← Джавами‘

Джавами‘ · id 37626

دروس الشيخ حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (521 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حقيقة الفقر وما ينبغي على الفقير التحلي به من الآداب ليعلم أن الفقر محمود وممدوح وليس مذموماً، ولكن ينبغي للفقير أن يكون قانعاً، وهذه مسألة مهمة ومطلوبة جداً، فيقنع بما قسم الله له، ولا يتطلع ولا ينظر إلى من فوقه، بل كلما ازداد فقراً فلا بد وأن يكون في الخلق من هو أشد منه فقراً، فلو جاع أسبوعاً ولم يجد قوتاً فليعلم أن هناك من يجلس بلا طعام أكثر من ذلك، ولا يتصور أنه أفقر الخلق. فينبغي للفقير أن يكون قانعاً، منقطع الطمع عن الخلق، غير ملتفت إلى ما في أيديهم، ولا حريصاً على اكتساب المال كيف كان، ولا يمكنه ذلك إلا أن يقنع بقدر الضرورة من المطعم والملبس. وقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه)، أي: عنده قوت يومه وهو قانع حامد. ولذلك اختلف العلماء اختلافاً كبيراً جداً في أيهما أفضل الغني الشاكر الذي يؤدي حق الله في ماله، أو الفقير الصابر على فقره؟ وخلاف أهل العلم أيهما أفضل، يدل على فضيلة الفقير الذي صبر وقنع بما آتاه الله. وقال سليمان بن داود ﵉: (قد جربنا العيش كله)، أي: خيره وشره، وغناه وفقره، وضيقه وسعته. قال: (فوجدناه يكفي منه أدناه)، أي: أقل شيء في الدنيا يكفي؛ لأنك لا تأخذ إلا قدر حاجتك، والباقي تدعه إرثاً. وقال أبو حاتم: ثلاث من كن فيه كمل عقله، وكان عاقلاً حقاً، من عرف نفسه -أي: من عرف قدر نفسه، فمهما عظمه الناس وشرفوه، ورفعوه فوق الرءوس فهو يعرف قدر نفسه، وأنه أقل من ذلك، فيتعامل مع الله ومع الخلق ومع نفسه على بصيرة من أن قدره أقل مما وضعه فيه الناس- وحفظ لسانه عن إيذاء الخلق، وقنع بما رزقه الله . فمن كانت فيه هذه الصفات فهو العاقل حقاً. وقال بعض الحكماء: أنت أخو العز ما التحفت بالقناعة. فكلما كنت قنوعاً فأنت عزيز. أما الحرص فقد نهى عنه النبي ﷺ فقال: (يا أيها الناس! أجملوا في الطلب؛ فإنه ليس للعبد إلا ما كتب له). فمهما سعيت في تحصيل الرزق أو إطالة الأجل فلن يكون إلا ما كتب لك قبل أن تولد. وفي الحديث عن ابن مسعود: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك)، و (٣×٤٠=١٢٠). قال: (ثم يرسل إليه ملك الأرحام، ويؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعي) فرزقك مقسوم لك، وحياتك مقسومة لك. وفي الحديث عند الحاكم وابن حبان وغيرهما بسند صحيح: أن النبي ﵊ قال: (إن روح القدس نفث في روعي وقال: يا محمد! اعلم أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته). فقد ذكر الحديث شيئين يخاف الناس عليهما، وهما: العمر، والرزق، مع أن العمر مقسوم، والحرص عليه لا يقدم ولا يؤخر شيئاً، والرزق مقسوم، ولن يقدم الإنسان أو يؤخر منه شيئاً، فالمطلوب أن يسعى الإنسان سعياً حلالاً، فهو لن يأخذ إلا ما قسم له، فلماذا يحرص المرء على جمع المال الزائد من غير حله ويضعه في غير حله؟! وقد قيل: لو قيل للطمع: من أبوك؟ لقال: الشك في المقدور. أي: الشك فيما قدره الله تعالى وقسمه لي. ولو قيل له: ما حرفتك؟ قال: اكتساب الذل. فالذي يحرص على جمع المال لا بد أن يكون ذليلاً لأصحاب المال. ولو قيل له: ما غايتك؟ لقال: الحرمان. فلو أنه وقع على صاحب مال لذل له؛ حتى يحصل على المال ولو كان قليلاً، والكل يمنع عنه المال، فهو يسأل الناس جميعاً، فهذا يعطيه وذاك لا يعطيه، حتى يألف السؤال والذل. والمتسول هو أذل الناس، مع أنه لا يعتقد أنه ذليل، ولا يتصور أنه ذليل، وربما تصور هذا وشعر به في أول حياته التسولية، ولكن مع كثرة السؤال واستدامة الذل والصغار عند الخلق يألف ذلك، حتى تكون حياته كلها ذلة وصغار.

стр. 142

علاج الحرص والطمع في المال وطرق اكتساب القناعة أما علاج الحرص والطمع واكتساب القناعة فهذا لا يكون إلا بالصبر على الفقر، والعلم بفضل القناعة عند الله، والعمل على أن يكون عزيزاً غير ذليل، ولا يكون ذلك إلا بأسباب، منها:

стр. 143

الاقتصاد في المعيشة الأول: الاقتصاد في المعيشة، والرفق في الإنفاق، فمن أراد القناعة فينبغي أن يشد على نفسه ما أمكن، فبعد أن كان لا يقنع إلا بشراء كل ثوب جميل يراه، حتى ولو لبسه مرة واحدة فقط فهنا يقنع نفسه أنه لا يلبس إلا ثوباً في الشتاء وثوباً في الصيف. وقد ورد عن الإمام أحمد أنه قال: فراش لك، وفراش لغيرك، وفراش للخادم، والرابع للشيطان. فالأول لك تنام عليه، والثاني للضيف إن احتاجه، والثالث للخادم؛ لأنك مسئول عنه، والرابع فائض لا حاجة له، فهو للشيطان. هكذا كان هدي السلف، وهذا مفهوم إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل. فالقناعة تعين العبد على استدامة العلم والبعد عن الرفاهية، ورد نفسه إلا ما لا بد منه. فإذا أراد شراء شيء وقع في نفسه سأل نفسه: هل يمكن أن تقوم حياتي بغير هذا؟ فإذا كان الجواب نعم فلا داعي لشرائه. وفي الحديث (ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر والعلانية، والصبر في الفقر والغنى، والعدل في الرضا والغضب).

стр. 144

عدم التفكير في الغد الثاني: إن يتوفر لك ما يكفيك، فلا تكون شديد الاضطرار، فإن كان عندك قوت يومك فلا تفكر في غد، فإذا عملت بطاعة الله وحصلت من المال من حله ما يكفيك في يومك، فأنت في غنى عن التفكير في غد. وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها). فإذا كان الله تعالى قسم لك الرزق والأجل، فلا بد أن تمشي متوكلاً ومعتمداً على الله ، ومن سد عنه باب الخوف على الزرق فلا ينبغي أن يضطرب قلبه؛ لأن رزقه في السماء، وليس في ذلك الباب الذي ظن أن فيه الرزق، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢].

стр. 145

معرفة فضل القناعة الثالث: أن يعرف ما في القناعة من عز واستغناء، وقد تعرض عمر بن عبد العزيز لاختبارات وامتحانات كثيرة جداً من أول ما تولى الخلافة، فقد كان من بيت كله رفاهية، والأمويون كانوا أصحاب أموال، وكانوا علية القوم، وهو منهم، فأرادوا أن يفتنوه بكل سبيل فلم يفلحوا، حتى عرضوا عليه المال والدنيا فأخذها منهم ووضعها في بيت المال، ثم لم يردها لهم. وعندما تولى الخلافة قال لزوجته: الذي ذهب شيء والذي سوف يأتي شيء آخر، فقد صرنا في موضع المسئولية، فحياتنا حياة تقشف. ولا شك أنه قد استفاد من سيرة جده عمر بن الخطاب ﵁، فقد كان عمر بن الخطاب من أغنى قريش، ولكنه في عام الرمادة -عام الفقر والجدب- الذي نزل بالمسلمين كان يأكل دون الشبع ﵁، حتى كان يقول لبطنه إذا قرقرت وأحدثت صوتاً: قرقري أو لا تقرقري، فوالله لا تذوقي السمن حتى يطعمه أطفال المسلمين لأنه في موضع المسئولية، وحفيده كذلك كان في موضع المسئولية، فـ عمر بن عبد العزيز لم يستطع أحد فتنته بأي عرض من أعراض الدنيا، والنبي ﵊ يقول: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس). فعلى المرء أن يعرف ما في القناعة من عز واستغناء، وقد كان الأعمش سليمان بن مهران الكوفي في ضرب من الفقر، وكانت توزع عليه الأموال فيدعها ولا يأخذها. وكان الحارث بن أبي أسامة أحد المحدثين الكبار جداً، ولم يكن في زمانه أفقر منه، وكان عنده من البنات ست، ومع هذا الفقر كان لا يقبل هدية السلطان، فدخل عليه صاحب السلطان وألقى بصرة في كوة في البيت، فقال الحارث لبناته: لا تمدن أيديكن إليها، فبقيت هذه الصرة أياماً كثيرة حتى عاد ذلك الرجل إلى البيت مرة أخرى، فقال الحارث: والله لم تمتد يد إلى أمانتك، خذها وانصرف، قال صاحب المال: والله لقد أخذتها من بين خيوط العنكبوت. ويقول الحارث بن أبي أسامة: وإن لي من البنات ستاً أصغرهن بلغت كذا وكذا من العمر، ولم يتزوجن لأجل الفقر، وليس عندي إلا ولد قد وضعت عليه كفني؛ انتظاراً للموت. وأحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة لما رحل في طلب الحديث إلى عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني في صنعاء انقطع عنه الزاد في الطريق فاشتغل حمالاً، يحمل للناس مقابل الأجر، فلما دخل صنعاء ولقي عبد الرزاق قال له: إنا أصحاب زراعة وإن الموسم قد حان وعندنا أموال، فخذ هذا وأنا آخذ هذا، فقال: والله لو قبلت عطية أحد لقبلت عطيتك. وأحد المحدثين كاد أن يهلك من الجوع فأرسل إليه السلطان بمال فرده، فصاحت امرأته وأولاده من خلف الجدار: خذ المال، فلم يرد عليهم، وبعد أيام منّ الله عليهم بمال فأكلوا وشربوا، ثم قال: أنتم جوعى أم شبعتم؟ قالوا: شبعنا. قال: ولو كنا أخذنا المال شبعنا أم جعنا؟ قالوا: شعبنا، قال: نحن في الحالتين إذاً شبعنا، وقد رددنا على السلطان هديته.

стр. 146

عدم النظر إلى ما عند الناس الرابع: ألا ينظر إلى حياة اليهود والنصارى وأضرابهما، فإذا نظرت إلى الواقع وجدت اليهود والفساق أغنى الناس، وترى الولد الصغير يركب سيارة من أحدث موديل، ثم ترى صاحب الدين والشرع والسجود والركوع ليس عليه نعمة من ذلك، وقد نظر عمر بن الخطاب أولاً هكذا، فقال: (يا رسول الله! ملوك الفرس والروم ينامون على الحرير وأنت تنام على الأرض؟ فقال له: يا عمر! إنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة). فهذه زينة أهل الدنيا، ومهما طالت فهي قصيرة، ومهما طالت دنياك فإن قيامتك تكون بموتك، وكم سيكون عمر الإنسان؟ ستين سنة، أو سبعين سنة في رفاهية ونعيم، ثم يشقى بعد ذلك بكفره أبد الآبدين. وأما من صبر على مُرِّ الطاعة لأجل أن يتنعم نعيماً مؤبداً أبدياً في الآخرة فهذا هو الذكي، وهو العاقل الذي هو مستغن بالله ﵎ في حياته. فانظر كيف يتنعم اليهود والنصارى وأرباب المال والحمقى، ثم انظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء والصالحين واسمع أحاديثهم وطالع أحوالهم، وانظر إلى صفوة الخلق عند الله تعالى كيف يمن عليهم بالصبر على القليل، والقناعة باليسير، ولو كان التنعم بالأكل فضيلة فإن البهيمة أكثر أكلاً من الإنسان، ولا يوجد إنسان يأكل أكثر من البهيمة، ولو كان النعيم في الشرب فالبعير يشرب قدر ما يشرب إنسان. فالغنى لا يكون إلا بالله .

