← Джавами‘

Джавами‘ · id 37626

دروس الشيخ حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (521 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله وأثرها في تزكية النفوس ثم يأتي من بعد ذلك الاعتصام بالكتاب والسنة، أي تحقيق معنى أن محمداً ﷺ رسول الله، فالذي مضى هو تحقيق لقولك لا إله إلا الله، وهذا الذي سيأتي هو تحقيق لقولك: محمد رسول الله ﷺ . فما معنى أنك تؤمن بأن محمداً ﵊ رسول الله؟ إن محبتك لهذه الكلمة ليست بالقول، ولكنها بالقول والعمل، والعمل شيء مهم جداً، والعمل يقتضي أن تكون متبعاً، ومنقاداً، ومذعناً للنبي ﵊، كلما وصلك عنه خبر صحيح فإنه تشريع ودين في حقك يلزمك الإتيان به، ولذلك قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١]، أي فاتبعوا النبي محمداً ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].

стр. 107

الاعتصام بالكتاب والسنة وأثره في تزكية النفوس فالمحبة اتباع واقتداء، والمحبة اعتصام بالكتاب والسنة، ولذلك جاء في الحديث الذي رواه الترمذي بسند صحيح من حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﵊ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله)، وهذه هي الوصية التي أوصى بها الله جميع أنبيائه، ورسله، وعباده الصالحين، كما أوصى الأنبياء والرسل أقوامهم كذلك، فإن خير ما يتقرب به العبد إلى ربه أن يكون متقياً له ، والتقوى لا يمكن أن تتحقق لديك إلا إذا عرفت من تتقي، وإلا فكيف يعرف بالله من لا يعرفه؟ وكيف يدل على الله أبعد الناس عنه؟ فلابد أن تعرف أولاً من تتقي، وماذا تتقي، ولذا قال ﵊: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً)، فسيرى فتناً مظلمة بعضها يأتي خلف بعض، وبعضها في إثر بعض، وهذا الذي نعيشه الآن، وما المخرج من هذه الفتن؟ قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) يعني: صاحبها في النار. هذا الحديث حديث عظيم جداً يحتاج إلى محاضرات لشرحه وبيانه، فالنبي ﵊، قد أوصى أصحابه، وأوصى أمته، أن يمتثلوا وأن يقوموا بواجب السمع الطاعة -بعد تقوى الله لمن تأمر عليهم مادام موحداً، وما دام يأمرهم بالطاعة، وينهاهم عن المعصية، ويحافظ عليهم وعلى دينهم، ويذب عن هذا الدين بالليل والنهار، فإنه قد وجب له في هذه الحالة السمع والطاعة على رقاب العباد جميعاً، قال: (وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي)، هذا العلاج، بين لك الداء وأنك ترى فتناً، ثم بين لك العلاج، وهذا العلاج من شقين: حث وأمر، ثم تحذير ونهي، حث وأمر باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وأمرك أن تتمسك بها وأن تعض عليها بالنواجذ، ثم حذرك ونهاك أن تكون مبتدعاً في دين الله ، وأن تقترح نوعاً من أنواع العبادة، ثم توهم الخلق أن هذا تشريع الله يتقربون به إلى مولاهم حتى الموت وليس كذلك. ولابد للمرء أن يعبد الله ﵎ بما شرع؛ لأن الله ﵎ شرع لنا من الدين ما وصى به جميع الأنبياء والمرسلين، وهو أن يعبد الله بما شرع، وألا يتفرق الناس في دينهم، فهنا لابد وأن نعلم أن العلاج والمخرج من الفتن هو التمسك بالكتاب والسنة.

стр. 108

اعتصام السلف بالسنة ومبادرتهم في العمل بها ولذلك ضرب السلف ﵃ أجمعين أعظم وأروع الأمثلة في التمسك بالسنة، هذا عبد الله بن عمر ﵄ يقول: (إني سمعت النبي ﷺ الآن يقول: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، فقال: ولده بلال والله لنمنعهن، يتخذنه دغلاً، قال: أو أقول لك إن رسول الله قال، وتقول: والله لنمنعهن، والله لا حدثتك حتى الموت)، هذا الرجل أحب الله ورسوله فوق حبه لولده، ولذلك خاصمه، وأبعده عنه وعن رحمة الأبوة؛ لأنه رد على الله وعلى رسوله أمره: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) قال: والله لنمنعهن يتخذنه دغلاً. امرأة تأتي إلى النبي ﵊ ومعها ابنتها، فيقول لها النبي ﵊ لما رأى سوارين من ذهب في يد البنت: (أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أتحبين أن يسورك الله بسوارين من نار)، فلم تقل: لا، ولكنها بادرت وسارعت بخلع هذين السوارين، وألقتهما على الأرض وقالت: هما لله ورسوله. فما الذي حملها على ذلك؟ إيمانها بالله، وتوحيدها الخالص لله . رأى النبي ﵊ بعض النسوة بعد أن خرجن من المسجد -أي: مسجد المدينة- قد سرن في عرض الطريق -كما نشاهد اليوم النساء الغافلات الجاهلات يخرجن إلى الأسواق والطرقات والشوارع، بجوار بعضهن البعض حتى يغلقن الطريق أمام المرارة- فلما رأى النبي ﵊ ذلك منهن قال: (ليس للنساء عرض الطريق)، فلما سمعت النساء بهذا النهي والتحذير التصقت كل واحدة منهن بالجدار، أي بحافة الطريق حتى يتعلق ثوبها بالجدار، تصديقاً وإيماناً وإذعاناً لما جاء عن الله ورسوله. كان النبي ﵊ إذا نزل منزلاً مع أصحابه تفرقوا في الشعاب والأودية فقال النبي ﵊: (إن تفرقكم هذا من الشيطان قال أبو هريرة: فوالله ما نزلنا منزلاً بعد أن سمعنا قوله إلا وانضم بعضنا إلى بعض، حتى لو طرح علينا الثوب الواحد لعمنا أجمعين)، لقد حقق الصحابة ﵃ معنى: محمد رسول الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 109

الأسئلة

стр. 110

حكم إسقاط المرأة جنينها نكاية بزوجها السؤال امرأة كانت غاضبة من زوجها وكانت حاملاً، فكادت زوجها، ونكاية به أسقطت جنينها، والآن هي نادمة، فماذا عليها؟ الجواب هذا الفعل من أعظم الجرم، وهو كبيرة من الكبائر، لأنه قتل نفس، فينبغي على هذه المرأة أن تتوب إلى الله بصدق وإخلاص، وأن تعتذر إلى زوجها، وينبغي أن تصدق في توبتها إلى الله ، فما ذنب هذا الجنين الذي مات؟! هل هذه المرأة استشعرت أنه سيأتي يوم القيامة ويمسك بها ويجرها إلى لله ، ويقول: يا رب سل هذه لم قتلتني؟ ألم تستشعر المرأة هذا؟ والله لو أنها آمنت بالله حق الإيمان ما فعلت هذا، ولكنها فعلت ذلك في لحظة ضعف شديد، وغفلة وسطوة من الشيطان عليها، فيبغي عليها أن ترجع بنفس المقدار الذي خرجت به إلى الإيمان وزيادة، وأن تسأل الله ﵎ أن يثبتها على الإيمان، والعمل الصالح، وأن لا تعود إلى هذا الفعل مرة أخرى ولا إلى غيره.

стр. 111

حكم دراسة الفلسفة السؤال سمعت كثيراً في محاضرات الفلسفة: حدوث العالم، قدم العالم، ولم أستطع فهم هذه المصطلحات، فهل قدم العالم مناف للتوحيد، علماً بأني طالب بقسم الفلسفة، نرجو التوضيح؟ الجواب إن كان هذا الأخ في قسم الفلسفة فليتق الله ﵎ في نفسه، وليتحول في العام القادم إلى قسم آخر، وليكن قسم اللغة العربية، فإن الفلسفة كفر وإلحاد وزندقة؛ لأنها بمثابة السحر، ولا يتقرب منه إلا العلماء الذين يقتربون منه من أجل إبطاله وإفساده، أما أنت أيها الأخ الكريم فينبغي عليك أن تفر من هذا القسم فرارك من الأسد. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 112

تفسير أواخر سورة البقرة القرآن الكريم له فضل عظيم، ومنزلة كبيرة، وقد خص الله تعالى من القرآن الكريم سوراً وآيات لها مزية فضل، ومن ذلك الآيتان الأخيرتان من سورة البقرة، وفيهما عبروعظات بليغة، فينبغي تدبرها وأخذ العظة والعبرة منها، والعمل بها وفق مراد الله وشرعه.

стр. 113

تفسير قوله تعالى: (لله ما في السماوات وما في الأرض) إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. آيات من كتاب الله قد سمعناها في الركعة الأولى من صلاة المغرب، وهي الآيات الأخيرة من سورة البقرة، ومطلع هذه الآيات فيها إثبات الملك لله ، يقول المولى : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤] وكأن أصل السياق ما في السماوات وما في الأرض لله، ولكن الله قدم شبه الجملة من الجار والمجرور، ثم أتى بأصل الجملة بعد ذلك ليدل على الحق، فقال: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤]، ولم يقل: ما في السماوات وما في الأرض لله؛ ليدل على أن المالك الحقيقي هو الله ، فإذا كان الله هو المالك الحقيقي للسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن فهو المستحق للعبادة وحده. أما ملكية الخلق لما بين أيديهم فهي ملكية ناقصة، وأصل الملك أن يكون تاماً، فالملك التام لله يتصرف في ملكه حيث شاء، ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١]، ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، أما المخلوق فهو مقيد الحرية، إذ ليست مطلقة في إنفاق المال، فلا يتصرف إلا بإرادة المولى ، أو في أبواب قد أمره الله بها، فلا يكون بعد هذا القيد أو هذه القيود حراً. والمالك الحقيقي حر في أن يتصرف فيما يملك، وأنت لست حراً بل أنت عبد لله ، كما أن الله ﵎ استخلفك وجعلك قائماً على بعض ملكه ، وقيد بقيود، وشرط عليك شروطاً لا تتعداها، فإن تعديتها فقد أعد لك عذاباً إليماً. وهذا السياق الموجود في الآية دل على أن المالك الحقيقي هو الله ، استفدنا ذلك من الحصر الذي قدم فيه المولى الجار والمجرور، وهو قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤]. وهذا كقوله تباك وتعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ولم يقل: نعبد إياك، ونستعين إياك فهذا السياق ليس فيه نوع من الحصر، فيجوز أن يكون المعنى: نعبد إياك وغيرك، ونستعين بك وبغيرك، أما معنى سياق الآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] أي: لا معبود بحق إلا أنت، وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] أي: لا يستعان بأحد إلا بك، فالاستعانة كلها لله وبالله ، كما أن العبادة لا تصرف إلا لله ، فمن صرف شيئاً مما يجب صرفه لله كان مشركاً بالله في الشيء الذي صرفه لغيره . ولذلك قال الله : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، ولم يقل: ورزقكم في السماء وما توعدون، ولكنه قدم الجار والمجرور في قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ﴾ [الذاريات:٢٢]، لينفي أي شبهة تطرأ على ذهنك أن الرزق في الأرض؛ لأن هذا الرزق في خزائنه ﵎، وخزائنه في يده في السماء إن شاء أمسك وإن شاء منع. فالسياق الذي في أول الآية: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فيه دليل على أن السماوات السبع والأرضين السبع ملك لله بما فيها ومن فيها.

