← Книги сунны

Книги сунны · id 37618

المطالب العالية محققا

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (21 641 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد ذكر -أيضًا- بعض المقاطيع أثناء بعض المسانيد، لمناسبته لما قبله (١)، وقد يذكره دون أي مناسبة (٢). ٦ - منهجه في الكلام على الحديث: (أ) تصحيح الحديث: إن رسوخ قدم سفيان وإمامته في هذا الشأن مما لا يخفى على كل من له أدنى معرفة بهذا الفن، فهو من أحفظ أهل زمانه، مع الإتقان والبصيرة النافذة فيما يحفظ. وكان الحميدي ﵀، من أوتاد مجلسه لا يفارقه ليل نهار، فتسنى له أن ينقل من علمه ما أراد. ومن ذلك تصحيحه لبعض الأحاديث (٣)، أو الإشارة إلى أنها أجود ما في الباب (٤)، أو توثيق أحد رواتها (٥)،

стр. 352

بعبارة متزنة بعيدة عن الإفراط أو التفريط. (ب) علل الحديث: يذكر الحميدي ما يقع من الاختلاف على بعض الرواة في رفع الحديث ووقفه، أو وصله وإرساله إلى غير ذلك من الاختلاف في إسناده، مثل غلط بعض الرواة أو شكهم. وكذلك ما يقع في المتن من زيادة بعض الرواة، أو مخالفتهم لغيرهم، وهذا مما يندر وقوعه في مسانيد غيره، عدا المسانيد المعللة -كمسند البزار، ويعقوب بن شيبة-. ووقع مثل ذلك كثيرًا في مسنده، بالنظر إلى صغر حجمه، وكان يقول ذلك أحيانًا من عند نفسه (١). وكان كثيرًا ما يسأل سفيان بن عيينة، أو يحكي سؤال من سأله وجوابه، وأحيانًا يقوله سفيان أبتداء من غير سؤال، وقد يحكي سفيان شكه في بعض سنده أومتنه (٢) وكان الحميدي ربما بين عدم سماع سفيان ابن عيينة، لحديث ما (٣)، وربما نقل ذلك

стр. 353

عن (١) سفيان، وربما بين سفيان سماعه لبعض الحديث دون باقيه (٢)، وربما بين أنه سمعه لكن لم يحفظه كله (٣)، أو بعضه (٤). وربما بين الحميدي عدم سماعه لحديث ما (٥)، من سفيان، أو سمعه ونسي بعضه (٦). وكان الحميدي ﵀ يتلقف ما يتكلم به شيخه سفيان بن عيينة، في أحوال شيوخه (٧) أو من فوقهم، فيتوج به أحاديث مسنده. وكان سفيان ربما عدل عن الكلام في الرجل مباشرة إلى الإيماء إلى ضعفه (٨).

стр. 354

(ج) بيان ما يقع فيه من لحن، أو تصحيف الرواة: وكان الحميدي ﵀، بما أوتي من بصيرة ثاقبة، وحفظ وقال، ربما استدرك على شيخه سفيان في أسماء بعض الرواة، ولم يتابعه على وهمه (١)، وربما تابعه في القليل النادر (٢)، وكان أحيانًا ينقل كلام شيخه في بيان تصحيف من صحف بعض الأسماء (٣)، أو لحن في كلامه (٤). (د) تسمية ما يأتي مبهمًا أو مهملًا في الإسناد: إن سعة علم سفيان وحفظه لطرق الحديث هيأت له السبل إلى معرفة من يبهمه الرواة، نسيانًا أو جهلًا باسمه -وهذا يقع كثيرًا في المتون-، أو تعمدًا لقصد التعمية لكون هذا المبهم ضعيفًا، وقد نقل عنه الحميدي بعض ذلك (٥)،

стр. 355

كما نقل عن غيره (١). ٧ - منهجه في سوق المتون واختصارها: اهتم الحميدي ﵀، كغيره من المحدثين، بمتون الأحاديث، فبين ما يقع من الزيادة من بعض الرواة في المتن (٢)، وما يقع من بعضهم من الشك في كلمة أو أكثر (٣). وراعى في ذلك الإختصار، فكان يسوق الحديث بسنده ومتنه، ثم يسوقه من طريق أخرى، ويحيل على المتن السابق بما يناسب من عبارات الإحالة (٤)، فإن كان في متنه زيادة مهمة لتعلق حكم بها، أو غير ذلك من المقاصد، ذكرها، وقد وقع في مسنده من ذلك الشيء الكثير. ٨ - منهجه في سوق الأسانيد: قد مر بعض ذلك فيما تقدم، وهو يسوق الأسانيد بتمامها، ولعل السبب

стр. 356

في ذلك قصر أسانيده، ولم أره استعمل حرف الإحالة (ح) (١) إلَّا مرة واحدة، مع أنه ساق السند بكماله. وربما ذكر بإسناد واحد أكثر من حديث، فيسوق السند ثم متنه، وبعده يقول الصحابي: وَسَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ... الْحَدِيثَ. وهذا ليس من الإحالة، وإنما هكذا تحمله عن شيخه وإلَّا للزمه أن يقول: (وبه) (٢)، وكان ربما قرن شيخه ابن عيينة بشيخ له آخر (٣). ولا يروي عن شيخه بالعنعنة إلَّا نادرًا (٤)، وأكثر بصيغة التحديث (حدثنا، ثنا)، ولم يستعمل صيغة السماع (سمعت) إلَّا نادرًا أيضًا (٥). وربما عبر بـ (قال) فقط ولم يذكر صيغة التحديث (٦). ٩ - منهجه في ذكر فقه الحديث، وتفسيره: لا غرو أن الإمام الحميدي كان فقيه مكة في زمانه، فلا يستغرب منه ذكر بعض ما في حديث ما من الفقه، وقد ذكر شيئًا من ذلك، لكنه ليس بكثير (٧)،

