← Книги сунны

Книги сунны · id 37618

المطالب العالية محققا

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (21 641 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فهذا مُؤَشِّر على أنّه نَشَأ منذ الصغَر نَشأة عِلْميّة طَيِّبة وأنَّه بكَّر في سماع الحديث. وقد كان من عادة السلف ﵏ البَدء بحفظ القرآن أول الطلب وقبل البدء بسماع الحديث، ولا يَبعد أن يكون الحارث بدأ بحفظه عِلمًا أن مصادر ترجمته لا تشير إلى ذلك. المطلب الرابع أقْوال العلماء فيه تتابعت أقوال أهل العلم، وتوالى ثناؤهم على الإمام الحارث ﵀ فقد وثقه ابن حِبان (١)، وابن الجوزي (٢)، وإبراهيم الحربي (٣)، والسمعاني (٤) وغيرهم، وقال الدارقطني: صدوق (٥). إلَاّ أنه لُيِّن، فقد قال الأزدي: ضعيف لم أر أحَدًا من شيوخنا يُحدِّث عنه (٦). ونُقِل عن ابن حَزْم أنه قال: ضعيف. وقال في موضع آخر: مجهول (٧).

стр. 282

ولعل تضعيف الأزدي له، وكذا ابن حزم -في قولِ- مبنيٌّ على كون الحارث كان يأخذ على التحديث أجرة (١). والتحقيق أنَّ هذا في حَقِّه ليس بقادح، كما عَلِمْت من كلام الإمام الصنعاني -المذكور في الهامش-، إذ كان الحارث ﵀، فقيرًا مُدْقعًا، فقد قال محمد بن موسى الرازي: سمعت الحارث بن أبي أسامة يقول: "لي ستّ بنات، أصغرهن بنت ستين سنة، ما زَوجت واحدة منهم لأنني فقير، وما جاءني إلَاّ فقير، وكَرِهت أن أزيد في عيالي، وها كفَنِي على الوَتِد من ثلاثين سنة، خِفْت أن لا يَجِدوا لي كَفَنًا (٢). على أنّ الأزْدي نفسه مُضعَّف عند المُحدِّثين، ولا يقبل جرحه. وأمَّا ابن حَزْم حين قال في الحارث: "مجهول" فلا يُعوَّل عليه الْبَتة، فقد جَهّل أبا عيسى الترمذي (٣) وغيره وهم معروفون مشهورون. قال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام الترمذي: "محمد بن عيسى الحافظ

стр. 283

العلم أبو عيسى الترمذي، ثقة، مُجمع عليه، ولا اِلتِفَات إلى قول أبي محمد بن حَزْم فيه أنه مجهول، فإنه ما عرفه ولا دَرَى بوجود "الجامع" ولا "العِلَل" اللذَين له" (١). وقال الحافظ ابن حجر في ترجمته: "كان واسع الحفظ جدًّا، إلَاّ أنّه لِثِقَتِهِ بِحَافِظَتِه كان يَهجم على القول في التعديل والتجريح، وتبيين أسماء الرواة فيقع له من ذلك أوْهام شنيعة" (٢). وجملة القول: أنّ الحارث ﵀ ثقة، معروف، ولا يَضِيره قَوْل من ضعّفه، كما عَلِمت آنفًا، ولا قَوْل من جهله. قال الحافظ الذهبي في ترجمة الحارث: "لا بأس بالرجل، وأحاديثه على الاستقامة ... وذَنْبه أنه أخَذ على الرواية -يعني أجْرًا- فلعله وهو الظاهر أنّه كان محتاجًا، فلا ضير" (٣). المطلب الخامس رحلاته كانت سُنَّة المُحدِّثين الرحلة في طلب الحديث تَحقيقًا لفوائد وأهداف سامية (٤)، وقد بدأت الرحلة في زمن الصحابة -رضوان الله عليهم-، ونشطت في القرن الثالث أكثر من ذي قَبل حِرْصًا على جَمع الحديث من علماء الأمصار المختلفة.

стр. 284

وكانت المدن التي يقصدها المُحدثون هي: مَكة المُكَرمة، والمدينة المُنَورة، والكوفة، والبَصرة، والشام، واليمن، ومصر، وبلاد ما وراء النهر، وغيرها من المدن المشهورة التي يكثر فيها العلماء، وتنثط فيها الرواية. والحارث بن أبي أسامة ﵀ من أولئك الذين حرصوا على الرحلة، وإن كان أكثر الذين روى عنهم قد وردوا بغداد، أو كانوا مِن أهلها، غير أن المصادر لا تُصَرِّح برحلاته، وإنما يمكن معرفة ذلك بدراسة أحوال بعض شيوخه، وفيما يلي بيان لبعض رحلاته: رحلته إلى مكة المكرمة: ثَبَتَت رحلة الحارث ﵀ إلى مَكة، ولا ندري كم كرة دخلها لكنه قد سجل وجوده فيها سنة (٢٠٩ هـ) روى ذلك عنه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي (١)، قال: حَدثنا الحارث، حَدثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك الأزدي البصري (٢) بِمَكة سنة تسع ومائتين ... ثم ذكر بقِية السَّنَد (٣). ومِمن التَقى بهم عبد الله بن يزيد المُقرىء (٤)، فإنه سافر إليها سنة

стр. 285

(١٧٨ هـ)، أيْ قبل ولادة الحارث بثماني سنين، وقد تُوُفي عبد الله سنة (٢١٣ هـ، فيكون الحارث الْتَقَى به هناك وعمره سبع وعشرون سنة هذا إذا اعتبرنا لقاءه به عام وفاته. البصرة: اهَتم الحارث بمدينة البصرة كاهتِمامه بمدينة بغداد والكوفة وغيرها من المراكز العلمية، فدخلها، ومِما يدلّ على ذلك أنّه روى عن بعض علمائها الذين لم يَرِدوا بغداد، منهم: الضحاك بن مخلد (١)، وهدبة بن خالد مُحدث البصرة (٢)، وهدبة لم يرحل (٣)، ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي (٤)، وبشر بن عمر الزهراني (٥)، وسعيد بن عامر الضُّبَعي (٦)

