Полный текст (521 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
صور من نصر الإيمان في المعارك المعاصرة
قامت هذه الفئة في فلسطين وأفغانستان والشيشان وكشمير وبلاد الألبان وغيرها من بقاع الأرض برفع راية الجهاد في سبيل الله؛ لإظهار دعوة الحق، ولتبليغ الحق إلى الخلق، فما أخطأوا وما أرهبوا، وإنما أرادوا أن يقوموا بأعظم واجب اعتقدوه -وهو اعتقاد صحيح- أن الله تعالى أوجب عليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، أوجب عليهم أن يبلغوا دين الحق إلى الخلق، فلا غروا حينئذ أن يرفعوا راية الجهاد لمن وقف حجر عثرة في سبيل ذلك.
وقد انتصروا بفضل الله ، وجعلوا العالم أجمع يسمع بمحمد ودعوته وعقيدته وشريعته ﷺ ، وهذا أعظم نصر، ذهب الأشخاص وبقيت عقائدهم ترفرف على وجه الأرض ليسمع بها القاصي والداني، أي نصر بعد هذا النصر؟ وأي فلاح ونجاح بعد هذا الفلاح وذاك النجاح؟ لا شيء بعد ذلك، حسبهم أن الله تعالى قد رضي منهم أفعالهم وأقوالهم، حسبهم أنهم فئة قليلة قامت عليهم سائر ملل الكفر وأجلبت عليهم بخيلها ورجلها، ثم هم إلى الآن لم يحققوا أدنى نصر في مواجهة تلك الفئة القليلة من أهل الإيمان إلا ما قد أظهروا من كلمات رنانة، بينما أولئك قد رفعوا سواعدهم للدلالة على النصر المبين، تلك هي الهزيمة لملل الكفر، فما فعلوا بكلماتهم التحسين للوجه القبيح، والمداراة لذلك الخزي والعار الذي لحق دولة الصليب العظمى أمريكا ومعها أوروبا ومن كان معهم من العرب والعجم على السواء.
نعم.
هم يدارون خزيهم وعارهم وهزيمتهم على أرض فلسطين وعلى أرض أفغانستان، ويقولون: في كل يوم نقتل كذا وكذا، القتلى عندنا نحسبهم عند الله شهداء، وذاك مرادنا إما النصر أو الشهادة، وهذا هو مبتغى المؤمن من ربه في الجهاد إما أن ينصره الله ويثبت بهذا النصر دينه وعقيدته، وإما أن يختاره الله تعالى إلى جواره.
وهذا نصر عظيم للأفراد والجماعات.
نعم.
المؤمن يدور أمره بين خيرين لا شر فيهما: النصر أو الشهادة، لكن ماذا ينتظر هؤلاء؟ من المعلوم أن أمريكا في أفغانستان وفلسطين على السواء تعاني من حرج شديد أمام العالم أجمع، ففي أفغانستان يزعمون النصر، وأن طالبان والقاعدة والمجاهدين في أفغانستان ذهبوا إلى حيث لا رجعة، بينما أمريكا تورطت أخيراً مع روسيا في قتال ٧٠ ألفاً من جند طالبان على أرض روسيا، من أين هؤلاء ٧٠؟ ما كنا نسمع بهم من قبل، كيف وقد زعموا أن طالبان من أولها إلى آخرها لا تزيد عن ١٩ ألفاً؟ فما بالهم الآن يقولون: إن ٧٠ ألفاً من طالبان هربوا من جبال أفغانستان إلى جبال روسيا؟ إن هذا العدد الزائد ما هو إلا من جند أمريكا الذي نزل على أرض أفغانستان ليحارب فمنَّ الله عليه بالإسلام فانضموا إلى صفوف طالبان.
أليس هذا نصراً من عند الله ؟ أليس هذا نصراً وتأييداً لدين الله تعالى؟ النبي ﵊ لما دخل على الغلام اليهودي يعوده في مرض الموت ويدعوه إلى الإسلام والإيمان قال له: (يا غلام! قل لا إله إلا الله تنجو بها من النار، فنظر الغلام إلى أبيه فقال له: أطع أبا القاسم، فنطق الغلام بالشهادتين ثم فاضت روحه إلى باريها، فخرج النبي فرحاً وهو يقول: الحمد لله الذي نجى بي نفساً من النار).
نفس واحدة فما بالكم بالآلاف المؤلفة نجت من جراء تلك الحرب على يد هذه الفئة القليلة العارية الحافية الجائعة التي سكنت الجبال والتحفت السماء، قتلوا برداً وجوعاً، ومع هذا أتت أمريكا من تلك البلاد البعيدة لتقاتلهم، ثم تبدو سعيدة بهذا النصر الذي أوهمتنا أنه نصر، وليس الأمر كذلك.