стр. 147

النظر إلى من هو دونك في الدنيا الخامس: أن يعرف ما في جمع المال من الأخطار والهموم والأحزان، وينظر إلى ثواب الصابر، وينظر إلى من دونه في الدنيا، وإلى من فوقه في الدين، فإذا أردت أن تعيش حياة هنية في الدنيا فانظر إلى من هو أدنى منك، وفي جانب الدين انظر إلى من هو أعلى منك. فإذا شاهدت رجلاً يقوم الليل في كل ليلة فقم مثله فهو ليس أحسن منك، وإذا كنت فقيراً ففلان أفقر منك، ومع هذا فهو صابر وراض بما قدر الله وقسم، ولذلك كان النبي ﵊ يقول: (انظروا إلى من هو أسفل منكم -أي: في الدنيا-، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فإنه أجدر إلا تزدروا نعمة الله عليكم). ولو نظرت إلى الأغنياء فلن ترضى بما قسم الله لك، وهذه بلية عظمى، ولو نظرت إلى من هو أفقر منك فستقول: الحمد لله، أنا في حالة جيدة، فهذا عار وأنا لابس، وهو جائع وأنا شبعان، وهو عطشان وأنا ريان، ولو جلست على موائد الملوك والرؤساء والأمراء وأصحاب الأموال فستقول: أين أنا من هؤلاء الناس؟ فمهما كنت صاحب دين وليس عندك يقين ومنهاج داخل نفسك فستقول: أنا أرضى بهذه الحياة، ولا بد أن أحصل على المال ولو من الأموال الربوية، ولو سرقت. ومع ضعف الإيمان في القلب تكون النتيجة أنك تبدأ في التخلص من كل شيء، وتعيش حياة الفساق من أولها إلى آخرها. فعماد الأمر الصبر على ما قدره الله لك وقضاه، وقصر الأمل في الدنيا، وأن تعلم أن غاية صبرك في الدنيا أيام قلائل، والنبي ﵊ قال: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليل من يجاوز ذلك). ولو نظرت إلى حياة أبي لهب وحياة عمر بن الخطاب فستجد أن هذا استمر في كفره، وهذا صار خليفة للمسلمين، وأميراً للمؤمنين، وكلاهما قد مات، ولكن أحدهما يتنعم في قبره والآخر يعذب في قبره، إلى قيام الساعة، وليس هذا هو المنتهى، بل هذا ينتقل من نعيم إلى نعيم أعظم أبدي، وهذا ينتقل من عذاب إلى عذاب أعظم أبدي سرمدي؛ لأنه لم يقبل طريق الهدى، وهذا قبل طريق الهدى، فكأفأ الله كلاً بحسب عمله وبما قدم، فينبغي لمن فقد المال أن يستعمل القناعة. واعلم أن ما اختاره الله لك هو خير مما تصبو نفسك إليه، ومن وجد المال فقد وجب عليه أن يستعمل السخاء والإنفاق واصطناع المعروف، فإن السخاء من أخلاق الأنبياء، وهو أفضل أصول النجاة، وفي الحديث: (اصنعوا المعروف؛ فإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء). يعني: صناعة المعروف فيها النجاة كل النجاة من الهلاك والانحراف. وقد صح عن النبي ﵊: (أنه كان أجود الناس، وكان أجود من الريح المرسل). فقد كانت تمتد يده إلى الخير والصدقة للخلق جميعاً امتداداً أسرع من الريح التي يرسلها الله ، وما سئل عن شيء قط فقال: لا، وإن رجلاً سأله فأعطاه غنماً بين جبلين، يعني: قطيعاً كبيراً جداً من الغنم -مقدار ما يملأ بين جبلين- فأخذ الرجل هذا القطيع وذهب إلى قومه، فقال لقومه: آمنوا بمحمد، فإنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر أبداً، فأتى هذا الرجل بقومه جميعاً فأسلموا وطلبوا حاجتهم، فلم يمنعهم إياها رسول الله ﷺ . فالجود والسخاء أدخل أقواماً وأمماً في دين الله .

стр. 148

من قصص الأسخياء كان لـ عثمان على طلحة ﵄ خمسين ألف درهم، فخرج إلى المسجد، فقال له طلحة: قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال: هو لك يا أبا محمد! جزاء لك على مروءتك. وجاء أعرابي إلى طلحة فسأله وتعرف إليه برحم، وقال له: أنا أعرفك من بعيد، فقال: إن هذه الرحم ما سألني بها أحد قبلك، فأعطاه ثلاثمائة ألف درهم. وقال عروة: رأيت عائشة ﵂ توزع سبعين ألفاً في درعها، وهي ترقع ثوبها، ولم تشتر ثوباً آخر، بل رقعته، ووزعت المال الذي بين يديها في سبيل الله . وروي: أنها قسمت في يوم واحد مائة وثمانين ألف درهم بين الناس، فلما أمست قالت: يا جارية! علي فطوري -فقد كانت صائمة- فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم برة: ما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لنا بربع دينار لحماً نفطر عليه؟ قالت: لو ذكرتيني لفعلت. واشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة بن أبي معيط داره التي في السوق بتسعين ألف درهم، فلما كان في الليل سمع بكاء أهل خالد، فقال لأهله: مال هؤلاء؟ قالوا: يبكون على دارهم، فقال: يا غلام! آتهم فأعلمهم أن الدار والمال لهم جميعاً. وبعث رجل إلى عبد الله أنه وصف لعلاجه لبن البقر فابعث لي بقرة أشرب من لبنها، فبعث إليه بسبعمائة بقرة ورعاتها وقال: إن القرية التي كانت ترعى فيها لك كذلك. فهو طلب بقرة واحدة يشرب لبنها، ففوجئ بقرية من البقر. ودخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه، فجعل يبكي، فقال: ما شأنك؟ قال: علي دين، قال: كم هو؟ قال: خمسة عشر ألف دينار، فقال: هو علي. وجاء رجل إلى معن بن زائدة فسأله؟ فقال: يا غلام! ناقتي الفلانية وألف دينار فدفعها إليه وهو لا يعرفه. ومرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه، حيث لم يأت أحد ليزوره وهو مريض، وكان صاحب مال وكان يقرض الناس، فلما ذكرهم في مرضه، قيل: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين، فقال: أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر مناد ينادي في القرية: من كان لـ قيس عليه حق فهو منه في حل، فانكسرت عتبة بابه بالعشي من كثرة من جاءوا لزيارته. وقام رجل إلى سعيد بن العاص يسأله، فأمر له بمائة ألف درهم، فبكى بعد أن أعطاه المال، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي على أن الأرض تأكل مثلك، فأمر له بمائة ألف أخرى، فأخذ المائتي ألف وجلس يبكي.

стр. 149

التحذير من الشح وآثاره قال ﷺ : (لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً). وقال النبي ﵊: (أريت الجنة والنار، فرأيت أكثر أهل النار النساء). وفي الحديث عند مسلم (يا معشر النساء! تصدقن وأكثرن الاستغفار؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار). وهذا فيه إشارة ودلالة على أن الشح والغفلة عن ذكر الله أكثر في النساء من الرجال. ثم قوله: (لا يجتمع الشح والإيمان في قلب أحد أبد) قد يكون للتحذير من أن يكون المؤمن شحيحاً؛ لأن الشح في المنع أبلغ وأشد من البخل، فالبخل هو أن يبخل الإنسان بماله على نفسه أو على الناس، وأشد وأنكى من ذلك من يبخل بمال الناس على الناس، فالشحيح أعظم هؤلاء الثلاثة. فالشحيح يموت ولا يأكل، وأما البخيل فإنه إذا جاع وأحس أنه سوف يموت من الجوع فإنه يشتري ويأكل، وأما الشحيح فمن الممكن أن يموت ويهلك ولا يهون عليه أن يخرج شيئاً من جيبه يشتري به ما يأكله. والنبي ﵊ كان يقول: (اللهم أني أعوذ بك من الجبن والبخل). وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ لبني سلمة: (من سيدكم؟ قالوا: الجد بن قيس على أننا نبخله، قال: وأي داء أدوأ من البخل -أي: وهل هناك علة أعظم من علة البخل؟ - بل سيدكم بشر بن البراء بن معرور). فالبخيل لا يستحق أن يكون سيداً، كما أن الجافي الغليظ لا يستحق أن يكون سيداً. وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يطلب منه الولاية، فلما رأى النبي ﵊ يقبل الأولاد، قال: أتقبلون أولادكم وصبيانكم! إن لي عشرة من الولد والله ما قبلت واحداً منهم، فمنعه الولاية، فمن ليس في قلبه رحمة لأولاده فكيف يرحم الناس؟ وهذا الرجل هو الأقرع بن حابس ﵁. وعن النبي ﵊ قال: (ثلاث مهلكات: شح مطاع -وإذا كان الشحيح سيداً فلا بد أن يقود الأمة إلى الهلاك-، وهوى متبع -أي: الحكم بالهوى وليس بالكتاب ولا بالسنة ولا بمنهج مستقيم-، وإعجاب المرء بنفسه). وقال سلمان الفارسي: إذا مات السخي قالت الأرض والحفظة: رب! تجاوز عن عبدك في الدنيا بسخائه، وإذا مات البخيل قالت: اللهم احجب هذا العبد عن الجنة كما حجب عبادك عما جعلت في يديه من الدنيا. وقال بعض الحكماء: من كان بخيلاً ورث ماله عدوه، وإن كان هذا العدو من أقرب المقربين إليه. ونحن نسمع كل يوم أن ولداً قتل أباه من أجل أن يرث وزوجة قتلت زوجها من أجل أن ترث، ورجلاً قتل أمه من أجل أن يرث، وغير ذلك من الحكايات التي نسمع عنها في كل يوم. ووصف أعرابي رجلاً فقال: لقد صغر في عيني لعظم الدنيا في عينيه. يعني: هو عندي حقير؛ لأن الدنيا عظيمة في عينيه.

стр. 150

من قصص البخلاء روى ابن عباس ﵁ قال: كان الحاجب رجلاً من أجل العرب، وكان بخيلاً، وكان لا يوقد ناراً بليل كراهة أن يراها راء فينتفع بضوئها، وكان إذا احتاج إلى النور أوقد السراج، فإذا بصر بمستضيء أطفأه. يعني: حتى لا ينتفع به غيره. وقيل: كان مروان بن أبي حفصة من أبخل الناس، حتى كان يبخل على أهل بيته، فخرج يريد المهدي، فقالت له زوجته: ما لي عليك إن رجعت بجائزة، أي: ماذا تعطيني؟ فقال: إن أعطيت مائة ألف درهم أعطيتك درهماً، يعني: واحداً من مائة ألف، فأعطي ستين ألف درهم فأعطاها أربعة دوانق، والدانق لا قيمة له عند العرب، ومن معه دوانق فلا يعد معه مال. وكان بعض البخلاء موسراً جداً كثير المال، وكان ينظر في دقائق الأشياء، فاشترى شيئاً من الحوائج ثقيلاً ودعا حمالاً وقال: بكم تحمل هذه الحوائج؟ وكان الحمال يعرفه، فقال: بحبة قمح، فقال ذلك الثري: أنقص، يعني: لا يوجد شيء أقل من هذا، فقال الحمال: ما أقل الحبة! يعني: ما تريد أكثر من ذلك؟ فقال: لا، أنا أدري، قال: قل، قال: نشتري بالحبة جزرة، فنجلس سوياً فنأكل؛ لأن حبة القمح لا تنقسم، فنستبدل بها جزرة، فهي تصلح للقسمة.

стр. 151

درجات السخاء والبخل واعلم أن السخاء والبخل درجات، فأرفع درجات السخاء: البذل والجود والإيثار، فالسخاء هو أن تؤثر إخوانك بما في يدك، قال الله ﵎: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]. والآية هذه نزلت في أبي طلحة الأنصاري وامرأته العظيمة أم سليم ﵄، فقد نومت أولادها رغماً عنهم، وقدمت الطعام الذي هو حظها وحظ زوجها وأولادها الصغار لضيف النبي ﵊ المتعب الذي أتى من سفر طويل، وأمرت زوجها أن يطفئ السراج ويصدر أصواتاً بفمه ويده ليوهم ضيفه أنه يأكل معه، حتى يأكل الضيف جميع الطعام ويشبع، ثم لما ذهب أبو طلحة إلى صلاة الفجر قال له النبي ﵊: (لقد عجب الله من صنيعكما تلك الليلة). فهذا هو الصنيع السخي الكريم الجواد المؤثر، وأي امرأة تفعل مثل ما فعلت أم سليم الأنصارية ﵂؟ فالأخلاق عطايا ومنح يضعها الله حيث شاء في خلقه. وأشد درجات البخل: أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك المال ويمرض ولا يتداوى، ويشتهي الشهوة فيمنعه منها البخل وليس الفقر، وهذا شر المال، فصاحبه يبخل به على نفسه وعلى ولده. وليس بعد الإيثار درجة في السخاء، ففي معركة اليرموك استشهد عشرة من الرجال، سهيل بن عمرو والحارث بن هشام وجماعة من بني المغيرة، فأتوا لهم بماء فماتوا ولم يذوقوه، وكانوا إذا أتوا بالماء إلى أحدهم نظر إلى صاحبه فوجده ينظر إليه، فيأمر من بيده الماء أن يدفع الماء إلى صاحبه، فلما ذهب إلى آخرهم وجد الأول قد مات، فأتى الثاني فوجده قد مات أيضاً، وماتوا جميعاً، وهم يؤثرون بعضهم على بعض، فمر عليهم خالد بن الوليد فقال: بنفسي أنتم. وأهدي إلى رجل من الصحابة ﵁ رأس شاة فقال: إن أخي أحوج إليه مني، فبعث به إلى رجل، فبعث به ذلك الرجل إلى آخر حتى تداولته في المدينة سبعة أبيات حتى رجع إلى الأول. هذا هو الإيثار والكرم والجود والأخلاق. وخرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيها غلام أسود يعمل فيها، فأتي للغلام بقوته، فدخل كلب الحائط ودنا من الغلام، فرمى إليه قرصاً فأكله، ثم رمى إليه قرصاً آخر فأكله، ثم رمى إليه قرصاً فأكله، وعبد الله بن جعفر ينظر إلى ذلك العامل الأسود، فقال: يا غلام! كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت، قال: ما الذي حملك على أن تطعمها للكلب؟ قال: إنه كلب غريب عن المكان وقد دخل البستان، فألقيت إليه قرصاً رجاء أن يشبع فلم يشبع حتى أكل طعامي، فاشترى عبد الله بن جعفر ذلك الحائط واشترى الغلام وأعتقه لله . فصنائع المعروف تقي مصارع السوء. واجتمع عشرة من الفقراء في موضع لهم وبين أيديهم ثلاثة أرغفة لا تكفيهم، فكسروها وأطفئوا السراج وجلسوا للأكل -والثلاثة الأرغفة لا تكفي لأحدهم- فلما رفع الطعام إذا هو بحاله، لم يأكل أحد منه شيئاً إيثاراً لأصحابه.

