← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37615

الوافي في كيفية ترتيل القرآن الكريم

أحمد محمود عبد السميع الحفيان

Полный текст (226 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أقسام المد والمدّ أصليّ (١) وفرعيّ له ... وسمّ أوّلا طبيعيا وهو ما لا توقّف له على سبب ... ولا بدونه الحروف تجتلب (٢) بل أيّ حرف غير همز أو سكون ... جاء بعد مد فالطبيعيّ يكون والآخر الفرعيّ موقوف على ... سبب كهمز أو سكون مسجلا (٣) حروفه ثلاثة فعيها (٤) ... من لفظ واي وهي في نوحيها والكسر قبل اليا وقبل الواو ضم ... شرط وفتح قبل ألف يلتزم واللين منها اليا وواو سكّنا ... إن انفتاح قبل كلّ أعلنا أحكام المد للمدّ أحكام ثلاثة تدوم (٥) ... وهي الوجوب والجواز واللّزوم فواجب إن جاء همز بعد مد ... في كلمة وذا بمتّصل يعد وجائز مدّ وقصر إن فصل ... كلّ بكلمة وهذا المنفصل ومثل ذا إن عرض السّكون ... وقفا كتعلمون نستعين أو قدّم الهمز على المدّ وذا ... بدل كآمنوا وإيمانا خذا (٦) ولازم إن السّكون أصّلا ... وصلا ووقفا بعد مد طوّلا أقسام المد أقسام لازم لديهم أربعة ... وتلك كلميّ وحرفيّ معه كلاهما مخفّف مثقّل ... فهذه أربعة تفصّل فإن بكلمة سكون اجتمع ... مع حرف مدّ فهو كلميّ وقع (٧) أو في ثلاثيّ الحروف وجدا ... والمدّ وسطه فحرفيّ بدا كلاهما مثقّل إن أدغما ... مخفّف كلّ إذا لم يدغما

стр. 177

واللّازم الحرفيّ أوّل السّور ... وجوده وفي ثمان انحصر (١) يجمعها حروف كم عسل نقص ... وعين ذو وجهين والطّول أخص وما سوى الحرف الثّلاثّي لا ألف ... فمدّه مدّا طبيعيّا ألف وذاك أيضا في فواتح السّور ... في لفظ حيّ طهر قد انحصر ويجمع الفواتح الأربع عشر ... صله سحيرا من قطعك ذا اشتهر خاتمة التحفة وتمّ ذا النّظم بحمد الله ... على تمامه بلا تناهي أبياته ندّ (٢) بدا لذي النّهي (٣) ... تاريخها بشرى لمن أتقنها أو يتقنها ثمّ الصّلاة والسّلام أبدا ... على ختام الأنبياء أحمدا والآل والصّحب وكلّ تابع ... وكل قارئ وكلّ سامع

стр. 178

ثانيا: متن الجزرية لشمس الدين محمد بن الجزرى ﵀ - المقدمة يقول راجي (١) عفو ربّ سامع ... (محمّد بن الجزريّ الشّافعيّ) (الحمد لله) وصلّى الله ... على نبيّه ومصطفاه (محمّد) وآله (٢) وصحبه ... ومقرئ القرآن مع محبّه (وبعد) إنّ هذه المقدّمة ... فيما على قارئه أن يعلمه إذ واجب عليهم محتّم ... قبل الشّروع أوّلا أن يعلمو مخارج الحروف والصّفات ... ليلفظوا (٣) بأفصح اللّغات محرّري (٤) التّجويد والمواقف ... وما الّذي رسم في المصاحف من كلّ مقطوع وموصول بها ... وتاء أنثى لم تكن تكتب بها باب مخارج الحروف مخارج الحروف سبعة عشر ... على الّذي يختاره من اختبر (٥) فألف الجوف وأختاها (٦) وهي ... حروف مدّ للهواء تنتهي ثمّ لأقصى الحلق همز هاء ... ثمّ لوسطه فعين حاء أدناه غين خاؤها والقاف ... أقصى اللّسان فوق ثمّ الكاف أسفل والوسط فجيم الشّين يا ... والضّاد من حافته إذ وليا الأضراس من أيسر أو يمناها (٧) ... واللّام أدناها لمنتهاها والنّون من طرفه تحت اجعلوا ... والرّا يدانيه لظهر أدخلوا (٨) والطّاء والدّال وتامنه ومن ... عليا الثّنايا والصّفير مستكن

стр. 179

منه ومن فوق الثّنايا السّفلى ... والظّاء والذّال وثا للعليا من طرفيهما ومن بطن الشّفه ... فألفا مع أطراف سنايا المشرفة (١) للشّفتين الواو باء ميم ... وغنّة مخرجها الخيشوم باب الصفات صفاتها جهر ورخو مستفل ... منفتح مصمتة والضدّ قل مهموسها (فحثّه شخص سكت) ... شديدها (لفظ أجد قط بكت) وبين رخو والشّديد (لن عمر) ... وسبع (٢) علو (خصّ ضغط قط) حصر وصاد ضاد طاء ظاء مطبقة ... و (فرّ من لبّ) الحروف المذلقة صفيرها صاد وزاي سين ... قلقلة (قطب جد) واللّين واو وياء سكّنا وانفتحا ... قبلهما والانحراف صحّحا في اللّام والرّاء بتكرير جعل ... وللتّفشّي الشّين ضادا استطل باب التجويد والأخذ بالتّجويد حتم (٣) لازم ... من لم يجوّد القرآن آثم لأنّه به (٤) الإله أنزلا ... وهكذا منه إلينا وصلا وهو أيضا حلية (٥) التّلاوة ... وزينة الأداء والقراءة وهو إعطاء الحروف حقّها ... من صفة لها ومستحقّها وردّ كلّ واحد لأصله ... واللّفظ في نظيره كمثله مكمّلا من غير ما تكلّف ... باللّفظ من النّطق بلا تعسّف وليس بينه وبين تركه ... إلّا رياضة امرئ بفكّه (٦) باب الترقيق ورقّقن مستفلا من أحرف ... وحاذرن (٧) تفخيم لفظ الألف

стр. 180

باب استعمال الحروف وهمز (١) الحمد أعوذ اهدنا ... الله ثمّ لام لله لنا وليتلطّف وعلى الله ولا الضّ ... كما والميم من (٢) مخمصة ومن مرض وباء برق باطل بهم بذي ... فاحرص على الشّدّة والجهر الّذي فيها وفي الجيم كحبّ الصّبر ... ربوة اجتثّت وحجّ الفجر وبيّنن مقلقلا إن سكنا ... وإن يكن في الوقف كان أبينا وحاء حصحص (٣) أحطت الحقّ ... كما وسين مستقيم يسطو يسقو باب الراءات ورقّق الرّاء إذا ما كسرت ... كذاك بعد الكسر حيث سكنت إن لم تكن من قبل حرف استعلا ... أو كانت الكسرة ليست أصلا والخلف في فرق لكسر يوجد ... وأخف تكريرا إذا تشدّد باب اللامات وفخّم (٤) اللّام من اسم الله ... عن فتح أو ضمّ كعبد الله وحرف الاستعلاء فخم واخصصا ... الإطباق أقوى نحو قال والعصا وبيّن الإطباق من أحطت مع ... بسطت والخلف بنخلقكم وقع واحرص على السّكون في جعلنا ... أنعمت والمغضوب مع ضللنا وخلّص انفتاح محذورا ... عسى خوف اشتباهه بمحظور (٥) عصى وراع شدّة بكاف وبتا ... كشرككم وتتوفّى في فتنتا وأوّلى مثل وجنس إن سكن ... أدغم (٦) كقل ربّ وبل لا وأبن في يوم مع قالوا (٧) وهم وقل نعم ... سبّحه لا تزغ قلوب فالتقم

стр. 181

باب الضاد والظاء والضّاد باستطالة ومخرج ... ميّز (١) من الظّاء وكلّها تجي (٢) في الظّعن ظلّ الظّهر عظم الحفظ ... أيقظ وانظر عظم ظهر اللّفظ ظاهر لظى شواظ كظم ظلما ... أغلظ ظلام ظفر انتظر ظلما أظفر ظنا كيف جاء وعظ سوى ... عضين ظلّ النّحل زخرف سوى وظلت ظلتم وبروم ظلّوا ... كالحجر ظلّت شعرا تظلّ يظللن محظورا مع المحتظر ... وكنت فظّا وجميع النّظر إلّا بويل (٣) هل وأولى ناضره ... والغيظ لا الرّعد وهود قاصره والحظّ لا الحضّ على الطّعام ... وفي ظنين الخلاف (٤) سامي باب التحذيرات وإن تلاقيا البيان لازم ... أنقض ظهرك يعضّ الظّالم واضطرّ مع وعظت مع أفضتم ... وصفّ ها جباههم عليهم باب الميم والنون المشددتين والميم الساكنة وأظهر الغنّة من نون ومن ... ميم إذا ما شدّدا وأخفين (٥) الميم إن تسكن بغنّة لدى ... باء على المختار من أهل الأدا وأظهرنّها عند باقي الأحرف ... واحذر لدى واو وفا أن تختفي باب حكم التنوين والنون الساكنة وحكم تنوين ونون يلفى (٦) ... إظهار إدغام وقلب إخفا فعند حرف الحلق أظهر وأدغم ... في اللّام والرّا لا بغنّة (٧) لزم وأدغمن بغنّة في يومن ... إلّا بكلمة كدنيا عنونوا والقلب عند البا بغنّة كذا ... الاخفا لدى باقي (٨) الحروف أخذا

