Полный текст (611 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وقال قائلون: لا يذاق ويرى ويشم ويلمس إلا جسم وقد يسمع ما ليس بجسم، والقائل بهذا القول بعض أهل النظر.
وقال قائلون: قد يجوز أن ترى الأعراض وتسمع وتشم وتذاق وتلمس.
واختلفوا في الإدراك من وجه آخر:
فقال بعضهم: محله القلب وهو علم بالمدرك وليس في الحدقة إلا انتصاب العين حيال المدرك إذا قابله بها الإنسان أو القلب إذا قابلها وسمى بعضهم هذا الفعل رؤية.
وقال بعضهم: بل الرؤية والإدراك واحد وفي العين يكون وهو غير العلم، وقالوا في إدراك سائر الحواس على هذا النحو.
وقال بعضهم: الإدراك يكون في بعض الحدقة وهي جنسه والعلم في القلب دون غيره، وقالوا في سائر الأجناس كقولهم في هذا.
واختلفوا في الإدراك هل يجوز أن يكون فعلاً للشيء الذي أدركه المدرك على مقالتين:
فقال أكثر المتكلمين: لا يجوز أن يكون الإدراك فعلاً للشيء الذي أدركه المدرك.
وقال قائلون: قد يكون الإدراك فعلاً للشيء الذي أدركه كالرجل يكون فاتحاً لبصره فيرد عليه الشيء فيراه فالرؤية فعل للوارد.
стр. 387
ولبعض الناس في الإدراك قول ليس من جنس هذه الأقاويل وهو أنه زعم أن البصر قائم في الإنسان وإن كان مطبق الأجفان لأنه بصير وإن كان كذلك وإذا قابل الشخص بصره وارتفعت الموانع عنه وقع عليه ووقع العلم به في تلك الحال، والعلم عنده قد كان قبل ذلك مستوراً في القلب ممنوعاً من الوقوع بالمعلوم فلما زال مانعه وقع ولم يحدث لأنه قد كان قبل ذلك موجوداً كما وصفنا وكذلك قوله في البصر.
واختلف المتكلمون في المحال ما هو:
فقال قائلون: هو معنى تحت القول لا يمكن وجوده، ثم اختلف هؤلاء، فقال قائلون: هو اجتماع الضدين وكل مذكور لا يتهيأ كونه، وقال بعضهم: هو الضدان يجتمعان، وقال قوم سوى هؤلاء: هو القول المتناقض.
ثم اختلفوا في ماهية القول المتناقض:
فقال قوم: هو قولك فلان قائم قاعد وما كان في نجاره.
وقال بعضهم: ليس هذا هكذا لأن قاعداً لإثبات كما أن قائماً إثبات والإثباتان لا يتناقضان وإن فسدا أو فسد أحدهما وإنما يقع
стр. 388
التناقض والتنافي في قولك فلان قائم لا قائم وليس بقائم وهو قائم لأن الثاني نفي لمعنى الأول.
وقال قوم آخرون: كل كلام لا معنى له فهو محال.
وقال قوم آخرون: كل قول أزيل عن منهاجه واتسق على غير سبيله وأحيل عن جهته وضم إليه ما يبطله ووصل به ما لا يتصل به مما يغيره ويفسده ويقصر به عن موقعه وإفهام معناه فهو محال، وذلك كقول القائل أتيتك غداً وسآتيك أمس، وهذا قول ابن الراوندي.
واختلفوا في باب آخر من هذا الكلام:
فقال قائلون: المحال لا يكون كذباً والكذب لا يكون محالاً، وقال قائلون: كل كذب محال وكل محال كذب، وقال قائلون: من الكذب ما ليس بمحال والمحال كله كذب، ومنهم من يقول: إذا قال العاجز فلم يحل ولكنه كذب إلا أن يكون قد وصفه بالقدرة على ما لا يجوز أن يقدر عليه، فإذا قال: الغائب حاضر فكذلك وإذا قال: القديم محدث فهذا محال لأنه هذا مما لا يجوز أن يكون وقد كان يمكن أن يكون العاجز قادراً والغائب حاضراً.
стр. 389
واختلفوا في العلل على عشرة أقاويل:
فقال بعضهم: العلة علتان فعلة مع المعلول وعلة قبل المعلول فعلة الاضطرار مع المعلول وعلة الاختيار قبل المعلول، فعلة الاضطرار بمنزلة الضرب والألم إذا ضربت إنساناً فألم فالألم مع الضرب وهو الاضطرار وكذلك إذا دفعت حجراً فذهب فالدفع علة للذهاب والذهاب ضرورة وهي معه، وقالوا: الأمر علة الاختيار وهو قبله والعلة علة الفعل وهي قبله.
وقال بعضهم: علة كل شيء قبله ومحال أن تكون علة الشيء معه، وجعل قائل هذا القول نفسه على أنه إذا حمل شيئاً فعلمه بأنه حامل له بعد حمله يكون بلا فصل وعلى أن عداوة الله سبحانه للكافرين تكون بعد الكفر بلا فصل، وهذا قول بشر بن المعتمر والأول قول الإسكافي.
وقال بعضهم: العلة قبل المعلول حيث كانت والعلة علتان علة موجبة وهي قبل الموجب وهي التي إذا كانت لم يكن من فاعلها تصرف في معناها ولم يجز منه ترك لها أراده بعد وجودها، وعلة قبل معلولها وقد يكون معها التصرف والاختيار للشيء وخلافه وذلك لأني قد أقول:
стр. 390
أطعت الله لأن الله أمرني أعني لأجل الأمر ورغبت في طاعة الله وآثرتها وقد تمكنني مخالفة الأمر وترك المأمور به قد كان ذلك من كثير من الخلق، ومثله قوله: إنما جئناك لأنك دعوتنا وجئتك لأنك أرسلت إلي.
وقال قائلون: العلة علتان علة قبل المعلول وهي متقدمة بوقت واحد وما جاز أن يتقدم الشيء أكثر من وقت واحد فليس بعلة له ولا يجوز أن يكون علة له، وعلة أخرى تكون مع معلولها كالضرب والألم وما أشبه ذلك، وهذا قول الجبائي.
وقال قائلون: العلة لا تكون إلا مع معلولها وما تقدم وجوده وجود الشيء فليس بعلة له، وزعم هؤلاء أن الاستطاعة علة للفعل وأنها لا تكون إلا معه.
واختلفوا فيما بينهم: فمنهم من زعم أن العجز يوجب الضرورة كما أن الاستطاعة توجب الاختيار، وهذا قول إبراهيم النجاري، ومنهم من زعم أن العجز لا يوجب الضرورة وإن كانت الاستطاعة توجب الاختيار، وقال بعض هؤلاء: في المدرك للشيء طبيعة تولد الإدراك، وأبى ذلك بعضهم.
