= وفي (٥/ ٢١٥) قال: ثنا عثمان بن عمر-هو ابن فارس-، أنا يونس عن الزهري، عن ابن خزيمة بن ثابت الأنصاري -صاحب الشهادتين- عن عمه أن خزيمة بن ثابت الأنصاري: "رأى في المنام أنه سجد على جبهة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ... " الْحَدِيثَ.
قال الشيخ أحمد البنا ﵀: تقدم في الطريق الأولى أن ابن شهاب قال: أخبرني عمارة بن خزيمة عن عمه، عن خزيمة بن ثابت، وفي هذا الطريق قال: أخبرني عمارة بن خزيمة أن خزيمة رأى في المنام ... إلى آخره. ولا بأس بذلك:
فإِنه يجوز أن عمارة روى هذا الحديث مرتين، مرة عن خزيمة بواسطة عمه، ومرة عن خزيمة مباشرة بغير واسطة، فروى ابن شهاب الروايتين عنه كما سمع، والله أعلم. اهـ.
قلت: هذا لا يستقيم إذ من شرط هذه الصورة أن يرد في موضوع الزيادة في الطريق الخالي منها بصيغة أداء تدل على الاتصال كحدثني أو حدثنا، أو سمعت، أو أخبرنا، أو نحوها، وهنا لم يرد شيء من هذا بل قال "أن" وحكمها كـ"عن" على رأي الأكثرين، وعليه فالطريق الخالي من عمه منقطع وإن كان الواسطة صحابيًا هنا، وقد عرف.
وأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (ق ٢١١): قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ ثنا الْحَارِثُ بن أبي أسامة، ثنا عثمان بن عمر، ثنا يونس بن يزيد به بمثله. ثم قال: ورواه حماد بن سلمة: حدثناه سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن العباس، ثنا سريج بن النعمان ح.
وحدثنا ابن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، ثنا عفان، قالا: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الخطمي، عن عمارة بن خزيمة أن أباه قال: (رأيت في المنام ...) فذكر نحوه، وَزَادَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : "الروح لا تلقى الروح. فأقنع النبي ﷺ رأسه هكذا، وأمره أن يسجد من خلفه على جبينه".=
стр. 3187
= ورواه شعبة عن أبي جعفر الخطمي فقال: سمعت عمارة عن يحيى بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خزيمة.
وقوله فأقنع رأسه: أي رفعه. انظر: مفردات الراغب (٤١٣)، مادة: (ق ن ع).
وذكره الهيثمي في بغية الباحث (٢/ ٣٢٥: ٢٢٣٨): باب في السجدة الواحدة قال: حدثنا عثمان بن عمر به بمثله.
وفي مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٠): في المناقب: باب ما جاء في خزيمة بن ثابت ﵁: بنحوه ثم قال: (رواه أحمد عن شيخه عامر بن صالح الزبيري، وثقه أحمد وغيره وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. وقد تقدمت له طرق في التعبير). اهـ.
وهو في المطبوع من المطالب (١/ ١٢٨: ٤٧٢): بمثله وعزاه للحارث.
стр. 3188
الحكم عليه:
الحديث إِسناده صحيح لذاته.
ويونس وإن كان قد استنكر الأمام أحمد وغيره بعض حديثه إلَّا أن الإِمام أحمد أخرج حديثه هذا في غير ما موضع من مسنده.
يضاف إلى هذا أنه قد توبع عليه ووافقه غيره كما مر من عرض طرقه عند الإِمام أحمد، ومنها متابعة صالح بن أبي الأخضر له -وهو كما تقدم ضعيف يعتبر به-، وحماد بن سلمة، وغيرهما.
٥٥٤ - تخريجه:
هو في مسند أبي يعلى (٢/ ٣٣٠: ١٠٦٩): قال: حدثنا الجراح بن مخلد به بمثله.=
стр. 3191
= وذكره الهيثمي في المقصد العلي (١/ ٤١٥: ٤١٤): في باب سجود التلاوة سجدة (ص). بنحوه باختلاف يسير.
وفي مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٤): في الباب الثالث من سجود التلاوة بنحوه باختلاف يسير. ثم قال: (رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط إلَّا أنه قال: قالت: اللهم اكتب لي بها أجرًا، والباقي بنحوه، وفيه اليمان بن نصر: قال الذهبي: مجهول). اهـ.
وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٣٣٧: ٥٨٦٩): قال: عن ابن عيينة عن عاصم بن سليمان، عن بكر بن عبد الله بن المزني "إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! رأيت كأن رجلًا يكتب القرآن وشجرة حذاءه فلما مر بموضع السجدة التي في (ص) سجدت، وقالت: اللهم أحدث لي بها شكرًا، وأعظم لي بها أجرًا، واحطط بها وزرًا. فقال النبي ﷺ فنحن أحق من الشجرة".
وقد أرسل بكر عن أبي ذر ﵁. انظر: جامع التحصيل (١٥٠: ٦٥).
وله رواية عن عدد من الصحابة، ولم يذكر المزي فيهم أبا سعيد الخدري.
انظر: (١/ ١٥٧). وأبو سعيد ﵁ توفي سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس
وستين على الصحيح وقيل أربع وسبعين، في حين توفي بكر سنة (١٠٦)، والفرق بين الوفاتين قرابة ٤٢ سنة فيبعد أن يكون قد روى عنه.
