القسم الأول: الماء الطهور
قوله: (أحدها: طهور وهو الباقي على خلقته)
قال البهوتي في " شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٥): (الماء الطهور هو الماء الباقي على خلقته أي صفته وهي الطهورية أي هو الماء المطلق الذي لم يقيد بوصف دون آخر وهو ماء البحر والنهر ونبع الأرض من عين أو بئر وما نزل من السماء من مطر وثلج وبرد عذبا كان أو مالحا باردا أو حارا ولو تصاعد الماء ثم قطر كبخار الحمامات لأنه لم يطرأ عليه ما يزيل طهوريته أو استهلك فيه أي الطهور ماء يسير مستعمل أو استهلك فيه مائع طاهر كلبن ولو كان استهلاكه فيه لعدم كفاية الطهور للطهارة قبله ولم يغيره ما استهلك فيه ان كان مخالفا له في الصفة أو الفرض فيجوز استعماله وتصح الطهارة به والخلاف المشار اليه في ذلك لا في سلب الطهورية كما ذكره ابن قندس خلافا للرعايتين والفروع وتبعهم في شرحه فإن غيره سلب الطهورية ويأتي توضيحه أو استعمل الطهور في طهارة لم تجب كتجديد وغسل جمعة أو استعمل في غسل كافر ولو ذميه من حيض أو نفاس لحل وطء لمسلم فلا يسلبه الطهورية لأنه لم يرفع حدثا والكافر ليس من أهل النية أو غسل به أي الطهور ولو يسيرا رأس بدلا عن مسح في وضوء فلا يسلبه الطهورية لعدم وجوب غسله في الوضوء ... ).
مناقشة التعريف:
وهذا التعريف غير جامع فلا يشمل بعض الأنواع التي مثلَّ بها له كالمتغير بملح مائي أو بما لا يمازجه كتغيره بالعود القَماري (١) وقطع الكافور والدهن والمتغير بطول المكث أو بالريح من نحو ميتة أو بما يشق صون الماء عنه كطحلب وورق شجر.
والأولى تعريف الحجاوي حيث قال في "الإقناع" (١/ ٢٥): (هو الباقي على خلقته حقيقة أو حكما) والمقصود بقوله حقيقة: أي الذي لم يتغير شيء من أوصافه، وحكماً: أي المتغير بما لا يسلبه الطهورية فيدخل فيه الأنواع السابقة.
стр. 37
قوله: (يرفع الحدث ويزيل الخبث) .
والمقصود بيان أن هذا الماء الطهور يرفع الحدث الأكبر والأصغر، وأنه يزيل الخبث الطارئ على محل طاهر قبل طرؤه؛ لأن نجس العين لا يطهر فلو أن كلبا غسلناه بالماء مرات عديدة لا يطهر.
وعليه فطهارة المحل من الخبث تكون بإزالته عن المكان المراد تطهيره، أو باستحالتها على خلاف في المذهب في الاستحالة وسيأتي - بإذن الله -.
فائدة - الأدلة على أن الماء الطهور يرفع الحدث ويزيل الخبث:
قال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ١٥): (لقوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [الأنفال: ١١] وقول النبي ﷺ : (اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد) متفق عليه وقوله في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه الخمسة وصححه الترمذي).
وكلمة ماء في الآية نكرة في سياق الامتنان فتعم كل ماء نازل من السماء كالثلج والبرد والمطر.
والطهارة تشمل الحسية والمعنوية يعني من الحدث والخبث ومن الذنوب والمعاصي.
وقوله ﷺ في الحديث عن ماء البحر (الطهور) يدل بالتنبيه على ما طهورية الماء الغير متغير كالماء العذب، وطهارة الماء الآجن، وهو المتغير بطول المكث وأصل المنبع كما نص عليه ﷺ في حديث بئر بضاعة عندما سألوه عن التوضؤ منها فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء).
ومن الأدلة أيضا على تطهير الماء للخبث ما رواه الترمذي وغيره عن أسماء بنت أبي بكر: (أن امرأة سألت النبي ﷺ عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة؟ فقال رسول الله ﷺ حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه وصلي فيه).
وما رواه مسلم عن أنس (أن أعرابيا بال في المسجد فقام إليه بعض القوم فقال رسول الله ﷺ : (دعوه ولا تزرموه قال فلما فرغ دعا بدلو من
стр. 38
ماء فصبه عليه).
وقد أجمع العلماء على التطهر بالماء الذي لم يخالطه نجاسة (١).
وأجمعت الأمة أن الماء مطهر للنجاسات (٢).
مسألة - الماء يدفع النجاسة عن غيره، ولا يزيلها عن نفسه:
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٥٠٦): (فإن قيل الماء يدفع النجاسة عن غيره فعن نفسه أولى وأحرى.
قيل الجواب عن ذلك: أن الماء إنما دفعها عن غيره لأنه يزيلها عن ذلك المحل وتنتقل معه فلا يبقى على المحل نجاسة وأما إذا وقعت فيه فإنما كان طاهرا لاستحالتها فيه لا لكونه أزالها عن نفسه ... وإذا كان كذلك لم يلزم من كون الماء يزيلها إذا زالت معه أن يزيلها إذا كانت فيه ... فدل ذلك على أن استحالة النجاسة بملاقاته لها فيه لا ينجس وإن لم تكن قد زالت كما زالت عن المحل فإن من قال أنه يدفعها عن نفسه كما يزيلها عن غيره فقد خالف المشاهدة ... ).
النوع الأول - ما ليس مباحا:
قوله: (وهو أربعة أنواع: ماء يحرم استعماله ولا يرفع الحدث ويزيل الخبث وهو ما ليس مباحا).
وقوله: (ما ليس مباحا) أي كمغصوب أو مسروق، أو ما أُشتري بمال مغصوب أو مسروق، أو بماء مسبل لشرب، أو ماء آبار ديار ثمود - إلا بئر الناقة - ونحو ذلك.
اجتمع في كلام الماتن ﵀ حكمان تكليفيان وحكمان وضعيان (٣). أما الأولان فهما: حرمة غصب الماء وحرمة استعماله، وأما الوضعيان فإن هذا الماء غير المباح لا يرفع الحدث، ويزيل الخبث.
стр. 39
وفي كونه لا يرفع الحدث ويزيل الخبث خلاف في المذهب كما سيأتي - بإذن الله -.
مسألة - الخلاف في اشتراط إباحة الماء لرفع الحدث:
قال البهوتي في "المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد" (١/ ١٣٤): (لا يصح الوضوء بالماء المغصوب، كالصلاة في الثوب المغصوب، وكالوضوء الغسل ومثل المغصوب: المسروق والمنهوب ونحوه، على قياسه الماء المسبل للشرب وماء آبار ديار ثمود غير بئر الناقة لحديث (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) لكن قياس ما يأتي في الصلاة في المغصوب إذا كان عالما ذاكرا لا جاهلا وناسيا ... ).
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٨ - ٢٩): (وأما الوضوء بالماء المغصوب: فالصحيح من المذهب: أن الطهارة لا تصح به. وهو من مفردات المذهب. وعنه: تصح وتكره , واختاره ابن عبدوس في تذكرته).
قال ابن رجب في "القواعد" (ص/١٢): ((القاعدة التاسعة): في العبادات الواقعة على وجه محرم , إن كان التحريم عائدا إلى ذات العبادة على وجه يختص بها لم يصح , وإن كان عائدا إلى شرطها فإن كان على وجه يختص بها فكذلك أيضا , وإن كان - أي الشرط - لا يختص بها ففي الصحة روايتان أشهرهما عدمها , وإن عاد إلى ما ليس بشرط فيها ففي الصحة وجهان واختار أبو بكر عدم الصحة وخالفه الأكثرون فللأول أمثلة كثيرة: (منها) صوم يوم العيد فلا يصح بحال على المذهب ... وللثاني أمثلة كثيرة: (منها) الصلاة بالنجاسة وبغير سترة وأشباه ذلك وللثالث أمثلة كثيرة: (منها) الوضوء بالماء المغصوب (ومنها) الصلاة في الثوب المغصوب والحرير وفي الصحة روايتان , وعلى رواية عدم الصحة فهل المبطل ارتكاب النهي في شرط العبادة , أم ترك الإتيان بالشرط المأمور به. للأصحاب فيه مأخذان ينبني عليهما لو لم يجد إلا ثوبا مغصوبا فصلى فيه فإن عللنا بارتكاب النهي لم تصح صلاته , وإن عللنا بترك المأمور صحت لأنه غير واجد لسترة يؤمر بها , وأما من لم يجد إلا ثوب حرير فتصح صلاته فيه بغير خلاف على أصح الطريقين لإباحة لبسه في هذه الحال ... ).
стр. 40
وقول ابن رجب: (وإن كان - أي الشرط - لا يختص بها ففي الصحة روايتان أشهرهما عدمها)
والقول بالبطلان في هذه الحالة هو الصحيح من مذهب أحمد إلا أن الأقوى أنه يقتضي الفساد لا البطلان، وهذا هو ما اختاره الطوفي وغيره، قال الطوفي في مختصره بعد أن استعرض الأقوال في المسألة: (والمختار أن النهي عن الشيء لذاته، أو وصف لازم له مبطل، ولخارج عنه غير مبطل، وفيه لوصف غير لازم تردد، والأولى الصحة). وانتصر لذلك في شرحه فقال (٢/ ٤٤٠): (- وإن كان النهي عن الفعل لوصف له، لكنه غير لازم؛ ففيه تردد، إذ بالنظر إلى كونه وصفًا للفعل يقتضي البطلان، كما لو نهي عنه لذاته، أو لوصف لازم، وبالنظر إلى كونه غير لازم لا يقتضي البطلان، كما لو نهي عنه لأمر خارج، وهو أولى تغليبًا لجانب العرضية على جانب الوصفية، إذ بكونه عارضًا يضعف كونه وصفًا؛ فلا يلحق بالوصف اللازم؛ لأن لزومه يؤكد وصفيته ويقويها.
ومما يصلح مثالًا لهذا القسم النهي عن البيع وما في معناه من العقود وقت النداء، وإنما نهي عنه، لكونه بالجملة متصفًا بكونه مفوتًا للجمعة، أو مفضيًا إلى التفويت بالتشاغل بالبيع، لكن هذا الوصف غير لازم للبيع لجواز أن يعقد مائة عقد ما بين النداء إلى الصلاة، ثم يدركها؛ فلا تفوت؛ فالأولى في هذا العقد الصحة لوجوه:
أحدها: ضعف المانع لصحته، وهو هذا الوصف الضعيف العرضي.
الثاني: معارضته بأن الأصل صحة تصرفات المكلفين، خصوصًا في معاملاتهم التي راعى الشرع مصالحهم فيها؛ فلا يترك هذا الأصل إلا لدليل قوي سالم عن معارض ...