وقال قائلون: العلة لا تكون إلا مع معلولها وأنكروا أن تكون الاستطاعة علة، وهذا قول عباد بن سليمان.
стр. 391
وقال قائلون: العلل منها ما يتقدم المعلول كالإرادة الموجبة وما أشبه ذلك مما يتقدم المعلول وعلة يكون معلولها معها كحركة ساقي التي أبني عليها حركتي وعلة تكون بعد وهي الغرض كقول القائل: إنما بنيت هذه السقيفة لأستظل بها والاستظلال يكون فيما بعد، وهذا قول النظام.
واختلف الناس في المعلوم والمجهول:
فقال قائلون: الإنسان إذا علم شيئاً - قديماً كان ذلك الشيء أو محدثاً - لم يجز أن يجهله في حال علمه على وجه من الوجوه.
وقال آخرون: كل ما علمه الإنسان فقد يجوز أن يجهله في حال علمه من وجه من الوجوه.
وقال آخرون: كل ما علمه الإنسان فقد يجوز أن يجهله في حال علمه من غير الوجه الذي علمه منه كالرجل الذي يعرف الحركة ولا يعلم أنها لا تبقى وأنها من فعل المختار وأنها تحدث في المكان الثاني وكالإنسان الذي يعرف الأجسام ويجهل أنها محدثة، قالوا: ومن المحال الممتنع أن يكون الإنسان عالماً بأن الجسم موجود وهو يجهل أنه موجود أو يكون عالماً بأن الحركة لا تبقى وهو جاهل بأنها لا تبقى، ولكن ليس بمحال أن يعلم الحركة موجودة من يجهل أنها محدثة في المكان
стр. 392
الثاني وأنها من فعل الله سبحانه أو مما أقدر عليه الحيوان، وهذا قول أبي الهذيل وبشر بن المعتمر.
وقال النجار وأصحابه: أما المحدثات فقد يجوز أن تجهل وتعلم من وجهين في حال واحد وأما القديم فلن يجوز أن يعرفه من يجهله على وجه من الوجوه، واعتلوا في ذلك بأن زعموا أن للمحدثات أمثالاً ونظائر وأنها من جنس ونوع وجهات مختلفة كالبياض الذي هو نوع من أنواع الألوان وله أمثال ونظائر فقد يجوز أن يعرفه لوناً من لا يدري من أي أنواع الألوان هو، قالوا: وقد يجوز أن يعرفه بالخبر العام من لا يعرفه من جهة الحس والخبر الخاص، وقد يجوز أن يعرفه بالخبر من لا يعرفه من جهة الحس، والخبر العام هو قول النبي ﷺ : اعلموا لوناً قد حدث في يومنا هذا، والخبر الخاص هو قوله: اعلموا أن ذلك اللون بياض، وقد قال بهذا القول قوم غير النجار وأصحابه.
ثم اختلفوا في معرفته من جهة الحس:
فقال بعضهم: إذا رأى الملون بالبصر أبيض علم أن فيه بياضاً هو غيره والبياض لا يجوز عليه الحس بوجه من الوجوه.
стр. 393
وقال بعضهم: بل قد يحس البياض والأبيض جميعاً في حال واحدة ومحال أن يرى أحدهما من لا يرى الآخر.
فأما الذين زعموا أن اللون هو الذي يرى دون الملون فإنهم أبوا المجهول والمعلوم وأنكروه إنكاراً شديداً، وهذا قول النظام.
وزعم بعضهم أن الشيء لا يعلم بعلمين فيحال واحدة، قالوا: وما علم باضطرار فمحال أن يعرف باختيار وما عرف باختيار فمحال أن يعرف باضطرار.
وقال بعضهم: قد يجوز أن يعلم الشيء بعلمين في حال واحدة وقد يجوز أن يكون العلمان جميعاً اضطراراً وقد يجوز أن يكونا اختياراً، قالوا: فإن كان المعلوم جسماً فقد يجوز أن يعلم بعلوم كثيرة بعضها اضطراراً وبعضها اختياراً وإن كان عرضاً فلن يعلم إلا باختيار ولكنه قد يجوز أن يعلم بعلوم كثيرة في حال، وهذا قول بشر بن المعتمر.
وزعم بعضهم أنه قد يعرف العرض باضطرار كما يعرف باختيار وأن العلمين جميعاً قد يجوز اجتماعهما في حال.
وزعم بعضهم أن القديم لا يعلم بعلم واحد ولكن بعلوم كثيرة ولا يجوز انفراد بعضها من بعض، وزعم صاحب هذه المقالة أنه لا يعرف
стр. 394
الله سبحانه من يجهل أنه يعرف الأشياء قبل كونها وأن الأبصار لا تقع عليه وأن التحرك ليس بجائز عليه وأنه أحدث طعم الطبيخ والحلواء، هذا قول النظام، قال: وكل من علم أن الله أحدثه فهو يعلم أنه ليس بجسم وأن الأبصار لا تقع عليه وأنه خلق طعم البطيخ ورائحته فمن جهل شيئاً من ذلك فقد انسلخ من العلم بأن له محدثاً وأنه محدث
وأنه مربوب وأن له رباً، وقد يجوز في زعمه أن يعرف الحركة من يجهل أنها لا تبقى وأن الإعادة لا تجوز عليها، وصاحب هذه المقالة قد قاس بعض ما بقي على من أنكر المعلوم والمجهول وأنكر بقي عليه وعليهم إكفار المتأولين جميعاً وتجهيلهم، وهذا قول أكثر البغداذيين.
وزعم بعض الذين أنكروا المعلوم والمجهول أنه قد يعرف الله سبحانه من لا يعرف أنه أحدث شيئاً ومن يعتقد أن الأجسام من فعل غيره وأنه يرى بالأبصار وأنه في مكان دون مكان، قالوا: من قبل أن الدليل الذي دل على أنه موجود هو الدليل الذي دل على أنه لا يرى بالأبصار وأنه بكل مكان والوجه الذي من قبله
стр. 395
يعلم أنه موجود هو الذي من قبله يعلم أن الحيز لا يقع عليه والوجه الذي من قبله عرف أنه أحدث جسماً واحداً هو الوجه الذي من قبله يعرف أنه أحدث جميعها، وهذا قول البغداذيين.
وزعم الإسكافي أن الوجه الذي من قبله يعلم أن الله قادر على العدل هو الوجه الذي من قبله يعلم أنه قادر على الجور وأن الدليل الذي دل على ذلك واحد.
وزعموا جميعاً أن الدليل الذي دل على أنه خلق واحداً من القوى وواحداً من الألوان هو الدليل الذي دل على أنه خلق جميعها وأنه قد يجوز أن يعلم أن الله قادر على العدل من لا يعلم أنه قادر على الجور، وزعموا أيضاً أنه قد يجوز أن يعلم أن الله سبحانه خلق ألوان الزرنيخ من يجهل أنه خلق ألوان البطيخ والحلواء.
