← Книги сунны

Книги сунны · id 37618

المطالب العالية محققا

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (21 641 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الحديث، والفقه فيه. وكان لا يرى الأخذ عن كل صاحب بدعة وإن لم يكن داعية (١). وقد وصفه بالإمامة غير واحد من الأئمة، قال أحمد (٢): الشافعي عندنا إمام، والحميدي عندنا إمام، وإسحاق بن راهويه عندنا إمام. اهـ. وقال إسحاق بن راهويه (٣): الأئمة في زماننا: الشافعي، والحميدي، وأبو عبيد. اهـ. وقال أبو حاتم (٤): ثقة إمام. اهـ، وكان حافظًا من حفاظ الحديث، ولم يكن بالمكثر (٥) -إذا قُرِن ببعض أقرانه كأحمد بن حنبل وغيره- لاكتفائه بحديث ابن عيينة، غالبًا، فلم يكن بالمتوسع في الشيوخ، ولاشتغاله بالفقه وملازمة الشافعي (٦) ﵀، لذا جاء مسنده مختصرًا، بخلاف مسانيد غيره من الأئمة (٧). وقد استفاض ثناء العلماء عليه وتبجيلهم له. قال الشافعي (٨): ما رأيت صاحب بلغم أحفظ من الحميدي، كان يحفظ لسفيان بن عيينة عشرة آلاف حديث. اهـ. وقال ابن سعد (٩): كان ثقة كثير الحديث. اهـ.

стр. 317

وقال أبو العباس السراج (١): سمعت محمد بن إسماعيل يقول: الحميدي إمام في الحديث. اهـ. وقال يعقوب بن سفيان الفسوي (٢): حدثنا الحميدي- وما لقيت أنصح للإسلام وأهل الإسلام منه. اهـ. وقال ابن حبان (٣): كان صاحب سنة وفضل ودين. اهـ. وقال الحاكم (٤): ثقة مأمون. اهـ. وقال (٥): كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره. اهـ. وقال ابن عبد البر (٦): كان من الفقهاء المحدثين النبلاء الثقات، والحفاظ المأمونين، أخذ عن ابن عيينة، وهو صاحبه والمتحقق به. اهـ. وقال الذهبي (٧): الإمام الحافظ الفقيه، شيخ الحرم، ... ، وليس هو بالمكثر، ولكن له جلالة في الإسلام. اهـ. وقال الذهبي (٨) أيضًا: هو أجل أصحاب ابن عيينة. اهـ. وروى الذهبي- بسنده إلى البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، أخبرني محمد بن إبراهيم أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر يقول- على المنبر-: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات ... " الحديث، ثم قال (٩): هذا أول شيء افتتح به البخاري صحيحه، فصيره كالخطبة له، وعدل عن روايته افتتاحًا بحديث مالك الإمام إلى هذا الإسناد لجلالة الحميدي وتقدمه، ولأن إسناده هذا عزيز المثل

стр. 318

جدًا، ليس فيه عنعنة أبدًا، بل كل واحد منهم صرح بالسماع له. اهـ. وقال الحافظ (١): ثقة حافظ فقيه، أجل أصحاب ابن عيينة. اهـ. المطلب الخامس روايته عن ابن عيينة، ومنزلته عند العلماء فيه في سنة ثلاث وستين ومائة (٢) انتقل سفيان بن عيينة من الكوفة، مسقط رأسه، إلى مكة المكرمة، فجاور بها حتى مات في سنة ثمان وتسعين ومائة، فلاحت الفرصة للحميدي، فما تردد في قبولها، بل جعل نفسه وتدًا في أرض حلقة ابن عيينة، التي كانت تشع بالأنوار المحمدية، فصاحبها قد حوى علم عمرو بن دينار، وابن المنكدر، والزهري، وغيرهم من جلة التابعين وفضلائهم، ولم يخرج الحميدي من مكة حتى مات سفيان. قال الحميدي (٣): جالست ابن عيينة تسع عشرة سنة، أو نحوها. اهـ. ومع طول هذه المجالسة كان الحميدي ﵀ قد وهِب قوة الحافظة، وحسن الفهم لما يحفظه، فحفظ ووعى حديث ابن عيينة، وقد تقدم قول الشافعي (٤) فيه: ما رأيت صاحب بلغم أحفظ من الحميدي، كان يحفظ لسفيان ابن عيينة عشرة آلاف حديث. اهـ. وقد استفاض عن الأئمة تقديمه على سائر أصحاب ابن عيينة الحفاظ. قال محمد بن عبد الرحمن. . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 319

الهروي (١): قدمت مكة سنة ثمان وتسعين ومائة، ومات ابن عيينة في أول السنة قبل قدومنا بسبعة أشهر، فسألت عن أجل (٢) أصحاب ابن عيينة، فذكر لي الحميدي فكتبت حديث ابن عيينة عنه. اهـ. وقال ابن سعد (٣): وهو صاحب ابن عيينة، وراويته. اهـ. وقال ابن عبد البر (٤): سئل أحمد بن حنبل: من أثبت في ابن عيينة: علي بن المديني أو الحميدي؟ فقال: الحميدي صاحب الرجل، وأعلم الناس بحديث ابن عيينة، وأثبتهم فيه. اهـ. وقال أبو حاتم (٥): أثبت الناس في ابن عيينة: الحميدي، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة. اهـ. وقال الدارقطني (٦) -في أثناء كلامه على حديث أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ ، رأى نخامة في حائط المسجد ... الحديث"-: كذلك قال أصحاب ابن عيينة الحفاظ، منهم: الحميدي، ومسدد، وسعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة. اهـ. وقال الذهبي (٧): أكثر عنه، وجود. اهـ. وقال الحافظ (٨): أجل أصحاب ابن عيينة. اهـ. ومن الأدلة العملية القوية على صحة وصدق ما قاله من قدمنا ذكرهم، ما

