← Общие книги

Общие книги · id 37588

مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي

مالك بن نبي

Полный текст (180 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

«اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة». بينما كان الصحابة يرددون من ورائه نشيداً تناقلته الأجيال من بعدهم: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا [أخرجه البخاري عن أنس] لقد كانت مراكز استقطاب الطاقة الحيوية تتركز حول مفاهيم جديدةٍ، أفكار جديدة، نماذج مثاليةٍ لعالمٍ ثقافيٍ جديد، كانت تتركز حتى درجة الانفجار، وكانت تنفجر في مواقف مأساوية من نوع جديد. رجل يقبل امرأة، تلك لحظة تتجاوز فيها الطاقة الحيوية حدودها الجديدة، وعلى الفور تنطلق قوى التذكير بالعالم الثقافي الجديد، وتنفجر المأساة في ضمير الرجل الذي ما يلبث أن يفضي بمكنونه إلى الرسول ﷺ ؛والجواب الذي ينهي المأساة قد جاء في هذه الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١/ ١١٤]. ويسأل الرجل النبي: يا رسول الله إلي هذا (يعني هذه الآية) فيجيب الرسول ﷺ : «إنها لجميع أمتي». [أخرجه البخاري عن ابن مسعود]. وفي مرةٍ أخرى تأتي امرأة إلى الرسول ﷺ لتعترف له بأنها اقترفت خطيئة الزنى. ولم تكن لفظة (الزنى) آنذاك مجرد كلمةٍ بسيطة على الشفاه، كما كانت من قبل. بل كان يتركز فيها كل ما يؤرق الضمير من فظاعة وقباحة. وكانت الشريعة قد وضعت لمن يرتكب الزنى أقسى العقوبات: عقوبة الرجم. كانت تلك المرأة تدرك إذن ما تُعَرِّض نفسها له باعترافها ذاك. لكن فعل العقوبة في جسدها بدا لها اخف وطأةً من فعل الخطيئة في ضميرها، فتتجه إلى

стр. 72

الرسول ﷺ ساعيةً ثلاث مرات، ويؤجّل الرسول ﷺ الحكم ثلاث مرات كذلك. أجَّله في المرة الأولى ليعطي المرأة فرصة التفكير، وفي المرة الثانية لكي تضع مولودها، وفي المرة الثالثة حتى تنتهي من إرضاع طفلها. وأخيراً طبق العقوبة التي مافتئت تطالب بها منذ أن ارتكبت خطيئتها. إن الأحداث المأساوية التي كانت تدور حول مراكز الاستقطاب الجديدة، وحول النماذج المثالية للعالم الثقافي الجديد لم تكن تعني أصحاب تلك الأحداث فحسب، بل كانت تشمل في توترها جميع أفراد المجتمع. تلك هي حال المتخلفين، أولئك الذين لم يلحقوا بالمسلمين في غزوة تبوك، كانوا ثلاثة: كعب بن مالك، مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي. وكان كعب هو الذي روى تفاصيل المأساة (١). ويبرز القرآن مقدار التوتر المتفجر في ضمير أولئك الذين عاشوا هذا الحادث ثم يورد لنا الخاتمة في الآية التالية: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ٩/ ١١٨]. لم يكن ذلك اليوم يوم بشرٍ للرجال المتخلفين الثلاثة فحسب، بل كان يوم بشرٍ للأمة بأسرها. وفي هذا الجو المتوتر كانت الأفكار المطبوعة تضع بصماتها المقدسة في جميع الأفكار الموضوعة، وفي جميع المواقف، وفي جميع الأمكنة، فقد كان رسول الله ﷺ يقول: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» [أخرجه البخاري وأصحاب

стр. 73

السن إلا أبا داود] فلم يعد هناك شيء دنيوي. فالقداسة أضحت في كل شيء. وأضفت القداسة مسحتها على العالم كله. لذا يمكن لنا أن نفهم في هذا العالم المقدس ثقل الذنب مهما صغر. فقد كانت الأخطاء الصغيرة تأكل من أسطوانة عالم الثقافة. وكان كل فرد ينتصب لكل تحريف في اللحن ينبعث من المكان المتآكل، ففي تلك اللحظات المباركة هنالك في كل فرد حساسية الأذن الموسيقية عند موقع النشاز في الأسطوانة. وعندما تخبو تلك الحساسية الأخلاقية والجمالية؛ فإن مقدار فنائها يدل على مقدار عدم تماسك عالم الأفكار وعلى انحطاط اجتماعي بصفة عامة. ويستمر هذا الانحطاط إلى اللحظة التي يقف فيها لحن الأفكار، وتتلف الأسطوانة وتَمَّحي في نفس كل فرد، ويصبح الصمت تاماً، وتزول ردَّات الفعل الحماسية للألحان السامية وردات الفعل الرافضة للأصوات النشاز. وعندما تنمحي النماذج المثالية: حينئذ لا تسمع أبداً لهجة الروح في تناغم اللحن. فالأفكار الموضوعة، حين لا يعود لها جذور في الغلاف الثقافي الأساسي، تصمت هي بدورها: إذ لم تعد لديها ما تعبر عنه، ثم لأنها لم تعد تستطيع أن تعبر عن شيء. والمجتمع الذي يصل إلى هذه الدرجة يتفتت لأنه لم تعد لديه دوافع مشتركة؛ كما هو الشأن في الجرائر بعد الثورة؛ وكما هو الشأن في أوربة الآن حيث الفرد ينتحر أو ينطوي على ذاته. إنها لحظة الأفكار الميتة وبعد أن عاش المجتمع الإسلامي اللحظة المجيدة عند ولادة حضارته؛ لحظة (أرخميدس) لأفكار هـ المطبوعة في عصر الرسول، أو الخلفاء الراشدين، وأفكار هـ الموضوعة في الفترات المضيئة لدمشق وبغداد، فإن المجتمع الإسلامي يعيش فترة الصمت، إنه صمت الأفكار الميتة.

стр. 74

فالحاج الذي ينزل ميناء جدة يُسَرُّ حينما يفاجأ بقراءة إعلان معلق على أحد الأبواب مكتوبٌ عليه: هيئة الأمر بالمعروف، ثم عندما يتقدم خطوة في البلد، يبدأ في اكتشاف حقيقةٍ يبدو إزاءها الإعلان مجرد سخرية: إنه فكرة ميتة. لكن الأمر الأدهى عندما نبدأ إحياء عالم الثقافة المحشو بالأفكار الميتة بأفكار ٍ قاتلةٍ مستوردةٍ من حضارةٍ أخرى. فهذه الأفكار التي أضحت قاتلة في محيطها؛ تصبح أكثر فتكاً حينما نستأصلها من ذلك المحيط؛ لأنها تترك بصفة عامة مع جذورها التي لا يمكن نقلها ترياقاً يتأقلم به ضررها في وسطها الأصلي. وفي شروط كهذه يقتبس المجتمع الإسلامي المعاصر أفكار هـ الحديثة (التقدمية) من الحضارة الغربية. هذه هي النتيجة الطبيعية لاطراد تَحَدَّدَ في لب المجتمع الإسلامي بجدلية الأشياء والأشخاص والأفكار التي صنعت تاريخه. غير أن الذي لم يكن طبيعياً هو جمود المجتمع الإسلامي وخموله في هذه المرحلة من التطور، وكأنه يريد أن يبقى فيها أبد الدهر. في حين أن مجتمعاتٍ أخرى؛ كاليابان، والصين، بدأت من النقطة نفسها، لكنها نزعت عنها ثوب الجمود وهي تفرض على نفسها ظروفاً ديناميكية جديدة، ونظرية جدليةً تاريخيةً جديدة. فالمجتمع الإسلامي يدفع اليوم ضريبة خيانته لنماذجه الأساسية. فالأفكار - حتى تلك التي نستوردها- ترتد على من يخونها وتنتقم منه. إنها اللحظة المؤلمة حيث المسلم منشطرٌ إلى شخصين: المسلم الذي يتمم واجباته الدينية ويصلي في المسجد، ثم المسلم العملي الذي يخرج من المسجد ليغرق في عالمٍ آخر.

стр. 75

الفصل الثامن جدليّة العالم الثقافي • حركية العالم الثقافي. • العلاقات الداخلية في العالم الثقافي بين: الأشياء، والأشخاص، والأفكار. • أسباب ومعوّقات (إقلاع) المجتمع الإسلامي. ــ إنّ عالم الثقافة ليس عالماً ساكناً. إنّ له حياته. وله تاريخه الذي نستطيع أن نفسِّره انطلاقاً من فكر هيجل، الذي يقرر بأن هنالك صيرورة لعالم الفلسفة وصيرورة فلسفيةً للعالم. أو انطلاقاً من المبدأ الماركسي: إنَّ كل تعديل في البنية التحتية يرتب تعديلات في البنية الفوقية. هنا فالمشكلة تطرح من وجهة النظر العملية. وبشكل عامٍ فإن خصائص العمل على الصعيد الفرديّ أو الجماعيِّ تستند على العلاقات الداخلية بين مقاييسه الثابتة في العالم الثقافي: الأشياء- الأشخاص- الأفكار. هذه المقاييس الثابتة تتداخل في نشاط المجتمع عبر جدلية تاريخية تتوافق مع مرحلته التاريخية في كل لحظة من مسيرته. وتتوافق في كل لحظةٍ فيها علاقة معينةٌ؛ بين الأشياء والأشخاص والأفكار في تركيب العمل، وتكون هذه اللحظات من اللحظات العادية في تلك الجدلية. إلا أن هنالك لحظات تحدّد علاقة أكثر خصوصية، يزيد فيها ثقل أحد هذه المقاييس على المقاييس الأخرى؛ عندما يكون النشاط مركزاً على الأشياء أو على الأشخاص أو على الأفكار بصورة أكثر خصوصية.

