- ومن فضل الله علينا أن قَيّضَ لهذه المسانيد مَنْ خَدَمها واعتنى بها قبل اغتيالها، فقام بعض الحفاظ من شيوخ الإِسلام في القرن الثامن والتاسع وعرضوا هذه المسانيد على كتب السنة الستة أو بعضها وجَرَّدُوا زوائد هذه المسانيد عليها، وأضافوا إليها زوائد كتب أخرى، ورتبوها بحيث صارت سهلة المنال.
لكن كتب الزوائد، ظلت زمنًا تنتظر من طلاب العلم دورها في الإِحياء والخدمة، إلى أن نشطت حركة التحقيق، والنشر، وبدأت جهود علماء المسلمين وطلاب العلم تتضافر لإِخراج هذه الكنوز الثمينة من تراث المسلمين، وكان للجامعات الإِسلامية دور كبير في هذه الحركة المباركة، ولكتب الزوائد منها نصيب.
ولقد تَفَضل قسم السنة وعلومها بكلية أصول الذين بافتتاح أحد دواوين الزوائد، وهو كتاب "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" للحافظ ابن حجر العسقلاني، وأتيحت فرصة التسجيل فيه لطلاب مرحلة الماجستير.
أهميته:
- ولأن هذا الكتاب قد طبعت منه النسخة المُجَرَّدة من الأسانيد قبل عدة سنوات (١) بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، فقد قارنت بينه وبين النسخة المسندة التي تقرر -من قسم السنة- بداية العمل بها، فألفيت الفرق كبيرًا، بل وجدت أبوابًا بكاملها قد سقطت من المجردة، أضف إلى أن الأسانيد فيها محذوفة أيضًا بما يجعل الوقوف على سند الحديث في بعض المرات شبه المتعذر، خاصةَ فيما فقد بكامله من المسانيد، في حين أن ظهور هذا الكتاب بالأسانيد فيه فائدة عظيمة في مجال النقد والدراية.
стр. 2732
- وإِضافةً إلى ما تَقَدَّم مِنْ أنَّ هذا العمل إحياء لأصول المسانيد التي استخرجت زوائدها، فإنَّ فيه أيضًا تيسيرًا للبحث، وتقريبًا لهذه الكتب مع المحافظة على هيكل الحديث سندًا ومتنًا، ليتمكن من قراءته، والاستخراج منه من لا يستطيع الاستفادة منه في صورته الأولى؛ لاسيما وأن بعضها لم يرتب على نسق معين كمسند الحارث ابن أبي أسامة.
- وغالب كتب الزوائد يتم ترتيبها بحسب أبواب الفقه فتجمع بين الترتيب، واستخراج الزائد.
- ويمكن عن طريق كتاب "المطالب" إعطاء تصور -وإن كان جزئيًا- عن نسبة الصحيح والحسن، والضعيف، في المسند الأصلي، والوقوف على طريقة صاحب المسند في سياق ألفاظ التحمل والأداء.
- كما يمكن الاستفادة من أحكام الحافظ ابن حجر على بعض الأحاديث، وكلامه في الرواة والاستفادة من تبويبه الدقيق الجيد.
- واحتواء هذا الكتاب على أحاديث زائدة بتمامها على الكتب الستة ومسند أحمد، وعلى زيادات هامة في المتون والأسانيد أحيانًا.
أسباب اختياره:
لِما تقدم من بيان جانب من أهمية هذا الكتاب، ولأن الاشتغال بالسنَّة النبوية رواية ودراية من خير ما تُصْرَف فيه الأوقات، وتُعَبَّأُ له الجهود والطاقات، ولرغبتي في التَدَرُّب على خدمة السنة تحت إشراف علمي، ولما للحافظ ﵀ من مكانة بين علماء الحديث.
لهذه الأسباب، ولغيرها، وبعد مشاورة لشيوخنا، استخرت الله تعالى، ومضيت قدمًا للمشاركة في تحقيق هذا السفر العظيم.
стр. 2733
ولقد اتبعت في تحقيق الكتاب المنهج الآتي:
اعتمدت في التحقيق على خمس نسخ خطية، هي نسخة المكتبة المحمودية ورمزت لها بـ"مح" ونسخة المكتبة السعيدية ورمزت لها ب "حس"، ونسخة المكتبة العمرية ورمزت لها بـ"عم"، ونسخة المكتبة السعودية ورمزت لها بـ"سد"، والنسخة التركية وإليها رمزت بـ"ك"، وكانت النسخة "مح" هي الأصل، لذا أثبت ما فيها في متن الكتاب، وقابلت باقي النسخ مع ما أثبت، وكان منهجي في المقابلة على النحو التالي:
١ - إذا وجدت مخالفة في إحدى النسخ الأخرى فإن رأيت أن ما في النسخة الأصل "مح"- هو الصواب أو أن الوجهين محتملان أثبت ما في الأصل وجعلت ما في النسخة أو النسخ الأخرى المخالفة في الحاشية.
٢ - إذا وجدت الصواب في نسخة أخرى -غير الأصل "مح"- أثبت الصواب في صلب النص، وأشرت إلى ما في "مح" في الحاشية مع بيان وجه التصويب فيما أثبته.
٣ - إذا اتفقت جميع النسخ مع "مح" على خطإ ظاهر أثبت الصواب في الأصل وأشرت في الحاشية إلى اتفاق النسخ على هذا الخطأ مع بيان وجه تخطئته ويظهر هذا في رجال الأسانيد.
٤ - وقد يغلب على ظني أنه خطأ ولا أجزم بتخطئة ما جاء في النسخ فأثبت ما فيها في النص وأُنبِّه على ما أراه صوابًا.
٥ - اعتبرت ما وقفت عليه من أصول المسانيد أو زوائدها المفردة المسندة بمثابة نسخ أخرى أثبت فروقها في الغالب.
٦ - توجد في "عم- حس" بياضات، في عناوين الكتب والأبواب فتختفي كلها أو بعضها، وكذا صيغة التحمل بين صاحب المسند وشيخه؛ لأنها كتبت بلون باهت فلم تظهر في التصوير، لذا قابلت ما ظهر منها، وتركت التنبيه
стр. 2734
على ما اختفى لكثرته كيلا أثقل الحواشي، واكتفيت بالتنبيه عليه هنا.
٧ - أثبت جميع الفروق في الحاشية إلَّا ما لا تدعو الحاجة إلى إثباته كأن يأتي في بعضها (حدثنا)، وفي بعضها (ثنا) أو (نا)، لأن هذين الرمزين اختصار لـ (حدثنا)، ومثله (أخبرنا) إذا جاءت في بعضها (أنا).
كما أهملت التنبيه على الفروق في ألفاظ الصلاة على النبي ﷺ ، وألفاظ الترضي عن الصحابة.