الثالث: أن ضعف المانع، وقوة المعارض المذكورين، تعاضدا على تخصيص النص المقتضي للمنع، وهو قوله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، إذ ذلك يدل على أن المنهي عنه بيع خاص، وهو المفوت للصلاة، مثل أن يشرع في مساومة بيع تتطاول مدته عند تكبير الإمام للجمعة، أو قريبًا منه، وصحة البيع عند النداء تكره ولا تفسد عند أبي
стр. 41
حنيفة وغيره، وهو وجه مخرج عندنا، وهو قوي لما ذكرنا.
والصحيح من مذهب أحمد أنه لا يصح لظاهر النهي، وما ذكرناه في تضعيف اقتضائه البطلان وارد عليه، والله تعالى أعلم بالصواب) (١).
وعليه فالصحيح أن الماء الغير مباح يرفع الحدث.
مسألة - الخلاف في اشتراط إباحة الماء لإزالة الخبث:
قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٤): (زوال خبث أي نجس حكمي به أي بالماء الطهور ولو لم يبح فتزول النجاسة بنحو مغصوب؛ لأن إزالتها من قسم التروك بخلاف رفع الحدث).
وقال في "المنح الشافيات" (١/ ١٣٥): (وأما إزالة النجاسة بالماء فلا يشترط فيها إباحته لأنها من قبيل التروك).
قال ابن مفلح في "الفروع" (١/ ٢٥٩): (لا يجوز إزالة نجاسة إلا بماء طهور (وم ش) وقيل مباح (خ)).
والمعروف أن ابن مفلح يقدم الرواية الراجحة في المذهب، وأنه إن قال: وقيل كذا فالمُقَّدم خلافه.
وعليه فكأنه حكي القول القائل بأنه لا يجوز إزالة النجاسة إلا بماء مباح مضعفا له وبيَّن أن القول المقدم خلافه فيكون المقدم في المذهب أنه يجوز إزالة النجاسة بماء غير مباح وقول الشيخ مرعي موافق لقوله.
ولكن قال إبراهيم بن مفلح في "المبدع" (١/ ٢٣٥): (لأنها طهارة - أي تطهير موارد الأنجاس الحكمية - مشترطة أشبهت طهارة الحدث فعلى هذا لابد من كونه طهورا فلا تزال بطاهر ولا غير مباح على الأصح).
فرجح أن الخبث لا يزال بغير مباح على خلاف قول الشيخ مرعي الذي رجح إزالتها بغير المباح. فتحصل عندنا قولين في المذهب قول بأن الخبث يزال بغير المباح وقول أنه لا يزال به.
стр. 42
الترجيح (١):
والراجح أنه يرتفع الحدث ويزول الخبث بالماء الغير مباح مع الإثم إن كان عالما ذاكرا، والأمر في إزالة الخبث أهون من رفع الحدث به؛ لأنها من باب التروك ولا يلزم فيها نية.
النوع الثاني - ما خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث:
قوله: (وماء يرفع حدث الأنثى لا الرجل البالغ والخنثى وهو ما خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث).
- قوله: (ماء) أطلقه هنا، وقيده غيره بالماء القليل دون الكثير، وهو ما كان دون القلتين، قال في "الكافي" (١/ ٦٢): (وإنما تؤثر خلوتها في الماء اليسير؛ لأن النجاسة لا تؤثر في الكثير).
وقال البهوتي في " شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٥): (وخصص بالقليل لأن النجاسة لا تؤثر في الكثير فهذا أولى ولأن الغالب على النساء أن يتطهرن من القليل) (٢).
فائدة: خلو المرأة بالتراب لا يؤثر في طهوريته.
قال الزركشي في "شرحه على مختصر الخرقي" (١/ ١٠١): (هل خلوة المرأة في التيمم كخلوتها في الوضوء؟ لم أر المسألة منقولة، والقياس ذلك، لكن المسألة المنع فيها تعبد، فليقتصر على مورد النص ثمّ).
قال البهوتي في " شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٥): (وعلم مما تقدم أنه لا أثر لخلوتها بالتراب) (٣).
- قوله: (لا الرجل البالغ) أي أنه يرفع حدث الصبي ما لم يبلغ.
стр. 43
- قوله: (والخنثى) رجح جانب الحظر وذلك احتياطا للعبادة لاحتمال أن يكون رجلا، فإن قلت فهلا أثرت خلوة الخنثى به احتياطا لاحتمال أن يكون امرأة قلت لا نمنع بالاحتمال , كما لا ننجس بالشك (١).
- معنى خلوتها بالماء:
- قوله: (ما خلت) ومعنى الخلوة في المذهب يدور على أمرين: الأول وهو الأصح في المذهب اعتبار عدم المشاهدة، وقد اختلفوا فيمن يرفع الخلوة بمشاهدته هل يشترط فيه أن يكون مكلفاً مسلماً؟ أو لا يشترط ذلك فلو كان صبياً أو امرأة أو كافراً زالت الخلوة. قولان في المذهب كما سيأتي.
والثاني: اعتبار انفرادها بالاستعمال سواء شوهدت أم لا.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٤٩): (اعلم أن في معنى الخلوة روايتين إحداهما وهي المذهب أنها عدم المشاهدة عند استعمالها من حيث الجملة قال الزركشي هي المختارة قال في الفروع وتزول الخلوة بالمشاهدة على الأصح وقدمه في المستوعب والمغني والشرح والرعايتين والحاوي الصغير والفائق
والرواية الثانية معنى الخلوة انفرادها بالاستعمال سواء شوهدت أم لا اختارها بن عقيل وقدمه بن تميم ومجمع البحرين قال في الحاوي الكبير وهي أصح عندي وأطلقها في الفصول والحاوي الكبير والمُذَّهب ... ) (٢).
قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ١٣٧): (اختلف أصحابنا في تفسير الخلوة به , فقال الشريف أبو جعفر قولا يدل على أن الخلوة هي أن لا يحضرها من لا تحصل الخلوة في النكاح بحضوره , سواء كان رجلا , أو امرأة , أو صبيا عاقلا ... وقال القاضي: هي أن لا يشاهدها رجل مسلم , فإن شاهدها صبي أو امرأة أو رجل كافر , لم تخرج بحضورهم عن الخلوة. وذهب بعض الأصحاب إلى أن الخلوة استعمالها للماء من غير مشاركة الرجل في استعماله ; لأن أحمد قال: إذا خلت به فلا يعجبني أن يغتسل هو به. وإذا شرعا فيه جميعا فلا بأس به ; لقول عبد الله بن
стр. 44
سرجس: اغتسلا جميعا ; هو هكذا , وأنت هكذا - قال عبد الواحد في إشارته: كان الإناء بينهما - وإذا خلت به فلا تقربنه رواه الأثرم).
الترجيح:
الراجح هو اعتبار انفرادها بالاستعمال سواء شوهدت أم لا؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال (وليغترفا جميعاً) فدل بمنطوقه على الجواز فيما إن شاركها زوجها، وبمفهومه على عدم الجواز إن لم يكن معها زوجها يعترف معها وسيأتي الكلام تفصيليا على هذا الحديث بإذن الله.
- قوله: (لطهارة كاملة عن حدث) قال في "المغني" (١/ ١٣٧): (فإن خلت به في بعض أعضائها , أو في تجديد طهارة , أو استنجاء , أو غسل نجاسة , ففيه وجهان: أحدهما المنع ; لأنه طهارة شرعية. والثاني لا يمنع ; لأن الطهارة المطلقة تنصرف إلى طهارة الحدث الكاملة).
فائدة - علة المنع تعبدية:
قال في "المغني" (١/ ١٣٧): (ومنع الرجل من استعمال فضلة طهور المرأة تعبدي غير معقول المعنى , نص عليه أحمد ولذلك يباح لامرأة سواها التطهر به في طهارة الحدث , وغسل النجاسة , وغيرهما ; لأن النهي اختص الرجل ولم يعقل معناه , فيجب قصره على محل النهي , وهل يجوز للرجل غسل النجاسة به؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجوز. وهو قول القاضي ; لأنه مانع لا يرفع حدثه , فلم يزل النجس , كسائر المائعات. والثاني يجوز. وهو الصحيح ; لأنه ماء يطهر المرأة من الحدث والنجاسة , ويزيلها من المحال كلها إذا فعلته , فيزيلها إذا فعله الرجل كسائر المياه ; ولأنه ماء يزيل النجاسة بمباشرة المرأة , فيزيلها إذا فعله الرجل , كسائر المياه , والحديث لا نعقل علته , فيقتصر على ما ورد به لفظه , ونحو هذا يحكى عن ابن أبي موسى والله أعلم) (١).
стр. 45
حكم تطهر الرجل بفضل طهور المرأة:
روايات المذهب:
قال ابن مفلح في " الفروع" (١/ ٥٥): (وإن خلت به وقيل وبكثير امرأة وقيل أو مميزة في غسل أعضائها وقيل أو بعضها عن حدث وقيل أو خبث وطهر مستحب فطهور على الأصح ولا يرفع حدث رجل وقيل ولا صبي وعنه يرفع (و) بلا كراهة كاستعمالهما معا وكإزالته به نجاسة وكامرأة أخرى وكتطهيرها بماء خلا به في الأصح فيهن ونقله الجماعة في الأخيرة وذكره القاضي وغيره (ع) ورواية ثالثة يكره ومعناه اختيار الآجري كرواية في خلوة لشرب، والخنثى كرجل وعند ابن عقيل كامرأة).
الأدلة والمناقشة:
استدل من ذهب لمنع الرجل أن يتطهر بفضل طهور المرأة بما يأتي:
أولاً - رواه أبو داود (١/ ٢١) (٨٢)، والترمذي (١/ ٩٣) (٦٤) وقال: «حسن»، والنسائي - (١/ ١٧٩) (٣٤٣)، وابن ماجه (١/ ١٣٢) (٣٧٣)، وأحمد (٥/ ٦٦)، وابن حبان (٤/ ٧١) (١٢٦٠)، والدارقطني (١/ ٥٣) (٨)، والبيهقي في «الكبرى» (١/ ١٩١) - كلهم - من طريق شعبة عن عاصم الأحول عن أبي حاجب سواده بن عاصم عن الحكم بن عمرو الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ " نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة ".
وتابع عاصما: سليمان التيمي عند ابن أبي شيبة (١/ ٣٨) (٣٥٤)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٥/ ٣٤٨) (٢٩٢٢)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢١٠) (٣١٥٤)، وغيرهم ولكنه قال عن رجل من أصحاب النبي، وزاد بعضهم: من غفار. وهذا إسناد صحيح.
وقال الدارقطني في "سننه" (١/ ٥٣): (أبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم واختلف عنه فرواه عمران بن حدير وغزوان بن حجير السدوسي عنه موقوفا من قول الحكم غير مرفوع إلى النبي ﷺ .
