Полный текст (521 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
تعنت بني إسرائيل مع أنبيائهم وسبب عدم قبولهم مبدئياً تملك طالوت عليهم
قال وهب بن منبه عليه رحمة الله: كانت بنو إسرائيل فترة من الزمان على الطريق المستقيم، وعلى تعاليم موسى ﵇، حتى فعلوا فعلتهم المنكرة -ولم يذكر أي فعلة منكرة، وفعالهم المنكرة لا تكاد تقع تحت حصر، ولكنهم لعلهم ارتكبوا فعلة عظيمة أعظم من كل ما يمكن أن نتصوره-، فضرب الله عليهم الذلة والهوان، وكانوا من قبل لا يحاربون جيشاً إلا غلبوهم وانتصروا عليهم، ولكنهم لما فعلوا فعلتهم، ما قام عليهم أحد إلا قتلهم، حتى شردهم ملك ظالم من ملوك المشركين في الأرض شرقاً وغرباً، ثم اجتمعوا في أرض فلسطين.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ [البقرة:٢٤٦] من هو هذا النبي؟ قيل: هو يوشع بن نون، وليس كذلك، فإن يوشع كان بعد موسى ﵇ وهارون مباشرة، وإنما كانت القصة في زمن داود ﵇، ولم يكن يوحى إليه بعد، والمعروف عند أهل السير والتاريخ أن بين داود وموسى ﵇ أكثر من ألف عام، فداود إنما أرسل بعد موسى بأكثر من ألف عام، فالقصة متأخرة جداً في بني إسرائيل، ولذلك قال وهب بن منبه: لما كانت النبوة في سبط لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهودا، نظر اليهود -وهم أتباع موسى- في سبط لاوي بن يعقوب فلم يجدوا منهم أحداً إلا امرأة حاملاً، فأخذوها وحبسوها في بيت حتى تلد رجاء أن ترزق بولد أو غلام يبايعه بنو إسرائيل على النبوة كأنها بيعة، وكانت تدعو الله أن يرزقها بغلام، وأن ينبته نباتاً حسناً، فاستجاب الله دعاءها وولدت غلاماً وسمته شمعون، وفي رواية: سمته شمويل، فلما بلغ شمعون أو شمويل سن النبوة، وهو في الغالب سن الأربعين، أوحى الله إليه، فاجتمعت عنده بنو إسرائيل، وقالوا: يا نبي الله، ألا ترى ما نحن فيه من ذل وهوان، فعين لنا ملكاً نقاتل معه في سبيل الله، فنظر هذا النبي بعين البصير ببني إسرائيل على جهة الخصوص، وبالناس عامة، فرأى أن الحماس وحده لا يكفي، ولكن هذا الشعب الطويل المترامي الأطراف أصر على أن يعين لهم شمويل ملكاً يقاتلون معه أهل الظلم والطغيان، وكانوا هم أتباع موسى ﵇، فعين لهم هذا النبي طالوت ملكاً، ولكنه قبل أن يعينه قال لهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة:٢٤٦] هل أنتم على يقين لو كتب وفرض عليكم القتال أنكم ستقاتلون حقاً؟ والمعلوم أنهم قوم بهت وظلم وطغيان وردة، وأنهم لا يفون بوعد ولا عهد، فهو قال لهم: هل أنتم على يقين مما توعدون به الآن؟ ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦] فهم حددوا الهدف الذي لأجله يقاتلون بقولهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦] يعني: هذا القتال إنما هو لإعلاء راية الله .
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة:٢٤٧]، وهذا هو الفصل الثاني، وإن شئت فقل: هو المطلب الثاني.
﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٢٤٧] يعني: كيف يكون لهذا الصعلوك الملك علينا، وإنما الملك فينا يعرف في سبط يهودا، وليس طالوت من سبط يهودا، وهم أصحاب الملك في بني إسرائيل، ولا هو من سبط لاوي بن يعقوب وهم أهل نبوة، كما أنه كذلك لم يؤت سعة من المال فهو فقير، والملك يحتاج لغني ينفق من ماله على المملكة؟! فكيف أيها النبي تعين علينا رجلاً بغير مؤهلات؟ كيف تملك علينا رجلاً لم يتخرج من مملكة يهودا، ولا من سبط لاوي بن يعقوب؟! وهذا شبه ما يحصل الآن عندنا: كيف يتعين الدعاة ولم يتخرجوا من جامعة الأزهر، وليس معهم إجازة بحمل العلم الشرعي من الأزهر؟ كأن هذا تخصص لم يأذن الله إلا به، وأما من تعلم العلم في غير الأزهر ولو كان من الأنبياء مشافهة، فإنه لا يصلح في هذا الزمان للدعوة إلى الله ، ما لم يكن خريجاً من الأزهر! ما أشبه اليوم بالبارحة، وصرنا نقول الآن كلاماً قالته بنو إسرائيل من قبل: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧].
يعني: هذا رجل فقير، ثم إنه يعمل سقاء بعد الفجر ودباغ بعد الظهر، أو بعد العصر، يعمل في مهن حقيرة، فكيف يكون ملكاً علينا؟ فرد عليهم نبيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٢٤٧]، إذا كنتم حقاً وتؤمنون بالله وتصدقون نبوتي، فأنا ما عينته من عندي، ول
стр. 177
ابتلاء الله تعالى لجنود طالوت بالنهر ومدى صبرهم وثباتهم أمام هذا الابتلاء
لما آمن بنو إسرائيل بـ طالوت وكذلك بشمويل لم يبق أمام طالوت إلا أن يقاتل بمن معه هؤلاء المشركين، قال: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: لما ميز طالوت الجنود الذين معه، وأراد أن ينطلق بهم إلى القتال قال لهم قبل أن ينطلقوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: إن الله سيختبركم بنهر، وأنتم عطشى في غاية العطش تكادون أن تهلكوا منه، لكنكم لابد أن تصبروا وألا تشربوا منه، فإن شربتم منه فإنكم لستم جنوداً لي، والجهاد يحتاج إلى صبر في المأكل والمشرب وعند لقاء العدو، وعند النظر إلى بارقة السيوف في ضوء القمر، أو في حر الشمس.
ثم قال: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: من شرب من هذا النهر وهو نهر الشريعة المعروف الآن بنهر الأردن، فمن شرب منه منكم أيها الجنود فليس من جنودي وأتباعي.
قال السدي وقتادة: كان الجند مع طالوت قبل أن ينطلق ثمانين ألفاً، فلما قال طالوت لجنوده: (فمن شرب منه فليس مني) أي: لا يتبعني من شرب منه، يعني: أنتم لا تصلحون للجهاد إذا خالفتم الأمر وارتكبتم النهي، ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] قال السدي: شرب منه ستة وسبعون ألفاً.
وجاء عن البراء بن عازب ﵁ فيما رواه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي تحت باب رفع الأمانة.
قال البراء بن عازب: (كنا أصحاب النبي ﷺ نقول: إن عدة أصحاب محمد في بدر هم عدة أصحاب طالوت لما قاتل جالوت، قيل: كم؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر).
فيكون قول السدي وقتادة وغيرهما موافقاً لرواية البراء، بل أكثر من ستة وسبعين ألفاً الذين شربوا من هذا النهر.
وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: إلا من أخذ شيئاً يسيراً من هذا النهر بيده فشرب فلا حرج عليه حينئذ، والله تعالى يعفو عنه.
يقول ابن عباس ﵄: كان الذي شرب منه لم يرو، والذي اغترف روي تماماً.
بركة طاعة الأمراء في طاعة الله ، جعلها سبحانه محكاً واختباراً وابتلاء وامتحاناً، فإذا نجحوا فيه، فإنهم لما بعده أنجح، وإذا رسبوا فيه، فإنهم لما بعده أرسب وأفشل، فكيف لا يصبر المرء على العطش، ويصبر بعد ذلك على لقاء العدو؟! فجعل لهم هذا النهر ليختبر قوة إيمانهم، فرسبوا رسوباً سحيقاً، ولذلك قال: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: لا يتبعني في هذا الجيش.
стр. 178
موقف القلة القليلة الذين مع طالوت من جالوت وجنوده
بعد أن عبر طالوت النهر بهذه القلة القليلة التي معه، إذا بـ جالوت أعظم الطغاة في زمانه يلقاهم في جيش كثير جداً أفزع القوم، ولذلك اعتذر أصحاب طالوت فقالوا: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] يعني: يا طالوت، نحن نرجو أن تعبر بنا النهر مرة أخرى، ونحن قد كنا عبرنا معك النهر، فهذا دليل على صدقنا، ولكن هذا العدد لا قبل لنا به، فنحن نعتذر الآن، ونرجو ألا تخوض بنا المعركة.
﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] والظن هنا بمعنى: اليقين، ولا يكون اليقين إلا عند أهل العلم بكتاب الله، وبسنن الأنبياء، قال الذين يوقنون أنهم ملاقوا ربهم: أيها الجهال الأغبياء كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والنصر هو من عند الله ، نعم، العدة والعتاد والقوة والشجاعة هي من عدد الحرب، ولكن إذا أراد الله أن ينصر فئة على فئة فلا راد لهذا النصر: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩].
في مثل هذا الموطن ينتصر المؤمنون على عدوهم؛ لأنهم آمنوا وتوكلوا على الله، فبسبب طاعتهم وإيمانهم بهذا النبي، واتباعهم لأوامر ملكهم وأميرهم في الجهاد لابد وأن النصر حليفهم أو الشهادة، ولذلك المؤمن يدور بين أمرين كلاهما حسن في ملاقاته للعدو: أن ينصره الله، فهذا مغنم عام، أو أن يقتل، فالشهادة.
وهذا هارون الرشيد رحمه الله تعالى الذي صوره المصورون أنه عربيد سكير قاتلهم الله أنى يؤفكون، صوروه بتصاوير شتى، ولكنه كان رجلاً صالحاً يحج عاماً ويغزو آخر، كان إذا أرسل سرية أرسل معها كتاباً إلى زعيم الشرك والكفر، يقول فيها: إني أرسلت إليك جيشاً هو أحرص على الموت حرصك أنت وجيشك على الحياة.
فما موقف هذا الملك من هذه الرسالة؟ هذه رسالة كفيلة بتدميره نفسياً قبل لقائه، ومن ذلك رسالته إلى ملك الروم قال فيها: من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم إني أرسلت إليك جيشاً أوله عندك وآخره عندي، فالجواب ما ترى لا ما تسمع.
الله أكبر! كلمات جبارة قوية تزلزل قلوب الأعداء بغير لقاء.
وأما بلاد المسلمين اليوم فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا عقائد، ولا أحكام، ولا طاعة، ولا إيمان، ولا عز ولا نصر ولا تمكين ولا سؤدد، ولا شيء من مظاهر العز والنصر والتمكين، إنما كله ذل في ذل، وهوان في هوان، وخور وضعف ومهانة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩].
أي: معية الله أعظم من كل معية، فثبات هذه الفئة المؤمنة أمام هذا الجيش العرمرم دليل على أنه معها، ينزل الملائكة يقاتلون معهم ويثبتونهم، يثبتون الأقدام عند اللقاء، ويربطون الجأش.
كان عدد المسلمين في بدر يربو على الثلاثمائة شيئاً يسيراً في مقابلة ألف من صناديد أهل مكة، أتوه إلى بدر لمقاتلته، والنبي ﵊ لم يكن ينوي قتالاً مع استعدادهم ومع ما معهم من العدة والعتاد للقاء محمد ﵊ وجيشه بغتة.
والنبي ﵊ يعلم عين اليقين أن النصر من عند الله ، ولذلك رفع يديه إلى السماء، وظل يدعو حتى سقط رداؤه الشريف من على كتفه ﵊، وكان يقول: (يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً).
فتناول أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه الرداء فوضعه على كتفيه وهو يبكي، ويبشر النبي ﵊ بأن الله سيفي له ما وعده من النصر والتمكين، وكان الوعد قد نزل من قبل.
وانتصر المسلمون نصراً مؤزراً، فليست غزوة من الغزوات في تاريخ البشرية لها من الفوائد والأعاجيب كغزوة بدر، مع قلة الناس، ولكن الإيمان يزلزل الجبال، كان الواحد بأمة؛ ولذلك لما أخطأ أحدهم بعد ذلك قال النبي ﵊: (لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)؛ بسبب ثباتهم في غزوة بدر، فقد ثبتوا وألحقوا الهزيمة المنكرة بأعداء الله ورسله.