стр. 152

تعريف البخل وأسبابه وأسباب حب المال البخل: هو أن تمنع ما كان مشهوداً عرفاً أنه من المروءة، وأنت قادر على ذلك. وسبب البخل حب المال، ولحب المال سببان: الأول: حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل، وإن كان قصير الأمل وله ولد قام الولد مقام قصر الأمل، فيكون كل همه أن يجمع المال لأولاده. الثاني: حب المال لذات المال، فهو يفرح بجمع المال، ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب. فهو يحب المال لذات المال، وفي الأخير يرحل عنه ويسأل عنه كله يوم القيامة، في الوقت الذي لم ينتفع بشيء منه، فهو في منتهى الغباء، يجمع المال ولا ينتفع منه بشيء ويسأل عنه، فأي عقل وأي قلب هذا؟ نسأل الله العافية والسلامة. ثم إنه مع جمعه للمال لا تسمح نفسه بإخراج الواجب عليه، ولا حتى إخراج الزكاة، وهو يعلم أنه إذا مات أخذه أعداؤه، أو ضاع إن كان مدفوناً. وحب المال لذات المال لا يمكن علاجه، ومثال ذلك: رجل أحب شخصاً، فلما جاءه رسول ذلك الشخص أحب الرسول ونسي محبوبه واشتغل بالرسول، فهذا يحب الدنانير لذاتها وينسى الحاجات، وهذا غاية الضلال. واعلم أن علاج كل علة بمضادها ومضاد أسبابها، فيعالج حب الشهوات بالقناعة والصبر، وقصر الأمل في الدنيا بكثرة ذكر الموت، ويعالج احتياج القلب إلى غير الله بأن من خلقه خلق معه رزقه، وكم ممن لم يورث شيئاً أحسن حالاً ممن ورث، ولو أنك فقير وليس معك مال ولكنك غني بالله وبدينك، فأنت أغنى من ذلك الرجل الذي كان يعطي ولده في اليوم الواحد خمسمائة جنيه، فأنت مع فقرك أحسن منه وأغنى منه؛ لأنك غني بالله. فهو يقدم لولده الخير ويقدم هو على الله بشر، فإن كان ولده صالحاً فالله يتولاه، وإن كان فاسقاً فلا يترك له ما يستعين به على المعاصي. أقول قولي هذا، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا.

стр. 153

ندوة حول قانون الخلع يسعى العلمانيون إلى هدم أحكام الشريعة الإسلامية عبر قوانينهم وتشريعاتهم، والتي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن ذلك فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية في مصر وقانون الخلع وغيره، هؤلاء هم أبواق لليهود والنصارى، فأسيادهم من اليهود والنصارى عقدوا المؤتمرات الدولية باسم المرأة والسكان، وهدفهم تدمير الأسرة المسلمة المبنية على الطهر والعفاف، بينما أسرهم مفككة مدمرة، فأرادوا تدمير كيان البيت المسلم، فينبغي الحذر من هؤلاء وأذيالهم من بني جلدتنا.

стр. 154

أنواع الفتن وأسبابها والمخرج منها بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثبت عنه ﵊ أنه قال: (ستكون فتن وستنقض عرى الإسلام عروة عروة، وسيكون أولها نقضاً الحكم، وآخرها الصلاة). وهذا بلا شك ثابت وواقع في الأمة، حتى إنه لواقع ملموس لكل أحد منا، فالحكم قد نقض منذ زمن طويل، ولا تكاد تجد خاشعاً، فثبت منها معلم من معالم النبي ﵊ أنه قال: (وستنقض عرى الإسلام عروة عروة). وصح عند البخاري من حديث حذيفة أنه قال: (بينما نحن جلوس عند أمير المؤمنين عمر ﵁ إذ قال: أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا يا أمير المؤمنين! قال: ماذا قال؟ قال: إن فتنة الرجل في بيته وأهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والزكاة والحج، فقال عمر: ليس عن هذا أسألك، إنما أسألك عن الفتنة التي تموج موج البحر. فقال حذيفة: مالك وإياها يا أمير المؤمنين! إن بينك وبينها باباً. فقال أمير المؤمنين: أيكسر أم يغلق؟ فقال: بل يكسر. قال: لا أبا لك. قل: يغلق. قال: لا يا أمير المؤمنين! بل يكسر، فقيل لـ حذيفة: ما هذا الباب؟ قال: عمر). أي: عمر سد منيع ﵁ بين حياته وبين وقوع الفتن للأمة التي لا ترتفع عنها إلى قيام الساعة. هذا الأثر يبين أن الفتن نوعان: فتن تمر وتكفرها الطاعات، وفتن أخرى لا تكفرها الطاعات، بل هي تموج موج البحر، وربما تستأصل شأفة المسلمين من جذورها. ومرد الفتن كما يتفق على ذلك أهل العلم إما إلى شهوة أو إلى الشبهة، فإن كان أصل الفتنة شبهة فإن هذه الأمة تحتاج إلى تعليم وإلى علم صحيح مرده إلى كتاب الله وسنة رسوله. كما يقول ابن القيم عليه رحمة الله: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول سفيه فهذه مصادر العلم الصحيحة المعتبرة لدى أهل العلم من أهل السنة: قال الله. قال رسوله. قال الصحابة. الإجماع. أما إذا كان أمر الفتنة شهوة فهذا هو الموت والخطر؛ لأنه يحتاج إلى تقوى من العبد؛ ولذلك يقول ابن خلدون في مقدمته: إن العرب بالذات من بني آدم لا يهنئون إلا بشرع، حيث لا يقادون إلا بوازع ديني من ذاتهم. هذا الوازع الديني لا يمكن أن يتأتى إلا من قبل الوحي؛ ولذلك إذا انتبه العبد لوحي السماء وحط العبودية الكاملة لله ، فإنه يطبق شرع الله بينه وبين نفسه، وبينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق دون أدنى رقابة عليه من الخلق، فإذا فقد العبد التقوى فإن قوى الأرض بأكملها لا يمكن أن تحمل العبد على أن يطبق قانوناً واحداً.

стр. 155

أهداف انعقاد المؤتمرات حول المرأة والسكان والتوصيات الناتجة عنها إذا أردنا أن نضع النقاط على الحروف من أول وهلة لقلنا: إن قانون الخلع الذي سنه العلمانيون إنما هو كلمة حق مشبوهة وقاصرة، ومع هذا أريد بها باطل، وإلا فلنا السؤال لماذا الخلع بالذات؟ الخلع في دين الله لا يختلف عليه قاص ولا دان، لكن لماذا هو بالذات وفي هذا التوقيت كذلك بالذات؟ لابد أن وراء الأكمة ما وراءها؛ ولذلك انعقد المؤتمر في باريس سنة (١٩٥١م) ليقرر: هل المرأة آدمية أم حيوان؟ ثم تفضل المؤتمر مشكوراً بتقرير أن المرأة آدمية، وهذه نتيجة تعد طيبة في عالم الغرب؛ لأنهم يتعاملون معها كأي سلعة أو متاع، فكونهم أقروا بأنها آدمية لها حقوق فهذا شيء طيب، ربما لم تصل الجاهلية إلى هذه النتيجة قبل بعثة النبي ﵊، ثم توالت المؤتمرات حتى انعقد مؤتمر بكين، وكانت له من التوصيات ما له، ومرد هذه التوصيات ومفادها هدم الأسر المسلمة بالذات؛ لأنهم يغارون أشد الغيرة من قيام النظم الاجتماعية بين أفراد المسلمين في بلاد المسلمين، فغاظهم ذلك وأكلهم حسدهم وبغضهم على المجتمع الإسلامي، فلابد أن يصل المجتمع الإسلامي إلى ما وصل إليه المجتمع الغربي والأوروبي والأمريكي من التفكك والإنهيار بأي سبيل كان، إما بقوة وإما بتلك الثقافة، فلما فشلوا في إفساد هذا المجتمع بالقوة لجئوا بعد ذلك إلى هذه الثقافات، فزرعوا في بلاد المسلمين أعواناً لهم يُعملون في الأمة الإسلامية أكثر مما يعمله هؤلاء المجرمون.

стр. 156

توصيات مؤتمر السكان المنعقد في مصر آخر هذه المؤتمرات المؤتمر الذي سمي بمؤتمر السكان والمنعقد في مصر، وكان من بين التوصيات التي خرج بها هذا المؤتمر إلغاء الميراث، والأزهر بل والدوائر الحكومية قالت: إن أي مخالفة في هذا المؤتمر لقانون السماء لا تلزم أصحابها، لكني أخشى أن يكون هذا كلاماً على ورق، وإلا فالواقع العملي يقول: بأن الأمة الآن وخاصة مصر تمدد هذه التوصيات شيئاً فشيئاً، فكان من بين التوصيات: إلغاء النفقة، والمساواة بين الرجل والمرأة. وكان منها كذلك: إغفال الدين وتجاهل القيم السماوية، والعمل على هدم الأسرة المسلمة، ورفع ولاية الآباء على الأبناء، وتُرجم هذا فيما يسمى الآن بالزواج العرفي بين الفتيات والشباب، وإن شئت فقل: بين الطلبة والطالبات في الجامعات وفي الثانوية، بل وفي الإعدادية، الولد يذهب إلى الفتاة وإن شئت فقل: تذهب الفتاة إليه، فتقول: وهبتك نفسي، وهو يقول لها: وهبتك نفسي، ثم يأتيان على ذلك بشاهدين من نفس الفصيلة، وفي شقة مهجورة أو مفروشة يتم الوفاق، وإن شئت فقل: يتم الزنا باسم الزواج العرفي، بغير إعلان ولا إشهار وربما بغير صداق، ولكن البلية أنه بغير ولي، وأنتم تعلمون أن المذهب الراجح والصحيح عدم صحة النكاح إلا بولي، وهو مذهب الجمهور خلافاً للأحناف، وعند الأحناف ما عندهم من الشبه؛ ولذلك العدل أننا نقضي بأن الزواج الذي يتم على مذهب الأحناف بغير ولي زواج فاسد وليس باطلاًَ وبينهما فرق. وكذلك من توصيات هذا المؤتمر إباحة الزنا وإباحة الإجهاض، وإذا أُبيح الزنا فلابد لزاماً من إباحة الإجهاض؛ ولذلك تتكرر الأسئلة بالليل والنهار وتطرح على مسامع الدعاة والشيوخ والعلماء من الأطباء والطبيبات وغيرهم: ما حكم الإسلام في الإجهاض جائز أم لا؟ وما حكمه قبل الأربعين يوماً أو قبل المائة والعشرين يوماً، أو بعد هذه المدة؟ الأسئلة كثيرة جداً في هذا المجال؛ لأن هذا الذي تفعله تلك الفتاة أو هذا الشاب يحيك في صدرها أنه زنا وأنه ليس زواجاً صحيحاً؛ ولذلك يتواصى الشباب والفتيات فيما بينهم بكتمان هذا الذي يسمونه زواجاً عرفياً، ولذلك الولي يفاجأ إذا تقدم لابنته رجلاً لخطبتها أو لنكاحها؛ يفاجأ بأن ابنته قد تزوجت من قبل، وربما تزوجت بدل الواحد اثنين وثلاثة وأربعة، وترى أن هذا من تنفيذ مؤتمر السكان في تقرير مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، فلها كذلك أن تعدد، كما أن للرجل أن يعدد، وهذا بلاء عظيم جداً، لا أقول: فهماً مخلوطاً ولا مغلوطاً، ولكنه الإلحاد بعينه والكفر بشريعة الرحمن ﵎. فالإجهاض لا يتم لإباحة الزنا؛ ولذلك لا نعدم قوانين في المستقبل تبيح الإجهاض مطلقاً بغير قيد ولا شرط. وكان من مؤتمر الإسكان كذلك أنه حارب الختان، لا أقول: منع الختان، وإنما حارب الختان؛ يقولون: الختان مسألة خلافية، وهل يجرم أو يحارب المخالف؟ وهل تصادر أقوال المخالف؟ مع أن المخالف في هذه القضية معه الأدلة، وإذا اختلف أهل العلم في قضية بين الوجوب والاستحباب، فلا أقل من أننا نقول: إن الختان مشروع؛ لأن هذه الأقوال التي تقدم بها أهل العلم سلفاً وخلفاً كلها تقضي بمشروعية الختان، ولكن المشروعية اختلفت بينهم، فمن قائل بالوجوب ومن قائل بعدم ذلك، لكن لم يقل أحد منهم بالتحريم. والعجيب أن كبيراً من كبارهم، وهو أحد رجال جامعة الأزهر الشريف، وعضو بينهم، يقول: ليس في الصحيحين ولا في أحدهما ولا في كتب الحديث كلمة واحدة توحي من قريب أو بعيد بمشروعية الختان، مع أنه قد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي ﵊ قال: (إذا جلس الرجل بين شعبها الأربع ومس الختان الختان)، وفي رواية: (وجاوز الختان الختان فقد وجب الغسل). وفي حديث علي عند أحمد وغيره: (إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل أنزل أم لم ينزل)، فأثبت النبي ﵊ أن في هذين الحديثين ختاناً. وقوله ﵊ لـ أم عطية الأنصارية لما دخلت المدينة فوجدها كانت تعمل هذا العمل، وكانت مشهورة به، وهو إجراء الختن للنساء، فقال النبي ﵊ لها مرشداً وموجهاً: (أشمي ولا تنهكي)، يعني: خذي القدر الزائد فقط (ولا تنهكي) أي: ولا تستأصليه بالكلية فيضر. ولسنا بصدد بيان مشروعية الختان، وإلا فقد رددت على شيخ الأزهر وعلى الدكتور أحمد عمر هاشم وغيرهما ممن سار في ركاب القوم وأنكر مشروعية الختان، وقال: إن الختان عادة فرعونية، على فرض أنه عادة فرعونية، وسنسلم لكم جدلاً بأنه عادة فرعونية، أنتم تحترمون الفراعنة بالليل والنهار، وتظهرون مآثر الفراعنة بالليل والنهار، فلم لا تحترمونهم في مثل هذا، إلا أنه خالف هواهم، فلا أنتم تعبدون الله ولا تتبعون الفراعنة، وإن شئت فقل: ولا لكم نبي تحترمونه؛ لأنكم لو أسلمتم حق الإسلام لانقدتم تمام الانقياد لله ورسوله، لكن لما فاتكم هذا وذاك تخبطتم وتحيرتم هنا وهناك، فإذا