وزعم كثير منهم أنه لا يقدر على فعل الإيمان والكفر إلا محدث وأن الأبصار لا تقع إلا على محدث، ثم زعموا أنه قد يجوز أن يعرف الله سبحانه من يعتقد أنه يقدر على فعل الكفر والإيمان وإن كان لا يقدر عليهما إلا محدث ومحال أن يعرفه من يعتقد أن الأبصار تقع عليه من أجل أن الأبصار لا تقع إلا على محدث، قال: ومن زعم أن الله سبحانه يقدر أن يتحرك فهو لا يعرفه لأنه لا يقدر
على التحرك إلا
стр. 396
محدث وقد يجوز أن يعرفه من يعتقد أنه يقدر على كلام الخلق وما توجبه أفعالهم وإن كان ذلك لا يقدر عليه إلا محدث.
وكان أبو الحسين الصالحي يزعم أن العلم بأن الجسم موجود يصير علماً بأنه محدث إذا علم الإنسان محدث الجسم لا من أجل حدوث معنى غير العلم ولكن بحدوث العلم بالمحدث كالرجل لا يكون له أخ ثم يكون له أخ فيصير أخاً لحدوث أخيه لا لحدوث معنى فيه، وأن العلم بالله علم واحد والعلم بأنه موجود لا كالموجودين هو العلم بأنه شيء لا كالأشياء عالم لا كالعلماء حي لا كالأحياء قادر لا كالقادرين وأن معنى ذلك أنه شيء لا كالأشياء، وكان يزعم أن البارئ لا يعلم بعلمين وأنه لا يجوز أن يجهل البارئ من علمه من وجه من الوجوه في حال علمه به، وأجاز أن يكون شيء معلوماً مجهولاً من وجهين قديماً كان أو محدثاً.
وزعم المنكرون للمعلوم والمجهول أن العلم بأن الجسم محدث علم بمحدثه وكذلك الجهل بأنه محدث جهل بمحدثه لا به.
وقال من جوز أن يكون الشيء معلوماً مجهولاً من وجهين:
العلم بأن الجسم محدث علم به والجهل بأنه محدث جهل به.
وذكر بعض أهل النظر أنه قد يجوز أن يعلم الشيء موجوداً
стр. 397
من جهة من يجهله موجوداً من جهة أخرى كالرجل يعلم الشيء خبراً ويجهله حساً قول النبي وأما أهل النظر كلهم هذا ممن جوز المعلوم والمجهول وقال يجوز أن يعلم الشيء موجوداً من يجهله موجوداً ويعلمه محدثاً من يجهله محدثاً من وجه آخر فهذا ما لا يجوز.
واختلفوا هل يكون علم واحد بمعلومين أم لا:
فأنكر ذلك منكرون، وأجازه مجيزون، وقال بعض من أجاز علم واحد بمعلومين: يجوز أن يكون علم واحد بما لا كل له وهو كعلمنا أن معلومات الله لا كل لها
وهو علم الجملة.
ذكر اختلاف الناس في النفي والإثبات وفي الأمر هل يكون نهياً على وجه من الوجوه وفي الإرادة هل تكون كراهة على وجه من الوجوه وفي الأخذ هل يكون تركاً.
اختلف الناس في النفي والإثبات وهل يكون المثبت منفياً على مقالتين:
فقال قائلون: قد يثبت الشيء على وجه وينفى على غيره وذلك
стр. 398
كالجسم يكون موجوداً ويكون غير متحرك فيثبته الإنسان موجوداً وينفيه أن يكون متحركاً فالنفي والإثبات واقعان عليه.
واختلف هؤلاء فيما بينهم: فمنهم من أجاز أن يكون الشيء معلوماً مجهولاً من وجهين، ومنهم من أنكر أن يكون معلوماً مجهولاً من وجهين مع إقراره بأنه يكون مثبتاً منفياً من وجهين.
وقال قائلون: محال أن يكون المثبت منفياً والمنفي مثبتاً على وجه من الوجوه لأن المثبت هو الكائن الثابت الغابر والمنفي هو الذي ليس بكائن ولا موجود فمحال أن يكون الشيء كائناً لا كائناً في وقت واحد، وزعموا أن إثبات الجسم متحركاً إثبات حركته وكذلك إثباته ساكناً إثبات سكونه، والنفي لأن يكون متحركاً نفي لحركته والنفي لأن يكون ساكناً نفي لسكونه، وكذلك إثبات العالم منا عالماً والجاهل منا جاهلاً والفاعل فاعلاً، والنفي لأن يكون فاعلاً على هذا الترتيب.
واختلف هؤلاء فيما بينهم: فمنهم من أنكر أن يكون الشيء معلوماً مجهولاً من وجهين كما أنكر أن يكون مثبتاً منفياً من وجهين، ومنهم من أجاز أن يكون مجهولاً معلوماً من وجهين مع إنكاره أن يكون مثبتاً منفياً، وهو الجبائي ومن قال بقوله.
стр. 399
واختلفوا في الأمر بأن يكون متحركاً والنهي عن أن يكون متحركاً على ثلاثة
أقاويل:
فقال قائلون: الأمر للإنسان بأن يكون متحركاً أمر بغيره وهو حركته، ومن هؤلاء من زعم أن إثباته متحركاً إثبات عينه مع قوله أن الأمر له بأن يكون متحركاً أمر بحركته.
وقال قائلون: الأمر له بأن يكون متحركاً أمر بنفسه أن تكون متحركة والنهي له عن أن يكون متحركاً نهي عن نفسه أن تكون متحركة لا عن غيره، وكذلك الأمر له بأن يكون فاعلاً، قال: ولا أقول: أمر بنفسه وأسكت لئلا يوهم أنه أمر بنفسه أن يكون موجوداً ولكني أقول: أمر بنفسه أن تكون متحركة.
وقال قائلون: لا أقول أن الإنسان أمر بأن يكون متحركاً على الحقيقة ولكن أقول: أمر في الحقيقة بالحركة، وكذلك قوله في السكون وفي سائر ما يقع الأمر به، وهذا قول بعض الحوادث.
واختلف الناس في الأمر بالشيء هل يكون نهياً على وجه من الوجوه على مقالتين:
стр. 400
فقال قائلون: الأمر بالشيء نهي عن تركه وكذلك الإرادة لكون الشيء كراهة لكون تركه ولأن لا يكون، ومنعوا أن يكون العلم بشيء جهلاً بغيره والقدرة على الشيء عجزاً عن تركه.
وقال قائلون: الأمر بالشيء غير النهي عن تركه وكذلك الإرادة للشيء غير الكراهة لتركه.
فأما اختلافهم في أخذ الشيء هل يكون تركاً لضده فقد ذكرناه عند ذكرنا اختلافهم في الترك.