стр. 182

باب المدات والمدّ لازم وواجب أتى ... وجائز وهو وقصر ثبتا فلازم إن جاء بعد حرف مد ... ساكن حالين وبالطّول يمد وواجب إن جاء قبل همزة ... متّصلا إن جمعا بكلمة وجائز إذا أتى منفصلا ... أو عرض السّكون وقفا مسجلا باب معرفة الوقوف وبعد تجويدك للحروف ... لا بدّ (١) من معرفة الوقوف (٢) والابتداء وهي تقسم إذن ... ثلاثة تام وكاف وحسن وهي لما تمّ فإن لم يوجد ... تعلّق أو كان معنى فابتدئ فالتّام فالكافي ولفظا فامنعن ... إلّا رءوس الآي جوّز فالحسن وغير ما تمّ قبيح وله ... الوقف مضطرّا ويبدا قبله وليس في القرآن من وقف وجب ... ولا حرام غير ما له سبب باب المقطوع والموصول وحكم التاء واعرف لمقطوع وموصول وتا ... في مصحف الإمام (٣) فيما قد أتى فاقطع (٤) بعشر كلمات أن لا ... مع ملجإ ولا إله إلّا وتعبدوا ياسين ثاني هود لا ... يشركن نشرك يدخلن تعلوا على أن لا يقولوا لا أقول إنّ ما ... بالرّعد والمفتوح صل وعن ما نهوا اقطعوا من ما بروم النّسا ... خلف المنافقين أم من أسّسا الأنعام والمفتوح يدعون معا ... وخلف الأنفال ونحل وقعا فصّلت النّسا وذبح حيث ما ... وإن لم المفتوح كسر إن ما وكلّ ما سألتموه واختلف ... ردّوا كذا قل بئسما والوصل صف خلفتموني واشتروا في ما اقطعا ... أحي أفضتم اشتهت نبلو معا ثاني فعلن وقعت روم (٥) كلا ... تنزيل شعرا وغير ذي صلا

стр. 183

فأينما كالنّحل صل ومختلف ... في الظلّة الأحزاب والنّسا وصف وصل فإلّم هود ألّن نجعلا ... تجمع كيلا تحزنوا تأسوا على حجّ عليك حرج وقطعهم ... عن من يشاء من تولّى يوم هم ومال هذا والّذين هؤلا ... تحين في الإمام صل ووهّلا ووزنوهم وكالوهم صل ... كذا من أل وها ويا لا تفصل باب التاءات ورحمت الزّخرف بالتّا زبره (١) ... الأعراف روم هود كاف البقرة نعمت ها ثلاث نحل إبرهم ... معا أخيرات عقود (٢) الثّان هم لقمان ثمّ فاطر كالطور ... عمران لعنت بها والنّور وامرأت يوسف عمران القصص ... تحريم معصيت بقد سمع يخص شجرت الدّخان سنّت (٣) فاطر ... كلّا والأنفال وحرف غافر قرّت عين جنّت في وقعت ... فطرت بقيّت وابنت وكلّمت أوسط الأعراف وكلّ ما اختلف ... جمعا وفردا فيه بالتّاء عرف باب همز الوصل وابدأ بهمز الوصل من فعل بضم ... إن كان ثالث من الفعل يضم واكسره حال الكسر والفتح وفي ... الأسماء غير اللّام كسرها (٤) وفي ابن مع ابنة امرئ واثنين ... وامرأة واسم مع اثنتين وحاذر (٥) الوقف بكلّ الحركة ... إلّا إذا رمت فبعض حركه إلّا بفتح أو بنصب وأشم ... إشارة بالضمّ في رفع وضم وقد تقضّي نظمي المقدّمة ... منّى لقارئ القرآن تقدمه (٦) أبياتها قاف وزاي في العدد ... من يحسن التّجويد يظفر بالرّشد (والحمد لله) له ختام ... ثمّ الصّلاة بعد والسّلام على النّبيّ المصطفى وآله ... وصحبه وتابعي منواله

стр. 184

ثالثا: متن إغاثة الملهوف (١) فى عدد صفات الحروف الحمد لله على الدوام ... منزل القرآن بالأحكام ثم الصلاة والسلام دائما ... على نبيّ قد سما ثم نما محمد وصحبه والآل ... ومقرئ القرآن ثم التالي وبعد هذا النّظم في الصّفات ... لكلّ حرف عدّ في الآيات تصريح ما قد قرر ابن الجزري ... في نظمه المقدّمة فاستقري سمّيته إغاثة الملهوف ... في عدد الصّفات للحروف للحرف قل بخمسة أو ستّة ... أو سبعة فعي لهذا واثبت وإن لحرف قلت وسّط عنده ... ما بين رخو والشّديد عدّه أرجو به أن ينفع المحتاجا ... بفهمه يكن له سراجا للهمز جهر شدّة ثمّ استفل ... وافتح وأصمت قل له خمس نقل للباء جهر شدّة مستفله ... كذا افتحن وأذلقن مقلقلة ست له والتّا له خمس نقل ... فاهمس وشدّ افتح له كذا استفل واصمت كذا الثّا اهمس رخاء وافتحا ... واستفل اصمت خمسة قد صحّحا والجيم فاجهر شدّ واستفلّ بها ... كذا افتح اصمت قلقلا ستّ لها ثمّ اهمس الحاء رخّ واستفل كذا ... وافتح وأصمت خمسة قد أخذا والخا اهمس مع رخوة واستعلا ... فتح وإصمات بخمس تجلى ثمّ اجهر الدّال شديدا مستفل ... وافتح وأصمت قلقلا ستّ جعل للذّال جهر ثمّ رخو واستفالة ... فتح وإصمات فخمس يكتفى للرّاء قل سبع فاجهر وسّطن ... كذا استعله ثمّ فافتح أذلقن كذا انحراف ثمّ تكرير جعل ... فذا تمام سبعة لها نقل وخذ صفات الزّاي يا من يعقل ... جهر ورخو ثمّ فتح مسفل

стр. 185

وأصمتن وتمّ بالصّفير ... ستّ لها أتت بلا نكير واهمس لسين ثمّ رخّ واستفل ... وافتح وأصمت واصفرن ستّ نقل وبعد همس الشّين رخّ واستفل ... وافتح وأصمت والتّفشّي قد جعل فهذه ستّ وقل للصّاد ... همس ورخو أطبقن يا بادي مستعليا زد الصّفير مصمتا ... ست لها فاحفظ لقولي يا فتى للضّاد ستّة بلا شقاق ... جهر ورخو ثمّ بالإطباق مستعليا ومصمتا مستطلا ... فاقبل وقل للطّاء ستّا تجملا جهرا وشدة كذا لاستعلا ... وأطبقن وأصمتن مقلقلا والظّا اجهرن بالرّخو والإطباق ... مستعليا ومصمتا يا راقي بالخمس خذ والعين فافتح واجهرا ... كذا استفله وسّط وأصمت تظفرا فهذه خمس وقل للغين ... خمس أتت أيضا بغير مين فاجهر ورخّ وافتحن مستعليا ... وأصمتن وكن لقولي صاغيا ثمّ اهمس الفاء رخاء مذلقا ... كذا استفلها وافتحن خمسة ثقا للقاف جهر شدة والصمت ... واستعل وافتح قلقلا ذي ستّ واهمس بشدة بكاف وأصمتن ... واستفل افتح خمسة لها اثبتن واحفظ لست قد أتت للّام ... فاجهر ووسّط واستفل يا سامى وافتح وأذلقن بالانحراف ... والميم والنون بلا خلاف فاجهرهما وسطهما أسفلهما ... وافتحهما أذلقن فخمس لهما للهاء صمت ثمّ رخو همس ... واستفل افتحها فتلك خمس للواو ستّة كما للياء ... فاجهر ورخّ واستفل يا رائي كذا افتحن وأصمتن باللين ... واحفظ لنظمي تدع بالفطين أبياته ودّ زكّي فاحسب ... مقال إبراهيم سعد المذنب يغفر له ذنوبه الغفّار ... فإنّه مهيمن ستّار ثمّ الصّلاة والسّلام سرمدا ... على ختام الأنبياء أحمدا والآل والصّحب والأنصار ... وكلّ عالم وكلّ قاري ما هبّت النّسيم في الأسحار ... أو مالت الأغصان بالأشجار