أما حنين فكان عدد المسلمين كثيراً جداً، واغتروا بكثرتهم: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥].
وإليكم قصة هذا الذئب الذي دخل في سباق مع السلحفاة، فقال: أنام شيئاً، ثم أقوم فألحق السلحفاة وأسبقها، فكان كلما استيقظ من نومه قال: الوقت مبكر، أنام وقتاً آخر، ثم أدرك السلحفاة وأسبقها، فبقي الذئب نائماً حتى بلغت السلحفاة النهاية والهدف.
كذلك لا يحل لقائد أن
стр. 179
وقفات مع قصة طالوت وجالوت
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد: فهذه وقفات نقفها مع قصة طالوت وجالوت فيها إنارة الطريق لأهل الصحوة الإسلامية في هذه البلاد وفي غيرها.
стр. 180
تأصيل الإيمان وغرسه في قلوب أبناء الصحوة وعدم الالتفات إلى الحماس الزائف
الوقفة الأولى في هذه القصة: أنه يجب على الدعاة إلى الله في هذا الزمان في هذا البلد وغيره ألا يتحمسوا، وألا يغتروا بهذا الحماس الزائف، بل لابد من تأصيل الإيمان، وزرع وبذر أصول العقيدة في قلوب أبناء الصحوة؛ لأن العقيدة إذا صلحت ونبتت نباتاً حسناً في قلب صاحبها، كان بعد ذلك خيره مرجواً وإلا فلا.
فليحذر الدعاة إلى الله أن يغتروا بهذا الحماس، بل لابد من وضعه على محك التجربة قبل خوض المعركة.
стр. 181
الثقة بالله من أعظم أسباب النصر والتمكين
الثانية: الثقة بالله من أعظم أسباب النصر والتمكين، ولذلك: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] لما التقوا بجيش جالوت: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠].
فقوله: ((أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا)) أي: صب الصبر علينا صباً؛ حتى نثبت أمام العدو، وننتصر على القوم الكافرين.
стр. 182
التسلح بالصبر في زمن الاستضعاف
الثالثة: أن الصبر عبادة في وقت، وأن الجهاد بالسيف عبادة في وقت آخر، ولكل حكمه، فإذا كان المسلمون في فترة ضعف فالصبر واجب في حقهم.
وأما طلب لقاء العدو والحالة هذه فليس من مصلحة الإسلام وأهله، بل يجب عليهم أن يتسلحوا بالصبر، وهو أعظم سلاح في هذه الفترة.
كما أن أعظم سلاح في فترة القوة والسيادة هو رد كيد الأعداء في نحورهم.
стр. 183
وضوح الطريق لدى أبناء الأمة
الرابعة: وضوح الطريق لدى أبناء الأمة، والطريق الوحيد هو طريق الله ، فلابد من بيانه للجنود الذين يحاربون أعداء الإسلام؛ لأن الواحد منا قد يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليقال: جريء، أو شجاع ما أظرفه، ما أعقله، ما أجلده، ليس هذا هو الطريق، وإنما الطريق من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.
فبنو إسرائيل قالوا: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦]، فحددوا الطريق أمامهم، وأعلنوا أن القتال إنما هدفه إعلاء راية الله ، ونصر الإسلام على الشرك والكفر، ولذلك المسلم يكون بين أمرين: إما النصر، وإما الشهادة، ولكن مع عدم وضوح الهدف عند الأعداء، فإن الله ألقى في قلوبهم الرعب، ولذلك قال النبي ﵊: (ونصرت بالرعب مسيرة شهر)، إذا سمع العدو بمقدم جيش محمد، هزم في عقر داره قبل أن يبلغه الجيش، بل يقول الله : ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤]؛ لأن جيش العدو لا يقوى على اللقاء، ولا يصبر عليه، وينهزم في أول وهلة.
أقسم بالله العظيم غير حانث لو أن دولة من دول الإسلام المحيطة بفلسطين رفعت راية الجهاد، ولو في نشرة بثتها من خلال الإعلام أو الصحافة لاعتذر اليهود في نفس اللحظة.
أما التخدير وخداع الشعوب بالسلام العادل والشامل، فلا سلام قط، فضلاً أن يكون عادلاً وشاملاً، والله قد بين أن اليهود أهل غدر وظلم، وليسوا أهل سلام، فإما أن نصدق هؤلاء ونكذب الله، وهو واقع الأمة الآن، وإما أن نكذب هؤلاء ونصدق الله إخلاصاً، ونطيعه فيما أمر، ونرفع راية الجهاد، وننهي هذه التمثيلية التي يضحكون بها على المسلمين شرقاً وغرباً.
إذاً: لابد من وضوح الهدف أمام الجنود؛ حتى يقاتلوا على نور وبصيرة.
стр. 184
اهتمام القائد بصحة عقيدة الجنود وصحة الهدف
الخامسة: لابد لكل قائد وذي رأي ومشورة أن يتأكد من صحة العقيدة، ومن صحة الهدف لدى جنوده كما قال طالوت لجنوده: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة:٢٤٦]، فردوا عليه: ﴿وَمَا لَنَا﴾ [البقرة:٢٤٦] أي: كيف بنا لا نقاتل ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦] حتى قامت المعركة الحازمة بين جند طالوت وجند جالوت، وكتب الله تعالى النصر لـ طالوت وجنوده، وكان طالوت قد أعلن عن هدية في جنده، وقال: من قتل جالوت فسأزوجه ابنتي وأشركه في ملكي، فقام داود ﵇ قبل أن يوحى إليه، وكان جندياً من جنود طالوت، قام إلى جالوت فتسلل حتى وصل إليه وقتله، وأنتم تعلمون إذا قتل الأمير وقائد الجيش فكأنما قتل الجيش بأسره، فضربت الهزيمة على الجيش بأكمله، وجاء داود برأس جالوت إلى طالوت، فزوجه ابنته وأشركه في ملكه، ومات طالوت بعد هذه الغزوة، ثم انتقل الملك بأكمله إلى داود ﵇، وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء، حتى تعلموا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وإن كانوا قلة، لكن الفيصل هو الإيمان بالله ، والانقياد لأمره.
كم من الناس يحضر مسجدنا هذا إذا تعارض الشرع مع مصلحته قدم المصلحة على الشرع، مع أنه يدعي أنه محب لله ورسوله.
ذكر ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) عن الأعمش أنه قيل له: جزاك الله خيراً من إمام، لقد علّمت الناس العلم -وهم ينظرون إلى الناس بالآلاف بين يديه- فتبسم الأعمش وقال: لا تعجبون.
أما هؤلاء، وأشار إلى مجموعة من طلاب العلم فثلثهم يموت قبل أن يدرك.
يعني: يموت قبل أن يتصدر، والثلث الثاني: يذهبون إلى السلطان، ثم قال: وهم شر الناس، وأما الثلث الثالث: فقليل منهم من يفلح.
لما سمع ابن المبارك هذا الكلام قال: هذا الكلام جدير بأن يكتب ويحفظ.
وينبغي لكل قائد وزعيم أن يجعل هذا الكلام نصب عينيه، فالناس قليل منهم من يفلح، وقليل منهم من يثبت، أما أن يغتر الأمير بهذه الجموع الغفيرة؛ فإنه لا يستحق أن يكون أميراً.
كان الصحابة ﵃ مراتب ودرجات، قال النبي ﵊ فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر: (الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة).
وقال البخاري: باب رفع الأمانة.
كأنه يشير إلى أن الناس كثر، والمرضي منهم قليل.
أيها المؤمنون! هذه وقفات لابد أن نقف عندها؛ لترشيد هذه الصحوة، والاستفادة منها في الأيام المقبلة، لعل الله يرزق هذه الأمة رأياً راشداً وإيماناً يعز به الدين وأهله، ويذل به الشرك وأهله.
стр. 185
التوجه إلى الله بإنزال النصر من السماء وعدم الاغترار بالكثرة
السادسة: لابد أن تعلم أن العبرة بالتأييد الإلهي لا بالعدد والعدة، وإن كان ذلك مطلوباً، لكنه ليس بيت القصيد، أما بيت القصيد فهو التوجه إلى الله بإنزال النصر من السماء: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]، ونصر الله باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، ومحبة أنبيائه، والعمل بتعاليم النبي ﵊.
قال أبو الدرداء فيما أخرجه البخاري: إنما تقاتلون بأعمالكم.
أي: أعمالكم هي سبب نصركم أو سبب هزيمتكم.
وقال الحسن البصري: عمالكم أعمالكم.
أي: ولاتكم ورؤساؤكم وحكامكم على قدر أعمالكم، فلستم أنتم بأخير منهم، ولا هم بأفسد منكم، أنتم منهم وهم منكم، وهم جزء من مجتمعكم، وأنتم جزء من مجتمعهم، فحسنوا العمل مع الله ، وصلوا ما بينكم وبين الله يولي الله ﵎ عليكم خيار عباده، وإلا فلا، وهذه سنن كونية.
وكان من دعاء النبي ﵊ إذا لقي عدواً كان يقول: (اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، ونجعلك اللهم في نحورهم)، وكان يقول: (اللهم بك أصول وبك أجول)، وإن كان في سند هذا الحديث ضعف.
إذاً: فلا نصر إلا من عند الله ، أما الاغترار بالكثرة فليس ينفع عند اللقاء.
стр. 186
أخذ العظة والعبرة في احتمال الشدائد في الجهاد وغيره
السابعة: في هذه القصص عبرة لهذه الأمة في احتمال الشدائد، خاصة عند الجهاد وقتال العدو.
لعلك تتصور أن دانة من دانات العدو تلقى في جيش المسلمين تصيبهم بآلام لا قبل لهم بها، لكن أخبرنا النبي ﵊ أن سيف العدو لا يصيب ولا يمس بدن المؤمن إلا كشكة إبرة، وإن كثيراً من أبناء الصحوة الآن يتنازلون عن أشياء من دينهم مخافة أن يضربوا بالسوط، أو يحبسوا في الظلام، ونسوا أن المس والألم لا ينالهم إلا مع أول سوط، ولو ضرب بعد ذلك مائة سوط فإنه لا يشعر بذلك؛ رحمة من الله وفضلاً، وسلوا الله العافية، لا تسألوه لقاء العدو، ولكن إذا لقيتموهم فاثبتوا، وهذا دين الله .
إذاً: فيجب عليكم أن تقوموا بالواجب الذي كلفتم من أجله، وتوكلوا على الله .
стр. 187
عدم الموازنة بين العلم والجهل وبين العلماء والجهلاء
الثامنة: أنه لا موازنة بين العلم والجهل، ولا بين العلماء والجهلاء؛ فإن أهل العلم يرون الفتنة وهي مقبلة، وأهل الجهل لا يرون الفتنة إلا وهي مدبرة، بعد أن تستأصل شأفتهم يرونها بعد ذلك، ثم يقولون: يا ليتنا كنا ويا ليتنا كنا.
فأهل الجهل اغتروا بما كان عليه قارون أعظم طاغية في زمانه، لما خرج عليهم في زينته قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، وفتنوا به أيما فتنة، خاصة بعدما أن رأوا تلك الميديلات التي تحمل المفاتيح التي تنوء بحملها العصبة من الرجال، فما بالك بخزائن قارون، ولذلك نظر الجهلاء نظرة عمياء لزهرة الدنيا ومتاعها، فتمنوا أن يكون لهم ما لـ قارون، ولكن أهل العلم قالوا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٨٠].
فثواب الله خير، فلو أنك قلت لرجل الآن: صل جماعة في المسجد، لربما قال: والله أنا عندي خشونة في رجلي، وعندي مغص في بطني، وعندي فقرات في ظهري، ولو قيل له: إن في المسجد لجنةً توزع على كل مصل سبعاً وعشرين جنيهاً بعد أداء الصلاة، لأتي به محمولاً على الأعناق؛ حتى يحصل على سبع وعشرين جنيهاً، فما بالكم بسبع وعشرين درجة في الجنة، ما بين الدرجة والدرجة مسيرة خمسمائة عام من منكم يصدق النبي ﵊؟! أينا يؤمن بالله حق الإيمان؟ تستغني عن سبع وعشرين درجة وتأتي محمولاً على الأعناق لأجل سبع وعشرين جنيهاً، حتى تعلم أنك لا زلت متخلقاً بأخلاق بني إسرائيل لا بأخلاق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة وغيرهم من الصحابة ﵃.
