← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 37614

مقالات الإسلاميين ت ريتر

أبو الحسن الأشعري

Полный текст (611 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يكون الشيء أثقل بزيادة الأجزاء، وهذا قول جمهور المعتزلة وهو قول الجبائي. وقال قائلون منهم الصالحي: الثقل غير الثقيل والخفة غير الخفيف. واختلف هؤلاء فيما بينهم هل يجوز أن يرفع الله ثقل السموات والأرضين حتى تكون أخف من الريشة على مقالتين: فجوز ذلك بعضهم وأنكره بعضهم. وقال ضرار بن عمرو: ثقل الشيء بعضه وخفته بعضه. واختلفوا في ظل الشيء هل هو الشيء أم غيره على مقالتين: فقال قائلون: ظل الشيء غيره، وكان الجبائي يزعم أن الظل ليس بمعنى وإنما معنى الظل أن الشيء يستر لا أن الظل معنى. واختلفوا في القتل ما هو: فقال قائلون: القتل هو الحركة التي تكون من الضارب كنحو الموجبة والرمية وما أشبه ذلك التي يكون بعدها خروج الروح وأنها لا تسمى قتلاً ما لا تخرج الروح فإذا خرجت الروح سميت قتلاً، قالوا: وهذا كالحالف يحلف فيقول: إن قدم زيد فامرأتي طالق فإذا قدم زيد كان قوله الأول طلاقاً، وزعموا أن الانقتال حل

стр. 422

في المقتول وكذلك قاولا: ذبح وانذباح وشجة وانشجاج على مثل قوله القتل والانقتال وأن الشجة في الشجاج وكذلك الذبح في الذابح والانذباح في المذبوح والانشجاج في المنشج، والقائل بهذا إبراهيم النظام. وقال قائلون: الحركة التي تخرج بعدها الروح عند الله قتل لأنه يعلم أن الروح بعدها تخرج وهي قتل في الحقيقة ولكن لا يعلم أنه قتل حتى تخرج، وأبى هذا القول أصحاب القول الأول، وزعم الفريقان أن القتل قائم بالقاتل وأن المقتول مقتول بقتل في غيره. وقال قائلون من المعتزلة: القتل هو خروج الروح عن سبب من الإنسان وخروج الروح لا عن سبب يكون من الإنسان موت وليس بقتل، وزعم هؤلاء أن القتل يحل في المقتول لا في القاتل. وقال قائلون: القتل إبطال البنية وهو كل فعل لا تكون الحياة في الجسم إذا وجد كنحو قطع الرأس وفلق الحنجرة وكل فعل لا يكون الإنسان حياً مع وجوده وهو يحل في المقتول. وقال ابن الراوندي: فاعل القتل قاتل في حال فعله والمقتول

стр. 423

مقتول في حال وقوع القتل به عند من عرف أن القاتل استعمل السيف بضرب ما يقع بعده خروج الروح، قال: وليس يكون الإنسان قاتلاً على الحقيقة إلا لمن خرج روحه مع ضربته لأنه يعلم حينئذ أنه هو الذي استفعله الخروج بضربته وأن الروح لم يكن ليخرج بهوى نفسه دون أن يضطره الضارب بالسيف ويكرهه ولا نعرف شيئاً حدث في وقت خروجه إلا الضربة والقضاء على الظاهر وكل ما جرت العادة في إحكام الأفعال والفاعلين، فأما من تأخر خروج روحه فليس الضارب قاتلاً له إلا بأن عرض روحه للخروج وسلط عليه ضداً يخرجه ويغمره، قال: فإن قال لنا قائل: فمن القاتل له في الحقيقة؟ قلنا لهم: ليس بمقتول في الحقيقة فيكون له قاتل في الحقيقة وليس يضاف قتله إلا إلى الضارب ولكن الضد الذي دخل عليه هو الذي منعه من الحس وغمره وأخرج روحه عن جسده، قال: ولو قال قائل: الضد قتله كما يقتله السم لجاز ذلك له، وزعم أن الله سبحانه خص إخراجه لروح غيره بأن سماه موتاً، قال: ومما يجاب به أيضاً أن يقال: الضارب قاتل بالتعريض والضد قاتل على الحقيقة، ووصف ابن الراوندي في القتل فزعم أنه ينفصل من آلة الضارب إلى جسد المضروب ضد للروح

стр. 424

ولولا موضع ذلك الضد لم يقصد تلك الآلة فإذا حلت عليه جاهضته فأجهضها، فإن غلب الروح الضد فلا قتل وإن غلب الضد غمر وجاءت تلك الحال التي يعرف عندها أن الإنسان مقتول عند أهل التولد وعندنا، قال ابن الراوندي: وقد زعم أصحاب التولد أنه يحدث عن الضربة في بدنه شيء هو الألم والقتل قال: وذلك الحادث في قولهم منتقل عندنا إلا عمل الضد وعمل الروح فإنهما يحدثان منهما طباعاً. واختلفوا في القتل هل يضاد الحياة أم لا على مقالتين: فزعم بعضهم أن القتل يضاد الحياة، وقال قائلون: لا يضاد الحياة. واختلف هؤلاء في الحياة على مقالتين: فمنهم من يثبت الحياة عرضاً والموت عرضاً. ومنهم من زعم أن القتل عرض يحل في القاتل والحياة جسم لطيف يحل في جسد المقتول وإنما يضاد الحياة الموت الذي هو جسم يمنعها من الحس الذي هو خاصتها فبهذا سمي موتاً وهو موت وميت كما أنها حياة وحي، وزعم أن الإماتة التي هي إدخال الله الجسم المضاد لها عليها تكون وحسها قائم كما أن القتل الذي هو إدخال ذلك الجسم أيضاً عليها يكون وحسها قائم.