стр. 320

رواه يعقوب بن سفيان الفسوي (١)، عن شيخه الحميدي، أنه قال: كنت بمصر، وكان لسعيد بن منصور حلقة في مسجد مصر، ويجتمع عليه أهل خراسان، وأهل العراق، فجلست إليهم، فذكروا شيخًا لسفيان، فقالوا: كم يكون حديثه؟ فقلت: كذا وكذا، فسبح سعيد بن منصور، وأنكر ذلك، وأنكر بن دَيْسم، وكان إنكار ابن ديسم أشد علي، فأقبلت على سعيد، فقلت: كم تحفظ عن سفيان، عنه؟ فذكر نحو النصف مما قلت، وأقبلت على ابن ديسم، فقلت: كم تحفظ عن سفيان عنه؟ فذكر زيادة على ما قال سعيد نحو الثلثين مما قلت أنا، فقلت لسعيد: تحفظ ما كتبت عن سفيان، عنه؟ فقال: نعم. قلت: فعدّ. قال: فعدّ. ثم قلت لابن ديسم: عدّ ما كتبت عن سفيان، عنه. فإذا سعيد يغرب على ابن ديسم بأحاديث، وابن ديسم يغرب على سعيد في أحاديث كثيرة، فإذا قد ذهب عليهما أحاديث يسيرة، فذكرت ما ذهب عليهما. قال: فرأيت الحياء والخجل في وجهيهما. اهـ. قلت: وسعيد بن منصور، من حفاظ أصحاب ابن عيينة -كما تقدم نقل ذلك عن الدارقطني-. وقد أبدى السبكي عدم قناعته بقولهم: (أجل أصحاب ابن عيينة)، فقال (٢): إن كان ما قاله أبو حاتم، والشافعي، وابن حبان، هو الحامل للذهبي على قوله: إن الحميدي أجل أصحاب ابن عيينة، فليس ذلك بكاف فيما قال. اهـ. قلت: الذي يظهر لي أن كلام من ذكر كاف في إثبات ذلك، لأنهم من جهابذة النقاد، فكيف إذا أضيف إليه ما ذكرنا من كلام محمد بن عبد الرحمن الهروي، وابن سعد، وأحمد بن حنبل.

стр. 321

المطلب السادس فقهه، وتأثره بالشافعي أقام الإمام أحمد بن حنبل في مكة، على سفيان بن عيينة، ينهل من معين علمه الصافي، لكنه لم يكن صاحب علم واحد، بل كان يدور على حلق العلم المختلفة، فكان من بين هذه الحلق حلقة محمد بن إدريس الشافعي، التي كانت تغوص في بحور النصوص القرآنية والحديثية، لتستخرج منها اللؤلؤ والمرجان، فكان أحمد يلازم هذه الحلقة كثيرًا، ويدعو من رأى من إخوانه المحدثين إليها، لكنهم كانوا يظهرون النفرة منها في الوهلة الأولى، لتطرقها إلى شيء من القياس والرأي، لكن سرعان ما تنقلب هذه النفرة إعجابًا بذلك الإمام الفذ الثاقب البصيرة. قال إسحاق بن راهويه (١): كنا بمكة- والشافعي بها، وأحمد بن حنبل بها- فقال لي أحمد بن حنبل: يا أبا يعقوب، جالس هذا الرجل. -يعني: الشافعي- قلت: ما أصنع به: وسنه قريب من سننا؟ أترك ابن عيينة، والمقبري؟! فقال: ويحك، إن ذاك يفوت، وذا لا يفوت. فجالسته. اهـ. وقد تمنى إسحاق أن يكون عرف هذا الإمام وما أوتي من الفهم قبل ذلك، وكان يتأسف على ما فاته (٢). فكان الحميدي واحدًا من أولئك النفر الذين اهتم أحمد بشأنهم، وسعى لإفادتهم. قال الحميدي (٣): كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة، فقال لي -ذات يوم أو ذات ليلة-: ههنا رجل من قريش، له

стр. 322

بيان ومعرفة. فقلت له: فمن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي. وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق، فلم يزل بي حتى اجترني إليه. وكان الشافعي قبالة الميزاب، فجلسنا إليه، ودارت مسائل. فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ فجعلت أتتبع ما كان أخطأ فيه -وكان ذلك مني بالقرشية (يعني: الحسد) - فقال لي أحمد بن حنبل: فأنت لا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة، وهذا البيان!!! -أو نحو هذا القول- تمر مائة مسألة، يخطئ خمسًا أو عشرًا، اترك ما أخطأ، وخذ ما أصاب. قال: وكان كلامه وقع في قلبي، فجالسته، فغلبتهم عليه، فلم نزل نقدم مجلس الشافعي، حتى كان بقرب مجلس سفيان. قال: وخرجت مع الشافعي، إلى مصر. وكان هو ساكنًا في العلو، ونحن في الأوسط ... إلخ. فلازمه ملازمة الابن لأبيه. وكان الإمام الشافعي يعامل طلابه معاملة أبنائه، ويحب لهم كل خير، ولا يزال يفيدهم في كل أوقاته، ليلًا ونهارًا. قال الحميدي (١): كان الشافعي ربما ألقى علىَّ وعلى ابنه أبي عثمان، المسألة، فيقول: أيكما أصاب فله دينار. فتخرج الحميدي به، حتى عد من كبار أصحابه. وقد رأى من نفسه بعد طول هذه المجالسة، التأهل لتصدر مجلس الشافعي بعد وفاته. قال الذهبي (٢): لما توفي الشافعي أراد الحميدي أن يتصدر موضعه، فتنافس هو وابن عبد الحكم على ذلك، وغلبه ابن عبد الحكم على مجلس الإمام، ثم إن الحميدي رجع إلى مكة، وأقام بها ينشر العلم، ﵀. اهـ.

стр. 323

وبعد رجوعه من مصر تصدر الفتيا في المسجد الحرام، إلى جانب عقد مجالس التحديث والفقه، وحُقَّ له ذلك فقد جمع بين حديث ابن عيينة وفقهه، وفقه الشافعي، إلى جنب ما سمع واستفاد من غيرهما. قال أبو عبد الله الحاكم (١): الحميدي مفتي أهل مكة ومحدثهم، وهو لأهل الحجاز في السنة كأحمد بن حنبل لأهل العراق. اهـ. المطلب السابع شبهات حول شخصية الإمام، ودحضها لا يكاد أحد ينجو من كلام الآخرين، وخاصة أقرانه، ولا سيما إذا كان ممن بَعُدَ صيتهم وعلت منزلتهم، واشتهرت معارضتهم لغيرهم، لكن هذا الكلام منه المؤثر، ومنه غير المؤثر، ومنه المفتعل. وقد نقل عن الإمام يحيى بن معين في حق الحميدي كلام محتمل، وكلام غريب. أما المحتمل فهو ما نقله الدوري (٢) عنه أنه قال: كان يجيء إلى سفيان، ولا يكتب. قلت ليحيى: فما كان يصنع؟ قال: كان إذا قام أخذها -يعني يحيى أنه كان يتسهل في السماع-. اهـ. فهذا الكلام ليس فيه قدح في الحميدي، لأنه هو صاحب الرجل وملازمه، وراويته، فليس بإمكان ابن معين، أو غيره، ممن يقيم عند سفيان بن عيينة اليوم واليومين، والشهر والشهرين، الحكم على الحميدي وسماعه من سفيان، فإن الرجل قد لازمه ما يقرب من عشرين سنة، فاستوعب ما عنده، وحفظه، وفاق أقرانه فيه. وذكر ابن الجنيد في سؤالاته (٣): قلت ليحيى بن معين: الحميدي

