= هذا اللفظ على الفرد المطلق، ولو كان رواية ثقة، وقد جاء عنه ذلك في حديث "إنما الأعمال بالنيات" فقال في رواية محمد بن إبراهيم التيمي: وروى حديثًا منكرًا.
ووصف محمدًا مع ذلك بالثقة). اهـ.
وساق الشواهد التي نبه عليها ابن عدي، واستوعب سياقتها في المجلس التاسع بعد الثلاثمائة (ق ٥٥/ ب) وما بعدها.
وقال في الهدي: (٤١٩) في نهاية ترجمة عبد الرحمن: (وقد احتج به البخاري وأصحاب السنن). اهـ.
وقد تقدم ذكر بعض من وثق عبد الرحمن، فهذا مع احتجاج البخاري به كاف لاعتبار توثيقه ومجرد تفرده بهذه الزيادة وروايته ما لم يرو غيره من الثقات لا يجعل حديثه منكرًا بل ولا شاذًا وتقدم أن ذكر الصلاة جاء في بعض الروايات لكن دون تحديد بأنها ركعتين.
فحديث ابن أبي الموالي في الاستخارة حجة بكل ما فيه، وقد صححه بالزيادة الدارقطني في الأفراد.
وقد ذكره النووي في الخلاصة (ق ٨٢/ أ): (وساقه عن جابر ثم قال: رواه البخاري في مواضع من صحيحه، وفي بعضها "فرضِّني به"). اهـ.
ولم يذكر فيه شذوذًا، ولا نكارة، كما ذكره في الأذكار (ص ١٣١) باب دعاء الاستخارة، وأخرجه النسائي في المجتبى (٦/ ٨٠).
وهو عند الطبراني في الصغير (ص ٢٠٨/ ٥١٥) من حديث ابن مسعود دون ذكر الصلاة.
٥٥٩ - تخريجه:
ولم أقف عليه بهذا السند والمتن ولا أظنه يراد به المعنى المتبادر للسجدتين وما=
стр. 3224
= رجحه الحافظ أولًا من أن المراد بالسجدتين: الركعتان، وبالصلاة: المفروضة، هو أولى من المحمل الثاني وهو أن يراد بهما سجدتي السهو.
أولًا: لورود لفظ السجدتين بدلًا من الركعتين في كلام الصحابة. مثال هذا ما أخرجه البخاري. انظر: صحيحه مع الفتح (٣/ ٥٠): باب التطوع بعد المكتوبة.
فقد أخرج من حديث ابن عمر ﵄ قال: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته". اهـ.
ويمكن اعتبار هذا الحديث شاهدًا لهذا الأثر عن ابن عباس ﵄.
وأخرج البخاري بعده من حديث صفية ﵂: "أن النبي ﷺ كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها".
ثانيًا: لأن الحديث في لفظه ما يشعر بالدوام، وإثبات سجدتين بعد كل صلاة على وجه الدوام احتياطًا للسهو: فيه إثبات ما لم يثبت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإحداث ما لم يفعله ﷺ ، والخير فيما سنه وعلمه لأمته ونقله عنه أصحابه، وأحكام السهو هي من جملة ما علمه لهم لكن لم يكن ديدنه ﷺ أن يسهو ثم يسجد، أو يحتاط لأن يكون سها ثم يسجد وإلَاّ لنقل.
ثالثًا: على فرض أن المراد سجدتان خوف السهو، فإِن هذا فعل صحابي وقوله، واجتهاده. وما فعله النبي ﷺ أولى بالاتباع، لا سيما وقد توفرت الدواعي لنقله، فهو يتكرر كل يوم خمس مرات، وحديث عبد الله بن شقيق سيأتي إن شاء الله برقم (٦٦٦) وليس فيه ما يشعر بدوام هذا منه بل فعله مرة حين أمَّ المصلين فسألوه فقال: "حدثت نفسي" أي أنه خشي أنه سها أو أنه سها فعلًا.
стр. 3225
الحكم عليه:
وإسناده حسن لذاته، وبشاهده يرتقي إلى الصحيح لغيره.
٥٦٠ - تخريجه:
أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٧٣٣): قال:
ثنا الحسن، ثنا محمد بن عبيد، ثنا حماد بن زيد، ثنا أبو هارون العبدي به بمثله.
وذكره الهيثمي في مجمع البحرين (١/ ق ٣٧/ ب): بسند الطبراني قال: أحمد بن القاسم بن مشاور، ثنا محمد بن إبراهيم أخو ابن معمر، ثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن أبي هارون العبدي به بمثله.
