة.
أ - كل الأفواه يجب أن تجد قوتها.
ب - جميع الأيدي يجب أن تعمل.
عندئذ سوف لا تكون أفكار هـ مثقلة بعدم الفعالية؛ لأن الأيدي سادرة في تحريك عجلة ديناميّتها الاجتماعية.
والمدافعون عنه سيأخذون باعتبارهم: أنه ليس المطلوب الدفاع عن أصالة الإسلام، بل مجرد إعادة فعاليَّته إليه بتحريكهم قواه الإنتاجية.
стр. 118
الفصل الثالث عشر
الأفكار والاطِّراد الثوري
• الثورة مفجِّر، لكن تحرك القوى بعد إطلاقها ليس كل شيء.
• الثورة في العالم الإسلامي.
• الزعيم في العالم الإسلامي.
• لا مجال للنقد في الحياة السياسية في العالم الإسلامي.
• النزعة الذريّة.
ــ
حينما يتجاوز مجتمع درجة التحمل؛ فالثورة هي (الْمُفَجِّرُ) الأكثر دلالةً في وضع النار على البارود؛ لتحرك عجلة المجتمع نحو قدره، ولكن هل إن دفع القوى بعد إطلاقها نحو طريقها هو كل شيء؟
إن تاريخ الثورات في العالم يظهر كم أن مصيرها هشٌ؛ وغير مؤكد بعد انطلاقها.
إن العالم الإسلامي قد عرف تجارب ثورية قبل وأثناء مرحلة التحرر من الاستعمار، وهو يعيش اليوم الثورة الفلسطينية، ويكفي أن نتذكر بأن لها رؤوساً عديدة حتى ندرك بأننا لا نملك بعد وسائل الرقابة التي تحمينا من أخطاء محاكمتنا للأمور في هذا المجال.
فالظاهرة الثورية لم تخضع بعد لعلمٍ معياريٍّ يضع اطرادها تحت رقابة دقيقة.
стр. 119
ويرجع الفضل للفكر الماركسي، خصوصاً مع نضجه في بكين، في طريقة للتحليل تسمح وإلى حد ما برقابة لاحقة مبنية على التجربة، رقابة هي بالإجمال معدة لكشف الأخطاء ومعالجتها بعد وقوعها، لكنها ليست جهاز إنذارٍ يلفت انتباه قوى الدفاع الجاهزة فوراً؛ حينما تلوح في الأفق بادرة خطأ.
لقد حلل (ماركس) (١) أخطاء (كومون باربس) حتى لا تتكرر في اطرادٍ ثوريٍّ آخر، وإذا ما تكررت في حركات ثورية أخرى فليس هنالك غير العملية الساخنة التي سميت (الثورة الثقافية).
ومع ذلك فإن أي بلد إسلامي؛ حتى التي تُدعى ثورية لم تفتح بعدُ باب المناقشة حول هذه الأمور، كأنما الأمور تسير على خير ما يرام في أفضل مكان في العالم.
فقد يحدث في أكثر من بلد إسلامي: أن تجد البلادُ نفسها بعد الثورة في الوضع السابق على الثورة، بل ربما أكثر خطورةً، بل إنها قد تجد نفسها من جديد في ظل إيديولوجيا يسقط من أجلها الأبطال، ولا يتعرفون على الأفكار التي من أجلها سقطوا. كما لو كانت عجلة الثورة وأفكار ها تدور أثناء الثورة اعتباراً من لحظة معينةٍ نحو الوراء.
والغريب في هذه الأوضاع أنها تنمو وتتقدم حتى نهاية الثورة؛ دون أن يُلحظ في الظاهر أي انقلاب في القيم.
стр. 120
بل إن ما هو غير طبيعي كذلك أنه عندما يبدأ الناس في إدراك ما يحدث، بعد أن تكون الثورة قد انتهت ينبري حكماء يعتقدون بأن هذه الأوضاع ستصفى وتنطفي تلقائياً قائلين بأنه: يجب أن نتركها للزمن يعيدها لمسارها.
وإنني أتساءل كيف لهؤلاء ((البراجماتيين)) في نظرهم أن يتصوروا تلاشي وانطفاء ظاهرة المهندسين تلقائياً في داخل الثورة الفلسطينية؛ بينما يبدو بجلاء منذ الآن أنها لن تتلاشى قبل أن تزهق روح الثورة.
هذه الأوضاع الثورية غير الطبيعية تبقي المشكلات مطروحةً، ولا يبدو لي أن التقنية الماركسية التقليدية تستطيع حلها.
فماركس إذا كان قد حلل هذه الأوضاع فقد فعل ذلك مستنداً على المنطق الجدلي؛ الذي يحتوي على سائر العناصر التي تشكل جزءاً من العالم الثقافي نفسه، أي عالمه هو.
بينما يحدث في البلاد المستعمرة، أو التي كانت مستعمرة قبلاً، أن تكون هذه الأوضاع هي النتاج المركب لجدليةٍ تقع في صلب العالم الثقافي الأصلي من جهة، ومن جهة أخرى بينها وبين عالم ثقافي آخر هو العالم الثقافي الاستعماري؛ كما ينشأ بين مولد يَحُثُّ والطاقة الْمُسْتَحثّة ظاهرة انتقال التيار الكهربائي.
فالفكر الماركسي قد نشأ في مناخٍ ثقافي تسير فيه الفكرة من تلقاء نفسها دون أن تستند على عكازين، بينما في المجتمع الإسلامي في مرحلة ما بعد الموحدين تستند الفكرة بصفة عامة على شيء أو على شخص؛ لكي تثبت صلاحيتها.
لقد كانت الأوضاع الثورية الشاذة في عصر (كارل ماركس) ومحيطه في بيئةٍ غير معقدة، بمعنى أنه كان على الفكرة الثورية أن تواجه أفكار اً من البيئة نفسها، ومن عالمها الثقافي نفسه. وفي هذه الحالة يمكن للتحليل أن يسيطر
стр. 121
بسهولة على أخطاء برزت مباشرة في هذا العالم الذي هو نفسه مُولِّدُ أفكار هـ. بينما نحن نواجه في المجتمع الإسلامي في عهد ما بعد التحضُّر أخطاء (مولَّدة) أي أنها أتت إليه من عالم ثقافي آخر، قام بدور (المولِّد).