стр. 286

- وغيرهم مِمن روى عنهم الحارث ﵏ أجمعين -. الكوفة: ضَنَّت علينا المصادر التي تَرجَمت للحارث، فلم تذكر لنا شيئًا عن رحلته إلى الكوفة، إلَاّ أنه بدراسة شيوخه نجد أنّه التَقَى بعدد من علماء الكوفة الذين لم يدخلوا بغداد منهم: سعيد بن شُرَحبيل الكندي الكوفي (١)، وعُبَيْد الله بن موسى العَبْسي (٢)، ومالك بن إسماعيل النهدِي (٣)، وأحمد بن عبد الله بن يونس اليَربوعي (٤) وغيرهم. المطلب السادس عقيدته عاصر الحارث ﵀ أهل الاهواء والبدع، ومع ذلك لم يتأثر بهم، بل ظلّ على عقيدة الحق، عقيدة أهل السنة والجماعة، فقد قال: سنة سبع

стр. 287

وعشرين ومائتين فيها وَثَب قوم يوم الجمعة لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الأول في مسجد الرصافة على رجلين من الجهمية فضربوهما وأذلُّوهما، ثم مضوا إلى مسجد شُعَيب بن سهل القاضي (١) يريدون مَحْو كتاب كان كتبه على مسجده يذكر فيه أن القرآن مخلوق، فأشرف عليهم خادم لِشُعَيب، فرماهم بالنُشَّاب (٢)، فوثبوا فأحرقوا باب شعيب، وانتهب ناس منزله، وأرادوا نفسه، فهرب منهم، وهو أول قاض حُرِق بابه، وانتُهِب منزله فيما بلغنا، وكان يقول قَوْل جَهْم، مُبغِضًا لأهل السنة، مُتَحامِلا عليهم، مُنتَقِصًا لهم، لا يقبل لأحد منهم صَرفًا (٣) ولا عَدلًا (٤). فهذا يدلّ على أن الحارث كان على مُعتَقَد أهل السنة، كارهًا للجهمية، رافِضًا القول بِخَلْق القرآن. المطلب السابع شُيُوخه تَلَقّى الحارث ﵀ العلم، وطَلَب السماع على عدد كبير من علماء عَصره، وقد تنوعت علومهم، وتَعددت معارفهم، ومنهم من عُرِفت مكانتهم وجلالتهم، كل ذلك كان له الأثر في تكوين شخصية الحارث، وجَمْعه لِقَدر كبير من المعارف والعلوم، يظهر ذلك جليا إذا أمعنّا النظر في شخصيات

стр. 288

شيوخه، واختصاصاتهم مِمّا يؤكد أن الحارث أوْلى الطلب والسماع على الشيوخ عناية خاصة، وَاضِعا نصب عينيه، الحرص على التلقّي عن مشايخ في مختلف العلوم. وقد جمع الدكتور حسين الباكري في مقدمة تحقيقه لـ"بغية الباحث" (١) شيوخ الحارث، ومِنْ عدد كبير من المصادر والمراجع، فكان عددهم (١٣٩) شَيخًا، ولا شك أَنهم كثر من ذلك، ممّا يعطي تصوّرا عن شخصيته العلمية، التي كان من عوامل إثرائها تعدّد شيوخه، وتنوع معارفهم. ومن أشهرهم (٢): - أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي. المُتوفَّى سنة (٢٢٧ هـ). - إسحاق بن عيسى بن نجيح الطَّبَّاع. تُوُفِّي سنة (٢١٤ هـ). - الحسن بن موسى الأشْيَب. مات سنة (٢٠٩هـ). - رَوْح بن عُبَادة القيسي. المُتوفّى سنة (٢٠٥ هـ). - زهير بن حرب بن شداد أبو خيثمة. المُتوفّى سنة (٢٣٤ هـ). - عبد الله بن عون بن أبي عون الهلالي. المُتوفّى سنة (٢٣٢ هـ). - عُبَيْد الله بن موسى العَبْسي. المُتوفّى سنة (٢١٣ هـ). - الفَضل بن دُكَين، أبو نُعَيْم. المُتوفّى سنة (٢١٨ هـ). - القاسم بن سلّام، أبو عبيد. المُتوفّى سنة (٢٢٤ هـ).

стр. 289

- محمد بن عبد الله بن الزبير، أبو أحمد الزبَيْري. المُتوفّى سنة (٢٠٣ هـ). المطلب الثامن تلاميذه والآخذون عنه إذا كان الحارث ﵀ قد حرص على إثْراء فِكْره، وتكوين حصيلة علمية غنية، فإن من نتائج ذلك أن اسْتَقْطب أنظار التلاميذ الذين يَبْحثون عَمن يُفِيدهم من الشيوخ، فوجدوا بُغْيَتَهم في الحارث، فتتابعوا في الأخذ عنه، وقد كان منهم كثير من كبار المُحدثين وأعلام الحُفاظ الذين تنَوعت بلدانهم، وكانوا ذَوِي مَنْزلة عالية، ومكانة مَرْموقة. وقد عدّ الدكتور الباكري في مُقدّمته لتحقيق "بغية الباحث" (١) تلاميذه، والآخذين عنه، فكان عددهم يَرْبو على المائة، على اختلاف أماكنهم، وتنوّع بلدانهم، وتفاوت منازلهم، وفيهم من المشاهير المعروفين. وفيما يلي ترجمة لثلاثة من المعروفين منهم: ١ - الشيخ، الإمام، الحافظ، العلاّمة إبْراهيم بن إسحاق بن إبْراهيم، أبو إسحاق البغدادي (٢) الحربي. وُلِد سنة (١٩٨ هـ) (٣). طَلَب العلم وسمع سُرَيْج بن النعمان، وأبا عبيدة مَعْمر بن المُثنّى، وعبد الله بن صالح العجلي وغيرهم.