стр. 357

وإنما أكثر ما ذكر يرويه عن سفيان (١)، وربما رواه عن سفيان عن أحد شيوخه (٢). كما أنه لم يخل كتابه من تفسير بعض الأحاديث، أو تفسير بعض كلماتها من قبله حينًا (٣)، ومن قبل شيخه حينًا (٤) آخر، وربما عمن فوقه (٥). ١٠ - زوائد بشر بن موسى الأسدي وغيره على مسند الحميدي، وكلامهم في ضبط بعض الأسانيد: لم تظهر شخصية بشر بن موسى من خلال روايته لمسند الحميدي، فلم

стр. 358

أجده زاد فيه حديثًا من روايته عن غير الحميدي، كما يفعل أكثر رواة الكتب، بل وجدت الراوي عنه أبا علي الصواف روى حديثًا من أحاديث الحميدي، من طريق أخرى، والتقى معه في شيخه ابن عيينة (١). وكل ما وجدت له هو قوله -بعد قول سفيان: ثنا العسي-: قال أبو علي: كذا في كتابي: العسي. وفي أصول عندي: العبسي. والله ولي التوفيق (٢). اهـ. وقوله (٣): أبو بكر -يعني الحميدي- الذي وصف لنا. اهـ. ليؤكد بهذا أن الذي وصف لهم كيفية قبض الأصابع والإِشارة بالسبابة، في التشهد هو شيخه الحميدي. المطلب السابع زوائد مسند الحميدي على الكتب الستة، ومسند أحمد بلغ عدد الأحاديث والآثار والمقاطيع التي استخرجها الحافظ ابن حجر من مسند الحميدي، سبعة وأربعين حديثًا. وقد ذكر الحافظ أربعة أحاديث لم أجدها فيما بين يدي من المسند -المطبوع والمخطوط-. وأستبعد أن يكون الحافظ أخذها من غير رواية بشر بن موسى، لأنه لم يذكر في مقدمة (٤) المطالب، حين ذكر أسانيده سوى طريقه إلى رواية بشر بن موسى. وكذلك لم يذكر غيرها في المعجم المفهرس.

стр. 359

فلو أراد إضافة حديث من غيرها لنبه على ذلك. والذي يظهر لي أن ما بين أيدينا من نسخ المسند عائد إلى أصل واحد، لأنه كثيرًا ما تتفق هذه النسخ على رسم كلمات لاتدل على معنى، كما أن إجماعها على إسقاط مسند طلحة بن عبيد الله ﵁، من الأدلة القوية على ذلك، فلعل الله أن ييسر نسخًا أخرى يزاد منها ما نقص، ويقوَّم ما اعوج. وإليك سرد ما ذكره الحافظ من الأحاديث على حسب ترتيبها في المطالب مع ذكر رقم كل حديث في مسند الحميدي، عدا ما لم أعثر عليه: ــ اسم الكتاب والباب // عدد الأحاديث // رقم الأحاديث // رقم الحديث بمسند الحميدي ــ ١ - كتاب الطهارة: ٤٠ - باب الطهارة من ألبان الإبل // ٢ // (١٤٨، ١٤٩) // هما من حديث طلحة بن عبيد الله، ولا يوجد مسنده في ــ المطبوع ولا المخطوط -نسخة الظاهرية- من مسند الحميدي. ٤ - كتاب الصلاة: ٣٧ - باب صون المساجد // ٢ // (٣٦٤، ٣٦٥) // (٣٣٩، ١٢٧٨) ٤٦ - باب الأمر باتباع الإمام في أفعاله // ١ // (٤١٦) // (٩٨٩) ٧ - أبواب الجمعة: ١٠ - باب تحية المسجد والإمام يخطب // ١ // (٧١٦) // (١٢٢٤) ١٠ - كتاب الزكاة: ٢١ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ // ١ // (٩٣٢) // (٢٣٧) لِمَنْ لَا يَحْتَاجُ إليها

стр. 360

ــ اسم الكتاب والباب // عدد الأحاديث // رقم الحديث // رقم الحديث بمسند الحميدي ــ ٣٣ - باب أفضل الصدقة // ١ // (٩٧٠) // (٣٢٨) ١٢ - كتاب الحج: ٢٠ - باب الأمر بحج الذراري والرقيق // ٢ // (١١٤٢، ١١٤٣) (٥٠٤، ٥٠٦) ٢٠ - باب فضل المحرم // ١ // (١١٦٥) // (٥٠٥) ٤٩ - باب رمي الجمار // ١ // (١٢٥٩) // (٨٥٢) ٥٨ - باب مشروعية ملاقاة الحاج // ١ // (١٢٩٢) // (١١٦٤) والتبشير بسلامتهم ٧٠ - باب فضل المسجد النبوي // ١ // (١٣٢٩) // (٩٤١) وسقط من المطبوع القائل وهو عمر بن الخطاب- انظر ــ الظاهرية ق٩٩: أ ١٤ - كتاب العتق: // ١ // (١٥١٧) // لم أجده في المطبوع من مسند الحميدي ١٦ - كتاب النكاح: ١٣ - باب ترك ملامسة المرأة الأجبية // ١ // (١٥٨٦) // (٣٦٨) ١٧ - كتاب الوليمة ٤٣ - باب الأيمان والنذور // ١ // (١٧٧٩) // (٥٧٣) ١٨ - كتاب الحدود: ٤ - باب مبدأ تحريم الخمر // ١ // (١٨٠٦) // (١٠٣٤) ١٠ - باب حكم المرتد // ١ // (١٨٤٤) // (١١٧٧) ٢٠ - كتاب الجهاد: ٤٢ - باب الوفاء بالعهد // ١ // (٢٠٤٠) // (٩٠٢) ٤٨ - باب العطاء والحكم // ١ // (٢٠٥١) // (٣٠) فيما فضل منه ٢١ - كتاب الخلافة: ٢٣ - باب العرافة // ١ // (٢١٦٧) // (١٣٠٠)