ولا يعتبر المهندسون في الثورة الفلسطينية، أو عَبّان رمضان في الثورة الجزائرية خطأين نابعين من اطراد الثورتين؛ وإنما خطآن أُدخلا من الخارج أي خطآن مولَّدان.
هذا هو الوجه الخاص (لانحرافاتنا الثورية) مفسرة ذلك الذي سماه ( J. Revel) بالشروط الخمسة إذ كتب يقول:
((لا تقوم الثورة من الارتجال .... ، إن الروح الثورية الحقيقية تسير وفق خطةٍ جاهزٍ مُكْتشفةٍ، أو تنتهج طريقة الاكتشاف الْمُحَضَّر حيث يكون التطبيق دقيقاً على الدوام وعلى درجةٍ عاليةٍ من الكفاءة الفنية، وليس أبدا ً (١) تقريبياً)).
وفي البلاد الإسلامية قد يولد التطور الثوري منذ يومه الأول على شكل ثورةٍ مضادة مقنعة أطلقت في الوقت المناسب؛ لتسبق إلى احتلال مراكز استراتيجية قبل أن تحتلها ثورة أخرى أصلية (٢).
كما يمكن أن ينشأ أيضاً في ظل ثورة أصيلة تفسح المجال شيئاً فشيئاً لثورة مضادة، تستخدم اسمها، وصفاتها المنظورة، ووسائلها لتقتلها، وتحل محلها محافظةً على المظاهر التي تصبح الستار؛ الذي خلفه يستمر قلب مسار الاطراد في مرحلة ما بعد الثورة.
стр. 122
هذه المظاهر تشكل إذن المشكلة الجوهرية للنقد الثوري.
وإذا كنا أمام مسرح أحد الحواة المشعوذين، فإننا نعلم مسبقاً بأن خِدَعَهُ ليست إلا مظاهر؛ ما كان لها أن تكون لولا مهارة الحاوي وعلمه الكامل برد فعلنا الا عتيادي.
لكننا هنا نحن أمام مسرح سياسي حيث الحاوي يسمى الاستعمار، ومن أجل أن نفهم خِدَعَهُ التي تنطلي على حواسنا ينبغي أن نقول: ماذا نُكَوّن أمام ناظريه - كعيناتٍ نفسية-؟، وماذا يُكَونُ هو في نظرنا على صعيد إثاراتنا الأخلاقية والسياسية؟.
وليس صعباً أن نحدد الأشياء على الأقل في النقطة الثانية: فالاستعمار يُعَدُّ في نظر كل مسلمٍ الشيطان. وما ينبغي أن نضيفه فوراً بأن الاستعمار يعلم ذلك جيداً. وهو فوق ذلك يعلم عنا أشياء كثيرة نجهلها نحن أنفسنا، وخصوصاً تلقائية استجاباتنا السلوكية. فمثلاً هو يعلم بأنه حينما يقول الشيطان: اثنان زائد اثنين يساوي أربعة، فإن المسلمين سيقولون: ليس هذا صحيحاً لأن الشيظان قال ذلك.
وعلى العكس من ذلك فإذا ما ارتفع صوت له سمة (الصدق) يقول: اثنان زائد اثنين يساوي ثلاثةً؛ فإن المسلمين سيقولون هذا حق لأن هذا الرجل الصادق قد قال ذلك.
هذه النزعة في الوسط الإسلامي التي لا تصنع الأحكام طبقاً لعالم الأفكار بل تصنعها طبقاً لعالم الأشخاص: هي معروفة تماماً من الاستعمار.
وإن نشاطه على الخريطة السياسية يستخدم باستمرار معطيات خريطة نفسية وعلى ذلك فإن كل تِقَنيِّة الأخطاء المولَّدة تعتمد على هذا الذي فصلناه.
стр. 123
وتكاد لا تخيب نتائجها في عالمٍ تستند الأفكار فيه على الأشياء أو على الأشخاص كي تسير.
والحاوي الماهر الواقف على المسرح؛ ليس على المسرح تماماً ولكن في غرفة المُلَقِّن حيث يتخفى عن الأعين: ليس عليه إلا أن يخرج مزيداً من الخدع في قاعة المشاهدين الْمُكَيَّفَة بحالتهم النفسية تجاهه.
ثم يبدأ العرض من شرق العالم الإسلامي إلى غربه، حيث تدعو الضرورة إلى إخراج مشروع (ثورة مضادة) إلى المسرح في ثوب ثورة.
والعالم الإسلامي الحاضر يشمل على أكثر من انحرافٍ من هذا النوع، فباكستان اقتضى لوجودها انحرافٌ كهذا أي خطأ مولَّد في نفسية الضمير الإسلامي المكيَّف، والمرتهن (بالزعيم).
و (الزعيم) لا يستخدم لتحريف الطاقات الثورية الآخذة في الحركة، بل إنه يُستخدم أيضاً قاطعاً لتيار إيديولوجي موحَّد لا يتفق مع سياسة التفتيت المطَبَّقة في العالم الإسلامي.
ومع ذلك فليس من الضروري أن يكون (الزعيم) متواطئاً، فقد قام (مصالي الحاج) بدوره بحسن نية بالتأكيد، لكن تصرفه كان ببساطة مطابقاً لمخططات الاستعمار. لقد تكون في مدرسته تلك الحفنة من (صغار الزعماء) الذين قتلوه وخانوا الثورة، ثم تنكر لها هو نفسه تكبراً وغطرسة.
لكن (عبان رمضان) كان بالتأكيد متواطئاً؛ فتصرفاته المريبة لا تترك ظلاً من الشك على هذه الحقيقة.
فلقد كان حتى آخر لحظةٍ من حياته يرتضي لنفسه لعبة الحاوي؛ ليُجهز على ثورة الإدارة التي أطلقت عجلتها في الأول من نوفبر (١٩٥٤)، ولكي يغتصب
стр. 124
سلطتها ويحاول استعمالها ضد الثورة نفسها.