стр. 114

تفسير قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) ثم يعقب المولى بشيء مما اختص به هو ولم يطلع عليه أحد من خلقه، فقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الِلَّهِ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فقوله: (وَإِنْ تُبْدُوا) أي: وإن تظهروا، (مَا فِي أَنفُسِكُمْ): بالقول أو بالفعل، ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، وقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء:٨٤] وغير ذلك من الآيات التي أيقن بها الصحابة ﵃ أنه: (ما من عامل يعمل عملاً إلا ويحاسبه الله عليه)، وهذا السياق لم يكن فيه أي إزعاج للصحابة؛ لأنهم يعلمون علماً يقينياً أن الله ﵎ سميع، عليم، مطلع على أعمالهم وأقوالهم، وأنه سيحاسبهم في يوم القيامة على ما عملوا، وعلى ما قالوا، ولكن الذي أفزعهم أشد الفزع، هو قول الله : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]، أي: وإن تظهروا ما دار في نفوسكم أو تخفوه، ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]، يعني: في الحالتين يحاسبكم به الله، ولكن السياق أتى باختصار جميل فقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]. ولذلك شق على الصحابة حين نزلت هذه الآية مشقة عظيمة جداً، فقالوا: كيف ذلك؟ فذهبوا إلى النبي ﵊ وبركوا وجثوا على ركبهم، وقالوا: (يا رسول الله! أنزلت عليك الآيات، وكلفنا من الأعمال ما نطيق من صلاة وقيام وحج وجهاد وكل ذلك في وسعنا وفي طاقتنا، أما هذه الآية ما نطيقها ألبتة، فقال النبي ﵊: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فنزل قول الله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فلما قالوها وذلّت بها ألسنتهم، أنزل الله الآية الناسخة لها وهي قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]). ولذلك أهل العلم اختلفوا اختلافاً عظيماً في قول الله : ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]، هل هذه الآية منسوخة أو محكمة؟ فذهب جمهرة عظيمة من الصحابة ﵃ وكثير من أهل العلم منهم: ابن عباس في أحد قوليه، وعبد الله بن عمر، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة وغيرهم إلى أنها منسوخة بقول الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، واستدلوا على ذلك بأدلة منها: قول النبي ﵊ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل)، أي: حديث النفس والهم بالشيء، كأن تحدثك نفسك بأن تفعل شراً، ثم الوازع الإيماني في قلبك يمنعك من فعل هذا لشيء أو حتى من التلفظ به، فعلى مذهب جمهور المحدثين أو مذهب جمهور أهل العلم أن الله لا يحاسبك عليه؛ لأن هذه الآية منسوخة، ولأن هذا الهم وحديث النفس ليس في إمكانك أن تدفعه؛ ولذلك لم يحاسبك الله عليه، بدليل قول النبي ﵊: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل به)، أي: حتى يتجسد هذا الهم وحديث النفس في صورة قول أو فعله. وفي حديث النبي ﵊ فيما رواه البخاري ومسلم: (إذا هم عبدي بسيئة فعملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة)، وهذه الدرجة أعظم من الدرجة الأولى، (وإذا هم بحسنة فعملها فاكتبوها عشر حسنات، فإن لم يعملها فاكتبوها له حسنة، والله يضاعف لمن يشاء)، والراجح أن هذه الآية منسوخة، وهو الذي رجحه الشوكاني وغيره، وهو الذي أميل إليه. ومن الوسوسة المعفو عنها ما جاء في الحديث: (أن بعض الصحابة أتوا إلى النبي ﵊ وقالوا: يا رسول الله! إنا تحدثنا أنفسنا بكلام

стр. 115

تفسير قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) وفي قول المولى : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] لما نزلت هذه الآية قال النبي ﵊: (حُقَّ له أن يؤمن)، أخرجه الحاكم من حديث أنس بسند صحيح، والمعنى: وجب على النبي ﷺ أن يؤمن؛ لأن الأنبياء هم أعرف الخلق بالله ، ما يجب له، وما لا يجوز أبداً في حقه، وما يستحيل، فهم أعرف الخلق بالله؛ ولذلك النبي ﷺ كان يقول: (أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له)، والذي يعرف المولى حق المعرفة يعبده حق العبادة، ولذلك قال المولى : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وكلما ازداد المرء علماً ازداد خشية للمولى ، والأنبياء هم أعلم الخلق جميعاً وهم أعبد الخلق جميعاً للمولى ؛ لأنهم أعرف الخلق بالله . ثم أثنى الله على جميع المؤمنين، إلا أنه في الدرجة الأولى موجه للصحابة؛ لأنهم أول من خوطبوا بالقرآن الكريم، فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥] عطفهم على الرسول، أي: آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربهم، كما آمنوا بالله وملائكته ورسله، فعطف المؤمنين على الرسول ﷺ ، وهذا فيه مدح وثناء وتفضل من المولى أن جعل أهل الإيمان يوافقون الرسل في أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وإن لم يكن جميع أركان الإيمان قد ذكرت في هذه الآية إلا أنها قد ذكرت في آيات أخرى وأحاديث أخرى كثيرة، فهذا العطف عطف تكريم وتشريف للصحابة، بل ولجميع المؤمنين، فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، والذي أنزل إليه من ربه هو الوحي، فالنبي ﵊ آمن بالوحي من أوله إلى آخره وعمل به، وكان قدوة لجميع الأنام ﷺ ، وتبعه في هذا الإيمان المؤمنون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]. والله ﵎ سمى نفسه الله، ووصف نفسه بأنه إله الحق، بمعنى المألوه الذي استحق أن يكون إلهاً واحداً في السماء والأرض، وأما ادعاء الألوهية لغير ذلك من المخلوقات فهي ادعاءات كلها كاذبة، فالله ﵎ هو الرب لا رباً سواه، وهو الإله لا إلهاً غيره، فإذا كان هو الإله وجب توجيه العبادة كلها إليه، وإذا كان هو الرب وجب الإقرار، والاعتراف، والإذعان بين يديه أنه الخالق، الرزاق، المدبر، لا خالق غيره، ولا رازق سواه. فهنا بيان أن الصحابة شاركوا النبي ﵊ في أصول هذا الإيمان، وأنهم آمنوا بالله كما آمنوا بالملائكة.

стр. 116

حقيقة الملائكة ﵈ وذكر وظائفهم والتفاضل بينهم وبين البشر الملائكة هم خلق من خلق الله ، خلقهم الله ﵎ من نور كما خلق الإنسان من طين من حمأ مسنون، وكما خلق الجان من نار السموم، فمادة خلق الملائكة مادة نورانية، وفطرهم على الطاعة، والعبادة، والصلاة، والتسبيح، والذكر، فهم لا يتعبون، ولا يملون، ولا ييأسون، كما أنهم لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتبرزون، ولا يتبولون، قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فالملائكة مجبولون على طاعة الله لا تبدر منهم معصية، وكما أن الله ﵎ اتخذ من البشر رسلاً وأنبياء، كذلك اتخذ رسلاً من الملائكة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، فمنهم الموكل بالوحي، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم الموكل بالمطر، ومنهم الموكل بالأرزاق، ومنهم الموكل بحضور مجالس العلم، ومنهم الموكل بحمل العرش وغير ذلك من الوظائف التي كلف الله بها بعض ملائكته، وجعل بعض الملائكة قائمون في الذكر، والتسبيح، والتهليل وغير ذلك من أنواع العبادات. ولما خلق الله الإنسان فبدرت منه المعصية، فتصور بعض أهل العلم أن الملائكة أفضل من البشر؛ لأن الملائكة جبلوا على الطاعة، وأما بنو آدم فتأتي منهم الطاعة كما تأتي منهم المعصية، فقالوا قياساً: الذي لا يأتي منه إلا الطاعة أفضل من الذي تأتي منه الطاعة والمعصية، ولكن الله فضل بني آدم على الملائكة، وهذا الأمر يحتاج إلى تقسيم وتفصيل، فأما الملائكة فهم خير من بني آدم الذين كفروا والذين لا يأتون إلا بالمعاصي، وهذا بإجماع أهل العلم، كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، كما أنهم أفضل ممن أسلم، ولكنه لا يعرف للطاعة طريقاً، أما من أتى بطاعة أو معصية فإنه أفضل من الملائكة إذا تجاوز الله ﵎ عن أخطائه ومعاصيه وأدخله الجنة، فإن الله جعل الملائكة في الجنة يدخلون عليه ويخدمونه ويسلمون عليه، قال تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]، فمعنى ذلك أن الملائكة خدم في الجنة لبني آدم، مع أن بني آدم أصحاب خطأ كما قال النبي ﵊: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فابن آدم يأتي بالمعصية ويتوب منها، وفضله الله على الملائكة، هذا موقف أهل الإيمان من الملائكة، ولهذا كان المسلم مميزاً بعقيدته بالدرجة الأولى عن أهل الكفر.

стр. 117

موقف اليهود من الملائكة أما موقف اليهود من الملائكة فإنه في منتهى العناد والجحود، ولذلك (لما هاجر النبي ﵊ من مكة إلى المدينة سمع به عبد الله بن سلام)، وعبد الله بن سلام كان حبراً من أحبار اليهود، (لما سمع بمقدم النبي ﵊ أتى إليه وقال: يا محمد! إني سائلك عن ثلاثة أشياء لا يعرفها إلا نبي، قال: يا عبد الله بن سلام هات ما عندك، فقال: ما أول علامات الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وكيف ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال النبي ﵊: فأما أول علامات الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، قال: صدقت، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، قال: صدقت، قال: أما كيف ينزع الولد إلى أبيه أو أمه فإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إليها، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إليه، قال: صدقت، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك نبي الله، ثم قال عبد الله بن سلام ادعو اليهود وسلهم عني قبل أن تخبرهم بإسلامي، فإنهم قوم بهت -أي: قوم ظلم، وغدر، وخيانة- فقال النبي ﵊ لما دخل عليه اليهود: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: هو سيدنا وابن سيدنا، وعظيمنا وابن عظيمنا، وشريفنا وابن شريفنا، فخرج عليهم عبد الله بن سلام وقال: آمنت بالله ورسوله، قالوا: أنت سفيهنا وابن سفيهنا، وحقيرنا وابن حقيرنا)، ففي الوقت نفسه وفي نفس المجلس يتحول اليهود بزاوية (١٨٠) درجة، فلا عهد لهم، ومن رام معهم صلحاً أو وداً فإنما يجري خلف سراب خادع، فهنا قال النبي ﵊ لـ عبد الله بن سلام: (أترى يا عبد الله ما سألتني، فوالله ما كنت أعرف جواباً حتى سألتني فنزل جبريل فأخبرني بالجواب، قال: أو جبريل الذي ينزل عليك يا رسول الله؟! قال: نعم، قال: ذلك عدو اليهود من الملائكة)، اليهود لا يعادون الخلق فقط، وإنما يعادون الملائكة فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨]. ومما يؤيد عداء اليهود للملائكة: أن عمر ﵁ لما هاجر إلى المدينة اشترى أرضاً في المدينة، وكان إذا أراد أن يذهب إليها لابد أن يمر على أحياء اليهود من بني قينقاع وبني النضير، وكانوا يطمعون في ردة عمر بن الخطاب؛ لأنه كان زعيماً في الجاهلية، فكان من مصلحة اليهود أن يرتد أحد زعماء الإسلام بعد إسلامهم وإيمانهم، فكان إذا ذهب عمر إلى أرضه طمعوا فيه ونادوه وأجلسوه معهم، فيقولون له: يا عمر! لو أن الذي ينزل على صاحبك غير جبريل لآمنا به، فإنك تعلم أن جبريل عدونا من الملائكة، فقال لهم عمر: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة:٩٧] الآيتين فقيل: إن هذه الآيات مما وافق فيه عمر كتاب الله . فالشاهد من هذا أن المسلم لابد وأن يؤمن بملائكة الرحمن، وأن الإيمان بالملائكة هو حد فاصل بين الإيمان وبين الكفر، بين أن ترفع لواء الطاعة ولواء المعصية والجحود والنكران، كما أنه لابد أن يكون سمت وهدي المؤمن في الإيمان بالملائكة يخالف سمت وهدي اليهود والنصارى، فإن الواحد منهم يؤمن بما شاء ويكفر بما شاء، أما المؤمن فلا يؤمن إلا بما أمر الله تعالى أن يؤمن به.

