Полный текст (611 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
يعدى إلى مسموع ومبصر فلما لم يجز أن تكون المسموعات والمبصرات لم تزل موجودات لم يجز أن يكون لم يزل سامعاً مبصراً، وسميع بصير لا يعدى زعم إلى مسموع ومبصر لأنه يقال للنائم سميع بصير وإن لم يكن بحضرته ما يسمعه ويبصره ولا يقال للنائم أنه سامع مبصر.
وكان يقول: معنى قولي أن الله سميع إثبات لله وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يسمع ودلالة على أن المسموعات إذا كانت سمعها وإكذاب لمن زعم أنه أصم، وكان يقول: القول في الله أنه بصير على وجهين: يقال بصير بمعنى عليم كما يقال رجل بصير بصناعته أي عالم بها وبصير بمعنى أنا نثبت ذاته ونوجب أنه بخلاف ما لا يجوز أن يبصر وندل على أن المبصرات إذا كانت أبصرها، ونكذب من زعم أنه أعمى.
واختلف الناس في معنى القول في الله سبحانه أنه حي هل هو معنى أنه قادر أم لا على مقالتين:
فقالت المعتزلة من البصريين وأكثر الناس: ليس معنى القول أن الله حي معنى
القول أنه قادر.
стр. 177
وقالت طوائف من معتزلة البغداذيين منهم الإسكافي وغيره: معنى القول فيه أنه حي أنه قادر.
واختلف الذين قالوا لم يزل الله غنياً عزيزاً عظيماً جليلاً كبيراً سيداً مالكاً قاهراً عالياً في القول أن الله غني عزيز عظيم جليل كبير سيد مالك رب قاهر عال هل قيل ذلك لعزة وعظمة وجلال وكبرياء وسودد وملك وربوبية وقهر وعلو أم لم يقل ذلك على خمس مقالات:
فقالت المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية أن الله غني عزيز عظيم جليل كبير سيد جبار مبصر رب مالك قاهر عال لا لعزة وعظمة وجلال وكبرياء وسودد وربوبية وقهر، وكذلك قالوا في القول أنه واحد فرد موجود باق رفيع أنه لم يوصف بذلك لإلهية وبقاء ووحدانية ووجود، وكذلك سائر الصفات التي ليست صفاته ولم يوصف بها لمعان.
وأما أبو الهذيل من المعتزلة فإنه أثبت العزة والعظمة والجلال والكبرياء وكذلك في سائر الصفات التي يوصف بها لنفسه وقال:
هي البارئ كما قال في العلم والقدرة، فإذا قيل له: العلم هو القدرة؟ قال: خطأ أن يقال هو القدرة وخطأ أن يقال هو غير القدرة، وهذا نحو ما أنكر من قول عبد الله بن كلاب.
стр. 178
وأما النظام فإنه رجع من إثباته أن البارئ عزيز إلى إثبات ذاته ونفي الذلة عنه، وكذلك قوله في سائر ما يوصف به البارئ لذاته على هذا الترتيب.
وأما عباد فكان إذا سئل عن القول عزيز قال: إثبات اسم لله ولم يقل أكثر من هذا، وكذلك جوابه في عظيم مالك سيد.
وقال ابن كلاب ما حكيناه عنه قبل هذا الموضع، واختلف عنه في الإلهية فمن
أصحابه من يثبت الإلهية معنىً، ومنهم من لا يثبتها معنىً.
واختلفوا في القول أن الله كريم هل هو من صفاته لنفسه أم لا على أربع مقالات:
فقال عيسى الصوفي في الوصف لله بأنه كريم أنه من صفات الفعل والكرم هو الجود، وكان إذا قيل له: أفتقول أنه لم يزل غير كريم؟ امتنع من ذلك، وكذلك كان يقول في الإحسان أنه من صفات الفعل ويمتنع من القول أنه لم يزل غير محسن وكذلك جوابه في العدل والحلم.
وقال الإسكافي: الوصف لله بأنه كريم يحتمل وجهين: أحدهما صفة فعل إذا كان الكرم بمعنى الجود والآخر صفة نفس إذا أريد به الرفيع العالي على الأشياء لنفسه.
стр. 179
وقال محمد بن عبد الوهاب الجبائي: الوصف لله بأنه كريم على وجهين: فالوصف له بأنه كريم بمعنى عزيز من صفات الله لنفسه والوصف له بأنه كريم بمعنى أنه جواد معط من صفات الفعل.
وقال ابن كلاب: الوصف لله بأنه كريم ليس من صفات الفعل واختلفوا في صفات الفعل عندهم من الإحسان والعدل وما أشبه ذلك هل يقال لم يزل الله غير محسن إذ كان للإحسان فاعلاً غير عادل إذ كان للعدل فاعلاً على مقالتين:
فمنهم من كان إذا قيل له: إذا قلت أن الإحسان فعل وقلت أن العدل فعل فقل أن الله لم يزل غير محسن ولا عادل! قال: نقول أنه لم يزل غير محسن ولا مسيء وغير عادل ولا جائر حتى يزول الإيهام ولم يزل غير صادق ولا كاذب، وهذا قول الجبائي.
وكان عباد إذا قيل له: أتقول أن الله لم يزل محسناً عادلاً؟ قال: لا أقول ذلك، فإن قيل له: فلم يزل غير محسن ولا عادل؟ قال: لا أقول ذلك، وكذلك إذا قيل له: لم يزل خالقاً؟ أنكر ذلك، وإذا قيل له: لم يزل غير خالق؟ أنكر ذلك.
وجميع المعتزلة لا ينكر أن يكون الله لم يزل غير خالق ولا رازق
стр. 180
ولا فاعل وكذلك كل ما ليس في نعته إيهام من صفات الفعل لا يمتنعون منه كالقول محي مميت باعث وارث وما أشبه ذلك.
واختلف المتكلمون في معنى القول في الله أنه قديم
فقال بعضهم: معنى القول أن الله قديم أنه لم يزل كائناً لا إلى أول وأنه المتقدم لجميع المحدثات لا إلى غاية.
وقال عباد بن سليمان: معنى قولنا في الله أنه قديم أنه لم يزل ومعنى لم يزل هو أنه قديم، وأنكر عباد القول بأن الله كائن متقدم للمحدثات وقال: لا يجوز أن يقال ذلك.
وقال بعض البغداذيين: معنى قديم أنه إله.