وممن رجح انقطاعه البيهقي فقد:
أخرجه في معرفة السنن والآثار (١/ ٥: ٢٤٢/ ب) من نسخة أحمد الثالث، وفي (ص ٤٧٩) من النسخة الأخرى: باب السجود في (ص): قال: (أخبرنا إبراهيم ابن محمد، قال أخبرنا شافع، قال: أخبرنا أبو جعفر، قال: حدثنا المزني، قال: حدثنا الشافعي، قال: أخبرنا سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: حدثنا الشافعي، قال: أخبرنا سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقال: "رأيت كأن رجلًا يكتب القرآن:=
стр. 3192
= فلما مر بالسجدة التي في (ص) سجدت الشجرة فقالت: "اللهم أعظم لي بها أجرًا، واحطط بها وزرًا، وأحدث بها شكرًا". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فنحن أحق بالسجود من الشجرة. فسجدها وأمر بالسجود".
ثم قال البيهقي: (هذا منقطع، ورواه حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال: أخبرني مخبر عن أبي سعيد الخدري قال: رأيت في المنام كأني أقرأ سور (ص) فلما أتيت على السجدة سجد كل شيء رأيت: الدواة والقلم واللوح، فغدوت على النبي ﷺ فأخبرته، فأمر بالسجود فيها".
أخبرناه: أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق [الفقيه قال: أخبرنا يوسف بن يعقوب، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا هشيم]، قال: أخبرنا حميد: صح). اهـ.
ومن قوله الفقيه إلى هشيم سقط من نسخة أحمد الثالث وتم استدراكه من حاشية النسخة الأخرى من كتاب المعرفة.
وممن نبه على الانقطاع أيضًا الدارقطني، في العلل (٤/ ق ٢/ أ): عندما (سئل عن حديث بكر بن عبد الله المزني، عن أبي سعيد قال: "رأيتني في المنام كأني أتيت على السجدة في (ص) فسجد كل شيء رأيته، وأخبرت النبي ﷺ ، فأمر بالسجدة فيها".
فقال: يرويه حميد الطويل، وعاصم الأحول، ومحمد بن جحادة عن بكر، واختلفوا فيه:
فرواه حميد الطويل واختلف عنه:
فقال هشيم: عن حميد، عن بكر، عن أبي سعيد.
وقال مسدد عن هشيم، عن حميد، عن بكر، عن رجل، عن أبي سعيد أرسله ابن أبي عدي.
وحماد بن سلمة، عن حميد، عن بكر أن أبا سعيد رأى فيما يرى النائم.=
стр. 3193
= وقال ابن جحادة عن بكر أن أبا موسى الأشعري: أتى النبي ﷺ وقال عاصم: عن بكر إن رجلا أتى النبي ﷺ ، ولم يسمه. وقول مسدد: عن هشيم: أشبهها بالصواب). اهـ.
فترجيح الدارقطني لطريق مسدد وفيه وجود رجل بين بكر وأبي سعيد: مصير منه إلى القول بانقطاعه في الطرق التي خلت منه.
وهذه الرواية الأخيرة عن أبي سعيد والتي فيها سجود الدواة واللوح والقلم والتي رجحها الدارقطني، أخرجها عدد، منهم:
البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٢٠): قال:
أخبرنا أبو الحسن: علي بن محمد المقري، أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا مسدد، ثنا هشيم، نبا حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال: أخبرني مخبر عن أبي سعيد فذكره بمثله، إلَّا أنه قال: رسول الله، بدلًا من النبي ﷺ .
ومن حديث ابن عباس:
أخرجه الترمذي في جامعه (٢/ ٤٧٢: ٥٧٩): باب ما يقول في سجود القرآن قال: (حدثنا قتيبة، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس، حدثنا الحسن بن محمد بن عبيد الله بن يزيد، قال: قال لي ابن جريج: يا حسن: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فَسَجَدْتُ، فَسَجَدَت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول:
"اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود".
قال الحسن: قال لي ابن جريج: قال لي جدك، قال ابن عباس: فقرأ النبي ﷺ سجدة ثم سجد، قال فقال ابن عباس فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عند قول=
стр. 3194
= الشجرة".
قال: وفي الباب عن أبي سعيد.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس، لا نعرفه إلَّا من هذ الوجه). اهـ.
قال الشيخ أحمد شاكر: (وهو حديث صحيح). اهـ. وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي. وستأتي طرقه عندهم.
وحسنه النووي في الخلاصة (ق ٩٠/ أ):
وأما ابن خزيمة فقد أخرجه في صحيحه (١/ ٢٨٢: ٥٦٢): باب الذكر والدعاء في السجود عند قراءة السجدة قال: نا الحسن بن محمد، نا محمد بن يزيد بن خنيس، قال: قال لي ابن جريج، قال: حدثني ابن عباس: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي رأيت في هذه الليلة فيما يرى النائم: كأني أصلي خلف شجرة، فرأيت كأني قرأت سجدة فسجدت، فرأيت الشجرة كأنها تسجد بسجودي، فسمعتها، وهي ساجدة، وهي تقول: "اللهم اكتب لي عندك بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود".
قال ابن عباس: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ السجدة ثم سجد، فسمعته -وهو ساجد- يقول مثل ما قال الرجل عن كلام الشجرة". وانظر: رقم (٥٦٣) عنده.