стр. 186

رابعا: متن نظم: «القول المألوف (١) في أوصاف الحروف» يقول راجي رحمة القدّوس ... فقيره عليّ البيسوسي الحمد لله الذي قد شرّفا ... أهل الكتاب باتّباع المصطفى صلّى عليه ربّنا ومجّدا ... وإله من للكتاب جوّدا وبعد للحروف أوصاف أتت ... خمسا فما فوق إلى سبع ثبت للهمز جهر واستفال ثبتا ... فتح وشدة وهمس أصمتا للباء فتح شدة تسفّل ... ذلاقة جهر كذا تقلقل للتاء والكاف استفال أهمست ... وشدة فتح كذا وأصمتت للثاء الاستفال مع فتح كذا ... همس ورخو ثمّ إصمات خذا للجيم دال شدة صمت سفل ... قلقلة رخو وجهر قد حصل للحاء صمت رخوة همس أتى ... والانفتاح الاستفال يا فتى للخاء الاستعلا وفتح اعلما ... رخو وصمت ثم همس افهما للذال والزّاي استفال فتحا ... جهر ورخو ثم صمت وضحا للراء ذلق وانحراف كررت ... فتح وجهر واستفال وسّطت للسّين رخو ثمّ صمت سفلت ... همس صفير يا فتى وانفتحت للشّين همس مع تفشّي مستفل ... صمت ورخو ثمّ فتح قد نقل للصّاد الاستعلا وهمس مطبقة ... رخو صفير ثمّ صمت حققه للضّاد إصمات مع استعلا جهر ... إطالة رخو وإطباق شهر للطاء جهر شدة وأصمتت ... قلقلة علو كذا واطبقت للظاء صمت مع إطباق عرف ... علو وجهر ثمّ رخو قد وصف للعين جهر ثمّ وسط سفلا ... فتح ورخو ثمّ صمت نقلا للغين الاستعلا وصمت انفتح ... ورخوة كذاك جهر قد رجح للفاء فتح استفال قد رسم ... رخو وذلق ثم همس قد وسم

стр. 187

للقاف إصمات وجهر قلقلة ... وشدّة فتح وعلو فاعقله للّام الاستفال مع وسط فتح ... جهر والانحراف والذلق وضح للميم نون رخو فتح جهرا ... ذلق توسط استفال ذكرا تم بحمد الله تباركت أسماءه وكلماته، وبهذا المتن تم أربعة متون هادفة لا غنى لطالب العلم عن حفظها، واستظهارها، ويبقى في هذا المتن بضعة أبيات لا تصل إلى الخمسة للهاء والواو الياء، ولم أجدها في الأصل، والله أعلم. ويلي هذه المتون بعض المباحث الهادفة التي لا غنى لطالب العلم عن معيتها.

стр. 188

بعض المباحث الهادفة المبحث الأول: من فضائل بعض السور ١ - الفاتحة: عن شعبة قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد المعلى قال لي: «كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ؟، ثم قال لي: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد» ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته». ٢ - البقرة وآل عمران: وعن أبي مسعود البدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». وعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر». وعن ابن عباس ﵄ قال: «بينما جبريل ﵇ قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب السماء فتح اليوم، ولم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته». ولقد حث النبي ﷺ على تلاوتهما - أي: البقرة وآل عمران - فقال: «اقرءوا

стр. 189

الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أصحابهما». كما قال ﷺ : «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تتقدمه سورة البقرة وآل عمران». ٣ - سورة الكهف: عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف: عصم الدجال» وفي رواية: «من آخر سورة الكهف» رواه مسلم. وقال رسول الله ﷺ : «من قال: - يعني إذا خرج من بيته-: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كفيت ووقيت وينحى عنه الشيطان». وروى أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : «من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم تضره عين». ٤ - سورة الواقعة: روي: «ن عثمان بن عفان ﵁ دخل على ابن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: أفلا ندعوا لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: أفلا نأمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه، حبسته عني في حياتي وتدفعه لي عند مماتي. قال: يكون لبناتك من بعدك، قال: أفتخشى على بناتي الفاقة من بعدي؟! إني أمرتهن أن يقرءان سورة الواقعة كل ليلة فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا». ٥ - سورة الملك: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من يقرأ ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ». وقال ﷺ : «هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر» يعني: تبارك.

стр. 190

٦ - سورة الإخلاص: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في قراءة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن». وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة؟» فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ، ثلث القرآن». وعن أنس ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله: «إني أحب هذه السورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، قال: إن حبها أدخلك الجنّة». رواه الترمذي وقال: حديث حسن، ورواه البخاري في صحيحه تعليقا. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ: «إنها تعدل ثلث القرآن». رواه مسلم. ٧ - سورة الفلق والناس: روي أن النبي ﷺ : «أنه كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ ب: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات». وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أنه قال: «كان النبي ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما». وقد قال النبي ﷺ : «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين حين تمسى، وحين تصبح: ثلاث مرات تكفيك من كل شيء». وروى مسلم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «أترى آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ».

стр. 191

المبحث الثانى من آداب التلاوة والاستماع ١ - مدخل: القرآن عهد الله وكلامه، له شرفه وعظمته وعلو منزلته وقد أمرنا سبحانه بتلاوته، وحثنا على مداومة قراءته، فقال جل شأنه: وأمرت أن أتلو القرآن، ومدح طائفة من عباده فقال عنهم: يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ. وروي عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في الحث على الإقبال على تلاوة القرآن الكريم، نقتبس منها ما يأتي: ١ - «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». ٢ - يقول الحق : «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين». ٣ - «فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه». ٤ - «البيت الذي يقرأ فيه القرآن يتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجوم لأهل الأرض». ٥ - «نوروا منازلكم بالصلاة وقراءة القرآن». ٦ - «أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن». ٧ - «كل مؤدب يحب أن تؤتى مأدبته، ومأدبة الله القرآن فلا تهجروه». ٨ - «يا أهل القرآن، لا تتواسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار، وأفشوه وتدبروا ما فيه لعلكم تفلحون». ولما كان القارئ يناجي ربه حين يتلو القرآن، فقد وجب عليه الالتزام بآداب كثيرة تليق بعبد بين يدي مولاه.

стр. 192

٢ - ومن آداب التلاوة: ١ - الطهارة. قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وهي تشمل: طهارة البدن، والثوب، والمكان. وتحرم القراءة على الجنب والحائض. ٢ - يستحب أن يستعمل القارئ السواك قبل القراءة، وأن يطيب فاه، فقد قال رسول الله ﷺ : «نظفوا أفواهكم فإنها مجاري القرآن». وقال ﷺ : «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب». ٣ - استقبال القبلة. فقد قال ﷺ : «خير المجالس ما استقبل به القبلة». ٤ - الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل البدء في القراءة، لقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. ويجب على القارئ أن يحافظ على قراءة البسملة عند ابتداء القراءة من أول السورة عدا سورة «براءة» ولا تحتاج القراءة إلى نية، والبسملة سنة في أواسط السور إذا بدأ منها القراءة. ٥ - يسن الترتيل في قراءة القرآن، فقد قال تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا فهو أشد تأثيرا في القلب، وذلك للتدبر والفهم. فينبغي أن يقرأ القارئ بتؤدة مع الترتيل، وأن يستعمل ذهنه وفهمه، وأن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يقرأه، قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وقال جل شأنه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ. ٦ - كما ينبغي على القارئ إذا مر بآية عذاب أشفق وتعوذ. أو تنزيه نزه وعظم، أو دعاء تضرع، وإذا مر بآية سجدة سجد. أخرج مسلم عن حذيفة قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح بالبقرة، ثم النساء، فقرأها، ثم آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ. وروي عنه ﷺ أنه قال: «من قرأ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وبلغ آخرها - أي

стр. 193

أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فانتهى إلى آخرها - أي أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى فليقل: بلى، ومن قرأ وَالْمُرْسَلاتِ فبلغ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ فليقل: آمنا بالله. وإذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: سبحان ربي الأعلى. كما روي أنه ﷺ أمر إذا قرأنا «الرحمن» فبلغنا قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وجب أن نقول: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد. وروي عن جابر أن النبي ﷺ قرأ: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ الآية - فقال: «اللهم أمرت بالدعاء وتكفلت بالإجابة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، أشهد أنك فرد أحد صمد، لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا أحد، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنك تبعث من في القبور». ٧ - لا بأس بتكرير الآية، وترديدها، فقد روي أن النبي ﷺ قام بآية يرددها حتى أصبح، وهي آية إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ. ٨ - يستحب البكاء عند قراءة القرآن، والتباكي لمن لا يقدر عليه مع الحزن والخشوع، قال تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وقال ﷺ قام بآية يرددها حتى أصبح، وهي آية إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ. ٨ - يستحب البكاء عند قراءة القرآن، والتباكي لمن لا يقدر عليه مع الحزن والخشوع، قال تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وقال ﷺ : «إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» كما روي أنه ﷺ قال: «اقرءوا القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن». وأحسن الناس قراءة من إذا قرأ القرآن يتحزن به. ٩ - أن يقرأ وهو على يقين بأن الله يستمع إليه فهو سبحانه يعلم السر وأخفى، ولما كانت قراءة القرآن من العبادة، والنبي ﷺ يقول: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ومن هنا فعلى القارئ أن يتمثل أنه يقرأ أمام الله وبين يدي رسول الله ﷺ وفي مثل هذا الموقف عليه أن يقرأ بلسانه وقلبه وروحه ووجدانه وكافة مشاعره. ١٠ - يستحب أن يتعلم القارئ إعراب القرآن لغويا، وأن يلتمس غرائبه، وأن يتعرف معاني كلماته.