لو أن النبي ﷺ خرج فينا الآن هل يعرفنا؟ هل يقر الناس على ما هم عليه الآن؟ الغالب على الظن أنه سيتبرأ منا، وسيعتذر إلى ربه أن هؤلاء ليسوا أتباعي، وإنما بدلوا فسحقاً سحقاً، وأنتم تعلمون أن هذه الرواية إنما جاءت في غير أصحابه ﵊، ويمكن أن تكون هذه الرواية قد وردت في شأننا نحن، فـ (بينما النبي ﵊ على الحوض يدعو أمته إلى أن يشربوا من الحوض، إذا به يسمع صوتاً من قريب أو من بعيد: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لقد بدلوا وغيروا، فيقول ﵊: سحقاً سحقاً).
أي: بعداً بعداً.
أتحب أن تكون من هؤلاء؟! أتحب أن تكون ممن يبعد عن حوضه ﵊، الذي إذا شربت منه شربة لا تظمأ بعدها أبداً؟ قال أهل العلم في هذه الآية: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٤٧]: آمنوا وسلموا أن هذا من عند الله .
стр. 188
وراثة الأرض لمن شاء الله من عباده
التاسعة: أن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء، لكن لابد أن تحقق العبودية في قلب العبد، وقد خير النبي ﵊ أن يكون ملكاً رسولاً، أو عبداً رسولاً، فقال جبريل ﵇: يا محمد، تواضع، فقال النبي ﵊: (بل عبداً رسولاً)، وقال: (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد)، وقال لما قام الليل كله حتى تفطرت قدماه، وأشفقت عليه نساؤه، قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً).
والعبودية والعبادة: هي فعل الأوامر واجتناب النواهي، إذا امتثلت الأمر واجتنبت النهي فقد حققت العبودية، والعبادة: هي كل أمر يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله.
ثم قال الله : ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
كم من طاغية هلك لا ذكر له، وكم من عالم مات يحيا الناس بذكره الآن، تصوروا كم ملايين يأتون يوم القيامة في صحيفة حسنات ابن حجر، أو النووي، أو الذهبي، أو ابن معين، أو الشافعي، أو ابن حنبل، أو مالك أو غيرهم من أئمة الإسلام، فنحن عند ذكر هؤلاء نذكر النبي ﷺ ، الواحد منهم بأمة وزيادة؛ لأنه يتكلم عن الله ، وكلامه كله علم ونور وبصيرة، ولذلك لا يقارن أهل الجهل جميعاً بواحد فقط من أهل العلم، لا يستوي أهل العلم وأهل الجهل، فلا مقارنة بينهما: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]، كالكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
стр. 189
قصة طالوت وجالوت عزاء للصحوة الإسلامية
الوقفة العاشرة والأخيرة: والثمرة أن هذه القصة فيها عزاء للصحوة الإسلامية مع ضعفها ومع سوء أدبها مع الله حكاماً ومحكومين.
بل قد وصلنا إلى زمان يتبنى فيه الكفر والإلحاد، ويحارب فيه أهل الإيمان والعلم، فتحقق فينا قوله ﵊: (ستكون سنوات خداعات -أي: في آخر الزمان- يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، ويتكلم فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه السفيه يتكلم في أمر العامة).
الرجل التافه الصعلوك الحقير الغبي السوري حيدر حيدر يتكلم في أمر العامة، ويسب الله ويسب الرسول ويسب القرآن، ومع ذلك فإن جهات كثيرة تتبناه، بل صحف وجرائد ومجلات تنشر كتابه الآن كل يوم أحد، فصلاً فصلاً، وإلى الآن نشروا منه بابين، رغماً عن كل مسلم، فمن لم يعجبه فليضرب برأسه على الجدار! أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 190
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
لقد جعل الله لهلاك الأمم أسباباً، وأنزل الكتب وأرسل الرسل إلى تلك الأمم يحذرونها من الوقوع في أسباب الهلاك، فعصت الرسل، وكذبت بالكتب، فنزل بها أمر الله تعالى وأهلكها، وهذا فيه عظة وعبرة لهذه الأمة الخاتمة، وأنها إن وقعت فيما وقعت فيه الأمم السابقة فسيكون لها نصيب من ذلك الهلاك، إلا أن الله تعالى رحمة بهذه الأمة لن يهلكها هلاكاً عاماً كما أهلك الأمم قبلها، وإنما يسلط الله عليها الأعداء حتى ترجع إلى دينها رجوعاً صادقاً صحيحاً، فتسترد قوتها وعافيتها وسيادتها وريادتها للأمم.
стр. 191
مكانة أمة الإسلام عند الله وعند رسوله وأسباب ما نزل بها من ذل وهوان
إن الحمد لله تعالى؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لا شك أنه من المعلوم لدى كل مسلم ما قد نزل بالأمة من ويلات وحسرات، فكل منا متوجع ومتألم ومتحسر، ومنا المتألم بصدق وإخلاص، ومنا المتحسر بكذب وبهتان، بل ومنا المتحسر استهزاءً بالله وبأنبيائه ورسله وكتبه، وبهذه الأمة المباركة، ولا يدري المسكين أن هذه الأمة هي أبرك أمة خلقها الله ، وأنها أخير أمة على وجه الأرض, وأن النصر حليفها لا محالة وإن لم يكن اليوم فغداً بإذن الله تعالى، ولكن لا بد لهذه الأمة أن تعلم أمرين اثنين: الأمر الأول: أن ما نزل بها إنما هو بسبب ما اقترفته أيديها.
والأمر الثاني، وقد بينه الله في كتابه وبينه نبيه وحبيبه ﷺ في سنته: أنها لكرامتها على الله أن النصر لها في نهاية الأمر، وأن الغلبة لها في المآل وإن كانت الأيام دولاً يوماً لها ويوماً عليها.
لابد لهذه الأمة أن تقرأ كتاب ربها وسنة نبيها، ثم تنظر في واقع الأمم الهالكة، لتعلم سبب هلاكها حتى لا ترتكب أسباب الهلاك كما ركبتها الأمم من قبلها، ولذلك بين الله ﵎ في كتابه أن هذه الأمة لا بد أن يظهر فيها الفساد، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١]، والباء هنا سببية، وهذا الفساد إنما هو بسبب ما ارتكبت أيدي الناس: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران:١٨٢].
وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].
إن الذي حل بهذه الأمة كان بسبب ركوبها المعاصي وتركها الطاعة، ولا بد أن ترجع إلى ربها وإلا سيكتب عليها الذل والهوان طالما أعرضت عن كتاب الله وعن سنة النبي ﷺ ، ولذلك أجرى الله تعالى في هذه الأمة سنته التي لن تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ [الرعد:١١] أي: إذا أنعم الله تعالى على أمة من الأمم بنعمة من النعم، فإنه لا يزيلها ولا يمحقها ما دامت هذه الأمة قائمة لله وبأمر الله وعلى نهج الله، فإن هذه النعمة لا يمكن أن تزول عنهم أبداً، سنة من الله تعالى، إن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا هم، وحتى يبدلوا هم، وحتى يتنكبوا الطريق هم، فحينئذ يزيل الله ﵎ ما بهم من نعم.
ضرب لهذا مثلاً حياً عظيماً في القرآن الكريم فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢] فلما كفرت بأنعم الله أخذها الله تعالى بغتة، وهذه سنته في العصاة والكافرين والضالين الذين سلكوا سبيل الشياطين، وتركوا سبيل الأنبياء والمرسلين.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً﴾ [النحل:١١٢] أغلب أقوال أهل العلم على أن هذه القرية هي مكة المكرمة التي كفرت ببعثة محمد ﵊، وكفرت بالقرآن وبالسنة.
﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] أما الجوع فلأن النبي ﵊ قطع عليهم الطريق
стр. 192
أنواع الهلاك والفتن الواقعة على هذه الأمة وسببها
بعض الناس يتصور أن الهلاك لهذه الأمة إنما هو في إبادتها واستئصال شأفتها عن بكرة أبيها، وهذا لا يكون أبداً في هذه الأمة، نعم.
كان في أمم سابقة، لكن الله تعالى تفضلاً منه ورحمة وعد هذه الأمة أنها لا تباد ألبتة، بل: (لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله -أي: حتى تقوم الساعة- وهم على ذلك)، أي: وهم على الحق مظهرين له ظاهرين به، فهذه الأمة لا يمكن أن تبيد بأسرها، ولا أن تهلك كلها رحمة من الله .
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] بل تصيب العامة، ويبعث كل على نيته، ودليل ذلك في سنة النبي ﷺ : في غزوة أحد لما قسم النبي ﷺ الجند وصف الصفوف وأرسل قطعة من الجيش إلى أعلى جبل الرماة، ثم قال لهم: (على مصافكم، احموا ظهورنا، فإذا رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا -أي: في جمع الغنائم-، وإذا رأيتمونا قد قتلنا فلا تنصرونا).
وصية خالدة، ولكنهم تنكبوا هذا بعد أن أمَّر عليهم عبد الله بن جبير وأرسلهم إلى مهمتهم، فلما رأوا الحرب قد وضعت أوزارها وولى المشركون الدبر، تصوروا أن هذا آخر المطاف، فنزل جلهم لجمع الغنائم، فلما رأى خالداً ومن معه قلة الجند على جبل الرماة استداروا من الخلف فصعدوا الجبل، وأتوا على المسلمين ضرباً وتنكيلاً ورمياً بالسهام والنبال، حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة، بل وأصاب النبي ﷺ من ذلك جراح، فشج وجهه وكسرت رباعيته، ثم قالوا: كيف حصل هذا؟ بعد أن انتصر المسلمون أولاً ما الذي دهانا؟ ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] بسبب مخالفتكم اليسيرة للنبي ﵊ كان لزاماً أن تجرى فيكم سنة الله ﵎، وهي التأديب والطرد والقتل والتشريد والسجن والحبس وغير ذلك من سائر العقوبات حتى ترجعوا وتراجعوا دينكم، وترجعوا إلى ربكم، سنة الله تعالى ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل:٦١] لا يترك شيئاً يدب على وجه الأرض، لو أراد الله تعالى أن يعاملنا بعدله، ولكن الله تعالى المتفضل الرحيم الكريم التواب الغفور دائماً يعامل هذه الأمة بفضله، ويمهل للظالم، ويعطي له الفرصة مرة ومرتين وثلاثاً ومائة ليثوب ويتوب ويرجع إلى ربه، فإذا أصر فالشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه، كما قال النبي ﵊، وكما قال سائر السلف من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
أخرج البخاري من حديث زينب بنت جحش ﵂ أنها قالت: (دخل النبي ﵊ ذات يوم علي فزعاً مذعوراً وهو يقول: الله أكبر، لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بالإبهام والتي تليها -أي: السبابة- قالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم.
إذا كثر الخبث).
وفي الصحيحين أنه ﵊ قال: (أترون ما أرى؟ قالوا: لا يا رسول الله، وما ترى؟ قال: والذي نفسي بيده! إني لأرى الفتن تقع بين بيوتكم كمواقع المطر من السماء) انظروا إلى حجم الفتنة التي تقع بالأمة، والأمة الآن تحيا هذا الحديث حياة ملموسة محسوسة، وكأن النبي ﵊ بين ظهرانينا الآن، وذلك مصداق ما أخرجه مسلم وأحمد من حديث ثوبان مولى النبي ﷺ أنه قال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم - أي: تجتمع عليكم الأمم - كما تجتمع الأكلة إلى قصعتها.
قالوا: أو من قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: لا، أنتم يومئذ كثير) مليار وثلث المليار لا يقوون على مجابهة ثمانية مليون يهودي في العالم كله، لو أن كل مسلم بصق فقط في أرض فلسطين لأغرق اليهود، فما بال اليهود مع قلتهم يسوسون العالم أجمع حتى ساسوا بلد الكفر وأعظم طاغية على وجه الأرض أمريكا، كيف ذلك؟ ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].
إي والله! بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير.