فيحدث أن يوجد في بعضها ﵌، وفي بعضها ﷺ وفي بعضها تختفي تمامًا، وألفاظ الترضي تظهر في بعض النسخ وتختفي تمامًا في بعضها، وقد تطلق في بعضها على التابعين، لذا أثبته للصحابة بقولي ﵁، وأثبت في الصلاة على النبي ﷺ ، وربما فاتني استدراك القليل منها في أول الرسالة.
٨ - عند وقوع تقديم وتأخير في النسخة "ك"، فإن ترتب عليه تركيب متن حديث متأخر على إسناد حديث متقدم فإني أشير إلى ذلك، وكذا إذا لم يكن التقديم والتأخير في الباب كثيرًا، أما إذا كثر فإني أترك التنبيه عليه، ومثله حذف كلمة (قال) من هذه النسخة عند إنتهاء السند وبداية المتن تركت التنبيه عليه لكثرة تكرره.
٩ - اتبعت في كتابة النص: الرسم الإملائي الحديث، ولو كان مخالفًا لما جاء في إحدى النسخ أو فيها جميعًا، وكذا لو كتب فيها على وجه غير صحيح إملائيًا، ولا أشير إلى الأول أبدًا، ولا الأخير في الغالب.
١٠ - بينت مواضع الآيات من سورها، بذكر اسم السورة، ورقم الآية منها.
١١ - عند وجود سقط في "مح" أضيفه وأجعله بين قوسين كبيرين، وعند وجود سقط في غيرها أكتفي بوضعه بين نجمتين (* ... *) وأشير في الحاشية إلى أن ما بينهما ساقط من النسخة كذا.
стр. 2735
١٢ - خرجت الأحاديث بعزوها إلى الموجود من المساند التي أخذت منها الزوائد أو بعزوها إلى بقية المصادر التي تلتقي أسانيدها مع أسانيد الحديث في الكتاب التقاءً كليًا أو جزئيًا، ولو في الصحابي، مع المقارنة بين الروايات.
١٣ - إن كان المصدر الذي خرجت الحديث منه مطبوعًا أشرت إلى الجزء إن كان متعدد الأجزاء، ثم الصفحة، ثم رقم الحديث إن وجد، وأثبت اسم الباب في الغالب لقناعتي بأهمية إثباته خاصةً في كتب الأئمة الذين برعوا في الفقه والاستنباط كالبخاري، ومالك، ثم محمد بن نصر وغيرهم، أو شيوخ الزوائد: الهيثمي، والبوصيري؛ ليتمكن القارئ من الوقوف على وجهة كل واحد منهما في الاستنباط، ويقارنها بوجهة ابن حجر.
وإن كان المصدر الذي خرجت منه مخطوطًا أشرت إلى رقم الجزء إن وجد ورقم الصفحة، أو الورقة ووجهها.
١٤ - راعيت في التخريج التوسع والاستقصاء ما أمكن، خاصةً عندما يكون الحديث من باب الأذكار لأجمع الألفاظ الزائدة أوالمختلفة، لأن الأذكار توقيفية لابد فيها من الدقة والشمول، أوأن يكون حديث الباب ضعيفًا، فيحتاج إلى ما يعضده، أو حسنًا لذاته فأخرج من متابعاته، وشواهده، ما يرتقي به إلى الصحيح لغيره.
وإذا كان الحديث أو الأثر صحيحًا لذاته، أو متواترًا، أو مرويًا، في الصحيحين فإني لا أتوسع في تخريجه.
١٥ - ثم أبين درجة الإسناد الذي قمت بدراسة رواته فأحكم عليه بناء على نتيجة دراستهم، بعد النظر في اتصاله وانقطاعه سواء كان الانقطاع ظاهرًا أو خفيًا وذلك بمراجعة كتب المدلسين، والمختلطين، والمراسيل، والعلل، وحكمي هنا إنما هو على الإِسناد الذي درسته بغض النظر عن كون الحديث قد صح من طرق أخرى.
стр. 2736
١٦ - ثم أنظر في متنه من حيث الشذوذ والنكارة أو عدمها، وأنظر في إمكانية تقوِّيه إن كان ضعيفًا، أو بلوغه مرتبة الصحيح لغيره إن كان حسنًا لذاته عن طريق ما تقدم في تخريجه من المتابعات، فإن كان غير ممكن إما لعدم وجودها أو لكون مدارها كلها على نقطة واحدة هي سبب الضعف سقت من شواهده ما يتقوى به ثم أشرت بعد ذلك إلى ما انتهيت إليه في درجته، مع الحرص فيما سبق على الاستفادة من أحكام العلماء على الحديث.
١٧ - أشرت إلى نهاية كل ورقة من النسخ الأربع في الهامش الأيسر مع بيان وجه الورقة من "مح"، "سد"ورقم الصفحة من "عم"، "سد"، وأهملته في "ك" لعدم انضباط ترتيبها.
١٨ - اعتمدت في العزو لكتاب البوصيري على الموجود من المسندة، أما بقية أحاديث السهو، وأبواب التطوع، والجمعة، فإنها مفقودة من المسندة لذا خرجتها من المجردة، وقد أعزو للمجردة في غيرها أحيانًا.
١٩ - خرجت الروايات التي أشارالحافظ إلى من أخرجها دون أن يوردها أو أشار إلى من رواها من الصحابة، دون أن يعزوها إلى شيء من الكتب.
٢٠ - ضبطت في النص ما رأيت أنه يحتاج إلى ضبط.
٢١ - أثناء عملي كنت في العزو أختصر بعض أسماء الكتب، أشير هنا إلى بعضها والباقي يطالع في فهرس المصادر:
- الإتحاف = أعني به إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، للبوصيري.
- الإرواء = إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للألباني.
- الأسد، أو أسد الغابة = أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير.
стр. 2737
- الإصابة = الإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ ابن حجر.
- البغية = بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، للحافظ الهيثمي.
- التبصير = تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، للحافظ ابن حجر.
- التحفة = تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، للحافظ المزي.
- التعجيل = تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، للحافظ ابن حجر.
- التقريب = تقريب التهذيب، للحافظ ابن حجر.
- التلخيص = التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، للحافظ ابن حجر. وإذا كان مع المستدرك عنيت به تلخيص الذهبي للمستدرك.
- الجامع العلائي = جامع التحصيل لأحكام المراسيل، للحافظ العلائي.
- الحلية = حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني.
- الزاد = زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام ابن القيم.
- السير = سير أعلام النبلاء، للحافظ الذهبي.
- الشعب = الجامع لشعب الإِيمان، للبيهقي.
- الصحيحة = سلسلة الأحاديث الصحيحة، لفضيلة الشيخ الألباني.
- الضعيفة = سلسلة الأحاديث الضعيفة، له أيضًا.
- العلل الكبير = ترتيب أبي طالب المكي لعلل الترمذي الكبير.
- الفائق = الفائق في غريب الحديث، للزمخشري.