стр. 290

وعنه عبد الله بن أبي داود السجستاني، وأبو بكر أحمد بن جعفر القَطِيعي، وأحمد بن سلمان النَّجَّاد، وغيرهم. قال الخطيب البغدادي: كان إمامًا في العِلْم، رَأسًا في الزهد، عارفًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام، حافظًا للحديث، مُمَيِّزًا لِعِلَلهِ، قيمًا بالأدب، جماعة للغة (١). وقال الدارقطني: كان يُقاس بأحمد بن حنبل في زُهْده وعِلْمه وَوَرَعه (٢). وقال الذهبي يصفه: الشيخ، الإمام، الحافظ، العلامة، شيخ الإسلام (٣). تُوفي ﵀ سنة (٢٨٥ هـ) (٤). ٢ - الإمام، الحافظ عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس القرشي مولاهم، البغدادي، المعروف بابن أبي الدنْيا (٥). صاحب التصانيف المتعدّدة. وُلد سنة ثمان ومائتين (٦). وسمع من علي بن الجعد، وخالد بن خداش، والحارث وخَلق كثير.

стр. 291

وعنه ابن أبي حاتم، وأبو أحمد بن سلمان النجاد، وأبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي وخَلْق غيرهم كثير. طلب العلم، ورحل، وصنّف التصانيف الكثيرة، وعدّ له الذهبي (١) أكثر من (١٦٠ مصنفًا). قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وقال أبي: هو صدوق (٢). وقال الخطيب: كان يُؤَدِّب غير واحد من أولاد الخُلَفاء (٣). وقال ابن حَجَر: صدوق حافظ (٤). تُوفِّي ﵀ سنة (٢٨١ هـ) (٥). ٣ - الإمام، الحافظ قاسم بن أصبَغ بن محمد بن يوسف البيَّاني، أبو محمد القرطبي المالكي (٦). وُلِد سنة (٢٤٧ هـ) (٧). سمع بقي بن مخلد، ومحمد بن وَضاح، والحارث وغيرهم. وعنه حفيده قاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد الباجي، وعبد الوارث بن سفيان وغيرهم. قال ابن فرحون: كان ثَبْتًا صادقًا بَصِيرًا في الحديث والرجال.

стр. 292

وقال الذهبي: الحافظ، العلاّمة، مُحدث الأندلس، صَنف سُنَنًا على وَضْع سنن أبي داود، وصحيحًا على هيئة صحيح مسلم ... ثم ذَكَر كتبا أخرى (١). وقال: انتهى إليه عُلو الإِسناد بالأندلس مع الحفظ والإتقان، وبراعة العربية، والتقدم في الفَتوى والحُرمة التامة والجلالة (٢). قال ابن العماد: ثقة انْتَهى إليه التقدم في الحديث معرفة وحِفْظًا وعُلوّ إسْناد، رحل سنة (٢٧٤ هـ) فسمع بمكة وبغداد والكوفة، عاش (٦٣ سنة) (٣). تُوفي ﵀ في جُمَادَى الأولى سنة (٣٤٠ هـ) (٤). المطلب التاسع مُؤَلَفَاته لقد شهد العلماء للحارث، بالعلم، ومعرفة الأحاديث، ورواية الأخبار، فقال عنه الذهبي: "كان حافظًا عارفًا بالحديث عالي الإسناد" (٥). وقال الحافظ ابن حَجَر: "ثقة راوية للأخبار، كثير الحديث" (٦). وذلك أنه ﵀ اهتمّ بالحديث، والتاريخ، وأوْلى الأخبار عناية خاصّة حتى ألف كتابًا في ذلك. استَفاد من ذلك الكِتَابِ الأَئِمَةُ الذين ألَّفُوا في

стр. 293

التاريخ والسِّيَر كالطبري (١) في "تاريخ الرسل والملوك". والتفسير. والخطيب البغدادي (٢) في "تاريخ بغداد" وأبي الفرج الأصبهاني (٣) في كتابه "الأغاني" والحاكم (٤) في "المُسْتَدرك" والبيهقي (٥) في سننه، وأبي نُعَيم (٦) في الحلية ...

стр. 294

وغيرهم. وعليه فتُثِبْت النقول أنّ له كتابًا في التاريخ ... وفيما يلي توضيح موجز عنه. كتاب "أخبار الخلفاء" (١). للحارث كتاب في التاريخ أسماه "الخلفاء" أو "أخبار الخلفاء" والغالب أنه رَتبه على السنين (٢)، تناول فيه شيئًا من أخبار الأنبياء والصحابة - كأبي بكر وعمر وعثمان، ومن الأمراء: الحجاج بن يوسف الثقفي، وبعض ما حصل في عهد كل منهم من أحداث، وتناول أيضًا معظم الخلفاء العباسيين، وحاشيتهم ومُقربيهم، وُعمالهم. كما تناول شيئًا عن بناء بغداد، وتواريخ وَفَيات وأخبار العلماء والقضاة، والأمراء، والوزراء، والقادة، والكُتاب، والأدباء، والشعراء (٣). وللحارث كتاب آخر وهو "المسند" وسيأتي تفصيل عنه في المبحث الثاني من هذا الفصل- إنْ شاء الله تعالى -. هذا ما تُفِيده النقول عن مؤلفات الحارث، ولا تذكر له شيئًا آخر غير هذين الكتابين.