стр. 157

المادة (١٧) من قانون الأحوال الشخصية في مصر والرد عليها المادة (١٧) من قانون الأحوال الشخصية تقضي بسن الزواج للفتاة ستة عشر عاماً والولد ثمانية عشر عاماً، والأصل أن ذلك مرهون بالقدرة؛ لقوله ﵊: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصيام؛ فإنه له وجاء)، فهذا النكاح مشروط بالقدرة وليس مشروطاً بسن معينة؛ ولذلك ارتفع هذا السن إلى إحدى وعشرين سنة من جانب الولاية، فالبنت بعد هذا السن حرة في نفسها، مع أن هذا على خلاف المذهب الصحيح، والنبي ﵊ يقول: (الثيب تستأمر -أي: يستأمرها وليها- والبكر تستأذن وإذنها صماتها) أي: سكوتها، فإن سكتت فهو بمثابة الإذن، وإن ردت على وليها نكاح هذا الناكح لا يحل له أن ينكحها إياه؛ ولذلك: (أتت امرأة إلى النبي ﵊ فقالت: يا رسول الله! إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، فرد النبي ﵊ هذا النكاح، فقالت المرأة: لا يا رسول الله! ما هذا أردت، إنما أردت أن أعلم النساء أن لهن في أنفسهن أمراً)، يعني: المرأة حرة في نفسها، لكن لابد أن هذه الحرية مندرجة تحت إمرة وليها، سواء كانت ثيباً أو بكراً. وقد كان بين عبد الله بن عمرو بن العاص وبين أبيه من العمر اثنا عشر عاماً، وجاء في (الأم): أن الشافعي رحمه الله تعالى قال: رأيت جدة عندها من العمر إحدى وعشرين سنة، هذه الجدة لا تصلح في قانون الأحوال الشخصية أن تكون زوجة لأول مرة. والخلع وإن كان مشروعاً في الإسلام، إلا أنه مشروع في أضيق الحدود، وهو مرهون بتقوى الله . وباعتقادي أن قانون الخلع الجديد فيه فائدة، وفائدته ربما تكمن في أن كل رجل من المسلمين يعلم المرأة التي تحته، أهي امرأة حقاً أم أنها شيطانة؟ فإذا اختلعت منه المرأة لأدنى سبب يمكن علاجه وغير ذلك، فهذه المرأة كما يقال: ذهبت أم عمرو بحمارها فلا رجعت أم عمرو ولا رجع الحمار نعم، خلو البيت منها منفعة عظيمة؛ لأن هذه المرأة لا تؤتمن على الأموال فضلاً عن ائتمانها على الأولاد، نعم هي تذهب إلى الجحيم إن شاءت، والله ﵎ لها بالمرصاد، فإن كانت محقة في طلبها للخلع فالله ﵎ يخلف عليها بخير من زوجها ويخلف عليه بخير منها. أما إذا كانت غير محقة فإن الله ﵎ يسخر لها من يذيقها المر بالليل والنهار، ينتقم منها انتقاماً لا يعلمه إلا الله ، أتظنون أن الله ﵎ يغفل أو غافل عما يعمل الظالمون؟ كلا وحاشا.

стр. 158

المادة (٢١) من قانون الأحوال الشخصية في مصر والرد عليها المادة (٢١) من هذا القانون يجعل العصمة بيد المرأة، والرجل هو الذي صار مهدداً، فالله جعل الرجال قوامين على النساء؛ لأن الرجل أملك لنفسه وأملك لغضبه، ويكلف بما لم تكلف به المرأة، وتقع عليه من التبعات ما لا تعلمها المرأة وغير ذلك، فالرجل عليه من التبعات ما ليس على المرأة؛ ولذلك جعل الله العصمة بيده؛ لأنه أملك لها. ولو كانت العصمة بيد المرأة فإنها لأدنى غضب وأقل إثارة تترك البيت، وتشرد الأولاد، والحكيم اللطيف الخبير الذي خلق الخلق ويعلم ما يصلحهم وما يفسدهم هو الذي شرع هذا، ولكي نسمى المسلمين حقاً فلابد أن نقول كما قال سلفنا: سمعنا وأطعنا، ولا نقل كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، سمعوا بآذانهم ولم يخلص إلى قلوبهم، فلم يؤمنوا الإيمان الكامل التام، إنما عندهم من الإيمان ما يؤهلهم للثبوت على أول درجة من درجات الإسلام.

стр. 159

المادة (٢٢) من قانون الأحوال الشخصية في مصر والرد عليها المادة (٢٢) حددت العدة عدة المرأة التي تحيض بستين يوماً، والشرع إنما أخبرنا بأن عدة الحائض ثلاثة قروء، على خلاف بين أهل العلم، هل القرء طهر أم حيض؟ فثلاثة قروء ربما لا تقل عن تسعين يوماً أو ثمانين يوماً، ولكن هذا القانون الجديد يحدد بستين يوماً. وأما التي أيست من المحيض فعدتها تسعون يوماً، والدليل على ذلك من كتاب الله ومن سنة رسوله ومن إجماع أهل العلم. وقضية القضايا وبلية البلايا أنهم يقولون: إن هذا التحديد مشروط بأول يوم سجل فيه الطلاق، فربما لم يسجل الطلاق بعد هذه المدة بمدد عظيمة ستتضرر المرأة بتأخيرها ستين يوماً أو تسعين يوماً عن النكاح، وربما يسجل من يوم الطلاق على يد مأذون أو في جهة رسمية تتولى هذا فلا تكون هذه المدة كافية للعدة التي شرعها الله ، فهذا كذلك مخالف. وكما قلنا: هذا القانون يشجع الزواج العرفي، وإن شئت فقل: يشجع الزنا ويكون سبباً في انتشار الفاحشة وإبطال حق الولي في زواج ابنته، والولاية شرط في صحة النكاح كما اتفقنا. وكذلك الخلع الذي يسمونه؛ كفيل بجلب حق المرأة لها، أو بالدفاع عن المرأة وإثبات حقوقها، هو من وجهة نظر أهل العلم مضر بحق المرأة في الغالب، فالذي جعلهم يشرعون هذا القانون الفاسد المعوج في إثبات حق المرأة للخلع حين وقوع الضرر عليها، يجعلهم يشرعون قانوناً شرعياً يُلزم القاضي بإيقاع التطليق على الرجل إذا وقع الضرر على المرأة، والمرأة لا تستطيع أن تتخلص منه؛ ولذلك في غالب القضايا التي رفعت في المحاكم إلى الآن والتي قضى فيها القاضي بالخلع كان حقه أن يقضي فيها بالطلاق؛ لوجود الضرر الواقع على المرأة وبينهما فرق، فالخلع يحرم المرأة من أي حق، أما الطلاق فيثبت للمرأة الحقوق على اختلاف أحوالها إذا كانت حاملة أو عندها أولاد، أو لم يكن عندها ولد، وهذا القانون كذلك يهدف بالطلاق الأسري، فهو -أي: الطلاق الأسري- في مهب الريح. وفي نهاية كلامنا نقول: إن قانون الخلع هو صناعة أمريكية بحتة، وهو تنفيذ توصيات مؤتمر بكين الخبيث؛ ولذلك تقول نوال السعداوي ومعها كذلك فريدة النقاش: إن هذا القانون موافق تمام الموافقة لمؤتمر بكين، وهو استمرار لمؤتمر السكان بمصر المنعقد في (١٩٩٤م)، لم تقل فريدة النقاش ولا نوال السعداوي وهما من هما، معروفتان بعدائهما للإسلام، وأنا دائماً أحب أن أضع النقاط على الحروف، أقول: هما معروفتان بالردة منذ أمد بعيد. هذا القانون موافق لمؤتمرات السكان أو لمؤتمر بكين، والذي يقضي بخراب العالم وانتشار الشذوذ وغير ذلك، أنتم تعلمون هذه الحادثة التي نشأت في الزقازيق إذا صح ما تنقله هذه الصحافة، وعلى أية حال نحن لا نأخذ ديننا من هؤلاء؛ لأنهم أهل فسق ونفاق، والأصل أن عدالتهم ساقطة، وعدالة الراوي شرط في قبول خبره، فهؤلاء ليسوا أهلاً. وإذا صح ذلك فهو أثر سيئ من آثار المؤتمر السكاني، رجل يتزوج برجل، أمر عجيب في بلد العلم والإيمان في مصر، بلد الأزهر وبلد المليون مأذنة، رجل يتزوج برجل، ثم يدافع وينافح ويتبجح في وجه القاضي ويقول: أنا حر، سبقتنا إليه لندن ودول أوروبا، وهذا أمر عجيب جداً، بل هذا يجب أن يعدم في ميدان عام على الهواء مباشرة حتى يكون عبرة لمن اعتبر.