- الفتح = فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر.
- الكاشف = الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، للحافظ الذهبي.
- الكشف، للسندهي = كشف الأستار عن رجال معاني الآثار.
стр. 2738
- اللسان = إن كان في اللغويات: عنيت به لسان العرب، لابن منظور.
وإن كان في التراجم: عنيت به لسان الميزان، للحافظ ابن حجر.
- المجتبى = السنن الصغرى، للنسائي.
- المراسيل = أعني مراسيل ابن أبي حاتم الرازي.
- المستدرك = أعني المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري.
- المعرفة = إن كان في تراجم الصحابة أو منسوبًا لأبي نعيم: عنيت به معرفة الصحابة له. وإن كان في التخريج والتراجم- ويكون غالبًا منسوبًا للبيهقي- عنيت به معرفة السنن والآثار له.
- المغني = إن كان في التراجم: عنيت به كتاب المغني في الضعفاء، للحافظ الذهبي. وإن كان في ضبط الأسماء: عنيت به المغني في ضبط الأسماء، للفتني الهندي. وإن كان في الأحكام والفوائد: عنيت به المغني في الفقه، لابن قدامة المقدسي.
- المقتنى = المقتنى في سرد الكنى، للحافظ الذهبي
- المنتقى = المنتقى من أخبار المصطفى، لمجد الدين ابن تيمية.
- المنحة = منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي، للبنا.
- الموضح = موضح أوهام الجمع والتفريق، للخطيب البغدادي.
- الميزان = ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للحافظ الذهبي.
- النصب = نصب الراية = نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية، للحافظ الزيلعي.
- وحيثما أطلقت العزو إلى تهذيب الكمال عنيت به المخطوط، فإن عزوت للمطبوع وضحت في الغالب، أو أشرت إلى رقم الترجمة فيتبين أنه المحقق.
стр. 2739
- وحيثما أطلقت كلمة الحافظ فإني أعني الحافظ ابن حجر في غير جحود وتقليل من شأن الأئمة والحفاظ الآخرين كالحافظ الذهبي مثلًا، لكني هنا بصدد تحقيق كتابه وعليه فيكثر الكلام عنه دون غيره لذا آثرت الاختصار والتنبيه هنا.
* * *
وبعد: فإن كتاب "المطالب العالية" من خير ما خلفه الحافظ ﵀ ومن أولى الكتب بالعناية والدراسة.
ولقد -والله- بذلت ما في وسعي، وهو جهد المقل، وحاولت جاهدة تخطي ما يعترضني من عقبات لتقديمه في المدة المحددة.
فأشكر الله تعالى، وأحمده على تيسيره، وعونه، وأسأله أن يرزقنا صلاح النية، وسلامة القصد، والسَّدَاد في القول والعمل.
ثم أشكر جامعة الإِمام ممثلة في إدارتها وفي عمادة كلية أصول الدين، وقسم السنة وعلومها، على ما أتاحته لي من فرصة مواصلة طلب علم الحديث الشريف.
كما أشكر شيخنا الفاضل المشرف على تحقيق هذا الكتاب: الدكتور محمود بن أحمد ميرة على تفضله بقبول الإِشراف، ولقد استفدت كثيرًا من خبرته، وتوجيهاته، وأمدني بكثير مما احتجته من المصادر المطبوعة
والمخطوطة، فله من التقدير أوفره، ومن الشكر أجزله، وجزاه الله عني خير الجزاء.
وكذلك أتقدم بالشكر الجزيل، والدعوات الصادقة، بأن يجزي الله خيرًا كل من أعانني: بتوجيه أو مشورة، أو تصوير، أو إعارة، أو شراء لما احتجته من مصادر أو مراجع، ولولا ما أتوقعه من عدم رغبتهم في ذكر أسمائهم لنوهت ببعضها.
стр. 2740
وأخيرًا: فما أنا إلَّا طالبة علم، وفي بداية الطريق، وإني إذ أقدَّم عملي هذا لأعترف مسبقًا بالتقصير، ولا أدعي الكمال، ولا أزعم الإِجادة، فالإِنسان جُبِلَ على التقصير والنقص الملازم؛ والكمال لله وحده، والعصمة لأنبيائه، ورسله، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده وبتوفيقه وعونه، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
وحسبي أني بذلت ما في وسعي، ويعلم الله أني ما ادخرت عن هذا البحث شيئًا أستطيعه في حاضري.
ولولا أني أعلم يقينًا أن بحثي هذا سيَطَّلِع عليه من هو أعلم مني، ويرشدني إلى الصواب فيما أخطأت فيه لَمَا كتبته، فرحم الله من أهدى إليّ عيوبي، وساهم في النقد البَنَّاء.
وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يوفقني وإخواني وأخواتي المسلمين والمسلمات لما يحبه ويرضاه، وأن يكرمنا بطاعته، ويحسن عاقبتنا في الأمور كلها. وأن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه، وينفع به من كتبه، ومن قرأه، ويجعله في ميزان حسناتي، إن ربي قريب مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتبت
د. أم عبد الله هيا بنت حمود بن سعد البدراني
الرياض
стр. 2741
المطالب العالية
بزوائد المسانيد الثمانية
للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني
٧٧٣ - ٨٥٢ هجرية
تحقيق
د. أم عبد الله هيا بنت حمود بن سعد البدراني
تنسيق
د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري
المجلد الرابع
٧ - ٨
آخركتاب الصلاة - أول كتاب الجمعة
(٤٥٣ - ٧١١)
٤٥٣ - تخريجه:
الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٥٦): باب من كره أن يركع دون الصف: قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان به بنحوه.
وكذا أخرجه في الباب نفسه من طريق أبي خالد الأحمر عن محمد بن عجلان به بنحوه. إلا أنه لم يذكر التكبير بل ذكر الركوع فقط.
وأبو خالد الأحمر، صدوق يخطئ. (التقريب: ٢٥٠).=
стр. 2744
= وكذا رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٩٦): باب من صلى خلف الصف وحده، فقال:
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: حدثني عمر بن علي، قال: ثنا ابن عجلان به لكن رفعه، وذكره بنحوه بلفظ الركوع دون التكبير.
وقد حسن الحافظ ابن حجر إسناده في فتح الباري. انظر (٢/ ٢٦٩).
وفيه عمر بن علي المقدمي: جعله الحافظ نفسه في الرابعة من المدلسين، وأهلها اتفق على أنه لا يقبل حديثهم ما لم يصرحوا بالسّماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل.
وقال أيضًا: ثقة مشهور، كان شديد الغلو في التدليس.
وانظر تعريف أهل التقديس (ص ١٢٣:١٣٠)، وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٩١).
قال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢/ ٤٠٨: ٩٧٧) معلقًا على هذا الطريق:
(... قلت: وأنا أخشى أن يكون دلس في هذا الحديث عن بعض الضعفاء، حيث زاد الرفع، والمعروف أنه موقوف). اهـ.