стр. 425

واختلفوا في كلام الإنسان هل هو صوت أو ليس بصوت وهل الصوت جسم أو عرض: فقال قائلون: كلام الإنسان صوت وهو عرض وقد يكون باللسان مسموعاً وفي القرطاس مكتوباً وفي القلوب محفوظاً فهو حال في هذه الأماكن بالكتابة والحفظ والتلاوة. وقال قائلون: كلام الإنسان ليس بصوت وهو عرض وكذلك الصوت عرض ولا يوجب إلا باللسان. وقال قائلون: الصوت جسم لطيف وكلام الإنسان هو تقطيع الصوت وهو عرض، وهذا قول النظام. وقال قائلون: هو معنى قائم بالنفس لا يحل في اللسان وهو عرض وهو غير الصوت. واختلفوا في الكلام هل يوصف بأنه مؤلف أم لا على مقالتين: فقال قائلون: قد يوصف بذلك وهو مؤلف في الحقيقة. وقال قائلون: لا يوصف بذلك ومن قال: هذا كلام مؤلف فإنما يقوله اتساعاً. واختلفوا في الصوت كيف يسمع وهل يجوز عليه الانتقال أم لا: فقال قائلون: الصوت ينتقل في الجو فيصاك الأسماع

стр. 426

ويؤلمها ولا يسمع إلا باتصال السمع أو مداخلته إياه، وهذا قول النظام. وقال قائلون: لا يجوز عليه الانتقال بل يسمع في مكانه الذي يحل فيه يسمعه ألف إنسان وأكثر. وقال قائلون: لا يسمع الصوت إذا كان مكانه بائناً عن سمع الإنسان وإنما يسمع الإنسان ما يوجد في سمعه، وقال هؤلاء في الصدى أن الإنسان إذا فتح فاه وقصد الصياح فدافع الجو فيحدث الصوت في المكان الذي يحله على طريق التولد. وأبى ذلك آخرون وقالوا: الصوت موجود فيظهر ولا يحدث. وقال قائلون أن الصوت لا يسمع وكذلك الكلام وإنما يسمع الجسم مصوتاً والجسم متكلماً. واختلفوا في الصوت هل يبقى أم لا على مقالتين: فقال قوم أنه يبقى وقال قائلون أن الصوت لا يبقى، ومنهم من قال: من الصوت ما يبقى ومنه ما لا يبقى. واختلفوا هل يكون صوت واحد في مكانين: فأنكر ذلك منكرون وأجازه مجيزون.

стр. 427

واختلفوا في الصوت هل هو جسم: فقال النظام: هو جسم، وقال غيره: هو عرض، وقال قائلون: ليس بجوهر ولا عرض، وأنكر منكرون الصوت وقالوا: لا صوت في الدنيا وليس إلا المصوت. واختلفوا هل يكون صوت لا لمصوت على مقالتين: فمنهم من قال: لا يكون صوت إلا لمصوت، ومنهم من أجاز صوتاً لمصوت. واختلفت المعتزلة إذا قال جماعة: يا زيد! فتكلم أحدهم بالياء والآخر بالألف والأخر بالزاي والآخر بالياء والآخر بالدال على مقالتين: فقال محمد بن عبد الوهاب الجبائي: كل حرف من هذا كلمة يتكلم بها صاحبها وخبر يخبر به صاحبه فهو إخبار وكلمات. وقال أحمد بن علي الشطوي المعروف بنوقة: ليس كل حرف من هذا كلمة وليس الجميع كلاماً ولا خبراً ولا إخباراً. واختلفت المعتزلة في الخواطر: فقال إبراهيم النظام: لا بد من خاطرين أحدهما يأمر بالإقدام

стр. 428

والآخر يأمر بالكف ليصح الاختيار، وحكى عنه ابن الراوندي أنه كان يقول أن خاطر المعصية من الله إلا أنه وضعه للتعديل لا ليعصي، وحكى عنه أنه كان يقول أن الخاطرين جسمان وأظنه غلط في الحكاية الأخيرة عنه. وقال بشر بن المعتمر: قد يستغني المختار في فعله وفيما يختاره عن الخاطرين، واحتج في ذلك بأول شيطان خلقه الله وأنه لم ينقل شيطان يخطر. وقال قوم أن الأفعال التي من شأن النفس أن تفعلها وتجمعها وتميل إليها وتحبها فليس تحتاج إلى خاطر يدعوها إليها وأما الأفعال التي تكرهها وتنفر منها فإن الله إذا أمر بها أحدث لها من الدواعي مقدار ما يوازي كراهتها لها ونفارها منها وإن دعاه الشيطان إلى ما تميل إليه وتحبه زادها من الدواعي والترغيب ما يوازي داعي الشيطان ويمنعه من الغلبة، وإن أراد الله سبحانه أن يقع من النفس فعل ما تكرهه وينفر طباعها منه جعل الدواعي والترغيب والترهيب والتوفير يفضل ما عندها من الكراهة لذلك منه فتميل النفس إلى ما دعيت إليه ورغبت فيه طباعاً، وذكر ابن الراوندي أن هذا القول قوله.

стр. 429

وقال أبو الهذيل وسائر المعتزلة: الخاطر الداعي إلى الطاعة من الله وخاطر المعصية من الشيطان وثبتوا الخواطر أعراضاً إلا أن أبا الهذيل يقول: قد تلزم الحجة المتفكر من غير خاطر وإبراهيم وجعفر يقولان: لا بد من خاطر. فأنكر منكرون الخواطر وقالوا: لا خاطر. واختلف الناس في العامة والنساء الذين على جملة الدين إذا خطر ببالهم التشبيه على مقالتين: فقال قائلون: عليهم أن يتفكروا في ذلك ويتبعوا في ذلك حجة. وقال قوم: ليس ذلك بواجب عليهم وقد يجوز أن يعرضوا عنه فلا يعتقدوا فيه شيئاً ولكن عليهم أن يعتقدوا إن كان ناقضاً للجملة التي هم عليها فهو باطل. القول بطاعة لا يراد الله بها: اختلفت المعتزلة في ذلك فزعم زاعمون منهم أنه لا يجوز أن يطيع الله من لم يرده بطاعة ولم يقترب إليه بها وأنكر أن يكون

стр. 430

في الدهرية طاعة لله أو معرفة أمر، والقدرية يعيرون من خالفهم في القدر وأهل الحق يسمونهم قدرية ويسمونهم مجبرة وهم أولى بأن يكونوا قدرية من أهل الإثبات. وقال قائلون منهم ممن أنكر القول بطاعة لا يراد الله بها: ليس في المشبهة معرفة بالله ولا يكونون مطيعين له ولكن في القدرية معرفة بالله إذا كانت موجودة وكذلك فيهم طاعة لله . وقال قائلون ممن أنكر القول بطاعة لا يراد الله بها أن أفعال الجاهل بالله كلها جهل بالله وليس أحد من الجهال لله مطيعاً، وهذا قول عباد. واختلفوا في عذاب القبر: فمنهم من نفاه وهم المعتزلة والخوارج، ومنهم من أثبته وهم أكثر أهل الإسلام، ومنهم من زعم أن الله ينعم الأرواح ويؤلمها فأما الأجساد التي في قبورهم فلا يصل ذلك إليها وهي في القبور. واختلفوا هل يجوز أن يخلق العالم لا في مكان أو يوجد لا في مكان على مقالتين:

стр. 431

فقال قائلون: كان جائزاً أن يخلق الله العالم لا في مكان ويوجده لا في مكان ويوجده لا في شيء، وأحال ذلك محيلون وقالوا: لا يجوز وجود العالم لا في مكان وخلقه لا في شيء. واختلفوا هل يجوز أن يتحرك الجسم الموات إذا كان ساكناً من غير دافع: فأجاز ذلك مجيزون أن يكون البارئ يحركه من غير دافع، وأنكر ذلك منكرون وقالوا: لا يجوز أن يتحرك إلا أن يدفعه دافع، وهذا قول أصحاب الطبائع. واختلفوا هل الحركة يمنة هي الحركة يسرة أم لا: فقال قائلون: إنما يقدر الإنسان على سكون وحركة فإن فعل مع تلك الحركة كوناً يمنة فهي حركة يمنة وإن فعل معها كوناً يسرة فهي حركة يسرة: وهو قول أبي الهذيل. وقال قائلون: الحركة يمنة غير الحركة يسرة. واختلفوا هل تكون حركة أخف من حركة: فأجاز ذلك مجيزون ومنعه آخرون.

стр. 432

واختلفوا في أفعال القلوب من الإرادات والكراهات والعلوم والنظر والفكر وما أشبه ذلك هل هي حركات أم لا: فقال قائلون: كلها حركات، وقال قائلون: هي سكون كلها، وقال قائلون: ليست بحركات ولا سكون. واختلفوا هل يجوز أن يخلق العلم بالألوان في قلب الأعمى أم لا: فأجاز ذلك مجيزون وأنكره آخرون. واختلفوا في كلام العباد هل يبقى أم لا على مقالتين: فقال قائلون: كلام العباد لا يبقى، وقال قائلون: الكلام قد يبقى، وهذا قول أبي الهذيل وغيره. واختلفوا هل يفعل الكلام بغير اللسان: فأجاز ذلك مجيزون وأنكره منكرون. واختلفوا في الهواء هل هو معنى: فقال قائلون: ليس بجسم، وقال قائلون: هو جسم رقيق. واختلفوا هل يجوز رفعه من حيز الأجسام حتى لا يكون: فأجاز ذلك مجيزون، وأنكره منكرون وقالوا: لو ارتفع ما بين الحائطين من الجو لالتقت الحيطان وتلاصقت.

стр. 433

واختلفوا فيمن مد يده وراء العالم على مقالتين: فقال قائلون: يمتد مع يده فهذا يكون مكاناً ليده لأن المتحرك لا يتحرك إلا في شيء، وقال قائلون: يمد يده وتتحرك لا في شيء. واختلف الناس في الرؤيا على ستة أقاويل: فزعم النظام ومن قال بقوله فيما حكى عنه زرقان أن الرؤيا خواطر مثل ما يخطر البصر وما أشبهها ببالك فتمثلها وقد رأيتها. وقال معمر: الرؤيا من فعل الطبائع وليس من قبل الله. وقالت السوفسطائية: سبيل ما يراه النائم في نومه كسبيل ما يراه اليقظان في يقظته وكل ذلك على الخيلولة والحسبان. وقال صالح قبة ومن قال بقوله: الرؤيا حق وما يراه النائم في نومه صحيح كما أن ما يراه اليقظان في يقظته صحيح فإذا رأى الإنسان في المنام كأنه بإفريقية وهو ببغداذ فقد اخترعه الله سبحانه بإفريقية في ذلك الوقت. وقال بعض المعتزلة: الرؤيا على ثلاثة أنحاء منها ما هو من قبل الله كنحو ما يحذر الله سبحانه الإنسان في منامه من الشر ويرغبه في الخير

стр. 434

ونحو منها من قبل الإنسان ونحو منها من قبل حديث النفس والفكر يفكر الإنسان في منامه فإذا انتبه فكر فيه فكأنه شيء قد رآه. وقال أهل الحديث: الرؤيا الصادقة صحيحة وقد يكون من الرؤيا ما هو أضغاث. واختلف الناس في الذي يراه الرائي في المرآة: فقال قائلون: الذي يرى الرائي في المرآة إنما هو إنسان مثله اخترعه الله، وهذا قول صالح. وقال أبو الحسين الصالحي: لا مرئي إلا لون وأن الشعاع ينفصل من وجه الإنسان وله لون كلون الإنسان فيرى الإنسان لون الشعاع المنتقل من وجهه إذا اتصل بالمرآة ولونه كلون وجهه. وقال السوفسطائية على أصل قولهم: إنما هو على الحسبان. وقال قائلون: الإنسان إنما يرى وجهه بانعكاس الشعاع عليه من جهة المرآة. وقال قائلون: الذي يراه الرائي في المرآة هو ظل الوجه. وقال ضرار بن عمرو أن الإنسان يرى مثاله ومثال غيره. واختلف الناس في الجن هل يدخلون في الناس على مقالتين: فقال قائلون: محال أن يدخل الجن في الناس.