стр. 194

١١ - يستحب أن يقرأ بالتفخيم، فإن النبي ﷺ قال: «نزل القرآن بالتفخيم» وهذا يعني أن يقرأ قراءة الرجال ولا يخضع الصوت به فيكون مثل كلام النساء. ١٢ - وعلى القارئ أن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء، حتى يبرز الكلام باللفظ تماما، فإن له بكل حرف عشر حسنات. ١٣ - يسن تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها، قال ﷺ : «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ويجهر به». ١٤ - القراءة في المصحف أفضل من القراءة بدونه، لأن ثلاثة النظر إليهم عبادة: النظر إلى الكعبة، والنظر في المصحف، والنظر إلى وجه الوالدين. ١٥ - يكره قطع القراءة لمكالمة أحد، لأن كلام الله تعالى لا ينبغي أن يؤثر عليه كلام غيره. ١٦ - يفضل أن يخلو القارئ بقراءته، وهذا أدعى للتفكر والتدبر، وحتى لا يقطع عليه أحد بكلام، وذلك إن لم يكن في جلسة تلاوة مع جماعة. ١٧ - لا تجوز القراءة بغير اللغة العربية. ١٨ - لا تكره القراءة في أي وقت من ليل أو نهار، وأفضل الأوقات المختارة للقراءة ما كان في الصلاة، ثم في الليل. ١٩ - يستحب التكبير من سورة الضحى، وحتى آخر القرآن. ٢٠ - يسن الدعاء عقب الختم، لقوله ﷺ : «من ختم القرآن فله دعوة مستجابة» وقوله ﷺ : «من قرأ القرآن وحمد الرب وصلّى على نبيه واستغفر ربه، فقد طلب الخير». ٢١ - إذا انتهى القارئ من قراءته يقول: «صدق الله العظيم» وصدق رسول الله ﷺ ، وأنا على ذلك من الشاهدين. ٢٢ - يسن إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقب الختم لقوله ﷺ : «أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل، الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما حل ارتحل».

стр. 195

وروى أنه ﷺ كان إذا قرأ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ حتى وصل إلى آخرها، افتتح من الحمد، ثم قرأ من البقرة إلى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ثم دعا بدعاء الختم. وروى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الأعمال افتتاح القرآن وختمه». ٢٣ - أن يقرأ بصوت متوسط، بين أن يخافت أو يجهر، وأن يقرأ السورة على وجهها أي بأكملها، فقد روي أن رسول الله ﷺ مر بأبي بكر وهو يخافت أي يقرأ بصوت خافت لا يسمعه غيره، ومر بعمر وهو يجهر، ومر ببلال وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة. فقال لأبي بكر: إني مررت بك وأنت تخافت فقال: إني أسمع من أناجي، فقال له ﷺ : ارفع شيئا. وقال لعمر: مررت بك وأنت تجهر، فقال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، أي النعسان: فقال له ﵊: اخفض شيئا. وقال لبلال: مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه فقال: أخلط الطيب بالطيب. فقال ﷺ : اقرأ السورة على وجهها. ٢٤ - وعلى كل مسلم إذا قرأ في المصحف أن لا يتركه منشورا، أي مفتوحا بعد القراءة، وأن لا يضع فوقه أي شيء حتى يكون عاليا محفوظا، وعلى المسلم أن لا يتوسد المصحف، أي لا يجعله تحت وسادته والوسادة هي «المخدة» أو لا يجعل المصحف وسادة له، وكذلك لا يعتمد عليه أي لا يتكئ أو يستند عليه، وأن لا يقرأ في مكان نجس. ٣ - ومن آداب الاستماع: الاستماع هو الإصغاء والإنصات، ومن آداب الاستماع إلى القرآن الكريم ما يأتي: ١ - أن يستحضر المستمع قلبه وعقله حين ينصت إلى كلام الخالق عز وعلا، ويتدبر معاني القرآن الكريم، فيلين قلبه، وتخشع جوارحه وتغشاه السكينة وتنزل عليه الرحمة. قال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.

стр. 196

٢ - وعليه أن يكون على علم بأنه في مقام عبادة بسماع كلام الله وتدبر معانيه، وفي مقام تفهم لأوامره ونواهيه، وهذا يوجب عليه أن لا يتحدث مع أحد، أو يلهو، أو يدخن السجائر، مع العلم بأن الملائكة تنفر من الروائح الكريهة. ٣ - والدليل على أن الإنسان قد يتأثر بما يستمع إليه، أن تفيض عيناه بالدمع. ٤ - وعليه أن يلتزم الهدوء والصمت والخشوع، وعليه كذلك أن لا يعكر صفو القراءة بعبارات الثناء أو غيرها. ٥ - إذا استمع لآية فيها تبشير بالجنة والرضوان دعا الله ، وإذا استمع لآية فيها إنذار ووعيد وذكر النار، تعوذ بالله ، وإذا استمع لآية فيها تنزيه الخالق جلت قدرته، نزهه بأجل الصفات. قال رسول الله ﷺ «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وفي مداومة تلاوة القرآن العظيم والاستماع إليه يتزود العبد بالتقوى. قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ. انظر في هذا المبحث «أحكام التجويد» للأستاذ/ محمد محمود عبد العليم. ٤ - من آداب الناس كلهم مع القرآن: ثبت في صحيح مسلم ﵁ عن تميم الداري ﵁ قال: «إن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». قال العلماء ﵏: النصيحة لكتاب الله تعالى هي: الإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله الخلق بأسرهم، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها، والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاغين، والتصديق بما فيه، الوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله، والاعتناء بمواعظه، والتفكر في عجائبه والعمل بمحكمه والتسليم بمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه وإلى ما ذكرناه من نصيحته. وقد أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الاطلاع وتنزيهه وصيانته وأجمعوا على أن من جحد منه حرفا مما أجمع عليه أو زاد حرفا لم يقرأ به

стр. 197

أحد وهو عالم بذلك فهو كافر. قال الإمام الحافظ أبو الفضل القاضي عياض ﵀: اعلم أن من استخف بالقرآن، أو المصحف، أو بشيء منه أو سبهما أو جحد حرفا منه، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته، وهو عالم بذلك، أو يشك في شيء من ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين. وكذلك إذا جحد التوراة والإنجيل، أو كتب الله المنزلة، أو كفر بها، أو سبها، أو استخف بها فهو كافر، قال: وقد أجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في الأقطار المكتوب في الصحف الذي بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول الحمد لله رب العالمين، إلى آخر قل أعوذ برب الناس كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد ﷺ وأن جميع ما فيه حق، وأن ما نقص منه حرفا قاصدا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع فيه الإجماع وأجمع على أنه ليس بقرآن عامدا لكل هذا فهو كافر، قال أبو عثمان بن الحذاء: جميع أهل التوحيد متفقون على أن الجحد بحرف من القرآن كفر، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن شنبوذ المقرئ أحد أئمة المقرئين المتصدرين بها مع ابن مجاهد لقراءته وإقرائه بشواذ من الحروف مما ليس في المصحف، وعقدوا عليه للرجوع عنه والتوبة سجلا أشهدوا فيه على نفسه في مجلس الوزير أبي بن مقلة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وأفتى محمد بن أبي زيد فيمن قال لصبي: لعن الله معلمك وما علمك، قال: أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن، قال: يؤدب القائل، قال: وأما من لعن المصحف فإنه يقتل، هذا آخر كلام القاضي عياض ﵀. انظر في هذا المبحث «التبيان في آداب حملة القرآن». لأبي زكريا يحيى بن شرف الدين النووي الشافعي. ٥ - من علوم القرآن: أ - تعريف القرآن وأسماءه وصفاته: تعريف القرآن: هو كلام الله المعجزة، المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين بواسطة الأمين جبريل ﵇، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا بالتواتر المتعبد بتلاوته.