لكن زيادة الرفع ليست تدليسًا بل التدليس حذف للراوي لضعفه أو لغير الضعف كصغر سنه ونحو ذلك. فالصواب أن يقول: إن هذا من وهم الثقة يرفع ما وقفه الأوثق منه.
كيف وقد صرح بالتحديث في حديث الباب.
وحديث الباب بطريق ابن أبي شيبة الذي تقدم، ذكره الألباني ورجح وقفه
- لكن يرى أن متنه لا يعمل به لوجود ما يعارضه وسيأتي بيان هذا إن شاء الله-.
وذكره البوصيري في إتحاف السادة المهرة (ق ٢٠٢/ ب): باب فيمن أدرك القوم ركوعًا، وقال: رواه مسدد، ورجاله ثقات. اهـ من المسندة، وفي المجردة أضاف قوله: موقوف. انظر (ق ٧٧/ ب).=
стр. 2745
= الحكم عليه:
الحديث من طريق مسدد حسن لذاته لحال محمد بن عجلان وله شاهد من حديث أبي بكرة أنه جاء ورسول الله ﷺ رَاكِعٌ فَرَكَعَ دُونَ الصف ثم مشى إلى الصف فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صلاته قال: أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي ﷺ : زادك الله حرصًا، ولا تعد.
أخرجه أبو داود، انظر سننه مع عون المعبود (٢/ ٣٧٩: ٦٧٠): باب الرجل يركع دون الصف.
قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٦٠: ٢٣٠) بعد أن ذكره: قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأصله في صحيح البخاري. اهـ.
قلت: وإنما اخترت إيراده عند أبي داود لأنه أطول، وإلا فقد أخرجه البخاري مختصرًا، انظر صحيحه مع الفتح (٢/ ٢٦٧: ٧٨٣)، وأخرجه غيره أيضًا.
ووجه إيرادي له هنا شاهدًا: أنه لا يتأتى الركوع دون الصف إلا بتكبير، ولما أنكر عليه ﷺ إنكارًا عامًا بقوله: "ولا تَعُد" كان إنكارًا للتكبير أيضًا.
وحديث أبي بكرة وإن كان عند البخاري في صحيحه احتجاجًا: إلا أن الدارقطني قد أعله: لأن مداره على الحسن عن أبي بكرة، ويرى الدارقطني ﵀ أن الحسن لم يسمع من أبي بكرة، وحجته في ذلك أنه روى أحاديث عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة.
لكن رد ذلك من وجهين، فقد:
١ - أجاب ابن الملقن في البدر المنير حديث (٣٥/ ق) وذلك بعد أن ساق إعلال الدارقطني له فقال: (وذلك لا يمنع من سماعه منه ما أخرجه البخاري).
وقال -قبل ذلك بقليل-:
(... لكن البخاري لا يكتفي بإمكان اللقاء فلا بد أن يكون ثبت عنده سماعه منه). اهـ.=
стр. 2746
= ٢ - وأقوى منه ما قال الحافظ في الفتح (٢/ ٢٦٨): فقال:
(ورد هذا الإِعلال برواية سعيد بن أبي عروبة عن الأعلم قال: (حدثني الحسن أن أبا بكرة حدثه) أخرجه أبو داود والنسائي. اهـ.
وعلى ما تقدم فالراجح في حديث مسدد الوقف. وبشاهده يرتقي إلى الصحيح لغيره فهو كما وصفه الحافظ ﵀.
والأصل في الإِطلاق هو التصحيح الذاتي. لكن تدل القرائن هنا على تصحيح الحديث لغيره لحال بعض رواته.
١٤٥٤ - تخريجه:
الحديث ذكره البوصيري في إتحاف السادة المهرة: باب فيمن أدرك القوم ركوعًا: (ق ٧٧/ ب).
ثم قال: رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر بسند ضعيف لضعف جويبر بن سعيد البلخي. اهـ.
قلت: وفيه يوسف بن خالد أيضًا، وحاله كما عرفت.
وهذا الباب وأحاديثه ليس في المطبوع من المطالب.
وفي معناه آثار عن بعض الصحابة ﵃ منها:
ما أخرجه البيهقي بسنده إلى سهل بن حنيف أنه قال: "دخل زيد بن ثابت المسجد فوجد الناس ركوعًا فركع ثم دب حتى وصل الصف".
انظر السنن الكبرى (٢/ ٩٠): باب من ركع دون الصف. وفي ذلك دليل على إدراك الركعة، ولولا ذلك لما تكلفوه.
وهو عند مالك في الموطأ. انظر (حس ١١٥: ٣٩٣): باب ما يفعل من جاء، والإِمام راكع. وعند مالك في الباب نفسه برقم (٣٩٤) عن ابن مسعود بلاغًا، هـ إِسناده منقطع.
وإسناد البيهقي صححه الألباني، انظر السلسلة الصحيحة (١/ رقم ٢٢٩).
وعند البيهقي في الكبرى (٢/ ٩٠): روى بسنده إلى مكحول عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارث بن هشام "أن أبا بكر الصديق، وزيد بن ثابت: دخلا المسجد، والإِمام راكع: فركعا، ثم دبا، وهما راكعان حتى لحقا في الصف".=
стр. 2749
= وفيه عنعنة مكحول الشامي وهو في الثالثة من المدلسين لا يقبل تدليسه ما لم يصرح، وقال الحافظ في التقريب (حس ٥٤٥: رقم ٦٨٧٥): مكحول الشامي أبو عبد الله، ثقة فقيه كثير الإِرسال مشهور. اهـ.
وما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف: (١/ ٢٥٥): باب في الرجل يدخل والقوم ركوع: فيركع قبل أن يصل الصف: قال: نا أبو الأحوص، عن منصور، عن زيد بن وهب قال: "خرجت مع عبد الله من داره إلى المسجد: فلما توسطنا المسجد ركع الإِمام، فكبر عبد الله ثم ركع، وركعت معه، ثم مشينا راكعين: حتى انتهينا إلى الصف، حتى رفع القوم رؤوسهم، قال: فلما قضى الإِمام الصلاة قمت أنا: وأنا أرى لم أدرك، فأخذ بيدي عبد الله فأجلسني وقال: إنك قد أدركت".
وكذا أخرجه البيهقي بسنده إلى أبي الأحوص به (٢/ ٩٠ - ٩١): الباب السابق. وقد صحح الألباني هذا الإسناد. انظر تعليقه على الحديث (٢٢٩) من الصحيحة.
قال البيهقي: وروينا فيه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄. اهـ.
стр. 2750
الحكم عليه:
إِسناده كما وصفه الحافظ واهٍ جدًا لحال يوسف بن خالد، وجويبر ابن سعيد.