стр. 118

الإيمان بالكتب السماوية قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقد أنزل الله كتباً كثيرة، ولكننا لا نعرف منها إلا الشيء اليسير والنزر القليل، فمنها: الإنجيل، والتوراة، والزبور، وصحف إبراهيم وغيرها، فالله أمرنا أن نؤمن على سبيل الإجمال بأن الله ﵎ أرسل الرسل، وأنزل معهم الكتب، وقد أمرنا أن نؤمن إجمالاً وتفصيلاً بالكتاب الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ ، أما الكتب السابقة فقد دخلها التحريف، والزيغ، والتبديل، أنت لست مطالباً بأن تؤمن بهذا، إنما أنت مطالب بأن تؤمن أن الله ﵎ أرسل عيسى وأنزل معه الإنجيل، وأرسل موسى وأنزل معه التوراة، فالتوراة كتاب الله أنزله على موسى، والإنجيل كتاب الله أنزله على عيسى، فيجب عليك بأن تؤمن أن أصل التوراة من الله، وأن أصل الإنجيل من الله، وأن أصل الزبور من الله، وأن أصل الصحف من الله، وأن القرآن الكريم الذي بين يديك، والذي نزل على نبيك محمد ﷺ هو كتاب الله من أوله إلى آخره، لم يدخله التحريف ولن يدخله بإذن الله تعالى، وأنه كتاب محفوظ، والذي تولى حفظه هو الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالذي تولى حفظ هذا الكتاب، بل وحفظ السنة التي قالها النبي ﵊ هو المولى . ولذلك فسر جماهير العلماء الذكر في الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩] بأنه الكتاب والسنة، وقالوا: الذكر منه المتلو ومنه غير المتلو وهو السنة، ولذلك قال عبد الله بن المبارك لما عرضت عليه الأحاديث الضعيفة والموضوعة قال: تعيش لها الجهابذة، أي: هذه الأحاديث سيأتي لها من ينخلها نخلاً ويميز بين صحيحها وسقيمها، فيبقى أصل العمل على ما صح وثبت من سنة النبي ﵊، وأما ما كان غير ذلك فلا يلزم، بل ولا يجوز العمل به؛ ولذلك فإننا نرى في كل عصر ومصر من تصدى للسنة بحق، وميز فيها بين الصحيح والدخيل، وهذا أيضاً مظهر من مظاهر حفظ الله للوحيين: الكتاب، والسنة، كما أن القرآن قد تعرض للدس فيه من قبل النصارى والملاحدة، ولكن سرعان ما أيد الله وسخر له من يبين فساد وعوار هذه الخطط الكفرية، التي أرادت الطعن في كتاب الله ، وما حدث هذا في بلاد الكفر، بل حدث في مصر وفي بلد الأزهر، فقد سخر الله المخلصين من أهل العلم لبيان هذا التحريف وهذا الزيغ قبل أن ينتشر بين أيدي الناس، وهذا مظهر عظيم من مظاهر حفظ الله ﵎ لكتابه وسنة نبيه ﷺ . وكلما أُرسل نبي ونزل معه الكتاب نسخ الشريعة التي سبقته، وفيه أن بعض الشرائع كملتها الشريعة التي أتت بعد ذلك كشريعة اليهود لم تنسخ بشريعة عيسى، وإنما كانت متممة ومكملة لشريعة موسى ﵊، ولكن الله فرض على اليهود أن يؤمنوا بعيسى ﵊، فكفروا بعيسى وبشريعته، وأن الله تعالى لما أرسل محمداً نسخ جميع الشرائع السابقة وأبطلها، ولكنه فرض عليك أن تؤمن بها فقط؛ لأنها نزلت من عند الله، أما العمل بها فلا يجوز أبداً، لأن الله ﵎ قد حباك ومنحك كتاباً ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، فهذا الكتاب الذي بين يديك دستور ليس هناك أحسن منه ولا أعظم منه دستور؛ لأن الذي وضعه والذي أمرك بالإيمان به هو العليم الخبير، وهو الذي يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم، فأنزل في هذا الكتاب ما يصلحهم وأمرهم به، ونهاهم عما يفسدهم، فلا يجوز لأحد أن ينفك عن أمر الله، كما أنه لا يجوز أن يهجم على مناهي الله؛ لأن الله ﵎ إذا أمرك بأمر وجب الامتثال، وإذا أخبرك بخبر وجب التصديق، وإذا نهاك بنهي وجب الانتهاء، وكل ذلك في الكتاب، وفي سنة النبي ﵊، فلا بد أن تؤمن أن هذا الكتاب الذي بين يديك ناسخ لجميع الكتب السابقة، وحاكم عليها ومسيطر ومهيمن عليها جميعاً، فأنت مطالب بالعمل بهذا الكتاب فقط.

стр. 119

حكم العمل بما في الكتب السماوية لما سئل النبي ﵊ عن الحديث عن بني إسرائيل قال: (لا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج). وأهل العلم يقولون: إذا كان ما في الكتب السابقة يوافق القرآن الكريم فهو من الحق الذي أنزله الله ولم ينله التحريف والتبديل، وإذا كان يخالف الذي في كتاب الله وهو القرآن الكريم، فاعلم أن هذا من التبديل والتحريف، فأنت مطالب بألا تعمل به، وأما المسكوت عنه في كتب أهل الكتاب وليس في القرآن خبر عنه فلا نصدقه ولا نكذبه، ومعنى ذلك: أننا لا نعمل به كذلك، وشريعة من قبلنا ليست شريعة لنا إلا ما وافق شرعنا، ويجب عليك أن تضع هذا الكتاب فوق رأسك، وأن تعمل به، وتعتقد أنه لا يمكن للأمة أن تستعيد مجدها إلا من خلال الكتاب، ومن خلال هذا النبي ﵊، فإن هذه الأمة قد اكتملت لديها مقومات الحياة ومقومات العز والمجد، وليست هناك على وجه الأرض أمة تملك مقومات الحياة من الأرض الشاسعة الواسعة غير هذه الأمة، كما أنها تملك هذا الدستور الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكل الدساتير يأتيها الباطل من كل مكان، بل هي في ذاتها باطلة، فلما كان هذا الكتاب بين أيدينا، وكان النبي ﵊ موجود بيننا بسنته، وهذه الأرض الواسعة التي لم تستغل إلى وقتنا هذا، وهذه مقومات أي أمة، فنحن نملك المقومات بما لا يمكن لأي أمة أن تقوم على أحسن مما نحن فيه وعليه، ومع هذا فهذه الأمة أخس الأمم، وأضل الأمم؛ لأنها تخلت عن أمر الله وأمر رسوله، فالعيب ليس في الكتاب، وإنما العيب فينا نحن، ولذلك النبي ﵊ قال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً)، هذا خبر وجب صدقه وتصديقه، إذا كان النبي ﷺ أخبرنا أن هذه الأمة لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا بالكتاب والسنة، فلابد أن نوقن أننا لو كنا على الكتاب والسنة لحصلنا على النصر والتمكين، أما وإنه لا يوجد نصر ولا تمكين، فلأننا تخلينا عن الكتاب والسنة، ولذلك انظر إلى ما نحن فيه الآن، وانظر إلى ما كان فيه الصحابة من تمكين، وعز، ومجد، وفتوحات، وإذلال للكافرين ودحرهم، كل ذلك بتمسكهم بالكتاب والسنة، فهذا هو السائد، وأما نحن فأهواء، وضلال، وكل واحد على مزاجه، ولا فلاح لنا؛ لأننا تخلينا عن الدستور الأعظم، وكان كل منا متخذاً من هواه وعقله دستوراً لنفسه، فكيف تسلم الأمة من الضلال والحيرة والتيه، وكل واحد قد اتخذ إلهه هواه؟!

стр. 120

الإيمان بجميع الرسل قال الله : ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] لابد من الإيمان بجميع الرسل، ربما يحملك بغضك لليهود أن تقول: أنا لا أؤمن بموسى، أو يحملك بغضك للنصارى أن تقول: أنا لا أؤمن بعيسى؛ كيداً ونكاية في اليهود والنصارى، وهذا القول كفر؛ لأن الله ﵎ قد أمرك أن تؤمن بجميع الأنبياء والرسل، فليس هنالك فرق بينك وبين اليهود الذين آمنوا بموسى وكفروا بمحمد، ولذلك فأنت تتميز عن كل تابع لنبي سبق بأنك تؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين وجميع الكتب، وهم قد كفروا بذلك. ولذلك من ادعى أنه يؤمن بجميع الأنبياء إلا نبياً واحداً فقد كفر بجميع الأنبياء بما فيهم النبي الذي يدعي أنه آمن به، فلو أن رجلاً قال: أنا أؤمن بجميع الأنبياء إلا عيسى، نقول له: أنت والنصارى واليهود شيء واحد، وكذا المجوس الذين يعبدون النار؛ لأنك مكلف بأن تؤمن بجميع الأنبياء لا تستثني منهم نبياً واحداً، والله قد أرسل مائة وأربعة وعشرين ألف نبي، فأنت مطالب بأن تؤمن بجميع الأنبياء والرسل على سبيل الإجمال والتفصيل، فتؤمن بالخمسة والعشرين رسولاً الذين ذكرهم الله ﵎ بالاسم، فلا يجوز لأحد أن ينكر نبوة نبي، ولا يجحد رسالة رسول، فمن فعل فهو كافر، وإن كان من أتباع النبي ﷺ . قال رسول الله ﷺ : (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، وقال عن عيسى: (إنه سينزل في آخر الزمان يدعو بدعوة محمد ﷺ ، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب) رغم أنف النصارى؛ فالأنبياء كلهم دينهم واحد وهو التوحيد والإيمان بالله وإن اختلفت شرائعهم، فشريعة موسى غير شريعة عيسى غير شريعة إلياس غير شريعة نوح، وشريعة النبي ﵊ ناسخة لجميع هذه الشرائع، وأبطلت العمل بهذه الشرائع، وأوجبت على الخلق جميعاً أن يخرجوا من كل الشرائع السابقة، ويدخلوا في شريعة محمد ﵊: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٣]، أما نحن المؤمنون فلا نفرق بين نبي ونبي، ولا بين رسول ورسول، ولكننا نقول: إن محمداً خير البشر، قال النبي ﵊: (أنا خير ولد آدم ولا فخر)، فالنبي ﵊ هو خير الخلق على الإطلاق ﷺ .

стр. 121

معنى قوله تعالى: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) أما قول الصحابة: سمعنا وأطعنا، فإن الطاعة غير السمع؛ لأن الشخص قد يسمع ولا يطيع، فقد يسمع الأمر يوجه إليه ولكنه لا ينفذه فلا يكون في هذه الحالة مطيعاً للأمر، فالسمع هنا بمعنى الإجابة، ولذلك أنت تقول في صلاتك: سمع الله لمن حمده، والمعنى: أجاب الله لحمد من حمده، واستجاب دعاءه، أي: كأنك تقول: إني أحمد الله فاستجب لي وتقبل دعائي، فأجاب الله دعاء من حمده، ولذلك قال: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]، زيادة للتأكيد أن السمع يعني إجابة الدعاء فقال: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] أي: نطلب مغفرتك، وعفوك، وصفحك، ولذلك أهل العلم يقولون: إن التائب من المعاصي لابد له من ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن يغفر الله ﵎ له ما تقدم من ذنبه. الأمر الثاني: أن يعينه في الحال على طاعته. الأمر الثالث: أن يعصمه في المستقبل من أن يقع في معصيته. وهذا في قول الله مخبراً عن صحابة النبي ﵊: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] ثم قالوا: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] أي: وإليك المرجع والمآب، وهذه عقيدة قررها الصحابة ﵃، وهي اعترافهم وإيمانهم بالبعث والنشور.

стр. 122

تفسير قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) فقول الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والوسع: هو الطاقة، والله لا يكلف عبداً من عباده بما لا يطاق، فمنذ نزول هذه الآية لابد وأن تعتقد أن الله ﵎ لا يمكن أن يكلف عبداً من عباده عملاً أو قولاً ليس في طاقته، ولذلك فإن هذه الآية ناسخة لقول الله : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٤]، أي: مما يدور في نفس العبد مما يتعاظم أن ينطق به؛ لأنه متعلق بذات الله ، كما قال النبي ﵊ لـ أبي هريرة: (إنك ستعيش حتى يأتيك أقوام يقولون لك: يا أبا هريرة من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ من خلق الجبال؟ من خلق المطر؟ فتقول: الله، فيقولون لك: هذا الله خلق كل شيء فمن خلق الله؟ فقال أبو هريرة ﵁: فبينما أنا في المسجد إذ دخل علي قوم من الأعراب فقالوا: أين أبو هريرة؟ قلت: أنا، قالوا: يا أبا هريرة من خلق السماء؟ فقلت: الله، ثم قالوا: من خلق الأرض؟ من خلق الجبال؟ من خلق المطر؟ وعددوا خلقاً من خلق الله وفي كل يقول: الله، قالوا: يا أبا هريرة هذا الله خلق كل شيء فمن خلق الله، قال: فتناولت حفناً من حصى فألقيته في وجوههم، وقلت: قوموا عني صدق خليلي ﷺ . فالذي تحدثه نفسه بشيء في ذات الإله لابد وأن ينصرف عنه ويحسن الظن بربه أنه لن يحاسبه عليه، وما جاهد المرء نفسه في دفع هذا الوسواس وهذا الشيطان، فإن الله لن يحاسبه عليه؛ لأن الله ﵎ وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد، فوعد الله بخلاف وعيده، فإذا وعد الله بشيء فإنه لابد من الوفاء بهذا الوعد، وإذا أوعدك وهددك بشيء فإن هذا الوعيد وهذا التهديد إن شاء الله أنفذه وإن شاء عفا عنه، وهذا من فضله ورحمته ﵎. فقول الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] يدل على أن ما تحدثني به نفسي طالما لم أنطق به ولم أتكلم به إذا كان شراً فإن الله لا يحاسبني عليه، وهذه الآية ناسخة للآية الأولى، وهذا تقرير من أول الآيات.

