← Книги сунны

Книги сунны · id 37618

المطالب العالية محققا

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (21 641 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

- عبد الله بن عبد المؤمن الأرحبي. - عبد الله بن عمران الأصبهاني. - عثمان بن أبي شيبة. - علي بن المديني. - عمرو بن علي الفلاس. - محمد بن إبراهيم الخزاعي. - محمد بن أسد الأصبهاني -وهو آخرهم موتًا-. - محمد بن بشار (بندار). - محمد بن بكار الزبيري. - محمد بن أبي بكر المقدمي. - محمد بن حفص القطان. - محمد بن حميد بن جرير. - محمد بن حميد بن حبان التميمي. - محمد بن رافع القشيري. - محمد بن سعد (صاحب الطبقات)، - محمد بن علي المروزي. - محمد بن علي الرقي. - محمد بن فراس الضبعي. - محمد بن المثنى العنزي. - محمد بن المنهال التميمي. - محمد بن موسى الحشري. - محمد بن يحيى الذهلي. - محمد بن يزيد بن عبد الملك.

стр. 177

- محمد بن يونس القرشي. - محمود بن غيلان. - مؤمل بن إهاب العجلي. - النعمان بن عبد السلام. - نعيم بن حماد الخزاعي. - هارون بن سليمان. - يحيى بن حكيم المقومي. - يحيى بن موسى الحداني. - يحيى بن النضر الأصبهاني. - يعقوب الدورقي. - يونس بن حبيب الأصبهاني. - أبو سلمة التبوذكي. - أبو مسعود الرازي. وأخيرًا، فمثل هذه القطوف الدانية، والثمرات اليانعة لتعطي صورة مصغرة عن قدر شيوخهم -غالبًا- فإن الكبار لا يعولون في الجملة إلَاّ على الكبار، ولا يرحلون إلَاّ لمن هو أهل لذلك. المطلب الخامس وفاته توفي ﵀ في أوائل سنة أربع ومائتين في صفر، أو ربيع الأول، وقد جاوز السبعين، فقيل كان ابن إحدى وسبعين، وقيل اثنتين وسبعين، وقد وهم محمد بن يونس القرشي حين قال: مات سنة أربع عشرة ومائتين، ولذا قال الخطيب: هذا القول خطأ لا شك فيه. * * *

стр. 178

المبحث الثاني مكانته العلمية المطلب الأول عقيدته كان أبو داود ﵀ حسن الاعتقاد، من أهل السنة والجماعة، حيث لم يجرح في عقيدته، بل قال هو وابن عيينة -رحمهما الله-: حدثنا زائدة، وكان لا يحدث قدريًا ولا صاحب بدعة (١). فدل ذلك على أنه لو لم يكن حسن الاعتقاد ما حدثه زائدة وهذه من الأمور التي اختص بها زائدة ﵀ مع عدد من الأئمة كأحمد وغيره. المطلب الثاني منزلته بين العلماء سبق في نشأته وطلبه العلم أنه اجتهد ونشط في جمع الحديث حتى بلغ فيه درجة الحافظ، وهي درجة لا يبلغها إلَاّ النوادر، ولا غرو في ذلك، فقد قال يونس بن حبيب العجلي: قدم علينا أبو داود وأملى علينا من حفظه مائة ألف حديث. أخطأ في سبعين موضعًا، فلما رجع إلى البصرة كتب إلينا بأني أخطات في سبعين موضعأ فأصلحوه.

стр. 179

قلت: هذا يدل على قوة حفظه حيث أدرك هذا الخطأ القليل في هذا الجم الغفير، وعلى تواضعه وصلاحه حيث رجع إلى الحق ولم يتماد في الزلل. ويقول ﵀ عن نفسه: أسرد ثلاثين ألف حديث ولا فخر، وفي صدري اثنا عشر ألفًا لعثمان البري ما سألني عنها أحد من أهل البصرة، فخرجت إلى أصبهان فبثثتها فيهم. وقال ابن المديني: ما رأيت أحفظ من أبي داود. وقال بندار: ما بكيت على أحد من المحدثين ما بكيت على أبي داود، قيل له: كيف؟ قال: لِما كان من حفظه، ومعرفته، وحسن مذاكرته، وقال الفلاس: ما رأيت في المحدثين أحفظ من أبي داود. قال الذهبي معقبًا على ذلك: قلت: قال هذا وقد صحب يحيى القطان وابن مهدي، ورافق ابن المديني. وقال وكيع: أبو داود جبل العلم، وقال أيضًا: ما بقي أحد أحفظ لحديث طويل من أبي داود، فذكر ذلك لأبي داود فقال: قل له: ولا قصير. وهذا الإمام قد توارد الجماهير على ثقته وإتقانه، وإمامته وجلالته، وجملة ما تكلم فيه فليس بقادح، ويمكن إيجاز ما قيل فيه في ثلاثة أمور: ١ - وقوع الخطأ في حديثه: ذكر إبراهيم الجوهري أنه أخطأ في ألف حديث، وقال أبو حاتم: كان كثير الخطأ. أما قول الجوهري فقد قال عنه الذهبي: هذا قاله إبرهيم على سبيل المبالغة، ولو أخطأ في سبع هذا لضعفوه. وأما قول أبي حاتم ففيه نظر، لأنه جعل أبا داود أحفظ من أبي أحمد

стр. 180

الزبيري، وأبو أحمد ثقة ثبت (١) عند الأئمة، فلعله قال تلك المقالة قبل أن يسبر عدد ما روى أبو داود، ثم لما تبين له كثرة حديثه عرف أن هذا القدر من الخطأ لا يمثل نسبة معتبرة للقدح. وعلى كل حال فإن ما أخطأ فيه أبو داود -وهو نحو سبعين حديثًا- كان سببه اعتماده على الحفظ (٢)، وقد احتمل الأئمة منه ذلك كما احتملوا من غيره، قال أبو داود السجستاني: ما أحد من المحدثين إلَاّ قد أخطأ، إلَاّ إسماعيل ابن علية وبشر بن المفضل (٣). قال أحمد بن الفرات: ما رأيت أحدًا أكثر في شعبة من أبي داود، وسألت أحمد عنه فقال: ثقة صدوق، قلت: إنه يخطئ، قال: يحتمل له. ٢ - عدم إخراج البخاري لحديثه: وهذا لا يحط من قدر هذا الإمام، وليس بغريب من البخاري مثل هذا، لأن لديه بعض الاعتبارات التي تبين سبب ذلك، مثل علو الإسناد، والاختصار، وغير ذلك، ولذا ذكر الذهبي أن البخاري سمع عدة من أقران أبي داود فما احتاج إليه. ولإيضاح الصورة أكثر خذ هذين المثالين: (أ) هل ما رواه البخاري عن الإمام أحمد في صحيحه يتناسب مع جلالة هذا الجهبذ وسعة روايته، مع أنه ملأ صحيحه من الرواية عن أقرانه الذين هم أقل قدرًا منه كابن المديني ومسدد وغيرهما. (ب) بل أهم من المثال الأول، الإمام الشافعي ﵀ لم يخرج