стр. 3228
الحكم عليه:
وإِسناده ضعيف جدًا لحال أبي هارون العبدي.
لكن قد صح متنه بمثله عند البخاري وغيره من حديث أبي هريرة وغيره، أذكر هنا حديث أبي هريرة فقد:
أخرجه البخاري انظر صحيحه مع الفتح (٣/ ٧٧): باب التصفيق للنساء، قال:=
стр. 3229
= حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء".
وفي الباب والصفحة أخرج أيضًا من حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ مثله.
ومن حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم، انظر صحيحه مع شرح النووي (٤/ ١٤٨)؛ وأبو داود، انظر سننه مع عون المعبود (٣/ ٣١٦: ٩٢٧)؛ والترمذي، انظر جامعه مع تحفة الأحوذي (٢/ ٣٦٦: ٣٦٧)؛ ومسند أحمد (٢/ ٢٦١)؛ والفتح الرباني (٤/ ١١٠)؛ وعبد الرزاق في المصنف من طرق عنه (٢/ ٤٥٦).
قال الترمذي -بعد أن ساق حديث أبي هريرة-: وفي الباب عن علي، وسهل بن سعد، وجابر، وأبي سعيد، وابن عمر ... إلى أن قال:
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق. اهـ.
تتمة: هنا مسائل ثمان متعلقة بهذا الحديث:
المسألة الأولى:
حكم التصفيق في الصلاة لمن نابه شيء
اتفق الفقهاء على أن الرجل لو نابه شيء في صلاته فإِنه يشرع له التسبيح، أي يقول: "سبحان الله". وذلك لقوله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" (١) متفق عليه، وقوله ﷺ في الحديث الذي رواه سهل بن سعد ﵁: "إذا نابكم شيء في صلاتكم فليسبح الرجال ولتصفق النساء" (٢).
وقد خالف في هذا الإِمام أبو حنيفة ﵀ فيما لو كان التسبيح جوابًا، فإِنه=
стр. 3230
= يرى أنه يقطع الصلاة (١)، وسيأتي بحثه إن شاء الله.
أما التصفيق للنساء فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: ذهب الجمهور إلى مشروعية التصفيق للمرأة إذا نابها شيء في صلاتها.
أدلتهم:
١ - ما رواه سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ : "إذا نابكم شيء في صلاتكم فليسبح الرجال ولتصفق النساء" (٢).
٢ - ما رواه أبو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ" (٣).
٣ - ما رواه سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ : "من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال" (٤).
٤ - ما رواه ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ بلفظ: "رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ للنساء في التصفيق وللرجال بالتسبيح" (٥).
فقد دلت الأحاديث السابقة بمنطوقها على جواز التصفيق للمرأة.
القول الثاني: ذهب المالكية في المشهور عنهم إلى كراهية التصفيق للمرأة في الصلاة، وأن المشروع في حق الجميع التسبيح دون التصفيق.
دليلهم: حديث النبي ﷺ : "من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله" (٦).=
стр. 3231
= وجه الدلالة: قوله ﷺ : "من" فهي من صيغ العموم، فتشمل الرجال والنساء في التنبيه بالتسبيح في الصلاة. ولذا قال خليل -وهو من المالكية-: ولا يصفقن، أي النساء في صلاتهن لحاجة (١).
وقد أجاب أصحاب القول الثاني عن حديث: "التصفيق للنساء"، فقالوا: هو من شأنهن في غير الصلاة، وهو على جهة الذم له، ولا ينبغي فعله في الصلاة لرجل ولا امرأة (٢).
مناقشة الجمهور لأدلة المخالفين وتأويلاتهم
١ - رد الجمهور على استدلال أصحاب القول الثاني بحديث: "من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله" بأن دلالة العموم لفظية ووضعية، ودلالة المفهوم من لوازم اللفظ عند الأكثرين، وقد قال في الحديث: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء"، فكأنه قال: لا تسبيح إلا للرجال، ولا تصفيق إلا للنساء، وكأنه قدم المفهوم على العموم للعمل بالدليلين، لأن في إعمال العموم إبطالًا للمفهوم، ولا يقال إن قوله: "للرجال" من باب اللقب، بل نقول: هو من باب الصفة لأنه في معنى الذكور البالغين" (٣).
إضافة إلى أن الأحاديث قد دلَّت بمنطوقها على تخصيص كل من المرأة والرجل بما شرع له.