стр. 361

ــ اسم الكتاب والباب // عدد الأحاديث // رقم الحديث // رقم الحديث بمسند الحميدي ــ ٢٥ - أبواب الذبائح: ٣ - باب التسمية // ١ // (٢٣١٩) // لم اجده في المطبوع ١٠ - ما يكره أكله // ١ // (٢٣٤١) // (٤٨٢) ٢٧ - كتاب الأطعمة والأشربة: ٦ - باب آداب الأكل // ٢ // (٢٣٩٧، ٢٤٠٥) // (٨٣٢، ٤٧٩) ٢٩ - كتاب البر والصلة: ٧ - باب فضل الإحسان إلى اليتيم // ٢ // (٢٥٥٨، ٢٥٥٩) // (٨٣٨، ٨٣٩) ٣٠ - كتاب الأدب: ٤٤ - باب السلام // ١ // (٢٦٩٧) // (٦٣٦) ٨٣ - باب إنصاف الرقيق // ١ // (٢٨٢٣) // هو جزء من الحديث المتقدم في كتاب العتق. ٩٥ - باب الرؤيا // ١ // (٢٨٤٨) // لم أجده في المطبوع، ولا المخطوط -نسخة الظاهرية-. ٣١ - كتاب الإيمان والتوحيد: ١٢ - باب خصال الإيمان // ١ // (٢٩٠٦) // (٣٥٧) ٣٢ - كتاب العلم: ٣٣ - باب الرحلة في طلب العلم // ١ // (٣٠٧٧) // (٣٨٤) ٣٣ - كتاب الرقائق: ٣١ - باب ما يكرم به الرجل الصالح // ١ (٣١٩٩) // (٣٧٣) ٣٤ - الزهد والرقائق: ٥ - بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْأَمْرِ // ١ // (٣٤٠٠) // (٢٦٩) بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المنكر

стр. 362

ــ اسم الكتاب والباب // عدد الأحاديث // رقم الحديث // رقم الحديث بمسند الحميدي ــ ٣٩ - كتاب التفسير: ٦ - سورة النساء // ١ // (٣٥٧٢) // (٣٠٠) وهو في المطالب متصل، وفي المسند المطبوع ــ والمخطوط -نسخة الظاهرية- مرسل ٧ - سورة المائدة // ٢ // (٣٥٥٨٦، ٣٥٩٦) // (١٢٩٥) ٢٥ - سورة الشعراء // ١ // (٣٦٧٧) // (٩٦٢) ٥٣ - سورة المنافقون // ١ // (٣٧٥٧) // (١٢٤٠) ٧٣ - سورة تبت // ١ // (٣٧٨٨) // (٣٢٣) ٤٠ - كتاب المناقب: ٢٧ - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ // ١ // (٣٨٩٠) // (٣٠) ذكر طرفًا منه هنا، وقد ــ تقدم ذكر طرف منه في كتاب الجهاد ٥٧ - باب جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵃ // ١ // (٤٠٣٩) // (٢٦٧) ٤١ - فضائل البلدان: ٦ - فضل الطالف // ١ // (٤٢٠٢) // (٣٣٥) ٤٢ - كتاب السيرة والمغازي: ١٠ - بَابُ مَا آذَى الْمُشْرِكُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ // ١ // (٤٢٢٨) // (٣٢٤) ٢٣ - باب قتل كعب بن الأشرف // ١ // (٤٢٥٩) // (١٢٥١) ٤٢ - كتاب الفتوح: ١٢ - باب أخبار الخوارج // ١ // (٤٤٣٥) // (٥٩) ١٤ - باب قتل على ﵁ // ٢ // (٤٤٤٣، ٤٤٤٧) // (٥٣) ٢٧ - باب الأشراط وعلامات الساعة // ١ // (٤٥٠١) // (٣٥١) ــ

стр. 363

المطلب الثامن بعض الملاحظات على المطبوع قام المحدث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، قبل قرابة ثلاثين سنة، بإخراج هذا الكتاب من ظلام دور المخطوطات إلى أنوار مكتبات المطبوعات، فجزاه الله خيرًا على هذا العمل. وقد بذل في إخراجه، وتحقيقه، وتخريج أحاديثه، جهدًا لا بأس به -والكمال لله-، لكن لتطور علوم السنة في هذا العصر، وإقبال الناس على تعلمها، أصبح من الضروري إعادة تحقيق هذا الكتاب، ليتلاءم مع روح هذا العصر العلمية المشرقة، وليجد فيه القارئ ما ينشده من الوقوف على درجة الحديث، ومَنْ رواه، وغير ذلك من المطالب. وقد ظهر لي من خلال دراستي ومطالعتي السريعة لهذا المسند -المخطوط والمطبوع- بعض الملاحظات الهامة على هذه الطبعة، ومنها: ١ - يجب البحث عن نسخ أخرى للمسند، ليعاد طبعه عليها، مع إلحاق ما يليق به من الدراسة والتحقيق، لأسباب عدة: (أ) سقوط بعض مسانيد الصحابة ﵃، من المطبوع والنسخ التي طبع عليها، كمسند طلحة بن عبيد الله -كما تقدم بيانه-. (ب) وجود بعض الكلمات الغامضة، وغير المفهومة في بعض الأحاديث (١).

стр. 364

(ج) وجود بعض التحريف المخل في بعض الأحاديث، مع وجوده صحيحًا في بعض النسخ (١). ٢ - ضعف التخريج جدًا في أغلب الأحاديث، فإن الشيخ كان -فيما يبدو- يعتمد على ما في حافظته فقط، فتجد الحديث -أحيانًا- في الصحيح ويكتفي بعزوه لأحمد. بل إنه أحيانًا يكون في الصحيح من طريق الحميدي، ويعزوه لأحمد أو لواحد من أهل السنن (٢). ٣ - لا تكاد ترى، وأنت تقلب صفحاته، أو تقع على كلام في رجل من رجال سنده، أو متن من متونه، فكأنك تقرأ في إحدى المخطوطات، عدا ما ترى بين الفينة والأخرى من التخاريج البسيطة التي لا يدل أغلبها على صحة أو ضعف. ٤ - سقوط بعض الرجال من جملة من أحاديثه، فحينًا يسقط الصحابي (٣)، فيصير الحديث مرسلًا.