واختلف المتكلمون في الأعراض هل هي عاجزة جاهلة وموات أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: هي جاهلة بمعنى أنها ليست بعالمة وهي عاجزة بمعنى أنها ليست بقادرة وهي موات بمعنى أنها ليست بحية، حكي ذلك عن العطوي، وأبى أكثر أهل الكلام أن يطلقوا ذلك فيها على وجه من الوجوه.
واختلف المتكلمون في باب التولد كنحو ذهاب الحجر الحادث
стр. 401
عند دفعة الدافع له وكنحو انحداره الحادث عند طرحه وكنحو الألم الحادث عند الضرب وخروج الروح الحادث عند الوجبة والألوان الحادثة عند الضربة وما أشبهها من الأسباب والطعوم الحادثة والأراييح وما أشبه ذلك.
فقال قائلون: ما تولد عن فعلنا كنحو الأحر الحادث من البياض والحمرة وطعم الفالوذج عند جمع النشأ والسكر وإنضاجه وكنحو الرائحة الحادثة والألم الحادث عند الضرب واللذة الحادثة عند أكل الشيء وخروج الروح الحادث عند الوجبة وخروج النطفة الحادث عند الحركة وذهاب الحجر عند الدفعة وذهاب السهم عند الإرسال والإدراك الحادث إذا فتحنا أبصارنا كل ذلك فعلنا حادثعن الأسباب الواقعة منا، وكذلك انكسار اليد والرجل الحادث عند السقوط فعل من أتى بسببه وكذلك صحة اليد بالجبر وصحة الرجل بالجبر فعل الإنسان وكذلك زمانة الرجل إذا كسرها الإنسان أو أوهاها حتى تزمن، وكذلك إدراك جميع الحواس فعل الإنسان، وزعم قائل هذا القول أنه إذا ضرب الإنسان غيره فعلم بضربه فالعلم فعل الضارب وأنه قد يفعل
стр. 402
في غيره العلم، وإذا فتح بصره غيره بيده فأدرك فالإدراك زعم فعل فاتح البصر وكذلك إذا عمى الإنسان غيره فأعمى فعله في غيره، وزعم قائل هذا القول أن الإنسان يفعل في غيره بسبب يحدثه في نفسه ويفعل في نفسه أفعالاً متولدة وأفعالاً غير متولدة، وزعم قائل هذا القول أن الناس يفعلون لون الناطف وبياضه وحلاوة الفالوذج ورائحته والألم واللذة والصحة والزمانة والشهوة، وهذا قول بشر بن المعتمر رئيس البغداذيين من المعتزلة.
وقال أبو الهذيل ومن ذهب إلى قوله أن كل ما تولد عن فعله مما يعلم كيفيته فهو فعله وذلك كالألم الحادث عن الضرب وذهاب الحجر عند دفعه له وكذلك انحداره عند زجة الزاج به من يده وتصاعده عند رمية الرامي به صعداً وكالصوت الحادث عند اصطكاك الشيئين وخروج الروح إن كانت الروح جسماً أو بطلانها إن كانت عرضاً فذلك كله فعله، وزعم أنه قد يفعل في نفسه وفي غيره بسبب يحدثه في نفسه، فأما اللذة والألوان والطعوم والأراييح والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والجبن والشجاعة والجوع والشبع والإدراك والعلم الحادث في غيره عند فعله فذلك أجمع عنده فعل الله سبحانه، وكان
стр. 403
بشر بن المعتمر يجعل ذلك أجمع فعلاً للإنسان إذا كان سببه منه، وكان أبو الهذيل يزعم أن ذلك أجمع لا يتولد عن فعله ولا يعلم كيفيته وإنما فعله في نفسه الحركة والسكون والإرادة والعلم وما يعرف كيفيته وما يتولد عن الحركة والسكون في نفسه أو في غيره وما يتولد عن ضربه والاصطكاك الذي يفعله بين الشيئين، وكان يزعم أن الإنسان يفعل في غيره الأفعال بالأسباب التي يحدثها في نفسه وأن إنساناً لو رمى إنساناً بسهم ثم مات الرامي قبل وصول السهم إلى المرمي ثم وصل السهم إلى المرمي فآلمه وقتله أنه يحدث الألم والقتل الحادث بعد حال موته بالسبب الذي أحدثه وهو حي وكذلك لو عدم لكان يفعل في غيره وهو معدوم لسبب كان منه وهو حي، وليس يجوز عنده ولا عند بشر بن المعتمر أن يفعل الإنسان قوة ولا حياة ولا جسماً.
وقال إبراهيم النظام: لا فعل للإنسان إلا الحركة وأنه لا يفعل الحركة إلا في نفسه وأن الصلاة والصيام والإرادات والكراهات والعلم والجهل والصدق والكذب وكلام الإنسان وسكوته وسائر أفعاله حركات وكذلك سكون الإنسان في المكان إنما معناه أنه كائن
стр. 404
فيه وقتين أي تحرك فيه وقتين، وكان يزعم أن الألوان والطعوم
والأراييح والحرارات والبرودات والأصوات والآلام أجسام لطيفة ولا يجوز أن يفعل الإنسان الأجسام، واللذة أيضاً ليست من فعل الإنسان عنده، وكان يقول أن ما حدث في غيره حيز الإنسان فهو فعل الله سبحانه بإيجاب خلقه للشيء كذهاب الحجر عند دفعة الدافع وانحداره عند رمية الرامي به وتصاعده عند زجة الزاج به صعداً وكذلك الإدراك من فعل الله سبحانه بإيجاب الخلقة ومعنى ذلك أن الله سبحانه طبع الحجر طبعاً إذا دفعه دافع أن يذهب وكذلك سائر الأشياء المتولدة.
وكان يقول فيما حكي عنه أن الله سبحانه خلق الأجسام ضربة واحدة وأن الجسم في كل وقت يخلق.
وكان يزعم أن الإنسان هو الروح وأنه يفعل في نفسه، واختلف عنه هل يفعل في ظرفه وهيكله فالحكاية الصحيحة عنه أنه يفعل في ظرفه، ومن الناس من يحكي عنه أنه يفعل في هيكله وظرفه.
وقال غيره من المتكلمين أن الإرادات والكراهات والعلم والجهل
стр. 405
والصدق والكذب والكلام والسكوت غير الحركات والسكون، وهو أبو الهذيل.