стр. 198

وقد ورت تسميته بالقرآن في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وقوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ. واختلف العلماء في لفظة «قرآن» من جهة الاشتقاق أو عدمه، ومن جهة كونه مصدرا أو وصفا على عدة آراء: ١ - الرأي الأول: أنه مصدر للفعل قرأ بمعنى تلا، فيكون على وزن الرجحان والغفران ... إلخ، ثم نقل من المصدر ليكون اسما دالا على الكلام المنزل على محمد ﷺ ويدعم هذا الرأي ورود لفظة «قرآن» بمعنى القراءة في ثنايا آيات القرآن منها قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٧، ١٨]. ويرجح ارتباطه بالقراءة، والتلاوة يأمر بها الله في كتابه الكريم يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا وقوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه: ١١٤] أي لا تعجل بقراءة القرآن قبل أن ينتهي جبريل من قراءته وكذلك قوله تعالى: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء: ٧٨]. أي أن قراءة القرآن في هذا الوقت تشهدها الملائكة وتشهد بها لصاحبها عند ربه، ثم هي من استعمالات الشعر العربي كقول الشاعر: ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا ٢ - الرأي الثاني: قال به قوم على رأسهم الزجاج النحوي، وهو: إنه وصف على فعلان، من الفعل قرأ بمعنى: جمع، يقال في اللغة: قرأت الماء في الحوض، أي جمعته، ثم سمي به كتاب الله لما جمع من سور وآيات، فيكون قرآن بمعنى مجموع أو مضموم. ٣ - الرأي الثالث: قال به قوم منهم الأشعري، هو مشتق من قرأ، وقد ورد هذا الاستعمال في الشعر القديم: تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا ذراعي حرج أدماء بكر ... وهجان اللّوم لم تقرأ جنينا قرنت الشيء بالشيء، إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، وسمي به القرآن

стр. 199

لقران السور والآيات والحروف فيه، وعلى هذا تكون النون أصلية والهمزة الممدودة زائدة، ولذلك يمكن أن نقول (قرآن) بدون همز، وهو ضعيف، وبناء عليه ذكر الفراء النحوي الكوفي أن اشتقاقه من القرائن، لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضا، ويشابه بعضها بعضا، وهي قرائن أي أشياء ونظائر. ٤ - الرأي الرابع: ينسب للإمام الشافعي، ويري أنه اسم سمي الله تعالى به كتابه المنزل على محمد ﷺ كما سمى الكتابين المنزلين على موسى وعيسى: التوراة والإنجيل، ويهمنا من المعنى الاصطلاحي، فالله هو أنزله وهو الذي أطلق عليه هذه التسمية، ويناقش الأصوليون والفقهاء تعريفه الاصطلاحي مناقشة منطقية (كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، المعجز بلفظه، المتعبد بتلاوته، المنقول بالتواتر المكتوب في المصاحف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس). فقولهم المنزل على نبيه: يخرج سائر كلامه المنزل على غير محمد من الأنبياء، وقولهم (المعجز بلفظه، المتعبد بتلاوته) يخرج الأحاديث القدسية، فالأخيرة لم يقع بها التحدي كذلك فإن أرجح الآراء أنها في المعنى من عند الله، أما الألفاظ من كلام النبي ﷺ ، فالرسول راو لكلام الله بلفظ من عنده، ولذا تجوز روايته بالمعنى عند جمهور المحدثين، وحتى على رأي من يقول بأن لفظها من عند الله، فإنها ليست معجزة ولا متعبدا بتلاوتها، فالقرآن هو الذي تتعين به القراءة في الصلاة يقول تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ المزمل، فهو النص المتعبد بتلاوته ومما يرويه الترمذي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». وقولهم: «المنقول بالتواتر ... إلخ» يخرج جميع ما سوى القرآن المتواتر، من منسوخ التلاوة. والقراءات غير المتواترة سواء نقلت بطريق الشهرة كقراءة ابن مسعود، في قوله تعالى عن كفارة الأيمان: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) بزيادة «متتابعات» أو بطريق الآحاد مثل قراءة (متكئين على رفاف خضر وعبقري حسان) [الرحمن: ٧٦] بالجمع في لفظ «رفرف، وعبقري» فإنها ليست قرآنا ولا تأخذ حكمه. فالأركان الأولى هي المميزة لحد القرآن (الإنزال على محمد ﷺ ، الإعجاز، النقل بالتواتر

стр. 200

والكتابة في المصاحف) وشرط الكتابة يعني أن يطابق المكتوب المنقول بالرواية حفظا خاصة وقد وصف الله قرآنه بهذا الوصف في مثل قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] وقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ٢] وقوله جل وعلا: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٢٠٣]، أو أن يوافق المحفوظ الرسم المجمع عليه المنقول إلينا جيلا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ثم التعبد بتلاوته، وما جاء بعد هذه الصفات فزيادة في التوضيح والتمييز. ولكتاب الله المنزل على محمد ﷺ اسم واحد، علم عليه هو القرآن، وما عداه مما ظنه بعض المصنفين أسماء للقرآن لا يخرج عن دائرة الصفات مثل: ١ - الفرقان: قال تعالى عن القرآن: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان: ١] فهذا الوصف ورد لغيره من الكتب السماوية كقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ [الكهف: ٤٩]. كما وصفه بالفرقان يوم بدر قال تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فالفرقان وصف يعتمد على المعنى للجذر اللغوي (فرق) لا تسمية خاصة بالقرآن ويتصل بهذا أيضا أن يوصف بأنه. ٢ - الذكر: لقوله تعالى: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ٥٨]. ٣ - الصحف: يقول في كتابه عن القرآن: فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ [عبس: ١٢، ١٣] وقد قال على كتب سماوية سابقة إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى [الأعلى: ١٨، ١٩]. ٤ - هدى، وشفاء، ورحمة، وموعظة: بناء على قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧]. ٥ - التنزيل: لقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ١٩٢]. ٦ - المثاني: لقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ

стр. 201

[الزمر: ٢٣] إلى آخر هذه الصفات التي ظنوها أسماء، ويكفي أن نحيل لاختبارها على كتاب الزركشي (البرهان في علوم القرآن) الجزء الأول (ص ٢٧٣) لتجد بابا تحت عنوان النوع الخامس عشر: معرفة أسمائه واشتقاقاتها، وقد جمع فيه أكثر من تسعين اسما أو وصفا للقرآن. ب - أول وآخر ما نزل من القرآن الكريم: ذكر د/ عمر عبد الواحد. في دراساته الإسلامية في هذا المبحث أن البحث في كيفية إنزال القرآن يجر إلى ميتافيزيقيا لا يمكن ضبطها ولا تحقيقها، وقال: ولكننا نشير إلى أن المعنى اللغوي المستمد من الجذر اللغوي «نزل» يفيد الحلول كقوله: نزل فلان بالمدينة أي حل بها، وأنزلته أي أحللته ومنه قول الله تعالى: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً [المؤمنون: ٩] أو يفيد تحرك الشيء من أعلى إلى أسفل، والمتعدي منه التحريك من علو إلى أسفل، كما في قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [الرعد: ١٧]. وهذه الدلالات تقتضي الجسمية والمكانية والانتقالية مما يتنزه عنه القرآن الكريم. ويبقى المجال واسعا لفهمها فهما مجازيا، ربما يتناسب مع علو منزلة القرآن وعظمة محتوياته التي غيرت مجرى حياة الإنسان وأحدثت ربطا بين السماء والأرض، وربما يشير إلى المصدر الأعظم لهذا المحتوى المعجز. وأول ما نقف عنده من قضايا نزول القرآن. ١ - أول ما نزل من القرآن الكريم: يعتمد هذا المبحث على الرواية والنقل، ويفيد في معرفة تاريخ التشريع الإسلامي وكيفية المراعية لطبيعة الإنسان وأحوال البشر في التدرج في الأحكام، وتميز الناسخ من المنسوخ في الآيات، مما يترتب عليه إعمال حكم، وإهمال حكم. وقد حدد القرآن الكريم وقت نزوله في ثلاثة آيات منه: الأولى: تحدده بأنه نزل في شهر رمضان وهي الآية (١٨٥) من سورة البقرة، ونزلت في المدينة بعد الهجرة يقول الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. الثانية: تحدد هذه الليلة بأنها ليلة القدر، وهي الآية الأولى من سورة القدر