وغزوان مجهول فلم أجد من ترجمه، وأما عمران بن حدير فهو ثقة، ولكنه مخالف لثقتين وهما: (عاصم الأحول، وسليمان التيمي) روياه عن سواده مرفوعا
стр. 46
كما سبق، فالراجح الرفع.
قال الترمذي في علله: (سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث، فقال: ليس بصحيح).
وتعقه الشيخ الألباني في "صحيح أبي داود" (١/ ١٤٣): (وهذا من الإمام جرح مبهم؛ فلا يقبل، ولعل سوادة لم تثبت عنده عدالته، أو لقاؤه للحكم؛ فقد ثبت ذلك عند غيره كما سبق؛ وإنما يشترط التصريح باللقاء عند الجمهور من المدلس فقط؛ خلافاً البخاري، كما مضى).
ثانيا - بما رواه أبو داود (١/ ٢١) (٨١)، والنسائي (١/ ١٣٠) (٢٣٨)، وفي «الكبرى» (١/ ١١٧) (٢٤٠)، وأحمد (٤/ ١١١)، (٥/ ٣٦٩)، والطحاوي في "معاني الآثار" (١/ ٢٤) (٧٩)، والبيهقي (١/ ١٩٠) - كلهم- من طريق أبي عوانة عن داود بن عبدالله عن حميد الحميري قال: لقيت رجلا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة ﵁ أربع سنين قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله أو يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعا) ورواته ثقات.
وصحح الحافظ إسناده في "بلوغ المرام"، وقال في "فتح الباري" (١/ ٣٠٠): (رجاله ثقات ولم أقف لمن أعله على حجة قوية ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة لأن إبهام الصحابي لا يضر وقد صرح التابعي بأنه لقيه ودعوى بن حزم أن داود راويه عن حميد بن عبد الرحمن هو بن يزيد الأودي وهو ضعيف مردودة فإنه بن عبد الله الأودي وهو ثقة وقد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره).
ثالثا - بما رواه ابن ماجه (١/ ١٣٣) (٣٧٤)، وأبو يعلى (٣/ ١٣٢) (١٥٦٤)، والطحاوي في "معاني الآثار" (١/ ٢٤) (٧٨)، والطبراني في "الأوسط" (٤/ ١١١) (٣٧٤١)، والدارقطني (١/ ١١٦) (١) من طريق عبد العزيز بن المختار عن عاصم الأحوال عن عبد الله بن سَرْجِس قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعا). ورواته ثقات، ولكن خالف عبد العزيز بن المختار كل من: شعبة عند الدارقطني (١/ ١٧٧) (٢)، والبيهقي (١/ ١٩٢) فرواه موقوفا، ولفظه: (تتوضأ
стр. 47
المرأة وتغتسل من فضل غسل الرجل وطهوره ولا يتوضأ الرجل بفضل غسل المرأة ولا طهورها) وصحح الدارقطني الموقوف.
ومعمر عند عبد الرزاق (١/ ١٠٧) (٣٨٥)، وأبي عبيد القاسم في "الطهور" (ص/٢٥٨) (١٩٤) فرواه موقوفا ولفظه: (لا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة من الجنابة من الإناء الواحد، فإن خلت به فلا تقربه).
وقال الترمذي في "العلل" نقلا عن البخاري: (وحديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب هو موقوف ومن رفعه فهو خطأ).
رابعا - ببعض الآثار عن الصحابة ومنها:
ما رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٣٨) (٣٥٦) من طريق وكيع عن المسعودي عن المهاجر أبي الحسن عن كلثوم بن عامر أن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ وهي عمته - توضأت فأردت أن أتوضأ بفضل وضوئها فنهتني.
وروته ثقات غير المسعودي فهو صدوق اختلط وسماع وكيع عنه قديم فالإسناد صحيح.
- وما رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" من طريق وكيع عن خالد بن دينار عن أبي العالية قال: (كنت عند رجل من أصحاب النبي ﷺ فأردت أن أتوضأ من ماء عنده فقال لا توضأ به فإنه فضل امرأة) رواته ثقات وخالد صدوق، وأبو العالية وإن كان يرسل إلا أن قوله كنت عند رجل من أصحاب النبي يؤكد ثبوت اللقيا، فالإسناد صحيح.
- وما رواه أبو عبيد في "الطهور" (ص/٢٥٦) (١٩٢) من طريق الهيثم بن جميل عن شَرِيْكُ عن مهاجر الصائغ عن ابن لعبدالرحمن بن عوف أنه دخل على أم المؤمنين: أم سلمة ﵂ فذكر نحو حديث جويرية السابق.
وشَرِيْكُ قد يكون هو شَرِيْكُ بن أبي نمر، وهو صدوق يخطئ، ويحتمل أن يكون شَرِيْكُ القاضي وهو صدوق يخطئ كثيرا، وكلاهما يروي عن مهاجر الصائغ، ويروي عنه الهيثم بن جميل، وعليه فالأقوى عندي تضعيف هذا الإسناد إلا أنه يتقوى بأثر جويرية السابق ﵄.
стр. 48
وهذه الأحاديث والآثار معارضة بأدلة تدل على الجواز ومن ذلك:
أولاً - ما رواه مسلم في "صحيحه" (١/ ٢٥٧) (٣٢٣) عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار قال: (أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني أن ابن عباس أخبره أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة).
قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٠٠): (أعله قوم لتردد وقع في رواية عمرو بن دينار حيث قال علمي والذي يخطر على بالى أن أبا الشعثاء أخبرني فذكر الحديث وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد لكن راويها غير ضابط وقد خولف والمحفوظ ما أخرجه الشيخان بلفظ (أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد)).
وقال النووي في " شرح مسلم" (٤/ ٧): (وهذا الحديث ذكره مسلم رحمه الله تعالى متابعة لا أنه قصد الاعتماد عليه).
والراجح عندي أن ما ذكره ابن حجر ليس بعلة في الحديث وأنه مقبول.
ثانياً - بما رواه أبو داود (١/ ١٨) (٦٨)، والترمذي (١/ ٩٤) (٦٥)، قال: «حسن صحيح»، والنسائي (١/ ١٧٣) (٣٢٥)، وابن ماجه (١/ ١٣٢) (٣٧٠، ٣٧١)، وأحمد (١/ ٢٣٥، ٢٨٤، ٣٠٨)، وابن الجارود (ص٢٤١) (٤٨)، وابن خزيمة (١/ ٤٨) (٩١)، (١/ ٥٧) (١٠٩)، والطحاوي في «معاني الآثار» (١/ ٢٦) (١٠٦)، وابن حبان (٤/ ٤٨) (١٢٤٢)، (٤/ ٥٦) (١٢٤٨)، (٤/ ٧٣) (١٢٦١)، (٤/ ٨٤) (١٢٦٩)، والطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٧٤) (١١٧١٦)، والحاكم (١/ ٢٦٢) (٥٦٥) - كلهم - من طريق ... سِمَاك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت من جنابة، فجاء النبي ﷺ يتوضأ، فقالت له , فقال: " إن الماء لا ينجسه شيء "
ورواية ... سِمَاك عن عكرمة مضطربة، كما أنه قد تغير بآخره فكان ربما تلقن. وقد صحح البعض هذا الحديث لأنه من رواية شعبة والثوري عن ... سِمَاك فقبلوا
стр. 49
روايتهما عنه مطلقا، والصواب عندي أن قبول روايتهما عنه إنما تنفع في غير روايته عن عكرمة، فروايتهما عنه قديمة ويستفاد منها أنهما سمعا منه قبل التغير.
وقوى البعض الحديث بشاهد أبي سعيد ﵁، وهو لا يشهد لمحل النزاع وإنما يقوي الجزء المرفوع منه فقط دون أصل القصة.
الترجيح:
وقد سلك العلماء عدة مسالك في الجمع والترجيح بين هذه الأحاديث، وأولاها عندي حمل النهي على للتنزيه وقرينة الصرف أحاديث الجواز، والأحاديث التي ذكرتها في أدلة من قال بالجواز ترد على من جمع بأن النهي محمول على الخلوة.
النوع الثالث - ماء يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه:
قوله: (يكره استعماله) أي في طهارة أو في أكل وشرب، ونحو ذلك، قال الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (١/ ٣٣): (ظاهر كلامهم) أي: الأصحاب (كراهة استعمال ماء بئر بمقبرة حتى في نحو أكل وشرب) وغيرهما).
قوله: (مع عدم الاحتياج إليه) ومفهوم المخالفة أن الكراهة تزول عند تعينه بالحاجة إليه كأن لا يوجد غيره، قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٦): (فإن لم يجد غيره تعين, وكذا يقال في كل مكروه, إذ لا يترك واجب لشبهة) (١).
فائدة - الفريق بين ما كره لعارض وما كره لذاته:
قال ابن مفلح في " الفروع" (١/ ٢٩٢): (قد يتوجه (٢) من صحة نفله - أي صحة نفل من صلى في غصب - إثابته عليه فيثاب على فرضه من الوجه الذي صح وإلا فلا فائدة في صحة نفله ولا ثواب لبراءة ذمته ويلزم منه يثاب على كل عبادة كرهت ويكون المراد بقولهم في الأصول المكروه لا ثواب في فعله ما كره بالذات لا بالعرض، وقد يحمل قولهم في الأصول على ظاهره ولهذا لما احتج من كره صلاة الجنازة بالخبر الضعيف الذي رواه أحمد وغيره من صلى على جنازة في المسجد فليس له من الأجر شيء.
стр. 50
لم يقل أحد بالأجر مع الكراهة لا اعتقادا ولا بحثا واحتج في الخلاف لمن لم يمنع قراءة الجنب لقوله ﵇ من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، وأجاب بأن المراد المتطهر لأن الجنب تكره له القراءة عندهم فلا يدخل تحت الظاهر ويأتي في الباب بعده قول صاحب المحرر إن صلاة من شرب خمرا تصح ولا ثواب فيها. ونقل ابن القاسم لا أجر لمن غزا على فرس غصب، وقاله شيخنا وغيره في حج.
وكذا ذكر الشافعية صحة الصلاة الدار المغصوبة ولا ثواب وقال ابن منصور ابن أخي أبي نصر بن الصباغ منهم ذكر شيخنا في الكامل أنه ينبغي أن تصح ويحصل الثواب فيكون مثابا على فعله عاصيا بمقامه، فإذا لم يمنع من صحتها لم يمنع من حصول الثواب، قال أبو منصور وهذا هو القياس) (١).
وقد سبق ترجيح أن ما نهي عنه إن لم يكن النهي عائدا لذاته، أو لشرط يختص به أنه يصح مع الإثم، وعليه فالراجح هنا أن هذا الماء المكروه لعارض يصح التطهر به سواء أكان لحاجة أو لغير حاجة، ويلزم من صحة الطهارة حصول الأجر المرتب عليها من تكفير الذنوب ونحو ذلك.