وقال معمر: الإنسان لا يفعل في نفسه حركة ولا سكوناً وأنه يفعل في نفسه الإرادة والعلم والكراهة والنظر والتمثيل وأنه لا يفعل في غيره شيئاً وأنه جزء لا يتجزأ ومعنى لا ينقسم وأنه في هذا البدن على التدبير له لا على المماسة والحلول، وزعم أن المتولدات وما يحل في الأجسام من حركة وسكون ولون وطعم ورائحة وحرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة فهو فعل للجسم الذي حل فيه بطبعه وأن الموات يفعل الأعراض التي حلت فيه بطبعه وأن الحياة فعل الحي وكذلك القدرة فعل القادر وكذلك الموت فعل الميت، وزعم أن الله سبحانه لا يفعل عرضاً ولا يوصف بالقدرة على عرض ولا على حياة ولا على موت ولا على سمع ولا على بصر وأن السمع فعل السميع وكذلك البصر فعل البصير وكذلك الإدراك فعل
المدرك وكذلك الحس فعل الحساس وكذلك القرآن فعل الشيء الذي سمع منه إن كان ملكاً أو شجرة أو حجراً وأنه لا كلام لله في الحقيقة تعالى ربنا عن قوله علواً كبيراً، وزعم أن الله سبحانه إنما يفعل التلوين والإحياء والإماتة وليس ذلك أعراضاً لأن البارئ إذا لون الجسم فلا يخلو
стр. 406
أن يكون من شأنه أن يتلون أم لا فإن كان من شأنه أن يتلون فيجب أن يكون اللون بطبعه وإذا كان اللون بطبع الجسم فهو فعله ولا يجوز أن يكون بطبعه ما يكون تبعاً لغيره كما لا يجوز أن يكون كسب الشيء خلقاً لغيره وإن م يكن طبع الجسم أن يتلون جاز أن يلونه البارئ فلا يتلون.
وقال صالح قبة أن الإنسان لا يفعل إلا في نفسه وأن ما حدث عند فعله كذهاب الحجر عند الدفعة واحتراق الحطب عند مجامعة النار والألم عند الضربة فالله سبحانه الخالق له وكذلك المبتدئ له، وجائز أن يجامع الحجر الثقيل الجو الرقيق ألف عام فلا يخلق الله فيه هبوطاً ويخلق سكوناً، وجائز أن يجتمع النار والحطب أوقاتاً كثيرة ولا يخلق الله احتراقاً وأن توضع الجبال على الإنسان فلا يجد ثقلها، وأن يخلق سكون الحجر الصغير عند دفعة الدافع له ولا يخلق إذهابه ولو دفعه أهل الأرض جميعاً واعتمدوا عليه، وجائز أن يحرق الله سبحانه إنساناً بال نار ولا يألم بل يخلق فيه اللذة، وجائز أن يضع الله سبحانه الإدراك مع العمى والعلم مع الموت، وكان يجوز أن يرفع الله سبحانه ثقل السموات والأرضين حتى يكون ذلك أجمع أخف من ريشة ولم ينقص ذلك
стр. 407
من أجزائه شيئاً، وبلغني أنه قيل له: فما تنكر أن تكون في هذا الوقت بمكة جالساً في قبة قد ضربت عليك وأنت لا تعلم ذلك لأن الله سبحانه لم يخلق فيك العلم به هذا وأنت صحيح سليم غير مأوف؟ قال: لا أنكر فلقب بقبة، وبلغني أنه قيل له في أمر الرؤيا إذا كان بالبصرة فرأى كأنه بالصين أنه قال: أكون في الصين إذا رأيت أني في الصين،
فقيل له: فلو ربطت رجلك برجل إنسان بالعراق فرأيت كأنك في الصين؟ قال: أكون في الصين وإن كانت رجلي مربوطة برجل الإنسان الذي بالعراق.
وقال ثمامة: لا فعل للإنسان إلا الإرادة وأن ما سواها حدث لا من محدث كنحو ذهاب الحجر عند الدفعة وما أشبه ذلك، وزعم أن ذلك يضاف إلى الإنسان على المجاز.
وقال الجاحظ: ما بعد الإرادة فهو للإنسان بطبعه وليس باختيار له وليس يقع منه فعل باختيار سوى الإرادة.
وقال ضرار وحفص الفرد: ما تولد من فعلهم مما يمكنهم
стр. 408
الامتناع منه متى أرادوا فهو فعلهم وما سوى ذلك مما لا يقدرون على الامتناع منه متى أرادوا فليس بفعلهم ولا وجب لسبب وهو فعلهم.
وكان ضرار بن عمرو يزعم أن الإنسان يفعل في غير حيزه وأن ما تولد عن فعله في غيره من حركة أو سكون فهو كسب له خلق لله ، وكل أهل الإثبات غير ضرار يقولون: لا فعل للإنسان في غيره ويحيلون ذلك.
واختلفت المعتزلة هل المقتول ميت أم لا:
فقال قائلون: كل مقتول ميت وكل نفس ذائقة الموت، وقال قائلون: المقتول ليس بميت.
واختلفوا في القتل أين يحل:
فقال قائلون: يحل في القاتل، وقال قائل: حل في المقتول.
واختلفت المعتزلة في المتولد ما هو:
فقال بعضهم: هو الفعل الذي يكون بسبب مني ويحل في غيري، وقال بعضهم: هو الفعل الذي أوجبت سببه فخرج من أن يمكنني تركه وقد أفعله في نفسي وأفعله في غيري.
стр. 409
وقال بعضهم: هو الفعل الثالث الذي يلي مرادي مثل الألم الذي يلي الضربة ومثل الذهاب الذي يلي الدفعة.
وقال الإسكافي: كل فعل يتهيأ وقوعه على الخطأ دون القصد إليه والإرادة له فهو متولد وكل فعل لا يتهيأ إلا بقصد ويحتاج كل جزء منه إلى تجديد وعزم وقصد إليه وإرادة له فهو خارج من حد التولد داخل في حد المباشر.
واختلفوا في الشيء المتحرك إذا حركه اثنان:
فقال من نفى التولد: فيه حركة واحدة الله فاعلها إلا معمراً فإنه يزعم أن الشيء المتحرك يفعله في نفسه.
وقال من أثبت التولد قولين: قال بعضهم: فيه حركة فعلها اثنان فهي حركة واحدة لفاعلين غيرين، وقال بعضهم: هي حركتان فعلان للمحركين للشيء المحرك.
واختلفوا هل يجوز أن يترك المتولد إذا ترك سببه أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: إنما يترك السبب فأما المسبب فمحال أن يكون الترك لسببه تركاً له، وهذا قول عباد والجبائي.
وقال قائلون: قد نترك المسبب بتركنا للسبب.
стр. 410
واختلف مثبتو التولد هل يجوز أن يفعل الإنسان في غير علماً أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: لا يجوز أن يفعل الإنسان في غيره علماً ولا يجوز أن يفعل في نفسه إدراكاً ولا في غيره إدراكاً، وهذا قول أبي الهذيل والجبائي.
وقال قائلون: قد يجوز أن يفعل الإنسان في غيره علماً وذلك أني إذا ضربت عبدي فعلمي بأني قد ضربته علم بالألم فعلمه بالألم فعلي كما أن الألم فعلي.