قال المحقق: إِسناده صحيح، وعزاه للترمذي.
ومن طريقه:
أخرجه ابن حبان في صحيحه: انظر: الإحسان (٤/ ١٨٩: ٢٧٥٧): باب ذكر ما يدعو المرء به في سجود التلاوة في صلاته: قال: أخبرنا ابن خزيمة قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح به بنحوه باختلاف يسير.
وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢١٩): باب التأمين قال: أخبرنا=
стр. 3195
= عبد الصمد بن علي بن مكرم البزاز، ثنا جعفر بن محمد بن شاكر، ثنا محمد بن يزيد بن خنيس به بنحوه. ثم قال: (... هذا حديث صحيح، رواته مكيون لم يذكر واحد منهم بجرح، وهو من شرط الصحيح، ولم يخرجاه). اهـ.
ووافقه الذهبي فقال: "صحيح. ما في رواته مجروح). اهـ.
وأشار إليه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٤٧): قال: (محمد بن عبد الرحمن بن عوف، سمع أبا سعيد الخدري: سجد النبي ﷺ في (ص). قاله لي عمرو بن علي قال: حدثنا يمان بن نصر، قال: حدثنا عبد الله المدني، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، عن محمد).
قال: (وروى عمرو بن أبي عمرو عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن: أن عبد الرحمن قال: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي سجدة الشكر). اهـ. فهذا الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁ في السجود في (ص)، من حمل السجدة على أنها سجدة شكر لا سجدة تلاوة استدلالًا بقوله ﷺ في سجدة (ص): "سجدها داود توبة، وسجدتها شكرًا" أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عمر بن ذر عن أبيه به.
انظر: المصنف (٣/ ٣٣٨: ٥٨٧٠)، وأخرجه أبو داود من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
"قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سورة (ص)، وهو على المنبر، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّن الناس للسجود، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم فنزل فسجد وسجدوا". وانظر: جامع الأصول (٥/ ٥٥٦: ٣٧٩٢)، والمعر فة (١/ ق ٢٤٣/ أ).
وأخرج النسائي (٢/ ١٥٩) في باب سجود القرآن: السجود في (ص): قال: أخبرني إبراهيم بن الحسن المقسمي، قال: حدثنا حجاج بن محمد عن عمرو ابن ذر، عن أبيه، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "سَجَدَ في (ص) وقال سجدها داود توبة ونسجدها شكرًا".=
стр. 3196
= وإسناده صحيح، وقال النووي في الخلاصة بعد أن ساقه: رواه أبو داود بإِسناد صحيح على شرط البخاري. انظر: الخلاصة (ق ٨٩/ ب): باب عدد السجدات.
وقد استدل قوم بهذا الحديث برواياته المتعددة على أن سجدة (ص) ليست من سجود التلاوة في شيء وإنما هي سجدة شكر. على أن الذي يظهر لي هو كونها سجدة شكر وتلاوة أيضًا فقد روى البخاري في صحيحه. انظر: الصحيح مع الفتح (٢/ ٥٥٢): باب سجدة ص: من حديث ابن عباس ﵁ قال: "ص ليس من عزائم السجود، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ : يسجد فيها". وأخرجه الترمذي في جامعه (٢/ ٤٦٩: ٥٧٧)
والإمام البخاري يبرز فقهه في تراجمه وقد جعل باب سجدة ص أحد أبواب سجود التلاوة لكنها كما يشعر به معنى الحديث ليست من العزائم قال الحافظ في الفتح (٢/ ٥٥٢): (المراد بالعزائم ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلًا بناءً على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب). اهـ. ومن حملها على أنها سجدة شكر مقتصرًا. على هذا أي عدم اعتبارها سجدة تلاوة وقع في بعضهم في الخلط بين هذا المتن وبين متن حديث عبد الرحمن بن عوف في سجود الشكر وقد نبه على هذا ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٩٦): نقلًا عن أبيه قال: (سمعت أبي وذكر حديثًا رواه عمرو بن علي الصيرفي عن علي بن نصر عن عبيد الله المديني عن محمد بن عبد الرحمن بن عوف سمع أبا سعيد الخدري قال: "سجد النبي ﷺ سجدة فأطال السجود حتى ظننت أن الله قبض روحه ثم رفع رأسه فسألته عن ذلك فقال: إن جبريل ﵇ لقيني فقال: "من صلى عليك صلى الله عليه، ومن سلم عليك سلم الله عليه" أحسبه قال عشرًا فسجدت لله شكرًا.
ورواه عمرو بن أبي عمرو عن عبد الواحد بن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف، عن النبي ﷺ . فسمعت أبي يقول: حديث أبي سعيد وهم، والصحيح حديث عبد الرحمن بن عوف). اهـ.=
стр. 3197
= أي أن هذا المتن إنما هو من حديث عبد الرحمن بن عوف.
وهذا السند هو سند حديث أبي يعلى ومتنه على الصحيح هو ما ورد عند أبي يعلى وغيره في السجود ص.
وثبوت السجود في ص استنبط أيضًا من قوله ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
روى البخاري في صحيحه بسنده إلى مجاهد قال: "سألت ابن عباس من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ...﴾ الآية.
فكان داود ممن أُمِرَ نبيكم ﷺ أن يَقْتَدِى به، فسجدها داود فسجدها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ".