стр. 295

المطلب العاشر وفاته اختُلِف في تحديد سنة وفاته على قولين: الأول: أنه تُوفي ليلة عرفة، ودُفِن ضَحْوة النهار في سنة اثنتين وثمانين ومائتين. قاله أحمد بن كامل (١). الثاني: أنه تُوفي سنة تسع وسبعين ومائتين. ذكره أبو العباس النباتي (٢). قال الحافظ ابن حَجَر (٣): والأول هو الصحيح، فإنه وُلِد في سنة ست وثمانين ومائه، وقال أحمد بن كامل صاحبه: عاش ستا وتسعين. اهـ. رحم الله الإمام الحارث، وغفر له. ...

стр. 296

المبحث الثاني مسْنَد الحارث بن أبي أسامة تُثْبِت المصادر أن للحارث ﵀ مسندًا، ذكر ذلك أكثر الذين ترجموا له كابن نقطة (١)، والذهبي (٢)، وابن العِماد (٣)، والسيوطي (٤) بل إن أكبر دليل على ذلك، اسْتخراج الحافظ ابن حَجَر لزوائد مسند الحارث في هذا الكتاب -أعني المطالب- ومثله البوصيري في "إتحاف الخِيَرة المَهَرة بزوائد المسانيد العشرة"، والأمر أكبر مِن أن يُشَكك في إثبات مسند للحارث. والذي يَظهر أن هذا المسند كبير، يَدُلك على ذلك أنني تتبعت زوائده في كتاب "المطالب" فوجدتها تربو على (٦٠٠ نصّ)، وهي في "بغية الباحث عن زوائد الحارث" تزيد على (١١٥٠ نصًا) (٥).

стр. 297

وفيما يلي دراسة موجزة (١) عن هذا المسند وفق الأمور التالية: المطلب الأول ترتيبه لم يَسلك الحارث ﵀ في كتابه هذا ترتيبًا مُعَينًا، وبذلك وَصَفه ابن حَجَر فقال: "مسند الحارث بن أبي أسامة وهو غير مُرَتَّب" (٢). والحارث لم يسلك فيه الترتيب على الصحابة، بل يأتي إلى بعض شيوخه كيزيد بن هارون مثلًا، فيذكر له عِدة أحاديث عن عدد من الصحابة، ثم يُتبِعه بشيخ آخر وهكذا ... ويبدو من ذلك أن هذه طريقته في المسند (٣). المطلب الثاني شَرْطه في الكتاب الذي يَظهر من دراسة أحاديث مسند الحارث في القسم الذي أقوم بتحقيقه أنّه ليس للحارث شرط في مسنده خرّج الأحاديث بناء عليه، فلم يشترط في كتابه الصحة، أو الحُسن، أو الرواية عن الثقات، بل نجده يروي عن الثقات، والضعفاء، والضعفاء جدًا، بل والكذّابين كداود بن المُحَبر.

стр. 298

ومن خلال القسم الذي أقوم بتحقيقه أحْصَيْت النصوص التي من مسند الحارث فكانت (٢٨ نصًا) درجاتها حسب الإحصائية التالية: الصحيح: // حديث واحد (١). الحَسَن: // أربعة أحاديث (٢). الضعيف: // (١٠) أحاديث (٣). الضعيف جدًا: // (١٢) حديثًا (٤). الموضوع: // حديث واحد (٥). هذا في القسم الذي أقوم بتحقيقه، أضِف إلى ذلك بقية الكتاب فإن فيه ما جاء في فضل العقل، ضمّنه الحارث كتاب العقل الذي وَضَعه داود بن المُحبر. ومن الدراسة التي قُمْت بها حيث جَمَعْت النصوص التي أخرجها الحارث في مسنده، وضمنها ابن حَجَر كتاب "المطالب" وجدتها تربو على (٦٠٠ نص) - كما تقدم- ومنها يَتبين أنه أكثر في الرواية عن الضعفاء، والمتروكين، والكذابين، كداود بن المُحبر وهو كذاب فإنه روى عنه (٤٩ حديثًا)، ومحمد بن عمر الواقدي وهو متروك، روى عنه (٦١ حديثًا)، وعبد العزيز بن أبان وهو متروك، روى عنه (٤١ حديثًا)، وعبد الرحيم بن واقد وهو ضعيف،

стр. 299

روى عنه (٢١ حديثًا)، والحسن بن قتُيْبة وهو متروك، روى عنه (١١ حديثًا)، والعَباس بن الفَضْل وهو ضعيف جدًا، روى عنه (١١ حديثًا)، والخليل بن زكريا وهو متروك، روى عنه (١٨ حديثًا). وفي مسنده: المرفوع المُتصِل، والمرفوع المُنْقَطع، وكذا الموقوف، والمقطوع، ولم يتعرض في مسنده للحكم على الأحاديث، ولم يتعقب أسانيدها بالحكم على رجالها توثيقًا أو تجريحًا، كما يفعل البَزار. المطلب الثالث علوّ أسانيده ونزولها يُلًاحَظ أنه حصل للحارث عُلو في بعض أسانيده في مسنده فقد استخرج أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاّد جزءًا (١) جَمَع فيه عوالي مسند الحارث ومجموع أحاديثه: (٥٣ حديثًا) وهي ثُلَاثِية بالنسبة للحارث. واستَخرج أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي رباعياته من مسند الحارث في الأسانيد الرباعيات (٢) وهي من الأحاديث الثلاثية بالنسبة للحارث أيضًا. المطلب الرابع موارده نَظَرًا لكثرة شيوخ الحارث، وتنَوّع علومهم ومعارفهم من ناحية، ولكونه عاش في القرن الثالث الهجري، وكانت المُصنفات في الحديث قد ظهرت من