стр. 324

-صاحب ابن عيينة- ثقة هو؟ قال: ما أدري، ليس لي به علم. اهـ. وهذا غريب جدًا، فإنه يبعد أن يكون مثل ابن معين يخفى عليه حال الحميدي، وقد قال ما سبق في رواية الدوري، خاصة وأن سؤالات ابن الجنيد له كانت بعد المائتين، وقد قدم ابن معين على ابن عيينة وسمع منه، وهذا من كبار أصحابه، بل إنه كان مفتي مكة في زمانه -كما تقدم-. وقد اشتهر عن الحميدي (١) ﵀ منابذته لأهل الرأي، وفرحه برد الشافعي. عليهم، بسبب مخالفتهم لبعض النصوص، والقول في بعض المسائل بآرائهم. وهذا ليس رأيه وحده، بل جُلُّ أئمة الحديث على ذلك، فكانوا يذمون الرأي وأهله، إلَاّ ما وافق الدليل، مع اعترافهم لهم بالفقه، والتقدم فيه. وبسبب موقف الحميدي هذا راح بعض من حقق أحد كتبه من المعاصرين يُنَقِّب في طيات الكتب والتراجم، عله يجد ما يغض من مكانة هذا الإمام، وهو لا يتورع في سبيل ذلك عن إعطاء ما يجده حجمًا مهيلًا يستطيع من خلاله تحقيق مآربه. فقال في آخر ترجمته له: والذي لا يكتم أن ما انتهى إلينا من شمائله وسيرته بطريق الرواة ينم عن كونه لا يملك نفسه إذا غضب، وإن جبهه أحد بما لا يرضاه أقذع في الكلام، وأفحش في الرد عليه. ثم استشهد على ذلك بما وقع بين محمد (٢) بن عبد الله بن عبد الحكم، ويوسف البويطي، عندما تنازعا على مجلس الشافعي، فجاء الحميدي فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف، وليس أحد من أصحابي أعلم منه. فقال ابن عبد الحكم: كذبت. فقال له الحميدي: كذبت أنت وأبوك وأمك.

стр. 325

قال: ففي هذا ما يدلك على أنه كان قاسي اللسان -عفا الله عنه وغفر له-. قلت: مما لا شك فيه أن الحميدي ﵀ قد تجاوز الحد بتكذيبه لأبيه وأمه، لكن ابن عبد الحكم أظلم، فهو الذي بادر برميه بالكذب، وليس مراد الحميدي تكذيب أبيه وأمه، وإنما مراده المبالغة في الرد عليه، في لحظة غضب. ثم ذكر قصته مع بشر بن السري، عندما ذكر حديث: "ناضرة إلى ربها ناظرة" فقال: ما أدري ما هذا؟ أيش هذا؟ فوثب به الحميدي، وأهل مكة، وأسمعوه كلامًا شديدًا، فاعتذر بعد، فلم يقبل منه. قال المترجم المشار إليه أعلاه: ومع هذا فلم يقبل الحميدي منه، بل كان يقول: إنه جهمي لا يحل أن يكتب عنه. قال: فهذا يعطيك أنه كان إذا تسخط على أحد، أو نقم منه شيئًا لم يكن ليرضى عنه، ولو تنصل أو اعتذر، ولكن الأئمة لم يتابعوه بل رضوا عن بشر ووثقوه، وأخرجو له، حتى إن البخاري تلميذ الحميدي أخرج له في صحيحه. اهـ. قلت: ولا يخلو هذا الكلام من بعض المغالطات، فإنه ليس الحميدي وحده الذي لم يقبل اعتذاره، بل قال أحمد بن حنبل (١): وثب به الحميدي وأهل مكة، وأسمعوه كلامًا شديدًا، فاعتذر بعد. فلم يقبل منه، وزهد الناس فيه بعد، فلما قدمت مكة المرة الثانية كان يجيء إلينا، فلا نكتب عنه، وجعل يتلطف، فلا نكتب عنه. اهـ. فقد تبين لك أن أهل مكة، والإمام أحمد، وغيرهم لم يقبلوا اعتذاره، وليس الحميدي وحده، وهذا منهم على سبيل زجر كل من تسول له نفسه الدخول في شيء من البدع، ومخالفة السلف الصالح، وإلا فالرجل تجد صح رجوعه عن ذلك وتوبته منه. ولم أر أحدًا ممن ترجم

стр. 326

للحميدي تعرض لمثل هذا، لأنهم لا يرون مثل ذلك قادحًا فيه. فأقدم هذا المحدث على هذا العمل المشين ليفتح للرعاع باب القدح في أئمة السنة وعلمائها، فنعوذ بالله من الخذلان، ونعوذ باللهِ من عصبية مذهبية أعمت القلوب والأبصار. المطلب الثامن مؤلفاته إن إمامًا مثل الحميدي ﵀ من المحتمل أن تكون له المؤلفات الواسعة في فروع الشريعة، فهو محدث فقيه، لكن للاسف لم يذكر له إلَاّ النزر اليسير، ولم يصل إلينا إلَاّ يسير اليسير، فلعل الإمام اشتغل بالتعليم والفتوى، ولم يعر جانب التأليف اهتمامًا، أو أن ما ألفه ضاع مع ما ضاع من تراثنا العلمي العظيم. فمما ذكر لنا من مؤلفاته: ١ - المسند (١). ٢ - التفسير (٢). ٣ - الرد على النعمان (٣). ٤ - كتاب النوادر (٤). ٥ - كتاب الدلائل (٥).