стр. 181

له البخاري، حتى ولا مسلم في صحيحيهما، فماذا عسى أن يصنع هذا في جلالة هذا الإمام التي استفاضت واشتهرت للأمة إلى يومنا هذا، ولمزيد من الِإيضاح انظر ما قاله الخطيب ﵀ عن ذلك (١) ففيه الدواء الشافي، والله المستعان. ٣ - وصفه بالتدليس: وأصل ذلك قول لابن المنهال وعلى تقدير اعتباره فقد احتمل الأئمة تدليسه كما احتملوا لغيره من الأئمة كالزهري وغيره، ولذا ذكره الحافظ في المرتبة الثانية (٢). وأختم هذا البحث بقول لابن عدي ﵀ حيث قال: وأبو داود الطيالسي له حديث كثير عن شعبة وعن غيره من شيوخه، وكان في أيامه أحفظ من بالبصرة، مقدم على أقرانه لحفظه ومعرفته، وما أدري لأي معنى قال فيه ابن المنهال ما قال، فهو كما قال عمرو بن علي: ثقة، فإذا جاوزت في أصحاب شعبة معاذ بن معاذ وخالد بن الحارث ويحيى القطان وغندر، فأبو داود خامسهم، وقد حدث بأصبهان كما حكى عنه بندار أحدًا وأربعين ألف حديث ابتداءً، وإنما أراد به من حفظه، وله أحاديث يرفعها وليس بعجب ممن يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطئ في أحاديث منها، يرفع أحاديث لا يرفعها غيره، ويوصل أحاديث، يرسلها غيره، وإنما أتي ذلك من حفظه، وما ينجو من ذلك حفظه، وما أبو داود عندي وعند غيري إلَاّ متيقظ ثبت. اهـ. * * *

стр. 182

المبحث الثالث مسنده تقدَّم معنى المسند والمراد به عند مسند مسدد، وبين يديك الآن وصف إجمالي لمسند أبي داود ﵀، وأهم ما خدم به: (أ) وصفه: يعتبر هذا المسند من مشاهير كتب السنة، نظرًا لجلالة صاحبه وعلو إسناده، وكثرة الصحابة المذكورين فيه، إلَاّ أنه مع ذلك يعد من المسانيد المتوسطة فليس مثل مسند أحمد، وبقي بن مخلد، وابن أبي عاصم (١)، وغيرها من المسانيد الكبيرة، ولا مثل منتخب عبد بن حميد أو مسند الحميدي. وتبلغ أحاديثه بالمكرر (٢٧٦٧) (٢). لكن مما ينبغي أن يعلم أن هذا المسند ليس من تأليف أبي داود نفسه، بل ذكر الأئمة أن الذي صنفه هو تلميذه يونس بن حبيب (٣) -المذكور قبل قليل-، وقيل بل جمعه ليونس أبو مسعود الرازي (٤).

стр. 183

(ب) أهم ما خدم به: ١ - ترتيبه: على الموضوعات: وقد قام بذلك الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا، الشهير بالساعاتي، في كتابه المسمى (منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود) وقد رتبه على أبواب الجوامع، على غرار ترتيبه لمسند الإمام أحمد في كتابه المسمى (الفتح الرباني) (١)، غير أن على عمله هذا ﵀ ملاحظات أهمها إدراجه لمسانيد ثمانية من الصحابة في مسند أبي داود أخذها من مسند أحمد، معللًا ذلك بأنها سقطت من النسختين اللتين اعتمد عليهما (٢)، وهذا العمل وإن كان نبه عليه في المقدمة، وأشار إلى ذلك عند كل حديث، فهو أمر لا يجوز علميًا. ترتيبه: على حروف الهجاء: وهو عبارة عن فهرس يذكر بداية الحديث والأثر سواء كان قوليًا أو فعليًا مع ذكر اسم الراوي، ورقم الحديث أو الأثر، وقد قام بهذا العمل أبو عبد الله سعد المزعل في كتابه المسمى (ترتيب أطراف أحاديث مسند الطيالسي). ٢ - ذكر أطرافه: وقد قام بذلك الحافظ البوصيري ﵀ (ت ٨٤٠هـ) في كتابه المسمى (أطراف المسانيد العشرة) يريد بها مسند الطيالسي والحميدي ومسدد والعدني وإسحاق وأبي بكر بن أبي شيبة وابن منيع وعبد بن حميد والحارث وأبي يعلى (٣). وكتب الأطراف: هي التي يقتصر فيها على ذكر طرف أول الحديث الدال على بقيته مع الجمع لأسانيده (٤). وغالبًا ما يكون ترتيب الأطراف بحسب اسم

стр. 184

الصحابي أو راوي الحديث. ٣ - استخراج زوائده: مضى ذكر المراد بالزوائد عند الكلام على مؤلفات ابن حجر ﵀ وقد قام باستخراج. زوائد مسند أبي داود كل من: الحافظ البوصيري في كتابه (إتحاف الخيرة المهرة، بزوائد المسانيد العشرة) يعني بذلك المسانيد المذكورة آنفًا في كتابه الأطراف، وسيأتي الكلام على منهجه عند المقارنة بكتاب الحافظ ابن حجر -الآتي اسمه- بعد هذا المبحث إن شاء الله. الحافظ ابن حجر في كتابه (المطالب العالية) وهو كتابنا هذا، وقد مضى الكلام عليه في أول الفصل. ٤ - استخراج ثلاثياته: تقدم المراد بالثلاثيات عند الكلام على ثلاثيات مسند مسدد. وقد قام باستخراج ثلاثيات أبي داود مؤلف لم يعرف اسمه بسبب السقط في أول الكتاب، إلَاّ أن لبقيته صورة ميكروفيلمية برقم (٦٤٣٨) في قسم المخطوطات بالمكتبة المركزية لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (١). * * *

стр. 185

الفصل الثالث التعريف بالإمام أبي يعلى الموصلي وبمسنده (١) ويحتوي على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: لمحة موجزة عن مؤلف المسند: وفيه مطلبان: المطلب الأول: اسمه ونسبه، ونسبته، وكنيته. المطلب الثاني: مولده ونشأته ومنزلته. المبحث الثاني: مسنده: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: رواياته. المطلب الثاني: أهم ما يلحظ في منهج أبي يعلى في المسند. المطلب الثالث: أهم ما خدم به.