انْظُرْ: الصحيح مع الفتح (٨/ ٥٥٤: ٤٨٠٧).
قال الحافظ في الفتح (٢/ ٥٥٣)، معلقًا على سبب الخلاف في مشروعية السجدة:
(وسبب ذلك كون السجدة التي في ص إنما وردت بلفظ الركوع فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة). اهـ.
والحديث ذكره الحافظ بمثله في المطالب -المطبوع- بمثله، وعزاه لأبي يعلى. انظر: (١/ ١٢٩: ٤٧٣).
والهيثمي في مجمع البحرين (١/ ق ٥٣/ أ): من طريق محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سعيد الخدري بنحوه، ثم قال: (لا يروى عن أبي سعيد إلَّا بهذا الإِسناد).
стр. 3198
الحكم عليه:
الحديث الباب إِسناده من طريق أبي يعلى ضعيف لجهالة اليمان بن نصر، وعبد الله المدني، وقد تقدم من متابعته وشواهده ما يرتقي به إلى الصحة.=
стр. 3199
= وبمقارنة الروايات ببعضها يتبين أمور، منها:
١ - قراءة الشجرة لسورة ص ليست إلَّا في طريق أبي يعلى، وعليه فإنها لا تثبت. ويؤيد هذا أيضًا أنه قال: "وكأن الشجرة تقرأ ص" فشبه ولم يجزم.
٢ - رواية أبي يعلى، وعبد الرزاق والبيهقي في المعرفة فيها زيادة "وأحدث لي بها شكرًا"، وهي ثابتة لوجود ما شهد لها.
٣ - في رواية أبي يعلى أن الشجرة تقرأ، وفي رواية عبد الرزاق والبيهقي في المعرفة: "أن رجلًا يكتب القرآن وشجرة حذاءه فلما مر بموضع السجدة التي في ص سجدت وقالت: اللهم ... " الحديث.
وفي رواية الترمذي وطائفة أن رجلًا قال: "يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدْتُ فسجدَتِ الشجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول ... الحديث".
ففي الأولى قرأت الشجرة، وفي الثانية استعمت للقراءة ثم سجدت ودعت، والثالثة ائتمت بالقراءة والسجود، وأْتَمَّ الصحابي بالدعاء الذي قالته.
٤ - اتفقت الروايات تقريبًا في الباقي.
٥٥٥ - تخريجه:
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٤٧٥: ٤١٣٧) قال: عن ابن جريج، عن عطاء قال: دخل ابن عمر على صفوان الطويل وهو يصلي على وسادة فنهاه أن يصلي على حصىً أو على وسادة، وأمره بالإِيماء، فقال سليمان بن موسى:
حدثنا نافع أن ابن عمر كان يقول: "إذا كان أحدكم مريضًا فلم يستطع سجودًا على الأرض، فلا يرفع إلى وجهه شيئًا، وليجعل سجوده ركوعًا، وليومىء برأسه.
وقد رأى نافع أن ابن عمر في مرضه الذي مات فيه صلى، فوضع جبهته مرة واحدة، ثم لم يستطع بعد، فجعل سجوده ركوعًا".
وهو عند عبد الرزاق من طرق عدة عن ابن عمر موقوفًا باختلافات يسيرة بينها وهي مختصرة، وذكرت هذا لاجتماع معنى حديث الباب فيه، وجمعه بين قول ابن=
стр. 3202
= عمر ﵄ وفعله. وعند ابن أبي شيبة في معناه مختصرًا عن عدد من الصحابة والتابعين. انظر: المصنف (١/ ٢٧٢) وما بعدها.
وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٧٢): باب من كره للمريض أن يسجد على الوسادة وغيرها: قال: نا ابن عيينة عن عمرو عن عطاء عاد ابن صفوان فوجده يسجد على وسادة فنهاه وقال أومىء إيماء.
كذا في المصنف (ابن صفوان) وفيه سقط والصواب كما عند عبد الرزاق (٢/ ٤٧٥) (... دخل ابن عمر على صفوان الطويل ...). اهـ.
والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٠٦): قال: (أخبرنا أبو أحمد المهرجاني، أنبأ أبو بكر بن جعفر المزكي، ثنا محمد بن إبراهيم العبدي، ثنا ابن بكير، ثنا مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر: كان يقول: "إذا لم يستطع المريض السجود أومأ برأسه إيماءً ولم يرفع إلى جبهته شيئًا".
وكذلك رواه جماعة عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، ورواه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ نَافِعٍ مرفوعًا، وليس بشيء، وقد روي من وجه آخر عن ابن عمر موقوفًا). اهـ.
وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٤٨ - ١٤٩) في باب صلاة المريض وصلاة الجالس. بنحوه باختلاف يسير.
وعزاه للطبراني في الأوسط وقال: (ورجاله موثقون ليس فيهم كلام يضر والله أعلم). اهـ.
وهو في المعجم الأوسط للطبراني (٢/ ق ١٤٤/ ب): قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن بكير، ثنا سريج بن يونس، ثنا قرآن بن تمام، عن عبيد الله بن عمير، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رسول الله- ﷺ :
"من استطاع منكم أَنْ يَسْجُدَ فَلْيَسْجُدْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلَا يرفع إلى جبهته شيئًا=
стр. 3203
= يسجد عليه، ولكن ركوعه وسجوده يومئ برأسه".