٢ - تعقب أصحاب القول الأول تأويل القول الثاني لحديث: "التصفيق للنساء" برواية حماد بن زيد عن أبي حازم في الأحكام: "فليسبح الرجال ولتصفق النساء" حيث ورد بصيغة الأمر، وهذا نص يدفع ما تأوله أهل هذه المقالة (٤).=
стр. 3232
= والراجح -والله تعالى أعلم- هو القول الأول، هو مشروعية التصفيق للمرأة إذا نابها شيء في صلاتها.
قال القرطبي ﵀: القول بمشروعية التصفيق للنساء هو الصحيح نظرًا وخبرًا (١)، وفي هذه الأحاديث أبواب كثيرة من الفقه لا تخفى على متأمل فطن". اهـ. (٢).
علَّة منع النساء من التسبيح
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "وكأن منع النساء من التسبيح لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا لما يخشى من الافتتان، ومُنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء" (٣). اهـ.
وقال القرطبي في المفهم بعد أن حكى رأي المالكية: " ... وعللوا اختصاص النساء بالتصفيق، لان أصواتهن عورة كما ينبغي من الأذان، ومن الجهر بالإقامة والقراءة، وهو معنى مناسب شهد الشرع له بالاعتبار" (٤).
وقال فضيلة الشيخ ابن عثيمين حفظه الله: "والتفريق بالحكم بين الرجال والنساء ظاهر لأن المرأة لا ينبغي لها أن تظهر صوتها عند الرجال لا سيما وهم في صلاة، لأن هذا قد يؤدي إلى الفتنة، فإِن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فلو سبحت المرأة فربما يقع في قلب الإنسان فتنة، لا سيما إذا كان صوت المرأة جميلًا وقد أخبر النبي ﷺ "أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأنه ما ترك فتنة أخبر على=
стр. 3233
= الرجال من النساء" (١).
*هل يختلف الحكم في مشروعية التصفيق للمرأة فيما إذا كانت المرأة مع نساء لا رجال معهن، أو كانت مع رجال؟
قال الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله: ظاهر كلامه -أي المؤلف- العموم سواء كانت امرأة مع نساء لا رجال معهن أو مع رجال، فإنها لا تسبح، وإنما تصفق.
وقال بعض العلماء: إذا لم يكن معها رجال فإنها تسبح كالرجال، وذلك لأن التسبيح ذكر مشروع جنسه في الصلاة، بخلاف التصفيق، فإِنه فعل غير مشروع جنسه في الصلاة، ولجأت إليه المرأة فيما إذا كانت مع رجال؛ لأن ذلك أصون لها وأبعد عن الفتنة، ودليل هذه المسألة قول النبي ﷺ : "إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء"، وفي رواية: "ولتصفح النساء" وإذا رأينا إلى عموم الحديث قلنا إن ظاهره أنه لا فرق بين أن يكون مع المرأة رجال أو لا. وإذا تأملنا قلنا بل ظاهر الحديث أن هذا فيما إذا كانت المرأة مع الرجال، لأنه قال: "فليسبح الرجال ولتصفق النساء"، وظاهر الحديث أن المسألة مسألة اجتماع رجالٍ ونساء، فوظيفة الرجال التسبيح، ووظيفة النساء التصفيق. والمسألة محتملة، فمن نظر إلى ظاهر العموم قال: تصفق، ومن نظر إلى ظاهر السياق قال: هذا فيما إذا كان معها رجال لا سيما إذا أخذنا بالتعليل الذي ذكرنا أن التسبيح ذكر مشروع جنسه في الصلاة، بخلاف التصفيق. اهـ (٢).=
المسألة الثانية: المراد بالتصفيق، وهل التصفيق والتصفيح بمعنى واحد؟ وبيان الصيغ الواردة فيه.
стр. 3234
= للتصفيق في اللغة معانٍ عدة، ومنها:
الضرب الذي يُسمع له صوت، وهو كالصفق في ذلك. والتصفيق باليد:
التصويت بها، كأنه أراد معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، فقد كانوا يصفقون ويصفرون، وقد كان ذلك عبادة في ظنهم. وقيل في تفسيرها أيضًا: أنهم أرادوا بذلك أن يشغلوا النبي ﷺ والمسلمين في القراءة والصلاة .. وصفّق يديه بالثقيل: ضرب إحداهما على الأخرى.
وهو في الاصطلاح: لا يخرج عن هذا المعنى (١).