стр. 435

وقال قائلون: يجوز أن يدخل الجن في الناس لأن أجسام الجن أجسام رقيقة فليس بمستنكر أن يخلوا في جوف الإنسان من خروقه كما يدخل الماء والطعام في بطن الإنسان وهو أكثف من أجسام الجن وقد يكون الجنين في بطن أمه وهو أكثف جسماً من الشيطان وليس بمستنكر أن يدخل الشيطان إلى جوف الإنسان. واختلفوا هل المصروع يرى الشيطان أم لا على ثلاثة أقاويل: فقال قائلون: الجن لا يخبطون الناس ولا يستهلكونهم وإنما ذلك من جهة اختلاط الطبائع وغلبة بعض الأخلاط من المرة أو البلغم. وقال قائلون: الشيطان يخبط الإنسان ويستهلكه ويراه الإنسان وما يسمع منه فهو كلام الشيطان. وقال قائلون: بل يخبط الإنسان ويصرعه ويوسوسه ولا يراه الإنسان وليس الكلام المسموع في وقت الصرع والاختباط كلام الشيطان. واختلفوا في شر وسواس الشيطان كيف يوسوس: فقال قائلون: أنهم يوسوسون وقد يجوز أن يكون الله تعالى جعل الجو أداة لهم أو جعل لهم أداة ما غير الجو وذلك متصل بالقلب فيحرك

стр. 436

الشيطان تلك الآلة من جهة بعض خروق الإنسان فيوصل الوسوسة إلى قلبه بتلك الآلة، مثال ذلك أنك تأخذ الرمح وبينك وبين الإنسان عشرة أذرع فتكلم فيه فيسمع الإنسان إذا كان الرمح مجوفاً وكان متصلاً بسمعه. وقال قائلون: جسم الشيطان أرق من أجسامنا وكلامه أخفى من كلامنا فيجوز أن يصل إلى سمع الإنسان فيتكلم بكلامه الخفي فيكون ذلك هو وسوسته. وقال قائلون: بل يدخل إلى قلب الإنسان بنفسه حتى يوسوس فيه. واختلفوا هل يعلم الشيطان ما في القلوب أم لا على ثلاث مقالات: فقال إبراهيم ومعمر وهشام ومن اتبعهم أن الشياطين يعلمون ما يحدث في القلوب وليس ذلك بعجيب لأن الله قد جعل عليه دليلاً ومحال أن يدخل الشيطان قلب الإنسان، ومثال ذلك أن تشير إلى الرجل: أقبل أو أدبر فيعلم ما تريد فكذلك إذا فعل فعلاً عرف الشيطان كيف ذلك الفعل فإذا حدث نفسه بالصدقة والبر عرف ذلك الشيطان بالدليل فنهى الإنسان عنه، هكذا حكى زرقان.

стр. 437

قال: وقال آخرون من المعتزلة وغيرهم أن الشيطان لا يعرف ما في القلب فإذا حدث الإنسان نفسه بصدقة أو بشيء من أفعال البر نهاه الشيطان عن ذلك على الظن والتخمين، وقال قائلون أن الشيطان يدخل في قلب الإنسان فيعرف ما يريد بقلبه. واختلفوا في الجن هل يخبرون الناس بشيء أو يخدمونهم على مقالتين: فقال النظام وأكثر المعتزلة وأصحاب الكلام: لا يجوز ذلك لأن في ذلك فساد دلائل الأنبياء لأن من دلالتهم أن ينبئوا بما نأكل وندخر، وقال قائلون: جائز أن يخدم الجن الناس وأن يخبروهم ما لا يعلمون. واختلفوا هل يطيق الشيطان على حمل ما يطيق البشر حمله: فقال قائلون: جائز ذلك وأن يحمل الأشياء الكثيرة. وأنكر ذلك منكرون وقالوا: في هذا بطلان دلائل الرسل، وهذا قول الجبائي. واختلفوا هل يجوز أن ينقلب الشياطين عن صورها: فأجاز ذلك قوم وأنكر آخرون.

стр. 438

واختلفوا هل يجوز أن تظهر الأعلام على غير الأنبياء: فقال قائلون: لا يجوز أن تظهر الأعلام المعجزات على غير الأنبياء. وقال قائلون: جائز أن تظهر المعجزات على الأيمة وينزل الملائكة عليهم، وهذا قول طوائف من الروافض، وقد أفرط بعضهم في القول حتى زعم أنه جائز أن ينسخوا الشرائع، وقد أفرط قوم من جنس هؤلاء من الخرمدينية حتى زعموا أن الرسل يأتون تترى بعد رسول الله ﷺ وأنهم لا ينقطعون. وقال قائلون: جائز أن تظهر المعجزات على الصالحين الذين لا يدعون النبوة ولا يجوز أن تظهر على المبطلين. وقال قائلون: قد يجوز أن تظهر المعجزات على الكذابين الذين يدعون الإلهية ولا يجوز أن تظهر على الكذابين الذين يدعون النبوة قال: لأن من يدعي الإلهية ففي بنيته ما يكذبه في دعواه وليس من ادعى النبوة في بنيته ما يكذبه أنه نبي، فهذا قول حسين النجار. وقد جوز قوم من الصوفية ظهور المعجزات على الصالحين وأن تأتيهم ثمار الجنة في الدنيا فيأكلونها ويواقعون الحور العين في الدنيا

стр. 439

ويظهر لهم الملائكة ويظهر لهم الشياطين فيحاربونهم ولم يجوزوا رؤية الله في الدنيا، وزعموا أن هذه مواريث الأعمال. وجوز آخرون كل ما حكيناه عن المتقدمين منهم وجوزوا أن يروا الله سبحانه في الدنيا وأن يباشروه ويجالسوه. وقال قائلون: جائز أن تظهر المعجزات على الصالحين وأن تبلغ بهم مواريث الأعمال حتى تسقط عنهم العبادات وتكون الدنيا لهم مباحة وكل ما فيها ويسقط عنهم النهي ويحل لهم النساء وسائر الأشياء، وهذا قول أصحاب الإباحة وزعموا أن العبادة تبلغ بهم حتى لا يهموا بشيء إلا كان كما يريدون وإن أرادوا أن تحدث لهم دنانير حدثت وكل ما أرادوا من شيء لم يستعصب عليهم، وقد زعم بعضهم أن العبادة تبلغ بهم حتى يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين. واختلف الناس هل الملائكة أفضل من الأنبياء: فقال قائلون: الملائكة أفضل من الأنبياء. وقال قائلون: الأنبياء أفضل من الملائكة والأيمة أفضل من الملائكة أيضاً، وهذا قول الروافض.

стр. 440

وقال قوم من المتنسكين أنه جائز أن يكون في الناس غير الأنبياء والأيمة من هو أفضل من الملائكة. واختلف الناس في الجن هل هم مكلفون أم مضطرون: فقال قائلون من المعتزلة وغيرهم: هم مأمورون منهيون قد أمروا ونهوا لأن الله يقول: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض وأنهم مختارون، وزعم زاعمون أنهم مضطرون مأمورون، وكذلك اختلافهم في الملائكة وفي أنهم مأمورون أو مختارون على سبيل اختلافهم في الجن. واختلفوا في الشياطين هل يرون في الدنيا أم لا: فقال قوم: لا يجوز إلا أن يريهم الله سبحانه نبياً أو يجعل رؤيتهم علماً ودليلاً على نبوة نبي وقد يقدر الله سبحانه أن يري عباده الملائكة والشياطين من غير أن يقلب خلقهم وقد يرى الإنسان الملائكة في حال المعاينة. وقال قائلون: لا يجوز أن يروا بحال إلا أن يقلب الله خلقهم ويخرجهم عما هم عليه.

