أو ريحه (أو) كان التغير (بخلط ما لا يشق) صون الماء عنه (مطلقا) , أي: سواء كان بصنع عاقل أو غيره: (كخل) وحبر ونحوهما ; لأنه ليس بماء مطلق).
قوله: (وهو ما تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه بشيء طاهر) .
لابد من تقييد الطاهر المغير بأن يكون (١):
١ - من غير جنس الماء كالملح المعدني، وذلك تحرزا من الملح المائي فإنه طاهر ويغير الماء ولكنه لا يسلبه طهوريته.
قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٢٥): (الملح الذي أصله الماء كالبحري , والملح الذي ينعقد من الماء الذي يرسل على السبخة فيصير ملحا , فلا يسلب الطهورية ; لأن أصله الماء , فهو كالجليد والثلج , وإن كان معدنا ليس أصله الماء فهو كالزعفران وغيره).
٢ - أن يكون برضع ما يشق صون الماء عنه، فما يشق صون الماء عنه كالطحلب وورق الشجر إن غيَّر الماء لا يسلبه الطهورية ولكنه إن وضع قصدا سلبه الطهورية.
٣ - أن يكون غير موافق للماء في الطهورية كالتراب فإنه لا يسلب الماء طهوريته.
قال ابن قدامة في المغني (١/ ٢٥): (ما يوافق الماء في صفتيه الطهارة والطهورية , كالتراب إذا غَيَّر الماء لا يمنع الطهورية ; لأنه طاهر مطهر كالماء , فإن ثخن بحيث لا يجري على الأعضاء لم تجز الطهارة به ; لأنه طين وليس بماء , ولا فرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد).
٤ - أن يكون مما يمازج الماء كالزعفران والحبر، ونحوهما، وذلك تحرزا مما لا يمازجه كالدهن فإنه لا يسلب الماء طهوريته.
٥ - ألا يكون في محل التطهير تحرزا مما لو كان التغير في محل التطهير فإنه لا يسلبه الطهورية.
стр. 72
قال البهوتي في كشاف القناع (١/ ٣٠ - ٣١): ((في محله) أي التطهير فهو طهور كما لو تغير الماء بزعفران في محل الوضوء أو الغسل فهو طهور ما دام في محل التطهير لمشقة التحرز).
قال ابن تيمية في "شرح العمدة" (١/ ٧٢): (ولا أثر الماء في محل التطهير مثل أن يكون على بدن المغتسل زعفران أو سدر أو خطمي فتغير به لان النبي ﷺ أمر بغسل المحرم وغسل ابنته بماء وسدر وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر ولأن هذا تدعو إليه الحاجة).
٦ - ألا يكون تمرا ويصير نبيذا ويشتد، وهذه حالة خاصة من التغير الكثير لأحد أوصاف الماء بالطاهر وتحوله إلى طاهر أيضا، فالنبيذ إذا اشتد أو أتى عليه ثلاثة أيام فإنه يصير نجسا، وسيأتي الكلام على هذه المسألة - إن شاء الله -.
الأقوال في حد التغير الذي يسلب الماء طهوريته:
اعتبر الماتن التغير الذي يسلب الماء طهوريته هو ما كان لكثير من أحد صفاته، وفي المذهب أقوال أخر.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٤): (تغير كثير من الصفة كتغير صفة كاملة وأما تغير يسير من الصفة فالصحيح من المذهب أنه يعفى عنه مطلقا اختاره المجد في شرحه وصاحب مجمع البحرين وقدمه في الفروع وقيل هو كتغير صفة كاملة اختاره أبو الخطاب وبن المنى وهو ظاهر ما قدمه في المحرر وصححه شيخنا في تصحيح المحرر ونقل عن القاضي أنه قال في شرح الخرقي اتفق الأصحاب على السلب باليسير في الطعم واللون وقاله بن حامد في الريح أيضا انتهى وقيل الخلاف روايتان وأطلقهما في الرعايتين والحاويين والنظم وبن تميم والفائق والزركشي وقيل يعفى عن يسير الرائحة دون غيرها واختاره الخرقي قال في الرعاية الكبرى وهو أظهر وجزم به في الإفادات).
والراجح أنه يعفى مطلقا عن التغير اليسير للصفة.
قال تقي الدين في "شرح العمدة" (١/ ٧١): (في التغير اليسير ثلاثة أوجه أحدها أنه كالكثير والثاني في الفرق بين الرائحة وغيرها والثالث العفو عنه مطلقا وهو أصح).
стр. 73
وأما إن كان التغير لكثير صفة أو لصفة كاملة من صفات الماء فهنا يختلف الأمر تبعا لاختلاف أنواعه.
فائدتان:
الفائدة الأولى - حد التغير الكثير:
قال تقي الدين في " مجموع الفتاوى" (٢١/ ٢٨): (إن سوى بين التغير اليسير والكثير مطلقا كان مخالفا للنص وإن فرق بينهما لم يكن للفرق بينهما حد منضبط لا بلغة ولا شرع ولا عقل ولا عرف).
وهناك أنواعا من التغير تخرج الماء عن إطلاقه بحيث لا يسمى ماء بإطلاق بل يسمى مضافا كماء طبخ فيه باقلاء فأصبح ماء باقلاء مغلي ونحو ذلك، ومن الماء المضاف ماء الورد وهو الناتج عن معالجة فلا يصدق عليه اسم الماء بلا قيد، ومنه أيضا ما خالطه طاهر فغير اسمه وغلب على أجزائه حتى صار صبغا أو حبرا أو خلا أو مرقا ونحو ذلك، وفرق بين أن نقول ماء وقع فيه حبر أو زعفران وبين أن نقول زعفران أو حبر فيه ماء، فالأول الراجح فيه أن التغيير لم يخرجه عن إطلاقه وأنه لا يزال يتناوله اسم الماء، وأما الثاني فالتغير أخرجه عن اسمه فلا يشمله اسم الماء، ولا يطلب الري بشربه.
قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٢٤): (إن المضاف لا تحصل به الطهارة وهو على ثلاثة أضرب أحدها: ما لا تحصل به الطهارة رواية واحدة وهو على ثلاثة أنواع أحدها ما اعتصر من الطاهرات كماء الورد وماء القرنفل وما ينزل من عروق الشجر إذا قطعت رطبة.
الثاني: ما خالطه طاهر فغير اسمه وغلب على أجزائه حتى صار صبغا أو حبرا أو خلا أو مرقا ونحو ذلك.
الثالث: ما طبخ فيه طاهر فتغير به كماء الباقلا المغلي فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها ولا الغسل، لا نعلم فيه خلافا إلا ما حكي عن ابن أبي ليلى والأصم في المياه المعتصرة أنها طهور يرتفع بها الحدث ويزال بها النجس ولأصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلا المغلي وسائر من بلغنا قوله من أهل العلم على خلافهم.
стр. 74
قال أبو بكر بن المنذر أجمع كل من نحفظ قوله من أهل العلم أن الوضوء غير جائز بماء الورد وماء الشجر وماء العصفر ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء ولأن الطهارة إنما تجوز بالماء وهذا لا يقع عليه اسم الماء بإطلاقه) (١).
وغير هذه الأنواع مما سبق ذكره لا تخرج الماء عن إطلاقه وتدخل على الراجح في الماء الطهور.
الفائدة الثانية - ما يجوز الوضوء به من الماء المضاف:
قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٢٥): (من المضاف ما يجوز الوضوء به رواية واحدة وهو أربعة أنواع:
أحدها: ما أضيف إلى محله ومقره كماء النهر والبئر وأشباههما لهذا لا ينفك منه ماء وهي إضافة إلى غير مخالط، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
الثاني: ما لا يمكن التحرز منه كالطحلب وسائر ما ينبت في الماء وكذلك ورق الشجر الذي يسقط في الماء أو تحمله الريح فتلقيه فيه وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه فتلقيه في الماء وما هو في قرار الماء كالكبريت والقار وغيرهما إذا جرى عليه الماء فتغير به أو كان في الأرض التي يقف الماء فيها وهذا كله يعفى عنه؛ لأنه يشق التحرز منه. فإن أخذ شيء من ذلك فألقي في الماء وغيره كان حكمه حكم ما يمكن التحرز منه من الزعفران ونحوه؛ لأن الاحتراز منه ممكن.
الثالث: ما يوافق الماء في صفتيه الطهارة والطهورية كالتراب إذا غير الماء لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهر مطهر كالماء فإن ثخن بحيث لا يجري على الأعضاء لم تجز الطهارة به؛ لأنه طين وليس بماء ولا فرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد وكذلك الملح الذي أصله الماء كالبحري والملح الذي ينعقد من الماء الذي يرسل على السبخة فيصير ملحا فلا يسلب الطهورية؛ لأن أصله الماء فهو كالجليد والثلج وإن كان معدنيا ليس أصله الماء فهو كالزعفران وغيره.
الرابع: ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة كالدهن على اختلاف
стр. 75
أنواعه والطاهرات الصلبة كالعود والكافور والعنبر إذا لم يهلك في الماء ولم يمع فيه لا يخرج به عن إطلاقه؛ لأنه تغيير مجاورة أشبه ما لو تروح الماء بريح شيء على جانبه ولا نعلم في هذه الأنواع خلافا.
وفي معنى المتغير بالدهن ما تغير بالقطران والزفت والشمع؛ لأن في ذلك دهنية يتغير بها الماء تغير مجاورة فلا يمنع كالدهن).
متى يعود الماء الطاهر المتغير لطهوريته:
قوله: (فإن زال تغيره بنفسه عاد إلى طهوريته).
وتعقب اللبدي قوله (بنفسه) فقال في "حاشيته على نيل المآرب" (ص/١٢): (ليس بقيد, بل إن زال تغيره بإضافة ونحوها عاد إلى طهوريته).
قال البهوتي في " كشاف القناع" (١/ ٣٨): ((ومتى تغير الماء) الطهور قليلا كان أو كثيرا (بطاهر ثم زال تغيره) بنفسه أو ضم شيء إليه (عادت طهوريته) لأن السلب للتغير وقد زال فعاد إلى أصله، وإن زال تغير بعضه عادت طهورية ما زال تغيره (فإن تغير به بعضه فما لم يتغير) منه (طهور) على أصله لعدم ما يزيله عنه).
ما كان قليلا واستعمل في رفع حدث:
بدأ الماتن في الكلام على الماء الطاهر المتغير تغيرا حكميا لا حقيقيا، فقال: (ومن الطاهر: ما كان قليلا واستعمل في رفع حدث).