ومعنى الركوع قبل الدخول في الصف قد ثبت بالآثار التي تقدمت، ولم أقف عليه مرفوعًا من طريق يثبت.
٤٥٦ - تخريجه:
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣٠٦) بمثله.
وأخرجه أيضًا في المصنف (١/ ٢٣٠): قال: نا ابن فضيل، ووكيع: عن مسعر، عن عثمان الثقفي، عن سالرقال: قال أبو الدرداء: "لكل شيء شعار، وشعار الصلاة التكبير".
وهذا المتابع: أتى بلفظ الشعار، وفيه عموم التكبير، ولم تخص فيه التكبيرة الأولى.
وهو أيضًا: منقطع، فإن سالمًا: هو ابن أبي الجعد: رافع الأشجعي: ثقة لكنه لم يدرك أبا الدرداء كما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه في المراسيل (حس ٧١).
وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٧): قال: حدثنا أبو بكر الطلحي، ثنا عبيد بن غنام، قال: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِهِ مثله. ثم قال: غريب من حديث رجاء: لم يروه عنه إلا أبو فروة، عن أبي عبيد. اهـ.
والبيهقي في شعب الإِيمان (١/ ق ٢٠٨/ ب: ش ٢١) قال: أخبرنا أبو الحسن المقري، أنا الحسن بن محمد بن أسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا حماد أبو أسامة، حدثنا أبو فروة به مثله.=
стр. 2753
= والبزار في مسنده" انظر: كشف الأستار (١/ ٢٥٢)، وزوائد البزار للحافظ ابن حجر (٢/ ٨٨٦: ٣٦٧): قال البزار: حدثنا إبراهيم، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا حماد بن أسامة به بلفظه ثم قال: (لا نعلمه يروى مرفوعًا إلا بهذا الإِسناد، وقد روي بعض كلامه بغير لفظه ...) إلخ. اهـ. وسيأتي بيان هذه الرواية عند الكلام على الشواهد.
وذكره البوصيري في الإِتحاف (١/ ق ١٩٠/ ب)، وفي المجردة (ق ٧٢/ ب): باب تكبيرة الإِحرام وصفة رفع اليدين: مثله، ثم قال: هذا إِسناد حسن، وساق كلام البزار السابق.
وكذا ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٠٣)، وقال بعد أن ساقه: (رواه البزار والطبراني في الكبير بنحوه موقوفًا، وفيه رجل لم بسم). اهـ.
وقد نقل الشيخ الأعظمي كلام الهيثمي السابق -في تحقيقه كشف الأستار- ثم قال: (قلت: لكن تابعته أم الدرداء في الطريق التي بعده). اهـ. قلت: لكن في الحديث علة أخرى، وهي: ضعف يزيد بن سنان، والطرق التي تقدمت كلها مدارها عليه.
стр. 2754
الحكم عليه:
الحديث بهذا الإسناد ضعيف لحال يزيد.
لكن يشهد لمعناه: ما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والبزار، وصححه الحاكم، وذكره البيهقي في المعرفة: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". قال المباركفوري في التحفة عند شرحه لقوله ﷺ "وتحريمها التكبير" (١/ ٣٨): (قال المظهري: سمي الدخول في الصلاة تحريمًا لأنه يحرم الأكل والشرب، وغيرهما على المصلي، فلا يجوز الدخول في الصلاة إلا بالتكبير مقارنًا به النية). اهـ.=
стр. 2755
= وقال في (٢/ ٤٠): (الحق في هذا الباب: هو ما ذهب إليه الجمهور من أن تحريم الصلاة التكبير، ولا يكون الرجل داخلًا في الصلاة إلا بالتكبير كما عر فت ..). اهـ.
وإلى هذا المعنى يشير تبويب البيهقي في المعرفة (١/ ق ١٥٦/ ب): قال: (النية في الصلاة، وما يدخل به فيها من التكبير): فقرنها بالنية التي لا بد من استصحابها ابتداءً.
فالتكبيرة الأولى: إنما هي لبدء الدخول في الصلاة.
ومعنى أنفة الشيء ابتداؤه، فلا تنعقد صلاته أصلًا إلا بالتكبير كما يدل عليه الحديثان.
فحديث الباب بشاهده حسن لغيره.
وعندما أخرج البزار حديث أبي الدرداء قال: (لا نعلمه يروى مرفوعًا إلا بهذا الإسناد، وقد روي بعض كلامه بغير لفظه: سمعت عمرو بن علي يقول: سمعت الحسن بن السكن يحدث عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "الكل شيء صَفْوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى". اهـ).
وفي سنده الحسن بن السكن لم يتابع عليه، ولا يعرف إلا به كما قال العقيلي، واثظر الضعفاء له (١/ ٢٤٤: ٢٩١).
ومن طريق الحسن: أخرجه الذهبي في الميزان: انظر: (١/ ٤٩٣: ١٨٥٤)، والبيهقي في الشعب (١/ ق ٢٠٨/ ب/ ش) (٢١).
وكذا روى متنه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٦٧): من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وفيه الحسن بن عمارة: قال فيه الحافظ في التقريب (١٦٢: ١٢٦٤): الحسن بن عمارة البجلي: مولاهم، أبو محمد الكوفي، قاضي بغداد، متروك). اهـ. فإسناده ضعيف جدًا.
٤٥٧ - تخريجه:
أخرجه أبو داود في المراسيل: باب في الاستفتاح (ق ٤/ ب)، قال: حدثنا أبو كامل، أن خالد بن الحارث حدثهم، ثنا عمران بن مسلم: أبو بكر عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : كان إذا قام من الليل يريد أن يتهجد: قال قبل أن يكبر: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا: أعرذ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ، وَنَفْخِهِ، قال: ثم يقول: الله أكبر، ورفع عمران يديه يحكي. اهـ.
هكذا دون تفسير الألفاظ.
وأخرجه مرسلًا أيضًا: ابن أبي الدنيا في كتاب التهجد وقيام الليل (ق ١٨٨/ ب) قال: حدثنا علي بن الجعد، ثنا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن به مرفوعًا نحوه وفيه أن ذلك في قيام الليل.
وأخرجه في السنن (٤/ ٥١٣): مع بذل المجهود: باب من رأى الاستفتاح بسبحانك: قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر، نا جعفر بن سليمان، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذا قام من الليل كبر، ثم يقول:"سبحانك الله وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله -ثلاثًا-، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا -ثلاثًا-: أعرذ بالله السميع العلم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه" ثم يقرأ).=
стр. 2758
= قال أبو داود: (وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن مرسلًا: الوهم من جعفر). اهـ.
قال السهارنفوري: (أي وهم جعفر بن سليمان فرفعه موصولًا). اهـ. قلت: هو جعفر بن سليمان الضُّبَعي: أبو سلمان البصري، قال فيه الحافظ في التقريب (١٤٠: ٩٤٢): صدوق زاهد: لكنه كان يتشيع. اهـ.