وقال عبد الله بن كلاب: معنى قديم أن له قدماً.
وقال أبو الهذيل: معنى أن الله قديم إثبات قدم لله هو الله.
وحكي عم معمر أنه قال: لا أقول أن البارئ قديم إلا إذا حدث المحدث.
وحكي عن بعض المتقدمين أنه قال: لا أقول أن البارئ قديم على وجه من الوجوه.
стр. 181
واختلف المتكلمون هل يسمى البارئ شيئاً أم لا على مقالتين:
فقال جهم وبعض الزيدية أن لبارئ لا يقال أنه شيء لأن الشيء هو المخلوق الذي له مثل، وقال المسلمون كلهم أن البارئ شيء لا كالأشياء.
واختلفت المعتزلة في القول أن الله غير الأشياء على أربع مقالات:
فقال قائلون أن البارئ غير الأشياء وزعموا أن معنى القول في الله أنه شيء أنه غير الأشياء بنفسه ولا يقال أنه غيرها لغيرية، والقائل بهذا القول عباد بن سليمان.
وقال قائلون: البارئ غير الأشياء والأشياء غيره فهو غير الأشياء لنفسه وأنفسها، والقائل بهذا القول الجبائي.
وقال قائلون أن البارئ غير الأشياء لغيرية لا لنفسه، وزعم صاحب هذا القول أن الغيرية صفة للبارئ لا هي البارئ ولا هي غيره، والقائل بهذا القول هو الحلقاني، وكان يزعم أن الجواهر تتغاير بغيرية يجوز ارتفاعها فلا تتغاير وأن الأعراض لا تتغاير،
стр. 182
وكان يقول في صفات الإنسان أنها ليست هي الإنسان ولا هي غيره كما يقول ذلك في صفات البارئ.
وقال قائلون: قولنا البارئ غير الأشياء إنما معناه أنه ليس هو الأشياء.
واختلفوا في معنى القول أن الله جواد وهل الوصف له بذلك من صفات النفس أو من صفات الفعل على ثلاث مقالات:
فقال قائلون وهم المعتزلة وطوائف من غيرهم أن الوصف لله بالجود من صفات الفعل وأن الله فاعل لجوده وقد كان غير فاعل له.
وقال الحسين بن محمد النجار: الله تعالى لم يزل جواداً بنفي البخل عنه ولم يثبت لله جوداً كان به جواداً.
وقال عبد الله بن كلاب: لم يزل الله جواداً وأثبت الجود صفة لله لا هي هو ولا هي غيره.
واختلف المتكلمون أن يكون؟ علم الله على شرط على مقالتين:
فقال كثير من المتكلمين من معتزلة البصريين والبغداذيين إلا هشاماً وعباداً أن الله يعلم أنه يعذب الكافر إن لم يتب من كفره
стр. 183
وأنه لا يعذبه إن تاب من كفره ومات تائباً غير متجانف لاثم.
وقال هشام الفوطي عباد: لا يجوز ذلك لما فيه من الشرط والله لا يجوز أن يوصف بأنه يعلم على شرط ويخبر على شرط، وجوز مخالفوهم أن يوصف
الله بأنه بخير على شرط والشرط في المخبر عنه ويعلم على شرط والشرط في المعلوم.
واختلفوا في القول أن الله عالم حي قادر سميع بصير وهل يقال ذلك في الله على الحقيقة أم لا وهل يقال ذلك في الإنسان في الحقيقة أم لا على ست مقالات:
فقال أكثر المعتزلة أن الله عالم قادر سميع بصير في الحقيقة ولم يمتنعوا أن يقولوا أنه موصوف بهذه الصفات في حقيقة القياس.
وقال عباد: لا أقول أن الله عالم في حقيقة القياس لأني لو قلت أنه عالم في حقيقة القياس لكان لا عالم إلا هو وكذلك قوله في قادر حي سميع بصير، وكان يقول: القديم لم يزل في حقيقة القياس لأن القياس ينعكس لأن القديم لم يزل ومن لم يزل فقديم فلو كان البارئ عالماً في حقيقة القياس لكان لا عالم إلا هو.
وحكي عن بعض الفلاسفة أنه لا يشرك بين البارئ وغيره
стр. 184
في هذه الأسماء ولا يسمى البارئ عالماً ولا يسميه قادراً ولا حياً ولا سميعاً ولا بصيراً ويقول أنه لم يزل.
وقال بعض أهل زماننا وهو رجل يعرف بابن الإيادي أن البارئ عالم قادر حي سميع بصير في المجاز والإنسان عالم قادر حي سميع بصير في الحقيقة وكذلك في سائر الصفات.
وقال الناشئ: البارئ عالم قادر حي سميع بصير قديم عزيز عظيم جليل كبير فاعل في الحقيقة والإنسان عالم قادر حي سميع بصير فاعل في المجاز، وكان يقول أن البارئ شيء موجود في الحقيقة والإنسان شيء موجود في المجاز، وكان يزعم أن البارئ غير الأشياء والأشياء غيره في الحقيقة ويزعم أن النبي ﷺ صادق في الحقيقة فاعل في المجاز، وكان يقول أن الاسم إذا وقع على المسميين فلا يخلو أن يكون وقع عليهما لاشتباههما كقولنا جوهر
وجوهر وماء وماء أو لاشتباه ما احتملته ذاتهما من المعنى كقولنا متحرك ومتحرك وأسود وأسود أو لمضاف أضيفا إليه وميزا منه لولاه ما كانا كذلك نحو محسوس ومحسوس ومحدث ومحدث أو لأنه في أحدهما بالمجاز وفي الآخر بالحقيقة كقولنا للصندل المجتلب من معدنه صندل وكتسميتنا للإنسان
стр. 185
بهذا الاسم فإذا قلنا أن البارئ عالم قادر سميع بصير فلا يجوز أن تكون وقعت هذه الأسماء عليه لمشابهته لغيره ولا يجوز أن تكون وقعت عليه لمعان قامت بذاته ولا يجوز أن تكون وقعت عليه لمضاف أضيف البارئ إليه لأنه لم يزل عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً قبل كون الأشياء فلم يبق إلا أن الأسماء وقعت عليه وهي فيه بالحقيقة وفي الإنسان بالمجاز، وكان لا يستدل بالأفعال الحكمية على أن البارئ عالم قادر حي سميع بصير لأن الإنسان قد تظهر منه الأفعال الحكمية وليس بعالم قادر حي سميع بصير في الحقيقة.