стр. 441

وقال قائلون: جائز أن يروا في الدنيا من غير أن يقلب الله خلقهم ومن غير أن يجعل ذلك دليلاً على نبوة نبي. وذهب إلى إنكار الجن والشياطين ذاهبون وزعموا أنه ليس في الدنيا شيطان ولا جن غير الإنس الذين نراهم. واختلفوا هل يجوز أن ينقلب الشياطين في صور الإنس أو في غير ذلك من الصور إذا أرادوا ذلك أم لا: فقال قائلون: جائز أن ينقلبوا إلى أي صورة شاءوا من الصور فيكون الشيطان مرة في صورة إنسان ومرة في صورة حية. وقال قائلون من المعتزلة وغيرهم: ذلك غير جائز ولم يجعل الله سبحانه إليهم أن ينقلبوا متى أرادوا. واختلف الناس هل إبليس من الملائكة أم لا: فقال قائلون: هو منهم ولكنه أخرج عن جملتهم لما استكبر على الله ، وقال قائلون: ليس هو من الملائكة. واختلفوا هل الملائكة جن أم ليسوا بجن: فقال قائلون: هم جن لاستتارهم عن الأبصار ومن هذا قيل للجنين أنه جنين، وقال قائلون: ليسوا بجن.

стр. 442

واختلفوا في السحر: فقال المعتزلة وغيرهم من أهل الإسلام: السحر هو التمويه والاحتيال وليس يجوز أن يبلغ الساحر بسحره أن يقلب الأعيان ولا أن يحدث شيئاً لا يقدر غيره على إحداثه. وقال قائلون: يجوز أن يقلب الساحر بسحره الإنسان حماراً وأن تذهب المرأة إلى الهند في ليلة وترجع. وقال قائلون: السحر ليس على قلب الأعيان ولكنه أخذ بالعيون كنحو ما يفعله الإنسان مما يتوهمه المتوهم على خلاف حقيقته. واختلفوا في المكان: فقال قائلون: مكان الشيء ما يقله ويعتمد عليه ويكون الشيء متمكناً فيه. وقال آخرون: مكان الشيء ما يماسه فإذا تماس الشيئان فكل واحد منهما مكان لصاحبه. وقال قائلون: مكان الشيء ما يمنعه منالهوى معتمداً كان الشيء عليه أو غير معتمد. وقال قائلون: مكان الأشياء هو الجو وذلك أن الأشياء كلها فيه. وقال قائلون: مكان الشيء هو ما يتناهى إليه الشيء، وإنما ذكرنا قول المنتحلين الإسلام في المكان دون غيرهم من الأوائل.

стр. 443

واختلفوا في الوقت: فقال قائلون: الوقت هو الفرق بين الأعمال وهو مدى ما بين عمل إلى عمل وأنه يحدث مع كل وقت فعل، وهذا قول أبي الهذيل. وقال قائلون: الوقت هو ما توقته للشيء فإذا قلت: آتيك قدوم زيد فقد جعلت قدوم زيد وقتاً لمجيئك، وزعموا أن الأوقات هي حركات الفلك لأن الله وقتها للأشياء، هذا قول الجبائي. وقال قائلون: الوقت عرض ولا نقول ما هو ولا نقف على حقيقته. واختلفوا هل يكون وقت لشيئين أم لا: فأجاز ذلك مجيزون وأنكره منكرون. واختلفوا هل يجوز وجود أشياء لا في أوقات: فجوز ذلك مجيزون وأنكره منكرون، وهذا الذي حكينا في الوقت أقاويل المنتحلين للإسلام. واختلفوا في الدنيا ما هي: فقال قائلون: هي الهواء والجو، وهذا قول زهير الأثري. وقال قائلون: قول القائل دنيا واقع على كل ما خلقه الله سبحانه من الجواهر والأعراض وجميع ما خلقه الله سبحانه قبل مجيء الآخرة وورودها.

стр. 444

واختلف المتكلمون في الخبر ما هو: فقال قائلون: كل ما وقع فيه الصدق والكذب، وهو مع هذا يشتمل على ضروب شتى منها النفي والإثبات والمدح والذم والتعجب، وليس منه الاستفهام والأمر والنهي والأسف والتمني والمسألة لأنه ليس يقال لمن ينطق بشيء من ذلك صدقت ولا يقال له كذبت. وقال قائلون: الخبر هو الكلام الذي يقتضي مخبراً وإنما سمي خبراً من أجل المخبر به فإذا لم يكن مخبر لم يسم الكلام خبراً، وأبى هذا القائلون الذين حكينا قولهم آنفاً. واختلفوا في الكلام ما هو: فقال قائلون: الكلام هو ما لا يخرج من أن يكون أمراً أو نهياً أو خبراً أو استخباراً أو تمنياً أو تعجباً أو سؤالاً وهو بمخرج الأمر إلا أنه يسمى سؤالاً إذا كان لمن فوقك. وقال قائلون: الكلام هو القول وقد يخرج من هذه الأقسام كلها لأنه أمر لعلة المأمور نهي لعلة المنهي خبر لعلة المخبر تمن لعلة المتمني وهو كلام وقول لا لعلة، وهذا قول ابن كلاب.