стр. 123

معنى قوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، الكسب في الخير، والاكتساب في الشر، فقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] أي: من خير وفضل وحسنات وإحسان، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] أي: من شر ومعاص، فالنفس لها من الحسنات مقابل ما كسبته من أعمال صالحة، سواء كانت هذه الأعمال بالقول أو بالفعل، وعليها وزر ما اكتسبته من الآثام والمعاصي من القول والفعل، فلا نحاسب إلا على ما بدر منا وبدا منا من قول أو فعل، أما ما كان مخفياً في النفس فإن الله يعلمه، ولكنه لا يحاسب عليه إلا من باب أنه يطلعك عليه؛ ليثبت لك أنه عفو، وأنه غفور، وأنه تواب، وأنه حليم، وأنه رءوف بعباده، ويخبرك بما دار في نفسك ولا يحاسبك عليه؛ لأنك لم تتكلم به، ولم تعمل به، ولم يظهر ما في صدرك من شر ما لم يكن عملياً أو قولياً.

стр. 124

معنى قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ثم قال: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] أي: لا تحاسبنا، ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ربما تقع من المرء المعصية على سبيل الخطأ أو النسيان، يفعل فعلاً يظن أنه طاعة فإذا به معصية، فمثلاً: رجل جاهل يترنح في ذكر الله ويتمايل على اليمين وعلى اليسار، ظناً منه أن هذه عبادة لله، فهو يتقرب بها إلى الله؛ فهي باطلة، ولكن الله لا يحاسبه عليها، إنما يحاسب من علم وأقيمت عليه الحجة أن هذا شر، وأن هذا فساد، وأن هذا ابتداع في دين الله، أما رجل جاهل لا يعرف شيئاً أتى من القرية فدخل مسجد الحسين أو البدوي أو غيرهما فوجد المشايخ والعلماء والدراويش يترنحون يميناً ويساراً، فقال: ليس معقولاً أن هؤلاء العلماء كلهم على باطل، هذا هو الحق الذي ليس بعده حق، فأراد أن يشارك في هذا الحق بزعمه، فهو ليس آثماً بمعنى أن الله لا يحاسبه ولا يعذبه، وإنما يخبره أن هذا كان عملاً باطلاً، ولذلك لا أجر له عليه، أما أهل العلم الذين جعلوا الباطل حقاً، والحق باطلاً للخلق فإن الله ﵎ يبطل عملهم، ويحاسبهم، ويعذبهم؛ لأنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فهنا بيان أن الله وإن أطلع العباد على أعمالهم إلا أنه يعفو عن العمل الذي وقع على سبيل الخطأ والنسيان، ولذلك فقد جاء عند ابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄ قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) وعند ابن أبي حاتم من حديث أم الدرداء ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (إن الله عفا عن أمتي الخطأ، والنسيان، والاستكراه). أضرب مثالاً آخر للتوضيح: لو أن مصلياً صلى الظهر ثلاثاً وانصرف من صلاته ظناً منه أنه صلى أربعاً ولم يذكر بعد ذلك أنه صلى ثلاثاً صحت صلاته وأجزأت عنه، وإن كان هذا العمل ناقصاً، وإن كان هذا النقصان مصدره النسيان، ولو أن رجلاً دخل في صلاة الظهر فقام إلى لخامسة متعمداً بطلت الصلاة كلها؛ لأنه تعمد الزيادة على أمر الله ورسوله، فبطلت العبادة من أصلها؛ لأن دين الله توقيفي، أي: أنك لا تزيد عليه ولا تنقص منه متعمداً، فإذا زدت فيه أو نقصت منه ناسياً أو مخطئاً فلا حرج عليك، وقد جعل الله كفارات للخطأ والنسيان لا عقوبات، فإن قمت من الثانية إلى الثالثة مباشرة دون أن تأتي بتشهد أوسط فقد شرع الشارع أن تسجد سجدتي السهو، ولم يسقط صلاتك كلها؛ لأن هذا على سبيل النسيان، أما من قام إلى الثالثة متعمداً فقد بطلت صلاته مع أن التشهد الأول سنة، لكنه تركه متعمداً. ولو أن رجلاً يملك عليك الإكراه، وأنت توقن أن هذا الرجل يوقع عليك الجزاء الذي يهددك به، فطلب منك أن تطلق امرأتك فقلت: امرأتي طالق، فهذا الطلاق لا يقع، لأنه استكراه، فهذه الآية تدلنا على أحكام مهمة جداً من أحكام الأعمال إذا وقعت على سبيل الخطأ أو النسيان، أو الاستكراه، فإن العمل إذا وقع على أحد هذه الأوجه الثلاثة، أو مجتمعة، فإن الله ﵎ لا يحاسب ولا يؤاخذ عليه.

стр. 125

معنى قوله تعالى: (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) وأما قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة:٢٨٦] أي: ربنا لا توقعنا في المشقة والعنت الذي لا طاقة لنا به ولا نقدر عليه. وقوله تعالى: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] أي: الأمم السابقة كانت في الإصر والأغلال؛ بسبب ظلمهم، قال الله ﵎: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠] يعني: بسبب ظلمهم حرم الله عليهم الطيبات مع أنها طيبات ولم تكن خبائث؛ لأن الخبائث محرمة من الأصل، ولكن الله ﵎ حرم على اليهود طيبات كان قد أحلها لهم في أول الأمر، فلما ظلموا حرمها عليهم من باب إيقاع الإصر والأغلال والعنت عليهم. قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١] وهذه الأشياء موجودة عندنا، فنحن قد ظلمنا، وطغينا، وبغينا، وتركنا الكتاب والسنة، وأكلنا أموال الناس بالباطل، وأخذنا الربا أضعافاً مضاعفة، فهناك قوانين تبيح الربا، وفتاوى تقول: إن الربا حلال، مع أن التشريع قد انتهى أمره بوفاة النبي ﵊، ولكن الحساب ينتظر في يوم الحساب، وحسابنا عند الله ، وضرب الله علينا الذل والهوان؛ بسبب بعدنا عن الكتاب والسنة، وركوبنا الماديات، فلما ركبنا الصعب والذلول أذلنا الله ؛ لأنه صار بيننا وبين الكتاب والسنة هوة واسعة جداً، ربما الحبل الذي بيننا وبين الكتاب هو مجرد التلاوة. ولو أن سارقاً سرق، أو زانياً زنا، يقام عليه الحد؛ لكن الحدود معطلة في هذا الزمان، والباب مقفول إلا باب التوبة، وليس من التوبة إلى الله قتل النفس أو رميها من فوق جبل، أو شرب السم، ومن فعل هذا يكون جرماً آخر ومعصية أخرى، والانتحار يحاسب الله عليه، وهذا هو العنت الذي فرضه الله على بني إسرائيل على جهة الخصوص، أما أنت فتوبتك أن تلجأ إلى الله بقلبك وكليتك، وتندم على ما بدر منك، وتعزم على ألا تعود إليه مرة أخرى، ويتفطر وينصدع قلبك وبدنك حزناً وأسفاً على المعصية التي فعلتها، أما في بني إسرائيل فالذي يعمل المعصية ويريد أن يتوب منها لابد أن يقتل نفسه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٥٤]. يقول الحافظ ابن كثير: قام بنو إسرائيل في ساعة مظلمة من النهار أظلمها الله عليهم، فقاموا على بعضهم بالسيوف حتى قتل بعضهم بعضاً في ساعة واحدة. وكانوا سبعين ألفاً؛ لأن هذه طريقة التوبة التي فرضها الله على بني إسرائيل، من أجل أن تعرف أن الله ﵎ اصطفاك، واختارك، وشرفك وكرمك في البر والبحر، فأخلدت إلى الأرض بالمعصية، وقد كلفك الله أن تحلق روحك في السماء السابعة حول العرش، فأبيت إلا النزول فنزلت، والنزول في كل شيء أسهل من الصعود، فالصعود يحتاج إلى مشقة وكلفة، فمن أراد أن ينجح ويتفوق في آخر العام يتكبد السهر، والمذاكرة، والحفظ، والمراجعة، أما من أراد أن يرسب فما عليه إلا أن يدع الكتاب، وهذا يسير، فالنزول يسير، وأما الصعود فمكلف جداً، ولذلك ضرب الله بسبب ظلم اليهود والنصارى الإصر والأغلال على أعناقهم، فكلفهم من الأعمال ما لا طاقة لهم به. وقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء:١٦٠]، والفاء هنا سببية، أي: بسبب ظلمهم ضرب الله الإصر والأغلال، أما أنت فقد كرمك فاشكر لله على هذه التكريم، وشكر الله يكون بإفراده بالعبادة، وصرفها جميعها إليه ، لا تشرك مع الله ﵎ إلهاً آخر. ومن أنواع الإصر في الطهارة التي أوجبها الله على بني إسرائيل ما لا يمكن أبداً أن تتخيله، لو أن الله ﵎ فرضه علينا لما امتثل واحد منا أبداً لهذا الأمر، فالله قد فرض على بني إسرائيل الطهارة، فإن من تنجس ثوبه قطع الجزء المتلبس بالنجاسة، أما في الإسلام فشرع لنا تطهير الثوب المتنجس بالماء، فيرش على بول الصبي ويغسل من بول الجارية، فإذا كان الغلام قد أكل لابد من غسل الموضع فقط، لا تغسل (الجلابية) كلها ولا تقرضها ولا تقطعها، أما في بني إسرائيل فكان إذا تنجس ثوب الواحد منهم وجب عليه أن يقصه، وأن يلقي بالمتنجس على الأرض، وهذا من الرحمة بأمة محمد ﷺ ومن الفضل، وهذه صورة من صور التكريم في العباد

стр. 126

فضل الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة وفضل البقرة وآل عمران والفاتحة فعند البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)، وهما من أول قول الله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى قوله: ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦]، ومعنى كفتاه، قيل: كفتاه من قيام الليل، وقيل: كفتاه من مس الشيطان، وقيل: كفتاه في الفضل وغير ذلك كثير، وقال النبي ﵊: (اقرءوا البقرة وآل عمران فإنهما يظللان صاحبهما، كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو صفان من طير صواف)، أي: مثل أن يأتي صف طير حمام فيظل من يسير تحته، فكذلك البقرة وآل عمران يأتيان يشفعان للعبد يوم القيامة. ولذلك في حديث أسيد بن حضير ﵁ الذي كان جميل الصوت، فقد جاء عند البخاري: (قام ليلة يقرأ بسورة البقرة فجالت فرسه)، يعني: كلما قرأ ارتعد الفرس واضطرب، وكان مع أسيد بن حضير ولده الصغير يحيى وكان في مؤخرة رحل الفرس، وخشي على ولده أن تصيبه قدم الفرس، فقال: (فأخذت ولدي وأردت الانصراف غير أني نظرت إلى السماء فوجدت مثل الظلة فيها مصابيح، فارتعد أسيد بن حضير فلما غدا إلى النبي ﵊ قال له: لقد قرأت يا رسول الله حتى جالت فرسي، فكلما سكت سكنت وكلما قرأت جالت حتى خشيت على ولدي يحيى قال: تلك الملائكة، أما إنك لو قرأت حتى أصبحت لأصبح صبيان المدينة ينظرون إليهم عياناً)، (وكان النبي ﵊ جالس مع جبريل فإذا باب فتح من السماء لم يفتح من قبل قط، فنظر جبريل ﵇ فقال: يا محمد! هذا باب من السماء فتح لم يفتح من قبل، فنزل منه ملك؛ حتى أتى إلى النبي ﷺ وجلس بين يديه، فقال: يا محمد! لقد أوتيت نورين لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، وإنك ما دعوت بحق منهما إلا استجيب لك). ويقول النبي ﵊ كما في حديث ابن مسعود: (اقرءوا البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)، أي: السحرة، فالبيت الذي يقرأ فيه القرآن وخاصة سورة البقرة لا يمكن أن يدخله الشيطان. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 127