وقال أكثر أهل الكلام أن البارئ عالم قادر حي سميع بصير في الحقيقة والإنسان أيضاً يسمى بهذه الأسماء في الحقيقة.
القول في البارئ أنه متكلم:
اختلفت المعتزلة في ذلك فمنهم من أثبت البارئ متكلماً، ومنهم من امتنع أن يثبت البارئ متكلماً وقال: لو ثبته متكلماً لثبته متفعلاً والقائل بهذا الإسكافي وعباد بن سليمان.
وأنكرت المعتزلة بأسرها أن يكون الله سبحانه لم يزل مريداً للمعاصي وأنكروا جميعاً أن يكون الله لم يزل مريداً لطاعته، وأنكرت
стр. 186
المعتزلة بأسرها أن يكون الله لم يزل متكلماً راضياً ساخطاً محباً مبغضاً منعماً رحيماً موالياً معادياً جواداً حليماً عادلاً محسناً صادقاً خالقاً رازقاً بارئاً مصوراً محيياً مميتاً آمراً ناهياً مادحاً ذاماً، وزعموا بأجمعهم أن ذلك أجمع من صفات الله التي يوصف بها لفعله، وزعموا أن
ما يوصف به البارئ لنفسه كالقول قادر حي وما أشبه ذلك لم يجز أن يوصف بضده ولا بالقدرة على ضده لأنه لما وصف بأنه عالم لم يجز أن يوصف بأنه جاهل ولا بالقدرة على أن يجهل، وما وصف البارئ بضده أو بالقدرة على ضده فهو من صفات الأفعال وذلك أنه لما وصف بالإرادة وصف بضدها من الكراهة، وزعموا أنه لما وصف بالبغض وصف بضده من الحب ولما وصف بالعدل وصف بالقدرة على ضده من الجور.
واختلفت المعتزلة في صفات الأفعال كالقول خالق رازق محسن جواد وما أشبه ذلك هل يقال أن البارئ لم يزل غير خالق ولا رازق ولا جواد أم لا على ثلاث فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أنه لا يقال أن البارئ لم يزل خالقاً ولا يقال لم يزل غير خالق ولا يقال لم يزل رازقاً ولا يقال لم يزل غير رازق، وكذلك قولهم في سائر صفات الأفعال، والقائل بهذا
стр. 187
عباد بن سليمان.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن البارئ لم يزل غير خالق ولا رازق، فإذا قيل لهم: فلم يزل غير عادل؟ قالوا: لم يزل غير عادل ولا جائر ولم يزل غير محسن ولا مسيء ولم يزل غير صادق ولا كاذب، قالوا: لأنا إذا قلنا لم يزل غير صادق وسكتنا أوهمنا أنه كاذب وكذلك إذا قلنا لم يزل غير حليم وسكتنا أوهم أنه سفيه ولكن نقيد فيما يقع عنده الإيهام فنقول: لم يزل لا حليماً ولا سفيهاً فأما ما لا يقع عنده الإيهام كالقول خالق رازق فإنا نقول لم يزل غير خالق ولا رازق، والقائل بهذا الجبائي.
والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن البارئ لم يزل غير خالق ولا رازق ولا يقولون: لم يزل غير عادل ولا محسن ولا جواد ولا صادق ولا حليم لا على تقييد ولا على إطلاق لما في ذلك زعموا من الإيهام، وهذا قول معتزلة البغداذيين
وطوائف من معتزلة البصريين.
واختلفت المعتزلة هل يقال لله علم وقدرة أم لا وهم أربع فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أنا نقول للبارئ علماً ونرجع إلى أنه عالم ونقول له قدرة ونرجع إلى أنه قادر لأن الله سبحانه
стр. 188
أطلق العلم فقال: أنزله بعلمه وأطلق القدرة فقال: أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، ولم يطلقوا هذا في شيء من صفات الذات ولم يقولوا حياة بمعنى حي ولا سمع بمعنى سميع وإنما أطلقوا ذلك في العلم والقدرة من صفات الذات فقط، والقائل بهذا النظام وأكثر معتزلة البصريين وأكثر معتزلة البغداذيين.
والفرقة الثانية منهم يقولون: لله علم بمعنى معلوم وله قدرة بمعنى مقدور وذلك أن الله قال: ولا يحيطون بشيء من علمه أراد: من معلومه، والمسلمون إذا رأوا المطر قالوا: هذه قدرة الله أي مقدوره، ولم يقولوا ذلك في شيء من صفات الذات إلا في العلم والقدرة.
والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن لله علماً هو هو وقدرة هي هو وحياة هي هو وسمعاً هو هو، وكذلك قالوا في سائر صفات الذات، والقائل بهذا القول أبو الهذيل وأصحابه.
والفرقة الرابعة منهم يزعمون أنه لا يقال لله علم ولا يقال قدرة ولا يقال سمع ولا بصر ولا يقال لا علم له ولا لا قدرة له وكذلك
стр. 189
قالوا في سائر صفات الذات، والقائل بهذه المقالة العبادية أصحاب عباد بن سليمان.
واختلفوا هل يقال لله وجه أم لا وهم ثلاث فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن لله وجهاً هو هو والقائل بهذا القول أبو الهذيل.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أنا نقول وجه توسعاً ونرجع إلى إثبات الله لأنا نثبت وجهاً هو هو وذلك أن العرب تقيم الوجه مقام الشيء فيقول القائل: لولا وجهك لم
أفعل أي لولا أنت لم أفعل، وهذا قول النظام وأكثر المعتزلة البصريين وقول معتزلة البغداذيين.
والفرقة الثالثة منهم ينكرون ذكر الوجه أن يقولوا لله وجه فإذا قيل لهم: أليس قد قال الله سبحانه: كل شيء هالك إلا وجهه قالوا: نحن نقرأ القرآن فأما أن نقول من غير أن نقرأ القرآن أن لله وجهاً فلا نقول ذلك، والقائلون بهذه المقالة العبادية أصحاب عباد.
القول في أن الله مريد:
اختلفت المعتزلة في ذلك على خمسة أقاويل:
فالفرقة الأولى منهم أصحاب أبي الهذيل يزعمون أن إرادة الله غير مراده وغير أمره وأن إرادته لمفعولاته ليست بمخلوقة على الحقيقة
стр. 190
بل هي مع قوله لها كوني خلق لها وإرادته للإيمان ليست بخلق له وهي غير الأمر به وإرادة الله قائمة به لا في مكان، وقال بعض أصحاب أبي الهذيل: بل إرادة الله موجودة لا في مكان ولم يقل هي قائمة بالله تعالى.