стр. 300

ناحية أخرى، فقد تعددت موارده، واستقى من عدد كبير منها في مسنده سواء كان ذلك بروايته عنهم مباشرة، أو بواسطة واحدة أو أكثر على أنْ الحارث ﵀ لم يُصرح بأسماء المُصنفات التي اقتبس منها بل يكتفي بسياق سنده إلى أصحاب تلك المُصنفات فيروي الحديث من طريقها (١). المطلب الخامس اهْتمام الأئمّة به اهتمّ المُحدِّثون بمسند الحارث سواء كان ذلك بسماعه وروايته، أو بالاقتباس منه، أو بِانتِخاب عواليه وزوائده. أمّا الاهتمام بسماعه وروايته، فيظهر إذا عَلِمنا تتابع المُحدِّثين في تداوله وحرصهم على سماعه ورواته. فقد رواه عن الحارث: أبو بكر بن خلّاد (٢)، والقاسم بن أصْبغ. ورواه عن أبي بكر بن خلاّد: أبو نعيم الأصبهانى، ورواه عنه: غانم بن أبي نصر (٣)، وعنه: الحافظ

стр. 301

أبو موسى محمد بن عمر الأصبهاني (١). ورواه عن أبي نعيم أيضًا: أحمد بن محمود الأصبهاني (٢)، وعثمان بن أبي بكر السفاقسي (٣)، وأبو عليّ الحدّاد (٤)، ورواه عن أبي عليّ كل من: حبيب بن إبراهيم (٥)، والخليل بن أبي الرجاء (٦). ورواه عن القاسم بن أصبغ: أحمد بن قاسم التميمي التاهرتي (٧)، ورواه عنه: أبو حفص الزهراوي (٨)، وعن أبي حفص رواه: أبو محمد بن. . . . . . . . . . . . . . .

стр. 302

عتاب (١)، وعن ابن عتاب: الأشبيلي (٢). وأمّا اهتمام الأئمة بسند الحارث من حيث الاقتباس منه، وانتخاب عواليه، فيظهر من الإحصائيات التي أجرِيت (٣) والتي من نتائجها كثرة النقول منه من قبل الأئمة كأبي نعيم، وأبي بكر بن خلاد، والحاكم، والبيهقي،

стр. 303

وأبي بكر الشافعي ... وغيرهم كثير. وأمّا اهتمام المحدثين باستخراج زوائده فيظهر من صنيع الإئمة: الهيثمي (١)، والبوصيري (٢)، وابن حجر (٣). كلّ ذلك الاهتمام من المُحدثين بمسند الحارث، إنّما يدلّ على أهميته، وقيمته العلمية ... والله المُعين والموفق. * * *

стр. 304

الفصل السابع تعريف بالإمام الحميدي وبمسنده (١) ويحتوي على مبحثين: المبحث الأول: التعريف بالحميدي. المبحث الثاني: التعريف بمسنده وأهم ما خدم به.

стр. 305

المبحث الأول التعريف بالحميدي وفيه المطالب الآتية: المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته. المطلب الثاني: نشأته، وطلبه للعلم، ورحلته فيه. المطلب الثالث: أهم شيوخه. المطلب الرابع: مذهبه، ومكانته العلمية، وثناء العلماء عليه. المطلب الخامس: روايته عن ابن عيينة، ومنزلته عند العلماء فيه. المطلب السادس: فقهه وتأثره بالشافعي. المطلب السابع: شبه حول شخصية الإمام ودحضها. المطلب الثامن: أهم تلاميذه. المطلب التاسع: مؤلفاته. المطلب العاشر: وفاته.

стр. 306

تمهيد يعتبر الإمام الحميدي من الشخصيات التي لم تنل ما يليق بمكانتها من قبل الباحثين قديمًا وحديثًا، فلم أقف على شيء من ذلك، سوى ما يذكر من نتف قليلة متفرقة في كتب التراجم، وغيرها. ولا شك أن إمامًا كان شيخ الحرم في عصره جدير بأن تصرف الهمم إلى دراسة حياته، ومآثره العلمية في الحديث، والفقه، وغيرهما. ولا أستطيع في مثل هذه المقدمة أن أصنع شيئًا من ذلك لأمور شتى، لكنني سأحاول بمشيئة الله تعالى، أن أقدم ولو شيئًا يسيرًا، يكون لبنة لعمل قادم يقوم به من هو أجدر مني بذلك. ومن الله أستمد العون والسداد. المطلب الأول اسمه ونسبه وكنيته (١) هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن

стр. 307

حميد بن زهير (١) بن الحارث بن أسد بن عبد العزى -وقيل (٢): ابن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد- القرشي الأسدي، أبو بكر الحُمَيْدي (٣)، المكي، الإمام الحافظ الفقيه، شيخ الحرم في عصره.

стр. 308

المطلب الثاني نشأته نشأ بمكة المكرمة، والظاهر أنه ولد بها، لكن لم أجد من صرح بسنة ولادته. طلبه للعلم: طلب العلم، ولازم كبار شيوخ بلده، وعلى رأسهم سفيان بن عيينة. قال الحميدي: جالست ابن عيينة تسع عشرة سنة، أو نحوها. اهـ (١). كما كان يسمع من القادمين لأداء الحج والعمرة. وتفقه على الشافعي، حتى صار مفتي أهل مكة. رحلاته في طلب العلم: لم يذكر للحميدي كبير رحلة، ولعل السبب في ذلك -والله أعلم- مجاورته لبيت الله الحرام، فكل أهل العلم تهفوا قلوبهم إليه، فيأتونه حجاجًا، ومعتمرين، فلا حاجة له في البحث عنهم في ديارهم، لكنه لم يرض أن تخلو صحائف أعماله من تغبير الأقدام في طلب العلم. فحين خرج الشافعي ﵀ إلى مصر، رافقه الحميدي، ولازمه حتى مات، ثم رجع إلى مكة (٢). وكان كغيره من المحدثين كل ما بلغه حديثًا عن رجل ابتغى لقاءه ليسمعه بعلو منه، ومن ذلك ما رواه الخطب (٣) بسنده عن أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة، قال: ثنا أبو العباس الوليد بن عبد العزيز بن عبد الملك بن