الأسئلة

стр. 128

الرد على ما جاء في كتاب (عمر أمة الإسلام) السؤال ما رأيكم فيما جاء في كتاب عمر أمة الإسلام؟ الجواب في الحقيقة أنا رديت عليه من قبل في محاضرتين طويلتين، والكتاب على أية حال فيه خير، وهو في الحقيقة أشبه بكتب أهل الكتاب، وأنا لا أنصح طلاب العلم ولا عامة الناس بقراءة هذا الكتاب أبداً، بل أحذرهم منه؛ لأن الكتاب تعرض لمسألة غيبية استأثر الله ﵎ بعلمها، وخاض المصنف خوضاً لا يليق بمسلم، فذهب مذهباً غير مرضي في حساب عمر الدنيا، وذهب مذهباً ملتوياً ظناً منه أن أحداً لن يستطيع أن يكتشف لعبته، وقرب ظهور المهدي ﵇، فإذا قلنا: إنك تكلمت عن وقت الساعة، قال: لا أنا أتكلم عن عمر الأمة، وهذا يستلزم أمران: إما أن يكون متكلماً عن عمر الدنيا وأنها ستفنى بعد ألف وخمسمائة عام كما قد حدد، أي: بعد سبعين سنة؛ لأنه -على حاسبه- قد مر ألف وأربعمائة وثلاثين سنة هجرية، كأنه أراد أن يقول: هذا عمر الأمة لا عمر الدنيا، قلنا له: ما الفرق بين عمر الدنيا وعمر الأمة؛ لأننا نوقن أن هذه الأمة هي آخر الأمم، فإذا فني عمرها، وانتهى أجلها المؤجل لها عند الله والذي لا يعلمه إلا الله، لابد أن تقوم الساعة مباشرة، فإذا قلنا: فناء الأمة بعد سبعين سنة يلزم من ذلك أن تقول بقيام الساعة، وإذا قال: إنني لا أقول بقيام الساعة، وإنما أتكلم عن أشراط هذه الأمة وفناء هذه الأمة، قلنا له: يلزم من قولك بأن هناك أمة بعد فناء هذه الأمة ستنشأ وتوجد، وبالتالي يلزمك أن تحكم عليهم بأنهم من أهل الفترة وأن الله ﵎ لا يعذبهم، فكيف تقوم عليهم الساعة؟ مع أن النبي ﷺ أخبرنا: (أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق)، فإما أن تقول بوجود أمة بعد هذه الأمة التي تقوم عليها الساعة، وهذا كلام باطل؛ لأن هذه الأمة آخر الأمم وخير الأمم، وإما أن تنسحب من كلامك، والأمر الذي ذهب إليه أنه احتج بأحاديث في الصحيحين، وليست الحجة في الدليل الذي احتج به إنما الحجة فيمن وافقه على هذا الفهم، كما يقول الشاعر: وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا وهذا هو بيت القصيد، فلو أن أحداً احتج بحديث أو بآية لا بد أن يوافق فهمه لهذه الآية ولهذا الحديث فهم السلف، فإن وافق كان على الحق، وإن خالف كان على الباطل، فإننا نسحب هذا الكلام وهذه القاعدة على فهم المصنف في كتابه: (عمر الأمة) على الأدلة التي ساقها من البخاري ومسلم، فإن حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي موسى الأشعري في تحديد وقت العصر قد احتج بها البخاري في باب المواقيت تارة، وفي باب الإجارة تارة أخرى، فأين الكلام عن الساعة وأشراطها، وفناء الأمة من كتاب مواقيت الصلاة؟ والحديث إنما أورده الإمام البخاري في باب مواقيت الصلاة ليثبت أن وقت العصر حين أن يكون الظل ضعف المثل، وأنه ينتهي بدخول المغرب، وكذلك أورده في باب الإجارة؛ ليدل على أنك لو استأجرت أجيراً وقلت له: تعمل عندي اليوم وأعطيك ديناراً، وإن لم تتفقا على تحديد الساعة التي ينتهي عندها العمل، فيكون معلوماً سلفاً أن العمل ينتهي في المغرب؛ لأن اللغة تفرق بين ما يسمى باليوم والليلة، فاليوم هو النهار والليلة هي الليل، فلو أنك استأجرت أجيراً وقلت له: تعمل عندي طوال النهار وأعطيك كذا فلا يجوز له أن يأتي الظهر ويقول: قد فرغت من العمل، أو انتهى ما اتفقنا عليه؛ لأنكما قد اتفقتما على العمل في النهار فلا ينتهي إلا بدخول المغرب. الشاهد من هذا: أن الأحاديث التي احتج بها المصنف قد استنبط منها أهل العلم تسعة استنباطات، وأولوها على تسعة أوجه وأنحاء، ثمانية منها مرضية ليس فيها طعون، أما التاسع وهو اعتبار العدد الحسابي في قيام الساعة ففيه طعن ورد، والعدد الحسابي من فهم اليهود والنصارى لا من فهم المسلمين، ولكن زلة قدم الإمام الكبير محمد بن جرير الطبري -عليه رحمة الله- في اعتبار هذا العدد، وصنف رسالة أو تكلم بكلام طويل في مقدمة كتاب: (التاريخ) في إثبات عمر أمة الإسلام، وأنها لا تتعدى الألف عام، وقد أثبت الواقع والزمن، وقد أخطأ الطبري في تقديره؛ لأن الأمة تعدت ما حدده الإمام الطبري بأربعمائة وثلاثين سنة وزيادة، فأتى من بعده السهيلي ونحا نحواً من نحوه، وقد أثبت الواقع كذلك خطأ الإمام السهيلي، فأتى الإمام السيوطي -عليه رحمة الله- وصنف رسالة سماها: (الكشف أن هذه الأمة لا تتجاوز الألف)، وقال: ولا بأس أن الله يمنحها من عنده نصف يوم، كما في حديث سعد بن أبي وقاص عن أبي داود وغيره أن النبي ﵊ قال: (وإني لأرجو الله ألا يعجز هذه الأمة من نصف يوم)، ونصف يوم بخمسمائة عام. إذاً: خمسمائة عام تضاف إلى الألف سنة فتصبح ألف وخمسمائة عام، مر منها ألف وأربعمائة وثلاثون، و

стр. 129

تأملات في سورة الكهف إن المتأمل في قصة موسى ﵇ مع الخضر يجد الأدب الجم من موسى ﵇ مع الخضر، مع أن موسى ﵇ أفضل من الخضر، فهو من أولي العزم من الرسل، بينما اختلف أهل العلم في نبوة الخضر، فموسى ﵇ لم يستنكف أن يأخذ العلم ممن دونه، بل ويرحل في طلبه المسافات الطويلة، ويلقى المتاعب والمشاق من أجل تحصيله، وهناك فوائد كثيرة في هذا القصة الممتعة الشيقة، وكل قصص القرآن فيها من العبر والعظات الشيء الكثير.

стр. 130

قصة موسى ﵇ مع الخضر وما فيها من العظات والعبر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد خرج موسى ﵇ مع غلامه قاصداً ملاقاة الخضر ليتعلم منه، فلما وصلا إلى جنب صخرة نام موسى ونام غلامه، وكانت عند هذه الصخرة عين تنضح ماءً يسمى ماء الحياة، وكان لا يصيب هذا الماء شيئاً ميتاً إلا أحياه الله، فأصاب ذلك الماء الحوت الذي كان مع موسى وغلامه، فنفخ الله تعالى فيه الروح، فاضطرب في المكتل حتى نزل البحر، وسلك فيه طريقاً سرباً، وحينئذ أمسك الله تعالى عليه جارية الماء، فكان مثل الطاق في البحر، ماء جامد كالطريق المسلوك في البحر، فلما استيقظ موسى ﵇ أخذ فتاه وانطلقا، فسارا ليلتهما حتى أصبحا، وبلغه الجهد، فقال موسى لغلامه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢]. ولم يبلغ النصب والتعب بموسى إلا بعد أن تجاوز المكان الذي أمر أن يصل إليه وهو لا يدري. فقال له الغلام: هل لنا أن نرتد على آثارنا، فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، وكان هذا الغلام قد أدرك أن الحوت المالح الذي اتخذه موسى عليه الصلاة السلام؛ ليكون زاداً وطعاماً له في الطريق، قد رد الله تعالى إليه روحه، ونزل البحر، ولكنه قال: إذا استيقظ موسى أخبرته بذلك، ولكنه نسي ذلك؛ ليتم ما أمر الله به، فرجعا وارتدا على آثارهما قصصاً، يعني: كل واحد منهما رجع وهو يتحسس الطريق ويتتبعه، حتى يرجعا إلى نفس المكان ولا يخطئانه. قال موسى ﵇: فلما رجعنا إلى الصخرة وجدت عبداً عندها مسجىً، طرف ثيابه عند قدمه، والطرف الآخر عند رأسه، قلت: السلام عليكم. فرد علي السلام، ثم قال: وأنى بأرض السلام -أي: وكيف عرفتم السلام؟ كأنه لا يعرفه إلا نبي- قال: أنا موسى قال: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: إنك على علم علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم علمنيه ربي أنت لا تعلمه، ما شأنك؟ قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] قال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٦٨]. أي: أنك لا تصبر على هذا العلم، قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٦٩ - ٧٠]. فانطلقا في رحلتهما على ساحل البحر، فكلما مرت سفينة مرت دون سؤال، حتى مرت أجمل وأزين سفينة في البحر، وكانت لمساكين، فعرفوا الخضر فقالوا: ذاك العبد الصالح، فحملوهما بغير أجرة، خدمة للعلماء وأصحاب الفضل، وذوي الوجاهات، ولا حرج في ذلك ألبتة، فحملوهما بغير نول، فلما كانا في السفينة فوجئ موسى ﵊ بأن الخضر اقتلع لوحاً من السفينة، وصار يعالج مكان اللوح، إما بقارورة دكها في الموضع، وإما بالقار وهو المعروف بالزفت. فقال موسى ﵇ للخضر حينئذ: قوم حملونا بغير نول، وأكرمونا ثم تفسد لهم السفينة، لقد جئت شيئاً إمراً؟! أي: هذا أمر عجيب، ويكاد يكون منكراً، قال الخضر: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف:٧٢ - ٧٣]. قال النبي ﵊: (فكانت الأولى من موسى ﵊ نسياناً). والبخاري عليه رحمة الله لما أخرج هذا الحديث في بعض مواطن الصحيح تحت (باب العذر بالجهل والنسيان) وأغنى عن ذلك قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. وقول النبي ﵊: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) وهو حديث حسن. فحينئذ اعتبر الخضر ﵇ العذر في حق موسى لأجل النسيان، فلما نزل من السفينة وجدوا غلماناً يلعبون، وفيهم غلام هو أجملهم وأظرفهم وأحسنهم منظراً، فامتدت إليه يد الخضر، فاقتلع رقبته من بدنه وألقاها. وهذا الموقف موقف مهول، لا يقدر عليه أحد، ولذلك لم يصبر عليه موسى قال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف:٧٤] أي: ما جريمة هذا الغلام حتى تقتله يا خضر؟ ماذا فعل؟ بل إنه أجمل الغلمان وأحسنهم: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٥] قال له موسى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤]، أي: هذا أمر لا يصبر عليه أحد، ولكن الخضر أعطاه فرصة ثالث

стр. 131

الفوائد والفرائد من قصة موسى مع الخضر ﵉ في قصة الخضر وموسى من الفوائد والفرائد التي ربما لا توجد في قصة أخرى.

стр. 132

التأدب في طلب العلم والحرص عليه من فوائد الأحاديث التي ذكرناها في هذه الخطبة: التأدب في طلب العلم، والحرص على طلب العلم، والرحلة في طلب العلم، وركوب البحر في طلب العلم، وأنه لا حرج في ذلك، وما ورد عنه ﵊ أنه قال: (لا تركب البحر إلا غازياً، أو حاجاً) فهو حديث ضعيف. ولا بأس بركوب البحر مطلقاً بشرط أن يكون البحر هادئاً، وأن يغلب على الظن سلامة المركب، أو يتيقن ذلك، حتى لا يتحقق فينا قوله : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. وهذا جار في ركوب البر والبحر والجو على حد سواء. وقول موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦]، فيه من الملاطفة والموادعة والمؤانسة والتأدب الشديد في عرض المسألة على العالم، قال: (هل أتبعك) فجعل نفسه تابعاً للخضر، ومع أن موسى ﵇ بالإجماع أفضل من الخضر. وفيه: جواز أخذ الفاضل الفائدة من المفضول، ولا حرج في ذلك. وكم من العلماء الكبار الأفهام تعلم من تلاميذه، ولذلك بوب العلماء في باب المصطلح والرواية: باب رواية الأكابر عن الأصاغر، وباب رواية الآباء عن الأبناء، ولا حرج في ذلك. وينبغي أن يلزم العالم وطالب العلم الأدب والتواضع والذل والانكسار بين يدي المعلم والأستاذ، فهذه عدة لابد أن يتسلح بها طالب العلم، ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦]. والإجماع منعقد على أن موسى ﵇ رسول ونبي، لكن وقع النزاع هل الخضر رسول ونبي أم لا؟ والذي يترجح من أقوال أهل العلم أن الخضر نبي من أنبياء الله؛ بدلالات كثيرة ذكرنا بعضها، ولا مجال لذكر البعض الآخر، ولكن نحيل على هذه الدراسات المتخصصة التي ظهرت في الآونة الأخيرة في بيان حقيقة الخضر ﵇. فبعضهم ذهب إلى أنه ولي، وهو ضعيف. والبعض الآخر: ذهب إلى أنه نبي، وهو قوي. أما كونه رسولاً، فلا، وإذا كان رسولاً فإنه لم يبعث إلى موسى ﵇، كما أن موسى بعث في بني إسرائيل، وبنو إسرائيل كانوا في ذلك الوقت من سكان مصر، وهذا يقوي الرأي الذي قلناه: إن أحداث القصة لم تكن في أنطاكية، ولا في الخليج العربي، ولا في بحر الروم، وإنما كانت على أرض مصر، وأن مجمع البحرين كان برأس البر، وأن القرية هي قرية دمياط.