قال الرحيباني في " مطالب أولي النهى" (١/ ٣٧٣): (يثاب على ما كره لا لذاته بل لعارض كما مر) من الصلاة إلى أماكن النهي وأرض الخسف وما نزل بها عذاب ومسجد الضرار والمدبغة والرحى والأرض السبخة والمقصورة المحمية (وكوضوء بما كره) استعماله لشدة حره أو برده (بخلاف ما كره لذاته؛ كسواك صائم بعد الزوال. ولا يعد) ما كره لذاته (عبادة) بخلاف ما كره لعارض).
وقد ذكر أنواعا كثيرة لهذا الماء وهي:
١ - ماء بئر بمقبرة:
قال: (وماء يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه وهو ماء بئر بمقبرة).
علة كراهة الطهارة بماء يئر المقبرة:
стр. 51
قال ابن مفلح في " الفروع" (٦/ ٢٧٣): (كره ماء بئر بين القبور وشوكها وبقلها قال ابن عقيل كما سمد بنجس والجلالة).
الصحيح من المذهب، وهو قول جمهور الأصحاب، أن العلة من المنع من الصلاة في القبور تعبدية وذهب بعض الأصحاب إلى أنها معللة بمظنة النجاسة وهو ظاهر اختيار ابن عقيل هنا حيث ألحق ماء بئر المقبرة بالماء الذي سمد بنجس والجلالة.
وابن عقيل لا يحكم بالنجاسة لأن الاستحالة عنده مطهرة كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحما ويصير لبنا، على خلاف الصحيح من المذهب أن الاستحالة غير مطهرة، وسوف يأتي بإذن الله تحرير هذه المسألة في باب النجاسات.
قال الشيخ الدبيان في "موسوعة الطهارة" (١/ ٣٨٧): (لعل تعليل الكراهة عندهم بكونه مظنة وصول شيء من النجاسة إلى ماء المقبرة.
والصحيح عدم الكراهة، والكراهة حكم شرعي يحتاج 'لى دليل شرعي، ولا دليل، وحتى لو كان هذا الإحتمال قائما فإن الشك في نجاسة الماء لا تجعل الطهارة منه مكروهة؛ لن الأصل الطهارة، ولا ننتقل عنها إلا إذا تيقنا تغيره بالنجاسة، والحنابلة يقولون: إذا شك في نجاسة ماء أو غيره أو في طهارته بنى على اليقين، وهنا كرهوا الطهارة من هذا الماء، إلا أن يكون سبب الكراهة عندهم وجود الخلاف في طهوريته، إذا كان ذلك كذلك فهو قول ضعيف أيضا، وقد قدمت أن الخلاف ليس من الأدلة الشرعية حتى يعلل به الكراهة).
وعليه فالصحيح جواز التطهر بلا كراهة.
٢ - ماء اشتد حره أو برده:
قال: (وماء اشتد حره أو برده).
قال ابن ضويان في " منار السبيل" (١/ ١٦): (لأنه يؤذي ويمنع كمال الطهارة).
فائدة - هل التكاليف فيها مشقة وهل يجوز تقصدها ؟
روى مسلم في "صحيحه" (١/ ١٢٩) (٢٥١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا
стр. 52
ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط).
وقد فسر ابن الأثير في "النهاية" المكاره بقوله: (هي جمع مَكْره وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه والكره بالضم والفتح المشقة والمعنى أن يتوضأ مع البرد الشديد والعلل التي يتأذى معها بمس الماء ومع إعوازه والحاجة إلى طلبه والسعي في تحصيله أو ابتياعه بالثمن الغالي وما أشبه ذلك من الأسباب الشاقة).
قال ابن القيم في "الوابل الصيب": (ص/١٢): (لله تعالى على العبد عبودية الضراء، كما أن له عبودية في السراء، وله عبودية عليه فيما يكره كما له عبودية فيما يحب وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون والشأن في إعطاء العبودية في المكاره ففيه تفاوت مراتب العباد وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية ونفقته في الضراء عبودية ولكن فرق عظيم بين العبوديتين فمن كان عبدا لله في الحالتين قائما بحقه في المكروه والمحبوب فذلك الذي تناوله قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) [الزمر: ٣٦] ... ).
وليس مقصود ابن القيم من قوله: (والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية) أن العبد يتقصد المشقة بل يحمل قوله على عدم وجود غير هذا الماء، وأن المشقة التي يتعرض لها العبد من التطهر به لا يترتب عليها ضرر بدني، وقد أقر النبي عمرو بن العاص ﵁ على أنه يتمم خوفا على نفسه من الهلاك إن اغتسل في البرد الشديد.
وقد كنت بحثت مسألة هل في التكاليف مشقة وهل يجوز تقصدها في شرحي لمختصر الأصول، وخلاصة ما قلته هناك.
هل يصح إطلاق لفظ التكاليف على جميع الأحكام الشرعية ؟
اختلف العلماء في حكم إطلاق لفظ التكاليف على جميع الأحكام الشرعية على قولين، ومن قال بالمنع إنما يتجه قوله لوصف جميع الأحكام الشرعية بأن فيها
стр. 53
مشقة وأن ذلك شرط لكي يصح نسبتها للشرع، ومن قال بالإثبات إنما يتجه قوله لكون بعض الأحكام الشرعية فيها نوع مشقة معتادة كمشقة البرد في الوضوء والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها.
وقد اتفقا على خروج المشقة العظيمة التي تتجاوز الحدود العادية والطاقة البشرية السوية، كالتي تؤدي إلى هلاك أحد الضرورات الخمس، فنحو هذه المشقات إنما هي مرفوعة عن الأمة، ولم يكلفنا الله بها، بل هي موجبة للرخصة والتخفيف كنحو إباحة التيمم للخوف من الاغتسال للجنابة من شدة البرد، ووجوب الفطر لكن خاف على نفسه التضرر بالصوم، ونحو ذلك مما هو معروف في محله.
بيان أن تقصد المشقة لا يجوز في شرعنا (١):
قال تقي الدين ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٦٢٢ - ٦٢٣): (فأما كونه مشقاً فليس سبباً لفضل العمل ورجحانه، ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقّاً ففضله لمعنى غير مشقته، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره، فيزداد الثواب بالمشقة ... فكثيراً ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب، هذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه حرج، ولا أريد بنا فيه العسر، وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة، وكثير من العباد يرى جنس المشقة والألم والتعب مطلوباً مقرباً إلى الله، لما فيه من نفرة النفس عن اللذات والركون إلى الدنيا، وانقطاع القلب عن علاقة الجسد، وهذا من جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم).
وقد ثبت في شريعتنا ما يمنع من التكلف والتنطع في دين الله، لقوله تعالى: (
وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) [ص: ٨٦] وقوله ﷺ : (اكلفوا من
الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملّ حتى تملوا).
стр. 54
كما أنه لو قصد الشارع التكليف بالمشقة لما حصل الترخيص، فالرخص الشرعية أمر مقطوع به، ومعلوم من الدين بالضرورة، وهي لرفع الحرج والمشقة الواقعة على المكلفين، كرخص القصر، والفطر والجمع بين الصلاتين.
حكم استعمال هذا الماء الذي أشتد حره أو برده:
والأمر لا يخلو من تفصيل:
إن احتاج لهذا الماء ولم يكن ثمَّ ضرر من استعماله ولم يمنعه من استيعاب محال الوضوء فلا كراهة فيه.
وأما إن كان ثمَّ ضرر محقق أو غالب فلا يستعمل ويعدل إلى التيمم كما فعل عمرو وأقره النبي ﷺ .
وأما إن كان استعماله يؤدي إلى عدم استيعاب المحل بالغسل بأن يترك لمعا فلا يستعمل، وإن قيل بأنه يستعمله حسب قدرته فإن لم يستوعب تيمم لم يبعد.
وأما إن خلا من المحاذير السابقة بأن لم يكن ثمَّ ضرر ولم يؤد إلى عدم استيعاب الأعضاء ولكنه استعمله مع وجود غيره فينظر إن كان يقصد المشقة على نفسه فيمنع من استعماله، وأما إن لم يقصد المشقة فلا يخلو الأمر من كراهة نظرا لشدة برده أو حره مما يظن معه تضرره أو عدم إسباغه للوضوء.
٣ - ماء سخن بنجاسة:
قال: (أو سخن بنجاسة).
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٢): (محل الخلاف في المسخن بالنجاسة إذا لم يحتج إليه. فإن احتيج إليه زالت الكراهة , وكذا المشمس إذا قيل بالكراهة. قاله الشيخ تقي الدين)
أقسام الماء المسخن بالنجاسة، وبيان مأخذ الكراهة:
قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٢٧ - ٢٨): (الماء المسخن بالنجاسة , فهو على ثلاثة أقسام: أحدها , أن يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة إلى الماء , فينجسه إذا كان يسيرا (١). والثاني , أن لا يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة
стр. 55
إلى الماء والحائل غير حصين (١) , فالماء على أصل الطهارة , ويكره استعماله. وقال الشافعي: لا يكره ; ﴿لأن النبي ﷺ دخل حماما بالجحفة﴾. ولنا , أنه ماء تردد بين الطهارة والنجاسة مع وجود سببها , فأقل أحواله الكراهة , والحديث لا يثبت عن النبي ﷺ وإنما يروى عن ابن عباس , ولم يثبت أن الوقود كان نجسا , ولا أن الحائل كان غير حصين , والحديث قضية في عين لا يثبت به نفي الكراهة إلا في مثلها , ولا يثبت به نفي الكراهة على الإطلاق. القسم الثالث , إذا كان الحائل حصينا , فقال القاضي: يكره , واختار الشريف أبو جعفر , وابن عقيل , أنه لا يكره ; لأنه غير متردد في نجاسته , بخلاف التي قبلها. وذكر أبو الخطاب في كراهة المسخن بالنجاسة روايتين , على الإطلاق).
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٢١/ ٦٩): (وأما المسخن بالنجاسة فليس بنجس باتفاق الأئمة إذا لم يحصل له ما ينجسه وأما كراهته ففيها نزاع. لا كراهة فيه مذهب الشافعى وأبى حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما وكرهه مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنهما وهذه الكراهة لها مأخذان: أحدهما احتمال وصول أجزاء النجاسة إلى الماء فيبقى مشكوكا في طهارته شكا مستندا إلى إمارة ظاهرة فعلى هذا المأخذ متى كان بين الوقود والماء حاجز حصين كمياه الحمامات لم يكره لأنه قد تيقن أن الماء لم تصل إليه النجاسة وهذه طريقة طائفة من أصحاب أحمد كالشريف أبى جعفر وابن عقيل وغيرهما والثاني أن سبب الكراهة كونه سخن بإيقاد النجاسة واستعمال النجاسة مكروه عندهم والحاصل بالمكروه مكروه وهذه طريقة القاضي وغيره فعلى هذا إنما الكراهة إذا كان التسخين حصل بالنجاسة فأما إذا كان غالب الوقود طاهرا أو شك فيه لم تكن هذه المسألة.