стр. 76

هنا يكون ثمة إخلال بالتوازن يميز هذه اللحظة الخاصة من التطور التاريخي لمجتمع ما، إنها مرحلة غير طبيعية في جدلية عالمه الثقافي. هذا الإخلال بالتوازن يعكس إفراطاً ما، وكلُّ إفراطٍ هو ضربٌ من طغيان نشاطٍ على حساب نشاطات أخرى. والحدودُ الفاصلة بين هذه المراحل من عدم التوازن ليست واضحة تماماً. وظاهرة هذا التداخل لا تسمح بتحديد حاسم يشير بصورة مؤكدة إلى اللحظة التي فيها يمرُّ مجتمعٌ من منطقة إفراط ما إلى منطقة أخرى. لكن المجتمع الإسلامي المعاصر يُكَوِّن حقل دراسةٍ يقدم ملاحظاتٍ قيمةً لعالم الاجتماع المهتم بهذه القضايا. وقيمة هذه الملاحظات لا تبرز فحسب في مستوى الفحص السريري، فالمسلم الذي يعكف على دراسة الأمراض الاجتماعية في الدول الإسلامية لا يكشف عن أمراضها لمجرد كونه مهتماً بمعرفتتها، أو بالتعريف بها، بل إنه يتمنى على العكس أن تأخذ النتائج القليلة التي يستخرجها سبيلها إلى الذين بأيديهم وسائل المعالجة في تلك البلاد، إلى قادة السياسة وقادة الثقافة. فالمجتع الإسلاميّ قد أدرك منذ قرنٍ نهاية أشواط حضارته. وهو اليوم من جديد في مرحلة ما قبل الحضارة. ومنذ قرن تقريباً يحاول أن يتحرك من جديد لكن إقلاعه يبدو صعباً بالمقارنة مع مجتمعٍ (معاصر) كاليابان، أو مجتمع جاء إقلاعه متأخراً عنه؛ كالصين الشعبية. وهذه الصعوبات قد فُسِّرت بطريقتين مختلفتين: بالنسبة لأنصار الموضوعة الاستعمارية فإنّ عامل التأخر عن الإقلاع هو الإسلام. وبالنسبة لأنصار الموضوعة القوميّة فإن الاستعمار هو المسؤول عن ذلك.

стр. 77

وفي كلا التفسيرين عيبٌ أساسي لغموض في أساسه. فالأولون إذ يضعون كل شيء على ظهر الإسلام؛ يريدون أن ينسوا أن الاستعمار مسؤول عن النصيب الأكبر من الفوضى الحالية للمجتمع الإسلامي. والآخرون الذين يُحمِّلون الاستعمار كل شيءٍ؛ يريدون أن يطمسوا (ديماغوجيَّتهم) التي لا تخفّف شيئاً من حدة المشكلة، بل إنها على العكس تزيدها. الأولون يتناسون الواقع التاريخي بتجاهلهم الدور الذي قام به الإسلام في إحدى أعظم حضارات الإنسانية. والآخرون يجهلون أو يتجاهلون أن الدول الإسلامية الأكثر تخلفاً هي بالتحديد الدول التي لم تواجه تحدي المستعمر (كاليمن مثلاً). ينبغي أن نتناول المشكلة دون مواقف متميّزة لا تجدي فتيلاً، خصوصاً إذا كان الباحث مسلماً يحاول أن يفهم الأسباب الاجتماعية للفوضى التي تعم العالم الإسلامي اليوم. ففي الفصل القادم سنرى أن كل مجتمع مضطرٌ لأن يواجه اتجاهاتٍ من عدم التوازن. فهذا أمرٌ يلازم كل تطورٍ تاريخيٍ. والمجتمع الإسلامي يعاني في الوقت الحاضر بصورة خاصة من هذه الاتجاهات لأنّ (نهضته) لم يخطط لها، ولم يفكر بها بطريقةٍ تأخذ باعتبارها عوامل التبديد والتعويق. فمثقفو المجتمع الإسلامي لم يُنشئوا في ثقافتهم جهازاً للتحليل والنقد إلا ما كان ذا اتجاه تمجيدي يهدف إلى إعلاء قيمة الإسلام.

стр. 78

أما القادة السياسيون فإنهم لم يؤمنوا بضرورة إنشاء مثل هذا الجهاز ليراقبوا مسيرة العمل في بلادهم. هكذا أضحى عمله التاريخي منذ قرن خارج مقاييس الفعالية، وأضحى تنفيذه في ظل فوضى الأفكار. وإذا وجد هذا العمل نفسه مصطدماً بصعوباتٍ، وإهدارٍ للوقت، وتبديد للوسائل وانحرافاتٍ؛ فذلك ناتجٌ عن عدم التماسك في الأفكار، وطغيانِ الأشياء أو طغيانِ الأشخاص. لقد تناولنا الجانب الأول؛ جانبَ عدم تماسك عالم الأفكار سابقاً، وسنعود إليه ثانيةً لأنه مفتاح هذه الدراسة، ونخصص هذا الفصل لدراسة الجانبين الآخرين في مرحلة العالم الإسلامي الحاضر؛ فهذا العالم يواجه طغيان الأشياء على أصعدةٍ مختلفةٍ. أ - فعلى الصعيد النفسي والأخلاقي عندما يتمحور عالم الثقافة حول الأشياء تحتل الأشياء القمة في سلم القيم، وتتحول- خلسة- الأحكام النوعية إلى أحكام كلية دون أن يشعر أصحاب تلك الأحكام بانزلاقهم نحو (الشيئيّة)؛ أي نحو تقويم الأمور بسلم الأشياء. فالموظف يعتمد في تحديد رتبته في الترتيب الإداري بعدد الأجهزة التي يستعملها أو لا يستعملها، ففي مكتبٍ واحدٍ لموظف كبير أحصيت أربعة تلفونات أمامه، وخمسة أجهزة تكييف من حوله. وفي العاصمة العربية نفسها كان يسلم عليَّ شابٌ مثقفٌ؛ وكان ابن شخصيةٍ ذات مقام معنويٍّ رفيعٍ، لكنه توقف عن تحيتي منذ اليوم الذي رآني فيه على رصيف محطةٍ نازلاً من عربة الدرجة الثالثة. إن (الشيئية) تجرُّ إلى هفواتٍ كثيرة ذات مغزى، وخاصةً في مجال الأدب السياسي.

стр. 79

ففي كلمة تأييد لإحدى البلاد تقرأ عبارة (الحكومة وشعبها). لقد عُكِست علاقة الملكية: فبدلاً من أن يكون للشعب حكومة أصبح للحكومة شعبٌ، وأضحى المالك مملوكاً. بيد أن هذه الهفوة من أعراض انعكاس سلم القيم. ب - وعلى الصعيد الاجتماعي نتصدى للمشكلات في جانبها الكمي، والحلول التي تهمل الجانب النوعي تصاغ بعباراتٍ كميةٍ. ففي إدارةٍ (ثورية) تم تجهيز مركزها بعددٍ كبير من المكاتب الفخمة التي لم تعرف أبداً أين تضعها، لقد رأيت عدداً منها لا بأس به مكدساً بعضها فوق بعضٍ في أحد الأفنية، ومن حسن حظها أن السماء لا تمطر كثيراً في ذلك البلد، لكن الشمس تستطيع أن تتلف الخشب لأنه كان جبلاً من المكاتب الخشبية. كذلك أراد أحد مراكز الاستشفاء أن يزود باحة مؤسسته بالسيارات؛ فجلب عدداً كبيراً منها رأيتها واقفة على عجلاتها، وهي جديدة لم تستعمل بعد. وبعضهم شرح لي بأنها متوقفة في هذا المكان منذ عامين. فللشيئية نتائج على الصعيد الاجتماعي، إنه التطور القصوري ( entropique) أي استلاب سلطة المجتمع وتبديد وسائله. إن النزعة الكمية والشيئية تولدان مظاهر اجتماعية غير متوقعة؛ فعلى باب إدارةٍ كان موظفٌ يراقب الداخلين ويسجل أسماءهم، وإذا ما عدت في اليوم التالي ترى أن التسجيل والموظف الذي يتولاه غير موجودين وهكذا تدخل. فالوظيفة قد ذهبت مع الموظف.