стр. 327

المطلب التاسع تلاميذه بعد وفاة الشافعي ﵀ عاد الحميدي إلى مكة، فتفرغ لنشر الحديث، والفقه بين الناس، وتصدر الفتيا بمكة، وهي مهبط الأفئدة تهوي إليها من كل مكان، سيما في موسم الحج. فلا شك أنه قد حمل عنه العلم أمم من الناس، لكن لم يذكر المزي (١)، وغيره، في تلاميذه إلَاّ القليل، وليس ذلك بالمقياس الصحيح لهم، لأن اهتمام المزي، وغيره بمن روايتهم عنه في الكتب الستة، فيحتاج جمع تلاميذه إلى تتبع كتب التراجم، وهذا من العسر بمكان. ولم يسمع منه أحد من مصنفي الكتب الستة، سوى البخاري (٢)، وكان من شيوخه في الفقه، والحديث (٣)، وروى له في الصحيح خمسة وسبعين حديثًا (٤). وروى له مسلم في مقدمة صحيحه (٥)، بواسطة سلمة بن شبيب. وكلها أقوال لسفيان بن عيينة، في الكلام على الرجال. واعلم أن مسلمًا لم يُعرِض عن الحميدي إلَاّ بسبب طلب العلو، لأنه لم يسمع منه، وقد سمع من غير واحد ممن يروون عن ابن عيينة، فإذا روى الحديث من طريق الحميدي نزل درجة. وروى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه -في التفسير- وقد حدث عنه: محمد بن سعد -كاتب الواقدي-، والإمام أحمد ابن حنبل،

стр. 328

وهما من أقرانه (١). وإليك أسماء من وقفت عليهم من الرواة عن الحميدي: ١ - إبراهيم بن صالح الشيرازي. ٢ - أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري. ٣ - إسماعيل بن عبد الله الأصبهاني، سمويه. ٤ - بشر بن موسى الأسدي -وقد روى عنه المسند-. ٥ - الحارث بن محمد بن أبي أسامة (٢). ٦ - الربيع بن سليمان المرادي (٣) -صاحب الشافعي-. ٧ - سلمة بن شبيب النيسابوري. ٨ - أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي الإِمام. ٩ - عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم النسائي. ١٠ - محمد بن أحمد القرشي. ١١ - أبو بكر محمد بن إدريس بن عمر المكي، وراق الحميدي. ١٢ - أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الرازي الإمام. ١٣ - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب الصحيح. ١٤ - أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن يوسف السلمي، الترمذي -وقد روى عنه المسند- (٤). ١٥ - محمد بن عبد الرحمن الهروي. ١٦ - محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني، نزيل المغرب.

стр. 329

١٧ - محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي. ١٨ - محمد بن علي بن ميمون الرقي. ١٩ - محمد بن يحيى الذهلي. ٢٠ - محمد بن يونس الكديمي. ٢١ - محمد بن يونس النسائي. ٢٢ - هارون بن عبد الله الحمال. ٢٣ - يعقوب بن سفيان الفسوي -صاحب كتاب المعرفة والتاريخ-. ٢٤ - يعقوب بن شيبة السدوسي -صاحب المسند الكبير المعلل-. ٢٥ - يوسف بن موسى القطان. المطلب العاشر وفاته قال ابن سعد (١)، والبخاري (٢)، ويعقوب بن سفيان الفسوي (٣)، وابن حبان (٤)، وابن عبد البر (٥)، وغيرهم، مات سنة تسع عشرة ومائتين. زاد ابن سعد، وابن عبد البر: بمكة، في شهر ربيع الأول. وقال المزي (٦) -بعد أن ذكر قول ابن سعد والبخاري-: وقال غيرهما: مات سنة عشرين ومائتين.

стр. 330

وقال الذهبي (١): وقيل: سنة عشرين. وقال الحافظ (٢): وقيل بعدها -يعني بعد سنة تسع عشرة ومائتين-. ولم أجد أحدًا قال ذلك، ولم يسم المزي، ولا الذهبي، ولا ابن حجر، من قال ذلك، وأظن أن كلًا منهم تابع سابقه. والراجح لدي سقوط الخلاف في ذلك، وأن وفاته كانت كما قال عصريه ابن سعد، وتلميذاه: البخاري، والفسوي، ومن تابعهم، ولا عبرة بقول غيرهم إن وجد، لإمامتهم في هذا الشأن، وتثبتهم فيه. * * *

стр. 331

المبحث الثاني التعريف بمسنده وأهم ما خدم به وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: أهميته. المطلب الثاني: الانتهاء من تصنيفه وإملائه على الناس. المطلب الثالث: رواة المسند عنه. المطلب الرابع: نسخ المسند وطبعاته. المطلب الخامس: توثيق نسبته للحُميدي. المطلب السادس: وصف المسند. المطلب السابع: زوائده على الكتب الستة، ومسند أحمد. المطلب الثامن: بعض الملحوظات على مسند الحميدي المطبوع.

стр. 332

المطلب الأول أهميته إن أهمية كل عمل تنبثق في الدرجة الأولى من صاحب ذلك العمل، وحسبك بشيخ الحرم، ومفتي مكة وفقيهها، مع الإمامة في الدين، والحفظ المتين، والإتقان المنعدم النظير. فلقد كان عَلَمًا في نشر السنة، والذب عن حياضها، وقمع البدعة، ووأدها في مهادها، ولذا أقبل على مجالسه أفذاذ أئمة الحديث، كالبخاري، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وغيرهما، بل قد ذكر أن الإمام أحمد بن (١) حنبل، ومحمد بن سعد -كاتب الواقدي- قد رويا عنه. وقد كان من أخص تلاميذ ابن عيينة، فنهل من علمه، ونقل عنه ما لم يعلمه غيره، فرصع مسنده بهذه الجواهر الثمينة، فجاء كتاب حديث، وعلل، وفقه، وتفسير. كما أن لُقِيه للكبار -ابن عيينة وغيره- منحه علو الإسناد، والقرب من أفضل العباد ﷺ . ومما زاد مسنده شرفًا دقة تحريه فيما ينتخب ويختار له من الأحاديث والآثار، فأغلب أحاديثه في الصحاح والسنن.