وأما دخان النجاسة فهذا مبنى على أصل وهو أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة مثل أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحا طيبا كغيرها من الملح أو يصير الوقود رمادا وخرسفا وقصرملا ونحو ذلك ففيه للعلماء قولان أحدهما لا يطهر كقول الشافعى
стр. 56
وهو أحد القولين في مذهب مالك وهو المشهور عن أصحاب أحمد وإحدى الروايتين عنه والرواية الأخرى أنه طاهر وهذا مذهب أبى حنيفة ومالك في أحد القولين وأحدى الروايتين عن أحمد ومذهب أهل الظاهر وغيرهم أنها تطهر وهذا هو الصواب المقطوع به فان هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظا ولا معنى فليست محرمه ولا في معنى المحرم فلا وجه لتحريمها بل تتناولها نصوص الحل فإنها من الطيبات وهى أيضا في معنى ما اتفق على حله فالنص والقياس يقتضى تحليلها وأيضا فقد اتفقوا كلهم على الخمر إذا صارت خلا بفعل الله تعالى صارت حلالا طيبا واستحالة هذه الأعيان أعظم من استحالة الخمر والذين فرقوا بينهما قالوا الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة بخلاف الدم والميتة ولحم الخنزير وهذا الفرق ضعيف فان جميع النجاسات نجست أيضا بالاستحالة فإن الدم مستحيل عن أعيان طاهرة وكذلك العذرة والبول والحيوان النجس مستحيل عن مادة طاهرة مخلوقة وأيضا فإن الله تعالى حرم الخبائث لما قام بها من وصف الخبث كما أنه أباح الطيبات لما قام بها من وصف الطيب وهذه الأعيان المتنازع فيها ليس فيها شيء من وصف الخبث وإنما فيها وصف الطيب فإذا عرف هذا فعلى أصح القولين فالدخان والبخار المستحيل عن النجاسة طاهر لأنه أجزاء هوائية ونارية ومائية وليس فيه شيء من وصف الخبث وعلى القول الآخر فلا بد أن يعفى من ذلك عما يشق الاحتراز منه كما يعفى عما يشق الاحتراز منه على أصح القولين ومن حكم بنجاسة ذلك ولم يعف عما يشق الاحتراز منه فقوله أضعف الأقوال هذا إذا كان الوقود نجسا فأما الطاهر كالخشب والقصب والشوك فلا يؤثر باتفاق العلماء وكذلك أرواث ما يؤكل لحمه من الإبل والبقر والغنم والخيل فإنها طاهرة في أصح قولي العلماء والله أعلم).
وعليه فالراجح في الماء المسخن بالنجاسة أنه طهور ولا يكره التطهر به، ما لم يتحقق وصول النجاسة إليه وتغييرها له.
стр. 57
٤ - ماء سخن بمغصوب:
قال: (أو بمغصوب).
قال البهوتي في "كشاف القناع" (١/ ٢٧): ((أو سخن بمغصوب) فطهور؛ لأنه ماء مطلق لم يطرأ عليه ما يسلبه الطهورية مكروه لاستعمال المغصوب فيه).
والراجح أن الماء المسخن بالمغصوب طهور، ولا يكره التطهر به، وإنما عليه إثم الغصب.
قال الشيخ ابن جبرين في "شفاء العليل شرح منار السبيل" (ص/٩٣): (ولعل الأرجح أن الماء المسخن بالمغصوب لا يكره لعدم الدليل على كراهته - وهذه هي الرواية الثانية عن أحمد - ولكن يأثم الغاصب - كما هو معلوم -.
٥ - ماء استعمل في طهارة لم تجب:
قال: (أو استعمل في طهارة لم تجب أو في غسل كافر).
والمقصود بالماء المستعمل هو الماء المنفصل عن أعضاء المتطهر لا الماء المتبقي الذي يعترف منه.
قال ابن قدامة في المغني (١/ ٢٩ - ٣٠): (فصل: وإن استعمل في طهارة مستحبة غير واجبة , كالتجديد , والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء , والغسل للجمعة والعيدين وغيرهما , ففيه روايتان: إحداهما أنه كالمستعمل في رفع الحدث ; لأنها طهارة مشروعة , أشبه ما لو اغتسل به من جنابة. والثانية ; لا يمنع ; لأنه لم يزل مانعا من الصلاة , أشبه ما لو تبرد به. فإن لم تكن الطهارة مشروعة لم يؤثر استعمال الماء فيها شيئا , وكان كما لو تبرد به , أو غسل به ثوبه , ولا تختلف الرواية أن ما استعمل في التبرد والتنظيف , أنه باق على إطلاقه , ولا نعلم فيه خلافا).
قال الرحيباني في " مطالب أولي النهى" (١/ ٢٩): (ماء (مستعمل في طهر لا يرفع) ذلك الطهر (حدثا) بأن استعمل في طهارة لم تجب (كتجديد وغسلة ثانية وثالثة) في وضوء وغسل (أو) استعمل (في غسل كافر) لأنه لم يرفع حدثا ولم يزل خبثا (ولو) كان ذلك الكافر (كافرة) ذمية؛ اغتسلت (لحيض أو
стр. 58
نفاس) لحل وطء زوجها المسلم لأن هذا الغسل لا يسلب الماء طهوريته لعدم أهليتها للنية).
وقد علل ابن ضويان كراهة استعمال الماء المستعمل في غسل كافر بقوله: (أو في غسل كافر خروجا من خلاف من قال يسلبه الطهورية) وقد سبق ذكر أن الخلاف ليس من الأدلة الشرعية حتى تعلل به الكراهة.
وقال الشيخ ابن جبرين في "شفاء العليل" (ص/٩٤): (وأما التعليل بالخلاف فهو غير سديد لأنه يندر أن نجد ميألة لم يختلف فيها العلماء أو يخالف فيها بعضهم أو أحدهم، فالواجب النظر في هذا الخلاف فإن كان له حظ من النظر ساغ الخروج منه حينئذ، وأما ما عدا ذلك فلا، ولهذا قالوا:
وليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلافا له حظ من النظر).
ومما يستدل به على طهارة هذا الماء ما رواه أبو داود (١/ ٣٢) (١٣٠) عن الربيع بنت معوذ ﵂ (أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماء كان في يده) حسنه ابن حجر، والماء المتبقي في يده ﷺ يحتمل أنه يكون بعد الغسلة الأولى لليد، فيكون مسح الرأس بماء استعمل في رفع حدث، فيدل على مسألتنا بالأولى، ويحتمل أن يكون بعد الغسلة الثانية أو الثالثة فيكون على هذا الاحتمال دليلا في مسألتنا.
وعليه فالراجح عدم كراهة هذا الماء، قال الشيخ ابن جبرين: (لأنه ماء طاهر قد لاقى محلا طاهرا فبقي طاهرا غير مكروه بوجه من الوجوه، ولا دليل لمن قال بكراهته).
٦ - ماء تغير بملح مائي:
قال: (أو تغير بملح مائي).
الملح المائي هو الملح المنعقد من الماء، ويمكن الحصول عليه من الملاحات البحرية التي تتكون من تبخر الماء.
والملح المائي هو الملح المستخدم في الطعام، وهو يمازج الماء ويذوب فيه فيكسبه طعما مالحا.
стр. 59
وقيده بالمائي: احترازاً من الملح المعدني، وهو ما يستخرج من باطن الأرض فهذا يسمى ملحاً معدنياً، أو حجريا، والملح المعدني في المذهب إذا خالط الماء فإن يسلبه الطهورية، ويجعله طاهرا.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٣): (قوله: "أو ما أصله الماء كالملح البحري" صرح بطهوريته مطلقا وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب وجمهورهم جزم به منهم صاحب المذهب والمستوعب والمغني والكافي والشرح والمحرر والرعايتين والنظم وبن تميم وبن رزين وبن منجا في شرحه وبن عبدوس في تذكرته والوجيز والحاويين والفائق وغيرهم وقدمه في الفروع وقيل يسلبه إذا وضع قصدا وخرجه في الرعايتين على التراب إذا وضع قصدا وصرح أيضا أنه غير مكروه الاستعمال وهو المذهب جزم به بن منجا في شرحه وهو ظاهر ما جزم به في الشرح وبن عبيدان ومجمع البحرين وقيل يكره جزم به في الرعايتين.
تنبيه: مفهوم قوله أو ما أصله الماء كالملح البحري أنه إذا تغير بالملح المعدني أنه يسلبه الطهورية وهو الصحيح وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقيل حكمه حكم الملح البحري اختاره الشيخ تقي الدين) (١).
الترجيح:
الشرع لا يفرق بين المتماثلات فهذا الماء الذي وضع فيه ملح مائي هو من ناحية النتيجة كماء البحر، وقد نص النبي ﷺ على طهورية ماء البحر والحكم على الأول بالكراهة دون الثاني وتعليل ذلك بالخلاف لا يصح كما تقدم مرارا، فالراجح أن هذا الماء طهور ولا كراهة في استعماله في رفع الحدث.
فائدة: قول المرداوي: (صرح أيضا أنه غير مكروه الاستعمال وهو المذهب جزم به بن منجا في شرحه وهو ظاهر ما جزم به في الشرح وبن عبيدان ومجمع البحرين وقيل يكره جزم به في الرعايتين) يدل على أن المذهب عدم كراهة الماء المتغير بالملح المائي على خلاف ما اختاره الشيخ مرعي، ولعله راعى الخلاف.
стр. 60
٧ - ماء متغير بما لا يمازجه:
وننبه إلى أن الخلاف في الكراهة، وليس في طهوريته:
قال: (أو بما لا يمازجه كتغيره بالعود القَماري وقطع الكافور والدُهْن).
قال ابن مفلح في "الفروع" (١/ ٤٧): (وإن غيره غير ممازج كدهن وقطع كافور فطهور في الأصح (م)).
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٢): (فائدة مراده بالعود العود القَماري منسوب إلى قِمار موضع ببلاد الهند وهو بفتح القاف ومراده بالكافور قطع الكافور بدليل قوله أو لا يخالطه فإنه لو كان غير قطع لخالط وهو واضح.
تنبيه: صرح المصنف أن العود والكافور والدهن إذا غير الماء غير مكروه الاستعمال وهو أحد الوجهين جزم به بن منجا في شرحه وهو ظاهر ما جزم به الشارح وبن عبيدان ومجمع البحرين وقيل مكروه جزم به في الرعاية الكبرى
قلت وهو الصواب للخلاف في طهوريته).
والراجح أنه طهور ولا يكره التطهر به، وطالما أن ما ذكر لا يمازج الماء فإنه لا يخرجه عن إطلاقه، فتشمله الأدلة التي سبق ذكرها عند الانتصار لكون قسمة الماء ثنائية لا ثلاثية، والتعليل بالخلاف عليل كما سبق.