* هل التصفيق والتصفيح بمعنى واحد؟
في المسألة قولان:
القول الأول: أنهما بمعنى واحد.
١ - ورد في بعض الروايات كرواية سهل بن سعد عن البخاري: ... فأخذ الناس بالتصفيح، قال سهل: هل تدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق ... " (٢) الحديث.
٢ - قال الحافظ العراقي في حديث أبي هريرة: التصفيق بالقاف، وفي حديث سهل بن سعد التصفيح بالحاء، والمشهور أن معناهما واحد (٣).
٣ - قال ابن الأثير: " ... التصفيق والتصفيح واحد، وهو ضرب صفحة الكف على صفحة الكف الآخر، يعني إذا سهى الإِمام نبّهه المأموم، إن كان رجلًا قال: سبحان الله، وإن كان امرأة ضربت كفها على كفها عوض الكلام" (٤). اهـ.=
стр. 3235
= وبه صرح الخطابي وأبو علي القالي والجوهري وغيرهم (١).
القول الثاني: أنهما مختلفان في المعنى.
(أ) قيل: إن التصفيح: الضرب بظاهر إحداهما على الأخرى. والتصفيق: الضرب ببطان إحداهما على باطن الأخرى. حكاه صاحب الإكمال وصاحب المفهم (٢).
(ب) قيل: إن التصفيح: الضرب بأصبعين للإِنذار والتنبيه، وبالقاف: بالجميع للهو واللعب (٣).
دليلهم: عن عيسى بن أيوب قال: قوله: "التصفيح للنساء" تضرب بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى.
*وما جاء عن الصحابي سهل بن سعد ﵁، وأخرجه البخاري، وقال به أئمة اللغة من أنهما بمعنى واحد هو الصواب إن شاء الله.
الصيغ الواردة في كيفية تصفيق المرأة في الصلاة
١ - أن تضرب بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى. وذلك للأثر المروي عن عيسى بن أيوب، وهو قوله: "التصفيح للنساء تضرب بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى" (٤)، وهو الأولى؛ وبه قال غير واحد من أهل العلم، وحكاه العراقي والقرطبي وابن عبد البر في الاستذكار. وهذا ليس على جهة الالزام، وقد لا يحصل التنبيه به فيحتاج إلى هيئة أخرى لا تخرج صفتها عن التصفيق.=
стр. 3236
= ٢ - أن تضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، وهو الأيسر والأقل عملًا، وهذا هو المشهور عن الحنفية والشافعية.
٣ - أن تضرب بأكثر أصابعها اليمنى على ظهر أصابعها اليسرى.
٤ - أن تضرب بأصبعين على ظهر الكف.
٥ - أن تضرب بظهر أصبعين من يمينها على باطن كفها اليسرى (١).
٦ - أن تضرب بباطن إحدى يديها على باطن الأخرى.
وفي هذا قال الرافعي ﵀: "ولا ينبغي أن تضرب بطن الكف على بطن الكف وإن كان ذلك قليل، لان اللعب ينافي الصلاة. اهـ.
وقوله هذا فيه نظر، فلو فعلته على وجه التنبيه فإِنه لايبطل صلاتها، إذ إن المعنى اللغوي للتصفيق لا زال يشمله، وقال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله: تضرب بطن كفها على بطن الأخرى. وقال بعض العلماء: بظهر كفها على بطن الأخرى.
وقال بعض العلماء: ببطن كفها على بطن الأخرى كما هو المعروف عند النساء الآن.
على كلٍ، المسألة ما هي مشكلة، سواء كان التصفيق بالظهر على البطن، أو بالبطن على الظهر، أو بالبطن على البطن؛ فالأمر في هذا واسع، المهم أن لا تسبح بحضرة الرجال (٢). اهـ.
وعلى هذا، فلا بأس بفعل أيٍ من الأوجه المذكورة ما كان أيسر في العمل وأدعى للتبيه.
٧ - حكى الماوردي في الحاوي وجهًا وهو: التصفيق بالظهر على الظهر، وهر بعيد.=
стр. 3237
= ٨ - الضرب بالأكف على الأفخاذ. قال ابن حجر ﵀: وأغرب الداودي، فزعم أن الصحابة ضربوا بأكفهم على أفخاذهم.
قال عياض ﵀: كأنه أخذه من حديث معاوية بن الحكم الذي أخرجه مسلم، وفيه: "فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم" (١).