стр. 186

المبحث الثالث: زوائد مسند أبي يعلى في المطالب: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: عددها ونوعها ونسبة المقبول والمردود. المطلب الثاني: طريقة الحافظ في سياق زوائد أبي يعلى. المطلب الثالث: شرطه في هذه الزوائد ومدى التزامه به من حيث وجود الأحاديث أو عدمه.

стр. 187

المبحث الأول لمحة موجزة عن مؤلف المسند (١) المطلب الأول اسمه ونسبه ونسبته وكنيته (٢) هو: أحمد بن علي بن المُثنى بن يحيى بن عيسى بن هِلَال التميمي المَوصِلي، كنيته: أبو يعلى وقد اشتهر بها أكثر من اسمه. عاش في بلدة الموصل وإليها ينسب، وهي مدينة عظيمة مشهورة تعتبر إحدى قواعد بلاد الإسلام، ومحط رحال الركبان لتوسطها في الموقع، وسميت

стр. 188

الموصل لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق (١)، شهدت الموصل حركة علمية كبيرة وخَرجَت عددًا من العلماء كان من بينهم أبو يعلى ﵀. المطلب الثاني مولده ونشأته ومنزلته ولد في شهر شوال سنة عشر ومائتين بالموصل. ونشأ نشأة علم وصلاح تحت رعاية والده علي بن المثنى، وبعناية خاله محمد بن أحمد بن المثنى. وكان ﵀ ذا همة عالية، بدأ الرحلة في حداثة سنه، إذ كان عمره خمس عشرة سنة، ولقي الأئمة الكبار وسمع منهم، وواصل الرحلة والطلب وكان ذكيًا حريصًا. روى عن أحمد بْنِ مَنِيعٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ويحيى بن معين، وغيرهم كثير. وروى عنه: ابن حبان، وابن عدي، وابن السني، والطبراني، وأبو عمرو بن حمدان الحيري، وأبو بكر محمد بن إبراهيم المقرئ، وخلق كثير. رحل إلى بغداد، والبصرة، وعبادان، وغيرها، واسْتَقَرَّ أخِيرًا في بلده الموصل عالمًا بالحديث حافظًا يرحل إليه ويسمع منه. حتى قال أبو عبد الله بن منده له: (إنما رحلت إليك لإجماع أهل العصر على ثقتك وإتقانك) (٢). اهـ.

стр. 189

وقال الذهبي: (وانتهى إليه علو الإسناد، وازدحم عليه أصحاب الحديث، وعاش سبعًا وتسعين سنة) (١). اهـ، وقال الحافظ ابن كثير: (كان حافظًا خيرًا حسن التصنيف عدلًا فيما يرويه ضابطًا لما يحدث به) (٢). اهـ. صنف المسند الكبير، ومعجم الشيوخ، والمفاريد، وغيرها. وتوفي ﵀ سنة (٣٠٧ هـ). * * *

стр. 190

المبحث الثاني مسنده تقدَّم أن المسند من الكتب الحديثية التي يكون ترتيب الأحاديث فيها بناء على وحدة الراوي ويكون ترتيب مسانيد الصحابة فيه بحسب أولويات يراها صاحب المسند ولا ينظر في الغالب إلى صحة الأحاديث أو ضعفها بل يجمع المصنف كل ما وصله عن الصحابي، والمسانيد مع هذا تتفاوت في الحجم ومقدار المرويات (١). ومسند أبي يعلى من جملة المسانيد التي صنفت بهذا الشكل، وهو كبير. (قال أبو سعد السمعاني: سمعت إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الحافظ يقول: قرأت المسانيد كمسند العدني، ومسند أحمد بن منيع، وهي كالأنهار، ومسند أبي يعلى كالبحر يكون مجتمع الأنهار) (٢). اهـ. وحول نسبته له لا يتطرق احتمال الشك أبدًا، بل هو من أول ما عرف به، أبو يعلى ﵀.

стр. 191

المطلب الأول روايات المسند لمسند أبي يعلى روايتين: الأولى: عند أهل أصبهان من طريق أبي بكر محمد بن إبراهيم المقرئ (١) عنه، وهي الرواية المطولة، ويسميها بعضهم "المسند الكبير". الثانية: من رواية أبي عمرو محمد بن أحمد بن حمدان الحيري (٢)، عنه وهي مختصرة، ويسميها بعضهم "المسند الصغير". وبالرغم من أن المسند في الرواية الثانية قيل فيه: "إنه مختصر، وأطلق عليه المسند الصغير"، إلَاّ أن هذا إنما هو بالنظر إلى الرواية المطولة للمسند، أما بالنسبة لغيره من المسانيد، فإنه على الرواية المختصرة يعتبر من جملة المسانيد الكبار. وهذه الرواية المختصرة هي الموجودة الآن، وقد حظيت بجهودِ عدةِ من التحقيق والتعليق. في حين أن الرواية المطولة ظلت معروفة إلى عصر الحافظ ابن حجر ووقعت له بإسناده إلى أبي يعلى (٣)، ثم اختفت بعد ذلك.

стр. 192

المطلب الثاني أهم ما يلحظ في مسند أبي يعلى (١) * لم يذكر المصنف مقدمة له فيه يبين فيها موضوعه، وطريقة ترتيبه، ومنهجه الذي يسير عليه، ودرجة أحاديثه، ونوعها، ووجود المكرر، وغير ذلك مما يحتاج القارىء إلى معرفته * لم يختلف مسنده عن كتب المسانيد في منهجها العام، فقد صنف كتابه على مسانيد الصحابة، بجمع أحاديث كل صحابي ولو اختلفت موضوعاتها، فيذكر الحديث مرويًا بسنده، ثم يذكر الذي بعده، وهكذا دون ذكر لدرجة الحديث أو حكم على أحد الرواة، أو تعليق على المتن، أو غير ذلك. * لم يلتزم أبو يعلى ترتيبًا معينًا للمسانيد كأن يرتبها على حروف المعجم، أو على السابقة في الإسلام، أو على القبائل، أو نحو ذلك، فليس له قاعدة منضبطة في ذلك إذ بدأ بمسند أبي بكر، ثم عمر، ثم علي (٢)، ثم بقية العشرة ما عدا سعيد ابن زيد، فقد آخره إلى أن ذكر عدة مسانيد، وانتهى الكتاب بمسند سهل بن سعد. * لم يلتزم أثناء عرض مسند الصحابي طريقة معينة كأن يرتب على حروف المعجم أو على حسب الرواة عن الصحابي أو يجمع الحديث الواحد بطرقه المتعددة، أو غيرها.