ماء زمزم:
قوله: (ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث).
قال ابن قدامة قال في المغني (١/ ٢٧): (ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم ; لأنه ماء طهور , فأشبه سائر المياه. وعنه: يكره لقول العباس لا أحلها لمغتسل , لكن لمحرم حل وبِلّ (١) ; ولأنه يزيل به مانعا من الصلاة , أشبه إزالة النجاسة به. والأول أولى , وقول العباس لا يؤخذ بصريحه في التحريم , ففي غيره أولى , وشرفه لا يوجب الكراهة لاستعماله , كالماء الذي وضع فيه النبي ﷺ كفه , أو اغتسل منه).
стр. 61
والراجح القول بكراهة الاغتسال منه وإزالة الخبث وجواز الوضوء بلا كراهة:
ومن الأدلة على ذلك:
حجة من ذهب إلى جواز الوضوء منها ما رواه ما عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (١/ ٧٦) بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب ﵁ مطولا وفيه: (فدعا رسول الله ﷺ بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ).
وحجة من ذهب إلى منع الاغتسال منها:
ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٥/ ١١٤) (٩١١٤) عن معمر قال أخبرني بن طاووس عن أبيه قال أخبرني من سمع عباس بن عبد المطلب يقول وهو قائم عند زمزم وهو يرفع ثيابه بيده وهو يقول: (اللهم إني لا أحلها لمغتسل ولكن هي لشارب أحسبه قال ومتوضئ حل وبل).
ورواته ثقات إلا أن فيه جهالة الراوي عن العباس ﵁. ورواه أحمد في "العلل" (٢/ ١٨٧) (١٩٥٠) من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر قال سمعت العباس وذكر زمزم فقال: (هي حل وبل لا أحلها لمغتسل) ورواته ثقات غير عاصم، وهو ابن بهدلة قال عنه ابن حجر: "صدوق له أوهام" فمثله حسن الحديث.
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (٥/ ١١٤) (٩١١٥) عن معمر عن بن طاووس عن أبيه أنه سمع بن عباس يقول أيضا وهو قائم عند زمزم بنحو قول العباس السابق، ورواته ثقات ورواه أبو عبيد في "الطهور" (ص/١٩٩) (١٤٢)، والأزرقي في "أخبار مكة" (٢/ ٥٤) من طريق سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس بنحوه، ورواته ثقات.
والبعض يخصص قول ابن عباس بأنه نهي عن الاغتسال منها في المسجد، ويعلل النهي بكشف العورة، والإبقاء على عموم اللفظ أولى وخاصة ورودها من طرق أخرى مختلفة المخرج ليس فيها هذا القيد.
وأما قول ابن قدامة: (وقول العباس لا يؤخذ بصريحه في التحريم , ففي غيره
أولى) وقول العباس عضده قول ابن عباس ﵃، ليس لهما مخالف
стр. 62
من الصحابة فالأخذ بقولهما أولى.
وأما قوله: (وشرفه لا يوجب الكراهة لاستعماله , كالماء الذي وضع فيه النبي ﷺ كفه , أو اغتسل منه)
الفرق بينهما أن الماء الذي نبع من بين أصابع النبي ﷺ وإن كان مباركا فقد أجراه الله معجزة للنبي ﷺ لحاجتهم إليه فكان من تمام التفضل عدم التضييق عليهم في استعماله بخلاف مسألتنا فالفرض حكم استعمالها في الاغتسال ونحوه عند عدم الحاجة إليه فافترقا.
ووجه قياس ابن قدامة عند الحاجة فلا يعدل من لم يجد غيره إلى التيمم بل يغتسل منه، ويزيل به الخبث.
قال تقي الدين في "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٧٤ - ٧٥): (قد كان العباس بن عبد المطلب يقول في ماء زمزم لا أحله لمغتسل ولكن لشارب حل وبل , وروي عنه أنه قال لشارب ومتوضئ. ولهذا اختلف العلماء هل يكره الغسل والوضوء من ماء زمزم , وذكروا فيه روايتين عن أحمد. والشافعي احتج بحديث العباس , والمرخص احتج بحديث فيه أن النبي ﷺ ﴿توضأ من ماء زمزم﴾ , والصحابة توضئوا من الماء الذي نبع من بين أصابعه مع بركته , لكن هذا وقت حاجة , والصحيح أن النهي من العباس إنما جاء عن الغسل فقط لا عن الوضوء. والتفريق بين الغسل والوضوء هو لهذا الوجه , فإن الغسل يشبه إزالة النجاسة , ولهذا يجب أن يغسل من الجنابة ما يجب أن يغسل من النجاسة , وحينئذ فصون هذه المياه المباركة من النجاسات متوجه بخلاف صونها من التراب ونحوه من الطاهرات. والله أعلم).
فائدة - حكم الاغتسال المستحب من ماء زمزم:
ظاهر كلام تقي الدين السابق أنه يخص النهي عن غسل الجنابة ونحوه مما فيه حدث، وقد صرح بذلك ابن ضويان فقال في "منار السبيل" (١/ ١٦): (وخص الشيخ تقي الدين الكراهة بغسل الجنابة) والراجح الإبقاء على عموم كلام العباس وابن عباس لعدم وجود المخصص فلا يغتسل من ماء زمزم للجمعة ولا للإحرام ولا للعيدين، ونحو ذلك اللهم أن يكون الاغتسال للاستشفاء فيدخل في عموم قوله
стр. 63
- ﷺ في الحديث الذي رواه البزار في "مسنده" (٩/ ٣٦١) (٣٩٢٩)، والطحاوي في "المشكل" (٥/ ١١٢) (١٨٦٣) من طريق عبد الله بن الصامت عن أبي ذر، ﵁، قال: قال: رسول الله ﷺ : (زمزم طعام طعم وشفاء سقم) ورواته ثقات.
النوع الرابع - ماء لا يكره استعماله:
ومنه - ماء البحر:
قال: (وماء لا يكره استعماله كماء البحر)
والدليل قوله ﷺ : (سأل رجل النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر فقال رسول الله ﷺ هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
أخرجه أبو داود (١/ ٢١) (٨٣)، الترمذي (١/ ١٠٠) (٦٩)، وقال: حسن صحيح، والنسائي (١/ ٥٠) (٥٩)، وابن ماجه (١/ ١٣٦) (٣٨٦)، وأحمد (٢/ ٣٦١)، ومالك، (١/ ٢٢) (٤١)، والدارمي (١/ ٢٠١) (٧٢٩) والحديث صححه البخاري والحاكم وابن حبان وابن المنذر والطحاوي، وغيرهم.
وقد نقل كراهة التوضؤ منه عن ابن عمر وابن عمرو وابن المسيب، وقولهم لا يعارض به المرفوع وخاصة وان هذا الحديث تلقته الأمة بالقبول، وعلله ابن عمرو بقوله: (إن تحت بحركم هذا نارا، وتحت النار بحر، وتحت البحر نار، وتحت النار بحر حتى عد سبعة أبحر وسبعة أنور، لا يجزي منه الوضوء ولا الغسل من الجنابة والتيمم أعجب إلي) كما رواه عنه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٤٩) (١٦٣) ولا يبعد أن يكون تحمله عن أهل الكتاب، قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٢٣) بعد أن استدل على طهوريته بالحديث السابق: (وروي عن عمر ﵁ أنه قال من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله ولأنه ماء باق على أصل خلقته فجاز الوضوء به كالعذب وقولهم هو نار إن أريد به أنه نار في الحال فهو خلاف الحس وإن أريد أنه يصير نارا لم يمنع ذلك الوضوء به حال كونه ماء).
стр. 64
- ماء الآبار والعيون والأنهار:
قال: (والآبار والعيون والأنهار)
قال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ١٦): (لحديث أبي سعيد قال قيل يارسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال ﷺ الماء طهور لا ينجسه شيء رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحديث أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء (١)).
- ماء الحمام:
قال: (والحمام)
الحمام مشدد، وهو مشتق من الحميم، والحميم الماء الساخن، ومن سمى الحمَّام حَمَّامًا لإسخانه من دخله، وقيل للمحموم محمومًا لسخونة جسده بالحرارة، ومنه قوله: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) [الرحمن: ٤٤] يراد به ماء قد أسخن فَأَنَّ حَرُّه، واشتد حتى انتهى إلى غايته (٢).
قال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ١٧) معللا عدم كراهة استعمال ماء الحمام: (لأن الصحابة دخلوا الحمام ورخصوا فيه (٣) ومن نقل عنه الكراهة علل بخوف مشاهدة العورة أو قصد التنعم به ذكره في المبدع وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يسخن له ماء في قمقم فيغتسل به (٤) وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر إنه كان يغتسل بالحميم (٥)).
- الماء المسخن بالشمس:
قال: (والمسخن بالشمس)
قال المراداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٤): (قوله: "أو سخن بالشمس" صرح
стр. 65
بعدم الكراهة مطلقا وهو المذهب نص عليه وعليه أكثر الأصحاب وقطع به أكثرهم منهم القاضي في الجامع الصغير وصاحب الهداية والفصول والمذهب والمستوعب والكافي والمغني والشرح والتلخيص والبلغة والمحرر والخلاصة والوجيز وتذكرة بن عبدوس وتجريد العناية وغيرهم وقدمه في الفروع والرعايتين والحاويين ومجمع البحرين وبن تميم والفائق وغيرهم.
وقيل يكره مطلقا قال الآجري في النصيحة يكره المشمس يقال يورث البرص وقاله التميمي قاله في الفائق.
وقيل يكره إن قصد تشميسه قاله التميمي أيضا حكاه عنه في الحاوي.
وقال بن رجب في الطبقات قرأت بخط الشيخ تقي الدين أن أبا محمد رزق الله التميمي وافق جده أبا الحسن التميمي على كراهة المسخن بالشمس.
فائدة: حيث قلنا بالكراهة فمحله إذا كان في آنية واستعمله في جسده ولو في طعام يأكله أما لو سخن بالشمس ماء العيون ونحوها لم يكره قولا واحدا قال في الرعاية اتفاقا.
وحيث قلنا يكره لم تزل الكراهة إذا برد على الصحيح جزم به في الرعاية الكبرى وقيل تزول وهما احتمالان مطلقان في الفروع).
وما ورد من أن الماء المشمس يورث البرص لا يصح، فقد مرفوعا ورد عن عائشة، وأنس، وموقوفا على عمر ﵃، ولا يصح شيء منها، وانظر الإرواء (١/ ٥٠) (١٨) فقد فصل القول في بيان عللهم وحكم على حديث عائشة بالوضع (١).
- الماء المتغير بطول المكث:
قال: (والمتغير بطول المكث)
قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٢٦): (الماء الآجن وهو الذي يتغير بطول مكثه في المكان من غير مخالطة شيء بغيره باق على إطلاقه في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ قوله من أهل العلم على الوضوء بالماء
стр. 66
الآجن من غير نجاسة حلت فيه جائز غير ابن سيرين فإنه كره ذلك وقول الجمهور أولى فإنه يروى أن النبي ﷺ توضأ من بئر كأن ماءه نقاعة الحناء ولأنه تغير من غير مخالطة).