стр. 365

وحينًا يسقط شيخ الحميدي، فيكون الحميدي يروي عمن لم يره بصيغة التحديث (١). وربما سقط الحميدي نفسه، فصار الحديث من رواية بشر بن موسى عن ابن عيينة، وهو لم يدركه (٢). وحينًا تسقط الترجمة، فتصبح أحاديث الصحابي تابعة لما قبله، فيعدم وجود حديثه، سيما وبعض التراجم ليس فيها إلَّا حديث واحد (٣). وسقط اسم الصحابيين الجليلين: عمار بن ياسر، وأبي بن كعب، ﵃، من فهرس المسانيد (٤). ٥ - وقد تحرفت فيه بعض أرقام الأحاديث (٥)، كما أن المحقق تجاوز بعض المتون فلم يضع لها رقمًا، إما. سهوًا (٦)،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 366

أو اجتهادًا (١)، وقد اختلف اجتهاده فاستدرك بعضها (٢). وعكس ذلك، فقد وضع أرقامًا لكلام تابع للحديث الذي قبله، إما بيان لخلاف فيه، أو لحن، أو تفسير له (٣). وهذه الملاحظات لا تغض من عمل الشيخ وفقه الله وإنما يجب التنبه لها، وتصحيح ما أمكن تصحيحه منها. * * *

стр. 367

الفصل الثامن التعريف بالإمام إسحاق بن راهويه وبمسنده (١) وفيه تمهيد ومبحثان: المبحث الأول: التعريف بإسحاق بن راهويه. المبحث الثاني: التعريف بمسند إسحاق وأهم ما خدم به.

стр. 368

تمهيد ظل ذكر الإمام إسحاق بن راهويه في عداد الأموات، فلا يكاد يعرف عنه شيء، إلَّا القليل من الناس، وتختلف هذه المعرفة من شخص لآخر، وهي في جملتها ضعيفة لا تقارب حجم هذا الإمام، الذي كان له الباع الطويل في أكثر علوم الشريعة، سيما الحديث، والفقه. بل لقد كان له أتباع يذهبون مذهبه، ويفتون بما انتهى إليهم من اجتهاده. لكنهم انقرضوا لأسباب من أهمها الحُكَّام، ومَنْ حَولَهم من رؤوس المذاهب الأخرى. فبات من المحتم على أهل العلم وطلابه إزاحة هذا الستار، وكشف الغمة عن شخص هذا الجهبذ الفريد، وقد قام ببعض ذلك الدكتور عبد الغفور عبد الحق البلوشي، فعندما قام بتحقيق جزء من مسنده، وهو مسند أم المؤمنين عائشة ﵂، قدم له بترجمة وافية لهذا الإمام، جمع فيها مادة علمية لا يستهان بها، نقبها من مصادر شتى، ثم أتبع ذلك بدراسة وافية للموجود من مسنده (١). لكن هذا الإمام بحر خضم، فلا يزال بحاجة إلى دراسات متخصصة متعددة، كي تبرز شخصيته، ويستفاد من علمه، وهذه أمانة في أعناق المؤسسات العلمية الإسلامية، بالدرجة الأولى، ثم في أعناق علماء ومفكري هذا العصر الزاهر. وليس باستطاعتي في هذه العجالة أن أقدم أكثر مما قدمه من

стр. 369

عاش مع ترجمته، ومسنده ما يقارب الأربع سنوات، وذلك لأن هذا الفصل هو مبحث جزئي من عملي في هذه الرسالة. ولذا سأكتفي بترجمة موجزة تلم به من كل جوانبه، أُحاول من خلالها تقديم ما غفل عنه من سبقني، ومن أراد التفصيل فعليه بمراجعة هذه الرسالة القيمة. وقد أفادني شيخنا الدكتور محمود ميرة حفظه الله، أنه حضر مناقشة رسالة دكتوراة في جامعة الأزهر عنوانها: "إسحاق بن راهويه وأثره في الفقه الإسلامي"، ثم رأيت الدكتور/ عبد الغفور البلوشي قد أشار إليها، وذكر أن مقدمها هو مصطفى الخطيب، وتمت مناقشتها عام ثلاث وأربعمائة وألف. * * *

стр. 370

المبحث الأول التعريف بإسحاق بن راهويه وفيه أربعة عشر مطلبًا: المطلب الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه. المطلب الثاني: مولده ونشأته. المطلب الثالث: طلبه للعلم، ورحلاته في شيل ذلك. المطلب الرابع: ذكر أهم شيوخه. المطلب الخامس: عقيدته. المطلب السادس: حفظه للحديث، وإمامته فيه. المطلب السابع: معرفته بعلل الحديث ورجاله، وبعض آرائه في مصطلح الحديث. المطلب الثامن: عنايته بتفسير كتاب الله ﵎. المطلب التاسع: فقهه واجتهاداته، وتأثره ببعض مشاهير معاصريه، ومخالفته لبعضهم. المطلب العاشر: دوره في نشر السنة.

стр. 371

المطلب الحادي عشر: بعض ثناء المشاهير عليه، وشهادتهم له بالإمامة. المطلب الثاني عشر: مؤلفاته. المطلب الثالث عشر: أهم تلاميذه. المطلب الرابع عشر: وفاته، وما ذكر من تغير حفظه.

стр. 372

المطلب الأول اسمه ونسبه وكنيته ولقبه هو إسحاق (١) بن إبراهيم بن مَخْلَد (٢) بن إبراهيم بن عبد الله بن مَطَر، التميمي الحنظلي، أبو يعقوب المَرْوَزي (٣)، المعروف بابن راهويه (٤).