ويحدث أيضاً ألا يكون رجل السياسة في العالم الإسلامي ذلك الكائن الصغير الطموح: يُباع، ويُشترى، يطوب (زعيماً) على مسرح السياسة. بل ينبغي أن يكون (رئيساً) أصيلاً قادراً على تحقيق فكرة كبيرةٍ؛ تمارس على الجماهير جاذبية هدف عظيم سام لا يقاوم.
ومن الطبيعي: أن الفكرة قد قُيِّمت بقيمتها الحقة من أول وهلةٍ عبر اختصاصيِّي الصراع الفكري.
والرجل الذي يجسد في عيون الجماهير تلك الفكرة (الرئيس): هو الذي سوف تنصب عليه دراسة الاختصاصيين الدقيقة وذلك لتبين لهم سائر الثغرات.
وعلى تلك الثغرات فإن الاستعمار سيضع صماماته ذات التأثير المزدوج:
١ - من جهةٍ؛ لمنع إشعاع الفكرة وشخصية الرئيس أن تصلا إلى ضمائر الجماهير.
٢ - وعلى الخصوص لتكون الصورة الحقيقية لعمل الفكرة بمنأى عن الرئيس، بحيث لا يستطيع أن يتابع سيرها الفعلي ليضيف! إلى مسيرتها التعديلات والإصلاحات الضرورية.
لدرجة أن الصراع يتابع مسيرته دون جهاز استكشاف ( Radar)؛ يعطي للرئيس في كل لحظةٍ المعلومات الكاملة حول مقتضياته؛ حينما تصبح الفكرة وشخص الرئيس بالذات أمام حقيقة هذا الصراع.
إذ في النهاية يمكن أن يصبح سجين نظامه الخاص؛ حين يتحول لمجرد جهاز صمامات تحت رقابة الاستعمار.
стр. 125
والرئيس هكذا يساق إلى تدميره الذاتي عبر آلية يظن أنه يمسك بزمامها، وهي في الواقع تمسك بزمامه.
هذا التدمير الذاتي ليس دائماً، ولا غالباً نهاية جسدية، ولكنه سقوطٌ سياسيٌّ للرئيس يتدرج بطريقة تنسحب معها، وتفقد الفكرة قيمتها بخطئه حين جسدها في ذاته بأخطائه.
أي في الحقيقة: نتيجة الأخطاء المولَّدة ( erreurs induites) التي أدخلت إلى سياسته بفضل جهاز الصمامات الذي وضعه الاستعمار كما أشرنا.
إن نهاية (سوكارنو) (١) أو (نكروما) (٢) ليست إلا تدميراً ذاتياً مؤلماً. وهاتان حالتان من حالاتٍ عديدةٍ. وجملة القول: إن نظام الصمامات يعمل لحساب الاستعمار كجهاز مولِّد للأخطاء المولدة، وعند الحاجة يصبح نظام حمايةٍ لهذه الأخطاء ضد كل طيف نقد.
ولا مجال للنقد في الحياة السياسية لبلاد العالم الإسلامي؛ خصوصاً حينما يكون المقصود الحفاظ على ثورةٍ مضادةٍ في طريقها إلى التكوين في الظلام الذي لا غنى عنه لانتشارها أو الحفاظ في الخفاء على أسباب ثورة مضادة تمَّت فعلاً.
فخير حليف لأساتذة الصراع الفكري، ولمُجهضي الثورة، الظلام،
стр. 126
والسكوت، ومن الغريب أنه في وسط الحكومة المؤقته للجمهورية الجزائرية في القاهرة خلال سنوات الثورة الجزائرية كانت كلمة السر المتداولة: ((اسكتوا، لا تتكلموا .. الاستعمار ينصت إلينا)).
كان ذلك من روائع أعمال أساتذة الصراع الفكري، إنها لمسة فنان يجيد اللعب على وترنا الحساس.
وفي مناسبةٍ أخرى كنت أستمع يوماً بعد انفصال الوحدة بين سورية ومصر إلى نقد، أظن من راديو حلب، وطالما أن النقد منصبّ على فكرة الوحدة مساً بها، وبخساً لقيمها، واحتقاراً لشأنها، كان الأمر على ما يرام. وكان يمكن سماع كل كلمة بوضوح. ومنذ أن بدأ النقد حول مسألة نظام الصمامات التي استعملت لتوليد (الأخطاء المولَّدة) في السياسة العربية التي قضت على الوحدة؛ فإن الكلمات تلاشت في الضباب. طواها التشويش الإذاعي.
هل كان ذلك عبر الأسطول السادس، أو تل أبيب مباشرة؟ لا فرق. إلى متى سيدوم هذا الوضع!؟. لامجال للمخاطرة في تنبؤاتٍ تكذبها في الغالب الأحداث. ينبغي ألا نتكهن بأن هذا أو ذاك من الأحداث سيضع حداً لنهاية هذا الوضع. فالمطلوب: أن نُرْجِع ذلك إلى سببه النفسي الاجتماعي، وأن نبيّن بالتالي كيف يزول بزوال ذلك السبب.
لقد أشرنا قبل ذلك في معرض دراسة إلى نوعين من الأخطاء تختص باطرادنا الثوري: الأخطاء النابعة من ذاتنا، والأخطاء المولَّدة.
لكن أسبابها واحدة، إنها تكن في نفسيتنا: ففكرنا خاضعٌ لطغيان الشيء والشخص، وهذا السبب سيختفي عندما تستعيد الأفكار سلطانها في عالمنا الثقافي. حينئدٍ فإن محاكمتنا للأمور بصفة عامة؛ وفي الإطار السياسي بصفة خاصة تأخذ أو تسترد طابعها المنهجي والمعمم؛ والذي يستطيع أن يصهر بدفعة
стр. 127
واحدة عديداً من التفاصيل في كُلِّ مُوَحِّد، وأن يصبها في تركيب متآلف ( Synthèse).
إن روح عصر ما بعد الموحِّدين، المصابة بالذرّية ( Atomisme): لا تسلك سبيل التكامل بانتهاج التركيب المتآلف ( Synthèse).