стр. 333

المطلب الثاني الانتهاء من تصنيفه وإملائه على الناس بعد عودته من مصر جلس في ساحات بيت الله الحرام ينشر العلم بين الناس، فقد جمع الله له الحديث والفقه معًا، فنقل عنه العلماء ما شاء الله من ذلك. ثم إنه أراد أن يكون بعض ذلك العلم مدونًا في كتاب باسمه ليكون سببًا في زيادة حسناته في حياته، وبعد موته، لقوله ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلَاّ من ثلاثة: إلَّا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١). فشرع في تنظيم هذا المسند، فلما انتهى من ترتيبه شرع في إملائه على الناس. قال يعقوب بن سفيان الفسوي (٢): قدمت مكة في أول شهر رمضان -يعني: في سنة ست عشرة ومائتين- وسمعت مسند الحميدي، ابتدأ فيه في شوال. اهـ. ويعتبر الحميدي من أوائل من صنف المسانيد. المطلب الثالث رواة المسند مما لا شك فيه أن هذا المسند -أو بعضه- قد سمعه الآلاف من طلبة العلم الذين كانوا يتقفرون العلم في ذلك الزمان، لكن أكثرهم كان يدخل ما سمعه منه في أثناء مصنفاته، ومجالسه الحديثية، دون الإشارة إلى أنه من مسند

стр. 334

الحميدي، لأنهم تلقوه منه سماعًا، فهم يروونه كما سمعوه، ولذا تجد أن كثيرًا مما يرويه البخاري في صحيحه -مثلًا- من طريق الحميدي، هو في مسنده بحروفه، وهكذا غيره. أما من سمع الكتاب كله ودونه على أنه مصنف للحميدي فلم يصلنا من ذلك إلَاّ رواية بشر بن موسى الأسدي البغدادي (١). وذكر الحافظ ابن حجر ما يدل على أنه وقف على مسند الحميدي من رواية غيره، فقد قال (٢): راجعت مسند الحميدي من طريق قاسم بن أصبغ، عن أبي إسماعيل السلمي عنه. اهـ. فلعل هذه الرواية، وغيرها، في نسخ لم تكتشف حتى الآن، أو تلفت مع ما تلف. المطلب الرابع نسخ المسند وطبعاته قام الشيخ المحدث حبيب الرحمن الأعظمي، بالبحث عن نسخ خطية لهذا المسند كي يقوم بتحقيقه، فعثر على ثلاث نسخ (٣)، هي: ١ - نسخة مكتبة دار العلوم، بمدينة ديوبند بالهند، وقد كتبت هذه النسخة في سنة أريع وعشرين وثلاثمائة وألف. ٢ - نسخة المكتبة السعيدية، بحيدرآباد بالهند، وقد كتبت هذه النسخة في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وألف.

стр. 335

٣ - نسخة مكتبة الجامعة العثمانية بحيدرآباد بالهند، وقد كتبت هذه النسخة في سنة تسع وخمسين ومائة وألف، أو قبلها. وعدد أوراقها خمس وثلاثون ومائة ورقة. فبدأ بتحقيق الكتاب (١)، جاعلًا الأولى -أعني: نسخة ديوبند- أصلًا، وهي آخر النسخ الثلاث كتابة (٢). وعندما انتهى من تحقيق بعض الكتاب وتقديمه للطبع أرسل إليه نسخة رابعة، وهي: ٤ - نسخة المكتبة الظاهرية (٣)، بدمشق، وهي من كتب الشيخ أبي الحسن علي بن الحسن بن عروة الحنبلي (٤)، التي وقفها (٥)، وقد انتهى كاتبها المدعو: أحمد بن البصير المقرئ، من كتابتها في العاشر من شعبان سنة تسع وثمانين وست مائة (٦). وعدد أوراقها ثمان وعشرون ومائة ورقة وفي كل

стр. 336

ورقة صفحتان. وفي كل صفحة خمسة عشر سطرًا. وفي كل سطر ما بين تسع إلى ثلاث عشرة كلمة، وهي متقاربة الأسطر. وخطها متوسط ليس بالدقيق ولا العريض. ويهمل كاتبها بعض النقاط، وبعض النبرات لا يظهر كثيرًا. وكتب العناوين بخط عريض. وعليها بعض التصحيحات، والتعليقات وليست بكثيرة. وألحق بهوامشها بعض ما سقط، وختمه بعلامة التصحيح (صح). وكتب على غلاف النسخة: وقفه وسائر كتبه شيخنا الإمام العلامة الأوحد أبو الحسن علي بن الحسين بن عروة الحنبلي، تقبل الله منه، فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم. اهـ. وتحته ختم دار الكتب الظاهرية الأهلية بدمشق. وفي صفحتها الثانية، والأولى التي تليها سرد لمسانيد الصحابة ﵃، المذكورين في المسند. وفي الصفحة الثانية من الورقة التي تلي الغلاف ترجمة مختصرة للمؤلف، كتب فوقها: منقول من جامع الأصول لابن الأثير. وكتب على الورقة الأولى من النسخة اسم المسند ومؤلفه، ثم سند الرواية لهذا المسند، الذي ينتهي إلى كاتب النسخة التي كتبت منها نسختنا. حيث قال: سماع لكاتبه ومالكه أبي البركات بن أبي محمد بن أبي أحمد المقرئ. ثم صورة لسماع ابن عماد، وابن تيمية، ومن معهما. ثم سماع جماعة على ابن العماد. كتبه أحمد بن عساكر. وكتب بالجانب الأيسر من الصفحة، باتجاه الأعلى: ابتعته من المحدث شمس الدين بن محمد ... وكتب أحمد بن عساكر. وفي الصفحة الثانية من الورقة الأولى ابتدأ بالبسملة، ثم ذكر سند نسخة الأصل، وابتدأ بذكر أحاديث أبي بكر الصديق ﵁، ولم يضع لها

стр. 337

عنوانًا. ثم أعقبها بأحاديث عمر بن الخطاب ﵁. وفي آخر المسند: أصول السنة. وهي من كلام الحميدي، يشرح معتقده السلفي. وبآخر النسخة سماعات مصورة من نسخة الأصل. وسماعات لنفس هذه النسخة، بخط أحمد بن يحيى بن علي بن عساكر. وهي بعد السبعمائة، وأحدها في جامع عمرو بن العاص بمصر. وفي الصفحتين الأخيرتين سماعات بعضها مصور، وبعضها بخط أحمد بن عساكر. ٥ - وفي أثناء كتابة هذه الدراسة كنت أبحث في ما وصلت إليه يدي من الفهارس، وأحاول الاتصال بالمراكز المهتمة بالمخطوطات، وقد من الله على بالعثور على نسختين غير ما تقدم. والأولى منهما من مخطوطات دار الكتب الظاهرية بدمشق، ومنها صورة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، برقم (٤٦٦٥ ف). وهي أقدم من كل النسخ السالفة الذكر، إذ كتبت في سنة ثلاث وستمائة. كتبها أحمد بن عبد الخالق الدمشقي. وعدد أوراقها اثنتا عشرة ومائتا ورقة وعليها سماعات. ٦ - والثانية: نسخة مكتبة دار العلوم بندوة العلماء بلكنو، ومنها صورة بالجامعة الإسلامية، برقم (٣٦٠٣ ف). كتبها أحمد أبو الخير بن عثمان ابن علي المكي. وعدد أوراقها تسعون ورقة، في كل ورقة واحد وعشرون سطرًا ومقاسها: (٢٢× ١٦.٥ سم) وخطها دقيق وجميل، لكن تصويرها لم يكن جيدًا. وتم نسخها في يوم الأربعاء من شهر ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف. وكلاهما -أعني النسختين- رواية بشر بن موسى الأسدي، عن الحميدي. وليس فيهما ذكر لمسند طلحة بن عبيد الله ﵁.