ثم قال: لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلَّا قرآن بن تمام، تفرد به سريج بن يونس. اهـ.
وفي مجمع البحرين (١/ ق ٤٣/ ب) (عبد الله بن عامر) لا عمير، وهو الصواب، وقد عرفت أن رفعه خطأ من عبد الله بن عامر ﵀، والصواب -والله أعلم- هو وقفه على ابن عمر ﵄.
وهو في المطبوع من المطالب (١/ ١٢٦: ٤٦٣): في الباب نفسه مثله وعزاه لأحمد بن منيع وقال: فيه ضعيفان. اهـ.
قلت: عبد الله بن عامر ضعيف بالاتفاق، أما قرآن بن تمام فتقدم أنه ليس ضعيفًا -فيما ظهر لي- بل هو صدوق: حديثه لا يقل عن الحسن لذاته.
стр. 3204
الحكم عليه:
الحديث إِسناده من طريق أحمد بن منيع ضعيف لحال عبد الله بن عامر الأسلمي، وبمتابعه الذي تقدم عند عبد الرزاق وعند غيره يتقوى، ويصل إلى الحسن لغيره. إلا رفعه فليس له متابع، والصواب فيه الوقف -والله أعلم-.
٥٥٦ - تخريجه:
هو في مسند أبي يعلى (٣/ ٣٤٥: ١٨١١)، قال: حدثنا أبو الربيع به بمثله.
والبزار في مسنده. انظر: كشف الأستار (١/ ٢٧٤: ٥٦٨): باب صلاة المريض: قال البزار: حدثنا محمد بن معمر بن مرداس، قالا: ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا سفيان الثوري، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁: (أن رسول ﷺ عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة فرمى بها، فأخذ عودًا يصلي عليه فرمى به، وقال: "إن أطقت الأرض والَاّ فاومىء إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك").
قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ الثوري إلا الحنفي. اهـ.
قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١١٣: ٣٠٧): سئل أبي عن حديث رواه أبو بكر الحنفي عن الثوري عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخل على مريض وهو يصلي على وسادة". قال: هذا خطأ إنما هو عن جابر قوله أنه دخل على مريض.
فقيل له: فإِن أبا أسامة قد روى عن الثوري هذا الحديث مرفوعًا، فقال: ليس بشيء: هو موقوف. اهـ.
وعليه: فقول البزار ﵀ لا نعلم أحدًا رواه ... إلخ فيه احتياط كبير بخلاف ما لو قال: لم يروه، وقد نبه ابن أبي حاتم هنا إلى رواية أبي أسامة له عن=
стр. 3207
= الثوري. وساق البيهقي في السنن له طريقًا آخر أيضًا كما سيأتي، فانتفى تفرد أبي بكر الحنفي.
ومن طريقه:
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٠٦): فقال:
أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي ببغداد، أنبأ أبو عمرو بن السماك، ثنا أبو بكر يحيى بن أبي طالب، ثنا أبو بكر الحنفي به بنحوه مرفوعًا.
ثم قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن معمر البحراني عن أبي بكر الحنفي، وهذا الحديث يعد في أفراد أبي بكر الحنفي عن الثوري. اهـ.
ثم أورد له طريقًا آخر قال: أخبرنا أبو سهل المروزي، ثنا أبو بكر بن خبيب، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها ثم ذكر بمثله إلَّا أنه قال: صل بالأرض إن استطعت".
وفي طرقه الثلاثة الأول عند البزار والباقي عند البيهقي، فيها عنعنة أبي الزبير المكي، وهو في الثالثة من المدلسين، وتدليس هؤلاء لا يقبل ما لم يصرحوا بالسماع.
وقد صححه الحافظ ابن حجر في تجريده لزوائد البزار فقد:
ذكره في "باب صلاة المريض" (٩٣٩/ ٢: ٣٩٩) بسند البزار قال: حدثنا محمد بن معمر، ومحمد بن مرداس، قالا: ثنا أبو بكر الحنفي به بمثله إلَّا أنه قال في العود (عليها) بدلًا من عليه.
ثم ساق كلام البزار وقال بعده: هذا الإِسناد صحيح.
وتعقبهما المحقق (ص٩٤٠) قائلًا:
(قلت: فقول البزار لا نعلم أحدًا رواه عن الثوري إلَّا الحنفي فيه نظر، وكذلك في تصحيح الحافظ بالإِسناد).=
стр. 3208
= أما رفعه فقد توارد عليه ثلاثة هم أبو أسامة، وعبد الوهاب بن عطاء، وأبو بكر الحنفي.
وقد اجتمع هؤلاء الثلاثة على رفعه، لكن لا يزال مداره في هذه الطرق على أبي الزبير وقد عنعنه.
وذكر عبد الحق في الأحكام الكبرى (ص ١٢٤): بمثل لفظ البزار الأول، وعزاه له ثم قال عبد الحق:
(رواه أبو بكر الحنفي، وكان ثقة عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر، وقد تقدم الكلام في حديث أبي الزبير عن جابر، وأنه لا يصح من حديثه عنه إلا ما ذكر فيه السماع أو كان من رواية الليث عن أبي الزبير). اهـ.
قلت: وعلى هذا مشى الأئمة فيما رواه أبو الزبير عن جابر.
وأخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (١/ ق ٢٣٧/ ب) من نسخة أحمد الثالث وفي الأخرى (ص٣٦٩)، باب صلاة المريض: قال:
(أخبرنا أبو نصر محمد بن أحمد بن إسماعيل البزاز بالطابران، قال حدثنا أبو الأحرز محمد بن عمرو بن جميل الأزدي، قال: حدثنا أبو بكر يحيى بن جعفر -هو ابن أبي طالب-، حدثنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر به، بنحو لفظ البزار الأول.
ثم قال: هذا الحديث يعد في أفراد أبي بكر الحنفي، وقد تابعه عبد الوهاب ابن عطاء عن الثوري، وهذا يحتمل أن يكون في وسادة مرفوعة إلى جبهته، ويحتمل أن يكون في وسادة موضوعة مرتفعة عن الأرض، والله أعلم). اهـ.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٤٨): باب صلاة المريض وصلاة الجالس بروايتين الأولى بمثله، أي بمثل حديث الباب، والثانية بنحوه بمثل لفظ البزار، ولم يذكره كله، وقال بعد أن ساق الأولى: رواه البزار، وأبو يعلى بنحوه إلَّا أنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة فرمى بها فأخذ عودًا=
стр. 3209
= يصلي عليه فرمى به.
ورجال البزار: رجال الصحيح. اهـ، وفي المقصد العلي (١/ ٣٥٨: ٣١٤): باب صلاة المريض بمثله.
وهو في المطبوع من المطالب (١/ ١٢٧: ٤٦٣): باب صلاة المعذور، بمثله وعزاه لأبي يعلى وقال: فيه ضعف.
وذكره الزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٧٥)، بلفظ البزار، وعزاه له وللبيهقي في المعرفة، وأبي يعلى في مسنده.
وذكره الحافظ في الدراية وعزاه للبزار ثم قال: أخرجه البيهقي ورواته ثقات، وهو عند أبي يعلى من وجه آخر عن جابر، وعند الطبراني من حديث ابن عمر نحوه. اهـ.
انظر: الدراية (١/ ٢٠٩): باب صلاة المريض.
وهو عند الطبراني من طريقين عن ابن عمر أما أحدهما وهو الذي في الأوسط فقد تقدم في تخريج الذي قبله.
وأما الثاني فهو في الكبير ذكره الزيلعي في النصب (٢/ ١٧٦)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٤٨): ثم قال الهيثمي:
(رواه الطبراني في الكبير وفيه حفص بن سليمان النقري، وهو متروك.
واختلفت الرواية عن أحمد في توثيقه، والصحيح أنه ضعفه -والله أعلم- وقد ذكره ابن حبان في الثقات). اهـ.
وقد تقدم أنه حسن بشواهده.
стр. 3210
الحكم عليه:
الحديث من طريق أبي يعلى شديد الضعف لحال حفص بن سليمان، لكن معناه ثابت في الذي قبله فالحديث الماضي عن ابن عمر إذا ما ضم لحديث جابر من غير طريق أبي يعلى صار من مجموعهما ما يشعر بثبوته عن جابر ﵁.
стр. 3211
٥٥٧ - وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، ثنا حفص بن (١) عمر، ثنا (٢) مختار بن فلفل، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ (٣): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "صَلَّى عَلَى الْأَرْضِ فِي الْمَكْتُوبَةِ قَاعِدًا (٤)، وفي التسبيح قعد في الأرض فأومأ إيماءً".
стр. 3212
٥٥٧ - تخريجه:
هو في مسند أبي يعلى (٧/ ٤٢: ٣٩٥٥): قال: حدثنا محمد بن بكار به بنحوه بالفروق التي تقدمت في التصويب.
وذكره الهيثمي في المقصد العلي (١/ ٣٥٩: ٣١٥): باب صلاة المريض. به بمثل لفظ أبي يعلى في المسند.
وفي مجمع الزوائد (٢/ ١٤٩): باب صلاة المريض، وصلاة الجالس به بمثل لفظ أبي يعلى في المسند.
ثم قال: (رواه أبو يعلى، وفيه حفص بن عمر، قاضي حلب، وهو ضعيف). اهـ.
وهو في المطبوع من المطالب (١/ ١٢٧: ٤٦٥): في باب صلاة المعذور بمثله وعزاه لأبي يعلى.
стр. 3213
الحكم عليه:
الحديث إِسناده من طريق أبي يعلى ضعيف لحال حفص بن عمر، ومختار بن فُلْفُل.
فأما ما يتعلق منه بالصلاة في المكتوبة قاعدًا:=
стр. 3214
= فقد أخرجه عدد من الأئمة من قوله وفعله ﷺ ، أقتصر هنا على ما يشهد لحديث الباب:
أخرج البخاري في صحيحه، (٢/ ٥٨٤) مع الفتح: باب صلاة القاعد: من حديث أنس ﵁، قال: "سقط رسول الله ﷺ من فرس: فَخُدش -أو فجحش- شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى قاعدًا فصلينا قعودًا ... الحديث".
ففيه فعله ﷺ . وهو من حديث أنس راوي حديث الباب هنا.
وروى البخاري في الباب نفسه وغيره: من حديث عائشة، وعمران بن حصين في هذا المعنى.
وأما ما يتعلق بالإيماء عند التسبيح: فقد تقدم في الحديثين السابقين ما يشهد له.