والفرقة الثانية منهم أصحاب بشر بن المعتمر يزعمون أن إرادة الله على ضربين إرادة وصف بها الله في ذاته وإرادة وصف بها وهي فعل من أفعاله وأن إرادته التي وصف بها في ذاته غير لاحقة بمعاصي العباد.
والفرقة الثالثة منهم أصحاب أبي موسى المردار فيما حكى أبو الهذيل عن أبي موسى أنه كان يزعم أن الله أراد معاصي العباد بمعنى أنه خلي بينهم وبينها، وكان أبو موسى يقول: خلق الشيء غيره والخلق مخلوق لا يخلق.
والفرقة الرابعة منهم أصحاب النظام يزعمون أن الوصف لله بأنه مريد لتكوين الأشياء معناه أنه كونها وإرادته للتكوين هي التكوين، والوصف له بأنه مريد لأفعال عباده معناه أنه آمر بها والأمر بها غيرها، قال: وقد نقول أنه مريد
الساعة أن يقيم القيامة ومعنى ذلك أنه
стр. 191
حاكم بذلك مخبر به، وإلى هذا القول يميل البغداذيون من المعتزلة.
والفرقة الخامسة منهم أصحاب جعفر بن حرب يزعمون أن الله أراد أن يكون الكفر مخالفاً للإيمان وأراد أن يكون قبيحاً غير حسن والمعنى أنه حكم أن ذلك كذلك.
القول في كلام الله :
اختلفت المعتزلة في كلام الله سبحانه هل هو جسم أم ليس بجسم وفي خلقه على ستة أقاويل:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن كلام الله جسم وأنه مخلوق وأنه لا شيء إلا جسم.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن كلام الخلق عرض وهو حركة لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة، وأن كلام الخالق جسم وأن ذلك الجسم صوت مقطع مؤلف مسموع وهو فعل الله وخلقه وإنما يفعل الإنسان القراءة والقراءة حركة وهي غير القرآن، وهذا قول النظام وأصحابه، وأحال النظام أن يكون كلام الله في أماكن كثيرة أو في مكانين في وقت واحد وزعم أنه في المكان الذي خلقه الله فيه
стр. 192
والفرقة الثالثة من المعتزلة يزعمون أن القرآن مخلوق لله وهو عرض وأبوا أن يكون جسماً وزعموا أنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد: إذا تلاه تال فهو يوجد مع تلاوته وكذلك إذا كتبه كاتب وجد مع كتابته وكذلك إذا حفظه حافظ وجد مع حفظه فهو يوجد في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة ولا يجوز عليه الانتقال والزوال، وهذا قول أبي الهذيل وأصحابه، وكذلك قوله في كلام الخلق أنه جائز وجوده في أماكن كثيرة في وقت واحد.
والفرقة الرابعة منهم يزعمون أن كلام الله عرض وأنه مخلوق وأحالوا أن يوجد
في مكانين في وقت واحد وزعموا أن المكان الذي خلقه الله فيه محال انتقاله وزواله منه ووجوده في غيره، وهذا قول جعفر بن حرب وأكثر البغداذيين.
والفرقة الخامسة منهم أصحاب معمر يزعمون أن القرآن عرض والأعراض عندهم قسمان: قسم منها يفعله الأحياء وقسم منها يفعله الأموات محال أن يكون ما يفعله الأموات فعلاً للأحياء، والقرآن مفعول وهو عرض ومحال أن يكون الله فعله في الحقيقة لأنهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلاً لله، وزعموا أن القرآن فعل للمكان
стр. 193
الذي يسمع منه إن سمع من شجرة فهو فعل لها وحيثما سمع فهو فعل للمحل الذي حل فيه.
والفرقة السادسة يزعمون أن كلام الله عرض مخلوق وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد، وهذا قول الإسكافي.
واختلفت المعتزلة في كلام الله هل يبقى أم لا يبقى:
فمنهم من قال: هو جسم باق والأجسام يجوز عليها البقاء وكلام المخلوقين لا يبقى، وقالت طائفة أخرى: كلام الله تعالى عرض وهو باق وكلام غيره يبقى، وقالت طائفة أخرى: كلام الله عرض غير باق وكلام غيره لا يبقى وقالت في كلامه تعالى أنه لا يبقى وأنه إنما يوجد في وقت ما خلقه الله ثم عدم بعد ذلك.
واختلفت المعتزلة هل مع قراءة القارئ لكلام غيره وكلام نفسه كلام غيرهما على مقالتين:
فزعمت فرقة منهم أن مع قراءة القارئ لكلام غيره وكلام نفسه كلاماً غيرهما، وزعمت فرقة أخرى منهم أن القراءة هي الكلام.
واختلف الذين زعموا أن مع القراءة كلاماً على مقالتين:
стр. 194
فزعمت الفرقة الأولى منهم أن القراءة كلام لأن القارئ يلحن في قراءته وليس يجوز اللحن إلا في كلام وهو أيضاً متكلم وإن قرأ كلام غيره ومحال أن يكون
متكلماً بكلام غيره فلا بد من أن تكون قراءته هي كلامه.
وقالت الفرقة الثانية: القراءة صوت والكلام حروف والصوت غير الحروف.
واختلفت المعتزلة في الكلام هل هو حروف أم لا على مقالتين:
فزعمت فرقة منهم أن كلام الله سبحانه حروف، وزعم آخرون منهم أن كلام الله سبحانه ليس بحروف.
واختلفت المعتزلة في الكلام هل هو موجود مع كتابته أم لا على مقالتين:
فزعمت فرقة منهم أن الكلام يوجد مع كتابته في مكانها كما يجامع القراءة في موضعها، وزعمت فرقة أخرى منهم أن الكتابة رسوم تدل عليه وليس بموجود معها.
واختلفت المعتزلة هل يقال أن البارئ محبل أم لا وهم فرقتان:
فزعمت فرقة منهم أن البارئ بخلق الحبل محبل، والقائل بهذا
стр. 195
القول الجبائي ومن قال بقوله، وزعمت فرقة أخرى منهم أن البارئ لا يجوز أن يكون محبلاً بخلق الحبل كما لا يكون والداً بخلق الولد.