стр. 193

وقد يرتب على التابعي في المسانيد الكبار كمسند أنس لكنه ليس منضبطًا أيضًا. وقد يأتي بأحاديث في غير مكانها وفي غير مسانيدها إما لغرض الاستشهاد (١)، أو لا يكون هناك غرض واضح. * غلب على طريقته ذكر جميع الإسناد حتى لوكان مكررًا، لكنه يختصره أحيانًا فلا يذكر إلَاّ الصحابي فقط أو من قبله، ويشير إلى أنه مكرر في الذي قبله بواو العطف فيقول مثلًا: وبه عن فلان، أو: عن فلان. أو يختصره بذكر شيخه ثم يقول: بنحوه أي بنحو الإسناد السابق، لكنه قليل. * الغالب من منهجه ذكر المتن كاملًا ولو كان مكررًا، وقد يختصر بعضه أو كله أحيانًا لكنه قليل. * من خصائص مسنده تعدد طرق الحديث، وقد يكرر طرقه فتصل إلى عشرة وليس بينها اختلاف يذكر، حتى إنه أحيانًا لا يختلف إلَاّ شيخه فقط وقد يكرر الحديث بسنده ومتنه، ولا يذكرها متتابعة في الغالب بل تكون مفرقة في ثنايا المسند. * تضمن مسنده إضافة إلى الأحاديث المرفوعة موقوفات، ومراسيل، وأحاديث منقطعة. المطلب الثالث أهم ما خدم به نظرًا لما لمسند أبي يعلى من أهمية كبيرة لا سيما احتوائه على أحاديث ليست في شيء من الكتب الستة، فقد كثر النقل عنه كما تطالع هذا في كتب تلاميذه ومنهم ابن عدي في الكامل، ويقدر الأستاذ حسين أسد أن سُبْع صحيح

стр. 194

ابن حبان تقريبًا جاء من طريق شيخه أبي يعلى، ونقلت عنه المصادر الثانوية أيضًا كـ"الترغيب والترهيب" للمنذري، و "الجامع الصغير" للسيوطي، و "كنز العمال"، وعدد من كتب الصحابة. ومع أن ما سبق كان نقولًا جزئية ليست على نظام معين ومنهج واضح في النقل عنه، أو العزو إليه، إلَاّ أنها بكل حال تعطينا صورة واضحة عما لهذا الكتاب ولمؤلفه من قيمة. وفي أواخر القرن الثامن: طالعتنا جهود الحفاظ الثلاثة شيوخ مدرسة الزوائد: الهيثمي، وابن حجر، والبوصيري، وعلى أيديهم أخذت العناية بهذا المسند منهجًا واضحًا فجردوا زوائده إمّا استقلالًا كما فعل الهيثمي في المقصد العلي، أو مع غيره كما فعل الهيثمي أيضًا، وابن حجر، والبوصيري. وإليك بيان ذلك عن طريق عرض ما صنف في زوائده: ١ - المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي: ألفه الحافظ نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ)، وهو كتاب مستقل جَرّد فيه الهيثمي زوائد مسند أبي يعلى على الكتب الستة لما رأى من قيمته، قال في مقدمته له: (... فقد نظرت مسند الإمام أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي ﵁ فرأيت فيه فوائد غزيرة، لا يفطن لها كثير من الناس فعزمت على جمعها على أبواب الفقه لكي يسهل الكشف عنها لنفسي ولمن أراد ذلك، وسميته "المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي" ...) (١). اهـ. ويمكن أن يستنتج من مقدمته: * أنه استخرج زوائد مسند أبي يعلى على الكتب الستة فقط.

стр. 195

* أن شرطه في الزوائد، أن يكون مما تفرد به أبو يعلى من حديث بتمامه. أو شاركهم فيه أو بعضهم وفيه زيادة، فيقول: "أخرجه فلان خلا قوله كذا"، أو "لم أره بتمامه عند أحد منهم" أو نحو هذا القول. * إذا اختصر أبو يعلى الحديث بأن قال: "فذكره، أو فذكر نحوه" فإن الهيثمي يضع قبل ذلك: "قال" فتكون: "قال: فذكره ... " وما كان من ذلك ليس فيه، قال: فهو من كلامه هو وليس من كلام أبي يعلى. * أنه يورد من زوائد أبي يعلى ما رواه البخاري تعليقًا، وما رواه النسائي في "الكبرى" دون "الصغرى". * أنه وقع له مسند العشرة من المسند الكبير لأبي يعلى فأورد زوائده وميزها بالحرف "ك" قبل الحديث. * بدأ بكتاب الإيمان، وختم بكتاب الزهد، وقسم كل كتاب إلى أبواب ترجم لها وذكر تحت كل باب ما يتعلق به من الأحاديث الزوائد. * بلغ عدد الأحاديث الزوائد فيه قرابة (ألفين وأربعمائة حديث) (١). ٢ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: هذا الكتاب هو أول دواوين الزوائد بلا ريب، وفائدته عظيمة، فقد تقدم (٢) أنه جمع زوائد ستة كتب هي (مسند الإمام أحمد، والبزار، وأبي يعلى، ومعاجم الطبراني الثلاثة) على الكتب الستة الأصول، مجردة الأسانيد وقد تقدم التعريف بهذا الكتاب، وأذكر هنا أن زوائد أبي يعلى التي في "المجمع" هي للرواية المختصرة أو كما تسمى المسند الصغير، وهو مجرد من

стр. 196

الأسانيد ضمنه الهيثمي أحكامًا على الرجال والأحاديث (١)، على ما تقدم في التعريف به (٢). ٣ - "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية": مسندة، ومجردة كما تقدم بيان هذا، والرواية المطولة لمسند أبي يعلى قد وقعت للحافظ كاملة، وتقدم أنه قال بأنه سيستخرج منها ما زاد على نسخة الهيثمي التي أودع زوائدها على الستة في "مجمع الزوائد" فما زاد عنها وعلى الأصول السبعة، فإنه سيودعه في كتاب المطالب. ٤ - إتحاف السادة الخيرة بزوائد المسانيد العشرة: مسندة، ومجردة، جرده البوصيري نفسه، وفيه ضمن هذه المسانيد مسند أبي يعلى، ويلاحظ أنه يورد زوائد من المسند الكبير لأبي يعلى كما يفعل الحافظ ابن حجر، لكن الحافظ ابن حجر يفترق عنه في ترك بعض ما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد في حين أن البوصيري -علي ما يظهر- ذكرها كلها ويذكر أيضًا ما كان فيها وإن كان في مسند أحمد. * * *

стр. 197

المبحث الثالث زوائد مسند أبي يعلى في كتاب المطالب المطلب الأول عددها، ونوعها، ونسبة المقبول والمردود (١) بلغ إجمالي عدد زوائد أبي يعلى في كتابًا "المطالب": (١٥٨٠) حديث فهو أكبر المسانيد العشرة. وأكثرها من حيث عدد الزوائد. وقد بلغ عدد زوائده في الجزء الرابع (٦٣) حديثًا، من أصل (٢٥١)، أي بنسبة (٢٥%)، وتكون النسبة الباقية للمسانيد التسعة الأخرى. - وتميزت زوائده بأن أغلبها مرفوعة، فبلغ عدد الأحاديث المرفوعة (٥٨) حديثًا، أي بنسبة (٩٢%) من زوائده، والباقي آثار موقوفة، وليس في هذا القسم ثلاثيات. - كما تميزت بأن أغلبها من المقبول المحتج به وهو دائر بين الحسن والصحة، وأغلبها من قبيل الحسن لغيره، وإليك بيان عددها ونسبتها من عدد زوائده في القسم المحقق.