حد القِلة:
قال ابن مفلح في "الفروع" (١/ ٥٢): (وإن استعمل قليل في رفع حدث فطاهر ... ) فقيده بالقليل ثم ذكر باقي الروايات كما سيأتي - بإذن الله -.
وحد القِلة هو ما كان دون القلتين وسوف يأتي بإذن الله الكلام على تحديد القُلة.
قال ابن قدامة في "الكافي" (١/ ٧): (جعلت القلتان حدا بين القليل والكثير).
معنى الاستعمال:
سبق بيان معنى الاستعمال وأنه هو الماء المنفصل عن أعضاء المتطهر لا الماء المتبقي الذي يعترف منه.
стр. 76
قال الشيخ العثيمين في " الشرح الممتع" (١/ ٣٦): (الاستعمال: أن يُمَرَّ الماء على العضو، ويتساقط منه، وليس الماء المستعمل هو الذي يُغْتَرفُ منه. بل هو الذي يتساقط بعد الغَسْل به).
جميع الأحداث سواء:
قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٢٩): (جميع الأحداث سواء فيما ذكرنا الحدث الأصغر والجنابة والحيض والنفاس وكذلك المنفصل من غسل الميت إذا قلنا بطهارته واختلفت الرواية في المنفصل عن غسل الذمية من الحيض، فروي أنه مطهر لأنه لم يزل مانعا من الصلاة أشبه ماء تبرد به وروي أنه غير مطهر لأنها أزالت به المانع من وطء الزوج أشبه ما لو اغتسلت به مسلمة فإن اغتسلت به من الجنابة كان مطهرا وجها واحدا لأنه لم يزل مانعا من الصلاة ولا استعمل في عبادة أشبه ما لو تبرد به ويحتمل أن يمنع استعماله لأنه استعمل في الغسل من الجنابة أشبه ما لو اغتسلت به مسلمة).
وسبق بيان أن الماء الذي تغتسل به الذمية طهور لعدم أهليتها لإحداث نية لرفع الحدث سواء أكان اغتسالها للحيض أم الجنابة.
روايات المذهب:
اختار الماتن الرواية الصحيحة في المذهب والتي عليها جماهير الأصحاب، وفي المذهب روايات أخرى.
قال المرداوي في الإنصاف (١/ ٣٥ - ٣٦): (قوله (أو استعمل في رفع حدث). فهل يسلب طهوريته؟ على روايتين , وأطلقهما في المستوعب , والكافي , والشرح , ونهاية ابن رزين. إحداهما: يسلبه الطهورية. فيصير طاهرا , وهو المذهب. وعليه جماهير الأصحاب , قال في الكافي: أشهرهما زوال الطهورية. قال الزركشي: هذا المشهور من المذهب , وعليه عامة الأصحاب. قال ابن خطيب السلامية في تعليقه: هذه الرواية عليها جادة المذهب , ونصرها غير واحد من أصحابنا. ثم قال: قلت ولم أجد عن أحمد نصا ظاهرا بهذه الرواية. انتهى.
والرواية الثانية: أنه طهور. ورجحها ابن عقيل في مفرداته , وصححهما ابن رزين , واختارها أبو البقاء , والشيخ تقي الدين , وابن عبدوس في تذكرته ,
стр. 77
وصاحب الفائق. قلت: وهو أقوى في النظر. وعنه أنه نجس , ونص عليه في ثوب المتطهر. قال في الرعاية الكبرى: وفيه بعد) (١).
الأدلة والمناقشة (٢):
الأدلة على أنه نجس:
الدليل الأول:
ما رواه أبو داود (١/ ١٨) (٧٠)، وأحمد (٢/ ٤٣٣)، وغيرهما من طريق محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يبل أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة).
ووجه الاستدلال:
ووجه الاستدلال أنه ﷺ قرن بين النهي عن البول والاغتسال في الماء الدائم، فكما أن البول ينجسه فكذلك الاغتسال (٣).
المناقشة:
أولا - هذا الحديث بهذا اللفظ غير محفوظ، فإسناده وإن كان جيدا ومحمد بن عجلان صدوقا إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، وقد خالف جماعة من الحفاظ من أصحاب أبي هريرة في سياقه للحديث ومنهم: همام بن منبه، محمد بن سيرين، وعبدالرحمن بن هرمز الأعرج، وحميد بن عبدالرحمن الحميري، في لفظه ولفظه عندهم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) متفق عليه وهذا لفظ ابن هرمز عند البخاري. والنهي في هذا الحديث أخص من حديث الباب، وسيأتي الكلام على مفهوم هذا الحديث وبيان حكم الاغتسال من غير أن يبول في الماء الدائم.
والكلام ليس في ثبوت النهي عن البول في الماء الدائم بمفرده، أو الاغتسال فيه من الجنابة بمفرده، وإنما الكلام على جمع الحدثين في حديث واحد على نحو
стр. 78
الرواية المذكورة وانفراد ابن عجلان بها ومخالفته الثقات فيه يدل على أنه لم يحفظه كما قال البيهقي (١).
ثانيا - وعلى فرض ثبوته فإنه لا يلزم من اقتران البول مع الاغتسال التسوية بينهما في الحكم وذلك لضعف دلالة الاقتران فقد قال تعالى: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١] فالأكل غير واجب والإيتاء واجب، وعليه فلا يلزم من اقتران البول والاغتسال التسوية بينهما في الحكم وذلك لأن البول نجس نجاسة حسية بالاتفاق، وقوله ﷺ : (المؤمن لا ينجس) يدل على طهارة بدن المؤمن، وأن الحدث الناتج عن الاغتسال معنويا فافترقا.
أضف إلى أنه ليس في الحديث ما يدل على أن النهي عن البول أو الاغتسال في الماء الراكد لتنجيسه، بل قد يكون في البول سدا للذريعة؛ لأن البول ذريعة للتنجيس بتكرره فيتغير بذلك الماء ويصير نجسا، وفي الاغتسال يكون النهي لكي لا يصير مستخبثا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه، وإنما قلنا ذلك إعمالا لما يأتي من الأدلة على طهارته.
الدليل الثاني:
استدلوا بأنه يسمى طهارة والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة إذ تطهير الطاهر لا يعقل (٢).
المناقشة:
وأجيب بأن الطهارة المقصودة من التطهر إنما هي طهارة معنوية من الذنوب والمعاصي، وأما الحدث فهو شيء معنوي فكما أنه لا يتنجس به البدن فلا يتنجس به الماء، ولذلك لما اعتبر أبو هريرة حدثه نجاسة بين له النبي ﷺ أن المؤمن لا ينجس.
ويجاب أيضا بقطع الملازمة المذكورة من كون الطهارة لا تكون إلا عن نجاسة وذلك بأن تجديد الوضوء والأغسال المستحبة سماها الشرع طهارة وليست عن
стр. 79
نجاسة حسية ولا معنوية.
الأدلة على أنه طاهر:
الدليل الأول:
ما رواه البخاري (١/ ٨١) (١٨٦) من حديث المسور بن مخرمة ﵁ قال في صلح الحديبية: (وإذا توضأ النبي ﷺ كادوا يقتتلون على وضوئه).
وجه الاستدلال:
وتقاتلهم على وضوء النبي دل على طهارته وبركته، ولو كان نجسا لما تقاتلوا عليه وقد سبق تعريف النجس لغة بأنه ما يستقذره ذو الطبع السليم (١).
الدليل الثاني:
ما رواه البخاري (١/ ٨٢) (١٩١)، ومسلم (٣/ ١٢٣٤) (١٦١٦) عن جابر ﵁ قال: (جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت) الحديث.
وجه الاستدلال:
صب النبي ﷺ عليه من هذا الوضوء دليل على عدم نجاسته فمن المقرر أنه لا يجوز التداوي بالنجاسات ولا تلطيخ المسلم بها.
فإن قالوا: يحمل هذا على الخصوصية للنبي ﷺ دون غيره.
قلنا: بأن الخصوصية لا تثبت بالاحتمال كما أن النظر يدل على مشاركة النبي ﷺ لأمته في تطهره من الحدث الأكبر والأصغر، ولو كان الماء المستعمل من النبي ﷺ في طهارته طاهرا دون غيره لكان لا عن حدث، وقد روى البخاري (١/ ١٠٦) (١٨٦) عن أبي هريرة قال: (أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما فخرج إلينا رسول الله ﷺ فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب فقال لنا: (مكانكم)، ثم رجع فاغتسل ثم خرج
стр. 80
إلينا ورأسه يقطر فكبر فصلينا معه).
الدليل الثالث:
ما ثبت من أنه ﷺ كان يغتسل وهو وزوجاته من إناء واحد تختلف أيديهما فيه.
وجه الاستدلال:
أنه هذا الماء لا يسلم غالبا من وقوع رشاش فيه ولو كان نجسا لتنجس الماء به لقلته.
الدليل الرابع:
ما رواه البخاري (١/ ١٠٩) (٢٨١)، ومسلم (١/ ٢٨٢) (٣٧١) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: (المؤمن لا ينجس).
وجه الاستدلال:
نص النبي ﷺ أن المؤمن لا ينجس فبدنه طاهر والأصل في الماء الطهارة فطاهر لاقى طاهرا فيكون الناتج طاهرا.
إلى غير ذلك من الأدلة التي تدل على طهارة الماء المستعمل.
الأدلة على أنه ليس بطهور:
الدليل الأول:
ما رواه مسلم (١/ ٢٣٦) (٢٨٣) عن أبي السائب أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقال كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال يتناوله تناولا).
وجه الاستدلال:
قال الزركشي في "شرحه على مختصر الخرقي" (١/ ١٣): (فلولا أن الغسل فيه لا يجزئ، وأن طهوريته تزول لم ينه عن ذلك).
المناقشة:
أولا - العلة غير منصوصة والجزم بأنها لخروجه عن الطهورية تحكم بلا دليل، والأولى أن تكون العلة النهي عن الاغتسال فيه لئلا يصير مستخبثا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه.
стр. 81
والدليل على أنه لا يصير مستعملا فهم أبو هريرة للحديث وقوله بأن يجوز أن يتناول منه للاغتسال أو الوضوء كما ورد في بعض طرق الحديث فدل على أن غمسه يده فيه للتناول بنية رفع الحدث لا تخرج الماء عن طهوريته. (١)
الدليل الثاني:
احتجوا بما روي عن السلف بتكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط من طهروهم.