стр. 445

واختلفوا في الصدق والكذب: فقال بعضهم: الصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو به والكذب الإخبار عنه بخلاف حقيقته بعلم وقع أم بغير علم. وقال بعضهم: الصدق الخبر عن الشيء على ما هو به إذا كان معه علم الحقيقة. ثم اختلفوا في الكذب: فقالت جماعة منهم: الكذب هو الإخبار عنه بخلاف حقيقته، وزاد سائرهم في الكذب الخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه بغير علم. وقال بعضهم: الصدق ذو شروط شتى منها صحة الحقيقة ومنها العلم بها ومنها أمر الله به والكذب ذو شروط أيضاً منها علم الحقيقة والعلم باعتماد نفيها ومنها النهي من الله عنه فأما ما وقع بغير علم فهو خبر عاثر لا يسمى صدقاً ولا كذباً. واختلفوا هل يسمى الخبر صدقاً قبل وقوع مخبره أم لا على مقالتين: فمنهم من سماه صدقاً قبل وقوع مخبره، ومنهم من امتنع من ذلك. واختلفوا في الخاص والعام: فزعم زاعمون أن الخبر قد يكون خاصاً كالخبر عن الواحد

стр. 446

من النوع المذكور اسمه في الخبر أو بعضه فيكون عاماً والعام ما عم اثنين فصاعداً، ويكون عاماً خاصاً وهو ما كان في اثنين من النوع المذكور اسمه في الخبر أو فيما هو أكثر من ذلك بعد أن يكون دون الكل، وهذا قول ابن الراوندي والمرجئة. وقال قائلون: الخبر الخاص لا يكون عاماً والعام لا يكون خاصاً والخاص ما كان خبراً عن الواحد والعام ما عم اثنين فصاعداً، وهذا قول عباد بن سليمان وغيره. واختلفوا في قول الله : افعلوا! هل يكون أمراً من غير أن يقارنه نهي عن ترك ما قال افعلوه. فقال قائلون: هو أمر لازم وإن لم يظهر النهي. وقال آخرون: لا يكون أمراً حتى يقارنه النهي عن ترك ما قال: افعلوه، وقول القائل: افعلوا! هو أمر لمن دونك وهو سؤال لمن هو فوقك. واختلفوا في الإثبات والنفي ما هو: فقال قائلون: النفي متصل بالإثبات في العقل لأنك لا تنفي شيئاً إلا وقد أثبته على وجه آخر كقولك: ليس زيد متحركاً أنت تثبت زيداً

стр. 447

غير متحرك وأنت نفيت أن يكون ساكناً، وأحال قائل هذا أن ينفى إلا ما هو شيء ثابت كائن موجود. وقال قائلون: النفي كل قول واعتقاد دل على عدم شيء أو كان خبراً عن عدمه ولا يجوز أن يكون المثبت منفياً على وجه من الوجوه وكذلك المنفي ليس بمثبت على وجه من الوجوه، وكذلك الإثبات كل قول واعتقاد دل على وجود شيء أو كان خبراً عن وجوده، ثم زعم صاحب هذا القول أن الإثبات في الحقيقة هو ما به كان الشيء ثابتاً والنفي ما كان الشيء به منتفياً في الحقيقة، وهذا القول هو قول الجبائي. وقال قائلون: المثبت قد يكون منفياً على وجه والمنفي قد يكون مثبتاً على وجه كما تثبت زيداً موجوداً وتنفيه متحركاً وليس بمستحيل أن ينتفي الشيء بأن لا يكون موجوداً ولا يكون ثابتاً. واختلفوا هل يكون فعل للإنسان لا طاعة ولا معصية أم لا على مقالتين: فقال قائلون: لا فعل للإنسان البالغ إلا وهو لا يخلو من أن يكون طاعة أو معصية، وقال قائلون أن الأفعال منها طاعات ومنها معاص ومنها مباحات لم يأمر الله بها ليست بطاعة ولا معصية.

стр. 448

واختلف الناس هل يقال لم يزل الله خالقاً: فأجاز ذلك قوم ومنعه آخرون. واختلف الذين منعوا من ذلك هل يقال لم يزل الخالق أم لا: فقال قائلون: نقول لم يزل الخالق ولا نقول لم يزل خالقاً. وقال آخر: يقال لم يزل الخالق واحداً عالماً وما أشبه ذلك ولا يقال لم يزل الخالق لأن القول لم يزل الخالق كالقول لم يزل خالقاً ونقول: الخالق لم يزل وخالق لم يزل، والقائل بهذا عباد بن سليمان. واختلفوا في النبوة هل هي ثواب أو ابتداء: فقال قائلون: هي ابتداء، وقال قائلون: هي جزاء على عمل الأنبياء، هذا قول عباد، وقال الجبائي: يجوز أن تكون ابتداء. واختلفوا هل يجوز أن توجد في الإنسان قوة ولا يقال قوي: فقال قائلون: إذا كانت القوة في بعض أجزائه فهو القوي ولا جائز أن يكون قوة ولا قوي. وقال قائلون: إذا كانت القوة في بعض أجزائه لم نقل أن الإنسان

стр. 449

قوي إلا أن تجامع القوة أمراً أو نهياً أو إباحة أو ترغيباً أو إطلاقاً فالأمر والنهي والإباحة والترغيب للبالغين والإطلاق للأطفال والبهائم والهوام والمجانين وكل من كانت له قوة معها هذا فهو قوي، والقائل بهذا عباد بن سليمان. القول في المقطوع والموصول: زعم عباد أن أصل الموصول هو كل فعل من الفرض أو النفل لا يفعل بعضه ويترك بعضه تركاً لضد ذلك فإذا دخل فيه فاعله لم يدع منه ما يخرجه منه فكل ما كان من ذلك أو من جنس ذلك فهو يفعل إلى آخره فإذا دخل في أوله بلغ إلى آخره ولا يفعل بعضه ويدع بعضه ولا يفعل ثلثه ويدع ثلثيه فهذا أصل ذلك، وزعم أن رجلاً لو دخل عند نفسه في الظهر فلما صلى ركعتين نظر إلى طفل يغرق فقد فرض عليه أن يخلص الطفل ولا يصلي قال: وليس ما صلى طاعة وصلها ووصلها طاعة فيكون قد حرمت عليه الطاعات وذلك فاسد، وزعم أن إنساناً لو أمسك في رمضان إلى نصف النهار ثم أكل أن إمساكه المتقدم طاعة لله لا صوم، وزعم أن من أحرم ثم غشي