стр. 373

وراهويه لقب لوالد إسحاق: أبو الحسن إبراهيم بن مخلد، ثم اشتهر به ابنه إسحاق. وإنما لقب بذلك لكونه ولد في الطريق إلى مكة المكرمة، وكان يكره أن يقال له ذلك، بخلاف ابنه إسحاق فإنه كان لا يكره ذلك (١). المطلب الثاني مولده ونشأته وُلد في مدينة مرو الشاهجان، إحدى مدن خراسان الكبار -وكانت تزخر إذ ذاك بالعلم والعلماء، كابن المبارك، والنضر بن شميل، والفضل بن موسى السيناني، وغيرهم- وذلك سنة إحدى وستين ومائة (٢). قاله محمد بن موسى الباشاني. وقال موسى بن هارون (٣): قلت لإسحاق: من أكبر أنت أو أحمد؟ قال: هو أكبر مني في السن وغيره. وكان مولد إسحاق في سنة ست وستين ومائة. اهـ. قال الذهبي (٤): قد قدمنا أن مولده قبل هذا بمدة، فموسى لم يحرر ذلك. اهـ. وقال محمد بن إسحاق بن راهويه (٥): ولد أبي سنة ثلاث وستين ومائة. اهـ. والراجح هو القول الأول، لأنه هو الموافق لقولهم: رحل سنة أربع وثمانين ومائة، وله ثلاث وعشرون سنة (٦). ولقولهم: مات سنة ثمان

стр. 374

وثلاثين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، كما سيأتي. فنشأ إسحاق في هذا الوسط العلمي العظيم، مما كان له الأثر الكبير في نفسيته وحثه على الجد والمثابرة في طلب العلم، فلا مكان لجاهل بين العلماء. بخلاف من نشأ في بيئة متخلفة، فإن كل ما حوله يدعوه إلى الكسل والفتور، وقد لا يستطيع أن يجد من يتعلم منه وإن حرص على ذلك. المطلب الثالث طلبه للعلم ورحلته في سبيل ذلك بدأ إسحاق في تحصيل العلم منذ نعومة أظفاره، فبدأ بالكُتَّاب، على عادتهم إذ ذاك، فإذا حفظ القرآن الكريم، ابتدأ في الطلب وأول ذلك حفظ ما يتيسر من الكتب المختصرة. وقد يحفظ بعض ذلك وهو لا يزال في الكُتاب، وهذا لا يحصل -في الغالب- إلَّا ممن كان ذا حافظة قوية. كإسحاق بن راهويه، وقد قال في مناظرة له مع إبراهيم بن أبي صالح: حفظته من كِتَاب جده، وأنا وهو في كتاب واحد (١). اهـ. وسرعان ما تهيأ هذا الشاب اليافع لحضور مجالس العلماء ودروسهم (٢) فظهرت بوادر النبوغ على محياه. وكانت عادة المتقدمين أن لايرحل رجل من بلده لطلب العلم حتى يلم بما فيه من العلم، فكان طلاب العلم يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يمكث السنوات الطوال

стр. 375

حتى يتم له ذلك، ومنهم من يحصل ذلك في فتوته وريعان شبابه. وكان إسحاق من هذا القسم الأخير، فقد خرج إلى العراق سنة أربع وثمانين ومائة، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة (١). فلقي الكبار كأبي معاوية الضرير، ووكيع بن الجراح، وأبي أسامة حماد بن أسامة، وسمع منهم. ثم رحل إلى الحجاز، فسمع من علماء الحرم، كسفيان بن عيينة، وفضيل بن عياض وغيرهما. ثم رحل برفقة أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق بن همام الصنعاني (٢)، وكان يقيم بصنعاء اليمن، فسمع منه، وممن تيسر له السماع منه من علماء اليمن. ثم رحل إلى الشام، فسمع من كبار أهلها ومشاهيرهم، كبقية بن الوليد، وغيره (٣) فحصل له علم جم مختلف الموارد والجهات. ثم عاد إلى خراسان فاستوطن نيسابور إلى أن مات بها، وانتشر علمه عند أهلها (٤) المطلب الرابع ذكر أهم شيوخه لقد مكنت إسحاق رحلته المبكرة إلى العراق، وغيره، من اللقاء بكبار علماء عصره وفضلائهم، مما جمع له علو السند، وكثرة المسموع، وقد ذكر له الدكتور عبد الغفور عبد الحق البلوشي، ثلاثة وسبعين ومائة شيخ (٥). وأنا أذكر

стр. 376

هنا بعض مشاهير علماء الأمصار الذين سمع منهم إسحاق. فمنهم: ١ - أزهر بن سعد السمان، البصري الإمام الحافظ الحجة النبيل، أبو بكر الباهلي مولاهم، كان من أوعية العلم، مات سنة ثلاث ومائتين، وله أربع وتسعون سنة (١). ٢ - إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، المعروف بابن علية، أبو بشر الأسدي مولاهم البصري، أحد الأئمة، وكان ثقة ثبتًا حافظًا حجة، مات في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة. ٣ - بشر بن المفضل بن لاحق أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت صاحب سنة، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. اهـ. مات سنة ست وثمانين ومائة. ٤ - بقية بن الوليد بن صائد الحمصي، محدث حمص، وكان أحد المشاهير الأعلام، وكان ثقة، وربما وهم في غير حديث الشاميين، وكان كثير التدليس والتسوية، مات سنة سبع وتسعين ومائة. ٥ - أبو بكر بن عياش الأسدي مولاهم الكوفي، المقرئ الفقيه المحدث، وكان ثقة زاهدًا صحيح الكتاب، ربما وهم إذا حدث من حفظه، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. ٦ - جرير بن عبد الحميد. الضبي، الرازي الإمام، ثقة صحيح الكتاب، مات سنة ثمان وثمانين ومائة. ٧ - حماد بن أسامة، أبو أسامة الكوفي، أحد الأعلام الثقات الأثبات، مات سنة إحدى ومائتين.

стр. 377

٨ - سفيان بن عيينة الهلالي المكي، الإمام الكبير الثقة الحافظ الثبت، مات سنة ثمان وتسعين ومائة. ٩ - سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمر، الكوفي، أحد الأعلام، وكان ثقة، مات سنة تسع وثمانين ومائة. ١٠ - عبد الرحمن بن مهدي، الإمام الناقد المجود، أبو سعيد البصري، فاق أقرانه حفظًا وتثبتًا وفقهًا، مع معرفة كبيرة بالرجال والعلل، مات سنة ثمان وتسعين ومائة. ١١ - عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، عالم اليمن ومحدثها، وكان ثقة حافظًا، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، وقد تغير، لكن سماع إسحاق منه قديم. ١٢ - عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي الإمام الذي اجتمعت فيه كل خصال الخير، مع الثقة والتثبت، مات سنة إحدى وثمانين ومائة، وهو أقدم شيخ لإسحاق، لكنه لم يحدث عنه لحداثة سنه حين سمع منه (١). ١٣ - عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، الإمام المصري الفقيه الحافظ مات سنة سبع وتسعين ومائة. ١٤ - عَبْدَة بن سليمان الكِلاعي الكوفي، وكان ثقة ثبتًا صاحب قرآن، مات سنة سبع -وقيل ثمان- وثمانين ومائة. ١٥ - الفضيل بن عياض التميمي، الزاهد القدوة الثقة، نزيل مكة، ومات بها سنة سبع وثمانين ومائة (٢).