стр. 133

الرحلة في طلب العلم من فوائد هذه القصة: الرحلة في طلب العلم، والحفاظ على ذلك والإكثار منه، وبلوغ المشقة في ذلك، فقد ركب موسى وهو من هو ﵇ إلى رجل لا يعرفه، ليأخذ منه العلم، وبلغ المشقة والنصب والتعب في ذلك، ثم إنه بعد أن لقيه تأدب بين يديه، وتلطف أيما تلطف. والرحلة في طلب العلم هي نهج سلفنا ﵃. قال رجل للإمام أحمد بن حنبل: (هل ألزم رجلاً عالماً غزير العلم حتى آخذ العلم كله، أو أرحل في الطلب؟ قال: بل الرحلة أحب إلي). وهذا مسروق بن الأجدع طاف البلاد مراراً على قدميه في طلب العلم. وهذا جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، وهو من هو في العلم والفضل والفقه، وهو من أكابر أصحاب النبي ﵊ علماً وفقهاً وأدباً، يرحل من المدينة إلى مصر، ليسأل عقبة بن عامر الجهني ﵁ وهو من الصحابة، وكان أمير مصر لـ معاوية ﵁، رحل إليه ليسأله عن حديث واحد، وهو حديث المحشر، قال: (بلغني أنك سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً لم أسمعه، قال: سمعته يقول ﵊: يحشر الناس حفاة عراة غرلاً). فقوله: (حفاة): أي: ليس في أقدامهم شيء، (عراة) أي: ليس على أبدانهم شيء، (غرلاً): أي: غير مختونين. يعني: يحشرون إلى ربهم على الهيئة التي خلقهم عليها من غير نقصان. ثم رجع جابر بن عبد الله الأنصاري دون أن يحل رحله إلى المدينة. وفي رواية: أن جابراً طرق الباب فقال الخادم: من؟ قال: جابر بن عبد الله الأنصاري، ثم قال: أعقبة في الدار؟ قال: نعم. انتظر فصعد الخادم إلى عقبة، وقال: إن جابراً الأنصاري بالباب، فنظر إليه عقبة وقال: ابن عبد الله؟ قال: نعم، قال: اصعد، قال: والله لتنزل ولا أصعد، إنما أتيتك لأسمع حديثاً ليس عندي، فأخبره عقبة بالحديث، فانطلق ولم ينزل من على دابته. رجل يأتي من المدينة إلى مصر مسيرة شهر، ثم يرجع مرة أخرى شهراً آخر؛ لأجل حديث واحد، ونحن كتاب الله تعالى بين أيدينا، وربما لا نفكر مرة أن نمر عليه مرور الكرام، وسنة نبينا ﷺ واضحة بين أيدينا، وربما لا نفكر أن نطلع عليها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 134

بيان موضوع مؤتمر القدس السليب ونتائجه الحمد لله وكفى، وصلاة وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد: ففي حديث قصة موسى مع الخضر فوائد كثيرة ومتعددة، وقد أخرجه البخاري في صحيحه في أكثر من عشرة مواطن، ويأتي في كل موطن بفائدة ليست في غيره، فهو حديث غزير بالفوائد والفرائد، ولكنا دندنا حول ما نريد أن نبلغه لإخواننا طلبة العلم، ونذكر بهذه المناسبة أننا اخترنا أن يكون هذا الحديث هو عنواننا، خاصة وأننا سنبدأ في الأسبوع القادم بإذن الله تعالى ذاك المؤتمر الذي يعقد سنوياً في هذا المكان المبارك، وموضوع هذا المؤتمر: القدس الحبيب السليب، الذي اغتصبه اليهود أبناء القردة والخنازير منذ عشرات الأعوام، وهم يطمحون ويطمعون أن تكون لهم دولة مستقرة آمنة في هذه البقعة من أرض الله، لكن هيهات هيهات، الحرب دائرة، والجهاد ماض في الأمة إلى قيام الساعة رغم أنف الحاقدين، واغترار المغترين. والطريق الوحيد لإفناء اليهود وزوالهم من على وجه الأرض ليس السلام، وإنما هو رفع راية الجهاد في سبيل الله ، ولذلك ستكون الحرب بين معسكرين لا ثالث لهما: معسكر الإيمان والكفر، وستكون ساحة المعركة في أرض فلسطين حتى ينادي الحجر والشجر: يا مسلم، خلفي يهودي تعال فاقتله، وسيكون الجنود من المؤمنين ومن الحجارة والأشجار، إلا شجر الغرقد فإنه من شجر اليهود. وأخبركم أن أرض الشام كلها قد كثر فيها شجر الغرقد، فهذه أمارات وعلامات؛ استعداداً للمعركة الحاسمة الفاصلة بين الإيمان والكفر، بين اليهود وبين المسلمين، والله تعالى سيكتب فيها النصر لأهل الإيمان، وسيورثهم الأرض من بعد ذل وهوان، لكنهم ما وقعوا في هذا الهوان إلا بتفريط منهم في اتباع كتاب الله تعالى وسنة النبي ﵊، فإذا أفاقت هذه الأمة من كبوتها ورقدتها مكن الله تعالى لها، وهذه سنن كونية، فالنبي ﵊ أوذي، والخلفاء أوذوا، وكان في قدرة الله أن ينصر نبيه وهو نائم في بيته، لكن السنن الكونية أثبتت أنه لا نتيجة بغير سبب، ولذلك يقول العلماء: الاعتماد على الأسباب شرك بالله ، وترك الأسباب قدح في التوحيد؛ لأنه مخالف للسنن الكونية الربانية. إذاً: فلابد من إعلان راية الحرب، ولا طريق إلى القدس إلا بهذا، ومن أراد صلحاً وسلاماً وأماناً مع اليهود، فإنما يمشي خلف سراب خادع، إذا أتاه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده فوفاه حسابه. وأبشركم أن الدائرة والغلبة لأهل الإيمان، يقول ﵊: (إن هذا الدين سيدخل كل بيت حجر أو مدر، بعز عزيز يعز الله تعالى به الإسلام وأهله، وبذل ذليل يذل الله تعالى به الكفر وأهله). والحمد لله تعالى أن الإسلام الآن دخل في كل بيت حجر ومدر، ومن من الناس لا يسمع بالإسلام، ولا بالنبي محمد ﵊؟ لا أحد، ولكن النصر والتمكين والتأييد بشروطه وواجباته، إنما مآله إلى أهل الإيمان والإسلام في آخر الزمان، ولعلنا اقتربنا من هذه اللحظة، ومن ساحة الصدق، فما علينا إلا أن نعد العدة للمواجهة، والمواجهة هي مسئولية الحكام، لا مسئولية الشعوب؛ لأن مسئولية رفع راية الجهاد هي مسئولية الحكام، وهي في أعناقهم سيسألون عنها يوم الحساب، أما السلام مع اليهود فلا؛ لأن اليهود على مر التاريخ هم أهل غدر وخيانة، وغش وخداع، ولا سلام معهم، ولو كان منهم سلام لسالمهم النبي ﵊. وكم سالمهم ﵊ وهو يعلم أنهم أهل غدر وخيانة، وأهل بهت وزور، وغش وخداع. ولذلك لم يثبت في سنة النبي ﵊، ولا في تاريخ الإسلام أن أحداً سالم اليهود وهو لا يحذر منهم بعد عقد معاهدة السلم والسلام؛ لأنه يعلم طبيعة اليهود. فالشخصية اليهودية كلها ظلمات بعضها فوق بعض، وطريق أسود من الكحل، ولذلك لا عهد لهم ولا ميثاق، ومن واثقهم أو عاهدهم واطمأن إلى ذلك، فسرعان ما كان الغدر من قبل اليهود حليفه، وسرعان ما يتجرع المرّ نتيجة علاقته باليهود. المقفو باليهود عريان، تظهر عورته للقاصي والداني، ولأجل ذلك وعقداً للولاء والبراء اخترنا أن يكون المؤتمر السنوي الذي سيعقد في الأسبوع القادم في الجمعة القادمة بإذن الله عن القدس، وسيكون عن قضية الولاء والبراء؛ لأن معظم الأمة ذابت شخصياتهم في شخصيات اليهود والنصارى، والنصارى لا يقلون عن اليهود في الشر. واخترنا أن تعالج المحاضرات كلها بعض جوانب الموضوع، وطلبنا من السادة المحاضرين أن يعالجوا بقية هذا الموضوع، ولو على مدار عام كامل في محاضراتهم العامة، وفي خطبهم المنبرية، في هذا المكان وفي غير هذا المكان، حتى يتم الموضوع، وهو أكبر من أن يستوعب في أسبوع واحد، ولأن الجمعة التي بعد المقبلة ندوة عامة للسادة المحاضرين المتخصصين في هذه القضية للرد على أسئلة الجماهير، حتى يعلم المستمع ماذا عليه من الواجبات؟ وبماذا يخرج من هذا المؤتمر من فوائد ونكات؟ لابد أن يخرج الواحد منا وهو يعلم ما الذي عليه؟ وما هو الواجب الذي يثقل به كاهله؟ وكيف يسلك الطريق لت

стр. 135

منزلة المال في الإسلام لا تقوم الحياة إلا بالمال، فهو عصب الحياة، وقد مدح السلف المال؛ وذلك للفوائد التي فيه، والتي يمكن للمسلم تحقيقها بسببه، وفي المقابل ذم الشارع الحرص عليه وعلى اكتنازه وعدم إنفاقه في وجوه الخير، والمال لا يمدح ولا يذم لذاته، وإنما لما يتعلق به وما يبعث عليه، فقد يمدح أو يذم لذلك.

стр. 136

المال بين المدح والذم وبيان متعلقه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. سنتكلم عن مسألة مهمة، ولعلها تكون جديدة في الطرح، ألا وهي منزلة المال في الإسلام. المال في ذاته لا يحب ولا يذم، فالمال في حد ذاته ليس محبوباً ولا مذموماً، وإنما يحب ويذم لصفة تتعلق بالآدمي الذي يحرص على تحصيله. ولو نظرنا إلى الناس تجاه تحصيل المال لوجدنا أن الباعث لهم على ذلك أشياء وأسباب كثيرة، ونجد أن الناس يتعاملون مع المال سلباً وإيجاباً، فمن الناس من يحصل على المال من غير حله ويضعه كذلك في غير حله، فيحصل عليه من الحرام ويضعه في الحرام، ومن الناس من يحصل عليه من الحلال ويضعه في الحرام، يكتسبه من عمل حلال ثم يشرب به الخمر مثلاً، ولا شك أن هذا مذموم من وجه وممدوح من وجه آخر. ومن الناس من يكسب المال من الحرام ويضعه في الحلال، ولكنه لا يقبل منه، كالذي يسرق مثلاً ليتصدق، أو كالتي تغني لتقضي ديونها، فلا شك أن هذا المكسب حرام، وإن كان الباعث عليه باعثاً جميلاً، وخير باعث على تحصيل المال أن يسد به المرء حاجته الدينية والدنيوية من حل أحله الله له. فالمال لا يذم ولا يمدح لذاته، وإنما يذم ويمدح لمتعلق الآدمي الذي انبعث من أجله في طلب وتحصيل هذا المال، وقد يكون هذا الباعث شدة فقر الآدمي أو تناوله من غير حله، أو لإخراجه في غير وجهه، أو ليفاخر الناس أنه صاحب مال، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨]. وإذا كان الباعث على تحصيل المال باعثاً غير شرعي فلا شك أن هذا المال سيكون فتنة لصاحبه. في سنن الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه). فلو أنك أرسلت ذئاباً جائعة في حظيرة غنم، فإن هذه الذئاب ستفسد تلك الأغنام كلها، وحرص المرء على تحصيل المال وإثبات الشرف والجاه لنفسه من جهة الشرع، والبيان للناس أنه من أهل العلم لا شك بأنه أفسد للمال وللدين من إفساد الذئاب حظيرة الغنم.