стр. 80

جـ - على الصعيد الفكري هناك أيضاً أعراض مميزة لطغيان الأشياء. فلا يُسأل الكاتب الذي أنهى كتاباً أي بحث قد عالج وكيف عالجه. إنه يُسأل عن عدد الصفحات، وأحياناً يقع المؤلف نفسُه فريسة الشيئية. فهناك مثقفٌ جزائري أخبرني يوماً أنه أنهى كتاباً يقع في كذا صفحة. د - على الصعيد السياسي تستلب الشيئية وطغيان الأشياء قدرات المجتمع في ميادين أخرى؛ خصوصاً ميدان التخطيط عندما يواجه بلدٌ ما مشكلة التخلّف، إما باستثمار رؤوس أموالٍ أجنبيةٍ، أو بزيادة معدل الضرائب التي تشلّ كل أوجه النشاط الفردي بأن تمهّد لقيام نظامٍ ضريبي تفصيليّ. ولكن في المرحلة الحاليّة للمجتمع الإسلامي تشهد تداخلاً بين طغيان الأشياء وطغيان الأشخاص، ويترتب على طغيان الأشخاص نتائج ضارة على الصعيدين، الأخلاقي والسياسي خاصة. ١ - على الصعيد الأخلاقي: عندما يتجسد المثل الأعلى في شخصٍ ما، هناك خطرٌ مزدوج: فسائر أخطاء الشخص ينعكس ضررُها على المجتمع الذي جسّد في شخصه مثله الأعلى. وسائر انحرافات ذلك الشخص تترصد كذلك في خسائر، وتكون هذه الخسارة إما في رفض للمثال الأعلى الذي سقط، وإما في ردّةٍ حقيقية يعتقد عبرها بإمكانية التعويض عن الإحباط باعتناق مثلٍ أعلى آخر. وفي كلا الحالتين فنحن نستبدل دون أن ندري مشكلة الأشخاص بمشكلة الأفكار. وقد سبب هذا الاستبدال كثيراً من الضرر بالأفكار الإسلامية المتجسدة بأشخاصٍ ليسوا أهلاً لحلها. فمن ذا الذي يستطيع أن يجسد الأفكار دون أن يعرض المجتمع للخطر؟.

стр. 81

إن خطر التجسيد قد وضعه القرآن صراحة في الوعي الإسلامي بقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٤٤]. هذا التحذير ليس موجهاً هنا لتفادي خطأٍ أو انحرافٍ مستحيل من الرسول ﷺ ، ولكنه من أجل الإشارة إلى خطر تجسيد الأفكار بحدِّ ذاته. ٢ - على الصعيد السياسي: بالإمكان أن تحصي في بلدٍ إسلامي واحدٍ عدداً لا بأس به من الكوراث التي كان ممكناً تجنب وقوعها لو لم تُستلب أفكار - دافعة بفعل تجسيدها. وواحدة من أكثر الأفكار - الدافعة عظمةً والتي ارتعد لها الاستعمار في الجزائر هي فكرة (المؤتمر الإسلامي الجزائري) الذي أقيم سنة (١٩٣٦). لقد أريد أن تتجسد هذه الفكرة في أحد المثقفين السياسيين؛ فماتت الفكرة بعد مرور شهرٍ واحد؛ لأن ذلك المثقف لم يكن أهلاً بالحد الذي يجعل منه سنداً لها. والجزائر ليست البلد المسلم الوحيد الذي دفع غالياً ثمن تجسيد الأفكار. إن عبادة (الرجل السماوي) كعبادة (الشيء الوحيد) منتشرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي المعاصر، وتكون أحياناً سبب ما نشهده من حالات إفلاس سياسيٍّ مذهلة. وإذا نظرنا إلى الأمور من زاوية الصراع الفكري فإننا نشعر من هذا الجانب أن الاستعمار يستطيع استغلال هذا الاتجاه المرضي لتجسيد أفكار نا خصوصاً في الإطار السياسي. ويمنعنا هذا الاتجاه أحياناً من استخراج العبر من الفشل، وذلك بتجسيد

стр. 82

أسباب الفشل فوراً في شخصٍ يكون (رجل نحس)؛ بدلاً من التفكير ملياً وجدياً بالدروس التي نستخرجها منها. فمثلاً عندما وقع الانفصال بين سورية ومصر عام (١٩٦١)؛ والذي سجل فشلاً أليماً لفكرة الوحدة العربية استمعت إلى راديو دمشق وراديو القاهرة لمعرفة التفسير الذي سيعطى لذلك الحادث المؤسف، وعلى الأخص استمعت إلى راديو القاهرة الذي كان يعزو الحديث إلى رجل نحسٍ، إلى مدبّر الانقلاب، الضابط السوري (الكزبري)، وذلك بدلاً من البحث عن الأسباب الحقيقية للانفصال في عالنا الثقافي؛ بطريقة أعمق وأكثر فائدةً للأمة العربية. وفي حين كان واضحاً أن الانقلاب سيقع بالكزبري أو بدونه؛ لأنه لم يكن يتوفر في عالمنا الثقافي فكرة مضادةٌ له، بل على العكس من ذلك، كانت هنالك العوامل المشجعة جميعها. (فالرجل السماوي)، أو (الرجل النحس): هما اللذان يُستَغَلاَّن بصفةٍ دائمةٍ، ويُزجَّان حتى دون علمهما من أجل إجهاض بعض الأفكار. إن تناقض الفكرة والوثن قد ضمن بصفةٍ عامةٍ للاستعمار نجاحه الباهر في الإجهاض السياسي في بلادنا؛ مستخدماً غالباً مثقفينا أنفسهم. إن أقلّ الناس اقتناعاً بالقيمة الاجتماعية للأفكار: هو في الغالب المثقف المسلم، وهذا يفسر لماذا فضَّل عددٌ لا بأس به من المثقفين في الجزائر منذ ثلاثين عاماً الدوران في فلك بعض الأوثان، بدلاً من أن يكرسوا أنفسهم لخدمة بعض الأفكار. ولابد، في النهاية أن نذكر في هذا الفصل نوعاً آخر من الطغيان: طغيان الأفكار؛ (إنه مرض نخبة المجتمع).

стр. 83

ففي مجتمع متحضر تبدو اللحظة التي فيها يبدأ المثقف تكيفه مع الحياة الاجتماعية؛ أي عندما يفقد إيمانه بدوافعها؛ عندئذ ينطلق في البحث عن دوافع جديدة في كهوف أقبية (سان جرمان) في سهوب (نيبال) الممتدة على سفح همالايا، أو إنه يُكرس طاقته الحيوية لإقامة المتاريس؛ كما حدث في باريس عام ١٩٦٨ دون أن يعلم بوضوح هدف انطلاقه هذا. أما في البلاد المتخلفة؛ فإنه ليس العجز عن التكيف وعدم الارتباط بعالم الأفكار المخذولة الذي يأخذ أشكال الطغيان، بل إنه عدم التكيّف نفسه. إنها الأفكار المكتسبة عبر الكتب التي تولّد الطغيان في مواقف تكون أحياناً (كاريكاتورية)، ففي إحدى المحاضرات عن تركيب الأدوية أجهد الأستاذ نفسه في وصف إحدى النباتات. وبدلاً من أن يمد يده ويقطفها من فناء الكلية ليقدمها إلى طلابه، كان يبحث عن شكلها في الكتاب أثناء محاضرته؛ بينما هي تحت نافذة قاعة التدريس.

стр. 84

الفصل التاسع جدليّة الفكرة والشيء • الصراع بين الفكرة والشيء. • فقدان التوازن في هذا الصراع: - طغيان الشيء في المجتمات المعاصرة. - ندرته في البلاد النامية والكلف به. - وفرته في البلاد المتقدمة ووساوسها نحوه تؤديان إلى مواجهة الشيئية بحالةٍ نفسيّةٍ واحدة. ــ إنّ للعالم الثقافي بنيةً (ديناميكية) تتوافق مظاهرها المتتالية مع علاقات متغيرة بين العناصر الثلاثة الحركيّة: الأشياء- والأشخاص- والأفكار. لقد حاولنا أن نثبت في فصلٍ سابق لحظات الأزمة في مجتمع ما؛ حينما يكون في عالمه الثقافي انقطاعٌ لحبل التوازن لصالح طغيان عنصرٍ من العناصر الثلاثة. أما اللحظات الأخرى: فهي فواصل زمنيةٌ تتحدد بالاتجاهات التي تتوافق مع عمر المجتمع ومرحلة حضارته. والفاصل الزمني: هو صراع بين العناصر الثلاثة في قلب العالم الثقافي. أما الأزمة فهي نهاية هذا الصراع عند انتصار واحدٍ من الأبطال المتصارعين وظهور طاغية يستولي على السلطة في قلب العالم الثقافي.