وقد ضعفه بعضهم بسبب تشيعه، لكن دافع عنه القاضي ابن شاهين، انظر رسالته في "المختلف فيهما": في نهاية تاريخ جرجان (حس ٥٥٣): ورد تضعيفه بسبب التشيع لأنه لم يكن داعية، وفي حديثه قال (حس ٥٥٤): (وما رأيت من طعن في حديثه إلا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي). اهـ.
وفي سؤالات محمد بن عثمان لعلي بن المديني: (٥٣: ١٤)، قال علي: (ثقة عندنا، وقد كان يحيى بن سعيد: لا يروى عنه). اهـ.
وذكره ابن الملقن في البدر المنير انظر (١/ ق ٩/ ب): الحديث الثاني والعشرون: من طرق ثم قال: (رواه الأئمة أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وربما يزيد بعضهم على بعض).
وحول طريق أبي سعيد الخدري قال: (قال الترمذي: هذا الحديث: أشهر حديث في هذا الباب، وقد تكلم في إِسناده: كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي، -يعني المذكور في إِسناده-، وقال أحمد: هذا الحديث لا يصح، قلت: فلم أخرجته في مسندك، وشرطك فيه الصحة كما رواه عنك الحافظ أبو موسى المديني، وقد سألك حرب الكرماني عن علي بن علي فقلت: لم يكن به بأس، وسيأتي عنه أنه صالح أيضًا ... إلخ). اهـ.
وذكره البوصيري في الإِتحاف (١/ ق ١٩٢/ ب): مثله، وقال: (هذا حديث مرسل لكن له شواهد فمنها: ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري ... إلخ).=
стр. 2759
= ومن طريق أبي داود:
أخرجه البيهقي في الكبرى (٢/ ٣٥): باب التعوذ بعد الافتتاح: قال: وأخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأ أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود به نحوه باختصار يسير.
وأخرجه الإِمام أحمد في المسند (٣/ ٥٠): قال: ثنا محمد بن الحسن بن أنس، ثنا جعفر -يعني ابن سليمان- به بزيادة يسيرة في وسطه.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٦٥): بعد أن ذكره: (رواه أحمد ورجاله ثقات). اهـ.
وذكر نحوه من حديث أبي أمامة الباهلي: إلا أنه قال: (وشَرَكِه) بدلًا من: ونَفَثِه، ثم قال: رواه أحمد، وفيه من لم يسم.
وأخرجه الترمذي في جامعه (١/ ٩: ٢٤٢): باب ما يقول عند افتتاح الصلاة: قال: حدثنا محمد بن موسى البصري، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي به نحوه.
ومن طريقه:
أخرجه ابن الجرزي في التحقيق (١/ ٢٨٦: ٤٨٤): قال: أخبرنا عبد الملك، قال: أنبأنا الأزدي، والغورجي، قالا: أنبأنا ابن الجراح، قال: حدثنا المحبوبي، قال: حدثنا الترمذي به نحوه.
قال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٢٨٦): (وقد رواه أبو داود من حديث جعفر بن سليمان مرفوعًا: قال ابن دقيق العيد: وقد أعل، وقد روته عائشة مرفوعًا).اهـ.
قلت: هذه الطرق، وإن كان مدارها على جعفر بن سليمان فإنه صدوق يتشيع، وليس ضعيفًا، على أنه لم يتفرد بالرفع: بل روي الحديث مرفوعًا: من غير طريقه، عن غير أبي سعيد الخدري.
فقد أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٦٥: ٨٠٧): من السنن: باب الاستعاذة في الصلاة: قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ،=
стр. 2760
= عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حين دخل في الصلاة قال: "الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا" -ثلاثًا- "الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا" -ثلاثًا- "سبحان الله بكرةٌ وأصيلًا" -ثلاث مرات-. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، من همزه، ونفخه، ونفثه".
قال عمرو: همزه المُوْتَة، ونَفثه الشِّعر، ونَفْخه الكِبْر. اهـ.
وفيه عاصم بنعمير العنزي، قال الحافظ في التقريب (حس ٢٨٦/ ٣٠٧٤): مقبول. اهـ.
وقال الألباني في الإرواء عند كلامه على الحديث رقم (٢٤٢)، (حس ٥٥):
قال الحاكم: صحيح الإِسناد، ووافقه الذهبي.
قلت: وفي ذلك نظر فإن عاصمًا هذا العنزي لم يوثقه أحد، اللهم إلا ابن حبان: فإنه أورده في الثقات ٢/ ٢٢٢، وساق له هذا الحديث). اهـ.
ثم ذكر الألباني هذا الحديث وأررد له شاهدًا آخر لكن فيه من لا يُعْرَف، ثم قال: (ولكنه على كل حال هو شاهد جيد للأحاديث الآتية). اهـ.
يقصد حديث ابن مسعود وغيره.
وذكر ولي الدين أبو زرعة في المستفاد (حس ٢٥) أن هذا المبهم هو عاصم العنزي واستدل برواية أبي داود وابن ماجه للحديث بتسمية عاصم العنزي عن ابن جبير، وأن ابن جبير اسمه نافع، فإن صح كلونه عاصمًا صارا طريقًا واحدًا.
ورواه ابن حبان في صحيحه: انظر موارد الظمآن (١٢٣/ ٤٤٣): باب فيما يستفتح الصلاة من التكبير وغيره، والإحسان (٣/ ١٣٥: ١٧٧٧): قال ابن حبان: أخبرنا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن عاصم العنبري (*)، عن ابن جبير بن مطعم به مثله.=
стр. 2761
= ورواه ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٤٨): باب ما ورد في الاستعاذة في الصلاة: قال: حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن عاصم العنزي به دون تفسير الألفاظ.
وكذا رواه البيهقي في السنن (٢/ ٣٥): من حديث جبير بن مطعم بلفظ مقارب جدًا لرواية الحسن: التي أخرجها مسدد- ويعتبر أقرب الألفاظ السابقة كلها.
ولم أذكره في أول التخريج مع أنه الأقرب لفظًا وذلك لأني بدأت برواية أبي سعيد فهي مرتبطة كما هو واضح برواية الحسن من حيث السند فأوردها أبو داود وأورد بعدها مرسل الحسن وأجاب عنه، وهذه الرواية قريبة من مرسل الحسن من حيث المتن.
ومن حديث جبير بن مطعم أخرجه أبو داود الطيالسي في مسند جبير (حس ١٢٨) قال: حدثنا شعبة به بنحوه بدون تفسير الألفاظ.
وابن أبي الدنيا في (التهجد وقيام الليل) (ق ١٨٨/ ب) قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة به نحوه.