فالنزعة الذرّية هي قفزة البرغوث من تفصيل إلى تفصيل؛ بحيث لا تسمح أن ترى في مجموعة من التفاصيل المعطاة وضعاً يبرز بالتحديد مشكلة مرحلةٍ من الاطراد الثوري.
وبهذه الطريقة سيظل التفصيل مستقلاً عن الموقف الموضوعي الذي نعيشه؛ بحيث يضاف إلى وضع شخصي؛ كالحبَّة التي تضاف إلى مسبحة أحلامنا.
وكم أضاف أساتذة الصراع الفكري من حبات الكهرمان إلى مسبحة أحلامنا!! كاسم جميلة بوحيرد، وعبان رمضان في الثورة الجزائرية، وسواه في الثورة الفلسطينية.
ولم يمض كبير زمن على الجموع التي تظاهرت عام (١٩١٩) في شوارع القاهرة وهي تصرخ: ((نظام الحماية مع زغلول خيرٌ من الاستقلال مع عدلي باشا)). وهذه البدع ستستمر ما دام عالمنا الثقافيُّ محكوماً بالأشياء أو الأشخاص.
إن أساتذة الصراع الفكري يعرفون بأن التعامل مع وثنٍ: هو أسهل من التعامل مع فكرة. والتابعون لهم من أبناء البلاد ( indigenes) هم من الرأي نفسه: يعرفون أن استغلال النفوذ أسهل مع الأشخاص منه مع الفكرة. والجوهري بالنسبة لهؤلاء وأولئك: هو أن لا يدع الاطراد الثوري يتمحور حول فكرة.
стр. 128
وندرك لحظة الفرج عند هؤلاء وأولئك مع كتاب (فرانز فانون fanon) (١) حول الثورة الجزائرية؛ لأنه اختصر صورة الثورة إلى مجرد عملٍ من أعمال العنف. وربما دون أن يدري، قد أراح الزعماء و (صغار الزعماء) من همِّ التفكير، وهو قد أراحهم على وجه الخصوص من عقدة الذنب تجاه الأفكار التي خانوها. لكن الأفكار المخذولة، وانتقامها ظاهر للعيان في العالم الإسلامي.
стр. 129
الفصل الرابع عشر
الأفكار والسياسة
• الحرب والسياسة: قوة الجيش تتمثل بالثقة في القاعدة السياسية.
ــ
((الحرب: هي استمرارٌ للسياسة بوسائل أخرى)).
إن تعريف (كلوزويتر Clausewiz) (١) للحرب والذي كان يلقَّن في الأكاديميات العسكرية منذ قرنٍ مضى جديرٌ بأن يدرس اليوم في معاهد العلوم السياسية.
إنه يدخل السياسة عرَضاً في نظامٍ تمثل فيه الأفكار التي تسيِّر الحرب بنية فوقية؛ في مقابل بنية تحتية مؤلفة من الأفكار التي تشكل هيكلية المذهب السياسي بالمعنى الحصري (٢).
стр. 130
وهذه العلاقة تتضمن تجاوباً بين صلابة البنية الفوقية العسكرية وجدارة البنية التحتية السياسية.
وربَّ ناقدٍ يغلب عليه التفكير السطحي عاصر الحملات التي انطلقت بعد وفاة الرسول ﷺ مباشرةً لما فاته أن يعتبر كخطأ مميت تصرف أبي بكر؛ عندما ألقى بالجيش الإسلامي في معارك ثلاث في وقت واحد (١)، إحداها داخل الجزيرة العربية ومعركتان في الخارج على الحدود.
إنما فات هؤلاء النقاد أنه بالإضافة إلى الظروف التي لم تدع للخليفة فرصة الاختيار؛ فقد بنى الحساب على أساس المعطيات السياسية للعصر. إذ لا ننسى أنه كان في المدينة أبو بكر وعمر.
стр. 131
ولقد كانت قوة الجيش الإسلامي تتمثل بالثقة في هذه القاعدة السياسية؛ التي كانت تُؤَمِّن مؤخرة الجيش، وتُؤَمِّن جبهته.
لقد أورد المؤرخ (ديورانت Diorante) حواراً موجباً للعبرة حول السياسة، دار بين (كنفوشيوس) وأحد أتباعه ويدعى (تسي كوغ)؛ الذي كان يسأل أستاذه عن السلطة (١).
أجاب (كنفوشيوس) (٢) قائلاً: على السياسة أن تؤئن أشياء ثلاثة:
١ - لقمة العيش الكافية لكل فرد.
٢ - القدر الكافي من التجهيزات العسكرية.
٣ - القدر الكافي من ثقة الناس بحكَّامهم.
سأل (تسي كوغ): ((وإذا كان لا بد من الاستغناء عن أحد هذه الأشياء الثلاثة فبأيِّها نضحِّي؟)).
وأجاب الفيلسوف: بالتجهيزات العسكرية.
سأل (تسي كونغ): ((وإذا كان لا بد أن نستغني عن أحد الشيئين الباقيين فبأيهما نضحي؟)).
أجاب الفيلسوف: ((في هذه الحالة نستغني عن القوت؛ لأن الموت كان دائماً هو مصير الناس، ولكنهم إذا فقدوا الثقة لم يبق أيُّ أساس للدولة)).
والشريعة الإسلامية جسّدت هذه الفلسفة السياسية في العلاقة المتبادلة بين المحكوم والحاكم. فعلى المواطن؛ السمع، والطاعة. لكنه في الوقت الذي يلحظ
стр. 132
فيه تجاوزاً من رجل السلطة لأحكام الشريعة يرفض السمع والطاعة. فالعلاقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم تصبح مقطوعةً لا تلزمهم بشيء.
وعمر بن الخطاب أدرك ذلك جيداً. إذ حينما رأى أعرابياً يرفض السمع والطاعة ذات يوم لم يبحث عن اضطهادٍ لهذا المعاند، بل عن تفسير قدم إليه في قطعة من القماش؛ استوجب أخذها من نصيب ولدِه من الغنائم ليكتمل بها جلبابه؛ لأنه طويل القامة.