стр. 85

وهنا فإننا سنحاول عزل الفواصل في صراع الفكرة والشيء وذلك لمعناه الاجتماعي الخاص. هذه العلاقة لا تجد تعبيرها فحسب في المجتمع الإسلامي الذي يواجه في هذه الآونة (الشيئية) وسائر نتائجها النفسية والاجتماعية، بل يمكن اعتبارها أيضاً بالنسبة للمجتمع المتحضر وسيلة تحليل لوضعه الحاضر؛ من وجهة النظر النفسية الاجتماعية. فكل فكرةٍ جاهزةٍ في أوربة وتتمحور بقليلٍ أو كثيرٍ حول موضوعنا تستطيع أن تثيرنا، وهي تثيرنا بالرغم من تناقضاتها أحياناً. فالمشكلة في الواقع ذات وجهٍ مزدوج. ففي بلدٍ متخلفٍ يفرض الشيء طغيانه بسبب ندرته، تنشأ فيه عقد الكبت والميل نحو التكديس الذي يصبح في الإطار الاقتصادي إسرافاً محضاً. أما في البلد المتقدم وطبقاً لدرجة تقدمه: فإن الشيء يسيطر بسبب وفرته وينتج نوعاً من الإشباع. إنه يفرض حينئذ شعوراً لايحبهل من السأم البادي من رتابة ما يرى حوله فيولد ميلاً نحو الهروب، ذلك الهروب إلى الأمام الذي يدفع الإنسان المتحضر دائماً إلما تغيير إطار الحياة والموضة، أو يدفعه إلى الذهاب ليستنشق الهواء في مكانٍ آخر. إن نظام الإجازات المدفوعة ليس سوى ثمن هذا المركز الذي تحتله الأشياء؟ إنه الدواء المسكِّن لداء عدم الاستقرار الذي يقود المجتمع الاستهلاكي. إن المجتمع المعدم يتفاعل مع الكلف بعالم الأشياء الذي لا يملكه، أما المجتمع المليء فإنه يتفاعل مع وساوس هذا العالم.

стр. 86

ولكن مع هذين الانفعالين فإن المجتمعين كليهما يواجهان الداء ذاته، فطغيان الشيء يختلف الشعور به، ولكن النتائج النفسية المنطقية واحدة. فالشيء يطرد الفكرة من موطنها حين يطردها من وعي الشبعان والجائع معاً. هذه النتائج في المجتمع الإسلامي تأخذ أحياناً أشكالاً تدعو للسخرية؛ حينما يحل الشيء محل الفكرة بطريقةٍ ساذجةٍ لينشىء حلولاً مزيفة لمشكلاتٍ حيوية. ونلاحظ ذلك في المراتب العليا للدول المستقلة حديثاً؛ حتى في مستوى التعليم العالي الذي يفترض فيه تحديد الاتجاه العام لمثقفيها. وأسوق هنا هذه المذكرات المقتبسة من وثيقةٍ تتعلق بإدارة معهد طب الأسنان بالجزائر وتعود إلى عام ١٩٦٥ وأثبت النص بحرفيته: ((إن أحد الدلائل المعبرة عن الوضع الحالي لمعهد طب الأسنان، هو الحال التي يوجد عليها القسم الأكبر من اللوازم التقنية. في الواقع إن ٥٧ وحدةً علاجية من أصل ٦٠ وحدةً معطلةٌ في الوقت الحاضر (١٩٦٥)، وهذا يعني من منظار الميزانية أن حوالي (٣٠٠) مليون فرنك فرنسي قديم مجمدةٌ في استثمارٍ عقيم. ولا بد أن نضيف بأن اختيار تلك اللوازم من حيث المبدأ كان سيِّئاً. لأنه لا يجوز أن يسلم إلى الطالب المبتدئ جهازً مخصص لعيادة جراح الأسنان، ففي مدارس طب الأسنان في البلاد المتقدمة يتم التعليم بأدواتٍ زهيدة الثمن وعلى كراسٍ عادية بالأخص. والجدير بالملاحظة علاوةً على ذلك أنه في الوقت الذي تتوفر فيه (في معهد طب الأسنان هذا) كميةٌ كبيرة من اللوازم الثابتة الباهظة الثمن من غير أن تكون ضروريةً هناك نقصٌ في الأدوات الصغيرة التي لا غنى عنها للطبيب وخاصة للمبتدئ)).

стр. 87

هذا لدرجة أن المعهد يبدو في النهاية وكأنه منصةٌ لعرض معدات الأسنان، وليس ورشة عملٍ أو مختبراً للتعليم. والتعليم في الواقع يصبح طبقاً لذلك دون أية صفة علمية؛ إذ سيقتصر على تخريج مجرد قالعي أضراس وليس أطباء جراحين. ومثلاً نرى أستاذاً في طب الأسنان يكلف بإعطاء دروس في الأمراض البولية، وأما أوقات التدريس فهي فوضوية لدرجة أن الأستاذ يختار أي توقيت وأية مجموعة تلاميذ ليعطيها درسه. ونتيجة لذلك في نهاية العام الدراسي: أن الأستاذ الشريف الذي يغوص في هذه الفوضى لا يعرف كيف يقدر علامات الطالب. إن هذه الوثيقة الإدارية البسيطة تدل على افتقاد توازن يؤثر على علاقة (الفكرة بالشيء)؛ حتى على الصعيد الجامعي في بلدٍ من البلدان المتخلفة. وهذا خللٌ صارخٌ تظهر آثاره السلبية على الصعيدين الاقتصادي والتربوي على حدٍ سواء. ومن الممكن مراقبة تلك الآثار وحسابها على يد هيئةٍ إداريةٍ حريصة على حسن إدارتها. إن الحالة التي اخترناها تمثل خللاً في العلاقة على حساب الفكرة تصل إلى درجة (الشيئية) الصرفة: أي إلى درجة المادية الأولية عند الأطفال. أما في مجتع متقدم فإنه يمكن لطغيان الشيء أن يتخفى خلف مظاهر أكثر خداعاً. وهذا الاختلال يبدو في مستوى ثقافيٍّ أعلى. وآثاره الكامنة فيه علاماتٌ لا تكاد تدرك وهي تنبئ عن أزماتٍ مستقبلية إيديولوجية؛ وحتى سياسية حينما نقرؤها في ثنايا بعض الأحداث الجارية. ولا بد لهذه العلامات من أن تلفت انتباه المراقبين في المجتع الرأسمالي وفي المجتمع السوفياتي على حدّ سواء، فمنذ عشر سنوات قام أحد المراقبين بإجراء تحقيق

стр. 88

في فرنسا تحت عنوان (دراسة اجتماعية لفشل) (١) موضوعها أسباب إخفاق الاشتراكية في إنكلترة، ومما لاحظه: أن البلد الأوروبي الذي يحصي العدد الأكبر من الأجراء لم يعط أكثر من ٥٠% من الأصوات لحزبه الاشتراكي؛ لأن الأهداف التي كان هذا الحزب يعد الأجراء بتحقيقها قد أمَّنَها لهم المحافظون. وعندما يحيط (أدغار مورين) بالظاهرة في المجال السياسي: لا يقدم تفسيراً للتطور النفسي الذي غرس في وعي العامل الإنكليزي- ومن دون أن يشعر- تنكرًا للفكرة الاشتراكية: التي قادت معركته في العصر البطولي لصالح المكاسب (المادية) التي وعدت بها. هذا هو الأمر الجوهري من وجهة النظر النفسية: إنها (الأشياء) التي تحدد في النتيجة التصويت للمحافظين، أو تقر ميزان الأصوات لصالح الاشتراكيين. إن المرور العابر على هذه النقطة الجوهرية دون التوقف عندها قد قاد (أدغارمورين) إلى علاجٍ خطيرٍ وهو لا يخلو على الأقل من الجرأة وهو: علاج الداء بالداء دون التأكد مما إذا كان المرض سيقضي على المريض أو العكس. والواقع أنه في بادئ الأمر يذكر الفراغ المروع، والوحدة، واليأس التي تستبطنها حضارة الرفاهية ... ، ويدرك بوضوحٍ كبيرٍ نتيجة ذلك؛ فيضيف قائلاً: ومع ذلك سيظهر في المجتمعات المتقدمة؛ إذا ما واصلت سباقها نحو الرخاء لا معقولية الوجود العقلاني، وهزال حياةٍ تفقد كل رابط حقيقي مع الآخرين، وتفتقر للإنجازات الخلاقة، وتحصد الحرمان في عالم الأشياء والظاهر .. وتستحوذ عليها أزمة العنف عند الشباب، وتُبَرِّحُها آلام الوجودية عند المفكرين.

стр. 89

يا لها من نبوءة صادقةٍ؛ فهذا الكلام هو وصفٌ دقيق لأحداث مايو/ أيار (١٩٦٨) ولهيجان الشباب الذي رافقها، قد صدر عن (مورين) قبل عشر سنوات من هذه الأحداث. إنها نظرةٌ تشخيصيةٌ دقيقةٌ. لكن (أدغار مورين) يستخلص منها علاجاً يتسم بالمخاطرة، أو هو على الأقل غير كامل؛ حينما يحدد له نتيجة وحيدة هي قوله: ((يجب أن نعيش حضارة الرفاهية في العمق، وهذه يجب أن تتحقق في حضارة الوفرة لكي تنشئ نقدها الذاتي وأبعادها المستقبلية الخاصة بها)). إن هذه الخاتمة البركانية تنطوي على شيء من التناقض. فحينما يوصي (مورين) بأن يترك الداء حتى يصل إلى منتهاه فينتج بنفسه دواءه؛ فذلك يعني أنه في تشخيصه لم يأخذ باعتباره أي علاجٍ له. وفي هذه الحالة قد يأتي (النقد الذاتي) - كما حدث في باريس (١٩٦٨) - في شكل معارضةٍ لا تبتغي الإصلاح، بل ترسخ فوضى لا هدف لها سوى الفوضى، معارضة لا تكون تحريراً وعتقاً من عبودية الأشياء وإنما تفجيراً للأفكار في المدينة. وقبل أن يكون الداء اجتماعياً هو داءٌ نفسيٌ، وهو لا يكن في درجة إشباع مجتمع لأنه يستهلك؛ ولكنه يكن في اتجاه علاقة الفكرة بالشيء في وعيه، ذلك الاتجاه الذي يستطيع أن يتحول نحو الفكرة أو نحو الشيء. إن اختلال توازن هذه العلاقة لصالح الشيء: هو الذي ولّد الاضطراب الذي لا يقتصر على نطاق الدول التقدمة؛ وخاصةً منها المشبعة بالأشياء، بل يمتد أيضاً إلى البلاد الأقل (استهلاكاً) كالاتحاد السوفياتي. إننا نعلم شيئاً، من ذلك عبر المناقشة المفتوحة والتي جرت على صفحات