стр. 202

التي أنزلت بمكة قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. الثالثة: وهي لا تفيد شيئا في هذا المبحث هذا سوى وصف ليلة القدر بالبركة إلى جوار الارتفاع وعلو المكانة مما أثبته الله تعالى في الآية السابقة وهي الآية (٣) من سورة الدخان ونزلت بمكة ولكن في مرحلة متأخرة عن القدر تقول هذه الآية إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ. وربما يبدو تعارض وهمي بين نزول القرآن في ليلة القدر، وبين نزوله مفرقا على مدار ثلاثة وعشرين عاما، فيقدم العلماء حلا لهذا التعارض الظاهر يتمثل في ثلاثة احتمالات هى: الأول: يعتمد على قول ابن عباس: «أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الدنيا. وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعض في إثر بعض» أي أنه أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة في ليلة القدر، ثم كان نزوله على محمد ﷺ منجما على سنوات بعثته. الثاني: أن نزوله إلى السماء الدنيا كان في عدد من ليالي القدر يساوي سنوات بعثته، ينزل الله في كل ليلة منها ما قدر انزاله منجما طوال هذه السنة، وقال بهذا مقاتل ونقله عنه القرطبي في تفسيره، وذكره فخر الدين الرازي في تفسيره. الثالث: هو قول الشعبي أن نزوله ابتدأ في ليلة القدر ثم استمرت آياته وسوره تنزل على النبي ﷺ طوال مدة بعثته حسب تقدير الله وحكمته. ثم يذكر أن أكثر العلماء يميلون إلى القول الأول، فيقول عن ابن حجر في شرحه على البخاري (هو الصحيح المعتمد). ويقول عنه السيوطي (هو الأصح الأشهر). واستمر نزول القرآن ثلاثا وعشرين عاما، فتر فيها الوحي بعد ذلك نحو ثلاث سنوات، وأول ما نزل على أصح الأقوال وأرجح الآراء، هو قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥]. ويدل عليه ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن عائشة أنها قالت:

стр. 203

«أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزح إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ: قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: اقرأ»، ويصحح أيضا الحاكم في مستدركه، والبيهقي في دلائله على اختلاف في اللفظ. والقول الثاني: أن أول ما نزل من القرآن إطلاقا يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ويستدل أصحابه بما رواه الشيخان عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» أو «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» فقال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ : «إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو - يعني: جبريل - فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ». ولكن هذه الرواية تحتمل أن تكون حديثا عما نزل بعد فترة الوحي، وذلك لرواية أخرى للشيخين عن سلمة عن جابر أيضا عن النبي ﷺ فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثيت حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي، فقلت: زملوني فدثروني فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ فيبين من هذه الرواية أن جابر استند في الحكم بأن أول ما نزل من القرآن سورة المدثر. إلى ما سمعه من رسول الله ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي، وكأنه لم يسمع بما حدث به رسول الله عن الوحي قبل فترته ومن نزول الملك على الرسول في حراء بصدر سورة اقرأ، ولعل السؤال كان أول سورة كاملة أنزلت من القرآن، فظاهر من كلام الرسول ﷺ أنها ليست أول مرة يأتيه فيها الملك «فإذا الملك الذي جاءني بحراء».

стр. 204

وهناك قول ثالث: بأن أول سورة نزلت هي الفاتحة، لأن هذا الحديث مرسل سقط من سنده الصحابي فلا يحتج به أمام حديث عائشة السابق. وهناك قول رابع يستند إلى حديث مرسل، تقول بأن أول ما أنزل هو «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» وهي تنزل صدرا لكل سورة. ٢ - آخر ما نزل من القرآن الكريم: وأما عن آخر ما نزل من القرآن فقد اختلف أحواله اختلافا كبيرا، وذلك لأنه ليس هناك ما هو مرفوع إلى النبي ﷺ ، وقد صدرت تلك الآراء بضرب من الاجتهاد وإعمال الرأي فقد قيل: إن آخر ما نزل: أ - آية الربا: لما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت آية الربا: البقرة (٢٧٨) ولكن هذا الرأي يتعرض لنقد، فقد أشار النبي ﷺ إلى الربا في خطبة الوداع أثناء حجه ولا بد أن الرسول ﷺ لم يدل برأي في الربا إلا على وحي من الله أفاده حكمه. ب - وقيل: هي آية (٣) من سورة المائدة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وقد نزلت هذه الآية في يوم الجمعة التاسع من ذي الحجة على الرسول ﷺ وهو بعرفة في العام العاشر من الهجرة أثناء حجة الوداع. ج - وهناك آراء قدمت ويمكن حملها على أنها آخر ما نزل في موضوعها مثال ذلك: ١ - سورة المائدة، فهي آخر سورة نزلت في الحلال والحرام فلم تنسخ فيها أحكام. ٢ - قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى قوله تعالى: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وحمل هذا على أنها آخر آيتين في سورة التوبة. ٣ - قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء: ١٧٦] وحملت الأخيرة على أنها مقيدة بما يتعلق بالمواريث.

стр. 205

ويبقى أن نشير إلى أنهم يرجحون أن آخر ما نزل هو قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١]. وهذا القول يسانده تحديد تاريخي وهو أن الرسول ﷺ توفي بعدها بتسع ليالي. ثم هي تشير إلى الاستعداد ليوم المعاد والرجوع إلى الله وهو عاقبة الأمور. ج - تنجيم القرآن الكريم: لم ينزل القرآن جملة واحدة، وإنما نزل منجما مفرقا على مدار سنوات البعثة النبوية، ولن نحاول مقارنته في هذا بالكتب السماوية الأخرى، كما دأب كثير من الباحثين، فذلك ما لا نعرفه، وليست لدينا الأدلة التاريخية الكافية عن كيفية نزول الكتب السابقة. وكل ما نعرفه أن طريقة نزول القرآن مفرقا على المواطن والمناسبات ومقتضيات التشريع، كانت مثار اعتراض أعداء الإسلام من الكفار والمشركين وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان: ٢٢، ٢٣]. وقد أنزل القرآن منجما في ثلاث وعشرين سنة منها ثلاث عشرة بمكة، على أرجح الآراء، وعشر سنوات بالمدينة، وقد صرحت آيات كثيرة في القرآن بهذه الكيفية، منها قوله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢] ووراء كل ما يأتي به الله حكمة منها ما ندركه بالنص أو بالعقل، ومنها لا ندركه. ولعل أول أسباب هذه الكيفية الخاصة (التنجيم): تثبيت فؤاد النبي ﷺ الذي صرح به في الآية كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وذلك لأن في تجديد الوحي وتكرار نزوله، يشرح قلب الرسول بتكرار اتصاله بالله ودوام العلاقة به، وبالإضافة إلى أن في هذه الطريقة تيسيرا عليه في حفظه وفهمه، ومعرفة أحكامه، وحكمه كذلك أن تنجيمه معجزة تتجدد، تؤكد كونه رسولا من عند الله، ثم بعد ذلك نزول القرآن يثبت فؤاده عن طريق تقويته أمام أعدائه ويهون عليه ما يلاقيه من شدائد عن طريق ما يطمئنه به من وقوفه إلى جواره، وما يوجهه إليه من إرشاد ونصح، من ذلك قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٥]. وقوله سبحانه: اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٨]، وقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:

стр. 206

٦٧] وقوله تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥]. وكقوله في سورة النحل: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ بالإضافة إلى ما تفعله قصص الأنبياء في نفسه من إعطائه المثل في التعزي والتصبر على أذى المعاندين؛ لأن شرف الرسالة يتفق مع صعوبة مسئولياتها من ذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا [الأنعام: ٣٤]، وقوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: ١٢٠]. والحكمة الثانية التي تستنتجها تتمثل في التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة وتعليمها عن طريق تيسير حفظه، لأنه نزل على أمة لا تعرف القراءة والكتابة وتعتمد على الرواية الشفوية لا على التدوين في تبادل معارفها وعلومها وهم يرون أن الصحابة كانوا لا يتجاوزون الآيات بعد حفظها حتى فهموا معانيها، ويتدبروا ما فيها، يقول تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦] وبالتالي يسهل على العرب حفظ القرآن، وفهمه كذلك، يمهدهم شيئا فشيئا للتخلي عن عقائدهم وعباداتهم، للاندراج تحت عقيدة الإسلام وعباداته بالإضافة إلى ما في ذلك من تثبيت قلوب المؤمنين بما يقصه القرآن عليهم من وقت لآخر من قصص الأنبياء من جزاء المؤمنين وما أعد الله لهم يقول تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور: ٥٥]. والحكمة الثالثة: تتمثل في التدرج بالتشريع والأحكام وتلبية احتياجات المجتمع الجديد، فكلما جد جديد نزل من القرآن ما يناسبه من ذلك، والإجابة على تساؤلاتهم حول العقيدة والتشريع، كالآيات التي تبدأ بقوله يَسْئَلُونَكَ من ذلك قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [البقرة: ٢٢٠]، وكذلك ما أنزل في سورة النور من توضيح ملابسات حادث الإفك، وتبرئ السيدة عائشة وتكشف المتورطين في هذا