اليهود أنجس خلق الله، وأذل خلق الله، أبناء القردة والخنازير أذاقوا المسلمين في هذه الأيام الذل والهوان، وليس ذلك بقوة اليهود، فإنهم أضعف وأحقر من ذلك، ولكن بمعصيتكم أنتم، بمعصية هذه الأمة وركوبها الخطر وتنكبها عن صراط ربها وسنة نبيها، فأراد الله تعالى أن يلقنها درساً في حياتها لا تنساه، فسلط الله عليها أهون الخلق عليه، اليهود ومن خلفهم النصارى
стр. 193
أسباب دفع الهلاك عن الأمة
أنواع العذاب كثيرة جداً ويتصور البعض أننا بخير والحمد لله، وأننا في رحمة وفي سعة من أمرنا وفي رغد من العيش لا والله، فالعذاب كما يكون بالكفر والشرك يكون بالبدع التي انتشرت في الأمة، ويكون بالفسوق والفجور والعصيان الذي صار إلفاً مألوفاً لكل عين ناظرة، بل ولكل كفيف يتأذى إذا سمع حال الرجال وحال النساء، بل لو أن الواحد نظر في الشارع نظرة لوجد فيه من المعاصي ما لعله قد حرمته بلاد الكفر في بلادها، إن بلاد الكفر الآن أيقنت أن سبب الهلاك لها إنما هو في عري نسائها، فتقدمت وبادرت بعض بلاد أوروبا بتحريم هذه المناظر الخليعة، فهل آن للمسلمين أن يرجعوا إلى الله ؟ (كلكم مسئول وكلكم راع ومسئول عن رعيته) لا بد من الرجوع إلى الله وإلا لا بد أن تجرى عليك سنة الله تعالى في الأمم السابقة من الهلاك والدمار والتشريد، بل ومن الخسف والمسخ الذي كان في بني إسرائيل وغير ذلك من سائر العقوبات وأنواع العذاب الذي ينزل بك وأنت لا تدري، وتتصور أنك على أحسن حال وأنت في أسوأ وشر حال، ولكنك لا تدري لو أردت أن تدري أين أنت؟ اقرأ سير السلف ﵃ علماً وعملاً وعبادة، لا بد وأنك ستحتقر نفسك، وتحتقر ما أنت عليه من رقة في دينك، ومن عبادة لا تكاد تنفع بين يدي الله يوم القيامة، ومن عملٍ قليلٍ، فنحن في قلة وفي سفال دائماً لبعدنا عن الله ، وبعدنا عن شرع ربنا، وعن سنة نبينا ﵊، مع أن النبي ﷺ أمرنا أن نستمسك بهذا الكتاب الذي هو حبل الله المتين، طرفه بأيديكم، وطرفه الآخر بيد الله ، فهو الحبل الموصول بينك وبين الله.
(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وإن كل ضلالة في النار) كما جاء في السنن من حديث العرباض بن سارية مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
стр. 194
أسباب هلاك الأمم السابقة ومن بعدهم
لا بد أيضاً من استقراء عام لبعض أسباب الهلاك التي حصلت بالأمم السابقة من قبلنا.
стр. 195
الاختلاف في الكتاب
من أسباب الهلاك: الاختلاف في الكتاب، ولذلك أخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: (أن النبي ﷺ خرج على أصحابه ذات يوم، فوجد رجلين قد علت أصواتهما هذا ينزع بآية وذاك ينزع بآية) هذا يأتي بآية يحتج بها على إثبات القدر وهذا يأتي بآية يحتج بها على نفي القدر.
فقال النبي ﵊: (أأمرتم بهذا؟ أبعثت إليكم بهذا؟ وغضب واحمر وجهه كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، ثم قال النبي ﵊: إن من كان قبلكم اختلفوا في الكتاب فهلكوا).
وهذا الذي ورد عن عبد الله بن عمرو ورد كذلك عن عبد الله بن مسعود في صحيح مسلم، بل وفي الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (إن من كان قبلكم اختلفوا في الكتاب، فأهلكهم الله ، ولا زلنا نجد اختلافاً وهلاكاً في القرآن الكريم بين المتفقهين في مسائل الإيمان، بل وفي مسائل العلم والعمل على السواء، فالبعض يقول: العمل ليس من الإيمان ولا يمت له بصلة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] نعم.
العمل إيمان، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بطاعة الله وينقص بمعصية الله، فكلما ازداد العبد من العمل والطاعة ازداد إيمانه حتى يشعر كأن قلبه يحلق في السماء السابعة، وأما إذا عمل العبد بمعصية الله ضاقت عليه نفسه، وضاق عليه قلبه كأنما يصعد في السماء، كما أخبر الله .
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ [الأنعام:١٢٥] يشرح صدره فينشرح ويتسع وينفتح، حتى يشعر المرء أن روحه تحلق إلى باريها، خلافاً لمن أراد الله تعالى له السفال والهوان والذل، فإنه لا يوفق للطاعة، بل يعمل بالمعصية، فإذا عمل بالمعصية سلب منه إيمانه شيئاً فشيئاً حتى يخرج الإيمان من قلبه، وربما لا يبقى فيه إلا مثقال ذرة من إيمان.
(الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) فبين النبي ﵊ في هذا الحديث أن الإيمان يتفاضل، فمنه ما هو متعلق بالقلب، ومنه ما هو متعلق بالجوارح، ومنه ما هو متعلق بالنفس وبالعمل.
وبعد هذا وجدنا من الناس من يقول: لا علاقة للعمل بالإيمان، هل الأمة الآن مع بطلان هذا القول وفساده تستحق أن تعطى هذه الرخصة -إذا كانت رخصة- مع بطلانها وفسادها؟ هل هذه الأمة في حاجة إلى تسليط أكثر مما هي عليه حتى تقول لهم: اعملوا بالمعصية؛ لأن المعصية لا تضركم، فإن هذا أخبث المذاهب في الإسلام.
إي والله.
стр. 196
الاختلاف على الأنبياء
قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣] أي: أمر النبي ﷺ ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
أتى رجل إلى الإمام مالك في مسجد المدينة وكان محرماً فقال مالك: ما هذا؟ قال: أحرمت بالنسك.
قال: ميقات أهل المدينة ذا الحليفة، قال: ما هي إلا فراسخ بيننا وبين ذي الحليفة، قال: إني أخشى عليك الفتنة.
قال: أي فتنة في هذا؟ قال: أما قرأت قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]؟ انظروا إلى فهم إمام أهل المدينة وإمام المسلمين في زمانه لمبدأ المخالفة للنبي ﵊، حتى وإن كانت يسيرة، فمهما دقت المخالفة لا بد أن تدفع الأمة ثمنها.
وسمع رجل النبي ﵊ يقول: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا.
فقام إليه فقال: يا رسول الله! الحج كل عام؟ فأشاح النبي ﷺ بوجهه ولم يرد عليه، فأعاد الرجل فسكت النبي ﷺ ، فأعاد الثالثة، فقال: لو قلت: نعم.
لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم).
كان هذا سبباً لهلاك أمة من الأمم، فقد هلك اليهود الذين اختلفوا على موسى ﵇ في أمر البقرة وغيرها من الأمور حتى عبدوا العجل من دون الله ، ولما رآهم موسى ﵇ غضب غضباً شديداً وألقى الألواح من يده، فلما سكن غضبه أخذ الألواح واستغفر ربه وأناب إليه وتاب.
أيها الإخوة الكرام! لا بد لهذه الأمة أن ترجع كما كان شأن الصالحين من قبلنا، وكما كان شأن السابقين الأوائل من أمة النبي ﷺ ، ما كانت المعصية تقع من الواحد منهم إلا ويبادر قبل دخول ليله بالتوبة إلى الله ، ومن محاسبة نفسه أولاً بأول، وقد ثبت أن عمر أمير المؤمنين قال: أريد أن أخرج منها على الكفاف لا لي ولا علي.
هذا الذي كان يحاسب نفسه في مدخل كل ليلة فيؤدبها ويضربها بالدرة التي كانت في يده، وهو من هو في العدل والفضل والإمامة والجهاد في سبيل الله ، هو الذي فتح الله تعالى به البلاد وقلوب العباد، هو الفرقان الذي فرق الله به بين الحق والباطل، ومع هذا كان يحتقر كل ذلك في جنب الله .
أما نحن مع قلة أعمالنا وهواننا إلا أننا نستعظم العمل جداً وهو قليل بسيط، وهو لا يكاد ينفعنا بين يدي الله ، ومع هذا نقول: هذا العمل كثير والحمد لله، ماذا يريد الله منا؟ نحن نصلي ونصوم ونزكي ونحج، نعم.
رغماً عنا نزكي، ورغماً عنا نحج، ونعتبر الزكاة مغرماً لا مغنماً، لكن على أية حال: نحن بخير.
قال الله في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي! لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، من أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة، ومن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة).
(لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين) أي: في الدنيا وفي الآخرة، إما هذا وإما ذاك، فلا بد لهذه الأمة أن تعمل بخوف الله تعالى وبالرجاء فيه بعد العمل، ولذلك لما قرأت عائشة رضي الله تعالى عنها قول الله : (﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] خائفة.
﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت: يا رسول الله! أهذا الزاني يزني والسارق يسرق؟ قال: لا، يا ابنة الصديق! إنما هؤلاء أقوام أتوا بصلاة وصيام وزكاة وجهاد يخافون ألا يتقبل منهم)، يخافون بعد العمل ألا يتقبل منهم، فهم يرجون رحمة الله بعد العمل.
وأما نحن فنرجو رحمة الله، ونتكل على رحمة الله بدون عمل، وهذا اغترار بالله تعالى، إذا رأيت الرجل يرجو الله بعد العمل فاعلم أن هذا هو الرجاء الصحيح، وإذا رأيته يرجوه تاركاً للعمل، فاعلم أن هذا العبد مغتر بستر الله ﵎ عليه، وأن هذا الرجاء إنما هو الرجاء المزيف، وهو الغرور بالله تعالى، والأمن من مكر الله.
لابد لهذه الأمة أن تعمل بالخوف والرجاء معاً، ولا بأس أن تغلب جانب الخوف كما غلبه نبينا ﵊، وهو من هو في فضله وشرفه ﵊، ومع هذا (كان يقوم من الليل حتى تورمت وتفطرت قدماه، فقالت عائشة: يا رسول الله! أليس قد غفر الله تعالى لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً) أبعد هذا كله ألا يستوجب ما ذكرتِ يا عائشة أن أؤدي شكر هذه النعم التي أنعم الله بها علي؟! فكانت عبادته ﵊ عبادة شاكر لله .
في هذه الأمة لا يكاد عالم من العلماء يقول قولاً إلا ويقوم إليه أحد المستمعين من المسلمين المصلين ويقول له: أنا ل
стр. 197
الشح والبخل
من أسباب الهلاك: الشح والبخل خاصة في باب إعداد هذه الأمة لمواجهة أعدائها، قال ﵊: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على سفك دمائهم فسفكوها، وحملهم على القتل فقتلوا، وعلى الفجور ففجروا) كل ذلك إنما نبع من الشح، والبخل داء فتاك يفتك بالأمة بأسرها.
إن الواحد منا إذا كان يملك أي مساعدة للمجاهدين سواء كانوا في فلسطين أو أفغانستان أو الشيشان، أو أي بقعة من البقاع يرفع فيها راية الجهاد وجب عليه وجوباً عينياً أن يساعدهم بماله، كما يجب على كل حكومات العرب والإسلام أن تقف بجوار هؤلاء في بقاع الأرض وأصقاعها شرقاً وغرباً بجيوشها ونفوسها وأنفسها وأبدانها وعدتها وعتادها.
﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال:٧٢] النصر واجب عليكم يا معشر الحكومات، ويا أيها الجيوش المسلمة والجموع الغفيرة عليكم أن تنصروا إخوانكم هنا وهناك، ولا ينفعكم هذا التخاذل، ستدفعون الثمن إما اليوم وإما غداً، حين يطرق اليهود عليكم الباب ويقولون: نحن هنا، فحينئذ ماذا يصنع الناس؟ لو أنك أصبحت أو أمسيت وقد طرق يهودي بابك، وقال: اخرج إلي أو أدخل إليك ماذا ستصنع؟ هل ستنتظر حينئذ رأي جماعي أو موقفاً موحداً؟ أبداً، ليس لك ذلك، بل ستدافع عن نفسك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فابدأ من الآن ودافع بنفسك أو بمالك.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ [التوبة:١١١]، وعداً على الله أخذه على نفسه وأوجبه على نفسه: أن يدخلكم الجنة أو ترجعوا بأجر وغنيمة، هل رأيتم رباً أرحم من هذا الرب وأكرم من هذا الرب؟ لا والله.