واختلفت المعتزلة في معنى القول أن الله خالق وهم فرقتان:
فزعمت فرقة منهم أن معنى القول في الله أنه خالق أنه فعل الأشياء مقدرة وأن الإنسان إذا فعل أفعالاً مقدرة فهو خالق، وهذا قول الجبائي وأصحابه.
وزعمت الفرقة الثانية منهم أن معنى القول في الله سبحانه أنه خالق أنه فعل لا بآلة ولا بقوة مخترعة فمن فعل لا بآلة ولا بقوة مخترعة فهو خالق لفعله، ومن فعل بقوة مخترعة فليس بخالق لفعله.
وأجمعت المعتزلة بأسرها على إنكار العين واليد وافترقوا في ذلك على مقالتين:
فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان وأنكر أن يقال أنه ذو عين وأن له عينين، ومنهم من زعم أن لله يداً وأن له يدين وذهب في معنى ذلك إلى أن اليد نعمة وذهب في
معنى العين إلى أنه أراد العلم وأنه عالم وتأول قول الله : ولتصنع على عيني أي بعلمي.
стр. 196
واختلفت المعتزلة في البارئ هل يقال أنه وكيل وأنه لطيف على مقالتين:
فمنهم من زعم أن البارئ لا يقال أنه وكيل، وأنكر قائل هذا القول أن يقول حسبنا الله ونعم الوكيل من غير أن يقرأ القرآن وأنكر أيضاً أن يقال لطيف دون أن يوصل ذلك فيقال لطيف بالعباد، والقائل بهذا القول عباد بن سليمان.
ومنهم من أطلق وكيل وأطلق لطيف وإن لم يقيد.
واختلفت المعتزلة هل يقال أن البارئ قبل الأشياء أو يقال قبل ويسكت على ذلك على ثلاث مقالات:
فزعمت الفرقة الأولى منهم وهم العبادية أصحاب عباد بن سليمان أن البارئ يقال أنه قبل ولا يقال أنه قبل الأشياء ولا يقال بعد الأشياء كما لا يقال أنه أول الأشياء.
وزعمت الفرقة الثانية منهم وهم أصحاب أبي الحسين الصالحي أن البارئ لم يزل قبل الأشياء برفع اللام، قالوا: ولا نقول لم يزل قبل الأشياء بنصب اللام.
стр. 197
وزعمت الفرقة الثالثة منهم وهم الأكثرون عدداً أن البارئ لم يزل قبل الأشياء وأن ذلك يطلق بنصب اللام من قبل.
واختلفت المعتزلة هل يجوز أن يسمى البارئ عالماً من استدل على أنه عالم بظهور أفعاله عليه وإن لم يأته السمع من قبل الله سبحانه بأن يسميه بهذا الاسم أم لا على مقالتين:
فزعمت الفرقة الأولى منهم أنه جائز أن يسمي الله سبحانه عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً من استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول.
وزعمت الفرقة الثانية منهم أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء من
دله العقل على معناها إلا أن يأتيه بذلك رسول من قبل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء.
واختلفت المعتزلة هل كان يجوز أن يقلب الله الأسماء فيسمي العالم جاهلاً والجاهل عالماً أم لم يكن ذلك جائزاً على مقالتين:
فزعمت الفرقة الأولى منهم أن ذلك لم يكن جائزاً ولا يجوز على وجه من الوجوه، وهذا قول عباد.
وزعم آخرون أن ذلك جائز ولو قلب الله سبحانه الأسماء لم يكن ذلك مستنكراً.
стр. 198
واختلفت المعتزلة هل يجوز اليوم قلب الأسماء واللغة على ما هي عليه أم لا على مقالتين:
فمنهم من أجاز ذلك، ومنهم من أنكره.
واختلفت المعتزلة هل كان يجوز أن يسمي الله سبحانه نفسه جاهلاً ميتاً عاجزاً على طريق التقليب واللغة على ما هي عليه وهم فرقتان:
فزعمت الفرقة الأولى منهم أن ذلك لا يجوز وأنه لا يجوز أن يسمي الله نفسه على طريق التقليب.
وزعمت الفرقة الثانية منهم أن ذلك جائز ولو فعل ذلك لم يكن مستنكراً، وهو قول الصالحي.
وأجمعت المعتزلة على أن صفات الله سبحانه وأسماءه هي أقوال وكلام فقول الله أنه عالم قادر حي أسماء لله وصفات له وكذلك أقوال الخلق ولم يثبتوا صفة له علماً ولا صفة قدرة وكذلك قولهم في سائر صفات النفس.
واختلفت المعتزلة هل البارئ قادر على خلق الأعراض وهم فرقتان:
فزعم فريق منهم أن الله يقدر على خلق الأعراض وإنشائها،
стр. 199
وزعمت فرقة أخرى منهم وهم أصحاب معمر أنه لا يجوز أن يخلق الله عرضاً ولا يوصف بالقدرة
على خلق الأعراض.
واختلفت المعتزلة في البارئ هل يوصف بالقدرة على ما أقدر عليه عباده أم لا وهم فرقتان:
فزعم أكثرهم أن البارئ لا يوصف بالقدرة على ما أقدر عليه عباده على وجه من الوجوه.
وزعم بعضهم وهو الشحام أن الله يقدر على ما أقدر عليه عباده وأن حركة واحدة تكون مقدورة لله وللإنسان فإن فعلها الله كانت ضرورة وإن فعلها الإنسان كانت كسباً.
واختلفت المعتزلة هل يوصف الله بالقدرة على جنس ما أقدر عليه عباده أم لا وهم فرقتان:
فزعمت فرقة منهم أنه إذا أقدر عباده على حركة أو سكون أو فعل من الأفعال لم يوصف بالقدرة على ذلك ولا على ما كان من جنس ذلك، وأن الحركات التي يقدر البارئ عليها ليست من جنس الحركات التي أقدر عليها غيره من العباد.
وزعمت فرقة أخرى منهم أن الله إذا أقدر عباده على حركة
стр. 200
أو سكون أو فعل من الأفعال فهو قادر على ما هو من جنس ما أقدر عليه عباده، وهذا قول الجبائي وطوائف من المعتزلة.