стр. 207

التجني والافتراء - وهذا التنجيم قد يكون ليبين للمؤمنين خطأهم وتعيدهم إلى الصواب في الفعل والسلوك، كقوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: ٢٥ - ٢٧]. وأوضح مثال للتدرج في التشريع تحريم الخمر وهي حبيبة إلى قلوب العرب، وتشكل جزءا من موقفهم الوجودي، ولعلك تذكر قول طرفة: ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدك لم أخفى متى قام عودي فمنهن سبقي العاذلات بشربه ... كميت متى ما تعل بالماء تزيد ولذلك يصبح تحريمها دفعة واحدة مفاجأة قد تضر بالموقف الإيماني للمتلقين، فكان أول ما نزل فيها: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة: ٢١٩] ثم كانت الخطوة الثانية فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] ثم كانت الخطوة الأخيرة فحرمت نهائيا حين أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. والحكمة الرابعة: تأكيد إعجاز القرآن والإشارة إلى أن مصدر القرآن هو الله فعلى الرغم من طول تأليفه وتعدد موضوعاته، لم يتباين نسجه ولم يختلف سبكه، فهو مشتق مترابط، وفي ذلك دليل على أنه معجز خارق لكلام البشر صادر عن الربوبية التي تنزهت عن كلام البشر باختلافه، وعدم تناسبه انظر في هذا المبحث وهو (من علوم القرآن) محاضرات في الدراسات الإسلامية للدكتور: عمر عبد الواحد. ٦ - في احترام المصحف وتقديسه: يقول دكتور سيد إسماعيل في كتابه «البيان في علوم القرآن»: ليس فيما نرى

стр. 208

ونسمع كتاب أحيط بهالة من الإجلال والتقديس، كالقرآن الكريم، حتى لقد وصفه الحق جل شأنه كِتابٍ مَكْنُونٍ وحكم بأنه لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وأقسم على ذلك حيث قال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [الواقعة: ٧٥ - ٨٠]. ولذلك كان من إجلال القرآن وتعظيمه عد إباحة كتابته على الجدران سواء كانت جدران مساجد، أم جدران منازل أم غير ذلك. أما جدران المساجد فقد اتفق الأئمة على كراهة كتابة شيء من القرآن عليها. حيث قال المالكية: إن كانت الكتابة في القبلة كرهت، لأنها تشغل المصلي سواء كان المكتوب قرآنا أو غيره، ولا تكره فيما عدا ذلك. وقال الشافعية: يكره كتابة شيء من القرآن على جدران المسجد وسقوفه ويحرم الإسناد لما كتب فيه من القرآن بأن يجعله خلف ظهره. وقال الحنابلة: تكره الكتابة على جدران المساجد وسقوفه وإن كان فعل ذلك من مال الوقف حرم فعله. وقال الحنفية: لا ينبغي الكتابة على جدران المسجد خوفا من أن تسقط وتهاون بوطء الأقدام. فهذه أقوال الأئمة، نجد فيها المالكية يعللون الكراهة بانشغال المصلي، والحنفية يعللونها بالخوف من سقوط المكتوب، ثم الإجماع منهم جميعا بصفة عامة على الكراهة. وأما جدران المنازل وما شابهها، فإن علة الكراهة قائمة بسبب عدم التحرز من تطاير النجاسات أو عبث الصبيان، فقد قال القرطبي: ومن حرمته - أي القرآن - ألا يكتب على حائط كما يفعل بهذه المساجد المحدثة. ثم روي عن محمد بن الزبير قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يحدث قال: مر رسول الله ﷺ بكتاب في أرض. فقال لشاب من هذيل: «ما هذا؟» قال من كتاب الله كتبه يهودي، فقال: «لعن الله من فعل هذا، لا تضعوا كتاب الله إلا موضعه». وقال محمد بن الزبير: رأى عمر بن عبد العزيز ابنا له يكتب القرآن على حائط فضربه.

стр. 209

فهذه الرواية الأخيرة تبين لو أن كتابة القرآن على الجدران مباحة لما منع عمر بن عبد العزيز ابنه من الكتابة. ومن تعظيم القرآن الكريم وإجلاله أن لا يصغر (المصحف) كتابة لدرجة عدم إمكان قراءته إلا بمشقة شديدة، ولا يصغر كلاما، بأن يقال: مصيحف. فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى مصحفا صغيرا في يد رجل، فقال: من كتبه؟ قال: أنا، فضربه بالدرة، وقال: أعظموا القرآن. وروى الأعمش عن إبراهيم عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لا يصغر المصحف. وقال الزركشي: وتكره كتابته أي القرآن، القطع الصغير. ٧ - موقف العلماء من الحروف الهجائية المقطعة التي افتتحت بها السور . وقد اختلف صور هذه الحروف الهجائية في افتتاحيات السور القرآنية، فوردت مفردة مثل: ص، ق، ن، ووردت مركبة من حرفين مثل: طه، ويس، وحم، ووردت مركبة من ثلاثة أحرف مثل، الم، الر، طسم، ووردت مركبة من خمسة حروف مثل: حم عسق، كهيعص. وورودها من علامات القرآن المكي، فقد وردت في تسع وعشرين سورة كلها مكية ما عدا البقرة، وآل عمران، أما الفريق الأول فيرون أنها مما اختص بعلم الله تعالى وحده وهو أعلم بمراده منها، وفي هذا القول يقول عبد الله بن مسعود: إن هذه الحروف علم مستور، وسر محجوب، استأثر الله به. وحقا فهو نص حكيم قاطع له سر، وهي أربعة عشر حرفا جمعت في عبارة «نص حكيم». أما الفريق الثاني: فقد حاول تأويلها وقدم لذلك وجوها: ١ - الأول: أنها تحدي العرب بالقرآن لكونه مؤلفا من جنس هذه الحروف فالقرآن معجزة للعرب بتأليفه على الرغم من أنه من كلامهم ويستدلون بأمرين. أ - أن أكثر السور المفتتحة بهذه الحروف قد ورد ذكر القرآن تأكيدا على أن تلك الحروف هي مادة القرآن ومكنوناته، يقول تعالى في سورة يوسف الر، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. ب - كونها مكية في الغالب يوجب أن يكون وقع التحدي لأهل مكة أن يأتوا

стр. 210

بمثل هذا القرآن، فعجزوا عنه مع أنه من جنس كلامهم، ومن حروفه. ٢ - الرأي الثاني: أنها أسماء للسور وأعلام لها تدل عليها ويستدلون على ذلك بأن أربع سور من القرآن قد سميت بهذه الحروف هي «طه، يس، ص، ق» كما أنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «يس قلب القرآن». ٣ - الرأي الثالث: أنها مما أقسم به الله سبحانه لشرفها وفضلها فمنها تتركب كلمات كتابه العزيز. ٤ - الرأي الرابع: أنها ليست أدوات تنبيه مثل ألا، وأما، ولكنها أدوات غير مألوفة كي تلفت أنظارهم، ثم تأتي آيات القرآن الكريم بعد تمهيدهم لاستماعها. فمثل هذا المبحث يقع أكثره فيما يخص العقيدة، وفيما يؤثر فيها من فاعلية سائر مكنوناته، فما من شيء فيه ورد عبثا دون فائدة. ٨ - جانب من إعجاز القرآن: أولا: من الإعجاز البلاغي: قد تعددت آراء العلماء فيه: أ - أن وجه الإعجاز راجع إلى التأليف الخاص به لا مطلق التأليف، وهو رأي الزملكاني عبد الواحد بن عبد الكريم المتوفى (٦٥١ هـ) صاحب كتاب البرهان في إعجاز القرآن. وهو رأي جيد يتنبه لخصوصية تأليفه التي تفارق طرق تأليف كلام العرب. ب - ورأي الباقلاني قريب منه ومؤداه أن القرآن خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب، ومباين لأساليب خطاباتهم ولذلك لا يمكن تعلمه أو الوصول إليه بالتدريب، وامتداد لهذه الفكرة يرفض كفاية أدوات البديع في أداء مثله، ويرفض أن يطلب إعجاز فيما ورد منها في النص القرآني، وواضح أنه متأثر بالجدل النقدي، وبالتيار الفني السائد في عصره وهو تيار البديع، الذي يقيم من البديع بأدواته الفنية عالم القصيدة، فقد لفتت نظره المهارة والصناعة العقلية التي يصاغ بها البديع في رأيه وإمكان التدريب عليها، شأن سائر الصناعات، فرفض أن يدرك مجازا القرآن بما في إمكان البشر ووسعهم، وتبدوا عقيدته ألسنتهم عند ما يناقش