стр. 198
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من أسباب الهلاك كذلك: ترك واجب من أوجب واجبات الشرع، ومن أفرض فرائض الدين، وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والله ما أتى أحد منكم المسجد إلا بعد أن دعاه أحدنا، فما أنتم ولا أمثالكم إلا ثمرة قيام بعض المخلصين بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منذ عدة عقود من الزمان ما كنا نجد في المدينة كلها رجلاً قد أطلق لحيته، ولا امرأة عفيفة متسترة، والآن نرى هذا في كل بيت من بيوت المسلمين ولله الحمد والمنة، لماذا؟ لأن هذه الصحوة المباركة التي باركها الله ووفقها وثبتها وأيدها، رغم ما ينزل بها من ويلات في الداخل والخارج إلا أنها عملت بهذا الواجب، ولذلك قال النبي ﵊: (والذي نفس محمد بيده! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم عذاباً ثم تدعونه فلا يستجيب لكم).
و (قرأ أبو بكر الصديق ﵁ آية من كتاب الله ، وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] ثم قال: أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية وتفهمونها على غير وجهها - أي: على غير مراد الله منها - وإني سمعت النبي ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب) أن يعمهم جميعاً الصالح منهم والطالح، المؤمن منهم والفاسق الفاجر، ثم يبعث كل على نيته.
فهذا واجب من أوجب واجبات الشرع فرطت فيه الأمة شيئاً كثيراً، وعمل بعض أفرادها بهذا الواجب ومع هذا تجد الثمرة عظيمة جداً مع قلة الجهد، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء ، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه سبحانه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 199
البخس والتطفيف في الكيل والميزان
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمن أسباب الهلاك: البخس والتطفيف في الكيل والميزان، ومنع الزكاة، ونقض العهد مع الله ورسوله، والحكم بغير ما أنزل الله، والتحاكم إلى غير شريعة الله من أعظم أسباب الهلاك.
أخرج ابن ماجه والحاكم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن قد مضت في أسلافهم الذين مضوا، وما نقصوا الكيل والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، وما نقض قوم العهد والميثاق إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم).
هذا حديث عظيم يشرح واقع الأمة اليوم.
قال: (ما ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا فشا فيهم الطاعون) أمراض نسمع عنها ما سمع عنها في أسلافنا، هذا مرض الزهري والسيلان ما كنا نسمع عنه في بلاد الإسلام حتى جاءنا من بلاد الغرب، ولذلك كان أجدادنا يسمون هذه الأمراض أمراض الفرنجة، المرض الإفرنجي الذي أتانا مستورداً من وقوع ونزو الرجال على النساء في بلاد الغرب، حتى اقترفت هذه الأمة ما وقعت فيها الأمم الكافرة، فصارت الواحدة تختار من تحب وتعشق من تحب وتزني بمن تحب.
ومن حديث ابن مسعود عند الطبراني وغيره أن النبي ﵊ قال: (ما ظهر الزنا والربا في قوم قط إلا عمهم الله بعذاب).
(إلا عمهم) أي: شملهم بعذابه ونقمته.
هذا الزنا صار إلفاً مألوفاً في المجتمع المسلم، وهذا الربا صار مقنناً بقوانين، وله عمائم تارة تبدو حمراء وتارة تبدو زرقاء وتارة خضراء تقننه وتشرعه، وتلوي ألسنتها بالكتاب لي البقر الطعام بألسنتها، فهل تستكثرون ما نزل بالأمة مع هذه الأمراض والبلايا؟ والذي نفسي بيده! إن ما ينزل بالأمة بالنسبة إلى معاصيها لقليل، ولا يكشف الله تعالى الضر إلا إذا رجع كل فرد من أفراد الأمة إلى ربه، وعمل بطاعة الله تعالى، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً.
قال النبي ﵊: (وما نقص قوم المكيال والميزان) لماذا ينقص الناس المكيال، ويقعون في الويل وهو واد في جهنم تستعيذ منه جهنم إلى ربها في اليوم سبعين مرة.
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣] (يخسرون) يمنعون حقوق الناس ويأكلونها بغير حق، لماذا؟ ويل لهم ثم ويل لهم، ومع هذا لا بد من قيام السؤال ولا بد من الجواب، لماذا أمنع حق الغير في الميزان والكيل؟ لأتكسب وأزداد ويعظم مالي ويكثر، ومع هذا يعاقبك الله تعالى من جنس قصدك، فيقول: (وما منع قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين) بالجدب والقحط والفقر والغلاء، عقوبات متتابعة متتالية ومع هذا أنت تستكثر، فربما استكثرت حتى ملأت البيت من الأرض إلى السماء فأتى عليه ماء فذهب، نار فذهب، أنت بين يدي الله والرزق في السماء لا في الأرض، قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] ولم يقل: ورزقكم في السماء، وإنما قدم شبه الجملة من الجار والمجرور ليدل على الحصر، وأن الرزق في السماء لا في الأرض، ولو شاء الله تعالى أن يفتح عليك باباً لفتحه، ولو شاء أن يمنع عنك لمنع، ولا يدل فتحه على المحبة، ولا يدل منعه على السخط، بل يبتلي الله تعالى عبده بالنعم لينتقم منه، ويبتلي عبده الآخر بالفقر دليل على الرضا، لعلمه السابق أنه لو أغناه لطغى وبغى، فالفقر أحسن إليه.
ومَن أتباع الرسل؟ أتباع الرسل الفقراء والصعاليك الذين لا مال لهم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨] إياك يا محمد! أن تنصرف عن هؤلاء، وعاتبه الله أشد العتاب لما أعرض عن عمرو بن أم مكتوم ليتكلم مع أشراف قريش، هؤلاء لا ينفعون، وليسوا أتباعاً للرسل، ولا يرجى منهم خير، ولذلك الخير كل الخير في الفقراء والضعفاء والمساكين.
انظر إلى حال هذا الحي الشعبي، وإلى حال حي من الأحياء التي يقال عنها: راقية، أنا على يقين أنك ستجد المساجد في هذا اليوم قد امتلأت، لكن شتان والله بين هذا المسجد وبين مسجد في حي من الأحياء الراقية، أي: في مستوى الإيمان ورسوخه وثباته والمحافظة على الصلوات الخمس، شتان وهيهات هيهات أن يستوي الغني مع الفق
стр. 200
منع الزكاة
قال النبي ﵊: (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منع الله عليهم القطر من السماء) سبب الخير يمنعه عنهم حتى يعيشوا في جدب وقحط.
(ولولا البهائم لم يمطروا) تصور أن الإنسان المكرم يكرم لأجل البهائم العجماوات التي لا ذنب لها في هذا الجدب والقحط وتصاب بسببه، فإن الله تعالى ينزل الخير من السماء ليكرم البهائم ويكرم بكرمهم بني آدم، إنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 201
نقض العهود
(ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم -من أمريكا ولندن وروسيا- فأخذوا بعض ما في أيديهم) وليس كل ما في أيديهم، وإنما بعض ما في أيديهم لماذا؟ لأنهم نقضوا عهد الله وعهد رسوله، وهذا تشخيص للداء الذي تمر به الأمة، فلا بد من الصلح مع الله، ولا بد من الرجوع والالتزام بالعهد والميثاق الأول الذي أخذه الله تعالى من ذرية آدم حين أخرجهم من صلب أبيهم آدم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] نحن نشهد يا رب أنك ربنا وإلهنا، فلا بد من العمل بمقتضى هذه الإلهية وتلك الربوبية، أما نقض العهد والميثاق فجزاؤه أن سلط الله علينا عدواً من غيرنا فسلب منا مقدساتنا وشرفنا وعزنا وريادتنا وقدسيتنا.
стр. 202
التحاكم إلى غير شرع الله
قال النبي ﵊ في آخر هذا الحديث الذي يصف أحوال الأمة: (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) أي: البأس بيننا شديد، العلة والداء: (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواء، فتداووا عباد الله) أين الدواء؟ الرجوع والتحاكم إلى الله وبكتاب الله، الواحد منا يأبى أخذ حقه بمجالس التحكيم الشرعية، ويصر على الذهاب إلى تلك المحاكم، وما هي إلا ترجمة عملية لترك التحاكم بكتاب الله وإلى شرع الله.
(وما لم تحكم أئمتهم) من الحكام والعلماء والأمراء بل والعامة، (إلا جعل الله بأسهم بينهم) حتى عمَّ البأس بين الزوج والزوجة وبين الوالد وولده وبين الكبير والصغير وبين الرجال والنساء عم البأس جميع فئات الأمة، لماذا؟ لتركهم لكتاب الله والتحاكم إلى شرع الله.
стр. 203
المحسوبية والرشوة
ومن أسباب الهلاك كذلك: المحسوبية والرشوة التي يعمل بها كل فرد من أفراد الأمة الآن إلا من رحم الله ، ولذلك لما سرقت تلك المرأة المخزومية القرشية الشريفة أرادت قريش أن تعفيها من الحد، فقالوا: (من يكلم فيها رسول الله؟ قالوا: ومن يجرؤ عليه إلا حبه، إلا أسامة بن زيد بن حارثة، فذهب أسامة ليشفع لهذه المرأة المخزومية ألا يقام عليها الحد، فقال النبي ﵊: يا أسامة! أتشفع في حد من حدود الله ؟) حتى ندم أسامة ندماً شديداً على ذلك، (قال: والذي نفس محمد بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) لا محسوبية حتى في بيت النبوة، قال: (ولا تكونوا كالذين من قبلكم، كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) أما وضع الأمة اليوم من كان له ظهر لا يضرب على بطنه.
هذه ترجمة عملية للمحسوبية.
أخرج الطبراني من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: (أنه لما رجعت مهاجرة الحبشة إلى النبي ﵊ قال: ألا تحدثوني بأعجب ما رأيتم في أرض الحبشة؟ قالوا: نعم يا رسول الله! لقد كان منهم فتية مرت بهم عجوز قد وضعت على رأسها قلة فيها ماء، فقام إليها أحدهم فوضع يده بين كتفيها ودفعها دفعة سقطت على ركبتيها فانكسرت قلتها، فقامت وقالت: يا غدر! - أي يا غدار - غداً ستعلم إذا وضع الله الكرسي وجمع الأولين والآخرين، غداً ستعلم بين يديه أمري وأمرك.
قال النبي ﵊: صدقت، صدقت، صدقت.
كيف يقدس الله تعالى أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟).
стр. 204
التبايع بالعينة والخلود إلى الدنيا وترك الجهاد
قال النبي ﵊ في أسباب هلاك الأمم كما أخرج ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر: (إذا تبايعتم بالعينة، واتخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، إلا سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم).
(إذا تبايعتم بالعينة) وبيع العينة من البيوع المحرمة، وهو حيلة للوقوع في الحرام، وهو حرام صراح حرمه النبي ﵊، ولكن ما هو بيع العينة؟ أن تذهب لتقول لرجل من الناس: أعطني ألف جنيه قرضاً حسناً، فيقول: ما عندي مال ولكن خذ هذا القمح بألف جنيه نسيئة، ادفع كل شهر مائة جنيه على عشرة شهور، ثم قبل أن تحمل هذا القمح يقول لك: هل رضيت بالبيع؟ نعم.
هل استقر الثمن في ذمتك؟ نعم.
يقول لك: تبيعني هذا القمح بثمانمائة جنيه نقداً عاجلاً؟ تقول: نعم، تأخذ منه الثمانمائة جنيه ثم ترد إليه عين السلعة قبل أن تنقلها إلى رحلك، ولذلك سماه الشرع: بيع العينة، حيلة إلى الربا والفجور.
قال: (واتخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع) اهتمام بالدنيا على كل حال، كأن النبي ﵊ ما جاء إلا لتحصيل الدنيا لا لتحصيل الدين.
ولذلك أنت الآن كلما قلت لأحد من الناس: ما شأن الجهاد وماذا نصنع؟ يقول لك: لا جهاد.
الجهاد سفك للدماء، وخراب للبلاد، وخراب للاقتصاد، بل هو إلقاء بالنفس إلى التهلكة، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] ويحتج كذلك من القرآن على فساد معتقده، وهذا من باب الاختلاف في الدين الذي هو سبب هلاك الأمم، يحتج بقول الله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] على الجهاد في سبيل الله الذي هو عز المسلم وشرفه، ولذلك لما قال رجل في حرب مع الروم في القسطنطينية: (لو أني ألقيت بنفسي في جيش الروم أكنت قد ألقيت بنفسي في التهلكة؟ قال الجيش: نعم، لو أنك فعلت لكنت ملقياً بنفسك إلى التهلكة.
فقال أبو أيوب الأنصاري ﵁: لا تفعلوا - هذا فهم خاطئ - فإن هذه الآية فينا نزلت معشر الأنصار، فنحن قد شرفنا الله بنصرة نبيه، ومنعناه مما نمنع منه أولادنا وأبناءنا وأموالنا ونساءنا، فلما كثر الإسلام وظهر المسلمون قلنا: هلا رجعنا إلى أرضنا وأموالنا فأصلحناها، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] قال أبو أيوب: فكانت التهلكة الركون إلى الدنيا، وترك الجهاد في سبيل الله).