وهذه الكيفية فيها نظر؛ لأنها صدرت من الرجال والمشروع في حق الرجال التسبيح لا التصفيق. ولذا قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث:
وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته (٢).
قال الشوكاني ﵀: ولا يقال إن ضرب اليد على الفخذ تصفيق، لأن التصفيق إنما هو ضرب الكف على الكف، أو الأصابع على الكف.
قال القرطبي ﵀: ويبعد أن يسمى من ضرب على فخذه وعليها ثوبه مصفقًا، ولهذا قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ولو كان يسمى هذا تصفيقًا لكان الأقرب في اللفظ أن يقول: يصفقون لا غير (٣).
المسألة الثالثة: الأمر بالتسبيح للرجال، والتصفيق للنساء هل هو على سبيل الندب أو الإباحة أو الوجوب؟
نقل العراقي عن الشيخ تقي الدين السبكي قوله: "إنما يكونان سنتين إذا كان التنبيه قربة، فإِن كان مباحًا كانا مباحين وقياس ذلك: إن كان التنبيه واجبًا كإيذان الأعمى من الوقوع في بئر أن يكونا واجبين إذا تعين طريقًا وحصل المقصود بهما" (٤). اهـ.=
стр. 3238
= وما قاله السبكي من أن مدار حكمهما على السبب جيد والوسائل تأخذ أحكام المقاصد.
المسألة الرابعة: إذا كان التسبيح أو التصفيق جوابًا فهل يؤثر في الصلاة؟ ومثال ذلك: "كان يستأذن عليه إنسان في الصلاة أو يكلمه أو ينوبه شيء فيسبح الرجل ليعلم أنه في صلاة أو يخشى الوقوع في شيء فيسبح ليوقظه أو يخشى أن يتلف شيئًا فيسبح به ليتركه" (١)، فهل يؤثر ذلك في الصلاة أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك:
القول الأول: وهو قول أكثر أهل العلم، منهم الأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور، أن هذا لا يؤثر في الصلاة (٢).
أدلتهم:
١ - قول النبي ﷺ :"إذا نابكم أمر فليسبح الرجال ولتصفق النساء" (٣).
وجه الدلالة: قوله "أمر" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فهو عام في كل أمر ينوب المصلي.
٢ - ما رواه أبو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة فإذنها التصفيق" (٤).
٣ - لأنه نبّه بالتسبيح أشبه ما لو نبّه الإِمام ولو كان تنبيه غير الإِمام كلامًا لكان تنبيه الإِمام كذلك (٥).=
стр. 3239
= القول الثاني: حكي عن أبي حنيفة أن من أفهم غير أمامه بالتسبيح فسدت صلاته.
العلة في ذلك: قالوا: لأنه خطاب آدمي، فيدخل في عموم أحاديث النهي عن الكلام (١).
ومن أدلتهم: حديث زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكل الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾، فأُمِرنا بالسكوت ونُهِينا عن الكلام (٢).
والراجح -والله تعالى أعلم- هو القول الأول، فأي شيء ينوب المصلي في صلاته ويحتاج معه إلى التسبيح بالنسبة للرجال والتصفيق بالنسبة للنساء، وهذا عن الشافعية والحنابلة. أما المالكية، فيقولون بالتسبيح مطلقًا (٣)، فإِن هذا لا يؤثر في الصلاة ولا تنقطع بسببه خلافًا لأبي حنيفة ﵀، فإِنه يرى أن ما كان جوابا فإِنه يقطع.
стр. 3240
٥٦١ - حدثنا (١) عبيدة (٢) بن حميد، ثنا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي (٣) الزُّبَيْرِ، عَنْ جابر ﵁ مثله.
стр. 3241
٥٦١ - تخريجه:
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٣٤٢): باب من قال: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء: قال:
حدثنا عبيدة بن حميد، عن ابن أبي ليلى، به مثله.
والإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٥٧): قال:
ثنا عبيدة بن حميد، حدثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لِيَلَى به مثله إلا أنه زاد: (في الصلاة)، والمتن الذي أحال عليه الحافظ هنا ليس فيه هذه الزيادة، ويبدو أنه أورده في الزوائد لهذا السبب.
وأخرجه في (٣/ ٣٤٨): قال:
حدثنا موسى، حدثنا ابن لهيعة.، عن أبي الزبير به نحوه بزيادات يسيرة.