стр. 309

عبد العزيز بن جريح، قال: حدثتني أمي، عن جدي عبد الملك، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ ، فذكر حديثًا. قال: فحدثت الحميدي، فقال لي: اذهب بنا إليه حتى أسمعه منه. فقلت له: منزله بالثُقْبَه.-والثقبة على رأس ثلاثة أميال من مكة- فلما كان ذات يوم دفنَّا رجلًا من قريش، باكرًا، ثم قال لي الحميدي: هل لك بنا في الرجل؟ قلت: نعم. فخرجنا نريده، فلما كنا بقصر داود بن عيسى لقينا ابن عم له، فقال: يا أبا بكر أين تريد؟ قال: أردنا أبا العباس. فقال: يرحم الله أبا العباس، مات أمس. فقال الحميدي: هذه حسرة. ثم قال: أنا أسمعه منك. خروجه إلى البصرة: روى أبو نعيم (١) من طريق حبان بن إسحاق البلخي، ثنا محمد بن مردويه، قال: سمعت الحميدي يقول: صحبت الشافعي إلى البصرة، فكان يستفيد مني الحديث، وأستفيد منه المسائل. اهـ. فيظهر من هذا أن الحميدي خرج إلى الشافعي بالعراق، ثم سار معه إلى مصر، لأن الشافعي خرج إلى مصر من العراق (٢). لكن الخطيب لم يذكر له ترجمة في تاريخ بغداد، فلعله إنما لحق به بالبصرة، ثم سارا إلى مصر. المطلب الثالث أهم شيوخه لم يذكر المترجمون له في ترجمته إلَاّ عددًا قليلًا -إذا ما قيس بإمامته- من الشيوخ، كما أن أحاديثه التي أودعها مسنده كان اعتماده فيها على شيخه

стр. 310

ابن عيينة، ولم يذكر فيه من رواياته عن غيره إلَّا النزر اليسير، إذ لا يتجاوز عددهم تسعة وعشرين شيخًا، وبعضهم روى له مقرونًا بابن عيينة (١)، وأكثرهم ليس له إلَاّ حديث واحد. وإليك ما وقفت عليه منهم: ١ - [س- ت] (٢) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف "ثقة ربما أخطأ إذا حدث من حفظه"، مات سنة خمس وثمانين ومائة (٣). ٢ - [س] إسماعيل بن إبراهيم بن ميمون الصائغ "قال البخاري: سكتوا عنه. اهـ. وقال أبو حاتم: شيخ" (٤). ٣ - [س- ت] أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي المدني "ثقة"، مات سنة مائتين، وله ست وتسعون سنة (٥). ٤ - [س- ت] بشر بن بكر التنيسي، أبو عبد الله البجلي "ثقة يغرب"، مات سنة خمس ومائتين- وقيل: سنة مائتين- (٦). ٥ - [س] جرير بن عبد الحميد الضبي "ثقة صحيح الكتاب" مات سنة ثمان وثمانين ومائة، وله إحدى وسبعون سنة (٧).

стр. 311

٦ - [ت] أبو أسامة حماد بن أسامة، "ثقة ثبت"، مات سنة إحدى ومائتين، وله ثمانون سنة. ٧ - [س] سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري "قدري لين الحديث"، مات قبل المائتين (١). ٨ - [س- ت] سفيان بن عيينة الهلالي، الكوفي ثم المكي "ثقة فقيه حافظ مفسر إمام"، ولد سنة سبع ومائة، ومات سنة ثمان وتسعين ومائة. ٩ - [س] صالح بن قدامة بن إبراهيم القرشي الجمحي المدني "صدوق"، مات قبل المائتين (٢). ١٠ - [س] عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، "صدوق" (٣). ١١ - [ت] عبد الرحمن بن سعد بن عمار المؤذن المدني، "ضعيف"، مات قبل المائتين (٤). ١٢ - [س] أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد البصري مولى بني هاشم "ثقة" (٥)، مات سنة سبع وتسعين ومائة. ١٣ - [س] عبد الرزاق بن همام الصنعاني "ثقة حافظ، تغير بآخره بعدما عمي"، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، وله خمس وثمانون سنة (٦).

стр. 312

١٤ - [س- ت] عبد العزيز بن أبي حازم المدني "صدوق فقيه"، مات سنة أربع وثمانين ومائة -وقيل: قبل ذلك- (١). ١٥ - [س- ت] عبد العزيز بن عبد الصمد العمي البصري "ثقة حافظ" مات سنة سبع وثمانين ومائة - وقيل: بعدها - (٢). ١٦ - [س- ت] عبد العزيز بن محمد الدراوردي "صدوق صحيح الكتاب، يخطئ إذا حدث من حفظه"، مات سنة ست وثمانين ومائة- وقيل: غير ذلك- (٣). ١٧ - [س- م- ت] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ القرشي المخزومي أبو محمد المكي "ثقة"، مات قبل المائتين (٤). ١٨ - [ت] عبد الله بن الحارث بن محمد الحاطبي الجمحي المدني "صدوق"، مات قبل المائتين (٥). ١٩ - [س- ت] عبد الله بن رجاء المكي "ثقة تغير حفظه قليلًا"، مات في حدود التسعين ومائة (٦). ٢٠ - [ت] أبو صفوان عبد الله بن سعيد الأموي، الدمشقي، نزيل مكة "ثقة"، مات على رأس المائتين (٧).