هذا هو الإلقاء في التهلكة أن تركن إلى حياتك ودنياك، وتتصور أو تعتقد أن الجهاد في سبيل الله هلاك للأبدان أو للأرواح، أو خراب للبلاد وللعباد، أو ضياع للاقتصاد وغير ذلك، بل الاقتصاد ضائع ضائع، وما يأكل الناس اليوم إلا سماً زعافاً في أبدانهم، وقد ظهرت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم.
وبالجملة فإن عموم معصية الرسول ﵊ ومعصية الله تعالى هي التي أوردت هذه الأمة الموارد والهلكة، ولذلك قال النبي ﵊: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).
معظم الأمة الآن أمريكان في العقائد والأخلاق والسلوك والآداب، وهم يزعمون أنهم يحاربون أمريكا، وأنهم يبغضون اليهود والنصارى، وهم الواحد منهم إذا لبس نعلاً يهودياً أو إسرائيلياً يفتخر به في المجالس العامة، ويقول: لقد اشتريت هذا النعل بخمسمائة دولار من المكان الفلاني، الذي لا يبيع إلا المنتجات الإسرائيلية.
انظروا! ثم يقلب النعل من فوق إلى أسفل يفتخر بأنه يلبس نعلاً يهودياً أو ثوباً أمريكياً أو فانيلية إنجليزية، ويقول: هذا صوف إنجليزي أصيل، يقول ذلك على سبيل الفخر، ما هذه الحسرة؟ وما هذه النكسة في العقائد والأخلاق والسلوك والآداب، ثم تزعم أنك متبع لنبيك مخالف لليهود والنصارى؟! لا بد من وقفة، ولا بد أن تضرب فوق أم رأسك لتعلم أنك أمريكاني وأنك إنجليزي وأنك أوروبي في معظم أحوالك وفي غالب أوقاتك، لا بد أن ترجع وتتشبه بالنبي ﵊ وبأصحابه الكرام.
تشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح أطع النبي ﵊ في كل أمر، في كل كبيرة وصغيرة، في كل ما دق وجل.
(هذا عبد الله بن مسعود لما كان قادماً إلى صلاة الجمعة قام رجل من الناس يصلي ركعتين، فقال له النبي: اجلس، فسمعها عبد الله بن مسعود وهو خارج المسجد، فظن أن الأمر له فجلس في الشمس، وما قام إلا إلى الصلاة، فلما فرغ من الصلاة جلس في مكانه حتى قال النبي ﷺ : ما شأنك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: يا رسول الل
стр. 205
حقيقة النصر
لقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة على إثبات النصر في نهاية المطاف لأهل الإيمان وحملة العقيدة الصحيحة، وأن النصر ليس بالضرورة أن يكون في ساحات المعارك، فبقاء الإيمان رغم موت أصحابه نصر، وانتشار الدين نصر، والصبر على البلاء نصر، فأصحاب الأخدود انتصروا، والنبي ﷺ في العهد المكي انتصر هو وأصحابه على قريش لما ثبتوا على عقيدتهم ودينهم.
стр. 206
انتصار أصحاب العقائد وأهل الإيمان
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما قَلَّ وكفى خير مما كَثُر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
ثم أما بعد: يتردد في هذه الآونة سؤال بين كثير من الشباب وخاصة بين شباب الصحوة مضمونه: لماذا غُلب هؤلاء وأولئك في فلسطين وأفغانستان؟ ألم يعد الله ﵎ بالنصر والتمكين لعباده المؤمنين؟ فوقع هؤلاء بين فكين كلاهما مر: أحدهما كفر، والآخر إساءة ظن.
أما الكفر: فبعضهم شك في وعد الله ، وأما سوء الظن فإنهم شككوا في إيمان وصلاح تلك الطوائف من أهل الإيمان في أفغانستان وفلسطين، وخفي على هؤلاء جميعاً أنه لا يلزم أن يكون النصر نصراً مادياً أو عسكرياً، وأن النصر الحقيقي إنما هو نصر العقيدة والإيمان، هذا هو النصر الذي وعد الله ﵎ به، وإذا كان النصر هو النصر المادي فحسب والغلبة والقهر، فكم من أنبياء بني إسرائيل قتلتهم بنو إسرائيل، فهل تلك هزيمة لهؤلاء الأنبياء؟ فإن قالوا: نعم.
كفروا بالله ، ولذلك أعظم الناس بلاءً نبينا ﵊، أنسيتم ما حدث له في الطائف؟ أنسيتم ما حدث له في مكة بين أهله وعشيرته؟ أنسيتم أنهم أدموه ﵊ وسبوه وشتموه؟ أهذه هزيمة للنبي ﵊؟ كلا وألف كلا، لقد مات النبي ﵊ وبقيت عقيدته ترفرف في سماء الدنيا إلى يوم القيامة.
стр. 207
قصة أصحاب الأخدود
ضرب النبي ﷺ مثلاً للنصر الحقيقي الذي ينبغي أن يحرص عليه المرء، وللأشخاص الذين يموتون وتبقى عقائدهم، وذلك فيما أخرجه مسلم من حديث صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (كان فيمن كان قبلكم ملك له ساحر يسحر له)، وهذا على عادة الملوك والرؤساء والزعماء، فإنما يصدرون عن تكهنات وأسحار وأوهام، ولذلك تجد أن كل رئيس أو زعيم -إلا من رحم الله- قد اتخذ لنفسه عدة من السحرة والعرافين والكهنة، ولا يصدر إلا عن آرائهم، خاصة في بلاد أوروبا وأمريكا، فلكل رئيس منهم وزعيم وعمدة قرية ساحر يسحر له، ولا يصدر ولا يتحرك إلا بأمره، حتى يكاد أن يكون الذي يحكم العالم اليوم هم السحرة وليسوا تلك الرءوس؛ لأنهم لا يصدرون إلا عن آرائهم.
стр. 208
ابتلاء أصحاب العقائد
قال النبي ﷺ : (فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبر سني، ورق عظمي، وحضر أجلي، فابعث إلي بغلام أعلمه السحر، فأرسل إليه الملك غلاماً يعلمه السحر، وكان على الطريق بين الغلام والساحر راهب، فذات مرة جلس الغلام إلى الراهب فسمع كلامه فأعجبه كلامه فلازمه، وكان إذا خرج من عنده متأخراً ذهب إلى الساحر، عاقبه الساحر على التأخير، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال الراهب للغلام: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر) يكذب لينجو بنفسه، وهذا أمر مشروع، أو يكذب لينجي نفساً أخرى، ولا بأس بالكذب هنا؛ لأن الحرب خدعة، وهذه حرب ضروس بين الإيمان والكفر.
قال: (وذات يوم انطلق الغلام في طريقه إلى الساحر فوجد دابة عظيمة قد حبست الناس فلم يمروا، فقال الغلام في نفسه: اليوم أعلم أي الأمرين أحب إلى الله تعالى، أمر الساحر أم أمر الراهب، فأخذ حجراً في يده وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، ثم رماها بحجر فقتلها، فقال: الآن أيقنت أن أمر الراهب أحب إلى الله من أمر الساحر، وانطلق الناس يمشون، فجاء الغلام إلى الراهب، فقال له: لقد كان من أمري اليوم كذا وكذا، فقال الراهب: يا بني! إنك اليوم أفضل مني، وإنك ستبتلى)، انظروا إلى هذه السنن الربانية: لا بد من الابتلاء لأهل الإيمان؛ لأن العقيدة أشرف شيء يمكن أن يدعو إليه الداعي، أو يحافظ عليه المسلم، وهذا لا يكون رخيصاً، بل لا بد من دفع الثمن مقدماً، ولذلك قال النبي ﵊: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)، وقال ﵊: (يبتلى المرء على قدر دينه) أي: لا بد أن تبتلى في دينك، فاصبر فإنهم لا يضرونك شيئاً، إنما سلطانهم على أبدانكم، وليس على أرواحكم أو قلوبكم أو عقائدكم، فتلك أمور لا سلطان لأحد عليها إلا سلطان الله ؛ لأن (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) .
وقال ﵊: (يبتلى المرء على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة).
منحة من الله لعباده المؤمنين أن يبتليهم بالأمراض والأوجاع والأسقام، وتسلط الكافرين عليهم حتى يطهرهم من ذنوبهم كبيرها وصغيرها، ويقدمون على رب رحيم غفور، ثم يوم القيامة سيدخلهم الجنة مع أول الداخلين بغير حساب ولا سابقة عذاب، أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم منهم.
ثم قال: (وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي) وصية أهل الإيمان بعضهم لبعض، إذا ابتليت يا فلان فلا تدل علي إلا أن تعجز عن ذلك، ويقع على جسدك من العذاب ما لا يمكن أن تقدر عليه، ويكون المخرج أن تدل علي، ويغلب على ظنك أنني لا أفتن بهذه الدلالة، فلا بأس حينئذ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
стр. 209
إظهار شعائر التوحيد والصبر على ذلك
قال ﵊: (وكان الغلام يبرئ الأكمه).
أي: الذي ولد أعمى، وكان يداوي من سائر الأدواء والعلل، وكان للملك جليس أعمى، فلما سمع بأمر الغلام جهز هدايا عظيمة وذهب بها للغلام، وقال: لقد جمعت لك هذا على أن تشفيني من العمى، فقال الغلام: أنا لا أشفي، إنما يشفي الله ! انظروا إلى ظهور عقيدة التوحيد، من أول لحظة نسب العلاج لله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] لا يزعم أنه يشفي ويداوي من الأسقام والعلل، وإنما هو سبب سببه المولى .
قال: أنا لا أشفي، إنما يشفي الله ، فإن آمنت بالله دعوت الله لك فشفاك من العمى، فآمن الجليس فدعا الغلام الله تعالى لهذا الجليس فشفاه الله ، فرجع ليجلس في مجلسه عند الملك، فقال الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، فقال بغطرسة ووقاحة وتبجح: ألك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله! انظروا إلى إظهار شعائر التوحيد على أيدي فئة قليلة، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩].
قال: ربي وربك الله، فأخذه فعذبه ونكل به حتى دل على الغلام، وأخذ الغلام وقال له: أبلغ من سحرك هذا المبلغ؟ فقال: أنا لا أشفي وإنما يشفي الله ، فنكل به حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فقال: لا.
وأبى أن يرجع عن دينه.
فوضع المنشار في مفرق رأسه وشقه نصفين حتى ألقي على الأرض ولم يرجع عن دينه.
انظروا إلى رجل ضحى بنفسه فداءً لدينه وعقيدته، لقد سجل التاريخ وسجل الإسلام شهادة تقدير واحترام لهذا الراهب لأنه قدم نفسه فداءً لعقيدته.
هذا هو النصر الحقيقي؛ إنه نصر العقيدة.
ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى ألقي على الأرض نصفين فمات فتقبله الله ، وجيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى أن يرجع عن دينه، فأمر الملك أعوان السوء أن يأخذوه ويصعدوا به إلى ذروة جبل كذا وكذا في تلك البلدة من بقاع الأرض، فإن رجع عن دينه وإلا فألقوه من ذروة الجبل، فلما كانوا في ذروة الجبل قالوا له: ارجع عن دينك، فأبى أن يرجع عن دينه، ورفع يديه إلى السماء؛ ليستخدم أعظم سلاح عرفه أهل الإيمان -ويستهين به أبناء الصحوة في هذا الزمان- قال: اللهم اكفنيهم بما شئت وكيف شئت، فارتج الجبل فسقطوا جميعاً في الوادي ورجع الغلام بعزة أهل الإيمان واستعلاء وفخر أهل التوحيد إلى الملك المتغطرس الجبار يمشي على قدميه، فلما رآه الملك قال: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله بما شاء وكيف شاء! فأمر بعض أصحابه أن يأخذوه في قرقور -سفينة- حتى إذا كانوا في وسط البحر قالوا للغلام: ارجع عن دينك، فأبى ورفع يديه إلى السماء وهو يقول: اللهم اكفنيهم بما شئت وكيف شئت، فغرقوا جميعاً ورجع الغلام إلى الملك يمشي على قدميه، ثم تحدى الغلام الملك! أرأيتم صبياً صغيراً يتحدى ملك الأرض؟! غلام واحد يقول كلمة الحق عند سلطان جائر، إن هذا لمن أعظم الجهاد وأفضله.