واختلفت المعتزلة في البارئ سبحانه هل يوصف بالقدرة على الجور والظلم أم لا يوصف بالقدرة على ذلك وهم فرقتان:
فزعم أكثر الزاعمين أن البارئ قادر على الظلم والجور أنه قادر على أن يظلم ويجور.
وزعمت فرقة منهم وهم أصحاب عباد بن سليمان أن البارئ قادر على الظلم والجور ولا نقول على أن يظلم وهو قادر على الجور ولا نقول على أن يجور.
واختلفت المعتزلة في الجواب عمن سأل عن البارئ سبحانه لو فعل ما يقدر عليه من الظلم والجور على سبعة أقاويل:
فقال أبو الهذيل في جواب من سأله: إن فعل البارئ ما يقدر عليه من الجور والظلم كيف كان يكون الأمر؟ فقال: محال أن يفعل البارئ ذلك لأن ذلك لا يكون إلا عن نقص ولا يجوز النقص على البارئ.
стр. 201
وقال أبو موسى المردار في الجواب عن ذلك: إطلاق هذا الكلام على البارئ قبيح لا يستحسن إطلاقه في رجل من المسلمين فكيف يطلق في الله فمنع أن يقال: لو فعل البارئ الظلم لقبح ذلك لا لاستحالته، وكان أبو موسى إذا جدد الكلام عليه قال: لو فعل الله الظلم لكان ظالماً رباً إلهاً قادراً، ولو ظلم مع وجود الدلائل على أنه لا يظلم لكان يدل بدلائل على أنه يظلم.
وكان بشر المعتمر يقول أن الله يقدر أن يعذب الأطفال، فإذا قيل له: فلو عذب الطفل؟ قال: لو عذبه لكان يكون بالغاً كافراً مستحقاً للعذاب.
وكان محمد بن شبيب يزعم أن الله يقدر أن يظلم ولكن الظلم لا يكون إلا ممن به آفة فعلمت أنه لا يكون من الله سبحانه فلا معنى لقول من قال: لو فعله.
وكان بعضهم يزعم أن الله يقدر أن يفعل العدل وخلافه والصدق وخلافه ولا يقول: يقدر أن يظلم ويكذب، قال صاحب هذا الجواب: إن قال قائل: هل معكم أمان من أن يفعله؟ قال: نعم هو
стр. 202
ما أظهر من أدلته على أنه لا يفعله، فإذا قيل له: أفيقدر أن يفعله مع الدليل على أن لا يفعله؟ أجاب بأنه قادر على أن يفعله مع الدليل مفرداً من الدليل لئلا يتوهم الدليل دليلاً والظلم واقعاً، وكذلك إذا قيل له: لو فعله مع الدليل على أنه لا يفعله وفعل الظلم، وزعم أن الظلم لو وقع لكانت العقول بحالها وكانت الأشياء التي يستدل بها أهل العقول غير هذه الأشياء الدالة في يومنا هذا وكانت تكون هي هي ولكن على خلاف هيئاتها ونظمها واتساقها التي هي
اليوم عليه، وهذا قول جعفر بن حرب.
وكان الإسكافي يقول: يقدر الله على الظلم إلا أن الأجسام تدل بما فيها من العقول والنعم التي أنعم بها على خلقه على أن الله لا يظلم والعقول تدل بأنفسها على أن الله ليس بظالم وليس يجوز أن يجامع الظلم ما دل لنفسه على أن الظلم لا يقع من الله، وكان إذا قيل له: فلو وقع الظلم منه كيف كانت تكون القصة؟ قال: يقع والأجسام معراة من العقول التي دلت بأنفسها وأعينها على أن الله لا يظلم.
وكان هشام الفوطي وعباد بن سليمان إذا قيل لهما: لو فعل
стр. 203
الله سبحانه الظلم كيف كانت تكون القصة؟ أحالا هذا القول وقالا: إن أراد القائل بقوله لو الشك فليس عندنا شك في أن الله لا يظلم وإن أراد بقوله لو النفي فقد قال أن الله لا يجور ولا يظلم فليس يسوغ أن يقال لو ظلم البارئ ﷻ .
القول في أن الله قادر على ما علم أنه لا يكون:
اختلفت المعتزلة في ذلك على أربعة أقاويل:
فقال أبو الهذيل ومن اتبعه وجعفر بن حرب ومن وافقه: البارئ قادر على ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون، ولو كان ما علم أنه لا يكون مما يكون كان عالماً أنه يفعله لكان الخبر بأنه يكون سابقاً.
وكان علي الأسواري يحيل أن يقرن القول أن الله يقدر على الشيء أن يفعله بالقول أنه عالم أنه لا يكون وأنه قد أخبر أنه لا يكون، وإذا أفرد أحد القولين من الآخر كان الكلام صحيحاً وقيل أن الله سبحانه قادر على ذلك الشيء أن يفعله.
وقال عباد بن سليمان: ما علم أنه لا يكون لا أقول أنه قادر على أن يكون ولكن أقول: قادر عليه كما أقول: الله عالم به ولا أقول أنه عالم بأنه يكون لأن إخباري بأن الله قادر على أن يكون
стр. 204
ما علم أنه لا يكون إخبار أنه يقدر وأنه يكون، وكان إذا قيل له: فهل يفعل الله ما علم أنه لا يفعله؟ أحال القول.
وكان الجبائي إذا قيل له: لو فعل القديم ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون كيف كان يكون العلم والخبر؟ أحال ذلك، وكان يقول مع هذا أنه لو آمن من علم الله أنه لا يؤمن لأدخله الجنة، وكان يزعم أنه إذا وصل مقدور بمقدور صح الكلام كقوله: لو آمن الإنسان لأدخله الله الجنة وإنما الإيمان خير له، ولو ردوا لعادوا فالرد مقدور عليه فقال: لو كان الرد مقدوراً منهم لكان عود مقدور، وكان يزعم أنه إذا وصل محال بمحال صح الكلام كقول القائل: لو كان الجسم متحركاً ساكناً في حال لجاز أن يكون حياً ميتاً في حال وما أشبه ذلك، وكان يزعم أنه إذا وصل مقدور بما هو مستحيل استحال الكلام كقول القائل: لو آمن من علم الله وأخبر أنه لا يؤمن كيف كان يكون العلم والخبر؟ وذلك أنه إن قال: كان لا يكون الخبر عن أنه يؤمن سابقاً بأن لا يكون كان الخبر الذي قد كان بأنه لا يؤمن وبأن لا يكون لم يزل عالماً استحال الكلام لأنه يستحيل
стр. 205
أن لا يكون ما قد كان بأن لا يكون كان ويستحيل أن لا يكون البارئ عالماً بما لم يزل عالماً به بأن لا يكون لم يزل عالماً، وإن قال: كان يكون الخبر عن أنه لا يكون والعلم بأنه لا يكون ثابتاً صحيحاً وإن كان الشيء الذي علم وأخبر أنه لا يكون استحال الكلام، وإن قال: كان الصدق ينقلب كذباً والعلم ينقلب جهلاً استحال الكلام، فلما كان المجيب على هذه الوجوه على أي وجه أجاب عن السؤال استحال كلامه لم يكن الوجه في الجواب إلا نفس إحالة سؤال السائل.