стр. 450

امرأته قبل انقضاء الحج أن إحرامه طاعة لله ووقوفه طاعة مفترضة وعليه أن يقف بعد ذلك في المواقيت إلى انقضاء وقت الحج وليس ما فعل من الحج طاعة وعليه الحج من قابل. وقال أكثر أهل الكلام أن من صلى ركعتين من الظهر ثم رأى طفلاً إن لم يخلصه غرق أنه إذا قطع صلاته فخلصه أن ما مضى من صلاته طاعة لله وقد أتى ببعض الصلاة، وكذلك القول فيمن أمسك عن الأكل بعض يوم أنه قد صام بعض يوم وأن صومه بعض اليوم طاعة لله وكذلك القول فيمن أتى ببعض الحج. واختلفوا في الصلاة في الدار المغصوبة على مقالتين: فقال أكثر أهل الكلام: صلاته ماضية وليس عليه إعادة. وقال أبو شمر: عليه إعادة الصلاة لأنه إنما يؤديها إذا كانت طاعة لله وكونه في الدار واعتماده فيها وحركته وقيامه وقعوده فيها عصية ولا تكون صلاته مجزية معصية لله، وهذا قول الجبائي. واختلفوا في الصلاة خلف الفاجر هل على فاعلها إعادة أم لا على مقالتين: فقال قائلون: لا يجوز صلاة الجمعة ولا شيء من الصلوات خلف

стр. 451

الإمام الفاجر وعلى من فعل ذلك الإعادة، وهذا قول أكثر المعتزلة. وقال قائلون من المعتزلة وغيرهم: الصلاة جائزة خلف البار والفاجر وليس على من صلى خلف الفاجر إعادة. واختلف الناس في السيف على أربعة أقاويل: فقالت المعتزلة والزيدية والخوارج وكثير من المرجئة: ذلك أوجب إذا أمكننا أن نزيل بالسيف أهل البغي ونقيم الحق، واعتلوا بقول الله : وتعاونوا على البر والتقوى: وبقوله: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله واعتلوا بقول الله : لا ينال عهدي الظالمين. وقالت الروافض بإبطال السيف ولو قتلت حتى يظهر الإمام فيأمر بذلك. وقال أبو بكر الأصم ومن قال بقوله: السيف إذا اجتمع على إمام عادل يخرجون معه فيزيل أهل البغي. وقال قائلون: السيف باطل ولو قتلت الرجال وسبيت الذرية وأن الإمام قد يكون عادلاً ويكون غير عادل وليس لنا إزالته وإن

стр. 452

كان فاسقاً وأنكروا الخروج على السلطان ولم يروه، وهذا قول أصحاب الحديث. واخلفوا في إنكار المنكر والأمر بالمعروف بغير السيف: فقال قائلون: تغير بقلبك فإن أمكنك فبلسانك فإن أمكنك فبيدك وأما السيف فلا يجوز، وقال قائلون: يجوز تغيير ذلك باللسان والقلب فأما باليد فلا. واختلف الناس في الحكمين: فقالت الخوارج: الحكمان كافران وكفر علي حين حكم، واعتلوا بقول الله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وقوله: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله قالوا: فأمر الله وحكم بقتال أهل البغي وترك علي قتالهم لما حكم وكان تاركاً لحكم الله سبحانه مستوجباً للكفر لقول الله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. واختلفت الخوارج في كفر علي والحكمين: فمنهم من قال: هو كفر شرك وهم الأزارقة، ومنهم

стр. 453

من قال: هو كفر نعمة وليس بكفر شرك وهم الإباضية. وقالت الروافض: الحكمان مخطئان وعلي مصيب لأنه حكم للتقية لما خاف على نفسه. وقال قائلون من الروافض: تحكيم علي لا على طريق التقية وهو صواب. وقالت الزيدية وكثير من المرجئة وإبراهيم النظام وبشر بن المعتمر أن علياً رضوان الله عليه كان مصيباً في تحكيمه الحكمين وأنه إنما حكم لما خاف على عسكره الفساد وكان الأمر عنده واضحاً فنظر للمسلمين ليتألفهم وإنما أمرهما أن يحكما بكتاب الله فخالفا فهما المخطئان وعلي مصيب. ووقف واقفون في هذا وقالوا: نحن لا نتكلم فيه ونرد أمرهم إلى الله فإن كان حقاً فالله أعلم به حقاً كان أو باطلاً. وقال الأصم: إن كان تحكيمه ليحوز الأمر إلى نفسه فهو خطأ وإن كان ليتكاف الناس حتى يصطلحوا على إمام فهو صواب وقد أصاب أبو موسى حين خلعه حتى يجتمع الناس على إمام. وقال قائلون بتصويب علي في تحكيمه وأنه اجتهد.

стр. 454

وقال قائلون بتصويب الحكمين وتصويب علي ومعاوية وجعلوا أمرهم من باب الاجتهاد. وزعم عباد بن سليمان أن علياً رضوان الله عليه لم يحكم وأنكر التحكيم. واختلفوا في إمامة عثمان وقتله: فقال أهل الجماعة: كان أبو بكر وعمر إمامين وكان عثمان إماماً إلى أن قتل رحمة الله عليه ورضوانه وقتله قاتلوه ظلماً. وقال قائلون: لم يكن إماماً منذ يوم قام إلى أن قتل وهؤلاء هم الروافض وأنكروا إمامة أبي بكر وعمر. وقال قائلون: كان مصيباً في السنة الأولى من أيامه ثم أنه أحدث أحداثاً وجب بها خلعه وإكفاره، وهؤلاء هم الخوارج. فمنهم من قال: كان كافراً مشركاً، ومنهم من قال: كان كفر نعمة وثبتوا إمامة أبي بكر وعمر. وقال قائلون: كان إماماً إلى أن أحدث أحداثاً استحق بها أن يكون مخلوعاً وأنه فسق وبطلت إمامته، وهذا قول كثير من الزيدية وقد ذكرنا عند شرحنا قول الزيدية كيف قولهم في إمامة

стр. 455

أبي بكر وعمر وأنه وقف في أمره واقفون ولم يقدموا عليه بتخطئة ولا بلعن. وقال أبو الهذيل: لا ندري قتل عثمان ظالماً أو مظلوماً. واختلفوا في إمامة علي: فقال قائلون: كان علي إماماً في أيام أبي بكر وعمر وأن الأمر كان له بنص النبي ﷺ وأن الأمة ضلت حين بايعت غيره. وقال قائلون: كان أبو بكر الإمام بعد النبي ﷺ ثم عمر ثم عثمان ثم علي وأن الخلافة بعد النبوة ثلاثون سنة، وهذا قول أهل السنة والاستقامة. واختلف هؤلاء في إمامة أبي بكر كيف كانت: فقال قائلون: بأن وقف النبي ﷺ ونص على إمامته. وقال قائلون: لا بل دل على إمامته بأمره أن يصلي بالناس وبقوله: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس وبقوله: افتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وقالوا: قد دل الله سبحانه على إمامة أبي بكر في كتابه بقوله:

стр. 456

ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فجعل توبتهم مقرونة بدعوة الداعي لهم إلى قتال القوم وهم أهل اليمامة وأبو بكر دعاهم أو فارس فعمر دعاهم، وفي ثثبيت إمامة عمر ثثبيت إمامة أبي بكر. وقال قائلون: كان أبو بكر إماماً بعقد المسلمين له الإمامة وإجماعهم على إمامته وكان عمر إماماً بنص أبي بكر على إمامته وكان عثمان إماماً باتفاق أهل الشورى عليه وكان علي إماماً بعقد أهل العقد له بالمدينة. وقال قائلون: كان أبو بكر إماماً ثم عمر ثم عثمان وأن علياً لم يكن إماماً لأنه لم يجتمع عليه وأن معاوية كان إماماً بعد علي لأن المسلمين اجتمعوا على إمامته في ذلك الوقت، وهذا قول الأصم. وقال قائلون بإمامة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وأنكروا إمامة معاوية وقالوا: لم يكن إماماً بحال. واختلفوا في قتال علي وطلحة وفي قتال علي ومعاوية: فقالت الروافض والزيدية وبعض المعتزلة إبراهيم النظام وبشر بن المعتمر وبعض المرجئة أن علياً كان مصيباً في حروبه وأن من قاتله كان على الخطأ فخطئوا طلحة والزبير وعائشة ومعاوية.

стр. 457

وقال ضرار وأبو الهذيل ومعمر: نعلم أن أحدهما مصيب والآخر مخطئ فنحن نتولى كل واحد من الفريقين على الانفراد وأنزلوا الفريقين منزلة المتلاعنين الذين يعلمون أن أحدهما مخطئ ولا يعلمون المخطئ منهما، هذا قولهم في علي وطلحة والزبير وعائشة فأما معاوية فهم له مخطئون غير قائلين بإمامته. وقال قائلون: سبيل علي وطلحة والزبير وعائشة في حربهم سبيل الاجتهاد وأنهم جميعاً كانوا مصيبين وكذلك قول هؤلاء في قتال معاوية وعلي، وهذا قول حسين الكرابيسي. وقال بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد أن علياً وطلحة والزبير مشركون منافقون وهم في الجنة لقول النبي ﷺ أن الله سبحانه اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وقالت الخوارج بتصويب علي في قتال طلحة والزبير ومعاوية. وقال الأصم في قتال علي وطلحة والزبير: إن كان قاتلهما ليتكاف الناس حتى يصطلحوا على إمام فقتاله لهما على هذا الوجه صواب وكذلك قال في قتالهما إياه وقال: إن كان معاوية قاتل علياً ليحوز الأمر إلى نفسه فهو ظالم وإن كان قاتل ليتكاف الناس حتى يصطلحوا

стр. 458

على إمام فقتاله على هذا الوجه صواب وإن كان قتاله لئلا يسلم ما في يديه إليه لم يتفق على إمامته فقتاله على هذا الوجه صواب. وقال قائلون: نزعم أن علياً وطلحة والزبير لم يكونوا مصيبين في حربهم وأن المصيبين هم القعود ونتولاهم جميعاً ونبرأ من حربهم ونرد أمرهم إلى الله. وقال عباد: لم يكن بين طلحة والزبير وعلي قتال. واختلفوا في التفضيل: فقال قائلون: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. وقال قائلون: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان. وقال قائلون: نقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت بعد ذلك. وقال قائلون: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ علي ثم بعده أبو بكر. وأجمع من ثبت فضل أبي بكر وعمر أن أبا بكر أفضل من عمر، وأجمع من ثبت فضل عمر وعثمان أن عمر أفضل من عثمان. وقال قائلون: لا ندري أبو بكر أفضل أم علي فإن كان أبو بكر

стр. 459

أفضل فيجوز أن يكون عمر أفضل من علي ويجوز أن يكون علي أفضل من عمر وإن كان علي أفضل من عمر فهو أفضل من عثمان لأن عمر أفضل من عثمان وإن كان عمر أفضل من علي فيجوز أن يكون علي أفضل من عثمان ويجوز أن يكون عثمان أفضل من علي، وهذا قول الجبائي. واختلفوا في الإمامة هل هي بنص أم قد تكون بغير نص: فقال قائلون: لا تكون إلا بنص من الله سبحانه وتوقيف وكذلك كل إمام ينص على إمام بعده فهو بنص من الله سبحانه على ذلك وتوقيف عليه. وقال قائلون: قد تكون بغير نص ولا توقيف بل بعقد أهل العقد. واختلفوا هل يكون بعد علي إمام: فقال أكثر الناس: قد يكون بعد علي إمام، وقال عباد بن سليمان: لا يجوز أن يكون بعد علي إمام واعتل بأنهم أجمعوا في عصر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أنه جائز أن يكون إمام واختلفوا بعد علي هل يجوز أن يكون إمام أم لا فلو جاز أن يكون بعد علي إمام لم يختلفوا في أن يكون بعده إمام أو لا يكون كما لم يختلفوا في ذلك في عصره لأن الأمة لا تجتمع على شيء تختلف في مثله.

стр. 460

واختلفوا في كم تنعقد الإمامة من رجل: فقال قائلون: تنعقد برجل واحد من أهل العلم والمعرفة والستر. وقال قائلون: لا تنعقد الإمامة بأقل من رجلين، وقال قائلون: لا تنعقد بأقل من أربعة يعقدونها، وقال قائلون: لا تنعقد إلا بخمسة رجال يعقدونها، وقال قائلون: لا تنعقد إلا بجماعة لا يجوز عليهم أن يتواطؤا على الكذب ولا تلحقهم الظنة، وقال الأصم: لا تنعقد إلا بإجماع المسلمين. واختلفوا في وجوب الإمامة: فقال الناس كلهم إلا الأصم: لا بد من إمام. وقال الأصم: لو تكاف الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام. واختلفوا هل يكون الإمام أكثر من واحد: فقال قائلون: لا يكون في وقت واحد أكثر من إمام واحد. وقال قائلون: يجوز أن يكون إمامان في وقت واحد أحدهما صامت والآخر ناطق فإذا مات الناطق خلفه الصامت، وهذا قول
следующие страницы →