стр. 90

(البرافدا) قبل تحقيقات (أدغار مو ران) بوقتٍ قصير، حول (العالم الروحي لإنسان اليوم)، فقد نشر تنظيم الشباب السوفياتي في عام (١٩٥٩) رسائل الشباب- وقد لا تكون الرسائل كلها- الذين اشتركوا في المناقشة. ونستطيع أن نشير إلى اثنتين منهما تعطيان صورةً أخاذةً عن الاضطراب في صفوف المثقفين السوفيات. ووفق تعبير مهندس:، (فإن مجتعاً يحتوي عديداً من المهندسين الذين يكرسون أنفسهم كليةً لعملهم، والقليل من الأشخاص الذين ينتشرون بحثاً عن ثقافةٍ عامة، إن مجتمعاً هذا شأنه سيصبح أشد قوةً من ذلك المجتمع الذي يكثر فيه عدد الباحثين في العلوم الإنسانية ويقل فيه عدد التقنيين)). وفي رسالةٍ أخرى ويبدو أنها جوالاً على ما سبق يكتب طالب فلسفة: ((إذا كان الناس يعيشون فقط ليأكلوا وإذن فإن بلاداً توفر الحاجات وهي متقدمة تقنياً، كالسويد، يمكن أن تكون مثلاً يحتذى. أما إذا كان الهدف الأساسي لكل مجتعٍ توفير أكبر عددٍ من الناس الذين ينصرفون كلياً لمهنتهم؛ حينئذ يصبح مثلنا الأعلى أميركا)). هذه هي إذن القضية ( Thèse) ونقيضها ( Antithèse) في بلاد الحزب الواحد، والإيديولجية الآحادية، حيث إن فقدان التوازن في علاقة الفكرة بالشيء بدأ يوحي بشعورٍ مضادٍ لا يصبّ في صالح الإيديولوجية الماركسية؛ ولكن لصالح فكرة لا تكون متورطةً في نظام (الأشياء) الحاضر. ويقع طالب الفلسفة على حدود الإيديولوجية الماركسية في بحثه عن شيءٍ من التوفيق لم يتحدد بعد في عالم ثقافي آخر. هذه لحظةٌ حرجةٌ في الثقافة السوفياتية، لحظة نفسية يبدأ فيها طغيان الشيء يداخل الشعور ويستهوي لصالحه روابط الإنسان بالمقدس.

стр. 91

إن الشيء هو الذي يصبح مقدساً في وجهة النظر التي عبر عنها المهندس. والجدير بالذكر أن هذا المهندس لا يقتبس حجته في طرحه لموضوعته من عالم الأفكار بل من عالم الأشياء التي تصنع ((المجتمع الأكثر قوة)). ومن ناحيةٍ أخرى لابد أن نشير إلى: أن طالب الفلسفة لا يفصل في القضية باسم فكرة ماركسية تؤمِّن شروط الرخاء وقوة المجتمع؛ كما فعل أخوه الأكبر منه ببضع عشرة سنةً. فنحن نراه متردداً، يضع قدميه في السويد مرةً، ومرة في أمريكا؛ من أجل أن يثبت في النهاية ماذا؟ ليس سوى الفراغ الروحي الذي ران على عالم الإنتاج، والذي تشتد وطأته على ضميره. إنه لا يستعمل في الحقيقة تعابير مورطة في بلاد المادية الجدلية. ولكن ينبغي أن نعيد وضع تعابيره في إطار البحث في (العالم الروحي المعاصر) وأن نثق بحس الملاءمة عند الذين قاموا بهذا التحقيق. وفي هذا الإطار، فإن فلسفة المهندس هي فلسفة الرجل الذي تسيطر عليه عبادة القوة. إنه ينتمي إلى عالم ثقافي تتخذ فيه الأشياء التي تحقق القوة طابعاً قدسياً. في حين أن طالب الفلسفة هو الإنسان المختنق بهذا الإطار. وواضح أن رسالته حملت في تضاعيفها رداً على الرسالة الأولى. إنها محاولةٌ للتملص من طغيان الأشياء؛ ليعود إليه التوازن في العلاقة بين الفكرة والشيء لصالح فكرةٍ لم يفصح عنها، أو هو لم يكتشفها بعد. إنها البحث عن فردوس لم يجده بعد، أو ربما عن فردوس فقده. إن المجتمع السوفياتي لم يعد يجد في داخله بعض الألحان المطبوعة: التي كان قد استلهمها من

стр. 92

اللحظات الكبيرة التي حققت بناءه في عصر (لينين) أو (ستالين)، وتلك الاندفاعة التي ساندته في (ستالينغراد). فبعد أن عبر جسر منتصف القرن، دخل المرحلة الثانية من التحصر، ووصل إلى العتبة التي تصبح فيها الألحان الأساسية غير مقروءة من على أسطوانة عالمه الثقافي الأصيل. ولقد رأى على هذه العتبة صراع الفكرة والشيء، حيث فرص النجاح منقسمةٌ بين المتصارعين المتنافسين، فحيناً تميل إلى جانب طالب الفلسفة فيما عبر عنه من أفكار، وأحيانا إلى جانب المهندس فيما جنح إليه في رسالته. وفي مجتمع شيوعي آخر؛ الصين الشعبية كاد الصراع أن يحسم لصالح الشيء، كما هو الحال في وسط طبقة العمال الإنكليز التي أشرنا إليها، ففي خضم الثورة الثقافية فإن (ليوشاوشي) حاول أن يوقف موجة الثورة العامة حين ألقى لطبقة العمال قبضةً إضافيةً من الرز وأجراً أفضل. لكن العامل الصيني لم ينخدع بهذا الكرم الذي يسلمه لسلطة الشيء؛ (فماوتسي تونغ) لم يحتج لأكثر من كلمةٍ يعيد التوازن لصالح الفكرة، فقد أعلن إدانة (الاقتصادانية) وتابع الشعب سيره في طريق الثورة. لقد كان من الخير أن يتكلم في زمنٍ كانت الصين فيه تغني نشيد ميلادها، هذا النشيد الذي أسمعه لأميركا أول قمر صناعي وهو يمر في سمائها. لكن حقبة (اليوشاوش) تترك لنا مقياساً مفاده أن كل الثوريين المزيفين لا يتوانون عن استعمال سلطة الأشياء وإغرائها ضد الأفكار. هذا وتطبق اليوم هذه الأساليب في بعض القطاعات العربية. ففي اللحظة التي ينبثق مع الثورة الفلسطينية فكرةٌ تنذر بجرِّ العالم العربي في ركابها، هنالك

стр. 93

(ليوشاوشي) صغير في أحد المنظمات يستعمل بريق الأشياء (خطف طائرة هنا أو هناك) لكي يحظى ببعضٍ من تألق الثورة، ولكي يكشف في الوقت نفسه عن انحراف يساري كفيل بأن يحذر الضمير العربي من هذه الفكرة. إن صراع الفكرة والشيء يكون تارة من نتاج التاريخ في اطراد الحضارة، وتارةً أخرى حصيلة مناورةٍ سياسيةٍ؛ كما هو في مثال (ليوتشاوشي). لقد اجتاز المجتمع الإسلامي هذه الخطوة المشعرة باقتراب الانفصام في قلب العالم الثقافي؛ يوم أن قال عقيل أخو علي بن أبي طالب: ((إن صلاتي مع عليّ أقوم وطعامي عند معاوية أدسم)). إن هذه الحياة النفسية المنقسمة بين الطعام والصلاة كانت من أعراض بداية الصراع بين الفكرة والشيء. وقد واصل هذا الصراع طريقه منذ ذلك الوقت. وعندما فكر الغزالي بعد مضي أربعة قرون أن يجدد في العلاقة الدينية بين المجتمع المسلم والعالم الثقافي كان الأوان قد فات. فقد كانت المرحلة الثالثة من الحضارة قد بدأت، ولم يكن بمقدور المجتمع الإسلامي إلا أن يواصل انحداره حتى يصل إلى عصر ما بعد الموحدين، ولم يكن بمقدوره وهو يسترسل في المنحدر المشؤوم أن يسترد توازنه الأصلي.