واختلفت المعتزلة في جواز كون ما علم الله أنه لا يكون على أربعة أقاويل:
فقال أكثر المعتزلة: ما علم الله سبحانه أنه لا يكون لاستحالته أو العجز عنه فلا يجوز كونه مع استحالته ولا مع العجز عنه ومن قال: يجوز أن يكون المعجوز عنه بأن يرتفع العجز عنه وتحدث القدرة عليه فيكون الله عالماً بأنه يكون يذهب هذا القائل بقوله يجوز إلى أن الله قادر على ذلك فقد صدق، وما علم الله سبحانه
أنه لا يكون لترك فاعله له فمن قال: يجوز أن يكون بأن لا يتركه فاعله ويفعل آخذه بدلاً من تركه ويكون الله عالماً بأنه يفعله يريد بقوله يجوز يقدر فذلك صحيح.
стр. 206
وقال علي الأسواري: ما علم الله سبحانه أنه لا يكون لم نقل أنه يجوز أن يكون إذا قرنا ذلك بالعلم بأنه لا يكون.
وقال عباد: قول من قال يجوز أن يكون ما علم الله سبحانه أنه لا يكون فهو كقوله: يكون ما علم الله أنه لا يكون أو من قال: يجوز أن يكون ما علم الله أنه لا يكون لأن معنى يجوز عنده معنى الجواز.
وقال الجبائي: ما علم الله سبحانه أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون فلا يجوز أن يكون عند من صدق بأخبار الله، وما علم أنه لا يكون ولم يخبر بأنه لا يكون فجائز عندنا أن يكون وتجويزنا لذلك هو الشك في أن يكون أو لا يكون لأن يجوز عنده في اللغة على وجهين: بمعنى الشك وبمعنى يحل.
واتفقت المعتزلة على أن البارئ سبحانه ليس بذي علم محدث يعلم به، ولا يجوز أن تبدو له البدوات، ولا يجوز على أخباره النسخ لأن النسخ لو جاز على الأخبار لكان إذا أخبرنا أن شيئاً يكون ثم نسخ ذلك بأن أخبر أنه لا يكون لكان لا بد من أن يكون أحد الخبرين كذباً، قالوا: وإنما الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي.
وأجمعت المعتزلة على إنكار القول بالماهية وأن لله ماهية لا يعلمها العباد وقالوا: اعتقاد ذلك في الله سبحانه خطأ وباطل.
стр. 207
هذا شرح اختلاف الناس في التجسيم
قد أخبرنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون أن البارئ جل ثناؤه ليس بجسم ولا محدود ولا ذي نهاية، ونحن الآن نخبر أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم.
اختلفت المجسمة فيما بينهم في التجسيم وهل للبارئ تعالى قدر من الأقدار وفي
مقداره على ست عشرة مقالة:
فقال هشام بن الحكم أن الله جسم محدود عريض عميق طويل طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه نور ساطع له قدر من الأقدار بمعنى أن له مقداراً في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه، في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسة لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسته وهو نفسه لون ولم يثبت لوناً غيره وأنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد، وحكى عنه أبو الهذيل أنه أجابه إلى أن جبل أبي قبيس أعظم من معبوده، وحكى عنه ابن الراوندي أنه زعم أن الله سبحانه يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات ولولا
стр. 208
ذلك ما دلت عليه وحكي عنه أنه قال: هو جسم لا كالأجسام ومعنى ذلك أنه شيء موجود.
وقد ذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت البارئ ملوناً ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسة وأن يكون طويلاً وعريضاً وعميقاً وزعم أنه في مكان دون مكان متحرك من وقت خلق الخلق.
وقال قائلون أن البارئ جسم وأنكروا أن يكون موصوفاً بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصف به هشام غير أنه على العرش مماس له دون ما سواه.
واختلفوا في مقدار البارئ بعد أن جعلوه جسماً:
فقال قائلون: هو جسم وهو في كل مكان وفاضل عن جميع الأماكن وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكثر من مساحة العالم لأنه أكبر من كل شيء.
وقال بعضهم: مساحته على قدر العالم، وقال بعضهم أن البارئ جسم له مقدار في المساحة ولا ندري كم ذلك القدر.
وقال بعضهم: هو في أحسن الأقدار وأحسن الأقدار أن يكون ليس بالعظيم الجافي ولا القليل القميء، وحكي عن هشام بن الحكم أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة
أشبار بشبر نفسه.
стр. 209
وقال بعضهم: ليس لمساحة البارئ نهاية ولا غاية وأنه ذاهب في الجهات الست اليمين والشمال والأمام والخلف والفوق والتحت.
قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب.
وقال قوم أن معبودهم هو الفضاء وهو جسم تحل الأشياء فيه ليس بذي غاية ولا نهاية، وقال بعضهم: هو الفضاء وليس بجسم والأشياء قائمة به.
وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان أن الله جسم وأنه جثة على صورة الإنسان لحم وذم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه، وحكي عن الجواربي أنه كان يقول: أجوف من فيه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك، وكثير من الناس يقولون: هو مصمت ويتأولون قول الله: الصمد المصمت الذي ليس بأجوف.
وقال هشام بن سالم الجواليقي أن الله على صورة الإنسان وأنكر أن يكون لحماً ودماً، وأنه نور ساطع يتلألأ بياضاً وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان سمعه غير بصره وكذلك سائر حواسه له يد ورجل وأذن وعين وأنف وفم وأن له وفرة سوداء.
стр. 210
وممن قال بالصورة من ينكر أن يكون البارئ جسماً، وممن قال بالتجسيم من ينكر أن يكون البارئ صورة.