قال الحافظ العراقي في شرحه على الترمذي (٢/ ق / ٣٣٩ أ): (... اختلف في رفعه، ووقفه على أبي الزبير). اهـ. ثم وضح بعدُ أنه روي مرفوعًا، وفي هذا الطريق صرح أبو الزبير بالسماع من جابر، وابن لهيعة سيء الحفظ.
وذكره الهيثمي في مجمع البحرين (ق ٣٧/ ب): قال:
أحمد بن القاسم، ثنا عيسى بن مشاور، ثنا مروان بن أبي معاوية، عن أشعث، عن أبي الزبير به مثله، وزاد: في الصلاة.
ثم ساق قول الطبراني: لم يروه عن أشعث إلا مروان: تفرد به عيسى. اهـ.
وأخرجه الحافظ أبو القاسم: تمام الرازي في الفوائد، انظر الروض البسام=
стр. 3242
= (١/ ٣٦٧: ٣٦٦): قال:
حدثني أبي ﵀ نا أبو عبد الله محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس الرازي، أنا يحيى بن المغيرة الرازي، أنا زافر بن سليمان، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير به مثله.
стр. 3243
الحكم عليه:
إِسناده من طريق أبي بكر ضعيف بسبب عنعنة أبي الزبير، وقد صرح بسؤاله لجابر ﵁ في أحد طريقيه عند أحمد، ومضى ما يشهد له في الصحيح، فهو بهذا الإِسناد حسن لغيره.
стр. 3244
٥٦٢ - وقال أبو يعلي: حدثنا إسحاق -هو ابن أَبِي إِسْرَائِيلَ-، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ (١)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: "كُنْتُ اسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فإِن كَانَ فِي الصَّلَاةِ سَبَّحَ، وَإِنْ كَانَ في غير صلاة (٢) أذِن لي".
стр. 3245
٥٦٢ - تخريجه:
أخرجه الإِمام أحمد في مواضع من مسنده من حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. ففي (١/ ٩٨) قال:
ثنا يحيى بن آدم، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ ابن الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ علي ﵁ قال: "كنت إذا استأذنت على رسول الله ﷺ إن كان في صلاة سبح، وان كان في غير ذلك أذِن".
وفي (١/ ٧٩): من زيادات عبد الله بن أحمد قال:
حدثني أبو كريب محمد بن العلاء، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن زحر، به -مع وجود علي ﵁ في الإِسناد، بنحوه قريبًا من لفظ أبي يعلى.
قال الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (٢/ ٥٩٧: ٥٩٨): إِسناده ضعيف جدًا. اهـ.
قلت: وهذان الطريقان فيهما زيادة صحابي كما ترى وهو الظاهر؛ فقد روي متنه بلفظ قريب جدًا من رواية أبي يعلى من غير حديث أبي أمامة عن علي ﵄ فهو معروف عنه.
ويبدو أن الحافظ أورده هنا في الزوائد لخلو إِسناده من ذكر علي ﵁. =
стр. 3246
= والصواب هو وجوده كما في رواية الإِمام أحمد التي تقدمت.
وقد أخرج الإِمام أحمد في (١/ ٧٧): قال:
ثنا أبوسعيد، ثنا عبد الواحد بن زياد الثقفي، ثنا عمارة بن القعقاع عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْعَكَلِيِّ، عَنْ أَبِي زرعة، عن عبد الله بن نجي قال: قال علي: "كانت لي ساعة من السحر أدخل فيها على رسول الله ﷺ فإِن كان قائمًا يصلي سبح بي، فكان ذاك إذنه لي، وإن لم يكن يصلي أذِن لي".
قال الشيخ أحمد شاكر في (٢/ ٥٦٨: ٥٧٠): إِسناده ضعيف: عبد الله بن نُجَي، بالتصغير، ابن سلمة الحضرمي: ثقة، وثقه النسائي، وابن حبان، ولكنه لم يسمع من علي، بينه وبينه أبوه، كما جزم بذلك ابن معين، فهذا منقطع). اهـ.
وأشار إلى رواية النسائي له.
فقد أخرجه في (٣/ ١٢): باب التنحنح في الصلاة: قال:
أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني شرحبيل: يعني ابن مدرك، قال: حدثني عبد الله بن نجي عن أبيه قال: قال لي علي: كانت لي منزلة من رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الخلائق، فكنت آتيه كل سحر فأقول: السلام عليك يا نبي الله: فإِن تنحنح انصرفت إلى أهلي، وإلا دخلت عليه.
ورواه بنحوه مطولًا الإِمام أحمد في المسند (١/ ٨٥):
وصحح إِسناده الشيخ أحمد شاكر. انظر (٢/ ٦٤٧).