стр. 313

٢١ - [ت] عبد الله بن يرفا المدني مولى بني ليث "ذكره ابن حبان في الثقات" (١). ٢٢ - [س- م] عبد الملك بن إبراهيم الجُدي ثم المكي "صدوق"، مات سنة أربع -أو خمس- ومائتين (٢). ٢٣ - [ت] علي بن عبد الحميد بن زياد بن صيفي (٣). ٢٤ - [ت] فرج بن سعيد المأربي اليماني "صدوق"، مات قبل المائتين (٤). ٢٥ - [س- ت] فضيل بن عياض "ثقة عابد إمام"، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقد جاوز الثمانين (٥). ٢٦ - [ت] محمد بن إدريس الشافعي "ثقة فقيه إمام، ومذهبه من أوسع المذاهب الأربعة انتشارًا"، مات سنة أربع ومائتين، وله أربع وخمسون سنة (٦). ٢٧ - [س] محمد بن خازم التميمي السعدي أبو معاوية الضرير "ثقة ثبت في حديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره"، مات سنة خمس وتسعين ومائة (٧).

стр. 314

٢٨ - [س] أبو همام محمد بن الزِّبرِقان الأهوازي "صدوق ربما أخطأ"، مات قبل المائتين (١). ٢٩ - [س- ت] محمد بن عبيد الطنافسي "ثقة"، مات سنة أربع ومائتين (٢). ٣٠ - [س- م] محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي "ضعيف"، مات قبل المائتين (٣). ٣١ - [س- ت] مروان بن معاوية الفزاري "ثقة حافظ، وكان يدلس"، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة (٤). ٣٢ - [ت] مسلم بن خالد، الزنجي، "فقيه صدوق كثير الأوهام" (٥). ٣٣ - [م] المعتمر بن سليمان التيمي "ثقة"، مات سنة سبع وثمانين ومائة (٦). ٣٤ - [م] مهدي بن ميمون الأزدي المعولي، أبو يحيى البصري "ثقة"، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة (٧). ٣٥ - [س- ت] وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي "ثقة حافظ عابد فقيه"، مات في آخر سنة ست وتسعين ومائة، وله سبعون سنة (٨).

стр. 315

٣٦ - [س- ت] الوليد بن مسلم الدمشقي "ثقة كثير التدليس والتسوية"، مات في أول سنة خمس وتسعين ومائة، وله ست وسبعون سنة (١). ٣٧ - [س] يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن التميمي النهشلي الكوفي "صدوق يخطئ، ورمي بالتشيع"، مات سنة إحدى ومائتين (٢). ٣٨ - [س- ت] يعلى بن عبيد الطنافسي، "ثقة"، مات سنة تسع ومائتين، ومولده سنة سبع عشرة ومائة (٣). المطلب الرابع مذهبه ومكانته العلمية وثناء العلماء عليه كان الحميدي ﵀، كغيره من أئمة الحديث، في التمسك بالسنة، ونبذ البدع، واتباع السلف الصالح رضوان الله عليهم، فكان شديد الحمل على كل من خالف ذلك. قال الإمام أحمد بن حنبل (٤): تكلم بشر بن السري بمكة بشيء، فوثب عليه ابن الحارث -يعني حمزة بن الحارث- والحميدي، فلقد ذل بمكة، حتى جاء فجلس إلينا مما أصابه من الذل. اهـ. وقال عن نفسه (٥): ما دمت بالحجاز، وأحمد بن حنبل بالعراق، وإسحاق بخراسان، لا يغلبنا أحد. اهـ. فكان شيخ الحرم، ومفتي أهل مكة في زمانه، لجمعه بين حفظ

стр. 316

الحديث، والفقه فيه. وكان لا يرى الأخذ عن كل صاحب بدعة وإن لم يكن داعية (١). وقد وصفه بالإمامة غير واحد من الأئمة، قال أحمد (٢): الشافعي عندنا إمام، والحميدي عندنا إمام، وإسحاق بن راهويه عندنا إمام. اهـ. وقال إسحاق بن راهويه (٣): الأئمة في زماننا: الشافعي، والحميدي، وأبو عبيد. اهـ. وقال أبو حاتم (٤): ثقة إمام. اهـ، وكان حافظًا من حفاظ الحديث، ولم يكن بالمكثر (٥) -إذا قُرِن ببعض أقرانه كأحمد بن حنبل وغيره- لاكتفائه بحديث ابن عيينة، غالبًا، فلم يكن بالمتوسع في الشيوخ، ولاشتغاله بالفقه وملازمة الشافعي (٦) ﵀، لذا جاء مسنده مختصرًا، بخلاف مسانيد غيره من الأئمة (٧). وقد استفاض ثناء العلماء عليه وتبجيلهم له. قال الشافعي (٨): ما رأيت صاحب بلغم أحفظ من الحميدي، كان يحفظ لسفيان بن عيينة عشرة آلاف حديث. اهـ. وقال ابن سعد (٩): كان ثقة كثير الحديث. اهـ.