قال ابن ضويان (١/ ١٧): (وكذلك ما تغير في آنية الأدم (١) والنحاس لأن الصحابة كانوا يسافرون وغالب أسقيتهم الأدم وهي تغير أوصاف الماء عادة ولم يكونوا يتيممون معها).
- الماء المتغير بالريح من نحو ميتة:
قال: (أو بالريح من نحو ميتة)
وهذه حالة خاصة مما تغير فيه أحد أوصاف الماء - أي الريح - بنجاسة، ومع ذلك لا ينجس الماء بالاتفاق؛ لأن التغير لم يكن عن مخالطة، بل عن مجاورة.
قال إبراهيم بن مفلح في " المبدع" (١/ ٣٧): ((أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه) بغير خلاف نعلمه لأنه تغير مجاورة).
وقال ابن قاسم في " حاشية الروض المربع" (١/ ٦٧): (لأنه تغير مجاورة، كإن كان إلى جانب الماء جيفة، أو عذرة أو غيرهما، فنقلت الريح رائحة ذلك إلى الماء فتغير ومنه لو سد فم الإناء بشجر أو نحوه فتغير منه الماء من غير مخالطة لشيء منه وينضبط المجاور بما يمكن فصله، والممازج بما لا يمكن فصله، وإن كان مما يسمى مخالطة عند الإطلاق مجاورة في الحقيقة، فالنظر إلى تصرف اللسان، فإن أرباب اللسان قسموا التغير إلى مجاورة ومخالطة).
قال الشيخ العثيمين في " الشرح الممتع" (١/ ٣٥): (ولا شكَّ أن الأَوْلَى التنزُّه عنه إن أمكن، فإِذا وُجِدَ ماء لم يتغيَّر فهو أفضل، وأبعد من أن يتلوَّث بماء رائحته خبيثة نجسة، وربما يكون فيه من النَّاحية الطبيَّة ضرر، فقد تحمل هذه الروائح مكروبات تَحُلُّ في هذا الماء).
وكلام الشيخ العثيمين له وجه.
стр. 67
- الماء المتغير بما يشق صون الماء عنه ما لم يوضع:
قال: (أو بما يشق صون الماء عنه كطحلب وورق شجر ما لم يوضعا).
والحكم بعدم الكراهة هنا للمشقة الناتجة عن عدم انفكاكه وصعوبة التحرز منه، والمشقة تجلب التيسير، بعكس ما لو وضع قصدا، أو لم يكن مما يشق التحرز منه كما سيأتي.
قال ابن قدامة في " الكافي" (١/ ٤): (ما لا يمكن التحرز منه كالطحلب وسائر ما ينبت في الماء وما يجري عليه الماء من الكبريت والقار وغيرهما وورق الشجر على السواقي والبرك وما تلقيه الريح والسيول في الماء من الحشيش والتبن ونحوهما فلا يمنع لأنه لا يمكن صون الماء عنه).
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٢): (قوله: (وما تغير بمكثه أو بطاهر لا يمكن صونه عنه) أي صون الماء عن الساقط قطع المصنف بعدم الكراهة في ذلك وهو المذهب صرح به جماعة من الأصحاب وهو ظاهر كلام أكثرهم وقدمه في الفروع وقال في المحرر لا بأس بما تغير بمقره أو بما يشق صونه عنه وقيل يكره فيهما جزم به في الرعاية الكبرى.
تنبيه - مفهوم قوله: (لا يمكن صونه عنه) أنه لو أمكن صونه عنه أو وضع قصدا أنه يؤثر فيه، وليس على إطلاقه على ما يأتي فيما إذا تغير أحد أوصافه أو تغير تغيرا يسيرا) يشير إلى الخلاف فيما يسلب الماء طهوريته هل إذا تغير كثير صفة كتغير صفة كاملة، وهل يعفى عن تغير يسير صفة أم لا؟ واختلفوا هل التغير اليسير في الطعن واللون يسلبه الطهورية، هل يعفى عن يسير التغير في الرائحة دون غيرها على أقوال في المذهب، وسوف يأتي - بإذن الله - الكلام عنها في القسم الثاني وهو الماء الطاهر.
لاحظ أن جمهور الحنابلة الذين قسموا الماء قسمة ثلاثية مثلوا للنوع الأول وهو الطهور ببعض المتغيرات وتحكموا في التفريق بين المثماثلات في التغير كأن يتغير عن مخالطة، أو عن مجاورة، وفرقوا بين ما يشق صون الماء عنه وما لا يشق، وبين وضع ما وضع قصدا، وما لم يوضع قصدا، وحكموا على بعضها بالكراهة
стр. 68
، وبعضها بعدم الكراهة، وهذا مما يؤكد أن الراجح ما اختاره تقي الدين من أن قسمة الماء ثنائية، وقد سبق كلامه.
القسم الثاني: الماء الطاهر:
قال: (الثاني: طاهر يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث وهو ما تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه بشيء طاهر فإن زال تغيره بنفسه عاد إلى طهوريته).
بدأ الماتن ﵀ في الكلام على القسم الثاني من أقسام المياه التي ذكرها، وهو الماء الطاهر - أي في نفسه غير مطهر لغيره -. وفي كلامه مسائل:
تعريفه:
من الأفضل أن نرجئ الكلام على تعريفه حتى ننتهي من الكلام على أقسامه حتى نستطيع أن نحصر جميع فواصله ليكون التعريف جامعا مانعا.
استعمالاته:
قال: (يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث).
يعني في الطعام والشراب ونحو ذلك من العادات. وظاهر عبارته أنه يجوز استعماله في طهارة مستحبة وقد ردَّ ذلك اللبدي حيث قال في "حاشيته على نيل المآرب" (ص/١٢) معقبا على العبارة السابقة: (أي ونحوهما, فلا يصح أن يُغَسل به ميت, ولا غسل يدي قائم من نوم ليل ولا أنثيي من نزل منه مذي, ولا غسل مستحب, كغسل الجمعة, ولا وضوء مسنون, ونحو ذلك, مع أن هذا ليس رفع حدث, ولا إزالة خبث, ففي عبارته قصور).
قال البهوتي في " كشاف القناع" (١/ ٣٧): ((وجميع المياه المعتصرة من النباتات الطاهرة وكل طاهر) من الأقسام السابقة وغيرها (يجوز شربه والطبخ به والعجن) به (ونحوه) كالتبرد به لقوله تعالى (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ) [الأعراف: ١٥٧] ولا يصح استعماله في رفع الحدث ولا في (إزالة النجس ولا في طهارة مندوبة) لأنه غير مطهر).
стр. 69
وقال ابن قاسم في "حاشيته على الروض" (١/ ٨٠): (وحكمه - أي الماء الطاهر غير المطهر - أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث ولا يستعمل في طهارة مندوبة، وإنما يستعمل في العادات دون العبادات، وجعلوه في الوسط لسلب أحد الوصفين منه، وبقاء الآخر).
وبعض أنواعه لا يزال بها الحدث اتفاقا لخروجها عن إطلاق الماء، والبعض الراجح عدم سلب طهوريته بتغيره كما سيأتي بإذن الله في الكلام على أنواعه.
حكم إزالة الخبث بالماء الطاهر:
قال ابن مفلح في " الفروع" (١/ ٢٢٣): (لا يجوز إزالة نجاسة إلا بماء طهور (وم ش) وقيل مباح (خ) وقيل أو طاهر وعنه بكل مائع طاهر مزيل كخل اختاره ابن عقيل وشيخنا (وهـ)).
الراجح أن الماء الطاهر بكل أنواعه يزيل الخبث سواء أكان تغير الماء بالطبخ حتى يخرج الماء عن إطلاقه ويتحول إلى مائع آخر، أو كان بما لا يخرجه عن إطلاقه كما سيأتي - بإذن الله تفصيل أنواعه -.
فرع - يجوز إزالة النجاسة بغير الماء الطهور:
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٤٧٤): (وأما إزالة النجاسة بغير الماء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد:
أحدها: المنع كقول الشافعي وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد.
والثاني: الجواز كقول أبي حنيفة وهو القول الثاني في مذهب مالك وأحمد.
والقول الثالث: في مذهب أحمد أن ذلك يجوز للحاجة كما في طهارة فم الهرة بريقها وطهارة أفواه الصبيان بأرياقهم ونحو ذلك.
والسنة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله لأسماء: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء) وقوله في آنية المجوس: (إرحضوها ثم اغسلوها بالماء) (١) وقوله في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد: (صبوا على بوله ذنوبا من ماء) فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة ولم يأمر أمرا عاما بأن تزال كل نجاسة بالماء.
стр. 70
وقد أذن في إزالتها بغير الماء في مواضع:
منها: الاستجمار بالحجارة، ومنها: قوله في النعلين: (ثم ليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور)، ومنها: قوله في الذيل: (يطهره ما بعده) ومنها: أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ثم لم يكونوا يغسلون ذلك، ومنها قوله في الهر: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) مع أن الهر في العادة يأكل الفأر ولم يكن هناك قناة ترد عليها تطهر بها أفواهها بالماء بل طهورها ريقها، ومنها: أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين.
وإذا كان كذلك فالراجح في هذه المسألة أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان زال حكمها فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة لما في ذلك من فساد الأموال كما لا يجوز الاستنجاء بها ... ).
وطالما أنه يجوز إزالة الخبث بكل مائع فبالأولى بالماء الطاهر.
التغير الذي يسلب الماء طهوريته:
التغير الذي يسلب الماء الطهورية - على أساس القسمة الثلاثية - يكون بأحد هذه الأمور:
أ- العلاج.
ب- الطبخ.
قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات " (١/ ١٧): (النوع (الثاني) من المياه (طاهر) غير مطهر (كماء ورد) وكل مستخرج بعلاج لأنه لا يصدق عليه اسم الماء بلا قيد , ولا يلزم من وكل في شراء ماء قبوله. (و) ك (طهور تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه) بمخالط طاهر طبخ فيه , كماء الباقلاء والحمص).
ج _ بوضع ما يشق صون الماء عنه كالطحلب.
د- بمزج ما لا يشق صون الماء عنه.
قال الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (١/ ٣٦): ((ولو) كان التغير (بوضع ما يشق صونه عنه , كطحلب) فيسلبه الطهورية إن تغير كثير من لونه أو طعمه
стр. 71
أو ريحه (أو) كان التغير (بخلط ما لا يشق) صون الماء عنه (مطلقا) , أي: سواء كان بصنع عاقل أو غيره: (كخل) وحبر ونحوهما ; لأنه ليس بماء مطلق).
قوله: (وهو ما تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه بشيء طاهر) .