وأجيب بما قاله الشوكاني في "النيل" (١/ ٢٨): (أنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم ولا سبيل إلى ذلك لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم كالحسن البصري والزهري والنخعي ومالك والشافعي وأبي حنيفة في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين ونسبه بن حزم إلى عطاء وسفيان الثوري وأبي ثور وجميع أهل الظاهر وبأن المتساقط قد فني لأنهم لم يكونوا يتوضؤون إلى إناء والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية وتحتم البقاء على البراءة الأصلية لاسيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة كحديث خلق الماء طهورا وحديث مسحه ﷺ رأسه بفضل ماء كان بيده وغيرهما).
الدليل الثالث:
قال البهوتي في " كشاف القناع" (١/ ٣٢): (لأنه أزال به مانعا من الصلاة أشبه ما لو أزال به النجاسة أو استعمل في عبادة على وجه الإتلاف أشبه الرقبة في الكفارة).
стр. 82
المناقشة:
وهذا استدلال منهم بمحل النزاع، وللمخالف أن يطعن في هذه الأقيسة وإثبات الفرق بين الأصل والفرع.
فمثلا لا يصح قياس المانع من الصلاة وهو شيء معنوي على النجاسة وهي حسية، كما أنه لا يصح قياسه على الرقبة؛ لأن الرقبة تصير بالعتق حرة بخلاف الماء المتنازع في سلب طهوريته بالاستعمال كما أن العبد لو رجع على الكفار وغنمه المسلمون لرجع للرق مرة أخرى فلا يصح القياس.
الأدلة على أنه طهور:
الدليل الأول:
الأصل في المياه المطلقة الطهورية ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل يدل على نجاستها أو سلبها الطهورية ولم يثبت عندنا دليل في خروج الماء المستعمل عن طهوريته.
الدليل الثاني: ما سبق ذكره من أدلة تدل على أنه ﷺ كان يغتسل بفضل نسائه من الجنابة، وهذا الماء لا يسلم من تطاير رشاش إليه وتناول ونحو ذلك، وقد علل النبي اغتساله من هذا الماء بقوله ﷺ فيما رواه أحمد (٦/ ٣٣٠) من حديث ميمونة ﵂ مرفوعا: (الماء ليس عليه جنابة أو لا ينجسه شيء) وله شواهد يصح بها يدل على أنه لا ينتقل إليه الحدث.
الدليل الثالث:
روى أبو داود (١/ ٣٢) (١٣٠) وغيره عن الربيع بنت معوذ ﵂ (أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماء كان في يده) حسنه ابن حجر (١).
وجه الاستدلال:
أن هذا الماء المتبقي في يده ﷺ ماء مستعمل في إزالة
стр. 83
حدث وطهَّر به ﷺ رأسه فدل على أنه غير مسلوب الطهورية.
المناقشة:
والاستدلال بأن هذا الماء استخدم في رفع حدث محتمل ويحتمل أيضا أن يكون ﷺ مسح رأسه بعد الغسلة الثانية أو الثالثة لليد وليس فيها رفع حدث.
قلت وإن تطرق الاحتمال لهذا الحديث فإنه لا يتطرق لما قاله ابن حزم في " المحلى" (١/ ١٨٤): (لا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أن كل متوضىء فإنه يأخذ الماء فيغسل به ذراعيه من أطراف أصابعه إلى مرفقه وهكذا كل عضو في الوضوء وفي غسل الجنابة وبالضرورة والحس يدري كل ما مشاهد لذلك أن ذلك الماء قد وضئت به الكف وغسلت ثم غسل به أول الذراع ثم آخره وهذا ماء مستعمل بيقين ثم إنه يرد يده إلى الإناء وهي تقطر من الماء الذي طهر به العضو فيأخذ ماء آخر للعضو الآخر فبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أنه لم يطهر العضو الثاني إلا بماء جديد قد مازجه ماء آخر مستعمل في تطهير عضو آخر وهذا ما لا مخلص منه).
ولا وجه لقول من فرق بين الماء الذي يجري على يد المغتسل وعضو المتوضئ على وجه الاتصال وبين الماء المنفصل أو الذي ينتقل من عضو لعضو آخر لا يتصل به، وذلك لأن علة كونه مستعملا عندهم أن الحدث انتقل إليه بعد أن رفعه عن العضو فلا فرق بين أن ينفصل حقيقة عن العضو أو يبقى عليه بعد رفع الحدث عنه.
ومن الأدلة أيضا كل ما سبق من أدلة تدل على أن قسمة الماء ثنائية فمفادها عدم وجود هذا القسم وان ما كان من الماء متغيرا تغيرا حكميا باستعماله في رفع حدث بدخل في الماء الطهور؛ لأنه ليس بنجس ولا يكون مسلوب الطهورية.
الترجيح:
وبعد فالراجح هو كون الماء المستعمل في إزالة حدث طهور، وأن هذا الاستعمال لا يسلبه طهوريته.
стр. 84
الماء الذي انغمست فيه كل يد المسلم المكلف النائم ليلا نوما ينقض الوضوء قبل غسلها ثلاثا بنية:
قال متمما لأنواع الماء الطاهر عنده: (ما كان قليلا وانغمست فيه كل يد المسلم المكلف النائم ليلا نوما ينقض الوضوء قبل غسلها ثلاثا بنية وتسمية وذلك واجب).
تنبيهات:
الأول - التقييد بكون الماء دون القلتين:
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٨): (محل الخلاف إذا كان الماء الذي غمس يده فيه دون القلتين أما إن كان قلتين فأكثر فلا يؤثر فيه الغمس شيئا بل هو باق على طهوريته قاله الأصحاب وهو واضح).
الثاني - روايات المذهب:
المذهب فيه ثلاث روايات وقد اختار الماتن الرواية المصححة في المذهب، قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٨): (يسلبه الطهورية. وهو المذهب , قال أبو المعالي في شرح الهداية: عليه أكثر الأصحاب. قال في مجمع البحرين: هذا المنصوص والرواية الثانية: لا يسلبه الطهورية , جزم به في الوجيز , وقدمه في المحرر , والرعايتين , والفائق , والحاوي الصغير , واختاره المصنف , والشارح , وابن رزين , والناظم , والشيخ تقي الدين , وصححه في التصحيح. وعنه أنه نجس , اختارها الخلال. وهي من مفردات المذهب أيضا. فعلى المذهب: لو كان الماء في إناء لا يقدر على الصب منه , بل على الاغتراف , وليس عنده ما يغترف به , ويداه نجستان , فإنه يأخذ الماء بفيه ويصب على يديه. قاله الإمام أحمد , وإن لم يمكنه تيمم وتركه).
الثالثة - حكم غسلها قبل الغمس:
الخلاف هنا مبني على الخلاف في وجوب غسلها إذا قام من النوم، وقد رجح الماتن وجوب غسلها، ومن قال بالوجوب فإن الغمس عنده يؤثر في الماء ويسلبه طهوريته، ومن قال بالاستحباب فلا يسلبه طهوريته، ويكون كالطهارة المستحبة.
стр. 85
قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٣٠): (فأما المستعمل في تعبد من غير حدث، كغسل اليدين من نوم الليل، فإن قلنا ليس ذلك بواجب لم يؤثر استعماله في الماء، وإن قلنا بوجوبه، فقال القاضي: هو طاهر غير مطهر.
وذكر أبو الخطاب فيه روايتين: إحداهما؛ أنه يخرج عن إطلاقه؛ لأنه مستعمل في طهارة تعبد، أشبه المستعمل في رفع الحدث؛ «ولأن النبي ﷺ نهى أن يغمس القائم من نوم الليل يده في الإناء قبل غسلها.» فدل ذلك على أنه يفيد منعا.
والرواية الثانية، أنه باق على إطلاقه؛ لأنه لم يرفع حدثا، أشبه المتبرد به، وعلى قياسه المستعمل في غسل الذكر والأنثيين من المذي، إذا قلنا بوجوبه؛ لأنه في معناه).
روى البخاري (١/ ٧٢) (١٦٠)، ومسلم (١/ ٢٣٣) (٢٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده) وليس عند البخاري التثليث.
وهذا الحديث ظاهر في وجوب غسل اليد ثلاثا قبل أن يغمسها في الإناء، وقد اعتذر الجمهور عن الوجوب بأن التعليل بأمر يقتضي الشك قرينة صارفة عن الوجوب إلى الندب.
وقد ردَّ ذلك الشوكاني فقال معقبا في "نيل الأوطار" (١/ ١٧٠): (وقد دفع بأن التشكيك في العلة لا يستلزم التشكيك في الحكم وفيه أن قوله: (لا يدري أين باتت يده) ليس تشكيكا في العلة بل تعليلا بالشك وأنه يستلزم ما ذكر).
وقال الشيخ أحمد شاكر في "هامش المحلى" (١/ ٢٠٧): (تعليل وجوب غسل اليد ثلاثا بأن النائم لا يدري أين باتت يده، يشير إلى المعنى الذي من أجله وجب الغسل، وهو احتمال مباشرتها النجاسة، وهذا هو الفرق بينه وبين طهرها بغسلة واحدة عند تيقن النجاسة، فإن النجاسة إذ ذاك يراها المتطهر ويوقن بإزالتها).
وعليه فالراجح وجوب غسل اليد قبل غمسها في الإناء ثلاثا.
стр. 86
فائدة - علة النهي:
قال تقي الدين في " مجموع الفتاوى" (٢١/ ٤٤): (وأما الحكمة (١) في غسل اليد ففيها ثلاثة أقوال: أحدها أنه خوف نجاسة تكون على اليد مثل مرور يده موضع الإستجمار مع العرق أو على زبلة ونحو ذلك والثاني أنه تعبد ولا يعقل معناه والثالث أنه من مبيت يده ملامسة للشيطان كما في الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي أنه قال (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنشق بمنخريه من الماء فان الشيطان يبيت على خيشومه) فأمر بالغسل معللا بمبيت الشيطان على خيشومه فعلم أن ذلك سبب للغسل عن النجاسة والحديث معروف وقوله (فان أحدكم لا يدري أين باتت يده) يمكن أن يراد به ذلك فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار).
وقد بيَّن النبي ﷺ علة النهي بقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده).
قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٧٢): (احتمال النجاسة لا ينحصر في مس الفرج فإنه قد يكون في البدن بثرة أو دمل وقد يحك جسده فيخرج منه دم بين أظفاره أو يخرج من أنفه دم وقد تكون نجسة قبل نومه فينسى نجاستها لطول نومه ... ).