стр. 198

بلغ عدد الصحيح لذاته (٧) أحاديث (١)، أي بنسبة (١١%). والصحيح لغيره (١٠) أحاديث (٢)، أي بنسبة (١٦%). والحسن لغيره (٣٢) حديثًا، أي بنسبة (٧. ٥٠%). ولم أذكر الحسن لذاته، ولا الضعيف المنجبر: لأني اعتبرت ما آل إليه الحديث واستقر عليه، لا ما كان عليه، فصار إما صحيحًا لغيره، أو حسنًا لغيره. وبلغ عدد الضعيف الذي لم يعتضد (٧) أحاديث (٣)، أي بنسبة (١١%). والأحاديث شديدة الضعف (٨) أحاديث (٤)، أي بنسبة (٧, ١٢%)، تقريبًا، وهذه قد يكون لها أصل ثابت إلَاّ أنها من طريق أبي يعلى شديدة الضعف. المطلب الثاني طريقة الحافظ في سياق زوائد أبي يعلى لا تختلف عما ذكر في منهج الحافظ العام في سياق المتون والأسانيد، والشواهد والمتابعات، فإن عامة ما قيل هناك يشمل زوائد أبي يعلى أيضًا. ويلاحظ أنه ينص أحيانًا على زيادة رواية المقرئ فيقول: (وقال أبو بكر المقري في زيادات مسند أبي يعلى: حدثنا (٥) ...). - كما يلاحظ أنه ﵀ يحافظ على الفوائد التي تتضمن حكمًا

стр. 199

على الحديث أو بيانًا للرفع والوقف، من أبي يعلى، أو من أحد شيوخه فيذكرها (١). - وقد يورد الحديث بإسنادين عند أبي يعلى فيسوق الأول، ثم يعطف الثاني عليه قائلًا، وبه إلى فلان، ثم يسوقه ابتداء من نقطة التغاير، وحدث أن أحال مرة بهذه الطريقة فكان الأمر ملتبسًا بعض الشيء لاتحاد نسبة الأب والابن ووجودهما في الإسناد الثاني معًا، في حين وجد الابن فقط في الإسناد الأول، فكان الأولى أن يقول وبه إلى فلان، عن أبيه، أو أن يقول وبه إلى فلان ويسمى الأب (٢). المطلب الثالث شرطه في هذه الزوائد ومدى التزامه به مما نخلص إليه فيما يتعلق باستخراج زوائد مسند أبي يعلى: * أن الهيثمي ﵀ اقتصر في "مجمع الزوائد" على الرواية المختصرة للمسند فاستخرج زوائدها على الستة. * أنه لم يقع له من المطولة سوى مسند العشرة، فألحقه في "المقصد العلي" وميزه بالحرف (ك). * أن الحافظ قد وقعت له المطولة كاملة، وجرد زوائدها على المختصرة، وزوائدها على الكتب الستة ومسند أحمد، فما زاد عن هذا كله جعله في كتاب المطالب، ومعنى هذا أنه لن يورد ما أورده الهيثمي في المجمع، ولا المقصد إلَاّ ما كان في المقصد من مسند العشرة وليس في المختصرة.

стр. 200

والملاحظ في منهجهما -رحمهما الله- عند التطبيق هو التوسع وتجاوز هذا الشرط، وسيكون التركيز هنا على شرط الحافظ، فيتبين ما ذكرته من التوسع فيما يأتي: أولًا- حيث الوجود: * توجد أحاديث في المطالب، والمقصد، والمسند والمجمع: فتكون في هذه الكتب الأربعة كلها بالطريق نفسه، ويوردها الحافظ مع تعدد إيراد شيخه الهيثمي لها، ومع وجودها في النسخة المختصرة من المسند، وعددها (٢٥) من جملة (٦٣) حديثًا. إلَاّ أنه قد يعتذر للحافظ عن ذلك: - فمثلًا عند تخريجي لرقم (٥٥٩)، وقفت على إسناد للحافظ في هذا الحديث وذلك في أماليه في تخريج الأذكار، المسمى: "نتائج الأفكار" وصرح فيه أنه وقع له عاليًا، فربما أنه أورده لهذا السبب. - ورقم (٦٦٨): اشتمل سياقه عند أبي يعلى على تنبيه على وهم في رفع الحديث خلا من هذا التنبيه طريق أحمد بن منيع الذي سبقه، فربما أنه ساقه لهذا السبب. - ورقم (٧٠٤): هو في مسند أبي يعلى من طريقين الأول من طريق شيخه أبي بكر ابن أبي شيبة، وهذا لم يورده الحافظ لأنه ساقه زائدًا من مسند أبي بكر، وأورد الطريق الثاني وفيه زيادة في "المتن" هامة، فربما أنه أورده لوجودها وذلك لاهتمامه بفقه المتون، والحديث موجود في "المجمع" إلَاّ أن هذه الزيادة ليست فيه. أما الباقي وعدده (٢٢) حديثًا فلم يظهر لي وجه إيراد الحافظ له مع وجوده في المسند، وكتابَي الهيثمي.

стр. 201

* كما توجد أحاديث في المسند، والمجمع، وهو مع هذا يذكرها في المطالب: بل وربما وجد بعضها في المقصد لكني لم أقف عليه لعدم تتبعي له في جميع المواضع المحتملة لا سيما وأن الإشكال قائم حتى مع وجودها فيه، وعددها (١٢). ثانيًا- من حيث عدم ذكرها في بعض الكتب: * توجد أحاديث في المطالب، والمجمع، ولم أقف عليها في المسند: فيستشكل هنا إيراد الهيثمي لها في المجمع: وهي: ح (٤٦١) من مسند عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄. ح (٥٧٢) من مسند أبي الدرداء ﵁. ح (٥٨٩) من مسند سمرة بن جندب ﵁. ح (٦٤١) من مسند عبد الله بن أبي أوفى ﵁. وربما وجدت أيضًا في المقصد مثل: ح (٥٩٣) من مسند أنس ﵁. * كما توجد أحاديث في المطالب، والمسند، ولم أقف عليها في المجمع وهي (٦٠٩، ٦٩٨). وهذه ربما أنها مما فات الهيثمي ﵀، استدركه الحافظ هنا في المطالب، مع كونه من الرواية المختصرة. * توجد أحاديث في المسند، والمقصد، ولم أقف عليها في المجمع، ويذكرها الحافظ في المطالب: وهي (٤٥٨، ٦٧٢)، والأخير من مسند مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ وليس من العشرة.