стр. 137

خوف السلف من فتنة المال كان السلف يخافون من نعمة المال أشد الخوف، وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا فتح الله عليه الفتوح -وقد كثرت الفتوح كثرة بالغة ملحوظة في عهد الفاروق الفاتح ﵁ قال: ما حبس الله تعالى هذا عن نبيه ولا صاحبه لشر أراده بهما، وأعطاه عمر إرادة الخير له. فقد كان عمر يدرك أن هذه الفتوح تحمل بين طياتها من الشر ما لم يكن موجوداً في عصر النبوة ولا في عصر الصديق ﵁، وكان يوقن تماماً أن هذه الفتوح كما تحمل الخير فإنها تحمل كذلك الشر. وكان أبو الدرداء ﵁ يدرك ذلك جيداً، فكان إذا فتح الله على المسلمين بلداً من البلدان كان الناس يضحكون ويمرحون، إلا هو فكان يبكي ويقول: لقد سمعت النبي ﷺ يقول: (إنما تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم). فكان ينظر إلى الفتوح وإلى كثرة المال الذي أتى من قبل الغنائم على أنه شر وليس خيراً. وقال يحيى بن معاذ: الدرهم عقرب، فإن استطعت رقيته وإلا فلا تأخذه، فإنه إن لدغك قتلك سمه، قيل: فما رقيته؟ قال: أخذه من حله ووضعه في حقه. أي: أن تأخذه من حلال وتضعه فيما أمرك الله . وقال: مصيبتان للعبد في ماله عند موته، قيل: ما هما؟ قال: يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله. فهو يدع المال كله للورثة، ومع هذا فسيحاسب عن هذا المال كله.

стр. 138

وجه مدح المال المال لا يذم لذاته، بل ينبغي أن يمدح؛ لأنه باب يوصل إلى مصالح الدين والدنيا، وإذا كان هكذا فلا شك أنه ممدوح، وقد سماه الله ﵎: خيراً في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨]. وقال كثير من المفسرين: الخير هنا المال أو الخيل. والخيل عند العرب مال. وكان العرب يقولون: ليس المال ما جمع، إنما المال ما نفع. فليس المال هو الذي يجمعه صاحبه، وإنما هو الذي ينفع صاحبه بين يدي الله ، وقال الله : ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]. وقال سعيد بن المسيب ﵀: لا خير فيمن لا يجيد أن يجمع المال من حله، يكف به وجهه عن الناس -يعني: عن السؤال- ويصل به رحمه، ويعطي منه حقه. وقال أبو إسحاق السبيعي: كانوا يرون السعة عوناً على الدين. أي: كانوا يرون كثرة المال عوناً على الدين. فلو كان المال في يد أمينة واعية تحرص على طاعة الله ومرضاته فلا شك أن هذا المال سيكون لها سعة في الدين، ومنفعة بين يدي الرب ﵎. وقال سفيان: المال في زماننا هذا هو سلاح المؤمن. وخلاصة الأمر أن المال حية، فيها سم وترياق، فترياقه فوائده وغوائله هي سمه، فمن عرف فوائده وغوائله أمكنه أن يتحرز من شره وينال من خيره. فمن عرف قيمة المال وفوائده ونفعه فلا شك أنه خير عظيم له، يعود نفعه عليه في الدنيا والآخرة. ومن نكث ولم يعرف فائدة المال من غوائله وشره فلا بد أن يقع في الشر.

стр. 139

فوائد المال ومنافعه الدينية أما فوائد المال: فهي دينية ودنيوية: فوائد المال الدنيوية يعرفها الناس جميعاً، ولذلك تهالكوا وتهافتوا على تحصيل المال لأجل هذه المنافع الدنيوية، وإشباع الشهوات والرغبات. وأما منافعه الدينية فتنحصر في ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن ينفقه على نفسه، إما في عبادة كالحج والجهاد؛ لأنه لا حج بغير مال، ولا جهاد كذلك بغير مال، فقد كان الفقراء يأتون إلى النبي ﵊ يطلبون منه أن يحملهم إلى الجهاد، فيقول: لا أجد ما أحملكم عليه، اذهبوا إلى فلان؛ لأنه عنده مال، وهو يستخدمه في حقه بعد أن حصله من حله، فلا جهاد إلا بمال، ولا دفاع عن بيضة الإسلام إلا بتوفر الأسباب والوسائل، ومن أعظمها بعد الإيمان بالله المال. كما أنه لا حج إلا بمال، وقد شرط الله الحج بالاستطاعة، والاستطاعة: هي الزاد والراحلة، كما ورد في الحديث عند أحمد، فمن كان عنده راحلة وزاد يكفيه ويكفي من يخلفه من أهله وعقبه مدة الحج فإن الله قد فرض عليه الحج. فمن منافع المال الدينية: أن يستغل المرء المال بالإنفاق على نفسه في العبادات كالحج والجهاد، وأيضاً في الاستعانة به على العبادة كالمطعم والملبس والمسكن وغيرها من ضرورات المعيشة، فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر لم يتفرغ القلب لعبادة الله ، وما لا يمكن العبادة إلا به فإنه كذلك عبادة. فلو حرصت من الآن على أن تجمع مالاً يكفيك للحج، فلا شك أن سعيك لتحصيل هذا المال بهذه النية هو عبادة لله ، حتى وإن لم تحج فيكفيك نيتك الصالحة في تحصيل المال لأجل قضاء الفرائض، أو القيام على طاعة الله . والنوع الثاني: ما يدفعه للناس، وهو أربعة أقسام: القسم الأول: الصدقة، فلو سعى لتحصيل المال من أجل أن يتصدق به على عباد الله الفقراء، ويخرج منه الزكاة التي بها يحصل التكافل الاجتماعي بين الفقير والغني في المجتمع كما كان الحال في عهد الخلافة الراشدة، وفي عهد عمر بن عبد العزيز فهذا عبادة. القسم الثاني: المروءة، وهي: صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية وما إلى ذلك، كما في الحديث: (تصدق الليلة على غني تصدق الليلة على زانية تصدق الليلة على سارق). وهذا يدل على أن صرف المال إلى هؤلاء الأصناف أمر جائز، وإن كان الأولى صرفها إلى من ذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] إلى آخر الآية. القسم الثالث: وقاية العرض، مثل بذل المال لدفع هجاء الشعراء مثلاً، وقد كان الشعراء يدخلون على الملوك والسلاطين وأصحاب الأموال، فإن أعطوهم رضوا، وإن لم يعطوهم سخطوا عليهم وهجوهم بالشعر في أعراضهم. والنبي ﵊ قال: (شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه). وفي كل زمان ومكان يوجد أناس تخصصوا في التسول وسؤال الناس وسلب أموالهم ولو بالقوة، وهذا الصنف من الناس يمكن شراء ذممهم وألسنتهم بدفع بعض المال إليهم ذباً عن العرض والنفس؛ حتى لا يهجو الشخص بكلام ساقط، ثم إن هذا الكلام يجد من يلتقطه. القسم الرابع: ما يعطيه أجراً على الاستخدام، ولا شك أن هذا أمر مطلوب ولازم، فإن المرء له حاجات كثيرة، ولو قام بكل حاجة يحتاج إليها بنفسه وبيده لضاعت الأوقات وفنيت الأعمار دون أن يحصل مراده من كل شيء، فيلجأ إلى قضاء بعض الحاجات عن طريق الغير، ولا بد وأن يكافئ هذا الغير، وخاصة أهل العلم مثلاً، فلو أن رجلاً من أهل العلم له حاجات دنيوية، وإذا أراد قضاءها فلن يتفرغ للدعوة إلى الله ، فالأولى أن يكون معه مال يستخدم به أناساً آخرين لقضاء حاجاته الدنيوية؛ حتى يتفرغ هو للمهمة الدينية التي لا يقوم بها إلا هو. النوع الثالث: أن ينفق منه لا إلى جهة معينة وإنما في المصالح العامة كبناء المساجد والقناطر وسائر أنواع الوقوف وغيرها، ولا شك أن هذه فوائد دينية شرعية، والله ﵎ يأجر صاحب المال على إنفاق المال في هذه الوجوه؛ لأنه حصل المال من حله ووضعه في حقه. هذه جملة فوائد المال في الدين، ففي اكتسابه الخلاص من ذل السؤال وحقارة الفقر، والعز بين الخلق، والوقار.

стр. 140

أضرار المال وغوائله الدينية وأما غوائل المال وشروره فتنقسم أيضاً إلى دينية ودنيوية: فأما الغوائل والشرور الدينية فهي ثلاثة كذلك: الأولى: أنه يجر إلى المعاصي غالباً؛ لأن كل معصية لها قوة، ولها سبل ووسائل، فإن تحققت القوة ووجدت السبل والوسائل كان المرء أسرع ما يكون إلى الوقوع في تلك المعصية، فلو أن إنساناً يملك مالاً وعرضت بغية من البغايا نفسها عليه وهو لا يستطيع أن يأتيها، وإن كانت السبل والوسائل قد توافرت فلن يقع في الفاحشة؛ لأنه لا يستطيع أن يأتي النساء، ولو كان شاباً فتياً معه المال وهو مليح الوجه فسيقع؛ لأن هذه الأسباب والوسائل إذا توافرت دفعته، إن لم يحجبه دين من الوقوع في تلك الرذيلة والفاحشة. وفي النصف الثاني من رمضان جاء رجل إلى أحد المدرسين وقال له: ساعدني فأنا أحتاجك أشد الاحتياج، فقد كاد ابني ينحرف، فذهب ذلك المدرس -والنقل عنه مشافهة- معه إلى البيت وجلس مع الوالد وولده، ثم سأله عن حاله؟ قال: والله إن ولدي ظهرت عليه علامات الانحراف، فظن المدرس أنه يعبد الشيطان، فقال: لا، إنما له اهتمامات أخرى، له اهتمامات بالنساء، والولد في الصف الثامن الابتدائي، كما أنه يأتينا في وقت متأخر من الليل في غير حالته الطبيعية، فألهم الله صاحبنا أن يسأل الوالد كم تعطيه مصروفاً كل يوم؟ قال: أنا أعطيه بيدي مائتي جنيه كل يوم، ويأخذ من أمه أموالاً أخرى، كما أنه يذهب إلى شركاتي في منطقة (العاشر من رمضان) وفي منطقة (أكتوبر) ويأخذ المال، ويجوب البلد شرقاً وغرباً من (ستة أكتوبر) إلى (العاشر من رمضان). فراتب الولد اليومي خمسمائة جنيه، فلماذا لا ينحرف؟ فقد أخذ الولد المال من أبيه، ولكنه وضعه في غير حقه، فلما كثر عليه المال أنفقه في غير طاعة الله ، فما كان من أخينا المدرس إلا أن قام وقال للوالد: أنت الذي أهملت ولدك، وعليك إصلاحه. فإذا كان الولد يأكل يومياً ما يكدح به غيره شهراً فكيف لا ينحرف؟ ولذلك يقولون: الفقر حشمة، وفي كثير من الأحوال الفقر ينفع صاحبه، فربما لو وجد شخص القدرة على فعل ما يشتهي لهلك، وإن صبر لقي شدة في معالجة الصبر، وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء، فقد تفتن بالمال أعظم من فتنة الفقر. الثانية: أن المال يدعو إلى التنعم في المباحات، فالذي معه مال فوق حاجته الضرورية يريد أن يشتري كل شيء تقع عينه عليه، فقد يكون عنده شقة فيها ثلاث غرف فيشتري ما يكفي عشر غرف؛ لأن المال فاض عنده، وعينه تشتهي قبل قلبه ويديه، فإذا نظرت عينه إلى شيء أراده، فهو متنعم ومترف في حياته، حتى يصير التنعم والرفاهية عادة له وإلفاً، فلا يصبر عنها، وربما لم يقدر على استدامتها إلا بكسب فيه شبهة، ولو انقطع عنه هذا المال في يوم من الأيام فلن يستطيع أن يصبر على مر الجوع مرة أخرى، فلو أن رجلاً راتبه ألف جنيه في كل شهر، ثم خفض إلى خمسمائة جنيه لأصابه الشقاء، ولو أن رجلاً عاش ألف عام بخمسين جنيهاً ثم أعطيته في شهر ستين جنيهاً فسيشعر بفرحة ليس بعدها فرحة؛ لأنه في ازدياد، فهو يرفعه من مستوى أقل إلى مستوى أعلى، وأما الذي اعتاد على معدل إنفاق مرتفع فلن يستطيع أن ينزل عنه؛ لأنه كيّف حياته وهيأها على أن يعيش بهذا المال كل شهر، فهو لا يستطيع النزول عن ذلك، فلا بد أن تسول له نفسه الحصول على المال ولو عن طريق الشبهة أولاً، فإن استمرأ الحصول على المال المشتبه بين الحل والحرمة سهل عليه بعد ذلك أن يقع في الحرام الصريح؛ لأن استمراء الشبهات يؤدي إلى الوقوع في الحرام، كما أخبر النبي ﵊. الثالثة: وهي التي لا ينفك عنها أحد، أن كثرة المال تلهي عن ذكر الله تعالى، وهذا أمر يعلمه كل من معه مال، وهذا هو الداء العضال، فإن أصل العبادات ذكر الله تعالى والتفكر في جلاله وعظمته، وذلك يستدعي قلباً واعياً فارغاً، وصاحب المال قلبه ليس فارغاً في الغالب، فمثلاً الذي عنده أراض كثيرة جداً يمسي ويصبح مفكراً في خصومة الفلاحين، فهو يفكر كيف يتعامل مع الرعاة والفلاحين، ويفكر في محاسبتهم، وفي خيانتهم له، وفي منازعة شركاء الحدود والماء، وأعوان السلطان يفكرون في الخراج، والوزراء يفكرون في العمارة أو غير ذلك، وصاحب العمارة يفكر كل يوم في الإيجار، وفي كل شهر يقضي أياماً في محاسبة المتأخرين، ولا يتفرغ فيها لذكر الله، وربما نقر الفرائض نقراً. وصاحب التجارة يمسي ويصبح وهو يفكر في خيانة شريكه، وتقصيره في العمل، وهل يسرقه أو لا؟ وهل كسب أم خسر؟ وفي حالة الكسب يفكر ماذا يصنع بالمال؟ وفي حالة الخسارة كيف يعوضها؟ فهو في شغل وتفكير دائم، فكثرة المال من أشد أضراره أنه يلهي عن ذكر الله تعالى، بل حتى لو وضع في دهليز البيت داخل حفرة عظيمة فإنه يفكر هل سيصل إليه الماء فيتلفه أم لا؟ وهل الذين أحضروا معه المال سينسون هذه المسألة أم لا؟ وهل الجن سيعرفون هذا الطريق أم لا يعرفونه؟ وهل يمكن أن يدل الجن الأنس عليه، ويحفرون عليه في الليل ويأخذونه؟ فمع أن المال مدفون وتحت يده ولا يعرف مكانه إلا الله ثم هو، فهو يشغل باله به