(قال له: إنك لن تقتلني حتى تفعل ما آمرك به، قال الملك: وما تأمرني؟) انظروا إلى موقف الذل والهوان لأهل الكفر والطغيان، حين يقول الملك بغروره وكبريائه للغلام: (وماذا تأمرني أيها الغلام؟ قال: إنك لن تقتلني حتى تجمع الناس جميعاً في صعيد واحد وتصلبني على جذع نخلة، ثم تأخذ سهماً من كنانتي فتضعه في كبد القوس وتقول على مرأى ومسمع من الناس: باسم الله رب الغلام) انظروا إلى هذه النكتة: (أن تقول باسم الله) لا باسم الملك، ولا باسم المسيح، ولا باسم العذراء، ولا باسم فلان، إنما تقول: (باسم الله رب الغلام، فإن فعلت قتلتني).
ففعل الملك، ربطه على جذع نخلة، وجمع الناس في صعيد واحد، وأخذ سهماً من كنانة الغلام فوضعه في كبد القوس وأطلقه قائلاً: (باسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه فمات، فلما رأى الناس ذلك قالوا جميعاً: آمنا بالله رب الغلام، آمنا بالله رب الغلام، آمنا بالله رب الغلام) أي نصر بعد هذا؟ أي انتصار لعقيدة الإيمان والتوحيد بعد هذا؟ أتظنون أن الغلام إذ قتل، وأن الراهب إذ قتل، وأن جليس الملك إذ قتل؛ أن تلك هزيمة؟ أهذا خذلان؟ كلا والله، تلك هي الملحمة الكبرى بين الإيمان والكفر التي يكتب فيها النصر لأهل الإيمان، والهزيمة والخسران، لا للجحود والكفر والطغيان.
стр. 210
التضحية في سبيل الله للحفاظ على العقيدة
بعد هذا الموقف اجتمع أصحاب السوء وبطانة السوء إلى الملك فقالوا: أرأيت أيها الملك! لقد نزل بك ما كنت تحذر، لقد آمن الناس، فانظر ماذا ترى.
قال: (خدوا لهم الأخاديد في أفواه السكك) أي: في أطراف الطرق احفروا لهم حفراً عظيمة وأججوا فيها النار، وانظروا من رجع منهم عن دينه فقد نجا من تلك النيران، ومن أبى فاقذفوه فيها، ففعلوا ذلك، فتتابع الناس إلى النيران، وكان الملك يظن أن الناس إذا رأوا ذلك هربوا، ولكنه فوجئ بأمر لا يتوقعه، فوجئ بأن الناس يقتحمون النيران حفاظاً على عقيدتهم ودينهم وتوحيدهم الذي لم تخالط بشاشته تلك القلوب إلا للحظات يسيرة، ولكنهم كانوا من الإخلاص والصدق في المحل الأعظم.
الناس كلهم يشتركون في الموت، ولكن الناس جميعاً لا يشتركون في المجد، فمنهم من يختار طريق المجد وهم قلة، وكثير من الناس ينظر إلى زهرة الحياة الدنيا ينظر إلى بقائه وحياته وإن عاش ذليلاً مهيناً، ولا يختار ميتة شريفة إلا من يعلم شرف الموت في سبيل الله .
لقد كان موقف أهل الملك وأتباع الملك آنفاً أن آثروا الدخول في هذه النيران على انحرافهم عن عقيدة التوحيد.
مثلهم مثل سحرة فرعون الذين خروا لله سجداً بمجرد أن علموا أن موسى ليس ساحراً، وإنما هو رسول من عند الله، ولذلك قال لهم فرعون ذاك الطاغية الجبار العنيد: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] وصار يتوعدهم ويتهددهم؛ لأنهم آمنوا بالله .
فالمعركة منذ أن خلق الله تعالى الخليقة إلى قيام الساعة معركة إيمان وكفر، ولذلك اعتقاد أهل الإسلام جميعاً وكل أتباع الأنبياء والمرسلين: أن الفوز والنصر فيها لأهل الإيمان، يدل على ذلك بقاء الإيمان وظهوره إلى هذا اليوم، وسيكون كذلك إلى قيام الساعة بإذن الله تعالى.
فخد لهم الأخاديد وألقاهم في النار، فتدافعوا إليها، إلا ما كان من امرأة معها صبي على صدرها، فتقاعست وتراجعت وخافت أن تلقي بنفسها ووليدها في النار، فنطق الغلام وقال: (يا أماه! اصبري فإنك على الحق)، نطق الغلام ناصحاً أمه أن تصبر، وأن تقذف نفسها وإياه في النار فإنها على الحق.
فتبين من هذا أن عدة النصر الصبر، (ولكنكم قوم تستعجلون).
стр. 211
صور من نصر الإيمان في المعارك المعاصرة
قامت هذه الفئة في فلسطين وأفغانستان والشيشان وكشمير وبلاد الألبان وغيرها من بقاع الأرض برفع راية الجهاد في سبيل الله؛ لإظهار دعوة الحق، ولتبليغ الحق إلى الخلق، فما أخطأوا وما أرهبوا، وإنما أرادوا أن يقوموا بأعظم واجب اعتقدوه -وهو اعتقاد صحيح- أن الله تعالى أوجب عليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، أوجب عليهم أن يبلغوا دين الحق إلى الخلق، فلا غروا حينئذ أن يرفعوا راية الجهاد لمن وقف حجر عثرة في سبيل ذلك.
وقد انتصروا بفضل الله ، وجعلوا العالم أجمع يسمع بمحمد ودعوته وعقيدته وشريعته ﷺ ، وهذا أعظم نصر، ذهب الأشخاص وبقيت عقائدهم ترفرف على وجه الأرض ليسمع بها القاصي والداني، أي نصر بعد هذا النصر؟ وأي فلاح ونجاح بعد هذا الفلاح وذاك النجاح؟ لا شيء بعد ذلك، حسبهم أن الله تعالى قد رضي منهم أفعالهم وأقوالهم، حسبهم أنهم فئة قليلة قامت عليهم سائر ملل الكفر وأجلبت عليهم بخيلها ورجلها، ثم هم إلى الآن لم يحققوا أدنى نصر في مواجهة تلك الفئة القليلة من أهل الإيمان إلا ما قد أظهروا من كلمات رنانة، بينما أولئك قد رفعوا سواعدهم للدلالة على النصر المبين، تلك هي الهزيمة لملل الكفر، فما فعلوا بكلماتهم التحسين للوجه القبيح، والمداراة لذلك الخزي والعار الذي لحق دولة الصليب العظمى أمريكا ومعها أوروبا ومن كان معهم من العرب والعجم على السواء.
نعم.
هم يدارون خزيهم وعارهم وهزيمتهم على أرض فلسطين وعلى أرض أفغانستان، ويقولون: في كل يوم نقتل كذا وكذا، القتلى عندنا نحسبهم عند الله شهداء، وذاك مرادنا إما النصر أو الشهادة، وهذا هو مبتغى المؤمن من ربه في الجهاد إما أن ينصره الله ويثبت بهذا النصر دينه وعقيدته، وإما أن يختاره الله تعالى إلى جواره.
وهذا نصر عظيم للأفراد والجماعات.
نعم.
المؤمن يدور أمره بين خيرين لا شر فيهما: النصر أو الشهادة، لكن ماذا ينتظر هؤلاء؟ من المعلوم أن أمريكا في أفغانستان وفلسطين على السواء تعاني من حرج شديد أمام العالم أجمع، ففي أفغانستان يزعمون النصر، وأن طالبان والقاعدة والمجاهدين في أفغانستان ذهبوا إلى حيث لا رجعة، بينما أمريكا تورطت أخيراً مع روسيا في قتال ٧٠ ألفاً من جند طالبان على أرض روسيا، من أين هؤلاء ٧٠؟ ما كنا نسمع بهم من قبل، كيف وقد زعموا أن طالبان من أولها إلى آخرها لا تزيد عن ١٩ ألفاً؟ فما بالهم الآن يقولون: إن ٧٠ ألفاً من طالبان هربوا من جبال أفغانستان إلى جبال روسيا؟ إن هذا العدد الزائد ما هو إلا من جند أمريكا الذي نزل على أرض أفغانستان ليحارب فمنَّ الله عليه بالإسلام فانضموا إلى صفوف طالبان.
أليس هذا نصراً من عند الله ؟ أليس هذا نصراً وتأييداً لدين الله تعالى؟ النبي ﵊ لما دخل على الغلام اليهودي يعوده في مرض الموت ويدعوه إلى الإسلام والإيمان قال له: (يا غلام! قل لا إله إلا الله تنجو بها من النار، فنظر الغلام إلى أبيه فقال له: أطع أبا القاسم، فنطق الغلام بالشهادتين ثم فاضت روحه إلى باريها، فخرج النبي فرحاً وهو يقول: الحمد لله الذي نجى بي نفساً من النار).
نفس واحدة فما بالكم بالآلاف المؤلفة نجت من جراء تلك الحرب على يد هذه الفئة القليلة العارية الحافية الجائعة التي سكنت الجبال والتحفت السماء، قتلوا برداً وجوعاً، ومع هذا أتت أمريكا من تلك البلاد البعيدة لتقاتلهم، ثم تبدو سعيدة بهذا النصر الذي أوهمتنا أنه نصر، وليس الأمر كذلك.
هذا عين ما فعلته أمريكا، وإن شئت فقل: ما فعله الصليبيون على أرض أفغانستان في محاربة أهل الإيمان، يظنون أنهم تخلصوا من ثلة أهل الإيمان ممن رفعوا راية الجهاد، ولا والله: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون دونه، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
هذه هي عقيدة الثبات على دين محمد ﵊، أمر لا يكل ولا يمل منه المؤمن، يقدم نفسه فداءً له وهو راض، أرأيتم رجلاً يهراق دمه ويعقر جواده في سبيل الله، وهو راض بل حريص على ذلك، أناس يحرصون على الموت حرص أهل الكفر على الحياة.
هذه هي سنة الله تعالى، حرب طاحنة بين الفريقين، ونحن لا نعبأ بمن قتل من الجانبين، وإنما نعبأ بالنتيجة الحتمية لبقاء الإيمان وزوال الكفر.
هذا هو الذي كان وسيكون إلى قيام الساعة.
стр. 212
إنفاق الكفرة لأموالهم للصد عن سبيل الله
إن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، يحاربون الإسلام والإيمان بشتى أنواع المحاربة، يستخدمون النساء تارة للفتنة، ويستخدمون المال والرشوة تارة أخرى.
لقد عرض كفار مكة من قبل على النبي ﵊ عروضاً كثيرة منها: إذا كان بك مرض أو جنون أو مس عالجناك واستدعينا لك أعظم الأطباء، قال: ما بي من مس ولا جنون.
قالوا: إذا كنت تريد مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنى قريش، وليس به حاجة إلى مال، إذا كنت تريد كذا وكذا وكذا، وفي كل ذلك يأبى ﵊ إلا نصر عقيدته ودينه ورسالته.
هذا هو النصر الحقيقي.
فلما أيسوا من محمد ﵊ قلبوا له رأس المجن، فبعد أن كان الأسلوب ناعماً ولم يجد نفعاً مع صاحب الدين والعقيدة، قاموا بعد ذلك يسبونه ويلعنونه ويشتمونه ويقاتلونه ويحاربونه.
لا بد أن يمر المؤمن إلى قيام الساعة بتلك المراحل.
أنسيتم ما قالت أمريكا: من أتى لنا بفلان فله خمسة ملايين دولار، ثم رأت أن هذا المال قليل فزادوه إلى عشرة، ثم خمسة عشر، حتى أوصلوا المبلغ إلى خمسة وعشرين مليون دولار، لو كان مع ذاك المطلوب أصحاب دنيا لهرب أحدهم ودل عليه وانتهت القضية.
أتظنون أن تلك الجحافل الكفرية أتت من شرق الأرض وغربها، تزعم أنها لو أخذت شخصاً أو شخصين لوضعت الحرب أوزارها، واستقر الأمر، وانتشر الأمان؟ أتظنون أن هذه الجحافل استطاعت إلى يومنا هذا أن تحصل على ما أتت إليه بزعمها؟ أهذا هزيمة لأهل الإيمان ونصر لأهل الكفر؟ إن هذه الفرقة المؤمنة قضت على آمال أمريكا والصليب، وحققت عليهم نصراً مادياً وعسكرياً مؤزراً فضلاً عن نصر عقيدتهم، وقد نصروا العقيدة بهدم أعظم تمثال يعبد من دون الله في الأرض، وهو تمثال بوذا، وهذا يدل دلالة واضحة على رسوخ الإيمان وعقيدة التوحيد في قلوب طالبان والقاعدة.