стр. 378

١٦ - محمد بن إدريس الشافعي، الإمام الثقة الفقيه، صاحب التصانيف المشهورة، وهو أول من تصدى لأهل الرأي ورد عليهم، ومذهبه أوسع المذاهب الأربعة انتشارًا، مات بمصر سنة أربع ومائتين، وكان إسحاق بن راهويه يتأسف على ما فرَط فيه من مجالس الشافعي (١). ١٧ - محمد بن يزيد الواسطي، الإمام الحافظ الثبت الزاهد، مات سنة تسعين ومائة. . . . وغيرهم كثير كما تقدم. المطلب الخامس عقيدته كان إسحاق أحد أئمة الحديث في عصره، فقد شهد له بذلك كبار معاصريه. قال الإمام أحمد (٢): إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. اهـ. فماذا يُظن بمن هذه حاله؟ لقد كان ﵀، حقًا إمامًا من أئمة المسلمين متبعًا لسنة المصطفى ﷺ ، وللسلف الصالح ﵃، ولم يرج عنده ما أحدثه الناس من باع الأقوال والأفعال، وإن كسوها بالبهرج، وألبسوها حلة التقى ظلمًا وعدوانًا. فكان هذا الإمام جبلًا صامدًا تتكسر عليه كل صخور الباطل. ولم يخالف مذهب السلف قيد أنملة، بل النقل عنه يثبت لزومه لجادتهم، وليس هذا موضع سرد ذلك إذ به يطول الكلام (٣). وقد اشتهر عند العلماء حسن

стр. 379

مذهبه، وأن من تكلم فيه من أهل جهته فإنه قد دل على نفسه وفضحها، وأبان عن سؤته ومخالفته لهدي السلف. قال نعيم بن حماد -أحد أئمة السلف- (١): إذا رأيت العراقي يتكلم في أحمد ابن حنبل فاتهمه في دينه، وإذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق بن راهويه فاتهمه في دينه، وإذا رأيت البصري يتكلم في وهب بن جرير فاتهمه في دينه. اهـ (٢). المطلب السادس حفظه للحديث، وإمامته فيه لقد أثرت هذه الرحلات العلمية التي قام بها إسحاق مبكرًا -وقد تقدم ذكرها قريبًا- حصيلته العلمية، في شتى علوم الشريعة، وخاصة الحديث النبوي الشريف، وما يُروى عن الصحابة، والتابعين ﵃، فقد كان ذا ذهن وقاد، وحافظة منقطعة النظير، فاستطاع بذلك أن يلم بجل ما سمع، ويختزنه في حفظه، مع عدم إهمال الكتابة، زيادة في التثبت، وخوفًا من الزلل، أو السهو، والنسيان. فكان بعد ذلك يذاكر إخوانه الحفاظ، كأحمد، وابن معين، وغيرهما. فكانوا يُقِرون له بتقدمه عليهم في الحفظ والإتقان، وما ذاك إلَّا شاهد قوي على سعة محفوظه، مع الفهم الدقيق، والضبط الأكيد. قال محمد بن يحيى الذهلي (٣): وافقت إسحاق بن إبراهيم -صاحبنا-

стр. 380

سنة تسع وتسعين، ببغداد، اجتمع في الرصافة أعلام أصحاب الحديث، فمنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما. فكان صدر المجلس لإسحاق، وهو الخطيب. اهـ. ومع هذا كان يروي عنهما، وعن غيرهما من كبار أقرانه (١). كما أن أقرانه كانوا يروون عنه، كما هي عادة المحدثين في الأخذ عن أقرانهم وعمن هم في طبقة تلاميذهم. وكان في الحفظ آية من آيات الله، لا يسمع شيئًا إلَّا حفظه، ولا حفظ شيئًا فنسيه. قال ابن عدي (٢): ثنا محمد بن يوسف الفريابي، ثنا علي بن خشرم، ثنا ابن فضيل، عن ابن شبرمة، عن الشعبي، قال: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلَّا حفظته، ولا أحب أن يعيده علي. فحدثت -المحدث هو علي بن خشرم- بهذا الحديث إسحاق بن راهويه، فقال: تعجب من هذا؟ قلت: نعم. قال: كنت لا أسمع شيئًا إلَّا حفظته. وكأني انظر إلى سبعين ألف حديث -أو قال: أكثر من سبعين ألف- في كتبي. اهـ. وقال الأمير عبد الله بن طاهر (٣) لإسحاق: قيل لي: إنك تحفظ مائة ألف حديث؟ قال: مائة ألف حديث!! ما أدري ما هو، ولكني ما سمعت شيئًا قط إلَّا حفظته، ولا حفظت قط شيئًا فنسيته. اهـ. فكان يملي الأحاديث من حفظه ولا يمسك كتابًا. قال أبو يحيى الشعراني (٤): ما رأيت بيد إسحاق كتابًا قط، وما كان يحدث إلَّا حفظًا. اهـ. وكان في بعض الأحايين يملي عليهم من حفظه، ثم يقرأ

стр. 381

عليهم ما أملى حفظًا، فلا يزيد ولا ينقص. قال أبو داود الخفاف (١): أملى علينا إسحاق بن راهويه، أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفًا ولا نقص حرفًا. اهـ. وقد حدث بمسنده -على ضخامته- حفظًا. قال إبراهيم بن أبي طالب (٢): وكان قد أملى المسند كله من حفظه وقرأه أيضًا من حفظه ثانيًا. اهـ. وكان كبار حفاظ عصره يتعجبون من حفظه، وإتقانه، وسلامته من الغلط. قال أحمد بن سلمة (٣) سمعت أبا حاتم الرازي يقول: ذكرت لأبي زرعة، إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وحفظه للأسانيد، والمتون، فقال أبو زرعة: ما روي أحفظ من إسحاق. قال أبو حاتم: والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ. قال أحمد بن سلمة: فقلت لأبي حاتم: إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه. فقال أبو حاتم: وهذا أعجب فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل وأهون من ضبط أسانيد التفسير وألفاظها. اهـ. وقال قتيبة بن سعيد (٤): الحفاظ بخراسان: إسحاق بن راهويه، ثم عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، ثم محمد بن إسماعيل. اهـ.