باب اختلافهم في البارئ هل هو في مكان دون مكان أم لا في مكان أم في كل مكان وهل تحمله الحملة أم يحمله العرش وهل هم ثمانية أملاك أم ثمانية أصناف من الملائكة، اختلفوا في ذلك على سبع عشرة مقالة:
قد ذكرنا قول من امتنع من ذلك وقال أنه في كل مكان حال وقول من قال: لا
نهاية له وأن هاتين الفرقتين أنكرتا القول أنه في مكان دون مكان.
وقال قائلون: هو جسم خارج من جميع صفات الجسم ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ولا يوصف بلون ولا طعم ولا مجسة ولا شيء من صفات الأجسام وأنه ليس في الأشياء ولا على العرش إلا على معنى أنه فوقه غير مماس له وأنه فوق الأشياء وفوق العرش ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها.
وقال هشام بن الحكم أن ربه في مكان دون مكان وأن مكانه هو العرش وأنه مماس للعرش وأن العرش قد حواه وحده.
стр. 211
وقال بعض أصحابه أن البارئ قد ملأ العرش وأنه مماس له.
وقال بعض من ينتحل الحديث أن العرش لم يمتلئ به وأنه يقعد نبيه ﵇ معه على العرش.
وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال : الرحمن على العرش استوى ولا نقدم بين يدي الله في القول بل نقول استوى بلا كيف وأنه نور كما قال تعالى: الله نور السموات والأرض وأن له وجهاً كما قال الله: ويبقى وجه ربك وأن له يدين كما قال: خلقت بيدي وأن له عينين كما قال: تجري بأعيننا وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: وجاء ربك والملك صفاً صفاً وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ .
وقالت المعتزلة أن الله استوى على عرشه بمعنى استولى.
وقال بعض الناس: الاستواء القعود والتمكن.
واختلف الناس في حملة العرش ما الذي تحمل:
فقال قائلون: الحملة تحمل البارئ وأنه إذا غضب ثقل على
стр. 212
كواهلهم وإذا رضي
خف فيتبينون غضبه من رضاه وأن العرش له أطيط إذا ثقل عليه كأطيط الرحل، وقال بعضهم: ليس يثقل البارئ ولا يخف ولا تحمله الحملة ولكن العرش هو الذي يخف ويثقل وتحمله الحملة.
وقال بعضهم: الحملة ثمانية أملاك، وقال بعضهم: ثمانية أصناف وقال قائلون أنه على العرش وأنه بائن منه لا بعزلة وإشغال لمكان غيره بل ببينونة ليس على العزلة والبينونة من صفات الذات.
القول في المكان:
اختلفت المعتزلة في ذلك فقال قائلون: إن الله بكل مكان بمعنى أنه مدبر لكل مكان، وقال قائلون: البارئ لا في مكان بل هو على ما لم يزل عليه، وقال قائلون: البارئ في كل مكان بمعنى أنه حافظ للأماكن وذاته مع ذلك موجودة بكل مكان.
واختلفوا هل يقال أن البارئ لم يزل عالماً قادراً حياً أم لا يقال ذلك على مقالتين:
فقال قائلون: لم يزل الله عالماً قادراً حياً.
وزعم كثير من المجسمة أن البارئ كان قبل أن يخلق الخلق ليس بعالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا مريد ثم أراد وإرادته عندهم
стр. 213
حركته فإذا أراد كون شيء تحرك فكان الشيء لأن معنى أراد تحرك وليست الحركة غيره، وكذلك قالوا في قدرته وعلمه وسمعه وبصره أنها معان وليست غيره وليست بشيء لأن الشيء هو الجسم.
وقال قائلون: حركة البارئ غيره.
واختلف القائلون أن البارئ يتحرك على مقالتين:
فزعم هشام أن حركة البارئ هي فعله الشيء، وكان يأبى أن يكون البارئ يزول مع قوله يتحرك.
وأجاز عليه السكاك الزوال وقال: لا يجوز عليه الطفر.
وحكي عن رجل كلن يعرف بأبي شعيب أن البارئ يسر بطاعة أوليائه وينتفع بها وبإنابتهم ويلحقه العجز بمعاصيهم إياه تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
واختلفوا في رؤية البارئ بالأبصار على تسع عشرة مقالة:
فقال قائلون: يجوز أن نرى الله بالأبصار في الدنيا ولسنا ننكر
стр. 214
أن يكون بعض من نلقاه في الطرقات.
وأجاز عليه بعضهم الحلول في الأجسام، وأصحاب الحلول إذا رأوا إنساناً يستحسنونه لم يدروا لعل إلههم فيه.
وأجاز كثير مما أجاز رؤيته في الدنيا مصافحته وملامسته ومزاورته إياهم، وقالوا أن المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا ذلك، حكي ذلك عن بعض أصحاب مضر وكهمس.
وحكي عن أصحاب عبد الواحد بن زيد أنهم كانوا يقولون أن الله سبحانه يرى على قدر الأعمال فمن كان عمله أفضل رآه أحسن.
وقد قال قائلون إنا نرى الله في الدنيا في النوم فأما في اليقظة فلا، وروي عن رقبة بن مصقلة أنه قال: رأيت رب العزة في النوم فقال: لأكرمن مثواه يعني سليمان التيمي صلى الفجر بطهر العشاء أربعين سنة.
стр. 215
وامتنع كثير من القول أنه يرى في الدنيا ومن سائر ما أطلقوه وقالوا أنه يرى في الآخرة.
واختلفوا أيضاً في ضرب آخر:
فقال قائلون نرى جسماً محدوداً مقابلاً لنا في مكان دون مكان.
وقال زهير الأثري: ذات الله في كل مكان وهو مستو على عرشه ونحن نراه في الآخرة على عرشه بلا كيف، وكان يقول أن الله يجيء يوم القيامة إلى
مكان لم يكن خالياً منه وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ولم تكن خالية منه.
واختلفوا في رؤية الله بالأبصار هل هي إدراك له بالأبصار أم لا:
فقال قائلون: هي إدراك له بالأبصار وهو يدرك بالأبصار.
وقال قائلون: يرى الله سبحانه بالأبصار ولا يدرك بالأبصار.
واختلفوا في ضرب آخر:
فقال قائلون: نرى الله جهرة ومعاينة، وقال قائلون: لا نرى الله جهرة ولا معاينة.
следующие страницы →