فالحاكم ليس فحسب ذلك الرجل النزيه فهذه صفة يتمتع بها سائر صحابة النبي. فأبو ذر الغفاري وهو من أكثر وجوه عصر النبي ﷺ سمواً: سأل يوماً أن يعيَّن حاكماً على إمارة.
لكن الرسول ﷺ رفض طلبه رغم ما كان يكنّه للصحابيِّ الجليل من تقدير عميق حتى آخر يوم من أيام حياته.
فالنزاهة لا تكفي وحدها. يجب أن تضاف إليها الكفاءة وأكثر من ذلك الملاءمة.
وهناك أكثر من حاكم عزله عمر وكان الخليفة يقول: ((ليس لطعنٍ في نزاهته ولا لنقصٍ في كفاءته)).
فأبو عبيدة بن الجراح (أمين هذه الأمة) كما سماه الرسول ﷺ [متفق عليه]؛ قد عزل رغم كفاءته ونزاهته.
لكنه كان هو الذي يفكر فيه عمر وهو على فراش الموت ليولّيه أمر خلافته في الظروف المأساوية التي أحاطت بموته: ((آه .. من لي بأبي عبيدة لأولّيه أمر هذه الأمة)) (١) فهل هو التناقض في خلد عمر؟
стр. 133
إن النزاهة والكفاءة صفتان مطلوبتان في رجل السلطة مهما كانت مرتبته. إنما فوق هذه المرتبة لا بد من شيءٍ من الملأءمة في نظر عمر، فأبو عبيدة كان يملك تلك الملاءمة الخاصة بتولي أمر الأمة. والمدينة المسلمة تأسست على هذه المجموعة من الفضائل في رجل السلطة وفي المحكومين. ولأجل العمل على حفظ هذه الفضائل، أنشأ الفقه الإسلامي نظام (الحسبة)، هذا النظام الذي يشبه من بعيد ما يسمّى اليوم (بالنقد الذاتي)، والنقد من أجل مراقبة استمرارها الفعال وفاعليتها في الحياة العامة.
فالمدينة المسلمة ليست حشداً مزيجاً من طوائف اجتماعية مختلفة، بل إنها بوتقة جماعة وحدتها الثقةُ المتبادلة بين سائر أفرادها محكومين وحاكمين.
غير أنها ليست مع ذلك جمهورية (أفلاطون)؛ التي انتحلها في كثيرٍ أو قليلٍ (الفارابي) في المدينة الفاضلة، فنموذجها الأصلي هو المدينة نفسها في عهد عمر.
وإلى هذه القدوة السامية ينبغي أن نقارن تنظيماتنا وأفكارنا السياسية الحالية في العالم الإسلامي المعاصر؛ لنقيس عبرها تخلفنا عن هذا النموذج.
وإننا لبعيدون عنه في منهجي السياسة الإسلامية الحالية اللذين يوجدان في البلاد المتخلفة. فالنهج الذي يسمى (محافظ)، أو النهج الذي يسمى (تقدمي) لا يوجد فيهما الاهتمام بكسب ثقة الجماهير التي تحكمها باعتباره اهتماماً رئيسياً.
وفيما عدا واحدٍ ضرب لبلاده المثل الأعلى في الديمقراطية والتواضع السياسي الرائع؛ حين تنحى عن طيب خاطرٍ، وتخلى عن مسؤولياته رئيساً للدولة؛ لم يعرف العالم الإسلامي اليوم في حياته السياسية كتصرف (ديغول) عقب الاستفتاء الذي لم يعطه أغلبية الأصوات عام (١٩٦٨).
стр. 134
فالسياسة لابد لها أن تكون: أخلاقية، جمالية، علمية، لكي يكون لها معنى في مسيرة التاريخ.
(شو أن لاي) (١) قال منذ زمن: ((سياستنا لا تخطئ لأنها علم)). وكان على حقٍ ضمن الحدود التي لا يخطئ فيها العلم. يتعين على السياسة أن تكون علماً، علماً اجتماعياً تطبيقياً.
إنّ مثقفي الصين قد سكبوا في ثورتهم الصينية ثلاثين عاماً من التفكير الاجتماعي والتاريخي، وإن السياسة التي تمتص هذا القدر العظيم من المعارف تصبح بالضرورة علماً مطبقاً على المشكلات الحيوية في الصين.
ومن هذا الجانب بالذات؛ أي بصرف النظر عن الطابع الماركسي الذي أورث النقد الذاتي الخصب: كانت الصين قد اكتسبت مع مفكريها منهج العمل العلمي.
وإذا كانت هذه المناهج قد أثبتت فاعليتها في ظلّ حكم (ماوتسي تونغ) (٢)؛ فإن ذلك يرجع إلى ان هذا الحاكم قد عرف كيف يطلب من هذه المناهج ما كان ينبغي اقتباسه من التقاليد الصينية القديمة، وحتى من أساطيرها: كأسطورة (بوكونغ): الذي ينقل الجبال من أماكنها، فبلور هذه العناصر كلها في إيديولوجية واحدة.
стр. 135
ولأنه ينشد الحقيقة فإن العلم يصبح نظاماً أخلاقياً لا يطيق الصبر على الخطأ من غير أن يجري التصحيح المطلوب.
لكن يبدو أن البلاد الإسلامية لا يروقها أن تلقي نظرةً خلفها. ومع ذلك فمن الضروري أحياناً العودة بالخطى حينما يكون من الممكن تصحيح الأخطاء عبر مناقشة حول موضوعها ترسخ الحوار بين الحاكم والمحكوم.
ولقد كان خير مثل للرجوع إلى المصادر التي تعيد الثقة؛ ذلك المثل الذي قدمته الصين الشعبية بثورتها الثقافية التي قلبت طبقات المجتمع، وعالم الثقافة، رأساً على عقب وجددت البلاد إلى حد كبير (١).
إن أمام البلاد الإسلامية اليوم هذه الدروس في السياسة العليا التي صنعت المعجزات كما رأينا.
وإن خلفها دروس الثقافة الإسلامية الرفيعة التي تتيح لها استعادة بعض المفاهيم التي لا تقدر بثمن (كالحسبة): التي هي جديرةٌ بإدماجها بالنظم السياسية للبلاد الأكثر حداثة؛ وبالخصوص لهذه البلاد بالذات.