стр. 338

وقد أفادني بهذه المعلومات عنهما أحد الإخوة الثقات المقيمين بالمدينة المنورة. فجزاه الله خيرًا. * وقد إنتهى المحقق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي من التعليق على مسند الحميدي في شهر صفر سنة ثمانين وثلاثمائة وألف (١). وقد جاء الكتاب في مجلدين، طبع الأول منهما في شعبان سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة وألف، وهو من منشورات المجلس العلمي بكراتشي. وطبع المجلد الثاني في آخر تلك السنة. المطلب الخامس توثيق نسبة المسند للحميدي لا تكاد ترجمة الحميدي عند كل من ترجم له من المتقدمين، والمتأخرين تخلو من ذكر مسنده (٢) هذا، بل قد ذكره غير واحد من تلاميذه في أثناء كتبهم، لمناسبة ما، ومن ذلك قول تلميذه يعقوب بن سفيان الفسوي (٣): قدمت مكة في أول شهر رمضان، وسمعت مسند الحميدي، ابتدأ فيه في شوال. اهـ. كما أن أكثر الأحاديث التي رواها البخاري في صحيحه من طريق الحميدي، هي بحروفها في هذا المسند، عدا ما يقع فيها من اختصار البخاري، كما هو معروف من منهجه (٤). وكذلك ما رواه غيره عنه.

стр. 339

وجاء في كتب بعض من تأخر عنه أحاديث من طريق بشر بن موسى، عنه، ومن ذلك ما رواه ابن نقطة (١) في ترجمته بسنده عن بشر بن موسى عن الحميدي، بسنده إلى عائشة ﵂، فذكر حديثًا. ومما يؤكد -أيضًا- أن الذي بين أيدينا هو مسند الحميدي، اتصال إسناد بعض النسخ الخطية من مالكها إلى الحميدي، بل إن نسخة دار الكتب الظاهرية عليها سماعات سجلت بعد كتابة الأصل بسنوات، على علماء أجلاء معروفين برواية الحديث (٢). ويتفق ما بين أيدينا من المسند مع ما كان لدى الحافظ ابن حجر، وتلميذه البوصيري من هذا المسند، وهما يرويان المسند بأسانيدهما التي تلتقي من بعض طرقها مع ما بين أيدينا في أبي عبد الله محمد بن عماد بن الحسين الحراني (٣). وفي بعض طرقها في شيخه أبي الحسن سعد الله بن نصر الدجاجي (٤). وما ذكره الحافظ ابن حجر من زوائد مسند الحميدي، في كتابه "المطالب العالية" وما ذكره تلميذه البوصيري -أيضًا- في كتابه: "إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة"- وجدنا ما وقع لنا منها بحروفها في المسند.

стр. 340

المطلب السادس وصف المسند وفيه النقاط التالية: ١ - أجزاء المسند: جاء مسند الحميدي في أحد عشر جزءًا حديثيًا (١)، لكن هذه التجزئة فيما يبدو ليست من صنع المؤلف لاختلافها من نسخة لأخرى، من حيث بداية الجزء ونهايته (٢)، بل إن كاتب النسخة الظاهرية أهمل كثيرًا من ذلك، فهو لا يذكر إلَّا نهاية الجزء، ويذكره في الحاشية، وبعض الأجزاء لم أجده ذكر نهايتها. ٢ - ترتيب المسند: سلك الحميدي ﵀ مسلك غيره ممن ألف المسانيد، لكنه امتاز عنهم ببعض الأمور. (أ) فمن حيث ترتيب المسانيد فقد ابتدأ كغيره بالخلفاء الراشدين على ترتيبهم المعروف عند أهل السنة والجماعة -أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي ﵃ أجمعين- ثم ذكر بقية العشرة، لكن مسند طلحة بن عبيد الله سقط من النسخ التي بين أيدينا، وقد ذكر الحافظ ابن حجر (٣)، والبوصيري (٤)، حديثين من مسند طلحة، في الزوائد، فلا شك في سقوطه، أو أنه لم يكن في رواية بشر بن موسى، وهذا فيه بعد، لأن كلا منهما- الحافظ وتلميذه- (٥) لم

стр. 341

ينبه على ذلك، ولم يذكرا في أسانيدهما طريقًا لهما غير رواية بشر بن موسى. ثم ذكر بعدهم بعض من تقدم إسلامهم من الصحابة: فذكر ابن مسعود، ثم أبا ذر، ثم عامر بن ربيعة، ثم عمار بن يسار، ثم صهيب، ثم بلال، ثم خباب بن الأرت، ﵃. ثم ذكر أمهات المؤمنين، فبدأ بعائشة، فحفصة، فأم سلمة، فأم حبيبة بنت أبي سفيان، فزينب بنت جحش، فميمونة بنت الحارث، فجويرية بنت الحارث، ولم يذكر باقي أمهات المؤمنين ﵅. ثم ذكر بقية النساء، وقد ذكر فيه خمسًا وعشرين امرأة. ثم ذكر أحاديث رجال الأنصار: فذكر معاذ بن جبل، ثم أُبي بن كعب، ثم أبا أيوب الأنصاري، وذكر بعدهم خمسة عشر رجلًا من رجال الأنصار. ثم ذكر من تأخر إسلامهم، وصغار الصحابة، فبدأ ببني عبد المطلب: العباس فابنه الفضل، فابن عباس -أعني عبد الله-، فعبد الله بن جعفر بن أبي طالب. فأسامة بن زيد مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثم أبا رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثم حكيم بن حزام، ثم جبير بن مطعم، ثم ذكر سبعة ومائة صحابي. * عدد الصحابة المذكورين في المسند: وبهذا يكون قد ذكر في مسنده تسعة وأربعين ومائة رجل، واثنتين وثلاثين امرأة، من الصحابة ﵃. بينما بلغ عدد المذكورين في مسند أحمد بن حنبل، من الرجال والنساء، والمبهمين خمسة عشر وتسعمائة (١).