стр. 141

حقيقة الفقر وما ينبغي على الفقير التحلي به من الآداب ليعلم أن الفقر محمود وممدوح وليس مذموماً، ولكن ينبغي للفقير أن يكون قانعاً، وهذه مسألة مهمة ومطلوبة جداً، فيقنع بما قسم الله له، ولا يتطلع ولا ينظر إلى من فوقه، بل كلما ازداد فقراً فلا بد وأن يكون في الخلق من هو أشد منه فقراً، فلو جاع أسبوعاً ولم يجد قوتاً فليعلم أن هناك من يجلس بلا طعام أكثر من ذلك، ولا يتصور أنه أفقر الخلق. فينبغي للفقير أن يكون قانعاً، منقطع الطمع عن الخلق، غير ملتفت إلى ما في أيديهم، ولا حريصاً على اكتساب المال كيف كان، ولا يمكنه ذلك إلا أن يقنع بقدر الضرورة من المطعم والملبس. وقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه)، أي: عنده قوت يومه وهو قانع حامد. ولذلك اختلف العلماء اختلافاً كبيراً جداً في أيهما أفضل الغني الشاكر الذي يؤدي حق الله في ماله، أو الفقير الصابر على فقره؟ وخلاف أهل العلم أيهما أفضل، يدل على فضيلة الفقير الذي صبر وقنع بما آتاه الله. وقال سليمان بن داود ﵉: (قد جربنا العيش كله)، أي: خيره وشره، وغناه وفقره، وضيقه وسعته. قال: (فوجدناه يكفي منه أدناه)، أي: أقل شيء في الدنيا يكفي؛ لأنك لا تأخذ إلا قدر حاجتك، والباقي تدعه إرثاً. وقال أبو حاتم: ثلاث من كن فيه كمل عقله، وكان عاقلاً حقاً، من عرف نفسه -أي: من عرف قدر نفسه، فمهما عظمه الناس وشرفوه، ورفعوه فوق الرءوس فهو يعرف قدر نفسه، وأنه أقل من ذلك، فيتعامل مع الله ومع الخلق ومع نفسه على بصيرة من أن قدره أقل مما وضعه فيه الناس- وحفظ لسانه عن إيذاء الخلق، وقنع بما رزقه الله . فمن كانت فيه هذه الصفات فهو العاقل حقاً. وقال بعض الحكماء: أنت أخو العز ما التحفت بالقناعة. فكلما كنت قنوعاً فأنت عزيز. أما الحرص فقد نهى عنه النبي ﷺ فقال: (يا أيها الناس! أجملوا في الطلب؛ فإنه ليس للعبد إلا ما كتب له). فمهما سعيت في تحصيل الرزق أو إطالة الأجل فلن يكون إلا ما كتب لك قبل أن تولد. وفي الحديث عن ابن مسعود: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك)، و (٣×٤٠=١٢٠). قال: (ثم يرسل إليه ملك الأرحام، ويؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعي) فرزقك مقسوم لك، وحياتك مقسومة لك. وفي الحديث عند الحاكم وابن حبان وغيرهما بسند صحيح: أن النبي ﵊ قال: (إن روح القدس نفث في روعي وقال: يا محمد! اعلم أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته). فقد ذكر الحديث شيئين يخاف الناس عليهما، وهما: العمر، والرزق، مع أن العمر مقسوم، والحرص عليه لا يقدم ولا يؤخر شيئاً، والرزق مقسوم، ولن يقدم الإنسان أو يؤخر منه شيئاً، فالمطلوب أن يسعى الإنسان سعياً حلالاً، فهو لن يأخذ إلا ما قسم له، فلماذا يحرص المرء على جمع المال الزائد من غير حله ويضعه في غير حله؟! وقد قيل: لو قيل للطمع: من أبوك؟ لقال: الشك في المقدور. أي: الشك فيما قدره الله تعالى وقسمه لي. ولو قيل له: ما حرفتك؟ قال: اكتساب الذل. فالذي يحرص على جمع المال لا بد أن يكون ذليلاً لأصحاب المال. ولو قيل له: ما غايتك؟ لقال: الحرمان. فلو أنه وقع على صاحب مال لذل له؛ حتى يحصل على المال ولو كان قليلاً، والكل يمنع عنه المال، فهو يسأل الناس جميعاً، فهذا يعطيه وذاك لا يعطيه، حتى يألف السؤال والذل. والمتسول هو أذل الناس، مع أنه لا يعتقد أنه ذليل، ولا يتصور أنه ذليل، وربما تصور هذا وشعر به في أول حياته التسولية، ولكن مع كثرة السؤال واستدامة الذل والصغار عند الخلق يألف ذلك، حتى تكون حياته كلها ذلة وصغار.

стр. 142

علاج الحرص والطمع في المال وطرق اكتساب القناعة أما علاج الحرص والطمع واكتساب القناعة فهذا لا يكون إلا بالصبر على الفقر، والعلم بفضل القناعة عند الله، والعمل على أن يكون عزيزاً غير ذليل، ولا يكون ذلك إلا بأسباب، منها:

стр. 143

الاقتصاد في المعيشة الأول: الاقتصاد في المعيشة، والرفق في الإنفاق، فمن أراد القناعة فينبغي أن يشد على نفسه ما أمكن، فبعد أن كان لا يقنع إلا بشراء كل ثوب جميل يراه، حتى ولو لبسه مرة واحدة فقط فهنا يقنع نفسه أنه لا يلبس إلا ثوباً في الشتاء وثوباً في الصيف. وقد ورد عن الإمام أحمد أنه قال: فراش لك، وفراش لغيرك، وفراش للخادم، والرابع للشيطان. فالأول لك تنام عليه، والثاني للضيف إن احتاجه، والثالث للخادم؛ لأنك مسئول عنه، والرابع فائض لا حاجة له، فهو للشيطان. هكذا كان هدي السلف، وهذا مفهوم إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل. فالقناعة تعين العبد على استدامة العلم والبعد عن الرفاهية، ورد نفسه إلا ما لا بد منه. فإذا أراد شراء شيء وقع في نفسه سأل نفسه: هل يمكن أن تقوم حياتي بغير هذا؟ فإذا كان الجواب نعم فلا داعي لشرائه. وفي الحديث (ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر والعلانية، والصبر في الفقر والغنى، والعدل في الرضا والغضب).

стр. 144

عدم التفكير في الغد الثاني: إن يتوفر لك ما يكفيك، فلا تكون شديد الاضطرار، فإن كان عندك قوت يومك فلا تفكر في غد، فإذا عملت بطاعة الله وحصلت من المال من حله ما يكفيك في يومك، فأنت في غنى عن التفكير في غد. وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها). فإذا كان الله تعالى قسم لك الرزق والأجل، فلا بد أن تمشي متوكلاً ومعتمداً على الله ، ومن سد عنه باب الخوف على الزرق فلا ينبغي أن يضطرب قلبه؛ لأن رزقه في السماء، وليس في ذلك الباب الذي ظن أن فيه الرزق، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢].

стр. 145

معرفة فضل القناعة الثالث: أن يعرف ما في القناعة من عز واستغناء، وقد تعرض عمر بن عبد العزيز لاختبارات وامتحانات كثيرة جداً من أول ما تولى الخلافة، فقد كان من بيت كله رفاهية، والأمويون كانوا أصحاب أموال، وكانوا علية القوم، وهو منهم، فأرادوا أن يفتنوه بكل سبيل فلم يفلحوا، حتى عرضوا عليه المال والدنيا فأخذها منهم ووضعها في بيت المال، ثم لم يردها لهم. وعندما تولى الخلافة قال لزوجته: الذي ذهب شيء والذي سوف يأتي شيء آخر، فقد صرنا في موضع المسئولية، فحياتنا حياة تقشف. ولا شك أنه قد استفاد من سيرة جده عمر بن الخطاب ﵁، فقد كان عمر بن الخطاب من أغنى قريش، ولكنه في عام الرمادة -عام الفقر والجدب- الذي نزل بالمسلمين كان يأكل دون الشبع ﵁، حتى كان يقول لبطنه إذا قرقرت وأحدثت صوتاً: قرقري أو لا تقرقري، فوالله لا تذوقي السمن حتى يطعمه أطفال المسلمين لأنه في موضع المسئولية، وحفيده كذلك كان في موضع المسئولية، فـ عمر بن عبد العزيز لم يستطع أحد فتنته بأي عرض من أعراض الدنيا، والنبي ﵊ يقول: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس). فعلى المرء أن يعرف ما في القناعة من عز واستغناء، وقد كان الأعمش سليمان بن مهران الكوفي في ضرب من الفقر، وكانت توزع عليه الأموال فيدعها ولا يأخذها. وكان الحارث بن أبي أسامة أحد المحدثين الكبار جداً، ولم يكن في زمانه أفقر منه، وكان عنده من البنات ست، ومع هذا الفقر كان لا يقبل هدية السلطان، فدخل عليه صاحب السلطان وألقى بصرة في كوة في البيت، فقال الحارث لبناته: لا تمدن أيديكن إليها، فبقيت هذه الصرة أياماً كثيرة حتى عاد ذلك الرجل إلى البيت مرة أخرى، فقال الحارث: والله لم تمتد يد إلى أمانتك، خذها وانصرف، قال صاحب المال: والله لقد أخذتها من بين خيوط العنكبوت. ويقول الحارث بن أبي أسامة: وإن لي من البنات ستاً أصغرهن بلغت كذا وكذا من العمر، ولم يتزوجن لأجل الفقر، وليس عندي إلا ولد قد وضعت عليه كفني؛ انتظاراً للموت. وأحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة لما رحل في طلب الحديث إلى عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني في صنعاء انقطع عنه الزاد في الطريق فاشتغل حمالاً، يحمل للناس مقابل الأجر، فلما دخل صنعاء ولقي عبد الرزاق قال له: إنا أصحاب زراعة وإن الموسم قد حان وعندنا أموال، فخذ هذا وأنا آخذ هذا، فقال: والله لو قبلت عطية أحد لقبلت عطيتك. وأحد المحدثين كاد أن يهلك من الجوع فأرسل إليه السلطان بمال فرده، فصاحت امرأته وأولاده من خلف الجدار: خذ المال، فلم يرد عليهم، وبعد أيام منّ الله عليهم بمال فأكلوا وشربوا، ثم قال: أنتم جوعى أم شبعتم؟ قالوا: شبعنا. قال: ولو كنا أخذنا المال شبعنا أم جعنا؟ قالوا: شعبنا، قال: نحن في الحالتين إذاً شبعنا، وقد رددنا على السلطان هديته.
следующие страницы →