أيها الإخوة الكرام! لقد ضرب الله لنا أمثلة عظيمة للثبات، كمؤمن آل فرعون، وكل نبي مع قومه ووجه وجوبه بالتكذيب والطرد والتشريد والقتل والسجن وغير ذلك، ولكنهم ثبتوا على عقيدتهم، وما سمعنا أن واحداً قال لما سجن يوسف إنه انهزم، بل سعى يوسف ﵇ في السجن وأسس نواة التوحيد داخل السجن، أسس نواة تدعو إلى الله ، وإلى توحيده وعقيدته وشرعه في ذلك الوقت في داخل السجن.
إن الأمر كما قال ابن تيمية عليه رحمة الله: أنا جنتي وبستاني في صدري، ما يفعل أعدائي بي؟ إن سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة! فلما أدخلوه وأغلقوا دونه الباب تلا قول الله : ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] انظروا إلى هذا الدرس الذي يعلمه ابن تيمية لأمة كاملة: أنا هنا في حياة طيبة، وأنتم في عذاب؛ لأن الله معي.
هذا هو النصر الحقيقي لأهل الإيمان، ولعقيدة الإيمان والتوحيد.
أقول هذا من باب التثبيت لكثير من شباب الصحوة وعامة الأمة؛ ليعلموا أن ما يدور اليوم على ساحة أفغانستان إنما هو النصر الذي وعد الله ﵎ به، وأرجو ألا تقيس النصر أو الهزيمة بقياس مادي بحت، ولكن انظر إلى الآثار المترتبة على تلك الحرب الضروس التي شنها الصليبيون على أرض أفغانستان.
стр. 213
نصر الله لدينه
أما أرض فلسطين تلك الأرض السليبة المغتصبة التي اغتصبها اليهود بمعاونة الصليبيين في أوروبا وأمريكا، فهناك نصر عظيم جداً، ولذلك لما تولى شارون الحكم رفع إبهامه في مجلس اليهود في فلسطين وقال: موعدكم للتخلص من الانتفاضة بعد مرور مائة يوم لا مائة وواحد.
فمر على توليه عاماً كاملاً ويزداد الأمر تعقيداً ثم تعقيداً، مما جعل شارون واليهود جميعاً في حرج بالغ، واليهود الآن يتنكرون ويبكتون شارون أين المائة التي وعدت بها، أين الوفاء يا شارون؟ فهو في مأزق عظيم لا يكاد أن يخرج من أزمة إلا ويدخل في أزمات حتى يلحق بسابقيه باراك ونتنياهو، لا بد أن يلحق بهما ويلقوا جميعاً في مزبلة التاريخ، ولن يبقى إلا نصر عقيدة التوحيد على أرض فلسطين، وذلك كائن لا محالة؛ لأن الله تعالى هو الذي وعد بذلك، ووعد الله لا يتخلف: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩].
ألا ترون أن اليهود بأسطولهم الجوي والبري على أرض فلسطين يخافون من أطفال الحجارة، ثم ازداد خوفهم ورعبهم من صاروخ يسمى القسام اثنين، صاروخ يمكن للأطفال أن يصنعوه بالمطارق والفئوس، حديد جمع من هنا وهناك ومعدات بسيطة يسيرة، ولكنهم لما أطلقوه بفضل الله وقدره دمر لهم دبابة، وهم في ذعر وأي ذعر منذ أن أطلق ذلك الصاروخ، ويدندنون بالسلام الشامل والسلام العادل، ولكن الله ﵎ نهانا أن نجنح للسلم إلا من علو قهر وغلبة وتمكين، وأن نكون نحن الأعلين وهم الأسفلين: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال:٦١] هم أولاً.
﴿فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١] أي: لا يضرك غدرهم بعد ذلك.
لكن لا بد أن تعد لهم العدة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
إذا كان الدفاع عن الإسلام هو الإرهاب، فأول إرهابي على وجه الأرض هو آدم ﵇، ثم نوح ﵇، ثم كل الأنبياء والمرسلين، وأعظمهم إرهاباً هو محمد ﵊ إذا كان دين الله هو الإرهاب فمرحباً بالإرهاب، ومرحباً بالقتل والقتال أفواجاً وجماعات في سبيل الله ، وفي سبيل هذا الإرهاب: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
إن إرهاب العدو واجب على أهل الإيمان، ولذلك سطر الله ﵎ في كتابه شهادة حق وتقدير لهؤلاء الذين قتلوا في ذلك الأخدود، قال الله تعالى مقسماً على فوزهم وفلاحهم: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:١ - ٧].
﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [البروج:٧] أي: هؤلاء الظلمة الطغاة الكفرة على ما يفعلون بالمؤمنين يأتون شهوداً يوم القيامة، كما أنهم كانوا شهوداً على قتلهم وتدميرهم وتشريدهم وسلبهم في الدنيا، فإنهم يأتون كذلك شهوداً على أنفسهم يوم القيامة.
هذه شهادة حق سجلها التاريخ.
ثم من رحمة الله أن فتح لهم باب الأمل والتوبة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠].
قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الجود والكرم، قتلوا أولياءه وأحرقوهم ثم يدعوهم إلى التوبة.
﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البروج:١٠ - ١١] ثم يأتي الحكم النهائي: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج:١١].
حكم الله تعالى على هذه القضية بأن الفائز فيها هم أهل الإيمان الذين أحرقت أبدانهم وذهبت أجسامهم، ومع هذا فهم أصحاب الفلاح وأصحاب النصر، وهم الفائزون في هذه القضية، وإن الناظر منا إلى هذا الموقف لا بد أن يرجع إليه طرفه بأن الخاسر في هذه القضية هم أهل الإيمان وليس الأمر كذلك؛ لأن النصر الحقيقي إنما هو نصر العقيدة والتوحيد، ولذلك بيَّن الله ﵎ -كما وعد في غير ما آية من كتابه- أن دينه قائم، وأن ما وعد الله تعالى به عباده المؤمنين لا بد أن يتحقق رغم أنوف الكافرين، رضي بذلك من رضي وسخط على ذلك من سخط، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ ا
стр. 214
مواقف في نصرة العقيدة والتوحيد
موقفان في نصرة العقيدة لإبراهيم ﵇: الأول: لما حطم الأصنام أججوا له النيران وألقوه فيها.
وربما يقول قائل من أول وهلة: لقد خسر إبراهيم ﵇، ولكن الله تعالى أمر النار أن تكون برداً وسلاماً عليه، ثم خرج منها يمشي إليهم، وهذا نصر آخر في قضية واحدة، وهي الرسالة الحنيفية السمحة التي جاء بها إبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥] فأهل الإيمان فوق أهل الكفر بإيمانهم وعقيدتهم إلى قيام الساعة.
وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢].
وقال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] أي: إن كنتم مؤمنين حقاً فأنتم الأعلون -بإذن الله- ولا يلزم من ذلك ألا تقدم لله تعالى نفسك وروحك ومالك.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] تلك هي السلعة الغالية وثمنها أن تقدم نفسك ومالك رخيصاً لله .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦]، حزب الله هم الغالبون أي غلبة كانت؛ لكن لا بد أن تكتب لهم الغلبة، ولا يلزم من ذلك ما تراه في واقع الناس اليوم في مقابلة قول الله تعالى: ﴿أوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩].
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠] (في الأذلين): هذه عقوبة من الله وتهديد ووعيد لأهل الكفر والطغيان.
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١].
ومن المبشرات لأهل الإيمان: أن الله تعالى مع الذين آمنوا، ومع الذين أحسنوا، ومع الذين اتقوا، ومع الذين صبروا: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠].
وقال النبي ﵊ لما كان في غار ثور وقال له أبو بكر: (يا رسول الله! إن أحدهم لو نظر تحت قدمه لرآنا، قال: يا أبا بكر! لا تحزن إن الله معنا).
خرجت عليه جحافل الشرك من مكة وغيرها ليقتلوه فلم يستطيعوا فعل شيء، ففي هذا الوقت وذاك الضعف يبشر النبي ﵊ من تولى أمر قريش للدلالة على محمد ﵊، لما آمن يبشره بكنوز كسرى وقيصر، ويبشر النبي ﵊ الأمة في آخر الزمان أنها ستملأ الأرض عدلاً وإسلاماً وتوحيداً.
هذا دين الله وهو ناصره لا محالة، وهذا رسوله ولن يضيعه الله .
وقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] هذا فرعون وملؤه أتوا، سيدركوننا ويقتلونا، فقال موسى الواثق بالنصر من ربه: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] وهداية الطريق إلى الله أعظم نصر لموسى ﵇ في ذلك الوقت.
وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، حق أوجبه الله تعالى على نفسه؛ لكننا لا نفرض على الله تعالى نوعية النصر وكيفية النصر؛ لأن النصر له عدة وعتاد وثمن لا بد أن يفتح، قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] للدلالة على أن الحرب بين أهل الكفر وأهل الإيمان إنما هي في حقيقتها حرب مع الله .
قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] ثم يشهد الله لنفسه بالغلبة والقوة والنصر، قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ، ولذلك يقول: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦] ولم يقل: إنهم يكيدون كيداً وتكيدونهم كيداً، وإنما قال: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٦ - ١٧] دعهم يا محمد! يطغون ويبغون في الأرض، ويفسدون فيها شرقاً وغرباً، فإن الغلبة في النهاية لأهل الإيمان، والعبرة بالخواتيم.
قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْف
стр. 215
الصبر طريق النصر
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وبعد: فتلك الآيات تدل دلالة واضحة على تلك العقيدة الراسخة في قلوب الموحدين أن النصر في نهاية الأمر لأهل الإيمان، بل كتب الله تعالى نصرهم في الدنيا والآخرة.
وجودكم في هذا المسجد نوع من أنواع النصر، رفعكم لراية الجهاد نوع من أنواع النصر، طلبكم للعلم الشرعي نوع من أنواع النصر، بقاء المفتين والعلماء والمحدثين وأهل الخير من أهل الجود بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله نوع من أنواع النصر، فالنصر باق وقائم في الأمة إلى قيام الساعة، والإسلام قادم وإن رغمت أنوف، فقد بشر بذلك النبي ﷺ في غير ما حديث، قال ﵊ فيما أخرجه البخاري من حديث خباب بن الأرت: (أصابنا من المشركين شدة ونحن في مكة، فأتينا إلى النبي ﷺ وهو مسند ظهره إلى الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ ألا ترى ما نحن فيه؟ فغضب النبي ﷺ ، واحمر وجهه، وكان متكئاً فجلس، ثم قال: إن الرجل فيمن كان قبلكم لينشر بالمناشير حتى يلقى على الأرض نصفين لا يرده ذلك عن دينه شيئاً، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه)، ثم قال: (ولكنكم قوم تستعجلون).
لما مر النبي ﵊ بآل ياسر وهم يعذبون ويسحقون، لم يقل: لقد هزمنا وانتهى الدين وذهب إلى غير رجعة.
بل قال: (صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة) وهذا أعظم نصر في ذلك الوقت، أن ينتصر المرء على نفسه بالصبر لله ؛ ليلقى جزاءه في الآخرة جنة عرضها السماوات والأرض، أي نصر بعد هذا؟ بل أنت لماذا تسعى في هذه الحياة وتصبر على هذا الشقاء وتلك الحياة الضنك؟ لأنك تعتقد أن ما عند الله في الآخرة خير لك وأبقى، حياة نعيم أبدية سرمدية.
(يا أهل الجنة! خلود فلا موت) تتحمل هذا الشقاء لأجل تلك الكلمة.
(يا أهل الجنة! خلود فلا موت)، هذا مبتغانا من عبادتنا وعقيدتنا وصبرنا على ما حل بنا من بلاء وأذى.
(ولكنكم قوم تستعجلون) الثمرة قائمة بل هي حاضرة، ونرى والله فروعها وأغصانها يانعة قوية مزهرة مثمرة ولكنكم قوم تستعجلون، ولكن النبي ﵇ يبين لـ خباب بن الأرت الذي عليه، قال: (إن الرجل كان فيمن كان قبلكم ينشر بالمناشير لا يرده ذلك عن دينه شيئاً)، الثبات على العقيدة هو أعظم نصر لله .
следующие страницы →