والإمام أحمد في المسند (٤/ ٨٣)، فقد أورده بسنده إلى عمرو بن مرة عن عَبَّاد بن عاصم عن نافع بن جبير به بنحوه، وفيه تفسير حصين للألفاظ فالحديث هنا: هو إبدال عبَّاد بن عاصم بدل من عاصم العنزي، وعباد لم أجد له ترجمة.
وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٣٨): باب ما يجزئ من افتتاح الصلاة:
قال: حدثنا ابن إدريس عن حصين عن عمرو بن مرة به نحوه بدون تفسير الألفاظ.
ومن حديث ابن مسعود أخرجه ابن ماجه في سننه (١/ ٢٦٦: ٨٠٨): قال: حَدَّثَنَا عَلَى بْنُ الْمُنْذِرِ، ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، ثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ قال: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وهمزه، ونفخه، ونفثه".=
стр. 2762
= قال: همزه: الموتة، ونفثه الشعر، ونفخه الكبر".
وإسناده ضعيف لأن عطاء بن السائب ﵀: اختلط بآخره، وقد سمع منه ابن فضيل بعد اختلاطه، نص عليه أبو حاتم فقال: (كان محله الصدق قديمًا قبل أن يختلط: صالح مستقيم الحديث، ثم بآخره تغير حفظه ... إلى أن قال: وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب؛ رَفَعَ أشياء كان يرويها عن التابعين، فرفعها إلى الصحابة). اهـ.
وقال ابن معين: (جميع من روى عن عطاء: روى عنه في الاختلاط إلا شعبة وسفيان). اهـ. انظر تهذيب الكمال (٢/ ٩٣٥).
وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده (١/ ٤٠٤)، وبتحقيق الشيخ أحمد شاكر (٥/ ٣١٧: ٣٨٢٨)، و (حس ٣١٨: ٣٨٣٠): قال:
٣٨٢٨/ حدثنا أبو الجواب، حدثنا عمار بن زريق، عن عطاء بن السائب، به. وقال: "الكبرياء" بدلًا من الكبر. قال الشيخ أحمد شاكر: إِسناده حسن. اهـ.
وبرقم ٣٨٣٠/ حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة: (قال عبد الله بن أحمد):
وسمعته أنا من عبد الله، قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ به نحوه، وقال: الكبر.
وهذا قال فيه المحقق إِسناده حسن. اهـ.
وفي كلا الطريقين عطاء بن السائب لكن الراوي عن عطاء في الطريق الأول: عمار، فيُحَسَّن أحدهما بالآخر.
والحاكم في المستدرك (١/ ٢٠٧): قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن موسى، ثنا محمد بن أيوب، أنبأ أبو بكر بن أبي شيبة به نحوه.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد، وقد استشهد البخاري بعطاء بن السائب. اهـ.
ووافقه الذهبي في التلخيص، وتقدم بيان ضعف إِسناده إذا انفرد.=
стр. 2763
= والبيهقي في الكبرى (٢/ ٣٦): قال: حدثنا أبو بكر بن فورك، أنبأ عبد الله بن جعفر، حدثنا يونس بن حبيب، ثنا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السائب، به نحوه: دون تفسير الألفاظ.
ويرى الهيثمي أن حماد بن سلمة قد سمع من عطاء قبل الاختلاط وعزا هذا القول لأبي داود فيما رواه عنه الآجري: انظر هامش كشف الأستار ونسبه ابن الكيال إلى الجمهور، وقال بأن يحيى بن معين وأبا داود والطحاوي وحمزة الكناني قالوا ذلك، وأن ابن عدي في الكامل ذكره عن ابن معين، وعباس الدوري وأبي بكر بن أبي خيثمة. انظر الكواكب النيرات (حس ٦٣: ٣٩): بتحقيق حمدي السلفي.
ورواه الإِمام أحمد في المسند ٦/ ١٥٦ مرسلًا من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن فقال: حدثنا قراد أبو نوح، أنا عكرمة بن عمار عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين: بأي شيء كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام كبر ... فذكره بطوله) زاد أبو سلمة في آخره: (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول: تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه، ونفثه، قالوا: يا رسول الله: وما همزه ونفخه ونفثه؟ ... الحديث).
فيفترق هذا المرسل عن مرسل الحسن بأنه أتى بصيغة الأمر، وأتى في سياق افتتاح صلاة الليل.
وقد صحح الألباني هذا الإسناد إلى أبي سلمة وقال: وفيه رد على من أنكر من المعاصرين ورود هذا التفسير مرفوعًا. اهـ. الإرواء (٢/ ٥٧).
ويبدو أن المقصود هو الشيخ أحمد شاكر ﵀ فقد قال ذلك، وخَطأ الزمخشري لما ذكر رفعها في الفائق، وذلك في تعليقه على الترمذي (٢/ ١٠).=
стр. 2764
= الحكم عليه:
والحديث إلى الحسن البصري صحيح،. لكنه مرسل.
فإذا ما ضم إلى مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن -وقد سبق تصحيح الشيخ الألباني له-، وكذا الأحاديث المرفوعة السابقة- على ما أوضحته من اختلاف ألفاظها، لكنها كلها تشهد لمعنى الحديث بل وللفظه أيضًا، وهذا الحديث من الشواهد على قول أبي زرعة حول إرسال الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وبناء على ما تقدم، فإن هذا الحديث: صحيح بشواهده، ومتابعه.
قال الشيخ الألباني في الإِرواء (٢/ ٥٧): بعد أن خرج الحديث: (وبالجملة فهذه أحاديث خمسة مسندة، معها حديث الحسن البصري وحديث أبي سلمة المُرْسَلَيْن إذا ضم بعضها إلى بعض: قطع الواقف عليها بصحة هذه الزيادة، وثبوت نسبتها إلى النبي ﷺ ، فعلى المصلي الإتيان بها اقتداء به ﵊. اهـ.
стр. 2765
٤٥٨ - وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إسرائيل، ثنا محمد ابن جَابِرٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عن عبد الله ﵁، قال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄: "فَلَمْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ إلَّا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ".
وَقَدْ قَالَ (١): "فَلَمْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ بَعْدَ (٢) التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى".
أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِلَفْظِ: "فَلَمْ يَرْفَعْ يديه إلَّا عند التكبيرة الأولى".
стр. 2766
٤٥٨ - تخريجه:
الحديث في مسند أبي يعلى (٨/ ٤٥٣: ٥٠٣٩): مثله إلَّا أنه سمى القائل في اللفظ الثاني فقال: وقد قال محمد: "فلم يرفعوا أيديهم ... " الحديث.
ومحمد هو ابن جابر، الراوي عن حماد.
وذكره الهيثمي في المقصد العلي (١/ ٣٢٣: ٢٦٣): مثله.
ثم قال: (قلت: الذي في السنن من حديثه: "ألا أصلي بكم صلاة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا عِنْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى".
والبوصيري في الإِتحاف (ق ١٩٠/ ب): مثله.