وقال النووي في " المجموع" (١/ ٣٤٨): (وقوله ﷺ : (فإنه لا يدرى أين باتت يده) سببه ما قاله الشافعي ﵀ وغيره أن أهل الحجاز كانوا يقتصرون على الاستنجاء بالأحجار وبلادهم حارة فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن
стр. 87
النائم أن تطوف يده على المحل النجس أو على بثرة أو قملة ونحو ذلك فتنجس).
وكل هذه الوجوه لتفسير العلة التي ذكرها النبي ﷺ في قوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) يحتملها اللفظ، ويحتمل وجوها أخرى.
فرع - هل يؤثر كون يده باتت مكتوفة أو في جِراب ونحوه مثلا؟
فيها قولان في المذهب قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٤١): (ظاهر كلام المصنف أيضا ولو كانت يده في جراب أو مكتوفة وهو المذهب قطع به المصنف والشارح وبن رزين في شرحه وهو ظاهر ما جزم به في الفروع وبن تميم قال في الرعاية الكبرى فهو كغيره وقيل: على رواية الوجوب وقدمه في الرعاية الصغرى وقال بن عقيل لا يؤثر غمسها وأطلقهما في الحاويين والفائق).
والراجح أنها تؤثر؛ لأن الحكم هنا تعلق بمظنة النجاسة وهو لا يدري من أين تأتي هل من ملامسة الشيطان أم نجاسة موجودة قبل النوم، أو من المرور على نجاسة في أي مكان بالجسم، أو غير ذلك، فما كان الحكم متعلق بهذه المظنة لم يؤثر فيه وكون اليد في لفافة أم مطلقة.
قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٩): (لا يفرق بين المطلقة والمشدودة بنحو جراب لعموم الخبر ولأنه الحكم إذا علق على المظنة لم يعتبر حقيقة الحكمة كالعدة لاستبراء الرحم من الصغيرة والآيسة).
وقال ابن البهاء في "فتح الملك العزيز بشرح الوجيز" (١/ ١٤١): (لا فرق بين كون يد النائم مطلقة أو مشدودة في جراب أو مكتوفا؛ لعموم الأخبار. ولأن الحكم إذا تعلق بالمظنة سقط حكم الحكمة؛ كالعدة الواجبة لاستبراء الرحم في حق الصغيرة والآيسة. ولأنه ربما كانت يده نجسة قبل نومه فينسى نجاستها لطول نومه ... ) (١).
وعليه فالراجح أنها مؤثرة.
الرابعة - قوله: (وانغمست فيه)
ومفهوم قوله: (وانغمست فيه) أنه لا يؤثر في طهورية الماء ما يحصل منه في
стр. 88
اليد من غير غمس كالصب ونحوه.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٤٠): (ظاهر قوله: "أو غمس يده" أنه لو حصل في يده من غير غمس أنه لا يؤثر وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب وهو إحدى الروايتين عن أحمد قال في الرعاية الكبرى الأولى أنه طهور والرواية الثانية أنه كغمس يده وهو الصحيح اختاره القاضي وجزم به في الفصول والإفادات والرعاية الصغرى وقدمه في الكبرى والحاوي الصغير وأطلقهما في الفروع وبن تميم ومجمع البحرين والحاوي الكبير وبن عبيدان).
والصحيح أنه لا يؤثر في طهورية الماء كما أن الغمس لا يؤثر- كما سيأتي -.
الخامسة - هل يؤثر غمس بعض اليد ؟
ظاهر قوله: (كل يد) أنه لا يؤثر غمس بعض اليد وهو المذهب.
قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٤٠): (ظاهر قوله يده أنه لا يؤثر إلا غمس جميعها وهو المذهب وهو ظاهر كلامه في المحرر والوجيز وغيرهما وصححه في مجمع البحرين وقدمه في الفروع والرعايتين وبن تميم والحاوي الصغير وقيل غمس بعضها كغمسها كلها اختاره بن حامد وبن رزين في شرحه وقدمه وجزم به في الكافي ... ).
قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٧١): (وحد اليد المأمور بغسلها من الكوع؛ لأن اليد المطلقة في الشرع تتناول ذلك بدليل قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨] وإنما تقطع يد السارق من مفصل الكوع وكذلك في التيمم يكون في اليدين إلى الكوع والدية الواجبة في اليد تجب على من قطعها من مفصل الكوع.
وغمس بعضها ولو إصبع أو ظفر منها كغمس جميعها في أحد الوجهين؛ لأن ما تعلق المنع بجميعه تعلق ببعضه كالحدث والنجاسة. والثاني لا يمنع وهو قول الحسن لأن النهي تناول غمس جميعها، ولا يلزم من كون الشيء مانعا كون بعضه مانعا كما يلزم من كون الشيء سببا كون بعضه سببا).
والراجح أنه لا فرق بين بعض اليد وجميعها، فغمس البعض كغمس الكل
стр. 89
فكما أن المنع تعلق بجميعه فهو متعلق ببعضه (١).
فائدة: لا يؤثر غمس غير اليد:
قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٤٠): (مفهوم قوله يده أنه لو غمس عضوا غير يده أنه لا يؤثر فيه وهو صحيح صرح به بن تميم وبن عبيدان وبن حمدان وصاحب الفائق وغيرهم وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب قال في الرعاية الكبرى وغسلهما تعبد فلا يؤثر فيه غمس غير كفيه شيئا).
السادسة - هل يشترط أن يكون مسلما مكلفا:
ظاهر قول الماتن ﵀: (المسلم المكلف) أن غمس الكافر، أو الصبي، والمجنون لا يؤثر في الماء، وهذا الظاهر صححه المرداوي، ومال إليه ابن قدامة في "المغني"، واختاره المجد في "شرح الهداية"، وغيرهم (٢)، والذي أراه أنه لا فرق بين غمس وغمس - على اعتبار أن الغمس يسلب الماء طهوريته- وذلك لأن الشارع جعل غمس القائم من النوم يده في الإناء سببا لسلب الماء طهوريته، وهذا من الأحكام الوضعية، ومن استدل على التفريق فقد نظر إليه من ناحية الحكم التكليفي على أن الأقوى أن الكفار مخاطبون فروع الشريعة على أصح قولي المذهب بشرط تقدم الإسلام.
قال الشيخ الدبيان في "موسوعة الطهارة" (١/ ٢٣٧): (والثاني: أنه لا تأثير لغمس الصبي والمجنون والكافر. قال صاحب الإنصاف (١/ ٤١): وهو الصحيح، وغليه مال المصنف في المغني، واختاره المجد في شرح الهداية، وصححه ابن تمبم، قال في مجمع البحرين: لا يؤثر غميهم في أصح الوجهين.
واستدلوا:
أولا: أن المنع من الغمس إنما يثبت من الخطاب: يعني قوله: صلى الله عليع وسلم: "إذا استيقظ أحدكم ... " الحديث، ولا خطاب في حق هؤلاء.
وثانيا: إن وجوب الغسل أمر تعبدي، ولا تعبد في حق هؤلاء.
стр. 90
وثالثا: الغسل المزيل لحكم المنع من شرطه النية، والمجنون والصبي والكافر ليسوا من أهلها.
ولكن هذا القول من أصحاب الإمام أحمد ﵀ عجيب! كيف إذا غمس الصبي الذي لا يحسن الطهارة، والكافر الذي لا يستنزه من البول، والمجنون الذي لا يعقل إذا غمسوا أيديهم في الماء لا يتأثر الماء، وتصح الطهارة منه، وإذا غمس المسلم العاقل البالغ الذي يحسن الطهارة أصبح الماء غير صالح للطهارة منه.
فالصحيح أن العلة في المسلم النائم هي العلة في الكافر النائم، وهي العلة نفسها في الصبي، والمجنون، وليس تأثير الغمس من الأحكام التكليفية، بل هو من الأحكام الوضعية، كما أن الكافر على الصحيح مخاطب بفروع الشريعة، وإن كان يفقد شرط الصحة، وهو الإيمان).
السابعة - نوم الغامس:
قوله: (النائم ليلا نوما ينقض الوضوء)
سوف يأتي بإذن الله الكلام على النوم الناقض للوضوء في بابه.
الثامنة - هل يختص النوم بنوم الليل ؟
قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٤١): (مفهوم قوله من نوم الليل أنه لا يؤثر غمسها إذا كان قائما من نوم النهار وهو المذهب وعليه الأصحاب وجزم به في المغني والشرح وبن عبيدان وصاحب المستوعب والمحرر وغيرهم وقدمه في الفروع والرعايتين وبن تميم والفائق وغيرهم وعنه حكم نوم النهار حكم نوم الليل).
وقوله ﷺ في الحديث: (أين باتت يده) يدل على أن النوم المؤثر ما كان ليلا فالبيتوتة هي الدخول في الليل، وهو المذهب.
قال الخليل بن أحمد في "العين": (البيتوتة دخولك في الليل تقول بت أصنع كذا إذا كان بالليل وبالنهار ظللت ومن فسر بات على النوم فقد أخطأ ألا ترى أنك تقول بت أراعي النجوم معناه بت أنظر إليها فكيف نام وهو ينظر إليها وتقول أباتهم الله إباتة حسنة فباتوا بيتوتة صالحة وأتاهم الأمر بياتا أي أتاهم في جوف الليل وبات يصلي).
стр. 91
وقد انتصر ابن قدامة لكون النوم هنا خاصا بالليل فقال في "المغني" (١/ ٧١): (ولا تختلف الرواية في أنه لا يجب غسلهما من نوم النهار وسوى الحسن بين نوم الليل ونوم النهار في الوجوب لعموم قوله إذا قام أحدكم من نومه.
ولنا أن في الخبر ما يدل على إرادة نوم الليل لقوله فإنه لا يدري أين باتت يده والمبيت يكون بالليل خاصة ولا يصح قياس غيره عليه لوجهين:
أحدهما - أن الحكم ثبت تعبدا فلا يصح تعديته.
الثاني - أن الليل مظنة النوم والاستغراق فيه وطول مدته فاحتمال إصابة يده لنجاسة لا يشعر بها أكثر من احتمال ذلك في نوم النهار قال أحمد في رواية الأثرم الحديث في المبيت بالليل فإما النهار فلا بأس به).
الترجيح:
والذي أراه أن نوم النهار يلحق بنوم الليل، وأنه لا يعمل مفهوم المخالفة للحديث لأن ذكر البيتوتة فيه جريا على الغالب كقوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) [النساء: ٢٣] فالربيبة محرمة بالشرط المذكور وإن لم تكن في الحجر. كما أن العلة متحققة في كل نوم.