стр. 136
الفصل الخامس عشر
الأفكار وازدواجية اللغة
• المؤثرات الغربية في البلاد الإسلامية: مستوى اللغة.
• الانشقاق عن الأصل.
• ازدواجية اللغة وانقسام المجتمع.
ــ
لقد غرس العصر الاستعماري فيما غرس من الظواهر المتصلة بالهياكل: الاقتصادية، والاجتماعية، والإدارية، في البلاد المستعمرة ظاهرةً خاصة: هي (ازدواجية اللغة) التي تتعلق ببُناه الثقافية والعقلية، وبأفكاره.
وحتى البلاد الإسلامية التي لم تعرف الحضور الفعلي- الإداري والعسكري- للغرب لم تَسْلَمَ بقليلٍ أو كثير من الحدة مؤثرات ثقافته.
هذه المؤثرات كانت بارزةً في تلك البلاد حتى في المستوى اللغوي، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، وبطرائق تختلف من بلدٍ إلى آخر. وإذا كان يمكن القول بأن درجة التأثير هي شبه معدومة في اليمن مثلاً؛ إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أن تأثيراً من هذا النوع دلف إليها من بلاد إسلامية أخرى أكثر تعرضاً لتلك المؤثرات.
ففي مصر حيث اللغة الأجنبية المنافسة: هي الإنكليزية، تؤثر هذه اللغة على زاوية معينةٍ من العمل الفكري؛ يمكن أن نضعها في جانبٍ؛ نموذجاً لبلدٍ
стр. 137
لديه مشكلة ازدواج لغوي جامعي، وفي الجانب المقابل يمكننا أن نعرض الجزائر نموذجاً آخر، اللغةُ المنافسة فيه الفرنسية، وهي تستوعب ليس فحسب حاجات العمل الفكري، بل الاتجاهات العادية للحياة اليومية، وإذن فلدينا هنا مشكلة ازدواجية لغوية شعبية.
إن النتائج الاجتماعية ليست أبداً واحدة. ففي حالةٍ تصبح ازدواجية اللغة مفَجِّراً يعيد الحركة للعالم الثقافي.
فمع المفاهيم المرسلة من ثقافةٍ أخرى، والمترجمة بقليلٍ أو كثير من الأمانة، فالأفكار المطبوعة التي لم يعد لها أي صدًى، ولا حوار مع الحياة، ولا تأثير على مجراها: تستعيد كلمتها وتعود لإنتاج أفكار موضوعة يكتنف مقاصدها شيء من الغموض يعود لأصلها المزدوج؛ لكنها تظل تنتسب لأفكارها الأصيلة ولا تفقد اتصالها بها.
فعندما كان الشيخ (محمد عبده) يكتب بحثه في العقيدة؛ كان يستلهم دون شك تلك الكلاسيكية المزيفة؛ التي كانت عليها الثقافة الأزهرية في عصره. لكنه بالشكل الجديد والطريقة الجديدة التي عبّر بها؛ قد افتتح (برسالة التوحيد) كلاسيكية جديدة.
لقد كان مجدداً في إطار نوع من الكلاسيكية. وأحياناً يهتز هذا الإطار قليلاً. إذ يلاحظ مع (علي عبد الرازق) أن هذا الأزهري القديم الذي أصبح تلميذ أكسفورد؛ لا يصل إلى حد التحرر من الكلاسيكية المزيفة لما بعد الموحدين فحسب بل إن تحرره تجاوز ذلك إلى التخلص من منهج الأصل الإسلامي؛ حين يجعل موضع التساؤل: قِيَمَه وأفكاره الأساسية؛ وذلك عندما ناقش مثلاً فكرة الخلافة (١).
стр. 138
وهكذا فإن الانشقاق الذي أدخلته ازدواجية اللغة في العالم الثقافي للبلد الإسلامي؛ ليس فقط ذا طابع جمالي بل هو ذو طابع أخلاقي وفلسفي.
ومع ذلك فإن هذا الانشقاق يمكن له أن يتعمق أكثر من ذلك في بلادٍ إسلاميةٍ أخرى؛ حيث ازدواج اللغة لا يُستعمل لمجرد تفجير يطلق حركة العالم الثقافي الذي كان قد توقف فيه نبض الحياة الفكرية.
ففي الجزائر- مثلاً- وحتى الجزائر المستقلة؛ فازدواجية اللغة ليست فقط مجرد مفجِّر، بل هي أكثر من ذلك ديناميت قذف في العالم الثقافي، وإذا كان لم ينسف كل شيء فإن انفجاره أحدث أغرب الانشقاقات.
بادئ ذي بدء وفي أعلى المراتب ظهرت طائفتان من النخبة:
النخبة التي تتكلم العربية وتحاول مع (ابن باديس) أن تسترد الأصول الإسلامية، وهي الفكرة التقليدية التي أفلتت منها نهائياً مع سقوط الإصلاح، وفرار أتباعها إلى الوظائف العامة بعد الثورة.
وطائفة تتكلم الفرنسية وتتنكر بكل الأقنعة: كالكمالِيّة، والمصالية، والحركة المضادة للمصاليّة، والبربرية، والتقدمية، والوجوديّة المزيفة، والماركسية المزيّفة؛ كي تخدم تحت كل سمة من تلك السمات آلهة اليوم وتمائم الساعة، وفي الحقيقة لتخدم نفسها تحت أي قناع من هذه الأقنعة.
لقد تتابع الفاصل الزمني طوال نصف قرنٍ في عالم ثقافي خليط غير متجانس، حيث لا تستطيع فكرةٌ أن تنبثق مؤمنة بنفسها لتقود الشعب الجزائري إلى مصيره.
فالطائفة الأولى لم تنجح في إرساء اتصالٍ بين الروح الجزائرية والتقاليد الأصليّة للسلف الصالح؛ لعدم وجود اتصالٍ حقيقي لديها بنماذجها المثالية.
стр. 139
والطائفة الثانية لم تستطع إرساء اتصالٍ مع حضارةٍ؛ لعدم فهمها لروحها العمليّة.