стр. 94

الفصل العاشر صراع الفكرة- الوثن • العلاقة بين الفكرة والشخص. • الفكرة- الشخص قد تصبح فكرة- وثن: - الجاهلية والوثنية متلازمتان في الوجود والعدم. • جهل الشعب النظيف، وجهل المثقف الأخرق. ــ أثبتنا سابقاً أن عالم الأشخاص ينطوي كلياً في العالم الثقافي للمجتمع بقطع النظر عن مرحلته من التطور وعمره النفسي في تلك المرحلة. هذه حالة عامة؛ لكنها تصبح حالةً خاصةً في مجتمع يمرُّ بعمر معين أو إثر حادثٍ ثقافي، حين يشرع في هيئة أفكار هـ وتحديد أحكامه طبقاً لمعايير تنحو بها العلاقة بين الفكرة- الشخص نحو هذا الأخير إضراراً بالفكرة. في هذه الحالة يصبح لدينا خللٌ في التوازن الثقافي، تولِّد فيه المغالاة نوعاً من الطغيان سبق أن أشرنا إلى نتائجه الاجتماعية في بعض البلاد الإسلامية. وأخيراً يمكن لهذا الاختلال أن يتأصل بدوره حينما لا يكون عالم الأشخاص على وجه عام هو الذي يستقطب النشاطات الثقافية بل بوجه خاص فإن شخصاً معيناً هو الذي يستقطب. في هذه الحالة هنالك قضية اختلال أساسي للتوازن، تكون معه العلاقة بين

стр. 95

الفكرة والشخص مرتهنةً لشخص يستحوذ لصالحه على سائر الروابط القدسية في عالم الثقافة. والواقع أنّ هذه العلاقة تمازجها الأسطورة، وتصبح مخادعةً في شكلها المتطرف إذ تغدو الفكرة- الوثن. إنها حوادث ثقافية تقع دائماً، ولثقافة القرن العشرين واحدة، منها في إيطاليا في شخص (موسوليني) وأخرى في ألمانيا في شخص (هتلر). إلا أننا نفضل هنا أن نبرز حالة لاحظناها في البيئة الإسلامية في الجزائر بسبب ارتباطها المباشر بموضوع هذه الدراسة (١). لقد أطلق القرآن الكريم تسمية الجاهلية- أي الجهل- على الوثنية التي سيطرت على الجزيرة العربية قبل الإسلام ومع ذلك لم تكن تلك الجاهلية فقيرة في صناعة الأدب، فقد حفلت هذه الفترة بألمع الأسماء. لكنها ظلت تسمى الجاهلية أي عصر الجهالة لأن علاقاتها المقدسة لم تكن مع أفكار وإنما كانت مع أوثان الكعبة. فالكلام العربي آنذاك لم يكن يتضمن سوى كلماتٍ براقة وخالية من كل بذور خلاقة. وإذا كانت الوثنية جهالة فالجهالة بالمقابل وثنية. وليس من قبيل الصدفة أن الشعوب البدائية تؤمن بالأوثان والتمائم. هذه الجدلية تحدد طبيعة علاقة الفكرة- الشخص؛ التي تنقلب عند التطرف إلى علاقة فكرة- وثن. وبفضل تلك العلاقات المنجرفة نحو التطرف فإن الشعب الجزائري أقام قبب مرابطيه وأوليائه، وحافظ على عكوفه عليهم عبر قرون ما بعد الموحدين.

стр. 96

وحتى عام (١٩٢٥) فإن الوثن كان يسيطر في ظل الزوايا حيث أرواحنا المتسكعة تذهب لالتماس البركات واقتناء معجزات الحجاب. ففي كل مرة تختفي فيها الفكرة يهيمن الوثن من جديد. والعكس صحيح. ففي عام (١٩٢٥) كانت النتيجة المقابلة: الفكرة الإصلاحية التي خرجت إلى الوجود قد هزت قبب أوليائهم القديمة، وتدحرجت أوثانهم مع أسى عماتنا اللواتي رأين نار احتفالاتهن التقليدية الصاخبة المهداة نذوراً لذكرى الأولياء تنطفئ. لقد خمدت حرارة المرابطين كيما يسترد الضمير الجزائري مفهوم الواجب. والجنة التي يضمنها الشيخ لمريديه بغير ثمن قد أخلت مكانها لمفهوم الجنة التي لا تدرك إلا بعرق الجبين. لقد أمسك الإصلاح بكلتا يديه مصير النهضة واضعاً في خدمتها مصادر الروح الإسلامية التي أفلتت من غفلتها. لقد كانت لحظةً مميزةً فيها وضعت علاقة الفكرة- الشخص في مجرى الفكرة الإصلاحية التي عرفت لحظة (أرخميدس)، وبلغت غاية تألقها في المؤتمر الإسلامي الجزائري عام (١٩٣٦). فهل كان انتصار الفكرة حاسماً ونهائياً؟ كان ينبغي ألا يكون لدى العلماء في عالمهم الثقافي سبباً يخل بعلاقة الفكرة - الشخص كيما يحولها من جديد إلى علاقة فكرة- وثن. غير أن العلماء حملوا في ذاتهم عقدة نقص تجاه المثقفين السياسيين إذ كانوا يعدونهم حماتهم. والواقع أن العلماء لم يكن لديهم حصانة كافية تحول دون الرجوع بقوة إلى الوثن، متنكراً هذه المرة في زي (زعيم) صانع المعجزات السياسية، ومعه

стр. 97

المعوذات تتخفى في شكل ورقة انتخاب، وتزدهر الاحتفالات المرابطية ( kermesses maraboutiques) في صورة زردة (فتة) (١) انتخابية كانوا عبرها يدعون الشعب لتقديم القرابين. حقاً لقد أصاب العلماء دُوَارُ القمة المرتفعة التي ارتقوها وهم يحملون الإصلاح بتحقيق المؤتمر الإسلامي الجزائري عام (١٩٣٦). فالعلاقة بين الفكزة- الشيء قد أفلتت من أيديهم وهم على تلك القمة العالمية، فهوت في سحيق المستنقع السياسي الموحل حيث الوثن يحتل مكان الفكرة. وهكذا غاص الإصلاح الجدول الذي فيه تسيل (شمبانيا) الولائم الانتخابية، ممزوجةً غالباً بدم الشعب الطاهر، المسفوح لغايات غير طاهرة في أكثر الأحيان. لقد كانوا يزعمون أنهم بهذه الطريقة يرغمون الإدارة الاستعمارية على القيام بإصلاحات للشعب. لقد كانت النية سليمةً إذا ما قوّمناها بمعيارٍ علميٍّ. لكن الإدارة عضو يتكيف أو لا يتكيف مع المجتمع، فإذا هي لم تتكيف فإنها تختفي كما يستشهد (بفربريدج) في كتابه العالم واحد بمقطعٍ لبرك ( burke) (٢) يقول فيه: ((الدوإت التي لا تملك الوسيلة التي تحقق التغييرات لا تكون لديها وسائل استمرارها الذاتي)).

стр. 98

والعلماء الذين كانوا يجهلون هذا القانون الأساسي قد استبدلوا ضمناً ودون أن يدركوا بالسياسة التي تفرض على الإدارة الاستعمارية حتمية التصفية طبقاً للمبدأ الذي قرره ( burke)، سياسة المطالبة التي تمنح الإدارة تأجيلاً لهذا الاستحقاق وتترك لها زمام المبادرة. وبهذا العمل ذهب العلماء أبعد من ذلك: لقد حطّموا التوازن المنقذ الذي رسخت دعائمه بفضلهم في العالم الثقافي الجزائري من أجل الإصلاح. لقد نُفيت الفكرة، وأمسك الصنم بالسلطة في الحياة العامة الجزائرية. وانقطع التيار الإصلاحي فانجرفت المعتقدات الشعبية في تيار (الديماغوجية) المرعد المزبد العقيم، وقد منع البلاد من أن تسمع دقات الساعات الحاسمة عام (١٩٣٩). إن السياسة التي تجهل القوانين الأساسية لعلم الاجتماع- وهو الذي يعتبر علم بيولوجيا البنى والأجهزة الاجتماعية- ليست إلا ثرثرةً عاطفيةً، ولعباً بالألفاظ وطنطنةً غوغائية. لكن الأفكار التي خانها أصحابها تنتقم. وانتقام الإصلاح الذي غدر به عام (١٩٣٦) كان بلا هوادة. لقد دارت الآلة إلى الوراء، وعادت البلاد أدراج المراحل التي كانت خلفتها وراءها. وعاشت الجزائر مجدداً (الزردات) في اليوم الذي دعتها فيه النخبة كي تحرق آخر ما تبقى لديها من البخور (الجاوي) في الزردة التي نُظمت بعد موت المؤتمر الإسلامي؛ ليس تكريماً لولي هذه المرة بل لوثنٍ سياسي. لقد بدأت في ذلك اليوم مرابطية جديدة، مرابطية لا تبيع الحروز، البركة، الجنة ونعيمها، ولكن تشتري الحقوق، المواطنية ... القمر ... عبر أوراق الانتخاب.