стр. 160

نظرة قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر للزواج والطلاق القانون الجديد لا ينظر للزواج ولا للطلاق وإن استوفى الشروط والأركان، إلا إذا كان مسجلاً في الأوراق الرسمية لدى الحكومة، إذا قلت لك الآن: زوجني أختك أو بنتك أو أمك، قلت: أزوجك إياها، أو زوجتك إياها، وأنا قلت: قبلت، بمعنى أن الإيجاب والقبول في حضرة الولي والشهود والإعلام وتحديد المهر أو تسمية المهر وغير ذلك، هذا النكاح ينعقد، وهذه الحكومة لا تعترف به، ولو قال رجل لامرأته: أنت طالق وأشهد على ذلك يقع الطلاق، لكن الحكومة لا تعترف به حتى يكون مسجلاً في الأوراق الرسمية. فأين احترام الحكومة واحترام السلطات لشرع الله ؟ وهم يدعون أن هذا القانون قانون شرعي (١٠٠%)، ويساعدهم على ذلك كلاب يتكلمون بألسنتنا ويدينون بديننا ولم يفهموا القضية، وإن شئت فقل: هم فهموها جيداً، ولكن هذه فتاوى مدفوعة الثمن مقدماً. بلاء عظيم جداً أن يبتلى الإسلام من أبنائه ومن بني جلدته، لأن فتنة العالم فتنة للعالم كله. أما فتنة السلطان فقل أن يتقبلها أحد، أما العالم فإنه أمام الناس وأمام العامة عالم، ومحسوب على الناس عالم، فيجب أن يكون عنده من التقوى والورع ما يؤهله لتنفيذ أوامر الله ، وحمل الناس على الانتهاء عما نهاهم عنه ربهم ﵎. فلابد أن يقع الطلاق، وهو الذي تمر به الأمة الآن، والخلع وإن سلمنا بأنه دين، لكنه مشوه، قدمتموه للناس على طبق مكسر مهدم مشوه، هب أنه دين وسنسلم به، هل هو دين الله فقط الذي جاء به محمد ﵊؟ لماذا لم تطبقوا شرع الله كله؟ لماذا لم تطبقوه، بل اكتفيتم من دين الله بالخلع؛ بإثبات أنه من الدين، عندكم الحدود، المجتمع امتلأ بالبلايا والمصائب، حتى يعتاد المرء أن يقول: إن مجتمعات أوروبا أقل فجوراً من مجتمعات المسلمين في بلادهم، فلماذا لا تسنون القوانين التي تحرم وتجرم وتعاقب وتقيم الحد على هؤلاء الذين يمشون بالليل والنهار سكارى، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساء؟ بل قل أن تجد في الناس الآن من لا يتعاطى هذه المسكرات، كل الناس سكارى، وهذا بلاء عظيم جداً، وعلى أية حال قديماً قالوا: الحر تكفيه الإشارة، والعبد تقرعه العصا. وأنا أعتذر أني تكلمت بين يدي أستاذنا وشيخنا، والأصل ألا يتكلم الصغار بين يدي الكبار. وقد ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم من أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم هلكوا. والأصل ألا يتكلم الصغار بين يدي الكبار، وحسبي أن ابن عباس ﵄ قال لـ سعيد بن جبير: تكلم، فقال: أوبين يديك يا ابن عباس؟ قال: وما الذي يمنعك أن تتكلم، فإن أصبت دارستك وإن أخطأت قومتك، ولو لم يكن معنا هذا النص ما تجرأنا على الجلوس في هذا المقام. وأسأل الله ﵎ أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال. وأستبيح شيخنا عذراً أني تكلمت بين يديه.

стр. 161

الأسئلة

стр. 162

حكم الزواج العرفي السؤال هل الزواج العرفي القائم الآن زواج صحيح مشروع؟ وهل هو على المذهب الحنفي؟ الجواب ليس زواجاً صحيحاً مطلقاً؛ لأنه فقد أركاناً كثيرة ليس ركن الولي فحسب، واعلم أن المذهب الحنفي أقر النكاح بغير ولي، إذا كانت المرأة بالغة عاقلة رشيدة تزوجت من كفء. وعلى فرض أن الأحناف قالوا بصحة شهادة الفاسق بخلاف الجمهور، فعلى أية حال هذا نكاح -تجوزاً- على مذهب من يسميه نكاحاً عرفياً ليس هو النكاح العرفي المعلوم المشروع الذي نعرفه جميعاً منذ سنوات طويلة، وهو النكاح الذي اكتملت أركانه وشروطه ولكنه لم يسجل في أوراق رسمية. أما كونه يسجل فهذا التسجيل ليس شرطاً في صحة العقد، بل يصح العقد من غيره، وإنما التسجيل هو فقط من باب ضمان حق الزوجية، سواء كان الرجل أو المرأة، خاصة مع خراب هذه الأمة.

стр. 163

حكم انتخاب أعضاء مجلس الشعب المصري السؤال من المعلوم أن هذه القوانين تسن عن طريق مجلس الشعب، فما حكم انتخاب أعضاء مجلس الشعب، لاسيما إذا كان من بينهم أساتذة الأزهر؟ الجواب على أية حال الأزهر ليس حجة على أحد، ولا أحد حجة على الدين، إنما الحجة هي من دين الله على الخلائق، ولذلك يقولون: اعرف الحق تعرف أهله؛ لأن الحق لا يُعرف بأحد، وإنما يُعرف كل أحد باتباع دين الحق، وهذا معنى قولهم: اعرف الحق أولاً تعرف أهله. أما إذا كنت تجهل الحق فلابد أنه سيثقل عليك؛ ويلتبس عليك الحق بالباطل. أما حكم انتخاب أعضاء مجلس الشعب فالذي يترجح لدي هو عدم الجواز، خاصة في مجلس الشعب المصري؛ لأن هذا المجلس أو مجلس الفاطمية وإن كانوا وزراء وقادة وسادة، لكنهم حثالة المجتمع، هم أميون وإن تخرجوا من الأزهر، أميون وإن كانوا دكاترة، أميون وإن كانوا وزراء، هم من جهة العلم الشرعي أميون تماماً لا يعرفون شيئاً، ومع هذا هم يجهلون أنهم جهال. فهذه بلية أخرى مؤكدة، فضلاً أن هؤلاء الذين يسنون لنا القوانين لها تعلق في أمور الشرع، وفاقد الشيء لا يعطيه، فإذا كان هو أجهل من دابته، فكيف يقول لنا: إن هذا دين، وهذا ليس ديناً؟ وهذا من الفتن والبلايا التي تمر بها الأمة الآن، لا أسحب هذا الحكم أو هذا الرأي وهو رأيي الشخصي على جميع مجالس الأمة في جميع البلدان، فإن من البلدان ما قد امتنعت تمام الامتناع عن الدخول في مجلسها، وأنا في الكويت منذ أقل من سنتين دعاني أحد الأفاضل وهو الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، وهو أحد كبار العلماء في الكويت، وأصله مصري، فدعاني لحضور استجواب وزير الثقافة والتعليم في الكويت، لما أذن بدخول بعض الكتب المخالفة للإسلام في معرض الكتاب الكويتي، فقام إليه أحد أعضاء مجلس الأمة هناك وهو سلفي ليستجوبه علناً في جلسة علنية لمجلس الأمة، وكانت جميعة إحياء التراث هناك قد شنت هجوماً عظيماً على الشيخ عبد الرحمن؛ لأنه يجيز الدخول في مجلس الأمة هناك، فقالوا لي: ما رأيكم فيما يقول الشيخ؟ قلت: الشيخ أخطأ؛ لأن الدخول في مثل هذه المجالس النيابية أمر غير مشروع، ثم ناقشت الشيخ في بيته، فقال: لابد أن تحضر معي غداً مجلس استجواب الوزير، فأبيت، فأقسم علي، وفي نهاية الأمر دخلت، فإذا المجلس في الحقيقة مجلس محترم، وإن لم يكونوا أصحاب توجه شرعي، فعلى الأقل يحترمون الشرع جداً ويفضلونه جداً، ويعظمونه جداً، بل ويقفون عند حد يعلمون أنهم فيه جهال، ثم يتوجهون إلى إخوانهم من بقية أعضاء المجلس فيستفتونهم في الأمور الشرعية التي لا علم لهم بها، احتراماً وتبجيلاً وتعظيماً للشرع، هذا حدث في المجلس في الجلسة الواحدة ثلاث مرات من رئيس الجلسة، يقيم أحد أعضاء المجلس وهو رجل متفقه في دينه وسلفي صاحب عقيدة سليمة يقول له: يا فضيلة الشيخ! ماذا قلت: في كيت وكيت، ثم يضع يده على رأسه ويقول: الإسلام على رأسي من فوق. أما في مجلس الشعب المصري فالإسلام تحت نعالنا بلسان حالنا، إذا قام أحد الأعضاء على استحياء يطلب تقرير أمر شرعي يرمونه بألسنة حداد، وبالسفاهة وبالتأخر وبالرجعية وبالتنطع والتشدد تارة وغير ذلك من هذه المصطلحات التي تؤدي إلى جهنم عياذاً بالله. فالحقيقة أنا تأثرت جداً بالمجلس الكويتي، لا أقول: لما فيه من إسلام، لكن لما فيه من أدب واحترام لآدمية البشر، فقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق هذا يا أخا الإسلام المجلس الذي قلت بجواز الدخول فيه، لم أقل بجواز الدخول في مجلس البلطجية الذي في مصر، فقلت: والله أنا الآن كدت أن أوافقك، كدت أن أوافق على الدخول في مجلس فيه مساحة للتفاهم على أعلى مستوى، لكن إذا كان أصل التفاهم في حرب الإسلام وأهله فلا. إن من يطالب بأدنى جزئية ترضي الله أو ترضي رسوله، فإن الكل يقوم عليه قومة امرأة واحدة لا أقول: قومة رجل واحد؛ لأن هؤلاء في الحقيقة ليسوا رجالاً، إنما هم أشبه بالمخنثين، فكيف ننتخب هؤلاء؟ وكيف يمثل هؤلاء؟ وهو مجلس تشريعي الغرض منه سن القوانين التي تحارب الله تعالى وحده، فهذا مجلس ميئوس من صلاحه أبداً، لا علاقة له بالإسلام وأهله، وهو إلى الردة أقرب؛ ولذلك نحن نحذر في كل انتخاب لهذا المجلس من الدخول أو المساعدة بأي وجه من وجوه مساعدة الأعضاء في دخول هذا المجلس.

стр. 164

حكم حل عقد النكاح بين الزوجين السؤال أعلم أن الدين لا يبيح للزوج ترك زوجته كالمعلقة، في حالة ما إذا رغبت عن احتمال مسيرة الحياة الزوجية معه، ولكن ما هو الحل لها في بلدنا هذا بدون هذا القانون، علماً بأني لست أساند هذه القوانين بعدما شرحتم سيادتكم بطلانها شرعاً، ولكن ما حيلة المرأة إذاً، علماً بأني قد تُركت معلقة مدة عشر سنوات حتى شاء الله أن يلقي في طريقه من دفعته لتطليقي، ولقد كان لي أكثر من عذر شرعي في كراهيتي لحياتي معه؟ الجواب إن هذا الدين يحتاج إلى رجال يحملونه، ولذلك جاء رجل سنة (١٩٨١م) ونحن في محاضرة في المنصورة إلى المحاضر، وقام إليه كالمتهجم على الشرع، ثم ناوله عدة من الأسئلة وقال: يا فلان! خذ هذه الأسئلة للإسلام وحلها، قال: ومن صاحبها؟ قال: أنا، قال المخاطب: أسلم أنت أولاً وستحل هذه القضايا بعد ذلك. ولذلك كان إذا أتى إلى مالك رجل يسأله لم يجبه حتى يتأدب في السؤال، فلما يتأدب يجيبه مالك، فقال: ما الذي منعك أن تجيبني وسؤالي واحد؟ قال: سل تعلماً ولا تسل تعنتاً. فالشاهد من هذا أن الإسلام يحتاج إلى رجال وإلى نسوة يحملونه أحسن محمل، فإذا كان الحل الشرعي الذي قصد به الله تعالى ورسوله هو حل عقدة النكاح، فيجب على الرجل والمرأة أن يمتثلا هذا الأمر، وإذا كان هناك أمل من استمرار مسيرة النكاح وقيام العلاقة الزوجية بين الرجل وامرأته، فتقوم هذه الحياة على أمر الله تعالى ورسوله، أما وأن يحمل الرجل امرأته حملاً على القيام معه بالزوجية، ثم هو يحرمها حقوقها، فهذا عضل وهذا تعليق لا يحل للرجل؛ ولذلك كم من الناس يخشى الله ﵎؟ كم من المسلمين عنده هذا الروح؟ الواحد منا يؤنب نفسه بالليل والنهار في صغيرة ارتكبها، وكثير من الناس يقع في المحرمات والكبائر ثم هو لا يبالي بها، فمنهم من يستصغر الكبيرة، ومنهم من يستعظم الصغائر. فلذلك قال النبي ﵊ فيما صح عنه في الصحيحين وغيرهما: (إن المؤمن ليرى معصيته كالجبل يكاد يخر عليه)، أي: إن المؤمن يرى معصيته مهما كانت صغيرة كالجبل يكاد يخر على رأسه، (وإن الفاجر يرى معصيته كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا) أي: فطار. ولذلك لابد أن يراجع كل واحد منا نفسه في حياته وشئونه وفي سيرته مع الله ، هل هو تائب إلى الله تعالى بتقوى وذل وخضوع واستكانة واستسلام وانقياد لله في جميع شئون حياته؟ فإذا كانت المرأة فعلاً تعيش مع زوجها معلقة عشر سنوات، أنا لا أدري أي قلب هذا؟ ولك أن تتصور المفاسد التي قامت بين الزوجين لمدة عشر سنوات لا يجامع الرجل فيها امرأته، وهما تحت سقف واحد، الأمر يهون إذا كان الزوج في سفر، مع أن هذا مخالف من جهة الشرع، لكن على أية حال بُعد الرجل عن المرأة وبُعد المرأة عن زوجها أمر يهون، بخلاف ما إذا كان كل منهما ينام في سرير، أو أنهما ينامانا في سرير واحد، ولكن الرجل يصر على ألا يعطي امرأته حق الفراش، أو أن المرأة تمتنع أن تعطي زوجها حقه في الفراش، بلاء عظيم جداً، ولك أن تتصور المفاسد التي نجمت بين زوجين فضلاً عن انعكاس هذه الحياة السيئة على تربية الأولاد التي هي المبتغى، فالذي أفهم منه أن هذه الزوجة طلقت، فإذا كان الطلاق قد وقع فلا بأس بذلك، وهو خير من استمرار الحياة على هذا النحو.