стр. 382

المطلب السابع معرفته بعلل الحديث ورجاله وبعض آرائه في مصطلح الحديث كان إسحاق كغيره من أئمة الحديث النبلاء الأفذاذ، لا يكتفون بالحفظ المجرد عن الفهم والوعي، وإنما كانوا يحفظون، ويعون، ويفهمون ما يحفظون. فكان ﵀ جهبذًا في معرفة علل الحديث -ولم يصلنا من ذلك إلَّا القليل- فعندما سمع أن أبا زرعة الرازي، يقدم عليه، أكب على مراجعة كتبه -رغم كثرة محفوظه- فأعد للقائه خمسين ومائة ألف حديث، خمسون ألفًا منها معلولات لا تصح -كما صرح بذلك (١) -. فحسبك بمن يحفظ خمسين ألف حديث معلول، إضافة إلى حفظ غيره، ومعرفة رجاله. وقد حملت لنا كتب الجرح والتعديل في طياتها جواهر فريدة من كلامه ﵀. وقد ذكروه في طبقات المتكلمين في الرجال (٢)، وترجم له ابن عدي في مقدمة كتابه (٣) - حيث ترجم للأئمة الذين يسمع قولهم في الرجال. ومما حفلت به كتب الرجال، قوله: ١ - الشافعي، إمام (٤). ٢ - الضحاك بن حمزة ثقة في الحديث (٥).

стр. 383

٣ - وقال في سليمان بن عمرو النخعي: لا أرى في الدنيا أكذب منه (١). ٤ - محمد بن عمر الواقدي، هو عندي ممن يضع الحديث (٢). ٥ - وقال: أصح الأسانيد كلها: الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ (٣) ﵁. وغير ذلك كثير، وهو قليل إذا ما قيس بعلمه، وإمامته، وما ذلك، -والله أعلم- إلَّا لأنه لم يتهيأ له -فيما يبدو لي- من ينقل علمه من نجباء الطلبة، مثل ما تهيأ لغيره، كابن معين، وأحمد، وابن المديني، وغيرهم. وكانت له آراؤه الخاصة في بعض المصطلحات الحديثية، كقوله في أكثر حديثه: (أخبرنا) (٤) ولا يقول: (حدثنا) إلَّا نادرًا، لأنه يرى أن (أخبرنا) أعم من (حدثنا)، فالأخيرة تختص عنده بما سمع من لفظ الشيخ. والجمهور على أنهما بمعنى (٥). وغير ذلك من اختياراته في المناولة، والوجادة، وغيرها (٦).

стр. 384

المطلب الثامن عنايته بتفسير كتاب الله ﵎ كان إسحاق مع اشتغاله بجمع السنة المطهرة، يحرص على جمع أقوال الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، بأسانيدها، فاجتمع له رصيد ضخم من ذلك، نتج عنه نبوغ، واتساع في الفقه، وإحاطة بتفسير كتاب الله ، فأولى ما يفسر به كلامه جل وعلا، كلام نبيه ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى، ثم كلام الصحابة ﵃، الذين شاهدوا التنزيل، ثم التابعين لهم بإحسان. فألف تفسيره الكبير (١)، وأملاه من حفظه -كما تقدم- رغم صعوبة ضبط ألفاظ التفسير وأسانيده، لكن لشدة حفظه، وبذله نفسه لهذا الشأن صار عنده أمرًا سهلًا، رغم أنه مما تحار العقول عند سماعه، ويتعجب أفذاذ الحفاظ عند ذكره، فحين ذكر لأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين ذلك تعجبا، وشهدا لإسحاق بالحفظ، والإتقان، والضبط. وقد ذكره الداودي في طبقات المفسرين (٢). ولا غرو فهو إمام من أئمة التفسير بالمأثور (٣). المطلب التاسع فقهه واجتهاداته، وتأثره ببعض مشاهير معاصريه، ومخالفته لبعضهم كان إسحاق بن راهويه من ذلك النفر القليل الذي يغوص في أعماق النصوص القرآنية والحديثية، ليستخرج منها قلائد اللؤلؤ والمرجان، وينظمها

стр. 385

في العقد نظمًا يذهل كل من رآه، صافية نقية من شوائب كلام الرجال الذي لا يستند على إحدى هاتين القاعدتين العظيمتين. بل وكان يبغض ويذم من نحا هذا النحو (١). وقد ناظر أقرانه، بل ومَنْ هم في طبقة شيوخه كالشافعي (٢)، فأظهر مهارة فائقة في استحضار النصوص، ووضعها في موضعها، واستنباط الغوامض من ثناياها. وكتب الحديث -الجامعة لمثل هذا- والفقه، خير شاهد لذلك (٣). وعندما كان بمكة في إحدى رحلاته إلى الحجاز، طلب منه أحمد بن حنبل أن يصحبه إلى مجلس الشافعي، فرفض قائلًا: كيف أترك ابن عيينة، وأذهب إلى من هو في سني، لكن أحمد استطاع إقناعه (٤). فلما حضر مجلس الشافعي رغب فيه، وتأسف على ما فاته منه (٥). وقد طلب من أحمد أن يرسل إليه بعض كتب الشافعي، فأرسل إليه كتاب (الرسالة) (٦). وقد أولع بحب كتب الشافعي وكلامه، حتى إنه تزوج بامرأة من أهل مرو مات عنها زوجها، وكانت عنده كتب الشافعي، وإنما تزوجها لذلك (٧).