واختلفوا هل يفعل الإنسان في الشيء من غير أن يماسه أو يماس ما يماسه على مقالتين:
فقال قائلون: لا يجوز أن يفعل الإنسان في شيء إلا بأن يماسه أو يماس ما
يماسه.
وقال قائلون: قد يجوز أن يفعل الإنسان فعلاً متولداً في جسم من الأجسام من غير أن يماسه ولا يماس ما يماسه كنحو الإنسان الذي يهجم على الرجل الفاتح بصره فيكون إدراكه فعلاً للهاجم.
стр. 411
واختلفوا في المتولد إذا بعد من السبب هل يكون هو المسبب الأول كالإنسان يرمي نفسه في نار أضرمها غيره أو يطرح نفسه على حديدة نصبها غيره أو يعترض سهماً قد رمى به غيره بطفل حتى يدخل فيه:
فقال كثير من المثبتين للتولد: الإحراق فعل لمن رمى بنفسه في النار والقتل لمن وقع على الحديدة المنصوبة والقتل فعل لمن اعترض السهم بالطفل، وعبر بعض هؤلاء عن دخول السهم في جسدالإنسان فقال: أنا حركة السهم في نفسه ففعل الرامي وأم الشق الحادث في الصبي ففعل من اعترض السهم به إلا أن يكون المعترض للسهم بالطفل أزال السهم عن جهته التي كانت يهذب فيها موضعه فذلك فعله، وإن لم يكن منه إلا نصب الصبي فحركة السهم فعل الرامي، قال: فإن نفذ السهم الصبي فأصاب شيئاً آخر كان الشيء الآخر قصته كقصة الصبي الذي اعترض السهم به من غير قصد الرامي فحكمه حكم واحد، وإن كان السهم نفذ وأصاب شيئاً قد كان في ذلك المكان قبل إرسال السهم فذلك فعل الرامي، وهذا قول الإسكافي.
وقال قائلون: ذلك فعل للرامي بالسهم والمضرم للنار والناصب للحديدة، وأفرط بعض هؤلاء في القول حتى زعموا أن إنساناً لو هجم
стр. 412
عليه إنسان وهو فاتح لبصره فأدركه أن الإدراك فعل للهاجم عليه دون الفاتح لبصره.
وقال قائلون: دخول السهم في جسد المعترض له فعل للرامي فأما الإحراق فهو فعل لمن زج نفسه في النار والقتل لمن رمى بنفسه على الحديدة المنصوبة.
واختلف مثبتو التولد من المعتزلة في الأسباب التي تكون عنها المسببات هل هي متقدمة لها أو موجودة مع وجودها:
فقال قائلون: السبب مع المسبب لا يجوز أن يتقدمه، وقال قائلون: السبب الذي يتولد عنه المسبب لا يكون إلا قبله، وقال قائلون: من الأسباب ما يكون مع مسبباتها المتولدة عنها ومنها ما يتقدم المسببات بوقت فأما ما كان قبل المسبب بوقتين فليس ذلك المسبب متولداً عنه، وجوز بعضهم أن يتقدم السبب المسبب أكثر من وقت واحد.
واختلفوا في السبب هل هو موجب للمسبب أم لا على مقالتين:
فقال أكثر المعتزلة المثبتين للتولد: الأسباب موجبة لمسبباتها،
стр. 413
وقال الجبائي: السبب لا يجوز أن يكون موجباً للمسبب وليس الموجب للشيء إلا من فعله وأوجده.
واختلفوا في التوجه مما يتولد من الفعل إذا حدث سببه ولما يقع المتولد:
فأوجب ذلك قوم ونفاه آخرون.
واختلفوا في توليد الحركة للسكون والطاعة للمعصية:
فنفى ذلك قوم وأن تولد الحركة سكوناً والسكون حركة وقالوا في المعصية أنها تولد ما ليس بطاعة ولا معصية ولا تولد الطاعة، هذا قول البغداذيين.
وحكي عن بشر بن المعتمر أنه جوز أن يولد الحركة سكوناً والسكون حركة والحركة حركة والسكون سكوناً.
وقال الجبائي: لا يجوز أن يولد السكون شيئاً والحركة قد تولد حركة وتولد سكوناً وزعم أن في الحجر إذا وقف في الجو حركات خفية تولد انحداره بعد ذلك وأن في القوس الموتر حركات خفيات تولد قطع الوتر إذا انقطع وفي الحائط حركات خفية يتولد عنها وقوعه
стр. 414
واختلفوا في الأفعال كلها سوى الإرادات هل يجوز أن
تقع متولدة وأجمعوا أن الإرادات لا تقع متولدة، واختلفوا فيما بعدها:
فقال قوم: قد يجوز أن تكون كلها متولدة، وقال قوم: المتولد منها ما حل في الفاعل وما فعل في نفسه فليس بمتولد، وقال قوم أن المتولد هو ما جاز أن يقع على طريق السهو والخطأ وما سوى ذلك فليس بمتولد، وقال قوم: قد تحدث في الإنسان أفعال غير الإرادة متولدة وأفعال غير متولدة.
واختلفوا في القديم هل يجوز أن يقع الفعل منه متولداً عن سبب على مقالتين:
فقال قائلون: لا يقع الفعل من القديم على طريق التولد ولا يقع منه عن سبب ولا يقع منه إلا على طريق الاختراع، وقال قائلون: قد يفعل القديم على طريق التولد فأما الأجسام فلا تقع منه متولدة.
واختلفوا في الشيء المولد للفعل ما هو على مقالتين:
فقال قائلون: المولد للفعل المتولد هو الفاعل للسبب، وقال قائلون: المولد للفعل المتولد هو السبب دون الفاعل.
стр. 415
واختلفوا في القدرة على الفعل المتولد على مقالتين:
فقال أكثر أهل النظر: هو مقدور عليه ما لم يقع سببه فإذا وقع سببه خرج من أن يكون مقدوراً، وقال قائلون: هو مقدور مع وجود سببه.
واختلفت المعتزلة في الإرادة هل تكون موجبة لمرادها أم لا:
فقال أبو الهذيل وإبراهيم النظام ومعمر وجعفر بن حرب والإسكافي والآدمي والشحام وعيسى الصوفي: الإرادة التي يكون مرادها بعدها بلا فصل موجبة لمرادها، وزعم الإسكافي أنه قد تكون إرادة غير موجبة فإذا لم توجب وقع مرادها في الثالث.
وقال بشر بن المعتمر وهشام بن عمرو الفوطي وعباد بن سليمان وجعفر بن مبشر ومحمد بن عبد الوهاب الجبائي: الإرادة لا تكون موجبة.