стр. 165

حكم الاحتكام إلى قانون الخلع المصري السؤال بعد إقرار القانون هل يجوز الاحتكام إليه؟ وما حكم من حصلت على الطلاق في حالة عدم الجواز؟ الجواب على أية حال إذا حصلت المرأة على حكم بالخلع من القاضي، وكان لها الحق في ذلك فليست آثمة. أما إذا لم يكن لها الحق في ذلك فيجب عليها وجوباً شرعياً أن تتوب إلى الله ، وأن تراسل زوجها مرة أخرى عن طريق وليها ليؤمِن النكاح بينهما مرة أخرى.

стр. 166

الفرق بين الزواج الفاسد والزواج الباطل السؤال ما الفرق بين الزواج الفاسد والزواج الباطل؟ الجواب البطلان ينبني على فقدان ركن من أركان النكاح، كما لو قال رجل لولي المرأة: أنكحني ابنتك على ألا مهر لها، فهذا النكاح باطل، بمعنى أنه غير صحيح، وكما لو قالت امرأة لرجل: وهبتك نفسي، فهذا النكاح باطل؛ لأنه نكاح بغير عوض، وأنتم تعلمون أن هبة المرأة للرجل لا تصح إلا للنبي ﷺ . كما جاء في الصحيحين (أن امرأة قالت: يا رسول الله! وهبت لك نفسي. ثلاث مرات، والنبي ﵊ يعرض عنها، ثم لما شعر أحد أصحابه بأن النبي ﵊ لا حاجة له في هذه المرأة، قال: يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فأنكحنيها، قال: هل معك شيء تمهرها إياها؟ وفي رواية: ترزقها إياها -أي: تدفع مهرها صداقاً؟ - قال: لا؟ قال: اذهب إلى أهلك فالتمس ولو خاتماً من حديد، فذهب الرجل إلى أهله ثم رجع وقال: ولا خاتماً من حديد، فقال النبي ﵊: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم يا رسول الله! إن معي سورة كذا وكذا، فقال النبي ﵊: أنكحتكها بما معك من القرآن). فلو كانت هبة المرأة لآحاد الناس جائزاً لوهبها النبي ﵊ إلى هذا الرجل، أو وهبت المرأة نفسها لأحد أصحابه ﵊ من أول وهلة، ولم تحتج في ذلك إلى ولاية النبي ﵊. فهبة المرأة للرجل أو هبة الرجل نفسه للمرأة من الأنكحة الباطلة، التي يلزم فيها الفسخ والتفريق لأول وهلة، يعني: إذا عرض هذا الأمر على القاضي يلزم فيه الحكم فوراً، ولا تترتب عليه آثار. أما النكاح الفاسد: فهو الذي ينجبر بما يفسده، كزواج امرأة بغير ولي، فهذا النكاح من الأنكحة الفاسدة، تترتب عليه آثاره، لكنه ينجبر بإذن الولي، إذا أذن الولي حتى بعد قيام الزوجية. وكذلك من الأنكحة الفاسدة النكاح بغير تسمية مهر، ينجبر هذا الفساد في العقد إما بتسمية المهر بالتراضي بين الطرفين، وإما بمهر المثل، ومهر المثل يتحدد بأمثال المرأة في أهلها، كبنت عمها وبنت خالها وغير ذلك من بنات أسرتها. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 167

تحطيم الأصنام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم واجبات الدين، فقد أمر الله تعالى به في كتابه وأمر به نبيه ﷺ في سنته، وقد عده بعض العلماء ركناً سادساً من أركان الإسلام، وقد جعل الله تعالى خيرية هذه الأمة منوطة به، فبه يزول الشرك، وبه تزول البدع والمنكرات، وله مراتب وشروط وضوابط ينبغي للآمر والناهي معرفتها.

стр. 168

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام وواجبنا نحوه إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. عباد الله! بمناسبة العام الهجري الجديد نذكر المسلمين جميعاً في شرق الأرض وغربها بأن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد آتى أكله، ولو في بعض بلاد المسلمين، على كره من الكافرين، ومن سار في ركابهم من أبناء المسلمين وأبناء الموحدين. هذا الواجب العظيم هو الذي يجلب العز بعد الذل، والاجتماع بعد الافتراق، والائتلاف بعد الاختلاف، وهو واجب قد فرضه الله علينا في كتابه، وأمرنا به نبيه ﷺ . ربط الله تعالى خيرية هذه الأمة بهذا الواجب العظيم، فقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وهو واجب كفائي. ومن العلماء من قال: بل هو واجب عيني، ولا يكون ذلك إلا في الأمور المهمة العظيمة التي يعلمها الجاهل والعالم، كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها من سائر الواجبات والطاعات المعلومة الظاهرة، أما الأمر الذي يحتاج إلى نوع اجتهاد فإنه لا يجب إلا على أهل العلم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. هذا الواجب العظيم قال الله تعالى فيه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]، هاتان الآيتان تنصان على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هما فرض كفاية لا فرض عين، وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وغير ذلك من الآيات. ومن الأحاديث الشيء الكثير، منها ما هو في الصحيحين، ومنها ما كان في غير الصحيحين. ففي حديث أبي سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). وفي حديث أم سلمة أن النبي ﵊ قال: (سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع) أي: التبعة والهلاك على من رضي بذلك. و (وجد النبي ﵊ رجلاً من أصحابه وفي يده خاتم من ذهب فنزعه ﵊ وألقاه، فقال الصحابة لأخيهم: خذ خاتمك. قال: لا والله ما كنت آخذ شيئاً وضعه النبي ﵊. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان عليكم؛ لأنكم صفوة القوم وطلبة العلم، وأصحاب التوحيد الحق، ودليل ذلك أنكم أتيتم إلى هذا المكان لتسمعوا كلمة حق، فماذا يبقى لكم من عذر بين يدي الله ، ولعلكم تلتمسون الخير في الدعوة إلى الله . إن الذي يرجع إلى الوراء بضعة أعوام، أو عقود، ويرتد إليه طرفه إلى الخمسينات أو الستينات، يجد أنه لم يكن هناك في قرية أو مدينة رجل من أهل التوحيد، أو امرأة تزيت بدين الإسلام، وإننا لنجد ذلك في ك

стр. 169

شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة فمنها المتفق عليها، ومنها المختلف فيها. أما المتفق عليها: فينبغي أن يصدر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن علم وبصيرة، حيث لا يجوز للجاهل أن يأمر وينهى؛ لأنه ربما ذهب ليأمر بأمر يظن أنه معروف، فإذا به منكر حال بينه وبين معرفة ذلك جهله! وربما ذهب ينهى عن أمر يظن أنه شر ومنكر، فإذا به معروف قد أمر الله به. قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] أي: على علم. فهذا واجب على أهل العلم وطلبته من أمة النبي ﵊ إلى قيام الساعة. الشرط الثاني من الشروط المتفق عليها: القدرة والتمكين؛ حيث لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وقال النبي ﵊: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه -وهذا انتقال من القدرة باليد إلى اللسان- فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). ولذلك قال أهل العلم: شرط القدرة متعلق باللسان واليد، ولا تعلق له بالقلب؛ لأنه في مقدور كل إنسان أن ينكر بقلبه، وأن يترك موطن الباطل، وموطن المنكر، ويزول عنه إن لم يستطع إزالته. فالقدرة شرط، والتمكين شرط أي: التمكين من أداء الدعوة إلى الله باليد أو باللسان، وأنبه وأحذر أهل الباطل أن يقفوا أمام الدعوة إلى الله ! والجهاد نوع من أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان النبي ﵊ إذا واجه قوماً خيرهم بين ثلاث: إما الإسلام، فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وإما دفع الجزية عن يد وهم صاغرون، وبذلك يضمن لهم النبي ﵊ حماية أموالهم وأعراضهم، وإما القتال إن حالوا بين النبي ﵊ وبين تبليغ دعوة الحق إلى الخلق، فينبغي أن يقاتلوا، فيجب على أهل التوحيد أن يقاتلوا أهل الشرك والكفر إن حالوا بينهم وبين مهمتهم وأداء رسالتهم. الشرط الثالث: أن تعلم أن المنكر عليه وقع في المنكر حقاً، إما بترك الأمر، أو اجتناب النهي، فلابد أن يتحقق وقوعه في هذا المنكر. الشرط الرابع: وهو المتعلق بدرء المفاسد وجلب المصالح، وإنكم لتعلمون جميعاً أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وقياس المصالح والمفاسد يكون بشرع الله كتاباً وسنة، وإجماع أهل العلم، لا بالأهواء، ولا بالمصالح الشخصية؛ ولذلك لا يجوز تعطيل الحدود، ولا شرب الخمر، ولا الخناء ولا الزنا بدعوة المصلحة، أو بدعوى السياحة، أو بدعوى أن في بلاد المسلمين أناساً غير مسلمين، فيزعمون أن تطبيق الشريعة أمر يؤذي مشاعر الآخرين، حتى وإن غاظهم ذلك حتى وإن كمدهم، فلنا ديننا ولهم دينهم. كما لا يجوز كذلك الانطلاق لكسب الحرام، حتى وإن كان الغرض صحيحاً، كما سمعنا مراراً: أن فلانة تغني، وأن فلاناً يرقص وغير ذلك من المنكرات والفظايع والمهلكات بدعوى سداد ديون مصر! إن مصر غنية عن أداهم وبلائهم، إنه لا يصح إلا الصحيح، فالله نهى الأمة بنواهٍ يجب أن يأخذوا بها بقوة، كما قال تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣]. ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]. وهذه الأمة في أمس الحاجة إلى أن تتمسك وتعض على هذا الدين بنواجذها في زمن قد اختلط فيه الخير بالشر، والحق بالباطل، بل صار الحق باطلاً، والباطل حقاً، وصار المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، فإنا لله وإنا إليه راجعون. إذاًَ: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإذا أمنت الفتنة، وتحققت المصلحة الشرعية من الدعوة إلى الله ، فإنه يجوز حينئذ ولا مناص.

стр. 170

درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقول شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله: درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أربع: فإما أن يزول بالكلية، وإما أن يزول بعضه، فهاتان الدرجتان الدعوة فيهما واجبة بلا خلاف، نقل الإجماع غير واحد في هاتين الدرجتين. الثالثة: أن يزول المنكر، لكن يحل محله منكراً آخر يساويه في الدرجة والمرتبة، فهذا بيت القصيد، ومحل اجتهاد أهل العلم في كل حادثة بعينها. أما الرابعة: أن يزول المنكر ويحل محله منكراً أعظم وأخطر، فحينئذ يحرم تغيير المنكر؛ لأنه يؤدي إلى مفسدة أعظم، والنبي ﵊ قال: (ما أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم). فجعل الأمر بالمعروف وإتيان الطاعة محله الاستطاعة. أما المنكر فقال فيه: (وما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)؛ للدلالة على أن ذلك في مقدور كل إنسان، ولابد من الإتيان به بين يدي الله ، هذه درجات المنكر. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عظيم، فينبغي على أفراد الأمة وجماعتها أن يتنبهوا لهذا الواجب العظيم، فتركه فيه إزالة وتمييع لأمر دينهم الذي هو دين الحق.

стр. 171

واجب شباب الصحوة تجاه التوحيد وما يضاده من الشرك الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن شباب الصحوة في حيرة عظيمة، كأنهم دخلوا في حظيرة حيوانات مختلفة، منهم: الجاهل الذي يتكلم بجهل، وينضح ما في بئره على الآخرين. ومنهم: صاحب الهوى والشبهة. ومنهم: العلماني الملحد الذي يقف على رأس كل مسألة من مسائل الدين والشرع بالاتهام والإلحاد والاستهزاء والسخرية. ومنهم: الطرابيش أصحاب العمائم الذين يعلمون الحق، لكنهم يحيدون عنه؛ لهوى، أو شهوة، أو كرسي، أو منصب أو زعامة أو خوف. ومنهم: من ملك القدرة والقمع، لكنه يعمل بالليل والنهار على قمع أهل الحق والإيمان والتوحيد والدعوة إلى الله، ويحول بينهم وبين تبليغ رسالتهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فماذا يصنع شباب الصحوة في ظل نصوص شرعية في الكتاب والسنة، وأمور أجمعت عليها الأمة؟ نقول: إنهم جهات في مكان، وقد يحال بينهم وبين دعوتهم، لكن إذا مكنوا في مكان آخر أيعذرون بين يدي الله عن تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خاصة إذا كان ذلك في أعظم واجب، بل هو الغرض من إرسال الرسل، ألا وهو تحقيق التوحيد في قلوب الخلق، ونبذ الشرك، والدعوة إلى إبطال البدع؟ النبي ﵊ أردف معاذاً خلفه فقال: (يا معاذ بن جبل؟! أتدري ما حق الله على العبيد؟ قلت: الله ورسوله أعلم) فمضت ساعة ثم ساعة وهو يكرر السؤال؛ ليجمع حواس معاذ وينتبه، ويلتفت للأمر المهم العظيم الذي هو أعظم حق لله على العبيد. قال: (أن يعبدوه). وفي رواية: (أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً). وجعل لهم جزاء ذلك: أن يغفر لهم، وأن يدخلهم الجنة، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦]. وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]. وغير ذلك من نصوص وردت تدعو إلى توحيد الله، ونبذ ما عداه من شرك وبدع، وخرافات وخزعبلات؛ لأن الدين لا يصفو إلا بطلب العلم على أصول علمية صحيحة. هذه هي المهمة التي أرسل الله تعالى لأجلها الرسل، وهو ثابت في القرآن وفي سير الأنبياء والمرسلين مع أقوامهم ومن أرسلوا إليهم، فإذا ثبت ذلك فإن عبادة الأصنام والأوثان والتماثيل والصور من أعظم الشرك، ومن أعظم الشرك أن يتقرب المرء إلى الله بصنم يعبد في أي بقعة من بقاع الأرض.