стр. 202

* وأحاديث في المقصد، ولم أقف عليها في المسند، ولا في المجمع، ويوردها الحافظ في المطالب: وهي (٤٧٨، ٦٠٠)، والثاني من مسند عمر بن الخطاب ﵁ لكن الأول من حديث عمرو بن حريث، ومع ذلك ذكره فربما أن السبب هو كونه فات الهيثمي في المجمع. * وأخيرًا: هناك أحاديث يظهر أنها مما تفردت به النسخة المطولة عن المختصرة وهي إما أن تكون من مسند يكون كله زائدًا كمسند "شهاب بن المجنون" ﵁ ح (٥٢٤)، وإما أن يكون المسند موجودًا، لكن الحديث زائد كحديث البراء ورقمه (٥٣٨). وبلغ عددها (١٤) حديثًا. لكنها في الحقيقة لا تقارن من حيث الكثرة، بما توارد هو والهيثمي على ذكره وعدده على الأقل (٤٩) حديثًا. - مما يدل على أن الحافظ ﵀ توسع في إيراد زوائد مسند أبي يعلى، ولم يقتصر على زوائد النسخة المطولة، بل استخرج أحاديث زوائد موجودة في المختصرة، وفي قليل منها وجدت ما يمكن أن يكون سببًا لذكرها، أما الباقي فلم يظهر لي وجه ذلك، إلَاّ أن تكون وقعت للحافظ من طريق آخر ينتهي إلى ابن حمدان لكنه عال، وهذا في الحقيقة لا يعدو أن يكون احتمالًا وافتراضًا ليس لدينا ما يثبته بطريقة قطعية فالله أعلم. * * *

стр. 203

الفصل الرابع التعريف بالإمام محمد بن أبي عمر العدني وبمسنده (١) ويشمل مبحثين: المبحث الأول: ترجمة المؤلف: وفيه أحد عشر مطلبًا: المطلب الأول: لمحة عن الحالة السياسية والاجتماعية، والعلمية في عصره. المطلب الثاني: مولد ابن أبي عمر العدني. المطلب الثالث: اسمه ونسبه ونسبته وكنيته. المطلب الرابع: نشأته وطلبه للعلم. المطلب الخامس: رحلته. المطلب السادس: شيوخه. المطلب السابع: تلاميذه.

стр. 204

المطلب الثامن: رأي الأئمة فيه، ويشمل: * ما قيل في زهده وعبادته وصلاحه. * رأي أئمة الجرح والتعديل فيه. المطلب التاسع: عقيدته. المطلب العاشر: وفاته. المطلب الحادي عشر: آثاره، وتشمل: * مصنفاته، وما نقله عنه تلاميذه. * اهتمامه بالسير والفقه والحوادث التاريخية. المبحث الثاني: مسنده: وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: نسبته إليه. المطلب الثاني: اهتمام المحدثين به. المطلب الثالث: موضوعه. المطلب الرابع: ترتيبه. المطلب الخامس: حجمه ومضمونه. المطلب السادس: طريقته في أداء الأحاديث. المطلب السابع: اختياره للشيوخ وشرطه في الكتاب.

стр. 205

المبحث الأول ترجمة المؤلف المطلب الأول لمحة عن الحالة السياسية والاجتماعية والعلمية في عصره ما بين (١٥٠ هـ - ٢٤٣ ه ـ) ١ - الحالة السياسية والاجتماعية: عاصر الإمام ابن أبي عمر دولة بني العباس، وكان مولده في أثناء عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، أي في بداية قيام الدولة العباسية، وفي عصر فتوتها، وكان مقرها العراق. عاصر العدني من خلفائها: * أبا جعفر المنصور = عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم. تولى الخلافة سنة (١٣٦)، وتوفي سنة (١٥٨). * المهدي بن المنصور = محمد بن عبد الله بن محمد بن علي أبو عبد الله المهدي تولى بعد أبيه المنصور سنة (١٥٨)، وتوفي سنة (١٦٩). * موسى الهادي بن المهدي، تولى بعد أبيه سنة (١٦٩)، وتوفي سنة (١٧٠).

стр. 206

* هارون الرشيد بن المهدي، تولى بعد أخيه موسى سنة (١٧٠)، وتوفى سنة (١٩٣). * محمد الأمين بن هارون الرشيد، تولى بعد أبيه سنة (١٩٣)، وتوفي سنة (١٩٨). عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، تولى بعد مقتل أخيه سنة (١٩٨) وتوفي سنة (٢١٨). * المعتصم باللهِ أبو إسحاق بن هارون الرشيد، تولى بعد وفاة أخيه سنة (٢١٨)، وتوفي سنة (٢٢٧). * هارون الواثق بن المعتصم، تولى بعد أبيه سنة (٢٢٧)، وتوفي سنة (٢٣٢). * المتوكل على الله جعفر بن المعتصم: تولى بعد أخيه سنة (٢٣٢)، وقتل سنة (٢٤٧). وفي هذه الحقبة من الزمان كانت البلاد الإسلامية أوسع ما تكون رقعة، وكثر العمران وبناء المدن، واختلاط. العرب بالعجم، كما كثرت الموارد، وأعطى الجزية عدد كبير ممن لم يؤمن من الكفار، وتميزت هذه الفترة بكثرة الثورات والفتن على الخلافة: من الكفار والزنادقة في البلاد النائية كفتنة (أستاذسيس) في بلاد خراسان، في عهد أبي جعفر المنصور (١)، وبابك الخرير في أذربيجان وما حولها، في عهد المأمون، ثم المعتصم (٢)، وثارت الخوارج من الصفرية وغيرهم، ببلاد أفريقية، كما حدثت فتنة عظيمة مؤلمة بين الأمين وأخيه المأمون، والمتوكل وابنه المنتصر.