стр. 386

وقد وضع جامعه الكبير على كتاب الشافعي (١). ورغم ذلك لم يكن إسحاق إمعة يتبع غيره بدون وعي، فقد كان له مذهبه الفقهي المتميز باتباع الأثر. قال ابن عبد البر (٢): وله اختيار كاختيار أبي ثور، إلَّا أنه أميل إلى معاني الحديث، واتباع السلف، نحو مذهب أحمد بن حنبل. اهـ. وله مصنفات في الفقه (٣)، وكان له أتباع، ولكنهم انقرضوا (٤). المطلب العاشر دوره في نشر السنّة كان المشرق الإسلامي -خراسان وما جاورها- قد بدأت تعج فيه أنواع البدع والضلالات، وخاصة التشيع والرفض. فقدر الله ﵎ بحكمته أن يعيش هذا الإمام في وسط ذلك الطغام الأهوج الذي لا يعرف كتابًا ولا سنة، وإنما يعرف التقليد الأعمى، الذي ينبو عنه كل قلب فيه أدنى شعور بالحياة. فشمَّر عن ساعد الجد، واجتهد فحقق الله على يديه خيرًا كثيرًا، من انتشار السنة في ذلك الصقع من العالم الإسلامي، وقمع البدع وأهلها. وقد شكر له علماء السنّة هذا الصنيع وامتدحوه به. قال وهب بن جرير (٥): جزى الله إسحاق بن راهويه، وصدقة، ومعمر، عن الإسلام خيرًا، أحيوا السنة بأرض المشرق. اهـ.

стр. 387

وقال ابن القيم (١): وقد كان ﵀، رأس أهل زمانه في العلم، والحديث، والتفسير، والسنة، والجلالة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكسر الجهمية، وأهل البدع ببلاد خراسان، وهو الذي نشر السنة في بلاد خراسان، وعنه انتشرف هناك، وقد كانت له مقامات محمودة عند السلطان، يظفره الله فيها بأعدائه، ويخزيهم على يديه، حتى تعجب منه السلطان، والحاضرون. اهـ. المطلب الحادي عشر بعض ثناء المشاهير عليه استفاض واشتهر ثناء الأئمة المتقدمين، والمتأخرين على هذا الإمام الفذ، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل حين سئل عنه (٢): مثل إسحاق يسأل عنه؟!! إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. اهـ. وقال (٣): لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم تزل يخالف بعضهم بعضًا. اهـ. وقال محمد بن أسلم الطوسي (٤) -حين مات إسحاق-: ما أعلم أحدًا كان أخشى لله من إسحاق، يقول الله تعالى: ﴿إنما يَخشى الله مِن عِبَادهِ العلماء﴾ (٥)، وكان أعلم الناس، ولو كان سفيان الثوري في الحياة لاحتاج إلى إسحاق.

стр. 388

قال محمد بن عبد السلام الوَّراق: فأخبرت بذلك أحمد بن سعيد الرباطي، فقال: والله لو كان الثوري، وابن عيينة، والحمادان، في الحياة لاحتاجوا إلى إسحاق. قال محمد: فأخبرت بذلك محمد بن يحيى الصفار، فقّال: والله لو كان الحسن البصري في الحياة لاحتاج إلى إسحاق في أشياء كثيرة. اهـ. وقال الدارمي (١): ساد إسحاق بن إبراهيم أهل المشرق بصدقه. اهـ. وقال سعيد بن ذؤيب (٢): ما أعلم على وجه الأرض مثل إسحاق. اهـ. وقال أبو حاتم (٣): إسحاق بن راهويه، إمام من أئمة المسلمين. وقال النسائي (٤): أحد الأئمة. وقال: ثقة مأمون. اهـ. وقال ابن خزيمة (٥): والله لو أن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي في التابعين لأقروا له بحفظه، وعلمه، وفقَه. اهـ. وقال ابن حبان (٦): وكان إسحاق من سادات زمانه، فقهًا، وعلمًا، وحفظًا، ونظرًا، ممن صنف الكتب، وفرَّع السنن، وذب عنها، وقمع من خالفها. اهـ. وقال الذهبي (٧): قد كان مع حفظه إمامًا في التفسسير، رأسًا قى الفقه، من أئمة الاجتهاد. اهـ.

стр. 389

المطلب الثاني عشر مؤلفاته بعد استقراره في نيسابور عكف على كتب الشافعي، وبعض كتب الثوري وغيرهما من أفاضل العلماء، يتعلم منها، ويصنف عليها، مع قيامه بنشر العلم، والسنة (١). وقد وصف غير واحد مؤلفاته بالكثرة، في الفقه، وغيره. قال ابن عبد البر (٢): له كتب كثيرة، ومصنفات في الفقه. اهـ. لكن وللأسف لم يصلنا من ذلك شيء سوى بعض مسنده، ولعل من أهم أسباب ذلك ما ذكره أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، من أن إسحاق دفن كتبه (٣). ومما ذكر من كتبه: ١ - المسند (٤). ٢ - التفسير الكبير (٥). ٣ - السنن في الفقه (٦).

стр. 390

٤ - الجامع الكبير، وضعه على كتاب الشافعي (١). ٥ - الجامع الصغير، وضعه على جامع الثوري الصغير (٢) ٦ - المصنف (٣). ٧ - كتاب العلم (٤). المطلب الثالث عشر أهم تلاميذه إن إمامًا مثل إسحاق، عاش في ثغر من ثغور الإسلام، ينشر الحديث، والتفسير، والفقه، سنوات طويلة لا بد وأنه سمع منه آلاف الطلاب، ونهل من علومه كثير من الناس على اختلاف طبقاتهم، وقد سمع منه أيضًا أهل البلدان الأخرى في رحلاته إليهم، ورحلاتهم إليه، فقد كان يعقد مجالس التحديث في بغداد وغيرها (٥). بل قد حدث عنه بعض شيوخه، كبقية بن الوليد الحمصي، ويحيى بن آدم. وحدث عنه أيضًا كبار أقرانه، كأحمد بن حنبل (٦)، ويحيى بن معين، وغيرهما. وحدث عنه: البخاري، ومسلم -في صحيحيهما-، وأبو داود، والنسائي، والترمذي -في سننهم-، وعبد الله بن محمد بن شيرويه -وقد روى عنه المسند-، وأبو العباس السراج -وهو خاتمة أصحابه- وخلق
следующие страницы →