قال النووي في "شرح مسلم" (٣/ ١٨٠): (مذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من النوم بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها سواء قام من نوم الليل أو النهار أو شك في نجاستها من غير نوم وهذا مذهب جمهور العلماء وحكى عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه إن قام من نوم الليل كره كراهة تحريم وان قام من نوم النهار كره كراهة تنزيه ووافقه عليه داود الظاهري اعتمادا على لفظ المبيت في الحديث وهذا مذهب ضعيف جدا فان النبي ﷺ نبه على العلة بقوله ﷺ فانه لا يدري أين باتت يده ومعناه أنه لا يأمن النجاسة على يده وهذا عام لوجود احتمال النجاسة في نوم الليل والنهار وفي اليقظة وذكر الليل أولا لكونه الغالب ولم يقتصر عليه خوفا من توهم أنه مخصوص به بل ذكر العلة بعده والله أعلم).
стр. 92
وقال ابن حجر في "الفتح" (١/ ٢٦٣): (التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة).
وأما قول ابن قدامة: (أن الحكم ثبت تعبدا فلا يصح تعديته) فقد سبق بيان تعليل الحكم بمظنة النجاسة، وأنه ليس تعبديا.
التاسعة: حكم غمس اليد قبل غسلها ثلاثا .
ظاهر قوله: (قبل غسلها ثلاثا) أنه لابد من استيعاب الثلاث قبل الغمس، وهو الراجح.
قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٤٢): (ظاهر قوله قبل غسلها ثلاثا أنه يؤثر غمسها بعد غسلها مرة أو مرتين وهو صحيح وهو المذهب وهو ظاهر ما قطع به صاحب الفروع وبن تميم وبن عبيدان والرعاية الصغرى وغيرهم لاقتصارهم عليه وقدمه في الرعاية الكبرى وقال وقيل يكفي غسلهما مرة واحدة فلا يؤثر الغمس بعد ذلك).
العاشرة - اشتراط النية:
خالف الشيخ مرعي الصحيح من المذهب واشترط النية عند الغمس ليُسلَب الماء طهوريته.
وقد ذكر المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٤٢): أن المذهب وما عليه جماهير الأصحاب أن الغمس يؤثر سواء كان قبل نية غسلها أو بعده، وقال القاضي ويحتمل أن لا يؤثر إلا بعد النية.
وقد استدل ابن ضويان لاشتراط النية بحديث: (إنما الأعمال بالنيات).
والصواب عدم اشتراط النية؛ لأن العلة كما بينها النبي ﷺ هي مظنة النجاسة، وخشية تنجيس الماء، وغسل النجاسة من باب التروك لا يفتقر لنية.
قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٧٢): (وغسل اليدين يفتقر إلى النية عند من أوجبه في أحد الوجهين؛ لأنه طهارة تعبدية فأشبه الوضوء والغسل، والثاني لا يفتقر إلى النية؛ لأنه معلل بوهم النجاسة ولا تعتبر في غسلها النية، ولأن المأمور به الغسل وقد أتي به والأمر بالشيء يقتضي حصول الإجزاء به).
стр. 93
وأما الحديث فالمقصود بالأعمال فيه العبادات، وإزالة النجاسة من باب العادات لا يفتقر لنية، فلا تدخل في الحديث، قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٢٥٧): (قال بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد تشترط - أي النية - لإزالة النجاسة وهذا القول شاذ فإن إزالة النجاسة لا يشترط فيها عمل العبد بل تزول بالمطر النازل والنهر الجارى ونحو ذلك فكيف تشترط لها النية وأيضا فإن إزالة النجاسة من باب التروك لا من باب الأعمال).
الحادية عشرة - التسمية:
واشترط التسمية أيضا أبو الخطاب قياسا على الوضوء، وهذا القياس مع الفارق للنص على التسمية في الوضوء دون غمس اليدين، وليس هو مثله في أحكامه فافترقا.
وقد رجح ابن قدامة في "المغني" (١/ ٧٢) أن غسل اليد لا يفتقر لتسمية، وردَّ قياسه على الوضوء.
حكم مسألة الباب:
الحديث المذكور ليس فيه أن الماء يصير مستعملا، بل العلة كما هو ظاهر من الحديث هي احتمال وجود نجاسة في اليد، وكان الأولى أن يدور الخلاف بين العلماء على نجاسة الماء من عدمه، ولما كان الأصل في الماء الطهورية ونجاسة اليد مشكوك فيها فإنه لا ينتقل عن هذا الأصل بالشك، وعليه فهذا الماء طهور.
وقال ابن البهاء في "فتح الملك العزيز بشرح الوجيز" (١/ ١٤٠): (إذا غمس القائم من النوم لا يسلب الماء طهوريته، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد ﵁، وقدمه في المحرر والرعايتين والفائق، واختاره الشيخ موفق الدين وأبو العباس وابن رزين.
وقال الشيخ شمس الدين في الشرح: وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأنه لم يُزِل مانعا ولم يلاق نجسا ... .
ولأن الماء قبل الغمس كان طهورا فبقي على الأصل.
ونهي النبي ﷺ عن غمس اليدين كان لوهم النجاسة، فالوهم لا يزيل الطهورية ... ).
стр. 94
تعريف الماء الطاهر:
عرفه ابن الجوزي في "المذهب الأحمد" (ص/٤) بقوله: (هو ما استعمل في رفع حدث أو خالطه طاهر فغير أحد أوصافه أو طبخ فيه).
وعرفه ابن أبي السري في "الوجيز" (١/ ١٥٤ - فتح الملك العزيز) بقوله: (هو ما اعتصر أو قطر من طاهر وطهور تغير بطبخ أو بطاهر غيره فغير اسمه أو غلب على أجزائه أو قليل رفع به حدث وآخر غسلة زالت بها النجاسة).
واستيعاب الأنواع يصعب كما أن مراعاة الخلاف في بعض الأنواع ضروري، فمثلا ابن أبي السري يرى أن الماء الذي غمس المنتبه من النوم فيه يده: طهور، ولذلك لم يذكره في التعريف.
والتعرف بذكر الأنواع هو نوع من أنواع الحدود يسمى بالتعريف بالتقسيم، كتعريف الكلمة بأنها: اسم وفعل وحرف، أو تعريف العدد بأنه: زوج وفرد.
والتعريف بالحد الحقيقي أولى، ولم أر من ذكر تعريفه بالحد الحقيقي كما فعلوا في الماء الطهور، والأولى عندي في تعريفه بالحد الحقيقي أن يعرف بأنه: (ما طرأ عليه من غير النجاسة ما يخرجه عن خلقته حقيقة أو حكما)، وأو فيه للتنويع لا للتشكيك.
شرح التعريف:
والطارئ بكسر الراء خلاف الأصلي (١)، أو ما كان غريبا (٢).
فقولنا: (ما طرأ عليه) يدخل فيه: ما كان من غير جنس الماء كالملح المعدني، وما يشق صون الماء عنه كالطحلب وورق الشجر إذا وضع قصدا، وما لم يكن موافقا للماء في صفتيه الطهارة والطهورية كالتراب.
ويدخل فيه أيضا ما كان في غير محل التطهير؛ لأن كان في محل التطهير يكون الماء هو الذي يطرأ عليه لا العكس.
ومعنى قولنا: (ما يخرجه عن خلقته حقيقة) يعني غيَّر أحد أوصافه أو جميعها، ويدخل فيه كل ممازج للماء كالحبر والزعفران سواء أخرجه عن إطلاقه أم غيَّره
стр. 95
ولم يخرجه، وأما ما لا يمازج الماء كالدهن ونحوه فلا يُخرج الماء عن خلقته ولا يدخل في تعريفنا.
ويدخل فيه أيضا ما طبخ في الماء حتى أخرجه عن حقيقته.
وقولنا (أو حكما) يدخل فيه ما كان قليلا واستعمل في رفع حدث أو انغمست فيه يد المسلم القائم من النوم ويدخل فيه آخر غسلة زالت بها النجاسة، فإنها تنفصل طاهرة على الصحيح في المذهب ما لم تتغير (١)، فإن انفصلت متغيرة أو قبل إزالتها للنجاسة فنجسة، وأما ما كان كثيرا فلا يتغير حكمه باستعماله في رفع حدث أو بغمس اليد فيه، أو إزالة النجاسة به فلا يدخل في تعريفنا.
القسم الثالث - الماء النجس:
قال: (الثالث: نجس يحرم استعماله إلا للضرورة ولا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث وهو ما وقعت فيه نجاسة وهو قليل أو كان كثيرا وتغير بها أحد أوصافه).
وفيه مسائل:
- ضبط كلمة نجس:
قال الرحيباني في " مطالب أولي النهى" (١/ ٣٩): (نجس: بفتح الجيم وكسرها وضمها وسكونها وهو لغة: المستقذر).
- استعمالاته:
قوله: (يحرم استعماله إلا للضرورة ولا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث) فيه حكمان تكليفيان، وثلاثة أحكام وضعية.
стр. 96
أما الأولان: فحرمة استعمال الماء النجس في غير حالة الضرورة، وجواز استعماله في حالة الضرورة.
وأما الأحكام الوضعية فهي: أن استعماله في حالة الضرورة رخصة كإزالة الغصة بها عند خشية الهلاك، أو كبل التراب به كما سيأتي، وأنه لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث.
قال البهوتي في " كشاف القناع" (١/ ٣٨): (والماء النجس لا يجوز استعماله بحال) لقوله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف:١٥٧] والنجس خبيث (إلا لضرورة لقمة غص بها وليس عنده طهور ولا طاهر) لقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة: ١٧٣] أو لعطش معصوم من آدمي أو بهيمة سواء كانت تؤكل كالإبل والبقر (أو لا) كالحمر والبغال (ولكن لا تحلب) ذات اللبن إذا سقيت النجس (قريبا) قلت: بل بعد أن تسقى طاهرا يستهلك النجس كما في الزرع إذا سمد بنجس (أو لطفي حريق متلف) لدفع ضرورة (ويجوز بل التراب به) أي بالماء النجس (وجعله) أي التراب (طينا يطين به ما لا يصلى عليه) لأنه لا يتعدى تنجيسه ولا يجوز أن يطين به نحو مسجد) (١).
- ما وقعت فيه نجاسة وهو قليل:
قوله: (وهو ما وقعت فيه نجاسة وهو قليل)
قيد الشيخ مرعي الشق الأول من الحد بقيدين وهما: وقوع النجاسة فيه، وكونه قليلا.
والقيد الأول تحرزا من الماء المتغير في محل تطهير النجاسة فهو طهور على الصحيح في المذهب، وذلك لأن الماء في محل التطهير هو الذي يرد على النجاسة لا أن النجاسة تقع فيه.