стр. 342

(ب) ومن حيث ترتيب الأحاديث داخل مسند كل صحابي من المكثرين، فقد سلك مسلكًا بديعًا لم أو من سبقه إليه ممن ألف المسانيد، من المتقدمين، وهو أنه رتب الأحاديث على بعض الأبواب الفقهية (١)، وذلك في أحاديث عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، ﵃، فقط. وإليك تفصيل ما ذكره من ذلك: [١] مسند عائشة ﵂: قال (٢): أحاديث عائشة أم المؤمنين ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، في الوضوء. فذكر تحته أحد عشر حديثًا (٣). ثم قال (٤): أحاديث عائشة ﵂ في الصلاة. فذكر تحته سبعه وعشرين حديثًا (٥). ثم قال (٦): أحاديث عائشة أم المؤمنين، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، في الصوم، فذكر تحته خمسة أحاديث (٧). ثم قال (٨): أحاديث عائشة، ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، في

стр. 343

الحج. فذكر تحته ثمانية عشر حديثًا (١). ثم قال (٢): أحاديث عائشة ﵂ في الجنائز. فذكر تحته ستة أحاديث (٣). ثم قال (٤): في الطلاق عن عائشة ﵂. فذكر تحته اثني عشر حديثًا (٥). ثم قال (٦): في الأقضية عن عائشة، ﵂، فذكر تحته ستة أحاديث (٧). ثم قال (٨): أحاديث عائشة، ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، علم جامع. فذكر تحته واحدًا وأربعين حديثًا (٩). وهو آخر أحاديث عائشة ﵂.

стр. 344

[٢] مسند ابن عباس ﵄: قال (١): أحاديث ابن عباس، ﵁، التي قال فيها: سمعت رسول الله ﷺ ، ورأيت رسول الله ﷺ . فذكر تحته تسعة عشر حديثًا، في بعضها التصريح بالسماع، وبعضها التصريح بالرؤية، والمعية (٢). وذكر أيضًا فيها خمسة أحاديث، بعضها مكرر ولم يذكر فيه التصريح (٣)، وبعضها مؤمن أومعنعن (٤). وذكر في أثنائها أقوالًا لسفيان بن عيينة (٥)، وغيره (٦)، وأثرًا عن عمر (٧). ثم قال (٨): أحاديث ابن عباس ﵄، فذكر ثمانية أحاديث (٩). ثم قال (١٠): في الحج. فذكر فيه سبعة وثلاثين حديثًا (١١).

стр. 345

وبعض هذه الأحاديث لا علاقة له بالحج، بل منها ما هو في البيوع (١)، وبعضها في المزارعة (٢)، وبعضها في الصيام (٣)، وبعضها في النكاح (٤)، إلى غير ذلك من الأبواب (٥). وكأنه وضع العنوان لأحاديث الحج، ثم ترك ما بعدها لقلة ما سيدخلها منها تحت كل باب. [٣] مسند أبي هريرة ﵁: قال (٦): أحاديث أبي هريرة ﵁. فذكر أربعة وثمانين حديثًا، جلها في الصلاة، وبعضها في الطهارة، ونزر منها في أبواب شتى (٧). ثم قال (٨): باب الجنائز. فذكر سبعة أحاديث (٩). ثم قال (١٠): باب البيوع. فذكر فيه أحد عشر حديثًا (١١).

стр. 346

ثم قال (١): جامع أبي هريرة ﵁، فذكر فيه خمسة وأربعين حديثًا (٢). ثم قال (٣): باب في الأقضية، فذكر فيه أربعة أحاديث (٤). ثم قال (٥): باب الجهاد، فذكر فيه ستة أحاديث (٦). ثم قال (٧): باب جامع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، فَذَكَرَ فيه سبعة وثمانين حديثًا (٨). ٣ - عدد أحاديث المسند: بلغ عدد أحاديث المسند حسب ترقيم محققه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي (١٣٠٠) ثلاثمائة وألف حديث (٩)، لكن هذا الرقم ليس بدقيق، لأسباب سيأتي بيانها (١٠)، فيمكن أن يزيد العدد على هذا الرقم، ويمكن أن ينقص.

стр. 347

٤ - عدد أحاديث كل صحابي: مما هو معلوم أن الصحابة ﵃، يختلفون من حيث كثرة الرواية عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وقلتها، لأمور منها: ١ - تقدم موت الصحابي، أو تأخره. ٢ - طول ملازمته للنبي ﷺ ، وقصرها. ٣ - تفرغه لنشر العلم، أو انشغاله بسبب إمارة أو غيرها. . . . إلى غير ذلك من الأسباب. لكن لصغر حجم مسند الحميدي، لا يظهر تصوير هذه القضية واضحًا فيه، لأن الغالب على أحاديث كل صحابي هو القلة، فعدد أحاديث أبي بكر الصديق ﵁، سبعة أحاديث (١) فقط، بينما بلغت أحاديثه في مسند أحمد بن حنبل، واحدًا وثمانين حديثًا (٢). وعدد أحاديث عمر بن الخطاب خمسة وعشرون حديثًا (٣)، بينما بلغت أحاديثه في مسند أحمد، تسعة وثلاثمائة حديث (٤). وعدد أحاديث عثمان بن عفان ﵁، أربعة أحاديث (٥)، بينما بلغت أحاديثه في مسند أحمد ثلاثة وستين ومائة حديث (٦).

стр. 348

وعدد أحاديث علي بن أبي طالب، ﵁، ثلاثة وعشرون حديثًا (١)، بينما بلغت أحاديثه في مسند أحمد، تسعة عشر وثمانمائة حديث (٢). وعدد أحاديث ابن مسعود ﵁، ثلاثة وأربعون حديثًا (٣)، بينما بلغت في مسند أحمد، تسعمائة حديث (٤). وأكثر ما وقع فيه هو أحاديث أبي هريرة ﵁، حيث بلغت أربعة وأربعين ومائتي حديث (٥). وقد بلغت أحاديثه في مسند أحمد، أربعة آلاف حديث (٦)، أو أقل بقليل. وبعده أحاديث عائشة ﵂، وقد بلغت ستة وعشرين ومائة (٧) حديث. وبعدهما أحاديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، حيث بلغت اثنين ومائة حديث (٨). بينما بلغت في مسند أحمد، تسعة وعشرين وألفي حديث (٩).