ثم ساق كلام الهيثمي السابق، وقال بعد ذلك: محمد بن جابر ضعيف. اهـ.
وأخرجه الدارقطني في سننه (١/ ١٩٥: ٢٥): وساقه بسنده إلى إسحاق بن أبي إسرائيل به مثله مقتصرًا على اللفظ الأول منه.
وانظر العلل له (٤/ ١٠٦ - ١٠٧).
وأخرج اللفظ الأول منه: ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٧٥: ٤٦٧): ساقه بسنده إلى إسحاق بن أبي إسرائيل به مثله.=
стр. 2767
= وابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٦٢) بسنده إلى إسحاق به مثله إلَّا أنه قال استفتاح بدلًا من افتتاح.
وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٧٠)، بسنده إلى إسحاق به نحوه. وقال: فيه محمد بن يسار، وهو خطأ -فيما يظهر- إذ هو: محمد بن جابر بن سيار. ولم أقف على من اسمه محمد بن يسار في تلامذة حماد، وانظر تهذيب الكمال (١/ ٣٢٧).
وذكره الذهبي في الميزان (٣/ ٤٩٦): عن إسحاق به نحوه دون صيغة النفي. ورواه غيرهم.
وهو في طرقه السابقة ضعيف لحال محمد بن جابر، وحماد بن أبي سليمان، وأعله بعض المحققين بعنعنة إبراهيم، ولا أرى هذا علة فهو في الثانية من المدلسين وتدليسه محتمل، ويستقيم الإعلال لو أنه أرسله.
وبعد أن ساق الدارقطني ﵀ هذا الحديث: ذكر أن الوقف على ابن مسعود هو الراجح، وهو رأي الحاكم وغيره.
والرواية الموقوفة:
أخرجها الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٧٧): قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إبراهيم، قال: "كان عبد الله لا يرفع يديه في شيء من الصلاة إلَّا في الافتتاح".
والبيهقي في الخلافيات (ق ٧٦/ ب): من طريق حماد بن سلمة، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أن ابن مسعود: "كان إذا دخل في الصلاة: كبر ورفع يديه أول مرة، ثم لا يرفع بعد ذلك" وهو منقطع -كما ترى- بين إبراهيم وابن مسعود.
قال البيهقي بعد أن ساقها: (قال أبو عبد الله الحاكم: هذا هو المحفوظ (أي: الوقف) وإبراهيم النخعي لم ير ابن مسعود، والحديث منقطع ... إلخ). اهـ.
وقد صحح ابن التركماني في هامشه على البيهقي (٢/ ٨٩): إِسناد هذه الرواية مع انقطاعه بين إبراهيم وعبد الله.=
стр. 2768
= وللحديث متابعات أخرج طائفة منها أصحاب السنن -كما أشار المصنف- وكذا غيرهم، وسأذكر بعضها:
فمنها ما أخرجه الترمذي (٢/ ٤٠: ٢٥٧):
قال: حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة به بنحوه، وفيه أنه قال: (فلم يرفع يديه إلَّا في أول مرة).
فعاصم بن كليب، قال فيه الحافظ: صدوق. انظر: التقريب (٢٨٦: ٣٠٧٥).
وعبد الرحمن هو ابن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، قال فيه الحافظ: ثقة.
انظر: التقريب (٣٣٦: ٣٨٠٣)، فقد توبع حماد عليه عن غير إبراهيم.
وكذا أخرجه النسائي (٢/ ١٩٥) قال: أخبرنا محمود بن غيلان المروزي قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان به بمثل رواية الترمذي.
وأخرجه غير واحد من أصحاب السنن، والمسانيد، والأجزاء، وغيرها.
стр. 2769
الحكم عليه:
الحديث من طريق أبي يعلى إِسناده ضعيف، وقد سبق بيان سبب ذلك.
ومتابعه الذي أخرجه الترمذي، والنسائي من طريق "وكيع عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة به".
هذا المتابع اختلفت فيه أقوال العلماء، وقد عرضها الزيلعي في نصب الراية.
انظر (١١/ ٣٩٥، ٣٩٦)،وأشار ابن أبي حاتم في العلل إلى رأي أبيه (١/ ٩٦).
وملخص كلام الزيلعي ﵀:
١ - أن ابن المبارك قال: حديث وكيع لا يصح. ويرى الزيلعي أن الحديث صحيح إلَّا زيادة (ثم لا يعود) فيبقى لفظ: "فلم يرفع يديه إلَّا في أول مرة" دالًا على عدم الرفع، حتى مع عدم ثبوت هذه الزيادة (ثم لا يعود). وساق طائفة ممن ضعفها، ونسب ابن القطان وغيره الوهم فيها لوكيع لأنه زادها مرة وتركها مرة، ونسبها إلى ابن=
стр. 2770
= مسعود مرة أخرى، لكنه توبع عليها.
٢ - هناك من يرى أن الوهم من سفيان الثوري لا من وكيع، ومن هؤلاء: البخاري، وأبوحاتم -فيما أورده عنه ابنه في العلل رقم ٢٥٨ قال-:
(سألت أبي عن حديث رواه الثوري عن عاصم، عن عبد الرحمن بن الأسود،
عن علقمة، عن عبد الله أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "قَامَ: فكبر فرفع يديه ثم لم يعد".
قال أبي: هذا خطأ، يقال: وهم فيه الثوري، فقد رواه جماعة عن عاصم:
وقالوا كلهم: أن النبي- ﷺ : افتتح فرفع يديه، ثم ركع، فطَبَّق، وجعلها بين ركبتيه،
ولم يقل أحد ما رواه الثوري). اهـ.
وبعدما عرض الزيلعي ﵀ الخلاف بين الفريقين قال: (وهذا اختلاف يؤدي إلى طرح القولين، والرجوع إلى صحة الحديث لوروده عن الثقات). اهـ. نصب الراية (١/ ٢٩٦).
قلت: ويضاف إلى ذلك أن النزاع هو حول زيادة (ثم لا يعود) والحديث قال على نفي الرفع من قوله: "فلم يرفع يديه إلَّا في أول مرة" أي حتى على فرض عدم ثبوت الزيادة فإن الرفع منتف.
إذا هذا المتابع لا ينزل عن رتبة القبول. على أن الأحاديث الواردة في نفي الرفع متعددة، وإن كانت لا تخلو من وجود الضعيف وقد أجملها ابن عبد الهادي في "التنقيح" في ستة، وعرضها ونقد أسانيدها.
فبعضها ثابت وينتهي إلى علقمة عن ابن مسعود، وبعضها عن غيره وفيه مقال، وبعضها عن غيره وفي سنده كذاب، وذكرها هنا إطالة لا طائل تحتها لا سيما وقد ثبت المتابع.
وانظر: التنقيح بهامش التحقيق لابن الجوزي (١/ ٢٧٥ - ٢٨٢).