стр. 172

شبهات حول تحطيم صنم بوذا في أفغانستان والرد عليها لما قام إخواننا -بارك الله في جهودهم، وسددهم ووفقهم لكل خير- بتحطيم الأصنام المعبودة في أفغانستان قامت الدنيا عن بكرة أبيها ولم تقعد، واختلفوا في ذلك اختلافاً عظيماً، ومنهم: أصحاب العمائم للأسف. فمنهم من قال: هذا أمر غير مشروع، وقد أبعد النجعة. ومنهم من قال: الأمر مشروع، ولكن ليس في التوقيت المناسب. وأنا من أصحاب هذا القول في أول الأمر، فلابد أن يسبق ذلك تعليم وإزالة للجهل بين الناس، فإن الناس كثيراً ما يقعون فيما يستوجب الحد بجهل وغباء وحمق، فلابد أن يعلّم الجاهل وأن يهيأ لإقامة الحد عليه، فلما سمعت بعمل إخواننا في أفغانستان، قلت: العمل مشروع، ولكن ليس هذا هو التوقيت، بل لابد أن يسبق ذلك دعوة إلى الله ، وتعليم للناس، وإني الآن أنسحب بالقول وأنخلع منه كما ينخلع السيف من غمده؛ وذلك لأن شرط القدرة والتمكين متوافر في هؤلاء، فقد قاموا في هذه البقعة من قبل بالدعوة إلى الله ، ونبذ الشرك سنوات وسنوات، فلا يبقى إلا إزالة عين المنكر، فقاموا إلى الأصنام وحطموها، وقاموا إلى الأنصاب وداسوها وكسروها، وهذا أعظم واجب عليهم: الحيلولة بين الناس وبين أن يشركوا بالله . فماذا ينقمون على هذه الفئة المؤمنة؟! أنهم موحدون، أنهم دعوا إلى الله على علم وبصيرة أنهم يمكنون أضرب لك مثلاً: أنت في بيتك رب البيت، والمسئول عن رعيتك، فهل تسمح لأحد أبنائك أو لزوجك أن يقارف المنكر وأنت تنظر إليه؟! وإن سمحت فهل أنت معذور بين يدي الله؟! الجواب لا وألف لا، بل أنت مؤاخذ بهذا الإثم. وما حدث في أفغانستان هو تماماً صورة مكبرة لما يمكن أن يحدث في بيتك، وعلى مرأى ومسمع منك؛ ولذلك يجب عليهم الإنكار، فأتى المرجفون في المدائن بشبهات، لكنها أوهى من بيت العنكبوت، قالوا: هل هؤلاء أحرص على دين الله وعلى توحيده من عمرو بن العاص ومن أصحاب النبي ﵊ بمصر، لماذا تركوا الأهرام حينئذ؟ ولماذا تركوا أبا الهول حينئذ؟ والجواب على الشبهة من وجوه: الوجه الأول: أن هذه الأصنام معبودة من دون الله . الثاني: أن أبا الهول وغيره من هذه الأحجار التي لا تنفع ولا تضر كانت مدفونة تحت الرمال لا يسمع بها أحد. الثالث: أن عمرو بن العاص ﵁ لما فتح مصر نزل في الفسطاط، وهي المعروفة الآن: بمصر القديمة، وهذه البقعة الصغيرة التي مثلت منازل القاهرة لم يثبت أن في شارع من شوارعها، أو حارة من حاراتها صنماً يعبد؛ فاكتفى بذلك عمرو بن العاص على بعد هذه الأصنام إن كانت أصناماً في ذلك الوقت. فصنم بوذا حطم على أيدي الموحدين في أفغانستان إنما كان ذلك بجهود جبارة من قنابل وطائرات لم تكن في مقدور عمرو بن العاص، وبعض كتب التاريخ أثبتت أن الفاتحين تعرضوا لأبي الهول بالتكسير أكثر من ثلاثة أشهر حتى كسروا قطعة صغيرة من أنفه، والمرجفون يقولون: بل هذا الكسر إنما تم على يد الحملة الفرنسية، والحملة الفرنسية إنما تمثل دورها في خراب ديار مصر. والمعلوم يقيناً: أن نصارى فرنسا على وجه الخصوص إنما يقدسون الأهرامات لا أبا الهول، فكيف يصح في الأذهان أنهم وصلوا إلى هناك؟ إن هذا لأمر عجاب!

стр. 173

الدلائل على وجوب تحطيم الأصنام والصور ومحوها ماذا يفعل هؤلاء المؤمنون إذا سمعوا ما أخرجه مسلم من حديث أبي الهياج الأسدي أنه قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: (يا أبا الهياج! ألا أبعثك على ما بعثني عليه النبي ﵊: ألا تدع قبراً مشرفاً -أي: عالياً- إلا سويته) أي: جعلته أعلى من الأرض بشبر فقط. ومنهم من قال: بل يسوى بالأرض تماماً، ويجعل على رأس الأرض حجراً؛ ليعلم المار أن هذا قبر فلا يطؤه. قال: (وألا تدع صنماً إلا كسرته). وفي رواية: (إلا لطخته). وفي رواية عند أحمد أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (بعثني ﵊ على ألا أدع قبراً عالياً إلا سويته، ولا صنماً إلا كسرته). وفي رواية: (إلا لطخته). وهذا محمول على أنه إذا كان يمكن كسره يكسر، وإن لم يمكن كسره تزال معالمه بالتلطيخ بالطين والدخان وغير ذلك. والله تعالى أعلم. وعند مسلم في فتح مكة: (أن النبي ﷺ أقبل على الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه من دون الله ، وفي يد رسول الله ﵊ قوس وهو آخذ بثنية القوس - أي: بمعطوفته - فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه، ويتلو قول الله : ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، فلما فرغ من طوافه أتى على الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء الله له أن يدعو). وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁: (أن النبي ﷺ دخل مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]). وكان يقول كذلك: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩]. قال النووي عليه رحمة الله: هذا الفعل فيه إذلال للأصنام ولعابديها، وإشهار لكونها لا تضر ولا تنفع، ولا تدفع عن نفسها. وتذكرون ما فعل الفتى إبراهيم ﵇ بالأصنام حين كسرها إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون فيسألونه، وأخزاهم الله ورجعوا إلى أنفسهم ليلفتوا أمرهم؛ لعلمهم أن هؤلاء آلهة مزعومة لا تنفع ولا تضر، وهذه القصة في سورة الأنبياء وغيرها من السور. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣]. إذا أخذت الذبابة -وهي أحقر المخلوقات- شيئاً من هذا الإله المزعوم لا يستطيع أن يحصلها منها! أخرج أحمد عن أبي بن كعب بسند صحيح: (أنه تلا قول الله : ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء:١١٧] قال: مع كل صنم جنية). فإن الذي يعبد الصنم إنما يعبد الجنية على الحقيقة. وعند أبي داود (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا. فقال النبي ﵊: أفيه صنم؟ قالت: لا يا رسول الله! قال: أفيه وثن؟ قالت: لا يا رسول الله! قال: أوف بنذرك). و (جاء رجل وقال: يا رسول الله! إني نذرت أن أذبح كذا وكذا في مكان كذا وكذا، فقال ﵊: أبه صنم يعبد؟ قال: لا، قال: أفيه عيد من أعياد أهل الجاهلية؟ قال: لا يا رسول الله! قال: أوف بنذرك، فإنه لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم). كل هذا حفاظاً على جناب التوحيد، ونبذ الشرك وأهله. وفي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد). قال الإمام البخاري مبوباً هذا الحديث بباب إذا كسر الصليب وقتل الخنزير وأراق الخمر وحطم الصلبان فلا ضمان عليهم؛ لأن هذه الأشياء غير متقومة، أي: لا قيمة لها في الإسلام، فمن أهدرها وكسرها بشروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه لا يضمنها، ولا يكلف كذلك بإصلاحها. ومن حديث ابن عباس عند البخاري: (أن النبي ﷺ لما قدم مكة قبل أن يدخل البيت وفيه آلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج منها ما كان يمكن إخراجه، فأخرج بإبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام -وهي: السهام التي كان يستقسم بها في الخير والشر- فقال النبي ﵊: قاتلهم الله! -أي: هؤلاء الذين فعلوا ذلك بإبراهيم وإسماعيل- قاتلهم الله! لقد عل

стр. 174

وقفات مع قصة طالوت وجالوت لقد أعطى الله سبحانه طالوت الملك على بني إسرائيل مع فقره وعدم انتسابه إلى من يستحق الملك في عرفهم، فالله تعالى يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم، وقد أعطى سبحانه بعد ذلك الملك والحكمة لداود ﵇. وفي قصة طالوت وجالوت من العبر أن العاقبة للمتقين الصادقين الصابرين، المنقادين لأوامره سبحانه، المجتنبين لنواهيه، وفيها العظة والعبرة لأبناء الصحوة الإسلامية أن يثبتوا على الدين الصحيح والعقيدة السليمة، والله ناصرهم ومهلك عدوهم، وممكن لهم في الأرض ما استقاموا على دينه.

стр. 175

بين يدي قصة طالوت وجالوت إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي) إلى آخر الحديث. وهذا يدل على أن أعظم أمة من الأمم إرسالاً للنبوة هم بنو إسرائيل، والله خصهم بأنبياء لم يخص قوماً غيرهم، ومع هذا فهم يؤثرون الضلال، ويؤثرون الحيرة والتيه، بل هم الذين فعلوا بأنبيائهم الأفاعيل، أقاموا عليهم فقتلوهم وضربوهم وآذوهم، بل وحملوهم على الهجرة من بلاد إلى بلاد أخرى، فعلوا ما لم تفعل أمة بنبيها، وهذا منتهى الفساد في الأرض، فمحاربة الأنبياء والمرسلين إنما هي فرع عن محاربة الله ﵎. وقد ذكر الله قصصاً لبني إسرائيل في القرآن الكريم، وما أكثرها، نجتزئ منها قصة في هذا اليوم؛ لنأخذ منها العبرة والعظة. قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٦ - ٢٤٩] إلى آخر الآيات. هذه القصة فيها عبرة عظيمة جداً، فهي تحكي واقع المسلمين اليوم. فقوله: (كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء) أي: يرسل الله ﵎ في بني إسرائيل نبياً تلو نبي، بل ربما أرسل عدة أنبياء في وقت واحد، وفي مكان واحد، كما أرسل إلى بني إسرائيل موسى وهارون، وكما أرسل إلى بني إسرائيل داود وسليمان وغير ذلك من الأنبياء. فالله كان يرسل العدد من الأنبياء في بني إسرائيل في الوقت الواحد؛ للقيام بأعمال بني إسرائيل، وهدايتهم إلى الطريق المستقيم، والدلالة على الله ، ولكنهم أعرضوا وجحدوا في كل مرة، ومع كل نبي.