стр. 207

وفي عهد المأمون ظهرت على يده الفتنة العظيمة وهي القول بخلق القرآن ونادى بها وامتحن الأئمة بسببها، وكان لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ ومن ثبت معه موقف قوي خالد: إذ رفضوا الإجابة إلى القول بحدوث القرآن الكريم، وأول ما نادى بها المأمون سنة (٢١٢) في ربيع الأول منها، وأوذي فيها عدد من الأئمة (١). - كما تم في عهد المعتصم فتح عمورية المشهور سنة (٢٢٣) (٢) بعد حرب دارت رحاها بين المسلمين والروم (٣). ٢ - الحالة العلمية: وبالرغم من كثرة الفتن والاضطرابات في هذه الفترة فقد كانت النهضة العلمية في نشاط كبير، في كثير من المجالات، ونشطت حركة التأليف والترجمة، وأنشأ المأمون الرصد على جبل دمشق، وازدهرت صناعة الورق، وكثر الشعراء والوراقون وصارت لهم أماكن يقصدها من أراد. وكان التأليف في التفسير، والفقه، واللغة، والأدب، والتاريخ، وغيرها وشهد القرن الثالث الهجري قمة ما بدأه الصحابة ومن بعدهم للحفاظ على الحديث النبوي، وذلك من حيث كتابته، ونقده أيضًا، فألفت الكتب الستة الأمهات، ومسند أحمد بن حنبل، وقبلها مسند الطيالسي، كما ظهرت مدونات أخرى في الحديث وألفوا في نقد الرجال، وكثر في هذا العصر اختلاط

стр. 208

المسلمين بالعجم من أصحاب الملل والنحل الأخرى، وإن كان بعضهم دخل في الإسلام فحسن إسلامه، فإن هناك طوائف دخلت في الإسلام فرارًا من الجزية، وليتمكنوا من الكيد والدس الخفي، وصاحَبَ هذه مبالغة المأمون في تشجيع حركة الترجمة، فأدى هذا إلى ترجمة فلسفات، وأفكار، وعقائد منحرفة، من كتب اليونان والفرس، واليهود، والنصارى وغيرهم، فظهرت مذاهب الاعتزال، والزندقة، والعقائد الفاسدة في أصل الكون، ومصير الأرواح، والتخبط في مذاهب أهل الكلام في أسماء الله تعالى وصفاته. ولم تكن للزنادقة غلبة فكر في بادئ الأمر فقد تتبعهم متقدموا خلفاء بني العباس إلى عهد هارون الرشيد (١)، وشددوا عليهم النكير وقتلوا منهم من يخشى خطره وضرره، وهرب الباقي، وكان ممن هربوا بشر بن غياث المريسي (٢). ولما كان الخلفاء آنذاك يُقْدِمُون على التَّسَرِّي واتخاذ أمهات الأولاد من الإماء من بلاد الفرس، والروم، وغيرهم، حتى أكثروا من ذلك، فحدث أن آلت الخلافة إلى بعض أولادهن فقَرَّبُوا أعدادًا من العجم من الفرس وغيرهم، وأحلوهم مراكز عالية في الدولة الإسلامية، واتخذوا منهم بطانة لعبت دورًا كبيرًا في تشويه نقاء العقيدة الإسلامية، وتكدير صفائها، ومن أبرز الأمثلة على ذلك حمل الناس جَبْرًا على القول بخلق القرآن الكريم، كما قام الزنادقة وأتباعهم بوضع الأحاديث على رسول الله ﷺ . وإزاء هذا كان لأئمة السنة دور واضح في تصحيح العقيدة، ونقد الرجال

стр. 209

وأقوالهم، ومروياتهم، وصنفوا في الرد على الجهمية والمعطلة، والمشبهة، وغيرهم، كما صنفوا كتبًا في نقد الرجال، ونقلت أقوالهم في نقد الأحاديث وتمييز الدخيل منها، وكان لهم في هذا المجال جهود جبارة ظلت تحتفظ بأصالتها إلى يومنا هذا. المطلب الثاني مولد ابن أبي عمر العدني (١) في هذا العصر الذي تميزت أحداثه بالكثرة والسرعة، وبعيدًا عن جو الفتن والاضطرابات، ولد ابن أبي عمر العدني في رحاب مكة المكرمة. في حدود سنة (١٥٣ هـ) تقريبًا، إذ لم أجد تحديدًا دقيقًا لسنة مولده سوى أنه مات وعمره نحو (٩٠) سنة.

стр. 210

المطلب الثالث اسمه ونسبه ونسبته وكنيته هو محمد بن يحيى ابن أبي عمر العَدَني (١) أبو عبد الله المكي، وقد ينسب إلى جده، ويقال: إن أبا عمر كنية أبيه يحيى، والصواب ما أثبته ويقال له المكي باعتبار مولده ونشأته وإقامته. ويذكر في نسبته أحيانًا الدَّرَاوَرْدي (٢): نسبة إلى "دارا بجرد" مدينة بفارس واستثقل قول دار أبجردي فاختصرت إلى دراوردي (٣)، ولم تشتهر هذه النسبة له كما لم أقف على سببها، ونُسب أيضًا إلى الأزد (٤)، ولا يبعد أن يكون أصله من قبائل (٥) الأزد الجنوبية. وذكر بعض من ترجم له أنه نسب إلى عدن لتوليه القضاء بها، والذي أستظهره أن أصله من أهل عدن لوقوع هذه النسبة في ترجمة والده في بعض الكتب (٦).

стр. 211

المطلب الرابع نشأته وطلبه للعلم شهد العصر الذي عاش فيه ابن أبي عمر نهضة علمية كبيرة وتميز بنشاط كبير في التأليف والتدوين شمل العراق، والشام، ومصر، وخراسان، وما حولها، وغيرها، وكان لبلاد الحجاز من هذه النهضة نصيب كبير. وفي مكة المكرمة عاش ابن أبي عمر تحت رعاية والده بجوار البيت الحرام في جو علمي صالح، وبيئة طيبة، ويظهر أن والده اعتنى بتحفيظه القرآن الكريم وأسمعه الحديث منه ومن غيره، فقد كان أبوه من رواة الحديث لكنه كان مقلًا من الرواية حتى لا يكاد يعرف أحد روى عنه غير ابنه محمد. ونظرًا لقلة، بل وندرة ما كتب حول حياته في مكة لم أستطع أن أتبين بدقة نشأته وطلبه للعلم، لكن الذي يتأمل مشايخه يدرك أنه كان طالبًا جادًا لم يكن ليضيع فرصة السماع من الكبار وإدراكهم أمثال وكيع، وبشر ابن السري، وأبي معاوية وغيرهم، ممن سيأتي. المطلب الخامس رحلته لم تكن همة العدني ﵀ لتقصر عن الرحلة إلى البلاد المجاورة أو النائية للقاء الحفاظ وتحصيل الأسانيد العالية، وما هو ﵀ بالذي يأنف من أن تَغْبَرّ قدماه في سبيل الله. لكن البلد الحرام كان موطنه، وهو البلد الذي تضرب له أعناق المطي وتقطع إليه المفاوز والهواجر كل عام، فيقصده حجاج بيت الله من كل بقاع الأرض على تعدد أجناسهم، ومن بينهم كبار العلماء من أصحاب الفقه، والحديث، وسائر صنوف العلم، ناهيك عمن يأتون في أثناء العام في غير شهر