стр. 99

لقد غاب عن الأذهان أن الحق ملازم للواجب، وأن الشعب هو الذي يخلق ميثاقه ونظامه الاجتماعي والسياسي الجديد عندما يغير ما في نفسه. إنه لقانون سامٍ! ... ((غيِّرْ نفسكَ فأنت تغير التاريخ)) لكن في عام (١٩٣٦)، وحينما خرق العلماء هذا القانون، فإن التحول توقف وتلاشى في السراب السياسي. لم يعد الكلام حول الواجب دائماً بل حول الحقوق فقط. ولا داعي لمواصلة الحديث حول النتيجة النهائية لسياسة المطالبة التي عبر عنها بوضوحٍ صمتُ الأحزاب الوطنية في الساعات الحرجة عام (١٩٣٩)، وتشرين الثاني " نوفبر " عام (١٩٤٢) (١). وبدلاً من أن تظل البلاد حقلاً لجهودنا المتواضعة والفعَّالة المثمرة كما هو حالها منذ عام (١٩٢٥)، فقد غدت منذ عام (١٩٣٦) مؤتمراً ومعرضاً انتخابياً، حيث في كل مقهى قاعة استماع، وكل منضدة منبر خطابة. لقد غدا الشعب مستمعاً، قطيعاً انتخابياً، قافلةً عمياء ضلت طريقها المرسوم عبر الفكرة؛ فتاهت في مسارب الأوثان. ياله من احتيال! .... لا يزال مستمراً (٢)؛ لأن الوثن إذا كان لابد زائلاً بسبب عدم فاعليته؛ فإنه كاليرقة تتجدد على كل الأشكال في المناخ الملائم حيث تترعرع المرابطية التي تنتج الصنم. ولقد رأينا هذه الظاهرة أثناء الثورة الجزائرية، فالنخبة المثقفة الجزائرية لا تتمحور إيديولوجياً حول الفكرة الثورية، وإنما حول أصنام ألصقت بها بعض الصحافة هذه الفكرة. وهذا يعني أننا لم نُشف بعد من هذا المرض. وينبغي

стр. 100

القول بأنه في مستوى النخبة لم يكن هذا المرض نقياً كما هو عند الشعب. فنخبتنا المثقفة على استعداد لأن تأكل في سائر المعالف. ياللأسف! ليس أقبح من الجهل حينما يتزيا بزي العلم وينبري للكلام. فالجهل المحدود؛ جهل الشعب النظيف: إنه كجرحٍ ظاهرٍ يمكن علاجه. أما جهل العالم: فهو غير قابل للشفاء لأنه أخرق، مراءٍ، أصمُّ، مغرور. وإذن ففي عام (١٩٣٦) وعندما أسلم العلماء عالنا الثقافي إلى سلطان الأوثان وعادت المسيرة إلى الوراء إلى الظلمة. لقد انقلب الجهاز الذي أخذ يسير وأرجله في الهواء ورأسه إلى أسفل، هذا هو المظهر الجديد للمشكلة حينما أخلت الفكرة مكانها للوثن. لقد كان العز بن عبد السلام ينكر على فقهاء عصره التقليد الذي يشكل بالنسبة للفكرة الإسلامية أول مظاهر استبدال الوثن بالفكرة، يعني المظهر الذي أعلن نهاية الاجتهاد.

стр. 101

الفصل الحادي عشر أصالة الأفكار وفعاليتها • الفكرة الأصلية تحتفظ بأصالتها أبد الدهر. وهي ذات طابع قدسي. وهي حقيقة ذاتية مستقلة عن التاريخ. • أفكار أوربة: العلم. والتقدم. والحضارة. سمحت لها السيطرة على العالم بفعاليتها لا بفكرتها الأصلية. • أصالة الفكرة الإسلامية دخلت دورة الفعاليّة مع الفتوحات وبسط سلطان الدولة الإسلامية. • أوربة ترجّع الفعالية على الأصالة في أسلوبها الاستعماري. • النخبة الإسلامية تقليد الحضارة الأوروبية ولا تدرك أصالتها. لأن الاحتكاك الضعيف مع الحضارة الأوروبية والضمير الإسلامي قد بدأ في أسوأ شروطه. ــ فكرةٌ أصيلة لا يعني ذلك فعاليتها الدائمة. وفكرةٌ فعَّالة ليست بالضرورة صحيحةً. والخلط بين هذين الوجهين يؤدي إلى أحكام خاطئة، وتلحق أشدَّ الضرر في تاريخ الأمم حينما يصبح هذا الخلط في أيدي المتخصّصين في الصراع الفكري وسيلةً لاغتصاب الضمائر. إن الأصالة ذاتية وعينية وهي مستقلة عن التاريخ. والفكرة إذ تخرج إلى

стр. 102

النور فهي: إما صحيحة أو باطلة. وحينما تكون صحيحة فإنها تحتفظ بأصالتها حتى آخر الزمان. لكنها بالمقابل، يمكن أن تفقد فعاليتها وهي في طريقها؛ حتى ولو كانت صحيحة. فلفعالية الفكرة تاريخها الذي يبدأ مع لحظة (أرخميدس) حينما تأتي دفعتها الأصليَّة لتهزّ العالم، أو يعتقد فيها نقطة ارتكازٍ ضرورية لقلب ذلك العالم. وبصفةٍ عامة حين تبصر النور الأفكار التي صنعت تاريخ العالم؛ فإنها دائماً فعالة طالما أنها أثارت العواصف وشيّدت شيئاً أو هدمته، أو أنها اكتفت بقلب صفحة من صفحات التاريخ الإنساني. وليست هذه الأفكار بالضرورة صحيحةً بأكملها فالفكرة تكون صحيحةً أو باطلة في المجال العقيدي والمنطق العلمي والاجتماعي. لكن تاريخها لا يعتمد على خاصِّيَّتها الذاتية، بل يستند على تفجُّرِها، على قدرتها داخل عالمٍ ثقافيٍ، وأخيراً على قوتها الإطار العام الذي توجد فيه. فمثلاً فكرة الدورة الدموية هي فكرة طبيبٍ عربي في القرن الثاني عشر الميلادي، هو: (ابن النفيس) (١). لكنها لم تبدأ طريقها العلمي إلا مع الطبيب الإنكليزي (هارفي) (٢) بعد أربعة قرون. فالزمن الذي وجدت فيه هو الذي ألجأها إلى الاغتراب لتجد فرصها الفضلى

стр. 103

للتطبيق فيما بعد. لكنها في النهاية قد ظلت أربعة قرون صحيحة وصادقة دون أن تكون فعالة، وهذا شأن كثير من الأفكار العلمية التي لا تصادف حيين مجيئها إلى الدنيا لحظة (أرخميدس) إلا بعد زمنٍ طويل. إن نظرية امتداد العالم التي وضعها (لومتر Lemaitre) (١) عالم الرياضيات البلجيكي؛ لم تبدأ مجراها إلا مع (أينشتاين) (٢) ونظرية الوراثة التي تعود إلى (مندل) (٣) لم تحظ بلحظة (أرخميدس)، أي ساعة فعاليتها، إلاّ حين انطلاق مدرسة البيولوجيا الفرنسية والأمريكية في بداية القرن العشرين. بالمقابل فالتاريخ يزخر بالأفكار التي ولدت باطلة، ليس فيها أصالة لكنها مع ذلك كان لها فعالية مدويّة في أكثر الميادين تنوعاً. وغالباً ما تكون هذه الأفكار محجبةً مضطرةً لحمل قناع الأصالة لتدخل التاريخ كلصٍ يدخل منزلاً بمفتاح مزيف؛ فـ (ليبنز Leibniz) (٤) لم يكن فحسب رياضياً فذاًّ، بل إنه قرأ دون شك (مكيافيلي) (٥)، وفي تأملاته السياسية كان يوصي بإخفاء الدنيوي

стр. 104

والنافع في ثوب المقدس؛ ذلك أن الفكرة إذا كانت فعالة في بعض الظروف فلأنها استطاعت أن تتمتع بخاصية القداسة عند أهل العصر. لقد أودعت أوربة القرن التاسع عشر قدرها في ثلاث كلمات: العلم، التقدم، الحضارة. فكانت هذه أفكار اً مقدسة سمحت لها أن ترسي داخل حدودها قواعد حضارة القرن العشرين، وأن تبسط خارج حدودها سلطتها على العالم. وحتى قيام الحرب العالمية الأولى، لم تفلح أيّة (هرطقةٍ) ولم تتكن أية معارضةٍ من مواجهة هذه الأفكار. لقد كانت فعالة! لا فرق أصحيحة هي أم باطلة طالما كلٌّ ينحني للقانون الأكثر فعالية والأقوى. واليوم ماذا بعد الحربين العالميتين؟ لا أحد ينكر قوة هذه الأفكار في عالم الأشياء، لكنّ العالم كلّه اليوم وأوربة على الأخص تضع خصائص قدسية هذه الأفكار موضع بحث وتمحيص .. ؛ حتى بعد الدقائق الخفاقة التي عاشتها الإنسانية جمعاء حين حطّ رواد الفضاء أرجلهم على سطح القمر (١). لكن حينما يوضع الطابع المقدس لفكرةٍ ما للمناقشة الدقيقة فذلك ليس فيه ما يشين. فها هو الفيزيائي الفرنسي (بواس bouss) لم يقبل حتى وفاته بنظرية (أينشتاين) حول النسبية. لكن ذلك لم يغض من شأنه في نظر الجامعة الفرنسية. إنما يصبح مدعاةً للسخرية حين ينكر فعالية فكرة فعّالة، صائبة كانت أم خاطئة. ففي بداية العصر القرآني وحتى في أوج الحضارة الإسلامية كان يمكن لسوء