стр. 176

تعنت بني إسرائيل مع أنبيائهم وسبب عدم قبولهم مبدئياً تملك طالوت عليهم قال وهب بن منبه عليه رحمة الله: كانت بنو إسرائيل فترة من الزمان على الطريق المستقيم، وعلى تعاليم موسى ﵇، حتى فعلوا فعلتهم المنكرة -ولم يذكر أي فعلة منكرة، وفعالهم المنكرة لا تكاد تقع تحت حصر، ولكنهم لعلهم ارتكبوا فعلة عظيمة أعظم من كل ما يمكن أن نتصوره-، فضرب الله عليهم الذلة والهوان، وكانوا من قبل لا يحاربون جيشاً إلا غلبوهم وانتصروا عليهم، ولكنهم لما فعلوا فعلتهم، ما قام عليهم أحد إلا قتلهم، حتى شردهم ملك ظالم من ملوك المشركين في الأرض شرقاً وغرباً، ثم اجتمعوا في أرض فلسطين. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ [البقرة:٢٤٦] من هو هذا النبي؟ قيل: هو يوشع بن نون، وليس كذلك، فإن يوشع كان بعد موسى ﵇ وهارون مباشرة، وإنما كانت القصة في زمن داود ﵇، ولم يكن يوحى إليه بعد، والمعروف عند أهل السير والتاريخ أن بين داود وموسى ﵇ أكثر من ألف عام، فداود إنما أرسل بعد موسى بأكثر من ألف عام، فالقصة متأخرة جداً في بني إسرائيل، ولذلك قال وهب بن منبه: لما كانت النبوة في سبط لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهودا، نظر اليهود -وهم أتباع موسى- في سبط لاوي بن يعقوب فلم يجدوا منهم أحداً إلا امرأة حاملاً، فأخذوها وحبسوها في بيت حتى تلد رجاء أن ترزق بولد أو غلام يبايعه بنو إسرائيل على النبوة كأنها بيعة، وكانت تدعو الله أن يرزقها بغلام، وأن ينبته نباتاً حسناً، فاستجاب الله دعاءها وولدت غلاماً وسمته شمعون، وفي رواية: سمته شمويل، فلما بلغ شمعون أو شمويل سن النبوة، وهو في الغالب سن الأربعين، أوحى الله إليه، فاجتمعت عنده بنو إسرائيل، وقالوا: يا نبي الله، ألا ترى ما نحن فيه من ذل وهوان، فعين لنا ملكاً نقاتل معه في سبيل الله، فنظر هذا النبي بعين البصير ببني إسرائيل على جهة الخصوص، وبالناس عامة، فرأى أن الحماس وحده لا يكفي، ولكن هذا الشعب الطويل المترامي الأطراف أصر على أن يعين لهم شمويل ملكاً يقاتلون معه أهل الظلم والطغيان، وكانوا هم أتباع موسى ﵇، فعين لهم هذا النبي طالوت ملكاً، ولكنه قبل أن يعينه قال لهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة:٢٤٦] هل أنتم على يقين لو كتب وفرض عليكم القتال أنكم ستقاتلون حقاً؟ والمعلوم أنهم قوم بهت وظلم وطغيان وردة، وأنهم لا يفون بوعد ولا عهد، فهو قال لهم: هل أنتم على يقين مما توعدون به الآن؟ ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦] فهم حددوا الهدف الذي لأجله يقاتلون بقولهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦] يعني: هذا القتال إنما هو لإعلاء راية الله . ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة:٢٤٧]، وهذا هو الفصل الثاني، وإن شئت فقل: هو المطلب الثاني. ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٢٤٧] يعني: كيف يكون لهذا الصعلوك الملك علينا، وإنما الملك فينا يعرف في سبط يهودا، وليس طالوت من سبط يهودا، وهم أصحاب الملك في بني إسرائيل، ولا هو من سبط لاوي بن يعقوب وهم أهل نبوة، كما أنه كذلك لم يؤت سعة من المال فهو فقير، والملك يحتاج لغني ينفق من ماله على المملكة؟! فكيف أيها النبي تعين علينا رجلاً بغير مؤهلات؟ كيف تملك علينا رجلاً لم يتخرج من مملكة يهودا، ولا من سبط لاوي بن يعقوب؟! وهذا شبه ما يحصل الآن عندنا: كيف يتعين الدعاة ولم يتخرجوا من جامعة الأزهر، وليس معهم إجازة بحمل العلم الشرعي من الأزهر؟ كأن هذا تخصص لم يأذن الله إلا به، وأما من تعلم العلم في غير الأزهر ولو كان من الأنبياء مشافهة، فإنه لا يصلح في هذا الزمان للدعوة إلى الله ، ما لم يكن خريجاً من الأزهر! ما أشبه اليوم بالبارحة، وصرنا نقول الآن كلاماً قالته بنو إسرائيل من قبل: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧]. يعني: هذا رجل فقير، ثم إنه يعمل سقاء بعد الفجر ودباغ بعد الظهر، أو بعد العصر، يعمل في مهن حقيرة، فكيف يكون ملكاً علينا؟ فرد عليهم نبيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٢٤٧]، إذا كنتم حقاً وتؤمنون بالله وتصدقون نبوتي، فأنا ما عينته من عندي، ول

стр. 177

ابتلاء الله تعالى لجنود طالوت بالنهر ومدى صبرهم وثباتهم أمام هذا الابتلاء لما آمن بنو إسرائيل بـ طالوت وكذلك بشمويل لم يبق أمام طالوت إلا أن يقاتل بمن معه هؤلاء المشركين، قال: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: لما ميز طالوت الجنود الذين معه، وأراد أن ينطلق بهم إلى القتال قال لهم قبل أن ينطلقوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: إن الله سيختبركم بنهر، وأنتم عطشى في غاية العطش تكادون أن تهلكوا منه، لكنكم لابد أن تصبروا وألا تشربوا منه، فإن شربتم منه فإنكم لستم جنوداً لي، والجهاد يحتاج إلى صبر في المأكل والمشرب وعند لقاء العدو، وعند النظر إلى بارقة السيوف في ضوء القمر، أو في حر الشمس. ثم قال: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: من شرب من هذا النهر وهو نهر الشريعة المعروف الآن بنهر الأردن، فمن شرب منه منكم أيها الجنود فليس من جنودي وأتباعي. قال السدي وقتادة: كان الجند مع طالوت قبل أن ينطلق ثمانين ألفاً، فلما قال طالوت لجنوده: (فمن شرب منه فليس مني) أي: لا يتبعني من شرب منه، يعني: أنتم لا تصلحون للجهاد إذا خالفتم الأمر وارتكبتم النهي، ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] قال السدي: شرب منه ستة وسبعون ألفاً. وجاء عن البراء بن عازب ﵁ فيما رواه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي تحت باب رفع الأمانة. قال البراء بن عازب: (كنا أصحاب النبي ﷺ نقول: إن عدة أصحاب محمد في بدر هم عدة أصحاب طالوت لما قاتل جالوت، قيل: كم؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر). فيكون قول السدي وقتادة وغيرهما موافقاً لرواية البراء، بل أكثر من ستة وسبعين ألفاً الذين شربوا من هذا النهر. وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: إلا من أخذ شيئاً يسيراً من هذا النهر بيده فشرب فلا حرج عليه حينئذ، والله تعالى يعفو عنه. يقول ابن عباس ﵄: كان الذي شرب منه لم يرو، والذي اغترف روي تماماً. بركة طاعة الأمراء في طاعة الله ، جعلها سبحانه محكاً واختباراً وابتلاء وامتحاناً، فإذا نجحوا فيه، فإنهم لما بعده أنجح، وإذا رسبوا فيه، فإنهم لما بعده أرسب وأفشل، فكيف لا يصبر المرء على العطش، ويصبر بعد ذلك على لقاء العدو؟! فجعل لهم هذا النهر ليختبر قوة إيمانهم، فرسبوا رسوباً سحيقاً، ولذلك قال: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: لا يتبعني في هذا الجيش.

стр. 178

موقف القلة القليلة الذين مع طالوت من جالوت وجنوده بعد أن عبر طالوت النهر بهذه القلة القليلة التي معه، إذا بـ جالوت أعظم الطغاة في زمانه يلقاهم في جيش كثير جداً أفزع القوم، ولذلك اعتذر أصحاب طالوت فقالوا: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] يعني: يا طالوت، نحن نرجو أن تعبر بنا النهر مرة أخرى، ونحن قد كنا عبرنا معك النهر، فهذا دليل على صدقنا، ولكن هذا العدد لا قبل لنا به، فنحن نعتذر الآن، ونرجو ألا تخوض بنا المعركة. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] والظن هنا بمعنى: اليقين، ولا يكون اليقين إلا عند أهل العلم بكتاب الله، وبسنن الأنبياء، قال الذين يوقنون أنهم ملاقوا ربهم: أيها الجهال الأغبياء كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والنصر هو من عند الله ، نعم، العدة والعتاد والقوة والشجاعة هي من عدد الحرب، ولكن إذا أراد الله أن ينصر فئة على فئة فلا راد لهذا النصر: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]. في مثل هذا الموطن ينتصر المؤمنون على عدوهم؛ لأنهم آمنوا وتوكلوا على الله، فبسبب طاعتهم وإيمانهم بهذا النبي، واتباعهم لأوامر ملكهم وأميرهم في الجهاد لابد وأن النصر حليفهم أو الشهادة، ولذلك المؤمن يدور بين أمرين كلاهما حسن في ملاقاته للعدو: أن ينصره الله، فهذا مغنم عام، أو أن يقتل، فالشهادة. وهذا هارون الرشيد رحمه الله تعالى الذي صوره المصورون أنه عربيد سكير قاتلهم الله أنى يؤفكون، صوروه بتصاوير شتى، ولكنه كان رجلاً صالحاً يحج عاماً ويغزو آخر، كان إذا أرسل سرية أرسل معها كتاباً إلى زعيم الشرك والكفر، يقول فيها: إني أرسلت إليك جيشاً هو أحرص على الموت حرصك أنت وجيشك على الحياة. فما موقف هذا الملك من هذه الرسالة؟ هذه رسالة كفيلة بتدميره نفسياً قبل لقائه، ومن ذلك رسالته إلى ملك الروم قال فيها: من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم إني أرسلت إليك جيشاً أوله عندك وآخره عندي، فالجواب ما ترى لا ما تسمع. الله أكبر! كلمات جبارة قوية تزلزل قلوب الأعداء بغير لقاء. وأما بلاد المسلمين اليوم فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا عقائد، ولا أحكام، ولا طاعة، ولا إيمان، ولا عز ولا نصر ولا تمكين ولا سؤدد، ولا شيء من مظاهر العز والنصر والتمكين، إنما كله ذل في ذل، وهوان في هوان، وخور وضعف ومهانة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]. أي: معية الله أعظم من كل معية، فثبات هذه الفئة المؤمنة أمام هذا الجيش العرمرم دليل على أنه معها، ينزل الملائكة يقاتلون معهم ويثبتونهم، يثبتون الأقدام عند اللقاء، ويربطون الجأش. كان عدد المسلمين في بدر يربو على الثلاثمائة شيئاً يسيراً في مقابلة ألف من صناديد أهل مكة، أتوه إلى بدر لمقاتلته، والنبي ﵊ لم يكن ينوي قتالاً مع استعدادهم ومع ما معهم من العدة والعتاد للقاء محمد ﵊ وجيشه بغتة. والنبي ﵊ يعلم عين اليقين أن النصر من عند الله ، ولذلك رفع يديه إلى السماء، وظل يدعو حتى سقط رداؤه الشريف من على كتفه ﵊، وكان يقول: (يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً). فتناول أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه الرداء فوضعه على كتفيه وهو يبكي، ويبشر النبي ﵊ بأن الله سيفي له ما وعده من النصر والتمكين، وكان الوعد قد نزل من قبل. وانتصر المسلمون نصراً مؤزراً، فليست غزوة من الغزوات في تاريخ البشرية لها من الفوائد والأعاجيب كغزوة بدر، مع قلة الناس، ولكن الإيمان يزلزل الجبال، كان الواحد بأمة؛ ولذلك لما أخطأ أحدهم بعد ذلك قال النبي ﵊: (لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)؛ بسبب ثباتهم في غزوة بدر، فقد ثبتوا وألحقوا الهزيمة المنكرة بأعداء الله ورسله. أما حنين فكان عدد المسلمين كثيراً جداً، واغتروا بكثرتهم: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]. وإليكم قصة هذا الذئب الذي دخل في سباق مع السلحفاة، فقال: أنام شيئاً، ثم أقوم فألحق السلحفاة وأسبقها، فكان كلما استيقظ من نومه قال: الوقت مبكر، أنام وقتاً آخر، ثم أدرك السلحفاة وأسبقها، فبقي الذئب نائماً حتى بلغت السلحفاة النهاية والهدف. كذلك لا يحل لقائد أن

стр. 179

وقفات مع قصة طالوت وجالوت الحمد لله وكفى، وصلاة وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد: فهذه وقفات نقفها مع قصة طالوت وجالوت فيها إنارة الطريق لأهل الصحوة الإسلامية في هذه البلاد وفي غيرها.

стр. 180

تأصيل الإيمان وغرسه في قلوب أبناء الصحوة وعدم الالتفات إلى الحماس الزائف الوقفة الأولى في هذه القصة: أنه يجب على الدعاة إلى الله في هذا الزمان في هذا البلد وغيره ألا يتحمسوا، وألا يغتروا بهذا الحماس الزائف، بل لابد من تأصيل الإيمان، وزرع وبذر أصول العقيدة في قلوب أبناء الصحوة؛ لأن العقيدة إذا صلحت ونبتت نباتاً حسناً في قلب صاحبها، كان بعد ذلك خيره مرجواً وإلا فلا. فليحذر الدعاة إلى الله أن يغتروا بهذا الحماس، بل لابد من وضعه على محك التجربة قبل خوض المعركة.
следующие страницы →