روايات المذهب في تنجس الماء القليل بمجرد ملاقاة النجاسة:
الرواية الصحيحة في المذهب هي تنجس الماء القليل بمجرد ملاقاة النجاسة، وإن لم يتغير.
стр. 97
قال السَّامِري في "المستوعب" (١/ ٤٩): (وما دون القلتين ينجس بأي نجاسة أصابته غيرته أو لم تغيره، إلا في حال وروده عليها للتطهير به لأجل الضرورة ... وعنه: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير بالنجاسة، قليلا كان أو كثيرا واردا كان أو مورودا).
قال الكلوذاني في "الهداية" (ص/٤٧): (ماء نجس وهو ما دون القلتين إذا وقعت فيه نجاسة، وعنه لا ينجس الماء إلا بتغير أحد صفاته بالنجاسة، سواء كان قليلا أو كثيرا).
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٥٥): (فإن لم يتغير، وهو يسير. فهل ينجس؟ على روايتين) إحداهما: ينجس، وهو المذهب: وعليه جماهير الأصحاب قال في الكافي: أظهرهما نجاسته. قال في المغني: هذا المشهور في المذهب، قال ابن منجا: الحكم بالنجاسة أصح، قال في المذهب: ينجس في أصح الروايتين.
قال ابن تميم: نجس في أظهر الروايتين، قال ابن رَزِين في شرحه: ينجس مطلقا في الأظهر، قال في الخلاصة: فينجس على الأصح، قال في تجريد العناية: هذا الأظهر عنه. قال الزركشي: هي المشهورة والمختارة للأصحاب.
والرواية الثانية: لا ينجس. اختارها ابن عقيل والشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق. قال في الحاويين: وهو أصح عندي. قال في مجمع البحرين: ونصر هذه الرواية كثير من أصحابنا).
- حكم تنجس الماء القليل بمجرد ملاقاة النجاسة:
أدلة من قال بتنجيسه بمجرد الملاقاة:
استدل ابن ضويان للرواية الصحيحة في المذهب بقوله في "منار السبيل" (١/ ١٢): (لحديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض، وما ينو به من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" رواه الخمسة وفي لفظ ابن ماجه وأحمد لم ينجسه شئ يدل على أن ما لم يبلغهما ينجس. وقول النبي ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات" متفق عليه يدل على نجاسة من غير تغير، ولأن الماء اليسير يمكن حفظه في الأوعية، فلم يعف عنه. قاله في الكافي. وحمل حديث
стр. 98
بئر بضاعة على الكثير جمعاً بين الكل. قاله في المنتقى).
مناقشة وجه الاستدلال بهذه الأدلة:
أولا - حديث القلتين:
ووجه الاستدلال بحديث القلتين: اعتبار مفهوم المخالفة فيه وذلك بأن الماء القليل، وهو ما دون القلتين تؤثر فيه النجاسة، ولأنه ولقلته قد تبقى النجاسة فيه فيفضي استعماله إلى استعمالها.
ويجاب عن ذلك بأن هذا الجواب من النبي ﷺ إنما جاء جوابا لسؤال، وهذا مانع من اعتبار مفهوم المخالفة، ويكون معنى الحديث أن هذا الماء الذي تسألون عنه قد وصل من الكثرة لحد لا يحمل الخبث بل يستحيل فيه الخبث لكثرته، كما أن الاستدلال بمفهوم العدد هنا غير سديد، قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٧٧١): (تحقيق الكلام في مفهوم العدد: أن الحكم إذا قيد بعدد مخصوص ; فمنه ما يدل على ثبوت الحكم فيما زاد على ذلك العدد بطريق الأولى، ولا يدل على ثبوته فيما نقص عنه: كقوله ﵇: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. دل بطريق الأولى على أن ما زاد على القلتين لا يحمل الخبث، ولم يدل على ذلك فيما دون القلتين).
وقوله ﷺ : (لا يحمل الخبث) يدل على أنه مدار التنجيس على حمل الماء للخبث.
قال تقي الدين في "الفتاوى الكبرى" (١/ ٤٢٤): (في حديث القلتين: إنه سئل عن الماء يكون بأرض فلاة، وما ينويه من الدواب والسباع، فقال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» وفي لفظ: «لم ينجسه شيء» وأما مفهومه إذا قلنا بدلالة مفهوم العدد، فإنما يدل على أن الحكم في المسكوت مخالف للحكم في المنطوق بوجه من الوجوه ليظهر فائدة التخصيص بالمقدار، ولا يشترط أن يكون الحكم في كل صورة من صور المسكوت مناقضة للحكم في كل صورة من صور المنطوق. وهذا معنى قولهم: المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن كل ما لم يبلغ القلتين ينجس. بل إذا قيل بالمخالفة في بعض الصور حصل المقصود.
стр. 99
وأيضا: فإن النبي ﷺ لم يذكر هذا التقدير ابتداء، وإنما ذكره في جواب من سأله عن مياه الفلاة التي تردها السباع والدواب، والتخصص إذا كان له سبب غير اختصاص الحكم لم يبق حجة باتفاق، كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ [الإسراء: ٣١].
فإنه خص هذه الصورة بالنهي؛ لأنها هي الواقعة لا لأن التحريم يختص بها وكذلك قوله: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]. فذكر الزمن في هذه الصورة للحاجة، مع أنه قد ثبت «أن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة»، فهذا رهن في الحضر، فكذلك قوله: «إذا بلغ الماء قلتين» في جواب سائل معين بيان لما احتاج السائل إلى بيانه، فلما كان حال الماء المسئول عنه كثيرا قد بلغ قلتين، ومن شأن الكثير أنه لا يحمل الخبث، فلا يبقى الخبث فيه محمولا، بل يستحيل الخبث فيه لكثرته، بين لهم أن ما سألتم عنه لا خبث فيه، فلا ينجس، ودل كلامه ﷺ ، على أن مناط التنجيس هو كون الخبث محمولا، فحيث كان الخبث محمولا موجودا في الماء كان نجسا، وحيث كان الخبث مستهلكا غير محمول في الماء كان باقيا على طهارته، فصار حديث القلتين موافقا لقوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء». والتقدير فيه لبيان صورة السؤال، لا أنه أراد أن كل ما لم يبلغ قلتين فإنه يحمل الخبث، فإن هذا مخالف للحس، إذ ما دون القلتين قد لا يحمل الخبث ولا ينجسه شيء، كقوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وهو إنما أراد إذا لم يتغير في الموضعين، وأما إذا كان قليلا فقد يحمل الخبث لضعفه).
ثانيا - خبر الولوغ:
ووجه الاستدلال بقوله ﷺ : (طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) (١) على نجاسة الماء القليل دون تغير قياسه على هذا الماء الذي ولغ فيه الكلب.
ويجاب عن هذا الاستدلال بأن هذا القياس مع الفارق لأمرين:
стр. 100
الأول - ما ثبت علميا من أن لعاب الكلب فيه جرثومة لا يزيلها إلا التراب.
الثاني - طريقة شرب الكلب للماء قال تقي الدين في " الفتاوى الكبرى" (١/ ٤٢٥): (الكلب يلغ بلسانه شيئا بعد شيء، فلا بد أن يبقى في الماء من ريقه ولعابه ما يبقى وهو لزج، فلا يحيله الماء القليل، بل يبقى، فيكون ذلك الخبث محمولا، والماء يسيرا، فيراق ذلك الماء لأجل كون الخبث محمولا فيه، ويغسل الإناء الذي لاقاه ذلك الخبث).
ثالثا - خبر الاستيقاظ:
وقد سبق الكلام عنه تفصيليا وبيان أن الماء الذي غمس المستيقظ من النوم فيه يده طهور.
رابعا - حديث النهي عن البول في الماء الدائم:
وسبق مناقشته وبيان أن النهي ليس من أجل تنجيسه بمجرد البول، وإنما النهي لعلل وهي (١):
١ - سد للذريعة؛ لأن الإذن بالبول فيه قد يفضي إلى تنجيسه من كثرة توارد من يبول فيه.
٢ - لأن البول فيه يؤدي إلى استقذاره فالنفوس مجبولة على استقذار الماء الراكد الذي يبال فيه فيذهب عنهم نفعه ووجوه استعماله، ومن هنا تفهم علة النهي عن الاغتسال منه أيضا.
٣ - النهي لقطع الوساوس التي تطرأ على من يستخدم الماء الذي بيل فيه، وتشكيكه هل استخدم البول باستخدام الماء أم لا؟
خامسا -
وأما قول ابن قدامة في "الكافي" (ص/٣٠): (لأن الماء اليسير يمكن حفظه في الأوعية فلم يعف عنه).
فلا تصح هذه الملازمة طردا ولا عكسا، فليس كل ما يمكن حفظه لا يعف عنه، كما أنه ليس كل ما لا يمكن حفظه يعف عنه فالماء الكثير لا يمكن حفظه، ولكنه
стр. 101
إذا تغير بنجاسة تنجس كما سيأتي، كما أنه يمكن أن يقال أن حفظ هذا الماء في الأوعية يحتاج لكلفة ومشقة، والمشقة تجلب التيسير فيعفى عن تغيره للحاجة والمشقة، وأنا وإن لم أكن أقول هذا استدلالا به وإنما أردت بيان قطع الملازمة المذكورة، وأنها تحتاج للاستدلال لها، لا بها.
أدلة من قال بعدم تنجيسه ما لم يتغير:
أولا - حديث يئر بضاعة:
ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله، أتتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن الماء طهور لا ينجسه شيء»، والحديث صححه الإمام أحمد وغيره، وهو صحيح بطرقه وشواهده.
والماء صيغة عموم تشمل القليل والكثير، وكما سبق فإنه ليس مع من ذهب لتخصيصه بالكثير دليل يصح.
قال ابن المنذر في "الإجماع" (ص: ٣٥): (وأجمعوا على أن الماء القليل، والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت للماء طعما، أو لونا، أو ريحًا: أنه نجس ما دام كذلك) فجعل مدار التنجيس التغير لا الكثرة ولا القلة.