стр. 3247
الحكم عليه:
الحديث إِسناده ضعيف لحال علي بن يزيد، وعبيد الله بن زحر، ويحيى بن أيوب. وهو منقطع بين أبي أمامة والنبي ﷺ ، وبينهما علي ﵁، فهو مرسل صحابي، وقد عرفت الواسطة فيه أيضًا، وقد تقدم ما يشهد لهذا الحديث.
فيكون بذلك حسنًا لغيره.
٥٦٣ - تخريجه:
أخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر: الإحسان (٣/ ٢٤٦: ٢٠٤٤) قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن أبي معشر أبو عروبة، بحرّان: حدثنا إسحاق بن زيد الخطابي، وأيوب بن محمد الوزان قالا: حدثنا عبد الله بن جعفر: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أبي أنيسة، عن جنادة بن أبي أمية، عن مكحول، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: "من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد أتاه الله نورًا يوم القيامة". =
стр. 3250
= قال أبو حاتم: هكذا حدثنا أبو عروبة فقال: جنادة بن أبي أمية من التابعين: أقدم من مكحول، وجنادة بن أبي خالد من أتباع التابعين، وهما شاميان ثقتان. اهـ.
والدارمي في سننه (١/ ٢٧١: ١٤٢٩)، باب فضل المشي إلى المساجد في الظلم: قال:
حدثنا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ جنادة، عن مكحول عن أبي إدريس بنحوه.
وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٢) قال: حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا أبو زرعة، وأحمد بن خليد: قالا: ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بن أبي أنيسة عن جنادة بن أبي خالد، عن مكحول عن أبي إدريس به بنحوه بمثل لفظ ابن حبان لكن بإفراد المساجد.
وزكريا بن عدي: شيخ الدارمي هو: ابن الصلت التيمي مولاهم: أبو يحيى الكوفي نزيل بغداد، ثقة جليل يحفظ. اهـ. التقريب (٢١٦: ٢٠٢٤).
وعبيد الله بن عمرو: هو الرقي أبو وهب الأسدي ثقة فقيه ربما وهم. اهـ.
التقريب (٣٧٣: ٤٣٢٧).
وزيد بن أبي أنيسة: هو الجزري أبو أسامة، أصله من الكوفة ثم سكن الرها، ثقة له أفراد. اهـ. التقريب (٢٢٢: ٢١١٨).
وفي هذه الطرق التي تقدمت عنعنة مكحول عن أبي إدريس، ومضى أنه من الثالثة فلا بد أن يصرح بالسماع، فالحديث بهذا الإِسناد ضعيف.
وأخرجه ابن الجوزي في العلل، طبعة دار العلوم الأثرية باكستان (١/ ٤٠٩: ٦٨٨) قال: نا محمد بن ناصر قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال: أنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، قال الحسين بن الحسن بن أيوب، قال: نا حاتم الرازي، قال: نا عبد الله بن جعفر، قال: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أبي أنيسة، عن =
стр. 3251
= جنادة بن أبي خالد، عن مكحول، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ به نحوه.
ثم قال: قال أحمد: زيد بن أبي أنيسة في حديثه بعض النكارة. اهـ.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠): بمثل لفظ أبي بكر وقال: (رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. ولأبي الدرداء أيضًا عند الطبراني: "من مشى في ظلمة الليل إلى مسجد آتاه الله نورًا يوم القيامة" وفيه جنادة بن أبي خالد، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات). اهـ.
قلت: قد تقدم أن ابن حبان نص على توثيق جنادة بن أبي خالد.
وهو في المطبوع من المطالب (١/ ١٣٢: ٤٨٦)، باب فضل المشي إلى المسجد وعزاه لأبي بكر ثم قال: فيه انقطاع بين مكحول والصحابي.
стр. 3252
الحكم عليه:
هو بهذا الإِسناد ضعيف لانقطاعه بين مكحول وأبي الدرداء، فإِن بينهما أبا إدريس الخولاني كما تقدم في تخريجه لكن مكحول لم يصرح بالسماع منه.
والحديث له شواهد كثيرة أشار إليها محقق "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" من طريق اثني عشر من الصحابة انظر (ص ٦٢/ ١٢٨).
وكلها بالنظر إلى كل طريق بمفرده لا تخلو من مقال، لكن غالب هذا المقال إما جهالة أو نحوها إلَّا القليل منها.