فافتقاد الأفكار الأصلية من ناحية، وافتقاد الأفكار الفعّالة من ناحية أخرى، جعل الشعب الجزائري يراوح ولا يتقدم.
لكن النماذج الأصلية المخذولة من هذا الجانب كما في الجانب الآخر قد انتقمت لنفسها بتلك المراوحة التي دامت نصف قرن.
والشعب الجزائري هو الذي قطع أخيراً جمود هذا الفاصل الزمني، فتخلى بالفعل عام (١٩٥٤) عن جميع قادته الروحيّين؛ لكي ينطلق وحده في طريق الثورة.
وفي الحال تحوَّل هؤلاء الأخوة الأعداء إلى (أصدقاء) حتى لا يقصيهم الشعب الذي ينوون استعادة سيطرتهم عليه. وهكذا تحالفوا ظاهرياً مع الثورة؛ لكن تحالفهم كان في الواقع مع الزعماء الذين كانوا يوزعون عليهم المنح والمكافآت في تونس والقاهرة.
وينبغي أن نلاحظ من أجل التاريخ أنه لمجرد أن انقضت في أوراس الإدارة الأولى للثورة التي سيت (بالنظام) (١) فإن الثورة لم يعد لها إدارة، وإنما أصبح لها معتمديَّة، توفر لها حاجاتها إلى البذخ والأبهة، أكثر مما تلبي حاجات المقاتلين.
ومهما يكن من أمر، فعندما يرفع الستار من جديد عن المسرح الجزائري؛ يمكن رؤية آثار ازدواجية اللغة من الموقع الأكثر وضوحاً، وهو الموقع الذي سوف يزايله الحضور الاستعماري؛ الذي لا يزال يلقي بظله عليه. حينئذ يتبدّد
стр. 140
الغموض الذي أحاطه به ذلك الحضور، وتتبدد معه تلك اللعبة البارعة التي جرت في سني الثورة.
حينئذ يمكننا أن نرى الانشقاق الذي أحدثته ازدواجية اللغة أكثر عمقاً، إذ أنه يتناول القمة والقاعدة.
فالبلاد لم تعد تحتوي نخبتين؛ وإنما مجتمعين متراكبين: أحدهما يمثل البلاد في وجهها التقليدي والتاريخي، والثاني يريد صنع تاريخها ابتداءً من الصفر.
فالأفكار المطبوعة للأولين والأفكار الموضوعة للآخرين؛ لا تستطيع التعايش في عالمٍ ثقافيٍ واحد.
فالمجتمعان يتحدثان بلغتين مختلفتين.
فما كان يقال عبر الراديو والصحافة وحق في بعض الكتب المدرسية إذا كان في استطاعته أن يعبر عن الأفكار الموضوعة لأحد المجتمعين فإنه ليس لها أي معنى بالنسبة للأفكار المطبوعة عند المجتمع الآخر.
إننا لا ندرس أسباب الظاهرة، فأسبابها تتصل من قريبٍ أو بعيد بحقل الصراع الفكري (١)، إنما نحن هنا نهتم فقط بنتائجها.
ففي جزائر ما قبل الثورة التي لم تكن تجهل هذه الظاهرة (إذ كان صوت الإصلاح يفضحها)؛ فقد كانت هذه النتائج مع ذلك مقنعة بعض الشيء بظل الاستعمار، وبالوحدة المقدسة للبلد الذي كان يبدي ردة فعل جماعية حول هذه النقطة كما حول سواها.
لكنه ما إن مرت السنوات الأولى للثورة حتى تجلت الظاهرة في وجه
стр. 141
جديد. في الواقع ومنذ عام (١٩٥٦) فقد بدأت نتائجها تظهر في أسلوب الثورة الجديد، واعتباراً من عام (١٩٥٨) أخذت تتضح في نقاش يتعلق باصطلاحات الثورة نفسها، وأخذ النقاش يدور حول بعض العبارات لاستبدالها بسواها.
وهكذا تحدث الناس بالتدرج عن (الجندي) الذي كان فيما مضى (المجاهد) واجتاز النقاش بعد ذلك الألفاظ إلى البُنَى فاختفى (النظام) وحلت محلّه التراكيب الجاهزة؛ والتي عُني بمباركتها في مؤتمر الصمام؛ فظهرت بهذه الطريقة (اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني للثورة الجزائرية).
كان المجاهد في البداية يطيع أمر المرشد الذي يدعوه (الشيخ) فاستبدل ذلك بأن أصبح للثورة ضبّاطها برتبة (كولونيل) ومنذ ذلك الوقت ظهرت مجموعةٌ من المصطلحات الجديدة أخذت تسوق أفكاراً غريبة عن العالم الثقافي الجزائري؛ ذلك العالم الذي رأت النور في داخله فكرة الثورة ذاتها ودوافعها.
ومنذ الاستقلال: فهناك فريقان في القمة متعارضان بكل معنى الكلمة، ومجتمعان متراكبان في القاعدة التي تمثل الحقيقة الجزائرية.
وفي هذا المستوى إذن، أي في مستوى القاعدة ينبغي أن نأخذ بالاعتبار نتائج الظاهرة التي تكتسي في الجزائر طابعاً فريداً يبدو ماثلاً في الحياة اليومية بكل وضوح، مما لا نجد له مثيلاً في بلد آخر.
ينبغي أن نعتمد تخطيطاً بيانياً مزدوجاً له عودان، نضع في كل جانب الأشياء التي تخص كل مجتمع من هذين المجتمعين، من أجل أن نجعل المقارنة بارزة.
فمن جهة نجد أفكار مجتمع ما بعد الموحدين؛ أي المجتمع الذي أصبحت أفكاره المطبوعة في حالة تشويش، كفيلمٍ أو أسطوانةٍ مسحت بالزمن، لا نجد عليها بواعث الحياة.
стр. 142
وفي العمود الآخر نجد الأفكار الموضوعة لا تعبر عن شيء، كأسطوانة لم تحتفظ بأثر سوى أنغامٍ انفصلت عن أفكارها الأساسية التي بقيت على أسطوانة عالم ثقافي آخر.