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٣٣): (قال أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح. وهو في المسند أيضا عن ابن عباس ﴿أن النبي ﷺ قال: الماء طهور لا ينجسه شيء﴾ وهذا اللفظ عام في القليل والكثير وهو عام في جميع النجاسات. وأما إذا تغير بالنجاسة فإنما حرم استعماله لأن جرم النجاسة باق ففي استعماله استعمالها بخلاف ما إذا استحالت النجاسة فإن الماء طهور وليس هناك نجاسة قائمة. ومما يبين ذلك: أنه لو وقع خمر في ماء واستحالت ثم شربها شارب لم يكن شاربا للخمر؛ ولم يجب عليه حد الخمر؛ إذ لم يبق شيء من طعمها ولونها وريحها ولو صب لبن امرأة في ماء واستحال حتى لم يبق له أثر وشرب طفل ذلك الماء: لم يصر ابنها من الرضاعة بذلك. وأيضا: فإن هذا باق على أوصاف خلقته؛ فيدخل في عموم قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [النساء: ٤٣] فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة لا طعمه ولا لونه ولا ريحه).
стр. 102
ثانيا - تطهير بول الأعرابي:
ما ثبت عن النبي ﷺ أنه طهر قليل النجاسة بقليل الماء كما في حديث بول الأعرابي، وفيه دليل على أن الماء القليل الذي خالطته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه طهور وإلا لما كان لصب الماء فائدة ولما طهر المسجد.
ولا يقال أن هذا في محل التطهير لأنه كما سبق أن هذا التفريق لا يصح، والشرع لا يفرق بين المتماثلات، فنتيجة ورود الماء على النجاسة لتطهيرها هي بعينها نتيجة وقوع النجاسة في الماء، فكل منهما ماء قليل فيه نجاسة لم تغيره، فهو باق على إطلاقه.
الترجيح:
وعليه فالراجح أن الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره أنه باق على إطلاقه ولا يحكم بنجاسته إلا إذا تغيرت أحد أوصافه.
- ما وقعت فيه نجاسة وهو كثير:
قوله: (أو كان كثيرا وتغير بها أحد أوصافه)
وأما الماء الكثير فلا ينجس إلا إن تغير وقد دلَّ على ذلك الإجماع، قال ابن المنذر في "الإجماع" (ص: ٣٥): (وأجمعوا على أن الماء القليل، والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت للماء طعما، أو لونا، أو ريحًا: أنه نجس ما دام كذلك. وأجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر، ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لوناً ولا طعما ولا ريحا: أنه بحاله، ويتطهر منه).
وقال ابن حزم في " مراتب الإجماع" (ص / ١٧) حيث قال: (واتفقوا أن الماء الراكد إذا كان من الكثرة بحيث إذا حرك وسطه لم يتحرك طرفاه ولا شيء منهما فانه لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته).
استثناء البول فيما يمكن نزحه:
قال أبو داود في "مسائله للإمام أحمد" (ص:٧): (سمعت أحمد، قيل له: البئر يقع فيها الفأرة والسنور؟ فقال: أما مثل هذه الآبار إذا كان الماء كثيرا ما لم يتغير طعما أو ريحا فأرجو، إلا من بول).
стр. 103
وقال في مسائله من رواية ابنه صالح (١/ ٣٠١): (الذي سمعنا أن الماء إذا كان قدر قلتين أو ثلاث لم ينجس والقلال قلال هجر فإذا كان الماء خمس قرب ست قرب كلما كان أكثر فهو أحب إلينا لم ينجسه إلا ما كان غير طعمه أو ريحه فإذا تغير طعم أو ريح أو لون لم يقرب إلا البول والعذرة الرطبة التي تقع في الماء فلا يقدر عليها فإن ذلك ينجس إلا أن تكون هذه المصانع التي في طريق مكة فإن ذلك لا ينجسه شيء).
قال الخرقي في "مختصره" (ص: ١١): (وإذا كان الماء قلتين فوقعت فيه نجاسة فلم يوجد له طعم ولا رائحة ولا لون فهو طاهر إلا أن تكون النجاسة بولا أو عذرة مائعة فإنه ينجس إلا أن يكون الماء مثل المصانع التي بطريق مكة وما أشبهها من المياه الكثيرة التي لا يمكن نزحها فذلك الذي لا ينجسه شيء).
قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٣٠): (ما يمكن نزحه إذا بلغ قلتين فلا يتنجس بشيء من النجاسات، إلا ببول الآدميين، أو عذرتهم المائعة؛ فإن فيه روايتين عن أحمد، أشهرهما: أنه يتنجس بذلك ... والرواية الثانية، أنه لا يتنجس ما لم يتغير، كسائر النجاسات، اختارها أبو الخطاب، وابن عقيل، وهذا مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم لا يفرقون بين البول وغيره من النجاسات) (١).
فائدة - تحديد الماء الذي لا يمكن نزحه:
قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٦١): (اختلف الأصحاب في مقدار الذي لا يمكن نزحه، والصحيح من المذهب: أنه مقدر بالمصانع التي بطريق مكة.
صرح به الخرقي، وصاحب المستوعب، والفروع، وابن رزين، وغيرهم. قال المصنف في المغني: ولم أجد عن إمامنا ولا عن أحد من أصحابنا تحديد ما لا يمكن نزحه بأكثر من تشبيهه بمصانع مكة. وقال في المبهج: ما لا يمكن نزحه في الزمن اليسير. قال: والمحققون من أصحابنا يقدرونه ببئر بضاعة. وقدره سائر الأصحاب بالمصانع الكبار، كالتي بطريق مكة. وجزم في الرعاية الصغرى، والحاويين: بأنه الذي لا يمكن نزحه عرفا، وقدمه في الرعاية الكبرى. وقال:
стр. 104
كمصانع طريق مكة).
بيان وجه الرواية المشهورة:
اعلم أنه تدافع هذه المسألة دليلان، وهما حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم)، وحديث (إن الماء إذا كان قلتين لم يحمل الخبث) ووجه الرواية المذكورة هي تخصيص عموم الثاني بالأول.
والصواب أن هذين الحديثان بينهما عموم وخصوص وجهي، وتخصيص عموم أحدهم ليس بأولى من العكس، وإيضاح ذلك كالتالي:
الحديث الأول عام في الماء القليل والكثير، وخاص بالبول، والحديث الثاني عام في كل الخبث من بول أو غائط، أو حيض أو ميتة، وغير ذلك، خاص بالقلتين، وما فوقه.
ولو خصصنا عموم حديث النهي عن البول بحديث القلتين لكانت النتيجة هي أن النهي عن البول أصبح خاصا بالماء القليل دون الكثير عملا بخصوص حديث القلتين، ولو خصصنا عموم حديث القلتين بالنهي عن البول، لكانت النتيجة: أن الماء الذي يبلغ قلتين وأكثر لا يحمل من الخبث إلا البول، وهذه هي الرواية المشهورة عن الإمام أحمد.
تنبيه:
اعلم أننا لو اخترنا ترجيح التخصيص من أحد الوجهين فقط لكان تخصيص عموم الأول بالثاني أولى من العكس بمعنى أنه يكون الأقرب أن نخصص عموم حديث النهي عن البول في الماء الدائم بالماء الكثير فيكون النهي خاص بما دون القلتين، وذلك لأن الإمام أحمد خصصه بما يشق نزحه وجعل النهي خاصا بما لا يشق نزحه، وهذا تخصيص بالرأي، والأولى منه التخصيص بالحديث.
قال ابن قدامة في "المغنى" (١/ ٣٠): (حديث أبي هريرة - أي حديث النهي عن البول في الماء الدائم - لا بد من تخصيصه، بدليل ما لا يمكن نزحه، فيقاس عليه ما بلغ القلتين، أو يخص بخبر القلتين، فإن تخصيصه بخبر النبي ﷺ أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم من غير دليل).
стр. 105
الترجيح:
والراجح أن لا نقول في مثل هذه المسألة بتخصيص أحد العمومين بالأخر دون العكس بل لابد من حل النزاع بين هذه الأدلة التي بينها وعموم وخصوص وجهي في جهتي الخصوص.
فتكون المسألة التي حصل فيها التعارض بين الخاصين هي: هل الماء الكثير لا يحمل من النجاسات إلا البول فقط؟
والجواب أن الإمام أحمد توسع وأدخل مع البول العذرة المائعة، والراجح أن ذكر البول في الحديث جاء تنبيها على غيره مما يشاركه في الاستقذار، وأن غير البول من سائر النجاسات يقاس عليه كما ألحق به العذرة، بل إن بعض النجاسات أسرع تنجيسا للماء من البول.
قال ابن قدامة في "المغنى" (١/ ٣٠) مبينا وجه قياس غير البول عليه: (لأن بول الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب، وهو لا ينجس القلتين، فبول الآدمي أولى ... ولأنه لو تساوى الحديثان لوجب العدول إلى القياس على سائر النجاسات).
وعليه فالراجح أن النهي غير خاص بالبول وأن مدار التنجيس للماء القليل أو الكثير هو التغير بالنجاسة.
تعريف الماء النجس:
عرفه الماتن بقوله: (ما وقعت فيه نجاسة وهو قليل أو كان كثيرا وتغير بها أحد أوصافه).
إلا أن هذا الحد فيه دور لتعريفه الماء النجس بالنجاسة، كما أنه غير جامع فلا يدخل فيه أنواع من ماء النجس على المذهب:
- منها ما انفصل عن محل نجاسة متغيرا أو كان غير متغير وانفصل قبل زوالها أو قبل الغسلة السابعة بناء على وجوب السبع الغسلات، وأن النجاسة لا تزول بدونها.
وكل هذه الأنواع غير داخلة في التعريف؛ لأن النجاسة لم تقع في الماء بل الماء هو الذي ورد على النجاسة.
стр. 106
قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٤٣): (ما أزيلت به النجاسة، إن انفصل متغيرا بالنجاسة، أو قبل طهارة المحل، فهو نجس؛ لأنه تغير بالنجاسة أو ماء قليل لاقى محلا نجسا لم يطهره، فكان نجسا، كما لو وردت عليه).
قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٨): (فإن انفصل متغير بالنجاسة فنجس (مع زواله) أي الخبث فإن انفصل والخبث باق فنجس مطلقا متغير أو غير متغير (عن محل، طهر) أي صار طاهرا، فإن لم يكن المحل طهر، كما قبل السابعة حيث اعتبر السبع: فنجس مطلقا).
وقال في: "الروض المربع" (ص: ١٣): (أو انفصل عن محل نجاسة) متغيرا أو (قبل زوالها) فنجس، فما انفصل قبل السابعة نجس، وكذا ما انفصل قبل زوال عين النجاسة ولو بعدها أو متغيرا).
ومنها - ما كان كثيرا مما لا يشق نزحه ووقع فيه البول أو العذرة المائعة فيتنجس وإن لم يتغير.