وأجاز أكثر الذين قالوا بالإرادة الموجبة أن يمنع الإنسان من مرادها وحكى الحسين بن محمد النجار أن قوماً ممن قاولا بالإرادة الموجبة قالوا: لن يجوز أن يمنعه الله من المراد وذلك أن الموت لا يكون إلا عن معاينة فإذا أراد أن يفعل الإنسان في أقرب الأوقات إليه لم يجز
стр. 416
أن يموت في ثانية لأنه لا يموت إلا بمعاينة وليس يجوز أن يريد في حال المعاينة أن يفعل في الثاني لأن حال المعاينة لا رجاء فيها لأن يبقى فيحدث الإرادة أن يفعل في الثاني، قال: ولم يجيزوا فناء الجوارح في الثاني إذا أحدث الإرادة في الحال الأول.
واختلفت المعتزلة في الإنسان في حال إرادته الموجبة هل يقدر على خلاف المراد أم لا على خمسة أقاويل:
فقال بعضهم أنه قد يقدر على خلاف المراد ولكنه لا يفعل إلا المراد وشبهوا ذلك بالفعل المعلوم من العبد أنه يكون وهو يقدر على خلافه ولا يكون إلا المعلوم لأنه لا يختار غيره وقالوا: ليس بمحال إذا أراد الإنسان أن يتحرك في الثاني أن يسكن في الثاني ولو سكن في الثاني لم يسكن إلا بإرادة متقدمة، فمثلوا بالمعلوم أنه لو كان ما علم أنه يكون مما لا يكون لم يكن العلم سابقاً بأنه يكون ولكان العلم سابقاً بأنه لا يكون.
وقال بعضهم أن المريد إذا أراد أن يتحرك في أقرب الأوقات إليه فهو قادر على الحركة وعلى السكون ولو سكن في الثاني كان يسكن بعد إرادة.
стр. 417
وقال بعضهم أن الإنسان إذا أحدث الإرادة لأن يتحرك إلى أقرب الأوقات إليه جاز أن يجيء الوقت الثاني فيكون ساكناً فيه ولا يكون ذلك السكون فعلاً مكتسباً ولا تركاً لتلك الحركة التي تقدمت إرادتها ولكن يكون تركاً للحركة في الوقت الثالث، ويجعلون السكون الذي يكون في الثاني سكون بنية كالإحراق الذي يكون من بنية النار، وزعم هؤلاء أن الأفعال التي تكون بالبنية ليست خلقاً لله ،
وهذا قول معمر.
وقال بعضهم: إذا أحدث الإرادة الموجبة لأقل قليل الفعل وهو زعموا أقل من ألف جزء من كلمة وذلك أنهم قالوا أن الكلمة الواحدة تكون بإرادات كثيرة والخطوة الواحدة تكون بإرادات كثيرة وذلك أن الإنسان يريد إرادة اجتماع أن يزول إلى موضع فيأتي بجزء من الذهاب ثم يدع الإرادة فيقطع المراد فإن أدام المرادات أدام المراد، وقالوا: إنما نحيل قول القائل يقدر على خلاف المراد إذ كان قد جاء بعلته ولكنه يقدر على المراد لأن فيه قدرة في حال الإرادة لها يكون المراد.
стр. 418
وقال بعضهم: محال قول القائل يقدر عليه أو على خلافه لأنا فيه بمنزلة رجل أرسل نفسه من شاهق في الهواء فلا يقال أنه يقدر على الذهاب ولا على الكف عنه، وإن كانت فيه قدرة فهي لغير هذا الفعل الذي أوجبه بإدخاله نفسه في علته الموجبة له.
وأجمعت المعتزلة إلا الجبائي أن الإنسان يريد أن يفعل ويقصد إلى أن يفعل وأن إرادته لأن يفعل لا تكون مع مراده ولا تكون إلا متقدمة للمراد.
وزعم الجبائي أن الإنسان إنما يقصد الفعل في حال كونه وأن القصد لكون الفعل لا يتقدم الفعل وأن الإنسان لا يوصف بأنه في الحقيقة مريد أن يفعل، وزعم أن إرادة البارئ مع مراده.
وقال أبو الهذيل أن إرادة البارئ مع مراده ومحال أن تكون إرادة الإنسان لكون الفعل مع الفعل.
واختلف الذين أنكروا الإرادة الموجبة في الإرادة للفعل هل تجامع المراد أم لا على مقالتين:
فمنهم من زعم أن الإرادة وإن كانت غير موجبة فلا تكون إلا قبل المراد، وزعم الجبائي أن الإرادة التي هي قصد للفعل مع الفعل لا قبله.
стр. 419
واختلفت المعتزلة في الإرادة التي هي تقرب بالفعل هل تكون قبل الفعل أو مع الفعل على مقالتين:
فمنهم من زعم أنها قبل الفعل كما أن الإرادة لأن يفعل الفعل قبله، وقال الإسكافي: قد يجوز أن تكون مع الفعل.
واختلفت المعتزلة في إرادة العباد هل لها إرادة على مقالتين:
فقال بعضهم: لا يجوز أن تكون للإرادة إرادة لأنها أول الأفعال وأجاز الجبائي أن يريد الإنسان إرادته في بعض ما دار بيني وبينه من المناظرة.
واختلفوا هل تدعو النفس إلى الإرادة ويدعو إليها الخاطر على مقالتين:
فأجاز ذلك قوم وأباه آخرون.
واختلفوا في الإرادة هل هي مختارة أم اختيار ليست بمختارة على مقالتين:
فقال قوم: هي مختارة كما أنها اختيار ولم يجيزوا أن تكون مرادة كما أنها مختارة، وقال قائلون: هي اختيار وليست بمختارة.
стр. 420
واختلفوا في أفعال الله هل هي كلها مختارة أم لا على أربعة أقاويل:
فقال قائلون: منها ما هو اختيار ومنها ما هو مختار.
وقال بعضهم: كلها مختارة لا باختيار غيرها بل هي اختيار كما كانت مرادة لا بإرادة غيرها، وهذا قول البغداذيين.
وقال قائلون: ما كان من أفعال الله له ترك كالأعراض فهو مختار وما لا ترك له كالأجسام فهو اختيار وليس بمختار.
وقال قائلون: ليس كل أفعال العباد مختارة بل منها ما لا يقال أنه مختار وجميعاً لا يقال له اختيار.
واختلفوا في الإيثار:
فقال قوم: الإيثار هو الاختيار والإرادة والمراد لا يكون إيثاراً ولا اختياراُ، وقال
قوم: الإيثار هو الإرادة والاختيار قد يكون إرادة وقد يكون مراداً.
واختلفت المعتزلة في الثقل والخفة هل هما الشيء أو غيره:
فقال قائلون: الثقل هو الثقيل وكذلك الخفة هو الخفيف وإنما
стр. 421
يكون الشيء أثقل بزيادة الأجزاء، وهذا قول جمهور المعتزلة وهو قول الجبائي.