стр. 105

نية أو لعمًى في البصيرة إنكار أصالة الفكرة الإسلامية. وحتى أتباع الفكرة الإسلامية لم يكونوا بعد الفترة المحمدية متفقين في تنظيمها الفقهي، فكان منهم السنّة والشيعة، والخوارج. لكن طابع الفكرة الإسلامية الآمر تزايد مع انتصارات السلطة السياسية، يعني فعاليتها. التي حددت ذلك المنطق العملي الذي استخدمه رُسُل عمر مع (رستم) قائد جيش الفرس عشية موقعة القادسية. والانتصارات الباهرة التي أرست قواعد السلطة السياسية للامبراطورية الإسلامية قد نمَّت أيضاً منطق الفعالية. وهي في الوقت ذاته زادت من تعميق مفهوم أصالة الحقيقة الإسلامية في نفوس المسلمين، حتى إنه في عصر المأمون؛ وبينما كانت الحضارة تفيض على العالم بأنوارها التي كانت تسطع في بغداد وقرطبة، كان لا يزال في الإمكان قبول أو إنكار أصالة الحقيقة الإسلامية، والتي كانت بالتالي موضوع مناقشة وجدلٍ مع النصارى والصابئين في بلاط الخليفة. وفي حضوره. إنما لم يكن باستطاعة أحدٍ أن ينكر فعاليتها، من غير أن يكون مَحلاًّ للسخرية. ثم امتدت القرون في تلك المرحلة الأفقية من التاريخ حيث لا تملك السموّ أكثر من ذلك، وإنما السير بعيداً إلى منحدر أفولها. وفي هذا العصر حيث كانت الشمس في مغيبها كانت لا تزال العبقرية الإسلامية تخرج أروع الأعمال: الغزالي، وابن رشد. وحينما أفَلَت الشمس في (بغداد) سطع فجر مزيف في (سمرقند) مع ملحمة (تيمورلنك) (١). ولقد كان من أصالة الفكرة الإسلامية النافذة أن

стр. 106

استمرت في كسب الأتباع، في إيمان شعوبٍ بأكملها بالإسلام بعد سقوط القسطنطينية عام (١٤٥٣) (١). لكن فعاليتها ذهبت تخمد شيئاً فشيئاً طوال عصر ما بعد الموحدين، إلى اللحظة التي فيها دقت ساعة الاستعمار في العالم. لقد بدأ الاحتكاك العنيف مع الحضارة الجديدة والضمير الإسلامي في أسوأ شروطه، فأوربة رجَّحت قيم الفعالية على قيم الأصالة في أسلوبها الاستعماري. ومنذ ذلك الحين أضحى لعالمها الثقافي وجهان: وجهٌ يلتفت إلى ذاتها بأخلاقيته الخاصة به، ووجهٌ يتَلَفَّتُ نحو العالم، وهَمُّه الوحيد الفعاليّة. والنخبة المسلمة التي تكونت عبر الجامعات الأوروبية لم تر غير وجهٍ واحدٍ، أمّا وجهها الآخر فقد حُجب عنها؛ كما يُحجب وجه القمر الآخر عن سكان الأرض. من هنا كان في تكوينها خلطٌ يرثي له بين مظهرين متميزين لفكرةٍ واحدة: أصالتها، وفعاليتها. وهذا الخلط في نفسية النخبة المسلمة الحاضرة: هو النواة التي حولها تتجمع سائر دسائس ومناورات الصراع الفكري. والأساتذة الكبار الذين يمسكون بأسرار ووسائل هذا الصراع: يعرفون تماماً كيف يستفيدون من هذا اللبس؛ حين يقابلون أمام أنظار شبابنا الجامعي بين أصالة الفكرة الإسلامية وفعاليتها. ويصبح متوسط الدخل الفردي الحجة الأقوى في منطق الفعالية، والذي به

стр. 107

يتوسلون لهدم أصالة الفكرة الإسلامية في عقل المثقف المسلم. هذه الخدعة تستخدم اليوم بعمق؛ حتى في دراسات الشباب المثقف العربي، بتوجيه مباشير أو غير مباشبر من قبل (الأساتذة) في الجامعات الأوروبية (١). لكن اليقظة الإسلامية ليست بنت الأمس. ففي القرن الماضي أثبت عبد الله النديم سفسطة منطق الفعالية؛ الذي يتوسل به المستعمرون الأوروبيون لإدخال مركب النقص في النفس الإسلامية عندما قال: ((لو أنكم كنتم مثلنا لتصرفتم كما نتصرف)) (٢). وإذ يضع عبد الله النديم هذه العبارة البسيطة في فم أوربة؛ فإنه يذهب إلى أبعد من مجرد كشف الحيلة التي تقوم على المقابلة بين الفعالية والأصالة؛ والتي تلجأ إليها أوربة (في كل مرة تشرع في عمل تمليه التسلطية الاستعمارية المدنية أو التوسع الديني). ويبقى الاعتقاد بأن العقول كانت أكثر صفاءً زمن هذا الثوري الرائد؛ الذي واصل نقده فانتهى إلى نتيجة جديرة بتذكير الجيل الحاضر: ((وبهذا التصرف يهدف هؤلاء الغربيون إلى إبقاء الشرقيِّ في قبضة الغربيّ بدافع الحاجة، والإبقاء على الشرق كحقل يجري فيه التنافس بين الأوروبيين)). وبعد قرب من الزمان لا زالت هذه الفكرة راهنةً؛ خصوصاً بعد تفاقم الصراع الإيديولوجي اليوم بإدخال تقنية القرن العشرين العالمية في أسلوبه، ولوهن الذي أورثه التطور غير المراقب عبر هذا القرن في عالمنا الثقافي. ففي زمن عبد الله النديم القلعة هوجمت من الخارج: محتلٌ أراد أن يحتلّ

стр. 108

بأفكار هـ ليثبِّت عبر أسسٍ إيديولوجية سلطته الاستعمارية. أما اليوم فالمعركة من الداخل وبين جدران القلعة، بين أولئك الذين يريدون الدفاع عن القلعة والذين يريدون تسليمها إلى الأفكار الأجنبية. وهنالك الكثير بين المثقفين المسلمين الذين يفتنون بالأشياء الجديدة، وبالتالي يسحرون بمنطق الفعالية، ولا يميزون بين حدود توافقها مع مهام مجتمع يريد أن ينهض دون أن يفقد هويته. فهؤلاء المفكرون يخلطون بين أمرين: الانفتاح الكامل على كل رياح الفكر، وبين تسليم القلعة للمهاجرين كما يفعل الجيش الخائن. هؤلاء الذين مردوا بإدمانٍ على تقليد الآخرين: ليس لديهم أي مفهوم عن ابتكار هذا الغير، ولا عن دوافع هذا الابتكار، عن تكاليفه في جميع المجالات التي يقلدونهم فيها، وكان الأجدر بهم أن يبتكروا هم أنفسهم وفق دوافعهم الخاصة بدل أن يقلدوا. ويجب أن نلاحظ أن هذا التقليد ليس تقليداً لفعالية أي مجتمع دينامي، كما فعلت اليابان مثلاً، ولكنه تقليدٌ لقالب فلسفيٍّ يصبح دفعةً واحدة منطقاً معادياً للإسلام. إنهم يختارون (الماركسية) وعلى الخصوص (التروتسكية) (١)،

стр. 109

يضعون عليها سمة الماوية ليدخلوا الإعجاب في عيون المتفرجين. على كل حالي فإن حالتهم تفرض علينا أمثولة. فالعالم الثقافي في البلاد الإسلامية ليس فقط المسرح الذي يدور عليه الصراع بين الفكرة والشيء والفكرة والوثن. إنه أيضاً الحلبة التي ينبغي فيها الانتصار في صراع يفرض منطلق الفعالية، فالفكرة الإسلامية لكي تقارع الأفكار الفعالة للمجتمعات المتحركة في القرن العشرين عليها أن تستعيد فعاليتها الخاصة، أي أن تأخذ مكانها من جديد وسط الأفكار التي تصنع التاريخ.

стр. 110

الفصل الثاني عشر الأفكار وديناميكا المجتمع (١) • في عصر التلقين الحديث الفكرة تكون صحيحةٌ إذا ضمنت النجاح. • المجتع الإسلامي في مواجهة العصر مدعوٌّ لأن يستعيد تقاليده العليا ومعها حس الفعالية. • المسألة مسألة مناهج وأفكار. مثال: فشل أندونيسيا رغم توفر الوسائل والخبرة الغربية، نجاح ألمانيا بعد الحرب، والصين الشعبية رغم فقر الوسائل والظروف. • الْمُفَجِّرُ الذي يطلق قوى العالم الإسلامي لا يأتي من النظريات الغربيَّة. ــ في عصر الإنتاجية: لا يكفي أن نقول الصدق لنكون على حق، وليس من الحكمة اليوم أن نقول: اثنان زائد اثنين يساوي أربعة، ثم نموت جوعاً، وإلى جوارنا شخص آخر يقول: إنها لا تساوي سوى ثلاثة، ومع ذلك يضمن لنفسه لقمة العيش. إن روح التلقين التي تطبع هذا العصر تؤدّي إلى تأكيد خطأ الأول، وصحة الثاني. ففي منطق هذا العصر لا يكون إثبات صحة الأفكار بالمستوى الفلسفي أو الأخلاقي، بل بالمستوى العملي: فالأفكار صحيحة إذا هي ضمنت النجاح.
следующие страницы →