ويمكن على طريقة التعريف بالتقسيم زيادة الأنواع السابقة، والأولى عندي في تعريفه بالحد الحقيقي أن نقول أنه: (ما تغير حقيقة أو حكما بما ليس طاهرا).
فقولنا: (ما تغير حقيقة بما ليس طاهرا) يدخل فيه ما تغير أحد أوصافه بالنجاسة سواء أكان كثيرا، أو انفصل عن محل النجاسة متغيرا بها.
وقولنا: (ما تغير حكما بما ليس طاهرا) يدخل فيه ما وقعت فيه النجاسة وهو قليل، وما لاقى البول أو العذرة المائعة وكان كثيرا ولا يشق نزحه. وما انفصل قبل زوال النجاسة أو قبل الغسلة السابعة.
- طرق تطهير الماء المتنجس:
قوله: (فإن زال تغيره بنفسه أو بإضافة طهور إليه أو بنزح منه ويبقى بعده كثير طهر).
ذكر الماتن هنا ثلاث طرق لتطهير الماء المتنجس:
الأولى - أن يزول تغيره بنفسه.
الثانية - بالمكاثرة وهي إضافة ماء طهور إليه.
الثالثة - بالنزح منه ويبقى بعده كثير.
стр. 107
ولنتوقف مع كل طريقة من هذه الطرق بشيء من التفصيل:
الطريقة الأولى - أن يزول تغيره بنفسه:
ويزول تغيره بنفسه أي بمكثه بدون إضافة أو نزح، والمقصود استحالة النجاسة فيه وقد سبق وأن تكلمت عن مسألة إن الماء يدفع النجاسة عن غيره، ولا يزيلها عن نفسه فراجعها.
وهنا احتمالات بعضها مرفوض، فالماء هنا قد يكون قليلا، وقد يكون كثيرا، والكثير ينقسم إلى ما يمكن نزحه وما لا يمكن نزحه.
والمُغِّير ينقسم إلى بول الآدمي وعذرته وغيرهما، فتحصل عندنا أربعة احتمالات، وهي:
الأول - أن يكون الماء قليلا، وهذا ينجس بمجرد الملاقاة ولا سبيل لتطهيره بنفسه بحال على المذهب فهذا الاحتمال غير مقصود عند الماتن.
قال إبراهيم بن مفلح في " المبدع" (١/ ٣٩): (النجس القليل لا يطهر بزوال تغيره بنفسه، لأنه علة نجاسته الملاقاة لا التغيير) (١).
الثاني - أن يكون كثيرا ويمكن نزحه، والمُغِّير بول الآدمي، أو عذرته فهذا بناء على الرواية المشهورة في المذهب من أنه يتنجس وإن لم يتغير فلا سبيل لتطهيره بنفسه.
الثالث - أن يكون كثيرا ويمكن نزحه، والمُغِّير له أي نجاسة أخرى غير بول الآدمي، أو عذرته فهنا يمكن زوال تغيره بنفسه بطول مكثه واستحالة النجاسات فيه.
قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٦٤): (وإن كان مما يمكن نزحه ... وإن كان متنجسا بنجاسة غير البول والعذرة، فالصحيح من المذهب: أنه يطهر بزوال تغيره بنفسه. وقطع به جمهور الأصحاب، منهم صاحب الهداية، والمذهب، والمستوعب، والخلاصة، والكافي، والمحرر، والوجيز، والنظم، والفائق، وغيرهم. قال في الفروع والرعايتين، والحاويين: ويطهر الكثير النجس بزوال تغيره بنفسه
стр. 108
على الأصح. وقال ابن تميم: أظهرهما يطهر. وقال ابن عبيدان: الأولى يطهر، وقدمه في الشرح وغيره. وقال ابن عقيل: هل المكث يكون طريقا إلى التطهير؟ على وجهين. وصحح أنه يكون طريقا إليه. وعنه لا يطهر بمكثه بحال. قال ابن عقيل: يحتمل أن لا يطهر إذا زال تغيره بنفسه، بناء على أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة. وأطلقهما في التلخيص، والبلغة).
الرابع - أن يكون الماء كثيرا، ولا يمكن نزحه، ولا بد أن يكون متغيرا فهنا لا فرق بين النجاسات، ويمكن تطهيره بنفسه بطول مكثه واستحالة النجاسات فيه.
وعليه فمقصود عبارة الماتن أن ما يطهر بنفسه هو ما كان كثيرا ولا يمكن نزحه، وتغير بأي نجاسة، أو ما كان كثيرا ويمكن نزحه، والمُغِّير له أي نجاسة أخرى غير بول الآدمي، أو عذرته.
الطريقة الثانية - التطهير بالمكاثرة:
والمكاثرة هي أن يصب فيه أو ينبع فيه ماء طهور.
وهنا احتمالات وهي أن يكون الماء قليلا، وينقسم لقسمين وهما أن يكون متغيرا، أو غير متغير وكل منهما ينقسم إلى ما غيره أو خالطه بول أو عذرة، أو غيرهما.
وأما الماء الكثير وينقسم إلى ما لا يمكن نزحه، وما يمكن نزحه.
والأول ينقسم إلى ما غيَّره أو خالطه بول أو عذرة آدمي، أو غيرهما. وهذا لا ينجس إلا بالتغير.
والثاني وهو ما يمكن نزحه، وينقسم إلى ما غيَّره أو خالطه بول أو عذرة آدمي سواء غيره أم لا، وإلى ما غيره غيرهما وهذا لا ينجس إلا بالتغير.
فتحصل عندنا ثمانية احتمالات وهي:
الأول - أن يكون الماء قليلا وتغير ببول آدمي، أو عذرته، فهذا يطهر بالمكاثرة إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه ما لا يمكن نزحه ويزول به التغير.
الثاني - أن يكون تغير الماء القليل بغيرهما وهذا يطهر بالمكاثرة، إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه قلتين طاهرتين، فيزول بهما تغيره.
стр. 109
الثالث- أن يكون الماء القليل غير متغير، وقد لاقى بول أو عذرة الآدمي، والتطهير يكون بالمكاثرة فهذا يطهر بالمكاثرة إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه ما لا يمكن نزحه.
الرابع - أن يكون الماء القليل غير متغير، وقد لاقي الماء غيرهما من النجاسات، والتطهير يكون بالمكاثرة إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه قلتين طاهرتين، فيزول بهما تنجيسه.
قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٢٧) شارحا الحالة الأولى والرابعة: (ما دون القلتين، فتطهيره بالمكاثرة بقلتين طاهرتين، إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه، فيزول بهما تغيره إن كان متغيرا، وإن لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة؛ لأن القلتين لا تحمل الخبث، ولا تنجس إلا بالتغير، ولذلك لو ورد عليها ماء نجس لم ينجسها ما لم تتغير به، فكذلك إذا كانت واردة، ومن ضرورة الحكم بطهارتهما طهارة ما اختلطتا به).
الخامس - أن يكون الماء كثيرا، ولا يمكن نزحه، وقد خالطه أي نجاسة فلا فرق هنا بين البول والعذرة، أو غيرهما وهذا الماء لا ينجس إلا بالتغير وتطهيره يكون بالمكاثرة حتى يزول تغيره.
السادس - أن يكون كثيرا ويمكن نزحه ويكون تنجيسه بمخالطة بول أو عذرة آدمي وقد تغير بهما فتطهيره يكون بالمكاثرة إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه ما لا يمكن نزحه ويزول به التغير.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٦٤): (إذا كان الماء المتنجس - أي ببول أو عذرة - كثيرا، وكان متغيرا بأحدهما. فإن كان مما يمكن نزحه. فتطهيره بإضافة ما لا يمكن نزحه إليه، جزم به ابن عبيدان وغيره. فإن أضيف إليه ما يمكن نزحه لم يطهره على الصحيح من المذهب. وقيل: يطهره. وأطلقهما في الرعاية الكبرى).
السابع - أن يكون كثيرا ويمكن نزحه ويكون تنجيسه بمخالطة بول أو عذرة آدمي ولكنه لم يتغير بها فتطهيره يكون بالمكاثرة إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه ما لا يمكن نزحه.
стр. 110
قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٦٣): (إن كان المتنجس بأحدهما - أي البول أو العذرة - إذا لم يتغير، وقلنا: إنهما ليسا كسائر النجاسات فالصحيح من المذهب: أنه لا يطهر إلا بإضافة ما لا يمكن نزحه. قطع به في المستوعب، والشرح، والفائق، وابن عبيدان، وغيرهم، وقدمه في الفروع، والرعايتين، وغيرهم. وقيل: يطهر إذا بلغ المجموع ما لا يمكن نزحه. وأطلقهما ابن تميم. وقيل: يطهر بإضافة قلتين طهوريتين، وهو ظاهر كلام المصنف هنا. قال ابن تميم: وهو ظاهر كلام القاضي في موضع ... ).
الثامن - أن يكون كثيرا ويمكن نزحه ويكون تنجيسه بمخالطة غيرهما وهذا لا ينجس إلا إذا تغير وتطهيره يكون بالمكاثرة حتى يزول التغير.
كيفية المكاثرة:
سبق وأن ذكرنا أن المكاثرة تكون إما بأن يصب فيه أو ينبع فيه ماء طهور،
وهذا الماء المتكاثر به يشترط أن يكون قلتين إذا كان الماء قليلا وتنجس بغير البول أو عذرة الآدمي المائعة.
ويشترط أن يكون لا يمكن نزحه إذا كان التغير ببول أو عذرة الآدمي المائعة.
هذا القول هو الصحيح في المذهب.
وهناك قول آخر ضعيف في المذهب بأن تكون المكاثرة حتى يصير الكل - أي الماء المتنجس والمتكاثر به - قلتين، أو ما لا يمكن نزحه.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٦٤): (إذا كان الماء المتنجس - أي ببول أو عذرة - كثيرا، وكان متغيرا بأحدهما.
فإن كان مما يمكن نزحه. فتطهيره بإضافة ما لا يمكن نزحه إليه، جزم به ابن عبيدان وغيره. فإن أضيف إليه ما يمكن نزحه لم يطهره على الصحيح من المذهب. وقيل: يطهره. وأطلقهما في الرعاية الكبرى .... وإن كان مما يمكن نزحه فتطهيره بإضافة ما لا يمكن نزحه عرفا كمصانع مكة على الصحيح من المذهب. وقيل: كبئر بضاعة، وإن زال تغيره بطهور يمكن نزحه فلم يمكن نزحه: لم يطهر على الصحيح من المذهب. وقيل: يطهر).