وفي هذا الجانب فإن الأفكار الموضوعة تمثل مادة ثقافية: هي أيضاً أكثر غموضاً، وعاجزة عن توفير طرائق عملية فعالة.
فمن ناحية المجتمع الأول يغدو حدْسُنا في سبر الواقع مجرد ومضةٍ؛ لا تلبث أن تختفي قبل أن تجد ترجمتها في مخطط.
ومن ناحية المجتمع الثاني نجد فكرةً تخلط بين الحركة الوجودية التي تأتي في أعقاب حضارة، وبين الجهد الفكري الذي يحدّد نقطة انطلاق حضارة.
وإذا تابعنا المقارنة نجد في جهة العمود الأول الشكل الشخصي والأدبي، وفي جهة العمود الثاني الشكل الموضوعي المزيف والعلمي المزيف.
ثم نجد في العمود الأول مجتمعا مخدراً يفرض عاداته وأفكاره المسبقة وخرافاته كتقاليد أصيلة، وفي المقابل نجد مجتمعاً يريد أن يكون ثورياً، يثور في الواقع ليس على القيم الباطلة بل على القيم الأكثر أصالة.
نجد في جهة الفكرة التي فقدت إشعاعها الاجتماعي، وفي الجهة المقابلة الفكرة ذات الإشعاع القاتل.
في جهةٍ الركود والسكون، وفي الأخرى الديناميّة المزيّفة والفوضى الصارخة.
وهكذا فميزانية ازدواج اللغة؛ حتى منها المبسطة أكثر مما ينبغي لا تقف عند هذا الحد، بل إنها تتعدى إلى إطار الجهود الخلاقة الجادة.
стр. 143
ويبدو أن تعقيداتها لم توفر الأدب العربي. هذا الحقل الخاص الذي تلمع فيه اليوم شهرة أديب (كتوفيق الحكيم) الذي هو في الحقيقة أفضل كاتبٍ روائيٍ عربيٍ معاصر.
ومن المؤلم والمدهش معاً أن نرى مؤلفاً موهوباً مثله يتورط في مواقف لها دلالتها؛ مشيراً إلى أن أفكارنا الأكثر أصالة تخون نماذج ثقافتنا؛ لتساير ثقافةً أجنبية سيئة التجانس.
ومثلاً، ففي إحدى أشهر المقتبسات المسرحيّة نجح توفيق الحكيم في ربط الدراما بمعضلة الصراع بين الحق والقوة.
لكن الشخصية التي طرحت المعضلة ليست عادية. إنها القاضي (العز بن عبد السلام) الذي سيبقى دائماً نموذج القاضي الذي لا يهادن في أداء الواجبات الملقاة على عاتقه.
لكن الشريعة من جهة أخرى لها مصطلحاتها الخاصة، وكل مصطلحٍ له أكثر من معناه اللغوي، إن له شحنةً عاطفية وأخلاقية ارتسمت فيه عبر تاريخ الثقافة.
لذا فإن مفهوم (القانون) خاصة على لسان قاضٍ في منزلة (العز بن عبد السلام) يجب أن يترجم بمصطلح (الشريعة) لتجد وزنها الكامل في المشكلة الأخلاقية.
ومن المدهش أن نرى الشخصية التي مثلت دوره في مسرحية توفيق الحكيم تنطقها (القانون)؛ كما لو كان أي قاضٍ من القضاة، أو أي محامٍ من صغار المحامين بالقاهرة أو الجزائر اليوم.
وهذا المظهر لازدواجية اللغة الذي أدلى بتأثيرات غير متوقعة في التعبير العربي عن أفكارنا ليست أقل مظاهر هذه المشكلة دلالة.
стр. 144
أما فيما يختص بالتعبير عن فكرنا باللغة الأخرى- فإنه يكتسي أحياناً مظهر الجهل الكامل بالثقافة الوطنية؛ إذا لم يكن خيانة لها.
وها هو على سبيل المثال ما يمكن قراءته في أول جملة من كتاب بعنوان: " فن العمارة بالجزائر ": " في الماضي كان يطلق على المهندس المعماري اسم (معلم البناء)، وكان يدعى لبناء القصور والمعابد والكنائس والأبنية الدفاعية ". ونلاحظ بألمٍ أن قائمة المصطلحات المعمارية التي وردت في هذا الكتاب الذي قامت بنشره وزارة الإعلام قد أغلقت عبارة (المسجد)؛ بينما المسجد مصطلحٌ خاص في فن العمارة الإسلامية لا يمكن إغفاله؛ حتى حينما ندرس في فرنسا أو في إنكلترا أو في ألمانيا.
فأقل ما يمكن قوله في هذا المقام: هو أن ازدواج اللغة يمكن أن يتولد عنه نتائج تتعارض كلياً مع الثقافة الوطنية.
стр. 145
الفصل السادس عشر
الأفكار الميِّتة والأفكار الْمُمِيتة
• الأفكار الميتة نتاج إرثنا الاجتماعي تولّد قابلية الاستعمار.
• الأفكار المميتة مستعارة من الغرب تولّد الاستعمار.
• النخبة المسلمة تختار الأفكار المميتة في الثفافة الغربية.
• مقارنة بين المجتمع الإسلامي المعاصر واليابان.
ــ
مر بباريس يوماً أكبر شعراء العصر الحديث عبقرية: فألهمته مدينة الأنوار قصيدةً تغنت ببهائها.
ولم يكن شوقي الخالد يظن أنه حين يترك للأجيال واحدةً من أروع قصائده؛ إنما يعطي ذريعةً سيستغلّها ضدّه بعد وفاته بعضُ هواة الأصولية المتنطّعين.
بالنسبة لهؤلاء الناس؛ الذين يبدون الاهتمام بالأصولية في عالمنا الثقافي ينبغي أن نسدّ منافذ هذا العالم لنحمي أنفسنا من العدوى.
وعلينا أن نراقب في نظرهم، لا بل أن نحبس تنفسنا الفكري وأن نضع في النهاية على أذهاننا أقنعة واقية كيما نتجنّب أية عدوى محتملة.