والمقصود بالتسبيح هنا هو صلاة النافلة، فقد وقع هذا الإِطلاق عليها في بعض الروايات عن عدد من الصحابة. ومن أمثلة ذلك، ما رواه البخاري في صحيحه (٢/ ٥٧٥): مع الفتح، من حديث عامر بن ربيعة: قَالَ:
"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو على الراحلة يُسبح، يومئ برأسه قِبَل أيّ وجه توجه، ولم يكن رسول ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة".
قال الحافظ في الفتح: في الصفحة نفسها:
(قوله يسبح: أي يصلي النافلة، وقد تكرر في الحديث كثيرًا، وسيأتي قرببًا حديث عائشة في (سبحة الضحى). والتسبيح حقيقة في قول: "سبحان الله"، فإِذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل، أو لأن المصلي منزِّه لله بإِخلاص العبادة، والتسبيح التنزيه فيكون من باب الملازمة، وأما اختصاص ذلك بالنافلة، فهو عرف شرعي والله أعلم). اهـ.=
стр. 3215
= وأشار إلى هذا الاختصاص ابن الأثير في النهاية. انظر: (٢/ ٣٣١): مادة (س ب ج).
وجزم بعض المحققين: بأن المقصود بالتسبيح في حديث أبي يعلى: وقت السجود. ولعله ذهب إلى هذا لما قيل من أن (السُّبُحات: مواضع السجود). اهـ.
اللسان (٢/ ٤٧٣): مادة (س ب ح).
والحديث بشواهده يرتقي إلى الحسن لغيره.
٥٥٨ - تخريجه:
هو في مسند أبي يعلى (٢/ ٤٩٧: ١٣٤٢)، قال: حدثنا زهير به نحوه بالفروق التي تقدمت.
ومن طريقه الحافظ:
أخرجه في نتائج الأفكار (ق ٥٨/ أ- ب): في المجلس العاشر بعد الثلاثمائة قال: وأما حديث أبي سعيد: فقرأته على فاطمة بنت محمد بن عبد الهادي، عن أبي عبد الله بن الزراد، قال: أخبرنا محمد بن أسماعيل الخطيب، قال: أخبرتنا فاطمة بنت سعد الخير، قالت: أخبرنا زاهر بن طاهر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الأديب، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، قال: حدثنا أبو يعلى، قال: حدثنا زهير: هو ابن حرب ح:
وبالسند الماضي إلى الطبراني في الدعاء قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا: أبو خليفة قال: حدثنا علي بن المديني، قالا (أي أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني): حدثنا أبو خيثمة: هو زهير بن حرب قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، به دون قوله: (العلي العظيم).
ثم قال الحافظ: هذا حديث حسن: أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب: الدعاء عن أبي خيثمة، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي خليفة، فوقع لنا موافقة عالية من الطريق. اهـ.
وهو في صحيح ابن حبان، انظر الإحسان (٢/ ١٢٢: ٨٨٢): باب ذكر الأمر بالاستخارة إذا أراد المرء أمرًا قبل الدخول عليه قال:
أخبرنا أبو خليفة، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم به نحوه بزيادة في وسطه.=
стр. 3218
= وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء (٣/ ١٤٠٨: ١٣٠٤): قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي (ح)، وحدثنا أبو خليفة، ثنا علي بن المديني: قالا: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد به نحوه بلفظ مقارب.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨١): باب الاستخارة: نحوه ثم قال: (رواه أبو يعلى، ورجاله موثقون، ورواه الطبراني في الأوسط بنحوه). اهـ.
وهو في المقصد العلي (١/ ٤٠٤): الرقم (٣٩٢): باب الاستخارة.
بنحوه وهو أقرب إلى لفظ أبي يعلى في المسند.
وأشار إليه البيهقي في الأسماء والصفات (ص ١٥٦): باب ما جاء في إثبات القدرة: فقال بعد أن سرد عدة ألفاظ له من غير حديث أبي سعيد.
(... ومن وجه آخر عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). اهـ.
стр. 3219
الحكم عليه:
الحديث إِسناده حسن لذاته لحال ابن إسحاق وقد تقدم عن الحافظ في النتائج: أنه حسنه وله شواهد قوية في صحيح البخاري وغيره، أذكر هنا واحدًا منها:
روى البخاري في صحيحه: (١١/ ١٨٣) من الصحيح مع الفتح: باب الدعاء عند إلاستخارة من حديث جابر ﵁ قال: حدثنا مطرف بن عبد الله أبو مصعب، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: (كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاقدره لي.
وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، وأقدر لي الخير حيث كان ثم=
стр. 3220
= رضّني به، ويسمي حاجته".
وهذا الحديث أخرجه أيضًا: أبو داود في السنن. انظر سننه مع عون المعبود (٤/ ٣٩٦: ١٥٢٤)، والترمذي في جامعه (٢/ ٣٤٥: ٤٨٠) ثم قال:
(وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وأبي أيوب.
قال أبو عيسى: حديث جابر حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الموالي.
وهو شيخ مديني ثقة، روى عنه سفيان حديثًا، وقد روى عن عبد الرحمن غير واحد من الأئمة، وهو عبد الرحمن بن زيد بن أبي الموالي). اهـ.
وقال الحافظ في التقريب: صدوق ربما أخطأ. اهـ.