لابد من تقييد الطاهر المغير بأن يكون (١):
١ - من غير جنس الماء كالملح المعدني، وذلك تحرزا من الملح المائي فإنه طاهر ويغير الماء ولكنه لا يسلبه طهوريته.
قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٢٥): (الملح الذي أصله الماء كالبحري , والملح الذي ينعقد من الماء الذي يرسل على السبخة فيصير ملحا , فلا يسلب الطهورية ; لأن أصله الماء , فهو كالجليد والثلج , وإن كان معدنا ليس أصله الماء فهو كالزعفران وغيره).
٢ - أن يكون برضع ما يشق صون الماء عنه، فما يشق صون الماء عنه كالطحلب وورق الشجر إن غيَّر الماء لا يسلبه الطهورية ولكنه إن وضع قصدا سلبه الطهورية.
٣ - أن يكون غير موافق للماء في الطهورية كالتراب فإنه لا يسلب الماء طهوريته.
قال ابن قدامة في المغني (١/ ٢٥): (ما يوافق الماء في صفتيه الطهارة والطهورية , كالتراب إذا غَيَّر الماء لا يمنع الطهورية ; لأنه طاهر مطهر كالماء , فإن ثخن بحيث لا يجري على الأعضاء لم تجز الطهارة به ; لأنه طين وليس بماء , ولا فرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد).
٤ - أن يكون مما يمازج الماء كالزعفران والحبر، ونحوهما، وذلك تحرزا مما لا يمازجه كالدهن فإنه لا يسلب الماء طهوريته.
٥ - ألا يكون في محل التطهير تحرزا مما لو كان التغير في محل التطهير فإنه لا يسلبه الطهورية.
стр. 72
قال البهوتي في كشاف القناع (١/ ٣٠ - ٣١): ((في محله) أي التطهير فهو طهور كما لو تغير الماء بزعفران في محل الوضوء أو الغسل فهو طهور ما دام في محل التطهير لمشقة التحرز).
قال ابن تيمية في "شرح العمدة" (١/ ٧٢): (ولا أثر الماء في محل التطهير مثل أن يكون على بدن المغتسل زعفران أو سدر أو خطمي فتغير به لان النبي ﷺ أمر بغسل المحرم وغسل ابنته بماء وسدر وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر ولأن هذا تدعو إليه الحاجة).
٦ - ألا يكون تمرا ويصير نبيذا ويشتد، وهذه حالة خاصة من التغير الكثير لأحد أوصاف الماء بالطاهر وتحوله إلى طاهر أيضا، فالنبيذ إذا اشتد أو أتى عليه ثلاثة أيام فإنه يصير نجسا، وسيأتي الكلام على هذه المسألة - إن شاء الله -.
الأقوال في حد التغير الذي يسلب الماء طهوريته:
اعتبر الماتن التغير الذي يسلب الماء طهوريته هو ما كان لكثير من أحد صفاته، وفي المذهب أقوال أخر.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٤): (تغير كثير من الصفة كتغير صفة كاملة وأما تغير يسير من الصفة فالصحيح من المذهب أنه يعفى عنه مطلقا اختاره المجد في شرحه وصاحب مجمع البحرين وقدمه في الفروع وقيل هو كتغير صفة كاملة اختاره أبو الخطاب وبن المنى وهو ظاهر ما قدمه في المحرر وصححه شيخنا في تصحيح المحرر ونقل عن القاضي أنه قال في شرح الخرقي اتفق الأصحاب على السلب باليسير في الطعم واللون وقاله بن حامد في الريح أيضا انتهى وقيل الخلاف روايتان وأطلقهما في الرعايتين والحاويين والنظم وبن تميم والفائق والزركشي وقيل يعفى عن يسير الرائحة دون غيرها واختاره الخرقي قال في الرعاية الكبرى وهو أظهر وجزم به في الإفادات).
والراجح أنه يعفى مطلقا عن التغير اليسير للصفة.
قال تقي الدين في "شرح العمدة" (١/ ٧١): (في التغير اليسير ثلاثة أوجه أحدها أنه كالكثير والثاني في الفرق بين الرائحة وغيرها والثالث العفو عنه مطلقا وهو أصح).
стр. 73
وأما إن كان التغير لكثير صفة أو لصفة كاملة من صفات الماء فهنا يختلف الأمر تبعا لاختلاف أنواعه.
فائدتان:
الفائدة الأولى - حد التغير الكثير:
قال تقي الدين في " مجموع الفتاوى" (٢١/ ٢٨): (إن سوى بين التغير اليسير والكثير مطلقا كان مخالفا للنص وإن فرق بينهما لم يكن للفرق بينهما حد منضبط لا بلغة ولا شرع ولا عقل ولا عرف).
وهناك أنواعا من التغير تخرج الماء عن إطلاقه بحيث لا يسمى ماء بإطلاق بل يسمى مضافا كماء طبخ فيه باقلاء فأصبح ماء باقلاء مغلي ونحو ذلك، ومن الماء المضاف ماء الورد وهو الناتج عن معالجة فلا يصدق عليه اسم الماء بلا قيد، ومنه أيضا ما خالطه طاهر فغير اسمه وغلب على أجزائه حتى صار صبغا أو حبرا أو خلا أو مرقا ونحو ذلك، وفرق بين أن نقول ماء وقع فيه حبر أو زعفران وبين أن نقول زعفران أو حبر فيه ماء، فالأول الراجح فيه أن التغيير لم يخرجه عن إطلاقه وأنه لا يزال يتناوله اسم الماء، وأما الثاني فالتغير أخرجه عن اسمه فلا يشمله اسم الماء، ولا يطلب الري بشربه.
قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٢٤): (إن المضاف لا تحصل به الطهارة وهو على ثلاثة أضرب أحدها: ما لا تحصل به الطهارة رواية واحدة وهو على ثلاثة أنواع أحدها ما اعتصر من الطاهرات كماء الورد وماء القرنفل وما ينزل من عروق الشجر إذا قطعت رطبة.
الثاني: ما خالطه طاهر فغير اسمه وغلب على أجزائه حتى صار صبغا أو حبرا أو خلا أو مرقا ونحو ذلك.
الثالث: ما طبخ فيه طاهر فتغير به كماء الباقلا المغلي فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها ولا الغسل، لا نعلم فيه خلافا إلا ما حكي عن ابن أبي ليلى والأصم في المياه المعتصرة أنها طهور يرتفع بها الحدث ويزال بها النجس ولأصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلا المغلي وسائر من بلغنا قوله من أهل العلم على خلافهم.
стр. 74
قال أبو بكر بن المنذر أجمع كل من نحفظ قوله من أهل العلم أن الوضوء غير جائز بماء الورد وماء الشجر وماء العصفر ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء ولأن الطهارة إنما تجوز بالماء وهذا لا يقع عليه اسم الماء بإطلاقه) (١).
وغير هذه الأنواع مما سبق ذكره لا تخرج الماء عن إطلاقه وتدخل على الراجح في الماء الطهور.
الفائدة الثانية - ما يجوز الوضوء به من الماء المضاف:
قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٢٥): (من المضاف ما يجوز الوضوء به رواية واحدة وهو أربعة أنواع:
أحدها: ما أضيف إلى محله ومقره كماء النهر والبئر وأشباههما لهذا لا ينفك منه ماء وهي إضافة إلى غير مخالط، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
الثاني: ما لا يمكن التحرز منه كالطحلب وسائر ما ينبت في الماء وكذلك ورق الشجر الذي يسقط في الماء أو تحمله الريح فتلقيه فيه وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه فتلقيه في الماء وما هو في قرار الماء كالكبريت والقار وغيرهما إذا جرى عليه الماء فتغير به أو كان في الأرض التي يقف الماء فيها وهذا كله يعفى عنه؛ لأنه يشق التحرز منه. فإن أخذ شيء من ذلك فألقي في الماء وغيره كان حكمه حكم ما يمكن التحرز منه من الزعفران ونحوه؛ لأن الاحتراز منه ممكن.
الثالث: ما يوافق الماء في صفتيه الطهارة والطهورية كالتراب إذا غير الماء لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهر مطهر كالماء فإن ثخن بحيث لا يجري على الأعضاء لم تجز الطهارة به؛ لأنه طين وليس بماء ولا فرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد وكذلك الملح الذي أصله الماء كالبحري والملح الذي ينعقد من الماء الذي يرسل على السبخة فيصير ملحا فلا يسلب الطهورية؛ لأن أصله الماء فهو كالجليد والثلج وإن كان معدنيا ليس أصله الماء فهو كالزعفران وغيره.
الرابع: ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة كالدهن على اختلاف
стр. 75
أنواعه والطاهرات الصلبة كالعود والكافور والعنبر إذا لم يهلك في الماء ولم يمع فيه لا يخرج به عن إطلاقه؛ لأنه تغيير مجاورة أشبه ما لو تروح الماء بريح شيء على جانبه ولا نعلم في هذه الأنواع خلافا.
وفي معنى المتغير بالدهن ما تغير بالقطران والزفت والشمع؛ لأن في ذلك دهنية يتغير بها الماء تغير مجاورة فلا يمنع كالدهن).
متى يعود الماء الطاهر المتغير لطهوريته:
قوله: (فإن زال تغيره بنفسه عاد إلى طهوريته).
وتعقب اللبدي قوله (بنفسه) فقال في "حاشيته على نيل المآرب" (ص/١٢): (ليس بقيد, بل إن زال تغيره بإضافة ونحوها عاد إلى طهوريته).
قال البهوتي في " كشاف القناع" (١/ ٣٨): ((ومتى تغير الماء) الطهور قليلا كان أو كثيرا (بطاهر ثم زال تغيره) بنفسه أو ضم شيء إليه (عادت طهوريته) لأن السلب للتغير وقد زال فعاد إلى أصله، وإن زال تغير بعضه عادت طهورية ما زال تغيره (فإن تغير به بعضه فما لم يتغير) منه (طهور) على أصله لعدم ما يزيله عنه).
ما كان قليلا واستعمل في رفع حدث:
بدأ الماتن في الكلام على الماء الطاهر المتغير تغيرا حكميا لا حقيقيا، فقال: (ومن الطاهر: ما كان قليلا واستعمل في رفع حدث).
حد القِلة:
قال ابن مفلح في "الفروع" (١/ ٥٢): (وإن استعمل قليل في رفع حدث فطاهر ... ) فقيده بالقليل ثم ذكر باقي الروايات كما سيأتي - بإذن الله -.
وحد القِلة هو ما كان دون القلتين وسوف يأتي بإذن الله الكلام على تحديد القُلة.
قال ابن قدامة في "الكافي" (١/ ٧): (جعلت القلتان حدا بين القليل والكثير).
معنى الاستعمال:
سبق بيان معنى الاستعمال وأنه هو الماء المنفصل عن أعضاء المتطهر لا الماء المتبقي الذي يعترف منه.