وبمجموعها ترتقي إلى الصحيح لغيره.
٥٦٤ - تخريجه:
هو في بغية الباحث (٢/ ٢٧٠: ٢٠٠) في حديث طويل جدًا بلغ خمس عشرة صفحة، ذكر هذا المقطع (ص ٢٨١) بنحوه باختلاف يسير.
بَوَّب له الهيثمي بقوله: باب في خطبة كذبها داود بن المحبر على رسول الله ﷺ وقال بعد أن ساقه:
قلت: هذا حديث موضوع، وإن كان بعضه في أحاديث حسنة بغير هذا الإِسناد، فإِن داود بن المحبر كذاب. اهـ.
قلت: ولا يتهم به وحده فإِن لميسرة بن عبد ربه نصيبًا من هذه التهمة لا سيما وقد أقر على نفسه بالوضع في الفضائل فهو به أليق.
وهو في المطبوع من المطالب (١/ ١٣٢: ٤٨٧)، باب فضل المشي إلى المسجد، بمثله إلَّا أنه قال (ومحى) بالماضى.
وعزاه للحارث، وأشار إلى وضعه.
стр. 3255
الحكم عليه:
هو موضوع كما قال الحافظان ابن حجر والهيثمي.
стр. 3256
٥٦٥ - وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مَالِكٍ، ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ (١) أَبِي الْمُسَاوِرِ، عن محمد بن عمرو (٢) بن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ (٣) فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَمْشِي إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ: يُصَلِّي فِيهِ صَلَاةً مَكْتُوبَةً، إلَّا كَتَبَ اللَّهُ له بكل خطوة حسنة" (٤).
стр. 3257
٥٦٥ - تخريجه:
ذكره الهيثمي في المقصد العلي (٣٠٨: ٢٤٠)، باب المشيء إلى المساجد، بمثله بزيادة: (ويمحى عنه بالأخرى سيئة، ويرفع له بالأخرى درجة).
وفي مجمع الزوائد (٢/ ٢٩)، باب المشي إلى المساجد، بمثله بالزيادة التي تقدمت.
ثم قال: رواه أبو يعلى، وفيه عبد الأعلي بن أبي المساور، وهو ضعيف. اهـ.
وهو في المطبوع من المطالب (١/ ١٣٢:٤٨٨) بمثله دون الزيادة وعزاه لأبي يعلى.
стр. 3258
الحكم عليه:
إِسناده ضعيف جدًا لحال عبد الأعلي بن أبي المساور.
لكن أخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة أيضًا ما يشبهه.
وسأذكر هنا لفظ رواية البخاري: فقد أخرجه في باب فضل صلاة الجماعة.
انظر صحيحه مع الفتح (٢/ ١٣١: ٦٤٧): ساقه بسنده إلى أبي صالح أنه يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على=
стр. 3259
= صلاته في بيته، وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلَّا الصلاة: لم يخط خطوة إلَّا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة. فإِذا صلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ في مصلاه، اللهم صل عليه اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة".
والحديث الذي تقدم برقم (٥٦٤) وفيه أن الذي يكتب له (عشر حسنات) لكنه موضوع.
وقد جاءت المضاعفة بعشر فيما أخرجه أبو يعلى. انظر المقصد (١/ ٣٠٧: ٢٣٩) من حديث عقبة بن عامر الجهني عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "من خرج من بيته إلى المسجد كتبت له بكل خطوة يخطوها عشر حسنات، والقاعد في المسجد ينتظر الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين حتى يرجع إلى بيته". وفي إِسناده ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ، وأبو قبيل المعافري، وهو حيي بن هانئ بن ناضر صدوق يهم، وانظر التقريب (١٨٥: ١٦٠٦).
لكن قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٩).
(رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، وفي بعض طرقه ابن لهيعة وبعضها صحيح وصححه الحاكم). اهـ.
وفي الجمع بين ورود الرواية "بعشر حسنات" تارة و "بحسنة واحدة" تارة أخرى قال محقق المقصد العلي (١/ ٣٠٨) هامش (٤):
(لا اختلاف بين قوله هنا "حسنة" وقوله في الحديث المتقدم "عشر حسنات"
وذلك يحمل اللفظ في الحديث الأول على مضاعفة الأجر كما هو معروف).
وقال (ص٣٠٧): تحت حديث العشر:
(ويؤيد حديث الباب أيضًا حديث مضاعفة الحسنات "الحسنة بعشر أمثالها" والله أعلم).