стр. 349

ولم أر غير هؤلاء من تجاوز حديثه المائة. وفيه كثير من الصحابة ﵃، ممن ليس له إلَّا حديث واحد، منهم: أبو عبيدة بن الجراح (ح ٨٥). وخالد بن الوليد (ح ٥٦٢). وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (ح ٥٦٣). ومطيع بن الأسود (ح ٥٦٨). وغيرهم (١). وفيه عدد من الصحابة ﵃، ليس لهم إلَّا حديثان، منهم: عمر بن أبي سلمة (ح ٥٧٠، ٥٧١). الحارث بن مالك (ح ٥٧٢، ٥٧٣). أبو شريح الكعبي (ح ٥٧٥، ٥٧٦). سبرة بن معبد (ح ٨٤٦، ٨٤٧). أبو واقد الليثي (ح ٨٤٨، ٨٤٩). وغيرهم (٢). وفيه من لم تبلغ أحاديثهم إلَّا الثلاثة أو الأربعة، ومنهم: كعب بن عجرة (ح ٧٠٩، ٧١٠، ٧١١، ٧١٢). وأبو جحيفة (ح ٨٩٠، ٨٩١، ٨٩٢).

стр. 350

٥ - منهجه في ذكر الأحاديث تحت كل ترجمة: لم يبين الحميدي ﵀، منهجه في ذكر أحاديث كل صحابي، هل يذكر كل ما انتهى إليه؟ أم ينتقي، وهو الظاهر بالنظر إلى سعة حفظه، وقلة ما ذكره في مسنده من الأحاديث. فهو يذكر تحت كل صحابي ذكره جملة من الأحاديث، تختلف قلة وكثرة من صحابي لآخر، فيذكر أحاديثه المرفوعة، وربما ذكر بعض الآثار الموقوفة عليه (١)، أو على غيره (٢). وقد يذكر حديثًا عن صحابي آخر أو عن تابعي مرسلًا لمناسبة ما، كبيان اختلاف على راوٍ، أو اختلاف في حكم (٣)، أو فيه زيادة إيضاح. كما ذكر بعض المراسيل عن بعض التابعين، كعطاء بن يسار (٤)، ومجاهد (٥) وإسماعيل بن أبي أمية (٦)، وعبيد بن عمير (٧)، وطاوس (٨) وشهر بن حوشب (٩)، وكلها ساقها بعد أن ساقه عن ذلك الصحابي متصلًا، عدا مرسل عطاء فقد ساقه استقلالًا.

стр. 351

وقد ذكر -أيضًا- بعض المقاطيع أثناء بعض المسانيد، لمناسبته لما قبله (١)، وقد يذكره دون أي مناسبة (٢). ٦ - منهجه في الكلام على الحديث: (أ) تصحيح الحديث: إن رسوخ قدم سفيان وإمامته في هذا الشأن مما لا يخفى على كل من له أدنى معرفة بهذا الفن، فهو من أحفظ أهل زمانه، مع الإتقان والبصيرة النافذة فيما يحفظ. وكان الحميدي ﵀، من أوتاد مجلسه لا يفارقه ليل نهار، فتسنى له أن ينقل من علمه ما أراد. ومن ذلك تصحيحه لبعض الأحاديث (٣)، أو الإشارة إلى أنها أجود ما في الباب (٤)، أو توثيق أحد رواتها (٥)،

стр. 352

بعبارة متزنة بعيدة عن الإفراط أو التفريط. (ب) علل الحديث: يذكر الحميدي ما يقع من الاختلاف على بعض الرواة في رفع الحديث ووقفه، أو وصله وإرساله إلى غير ذلك من الاختلاف في إسناده، مثل غلط بعض الرواة أو شكهم. وكذلك ما يقع في المتن من زيادة بعض الرواة، أو مخالفتهم لغيرهم، وهذا مما يندر وقوعه في مسانيد غيره، عدا المسانيد المعللة -كمسند البزار، ويعقوب بن شيبة-. ووقع مثل ذلك كثيرًا في مسنده، بالنظر إلى صغر حجمه، وكان يقول ذلك أحيانًا من عند نفسه (١). وكان كثيرًا ما يسأل سفيان بن عيينة، أو يحكي سؤال من سأله وجوابه، وأحيانًا يقوله سفيان أبتداء من غير سؤال، وقد يحكي سفيان شكه في بعض سنده أومتنه (٢) وكان الحميدي ربما بين عدم سماع سفيان ابن عيينة، لحديث ما (٣)، وربما نقل ذلك

стр. 353

عن (١) سفيان، وربما بين سفيان سماعه لبعض الحديث دون باقيه (٢)، وربما بين أنه سمعه لكن لم يحفظه كله (٣)، أو بعضه (٤). وربما بين الحميدي عدم سماعه لحديث ما (٥)، من سفيان، أو سمعه ونسي بعضه (٦). وكان الحميدي ﵀ يتلقف ما يتكلم به شيخه سفيان بن عيينة، في أحوال شيوخه (٧) أو من فوقهم، فيتوج به أحاديث مسنده. وكان سفيان ربما عدل عن الكلام في الرجل مباشرة إلى الإيماء إلى ضعفه (٨).

стр. 354

(ج) بيان ما يقع فيه من لحن، أو تصحيف الرواة: وكان الحميدي ﵀، بما أوتي من بصيرة ثاقبة، وحفظ وقال، ربما استدرك على شيخه سفيان في أسماء بعض الرواة، ولم يتابعه على وهمه (١)، وربما تابعه في القليل النادر (٢)، وكان أحيانًا ينقل كلام شيخه في بيان تصحيف من صحف بعض الأسماء (٣)، أو لحن في كلامه (٤). (د) تسمية ما يأتي مبهمًا أو مهملًا في الإسناد: إن سعة علم سفيان وحفظه لطرق الحديث هيأت له السبل إلى معرفة من يبهمه الرواة، نسيانًا أو جهلًا باسمه -وهذا يقع كثيرًا في المتون-، أو تعمدًا لقصد التعمية لكون هذا المبهم ضعيفًا، وقد نقل عنه الحميدي بعض ذلك (٥)،

стр. 355

كما نقل عن غيره (١). ٧ - منهجه في سوق المتون واختصارها: اهتم الحميدي ﵀، كغيره من المحدثين، بمتون الأحاديث، فبين ما يقع من الزيادة من بعض الرواة في المتن (٢)، وما يقع من بعضهم من الشك في كلمة أو أكثر (٣). وراعى في ذلك الإختصار، فكان يسوق الحديث بسنده ومتنه، ثم يسوقه من طريق أخرى، ويحيل على المتن السابق بما يناسب من عبارات الإحالة (٤)، فإن كان في متنه زيادة مهمة لتعلق حكم بها، أو غير ذلك من المقاصد، ذكرها، وقد وقع في مسنده من ذلك الشيء الكثير. ٨ - منهجه في سوق الأسانيد: قد مر بعض ذلك فيما تقدم، وهو يسوق الأسانيد بتمامها، ولعل السبب
следующие страницы →