стр. 211

المعجز في كتاب الله أهو الكلام القديم الذي هو صفة لله أم الحروف المنظومة، ويقرر أن الإعجاز بالحروف المنظومة، وأن الله سبحانه (لم يتحداهم إلى أن يأتوا بالكلام القديم الذي لا مثل له). ج - قال فخر الدين الرازي صاحب التفسير الضخم (مفاتيح الغيب): إن وجه الإعجاز الفصاحة وغرابة الأسلوب والسلامة من جميع العيوب وغير ذلك مقترنا بالتحدي، ومع أن رأيه يحشد أشياء كثيرة حشدا، إلا أن بوسعنا أن ندرك تركيزه على فكرة الفصاحة، ونرى أنها وفق التصور البلاغي الدقيق لا تكفي لأنها خاصية للألفاظ عن إمكان عزلها عن المعاني. د - قال السكاكي البلاغي (ت ٦٢٦ هـ) في «مفتاح العلوم»: اعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرن فيهما فيبدوا التناقض بين ذاتية إدراك الجمال وبين موضوعية الإدراك بالتعليم، والتدريب. هـ - قال حازم القرطاجني (ت ٦٨٤ هـ): أن الإعجاز فيه من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا توجد له فترة ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب، ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود ثم تعرض الفترات الإنسانية، فتقطع طيب الكلام ورونقه، وهي نفس فكرة عدم تفاوت نسج القرآن واستمرار كيفه في هذا الكم، وقد قال بها من قبل الباقلاني في إعجاز القرآن. ويري الزركشي أن الرأي قريب مما ذكره ابن الزملكاني وابن عطية. والنظم: وجسده عبد القادر الجرجاني المتوفي (٤٧١ هـ) في كتابه «دلائل الإعجاز». ثانيا: من الإعجاز العلمي للقرآن الكريم: ويتمثل هذا في رأي القائلين به، أن آيات القرآن تتوافق مع معطيات العلم، وكلما تقدم العلم كشف عن توافق بينه وبين آيات القرآن الكريم، ويستشهدون على هذا بما ورد في القرآن الكريم من إشارات علمية، أو بعبارة أصح من نسق إرشادي يتفق مع منجزات العلوم على نحو من الأنحاء من ذلك قولهم بأن الآية الكريمة

стр. 212

وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [يونس: ٦١]. تشير إلى حقيقة الذرة، وإلى كونها الجزء الذي لا يقبل التجزئة، وأنها الوحدة الصغرى الأولى كما يشير، وفق زعمهم، إلى قابليتها للانقسام. وفي مثل قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر: ٢٢] من أنه يشير إلى تدخل الرياح في تلقيح النباتات. وكذلك الآيات فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ [الطارق: ٥ - ٧]. ومثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ، وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: ٥] وكذلك قوله تعالى: فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: ٣٠] ومثل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩]. ومهما يكن من احتوائها على شيء يوافق العلم فلا بد من أن نلاحظ الآتي: ١ - إن هذه الآيات قد وردت في سياق الهداية لا في سياق التعليم، وتأمل بداياتها، فلينظر الإنسان - أولم ير الذين كفروا - لأن القرآن ليس كتابا متخصصا في علم من العلوم، فهدفه أكبر من ذلك وأشمل وإخراج الناس من الظلمات إلى النور لا يكون بإرشادهم في الكون بحقائق المعلوم ولا بمخاطبة عقولهم فقط، فمجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية ودوره أن يضع الإنسان في مكانه المناسب من التصور الصحيح للوجود على ضوء ارتباطه بخالقه. ٢ - يجب أن نتوقف في فهم هذه الآيات عند سياقها القرآني الذي وردت فيه، بالإضافة إلى دلالتها اللغوية الأولى التي ترتبط بحياة العرب، الذين تنزل فيهم القرآن أولا. ٣ - ربط القرآن بالعلم هو ربط حقيقة نهائية مطلقة تهدف إلى بناء الإنسان بناء متناعما مع إيقاع الكون ومع الطبيعة الإنسانية، حتى يتم بينهما تنتج عن المعرفة، أما العلم فحقائق قابلة للتعديل، وفق التجارب المستمرة، أدواتها، ظروفها، قدرات أصحابها، ومن الممكن أن تنهار في عصر مقبل الحقائق العلمية التي يقوم عليها

стр. 213

عصرنا، فماذا نفعل؟ سوى أن نحاول لوي النص القرآني، وأن نلح عليها بالتأويل المستمر للنصوص من أجل أن تفسر على مطابقة حقائق العلم، ونظرياته التي تتغير تغيرا مطردا. ويرجع الشهيد سيد قطب ﵀ في كتابه القيم «في ظلال القرآن» هذا الصنيع إلى: الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ونهائي في حقائقه، والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس وكل ما يصل إليه عن نهائي ولا مطلق لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة، وخلاصة الدافع لهذا القول أن خلطا بين طبيعة القرآن وبين طبيعة العلم ووظيفة كل منهما. ويكفي القرآن أنه احتوى على الأساس الفكري الذي يبنى عليه كل علم، وهو الدعوة إلى التفكير والتأمل والبحث وتحديد الموقع من العالم وإن كان في إطار هدفه الأسمى من هداية الإنسان وتحقيق إنسانيته الحقيقية، يقول تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]. ومثل قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الروم: ٨]. ومثل قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران: ٩٠، ٩١]. وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد: ٣] وقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١]. ويرفع مكانة العلماء كما في قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: ١١] وقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩١]، ويجعل العلم دعاء المؤمن إلى الله،

стр. 214

قال تعالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: ١١٤]، ويجعل العلم سبيلا إلى تقوى الله وخشيته قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٧، ٢٨]. ثالثا: من الإعجاز التشريعي: من الإعجاز التشريعي للقرآن الكريم في إيجاز نشير إلى: ١ - شموله. ٢ - توافقه مع الطبيعة البشرية. ٣ - صلاحيته للامتداد ليشمل كل ما سيحدث في الحياة من أمور وأقضية. ثم نشير إلى اتفاق العلماء على اختلاف طوائفهم في أن الإعجاز يشمل كل القرآن، وأن أقل قدر معجز منه هو السورة قصيرة كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة وإن كانت كسورة الكوثر فذلك معجز ويستدل على ذلك، بأنه تحداهم تحديا إلى السور كلها ولم يخص، ولم يأتوا بشيء منها، فعلم أن جميع ذلك معجز. انظر مذكرات في الدراسات الإسلامية. د/ عمر عبد الواحد. ٩ - في بيان بعض الأمور المحرم فعلها في القراءة وأحوال السلف الصالح عند ختم القرآن . - بعض الأمور المحرم فعلها في القراءة: مما تجب ملاحظته البعد عما ابتدعه القراء في هذه الأيام من أمور محرم فعلها في القراءة كعدم الاعتناء بتجويد الحروف، وعدم التحري في الابتداء والوقوف والتعسف أو الميوعة في أداء الحروف القرآنية، مما يؤدي إلى خروج الحروف من غير مخرجها، وعدم اتصافه بالصفات اللازمة له وانصراف القارئ عن العناية بلفظ القرآن ومعناه حين قراءته أمام الناس إلى العناية بالأنغام والتطريب، بل وينقل بعض أنغام الأغاني الخليعة إلى ما يقرؤه من القرآن ليستجلب رضى المخلوقين عنه دون الخالق، وظهوره في بعض الأحوال في قراءته بمظهر الخاشع الحزين بقصد الرياء أو مدح الناس له، وترقيصه المدود والغنن وتلاعبه فيها مما يؤدي إلى نقصها أو زيادتها

стр. 215

عن القدر المقرر لها في التجويد وادعائه العلم بروايات غير حفص وقراءته بها خطأ دون تلقي ولا توقيف، وتنفسه أثناء القراءة متدرعا بالسكنات الواردة في بعض الروايات، وجمع بعض الروايات للآية الواحدة أو الجزء منها دون تنفس بين الرواية والأخرى، ومن البدع المحرمة في القراءة أيضا قراءة بعض الناس مجتمعين لشيء من القرآن بصوت واحد كما يحدث في المقابر وبعض المساجد لما يؤدي إليه ذلك من بدء أحدهم بجزء من الآية وإكمال الآخر لها الأمر الذي يتنافى مع قدسية القرآن وجلاله. - أحوال السلف الصالح عند ختم القرآن: كان بعض السلف الصالح إذا ختم القرآن أمسك عن الدعاء اكتفاء بما في القرآن منه ولجأ إلى الاستغفار مع الخجل والحياء اعترافا بالتقصير وخوفا من الله. ومنهم من كان إذا ختم القرآن أردف الختام مباشرة بقراءة فاتحة الكتاب وأول البقرة حتى قوله تعالى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ رجاء أن يكون مثلهم ومنهم من كان إذا ختم القرآن دعا بما شاء من الأدعية، أو بالدعاء المأثور عن النبي ﷺ بعد ختم القرآن، وهو: «اللهم إنا عبيدك، وأبناء عبيدك، وأبناء إمائك، ناصيتنا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وشفاء صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وسائقنا وقائدنا إليك، وإلى جناتك جنات النعيم، ودارك دار السلام، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعله لنا شفاء وهدى، وإماما ورحمة، وارزقنا تلاوته على النحو الذي يرضيك عنا، ولا تجعل لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا عدوا إلا كفيته، ولا غائبا إلا رددته، ولا عاصيا إلا عصمته، ولا فاسدا إلا أصلحته ولا ميتا إلا رحمته ولا عيبا إلا سترته، ولا عسيرا إلا يسرته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضى ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها في يسر منك وعافية يا أرحم الراحمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انظر كتاب «العميد» الخاتمة.
следующие страницы →