стр. 212

الحج لأداء العمرة، أو غير ذلك، فكان له ﵀ نصيب كبير من هؤلاء كما سترى عند الكلام عن شيوخه. والرحلة لطلب الحديث إنما تندب للطالب إذا كانت فائدتها أكبر مما لو اقتصر على ما في بلده، يقول الخطيب البغدادي: (المقصود في الرحلة أمران: أحدهما: تحصيل علو الإسناد، وقدم السماع، والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة. فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب، ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرحلة، والاقتصار على ما في البلد أولى. وأما إذا كان الأمران اللذان ذكرناهما موجودين في بلد الطالب، وفي غيره إلَاّ أن ما في كل واحد من البلدين يختص به مثل أن يكون الطالب عراقيًا، وفي بلده عالي أسانيد العراقيين، وحفاظ رواياتها، والعلماء باختلافها، وليس ذلك في غيره، وبالشام من علو أسانيد الشاميين ومن أهل المعرفة بأحاديثهم ما ليس عند غيرهم فالمستحب للطالب الرحلة لجمع الفائدتين من علو الإسنادين وعلم الطائفتين لكن بعد تحصيله حديث بلده وتمهره في المعرفة به) (١) اهـ. وإذا كان العدني في مكة المكرمة التي يتوارد إليها جموع من العلماء فأَنَّى له أن يحيط بما عندهم كله ويجاوزهم في الوقت نفسه مرتحلًا إلى غيرهم في البلاد الأخرى. وعليه فلم تيسر المصادر التي ترجمت له إلى رحلاته مما يدل على اقتصاره على ما حوله واكتفائه به، وعدم الإكثار من الرحلات. ولا تكاد تقرأ ترجمته في كتاب إلَاّ وتجد إشارة إلى توليه القضاء بعدن (٢)

стр. 213

ومعلوم أن أمر القضاء صعب بحيث لا يمكن أن يتولاه إلَاّ من كان له باع في الفقه وعلوم الشرع، مما يدل على أن المترجم له كان على درجة من العلم والتقوى والصلاح وحسن التدبير. ولم تشر المصادر إلى السنة التي كان فيها ذلك، ولا إلى المدة التي مكثها في عدن غير أن هناك بعض القرائن التي يمكن أن نقارب من التحديد عن طريقها: فإذا جمعنا ما جاء عنه من تحديد السنوات التي اختلف فيها إلى ابن عيينة وعددها (١٨) سنة، مع تاريخ قدوم ابن عيينة إلى مكة، وهو (١٦٣) (١)، ووفاة ابن عيينة سنة (١٩٨)، ومداومة العدني على الطواف ستين سنة، وكونه عاش (٩٠) سنة يمكن أن يقال: على اعتبار أن ملازمته لابن عيينة كانت متصلة فإنه يكون سمع منه وقت قدومه سنة (١٦٣) إلى سنة (١٨١) ثم تولى القضاء في عدن حين بلغ من العمر نحو ثلاثين سنة، ثم مكث في القضاء مدة سنتين تقريبًا عاد بعدهما إلى مكة سنة (١٨٣) وابتداء منها بعد ستين سنة تكون هي المقصودة بمواصلته ومواظبته على الطواف بالبيت إلى سنة (٢٤٣) وهي السنة التي تذكر المصادر أنه توفي فيها (٢). ويمكن أن يضاف إلى ما سبق: أن هارون الرشيد في خلافته حَجّ بالناس ثماني مرات (٣)، وكلها في حياة العدني، وهي:

стр. 214

سنة: (١٧٠، ١٧٥، ١٧٧، ١٧٩، ١٨١، ١٨٦، ١٨٧، ١٨٨) وهذه آخرها وفيها يقول أبو عبد الله الفاكهي (١): (... ثم جاء أمير المؤمنين هارون بعده في سنة ثمان وثمانين ومائة، يريد الجوار بمكة، فأقام بمكة، وأخرج لأهل المدينة ومكة نصف عطاء فأعطاهم. فسمعت محمد بن أبي عمر يقول: أخذت في ذلك العطاء مائة درهم، وأخذ أخي مثلها ... ألح) (٢). وفي هذا دلالة على أنه في هذه السنّة كان في مكة، ولا يتأتى له أن يلازم البيت ستين سنة إلَاّ ابتداء من تاريخ (١٨٣)، ولا يمكنه أن يلي القضاء في صغره، فترجح -والله أعلم- ما تقدم من تقسيم إقامته. - على أن العدني ﵀ كان يتنقل بين مدن الحجاز، وربما يسمي المكان الذي سمع فيه أثناء تحديثه فكان من بين ذلك تصريحه بسماعه في المدينة النبوية، مثاله قوله: (حدثني شيخ من أهل المدينة عند رأس الثنية، قال ...) (٣). وكان يحرص على التزود ممن يقدم إلى مكة من نواحي العالم الإسلامي وذلك لتنوع من أسند عنهم كما سيأتي.

стр. 215

المطلب السادس شيوخه تعددت بلدانهم ولم يبلغ المكيون منهم ولا قدر النصف -فيما وقفت عليه- والباقون إما كوفيون، أو بصريون، أو مدنيون، أو يمانيون من مأرب، وصنعاء، أو مصريون، أو من واسط، ودمشق، وأهل مصر وواسط ودمشق أقل من أهل الكوفة والبصرة والمدينة. ويظهر أنه في رحلته للقضاء في عدن سمع من بعض الشيوخ في اليمن. وإليك تعريفًا موجزًا بمن كثر عنهم بالنسبة لغيرهم: ١ - سفيان بن عيينة ابن أبي عمران: ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، تغير بآخره، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار. قدم إلى مكة سنة (١٦٣) فلقيه العدني، ولازمه، وانتفع به في القرآن الكريم والحديث الشريف، وغيرهما، ويُروى عن العدني أنه قال: اختلفت إلى ابن عيينة ثماني عشرة سنة (١)، توفي ﵀ سنة (١٩٨). ٢ - عبد الله بن يزيد المقرئ المكي: أبو عبد الرحمن أصله من البصرة أو الأهواز ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة، وهو من كبار شيوخ البخاري، توفي سنة (٢١٣) ﵀، ويعتبر ممن أكثر عنهم العدني. ٣ - بشر بن السَّري: أبو عمرو الأفوه، بصري سكن مكة، وكان واعظًا، متقنًا، توفي سنة خمس أو ست وتسعين ومائة. ٤ - وكيع بن الجراح بن مليح الرُّؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة،
следующие страницы →