стр. 317

وقال أبو العباس السراج (١): سمعت محمد بن إسماعيل يقول: الحميدي إمام في الحديث. اهـ. وقال يعقوب بن سفيان الفسوي (٢): حدثنا الحميدي- وما لقيت أنصح للإسلام وأهل الإسلام منه. اهـ. وقال ابن حبان (٣): كان صاحب سنة وفضل ودين. اهـ. وقال الحاكم (٤): ثقة مأمون. اهـ. وقال (٥): كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره. اهـ. وقال ابن عبد البر (٦): كان من الفقهاء المحدثين النبلاء الثقات، والحفاظ المأمونين، أخذ عن ابن عيينة، وهو صاحبه والمتحقق به. اهـ. وقال الذهبي (٧): الإمام الحافظ الفقيه، شيخ الحرم، ... ، وليس هو بالمكثر، ولكن له جلالة في الإسلام. اهـ. وقال الذهبي (٨) أيضًا: هو أجل أصحاب ابن عيينة. اهـ. وروى الذهبي- بسنده إلى البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، أخبرني محمد بن إبراهيم أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر يقول- على المنبر-: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات ... " الحديث، ثم قال (٩): هذا أول شيء افتتح به البخاري صحيحه، فصيره كالخطبة له، وعدل عن روايته افتتاحًا بحديث مالك الإمام إلى هذا الإسناد لجلالة الحميدي وتقدمه، ولأن إسناده هذا عزيز المثل

стр. 318

جدًا، ليس فيه عنعنة أبدًا، بل كل واحد منهم صرح بالسماع له. اهـ. وقال الحافظ (١): ثقة حافظ فقيه، أجل أصحاب ابن عيينة. اهـ. المطلب الخامس روايته عن ابن عيينة، ومنزلته عند العلماء فيه في سنة ثلاث وستين ومائة (٢) انتقل سفيان بن عيينة من الكوفة، مسقط رأسه، إلى مكة المكرمة، فجاور بها حتى مات في سنة ثمان وتسعين ومائة، فلاحت الفرصة للحميدي، فما تردد في قبولها، بل جعل نفسه وتدًا في أرض حلقة ابن عيينة، التي كانت تشع بالأنوار المحمدية، فصاحبها قد حوى علم عمرو بن دينار، وابن المنكدر، والزهري، وغيرهم من جلة التابعين وفضلائهم، ولم يخرج الحميدي من مكة حتى مات سفيان. قال الحميدي (٣): جالست ابن عيينة تسع عشرة سنة، أو نحوها. اهـ. ومع طول هذه المجالسة كان الحميدي ﵀ قد وهِب قوة الحافظة، وحسن الفهم لما يحفظه، فحفظ ووعى حديث ابن عيينة، وقد تقدم قول الشافعي (٤) فيه: ما رأيت صاحب بلغم أحفظ من الحميدي، كان يحفظ لسفيان ابن عيينة عشرة آلاف حديث. اهـ. وقد استفاض عن الأئمة تقديمه على سائر أصحاب ابن عيينة الحفاظ. قال محمد بن عبد الرحمن. . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 319

الهروي (١): قدمت مكة سنة ثمان وتسعين ومائة، ومات ابن عيينة في أول السنة قبل قدومنا بسبعة أشهر، فسألت عن أجل (٢) أصحاب ابن عيينة، فذكر لي الحميدي فكتبت حديث ابن عيينة عنه. اهـ. وقال ابن سعد (٣): وهو صاحب ابن عيينة، وراويته. اهـ. وقال ابن عبد البر (٤): سئل أحمد بن حنبل: من أثبت في ابن عيينة: علي بن المديني أو الحميدي؟ فقال: الحميدي صاحب الرجل، وأعلم الناس بحديث ابن عيينة، وأثبتهم فيه. اهـ. وقال أبو حاتم (٥): أثبت الناس في ابن عيينة: الحميدي، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة. اهـ. وقال الدارقطني (٦) -في أثناء كلامه على حديث أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ ، رأى نخامة في حائط المسجد ... الحديث"-: كذلك قال أصحاب ابن عيينة الحفاظ، منهم: الحميدي، ومسدد، وسعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة. اهـ. وقال الذهبي (٧): أكثر عنه، وجود. اهـ. وقال الحافظ (٨): أجل أصحاب ابن عيينة. اهـ. ومن الأدلة العملية القوية على صحة وصدق ما قاله من قدمنا ذكرهم، ما

стр. 320

رواه يعقوب بن سفيان الفسوي (١)، عن شيخه الحميدي، أنه قال: كنت بمصر، وكان لسعيد بن منصور حلقة في مسجد مصر، ويجتمع عليه أهل خراسان، وأهل العراق، فجلست إليهم، فذكروا شيخًا لسفيان، فقالوا: كم يكون حديثه؟ فقلت: كذا وكذا، فسبح سعيد بن منصور، وأنكر ذلك، وأنكر بن دَيْسم، وكان إنكار ابن ديسم أشد علي، فأقبلت على سعيد، فقلت: كم تحفظ عن سفيان، عنه؟ فذكر نحو النصف مما قلت، وأقبلت على ابن ديسم، فقلت: كم تحفظ عن سفيان عنه؟ فذكر زيادة على ما قال سعيد نحو الثلثين مما قلت أنا، فقلت لسعيد: تحفظ ما كتبت عن سفيان، عنه؟ فقال: نعم. قلت: فعدّ. قال: فعدّ. ثم قلت لابن ديسم: عدّ ما كتبت عن سفيان، عنه. فإذا سعيد يغرب على ابن ديسم بأحاديث، وابن ديسم يغرب على سعيد في أحاديث كثيرة، فإذا قد ذهب عليهما أحاديث يسيرة، فذكرت ما ذهب عليهما. قال: فرأيت الحياء والخجل في وجهيهما. اهـ. قلت: وسعيد بن منصور، من حفاظ أصحاب ابن عيينة -كما تقدم نقل ذلك عن الدارقطني-. وقد أبدى السبكي عدم قناعته بقولهم: (أجل أصحاب ابن عيينة)، فقال (٢): إن كان ما قاله أبو حاتم، والشافعي، وابن حبان، هو الحامل للذهبي على قوله: إن الحميدي أجل أصحاب ابن عيينة، فليس ذلك بكاف فيما قال. اهـ. قلت: الذي يظهر لي أن كلام من ذكر كاف في إثبات ذلك، لأنهم من جهابذة النقاد، فكيف إذا أضيف إليه ما ذكرنا من كلام محمد بن عبد الرحمن الهروي، وابن سعد، وأحمد بن حنبل.
следующие страницы →