وقال في الهدي (٤١٩): وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة، وقال أحمد وأبو حاتم لا بأس به، وقال ابن خراش: صدوق، وقال ابن عدي: مستقيم الحديث. وأنكر أحمد حديثه عن محمد بن المنكدر عن جابر في الاستخارة، قلت: هو من أفراده، وقد أخرجه البخاري، والخطب فيه سهل. اهـ.
وقال ابن عدي في نهاية ترجمة عبد الرحمن: (وقد روى حديث الاستخارة غير واحد مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كما رواه ابن أبي الموال). اهـ. الكامل (٤/ ١٦١٧).
وقال الحافظ في الفتح- معلقًا على قول ابن عدي (١١/ ١٨٤): (قلت: يريد أن للحديث شواهد، وهو كما قال، مع مشاححة في إطلاقة) ثم ذكر حديث أبي أيوب وفيه" ... أكتم الخطبة، وتوضأ فأحسن الوضوء ثم صل ما كتب الله لك" الحديث. اهـ.
ونقل ابن عدي قول الإِمام أحمد: بأن عبد الرحمن: روى حديثًا منكرًا في الاستخارة.
فذكره الحافظ في النتائج (ق ٥٥/ أ- ب): ثم قال: (وكأنه -أي ابن عدي- فهم من قول أحمد: له منكر: تضعيفه، وهو المتبادر، لكن اصطلاح أحمد إطلاق=
стр. 3221
= هذا اللفظ على الفرد المطلق، ولو كان رواية ثقة، وقد جاء عنه ذلك في حديث "إنما الأعمال بالنيات" فقال في رواية محمد بن إبراهيم التيمي: وروى حديثًا منكرًا.
ووصف محمدًا مع ذلك بالثقة). اهـ.
وساق الشواهد التي نبه عليها ابن عدي، واستوعب سياقتها في المجلس التاسع بعد الثلاثمائة (ق ٥٥/ ب) وما بعدها.
وقال في الهدي: (٤١٩) في نهاية ترجمة عبد الرحمن: (وقد احتج به البخاري وأصحاب السنن). اهـ.
وقد تقدم ذكر بعض من وثق عبد الرحمن، فهذا مع احتجاج البخاري به كاف لاعتبار توثيقه ومجرد تفرده بهذه الزيادة وروايته ما لم يرو غيره من الثقات لا يجعل حديثه منكرًا بل ولا شاذًا وتقدم أن ذكر الصلاة جاء في بعض الروايات لكن دون تحديد بأنها ركعتين.
فحديث ابن أبي الموالي في الاستخارة حجة بكل ما فيه، وقد صححه بالزيادة الدارقطني في الأفراد.
وقد ذكره النووي في الخلاصة (ق ٨٢/ أ): (وساقه عن جابر ثم قال: رواه البخاري في مواضع من صحيحه، وفي بعضها "فرضِّني به"). اهـ.
ولم يذكر فيه شذوذًا، ولا نكارة، كما ذكره في الأذكار (ص ١٣١) باب دعاء الاستخارة، وأخرجه النسائي في المجتبى (٦/ ٨٠).
وهو عند الطبراني في الصغير (ص ٢٠٨/ ٥١٥) من حديث ابن مسعود دون ذكر الصلاة.
٥٥٩ - تخريجه:
ولم أقف عليه بهذا السند والمتن ولا أظنه يراد به المعنى المتبادر للسجدتين وما=
стр. 3224
= رجحه الحافظ أولًا من أن المراد بالسجدتين: الركعتان، وبالصلاة: المفروضة، هو أولى من المحمل الثاني وهو أن يراد بهما سجدتي السهو.
أولًا: لورود لفظ السجدتين بدلًا من الركعتين في كلام الصحابة. مثال هذا ما أخرجه البخاري. انظر: صحيحه مع الفتح (٣/ ٥٠): باب التطوع بعد المكتوبة.
فقد أخرج من حديث ابن عمر ﵄ قال: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته". اهـ.
ويمكن اعتبار هذا الحديث شاهدًا لهذا الأثر عن ابن عباس ﵄.
وأخرج البخاري بعده من حديث صفية ﵂: "أن النبي ﷺ كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها".
ثانيًا: لأن الحديث في لفظه ما يشعر بالدوام، وإثبات سجدتين بعد كل صلاة على وجه الدوام احتياطًا للسهو: فيه إثبات ما لم يثبت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإحداث ما لم يفعله ﷺ ، والخير فيما سنه وعلمه لأمته ونقله عنه أصحابه، وأحكام السهو هي من جملة ما علمه لهم لكن لم يكن ديدنه ﷺ أن يسهو ثم يسجد، أو يحتاط لأن يكون سها ثم يسجد وإلَاّ لنقل.
ثالثًا: على فرض أن المراد سجدتان خوف السهو، فإِن هذا فعل صحابي وقوله، واجتهاده. وما فعله النبي ﷺ أولى بالاتباع، لا سيما وقد توفرت الدواعي لنقله، فهو يتكرر كل يوم خمس مرات، وحديث عبد الله بن شقيق سيأتي إن شاء الله برقم (٦٦٦) وليس فيه ما يشعر بدوام هذا منه بل فعله مرة حين أمَّ المصلين فسألوه فقال: "حدثت نفسي" أي أنه خشي أنه سها أو أنه سها فعلًا.
стр. 3225
الحكم عليه:
وإسناده حسن لذاته، وبشاهده يرتقي إلى الصحيح لغيره.