وقال قائلون منهم الصالحي: الثقل غير الثقيل والخفة غير الخفيف.
واختلف هؤلاء فيما بينهم هل يجوز أن يرفع الله ثقل السموات والأرضين حتى تكون أخف من الريشة على مقالتين:
فجوز ذلك بعضهم وأنكره بعضهم.
وقال ضرار بن عمرو: ثقل الشيء بعضه وخفته بعضه.
واختلفوا في ظل الشيء هل هو الشيء أم غيره على مقالتين:
فقال قائلون: ظل الشيء غيره، وكان الجبائي يزعم أن الظل ليس بمعنى وإنما معنى الظل أن الشيء يستر لا أن الظل معنى.
واختلفوا في القتل ما هو:
فقال قائلون: القتل هو الحركة التي تكون من الضارب كنحو الموجبة والرمية وما أشبه ذلك التي يكون بعدها خروج الروح وأنها لا تسمى قتلاً ما لا تخرج الروح فإذا خرجت الروح سميت قتلاً، قالوا: وهذا كالحالف يحلف فيقول: إن قدم زيد فامرأتي طالق فإذا قدم زيد كان قوله الأول طلاقاً، وزعموا أن الانقتال حل
стр. 422
في المقتول وكذلك قاولا: ذبح وانذباح وشجة وانشجاج على مثل قوله القتل والانقتال وأن الشجة في الشجاج وكذلك الذبح في الذابح والانذباح في المذبوح والانشجاج في المنشج، والقائل بهذا إبراهيم النظام.
وقال قائلون: الحركة التي تخرج بعدها الروح عند الله قتل لأنه يعلم أن الروح بعدها تخرج وهي قتل في الحقيقة ولكن لا يعلم أنه قتل حتى تخرج، وأبى هذا
القول أصحاب القول الأول، وزعم الفريقان أن القتل قائم بالقاتل وأن المقتول مقتول بقتل في غيره.
وقال قائلون من المعتزلة: القتل هو خروج الروح عن سبب من الإنسان وخروج الروح لا عن سبب يكون من الإنسان موت وليس بقتل، وزعم هؤلاء أن القتل يحل في المقتول لا في القاتل.
وقال قائلون: القتل إبطال البنية وهو كل فعل لا تكون الحياة في الجسم إذا وجد كنحو قطع الرأس وفلق الحنجرة وكل فعل لا يكون الإنسان حياً مع وجوده وهو يحل في المقتول.
وقال ابن الراوندي: فاعل القتل قاتل في حال فعله والمقتول
стр. 423
مقتول في حال وقوع القتل به عند من عرف أن القاتل استعمل السيف بضرب ما يقع بعده خروج الروح، قال: وليس يكون الإنسان قاتلاً على الحقيقة إلا لمن خرج روحه مع ضربته لأنه يعلم حينئذ أنه هو الذي استفعله الخروج بضربته وأن الروح لم يكن ليخرج بهوى نفسه دون أن يضطره الضارب بالسيف ويكرهه ولا نعرف شيئاً حدث في وقت خروجه إلا الضربة والقضاء على الظاهر وكل ما جرت العادة في إحكام الأفعال والفاعلين، فأما من تأخر خروج روحه فليس الضارب قاتلاً له إلا بأن عرض روحه للخروج وسلط عليه ضداً يخرجه ويغمره، قال: فإن قال لنا قائل: فمن القاتل له في الحقيقة؟ قلنا لهم: ليس بمقتول في الحقيقة فيكون له قاتل في الحقيقة وليس يضاف قتله إلا إلى الضارب ولكن الضد الذي دخل عليه هو الذي منعه من الحس وغمره وأخرج روحه عن جسده، قال: ولو قال قائل: الضد قتله كما يقتله السم لجاز ذلك له، وزعم أن الله سبحانه خص إخراجه لروح غيره بأن سماه موتاً، قال: ومما يجاب به أيضاً أن يقال: الضارب قاتل بالتعريض والضد قاتل على الحقيقة، ووصف ابن الراوندي في القتل فزعم
أنه ينفصل من آلة الضارب إلى جسد المضروب ضد للروح
стр. 424
ولولا موضع ذلك الضد لم يقصد تلك الآلة فإذا حلت عليه جاهضته فأجهضها، فإن غلب الروح الضد فلا قتل وإن غلب الضد غمر وجاءت تلك الحال التي يعرف عندها أن الإنسان مقتول عند أهل التولد وعندنا، قال ابن الراوندي: وقد زعم أصحاب التولد أنه يحدث عن الضربة في بدنه شيء هو الألم والقتل قال: وذلك الحادث في قولهم منتقل عندنا إلا عمل الضد وعمل الروح فإنهما يحدثان منهما طباعاً.
واختلفوا في القتل هل يضاد الحياة أم لا على مقالتين:
فزعم بعضهم أن القتل يضاد الحياة، وقال قائلون: لا يضاد الحياة.
واختلف هؤلاء في الحياة على مقالتين:
فمنهم من يثبت الحياة عرضاً والموت عرضاً.
ومنهم من زعم أن القتل عرض يحل في القاتل والحياة جسم لطيف يحل في جسد المقتول وإنما يضاد الحياة الموت الذي هو جسم يمنعها من الحس الذي هو خاصتها فبهذا سمي موتاً وهو موت وميت كما أنها حياة وحي، وزعم أن الإماتة التي هي إدخال الله الجسم المضاد لها عليها تكون وحسها قائم كما أن القتل الذي هو إدخال ذلك الجسم أيضاً عليها يكون وحسها قائم.
стр. 425
واختلفوا في كلام الإنسان هل هو صوت أو ليس بصوت وهل الصوت جسم أو عرض:
فقال قائلون: كلام الإنسان صوت وهو عرض وقد يكون باللسان مسموعاً وفي القرطاس مكتوباً وفي القلوب محفوظاً فهو حال في هذه الأماكن بالكتابة والحفظ والتلاوة.
وقال قائلون: كلام الإنسان ليس بصوت وهو عرض وكذلك الصوت عرض ولا يوجب إلا باللسان.
وقال قائلون: الصوت جسم لطيف وكلام الإنسان هو تقطيع الصوت وهو عرض، وهذا قول النظام.
وقال قائلون: هو معنى قائم بالنفس لا يحل في اللسان وهو عرض وهو غير الصوت.
واختلفوا في الكلام هل يوصف بأنه مؤلف أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: قد يوصف بذلك وهو مؤلف في الحقيقة.
وقال قائلون: لا يوصف بذلك ومن قال: هذا كلام مؤلف فإنما يقوله اتساعاً.
واختلفوا في الصوت كيف يسمع وهل يجوز عليه الانتقال أم لا:
فقال قائلون: الصوت ينتقل في الجو فيصاك الأسماع
следующие страницы →