هذا عين ما فعلته أمريكا، وإن شئت فقل: ما فعله الصليبيون على أرض أفغانستان في محاربة أهل الإيمان، يظنون أنهم تخلصوا من ثلة أهل الإيمان ممن رفعوا راية الجهاد، ولا والله: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون دونه، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
هذه هي عقيدة الثبات على دين محمد ﵊، أمر لا يكل ولا يمل منه المؤمن، يقدم نفسه فداءً له وهو راض، أرأيتم رجلاً يهراق دمه ويعقر جواده في سبيل الله، وهو راض بل حريص على ذلك، أناس يحرصون على الموت حرص أهل الكفر على الحياة.
هذه هي سنة الله تعالى، حرب طاحنة بين الفريقين، ونحن لا نعبأ بمن قتل من الجانبين، وإنما نعبأ بالنتيجة الحتمية لبقاء الإيمان وزوال الكفر.
هذا هو الذي كان وسيكون إلى قيام الساعة.
стр. 212
إنفاق الكفرة لأموالهم للصد عن سبيل الله
إن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، يحاربون الإسلام والإيمان بشتى أنواع المحاربة، يستخدمون النساء تارة للفتنة، ويستخدمون المال والرشوة تارة أخرى.
لقد عرض كفار مكة من قبل على النبي ﵊ عروضاً كثيرة منها: إذا كان بك مرض أو جنون أو مس عالجناك واستدعينا لك أعظم الأطباء، قال: ما بي من مس ولا جنون.
قالوا: إذا كنت تريد مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنى قريش، وليس به حاجة إلى مال، إذا كنت تريد كذا وكذا وكذا، وفي كل ذلك يأبى ﵊ إلا نصر عقيدته ودينه ورسالته.
هذا هو النصر الحقيقي.
فلما أيسوا من محمد ﵊ قلبوا له رأس المجن، فبعد أن كان الأسلوب ناعماً ولم يجد نفعاً مع صاحب الدين والعقيدة، قاموا بعد ذلك يسبونه ويلعنونه ويشتمونه ويقاتلونه ويحاربونه.
لا بد أن يمر المؤمن إلى قيام الساعة بتلك المراحل.
أنسيتم ما قالت أمريكا: من أتى لنا بفلان فله خمسة ملايين دولار، ثم رأت أن هذا المال قليل فزادوه إلى عشرة، ثم خمسة عشر، حتى أوصلوا المبلغ إلى خمسة وعشرين مليون دولار، لو كان مع ذاك المطلوب أصحاب دنيا لهرب أحدهم ودل عليه وانتهت القضية.
أتظنون أن تلك الجحافل الكفرية أتت من شرق الأرض وغربها، تزعم أنها لو أخذت شخصاً أو شخصين لوضعت الحرب أوزارها، واستقر الأمر، وانتشر الأمان؟ أتظنون أن هذه الجحافل استطاعت إلى يومنا هذا أن تحصل على ما أتت إليه بزعمها؟ أهذا هزيمة لأهل الإيمان ونصر لأهل الكفر؟ إن هذه الفرقة المؤمنة قضت على آمال أمريكا والصليب، وحققت عليهم نصراً مادياً وعسكرياً مؤزراً فضلاً عن نصر عقيدتهم، وقد نصروا العقيدة بهدم أعظم تمثال يعبد من دون الله في الأرض، وهو تمثال بوذا، وهذا يدل دلالة واضحة على رسوخ الإيمان وعقيدة التوحيد في قلوب طالبان والقاعدة.
أيها الإخوة الكرام! لقد ضرب الله لنا أمثلة عظيمة للثبات، كمؤمن آل فرعون، وكل نبي مع قومه ووجه وجوبه بالتكذيب والطرد والتشريد والقتل والسجن وغير ذلك، ولكنهم ثبتوا على عقيدتهم، وما سمعنا أن واحداً قال لما سجن يوسف إنه انهزم، بل سعى يوسف ﵇ في السجن وأسس نواة التوحيد داخل السجن، أسس نواة تدعو إلى الله ، وإلى توحيده وعقيدته وشرعه في ذلك الوقت في داخل السجن.
إن الأمر كما قال ابن تيمية عليه رحمة الله: أنا جنتي وبستاني في صدري، ما يفعل أعدائي بي؟ إن سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة! فلما أدخلوه وأغلقوا دونه الباب تلا قول الله : ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] انظروا إلى هذا الدرس الذي يعلمه ابن تيمية لأمة كاملة: أنا هنا في حياة طيبة، وأنتم في عذاب؛ لأن الله معي.
هذا هو النصر الحقيقي لأهل الإيمان، ولعقيدة الإيمان والتوحيد.
أقول هذا من باب التثبيت لكثير من شباب الصحوة وعامة الأمة؛ ليعلموا أن ما يدور اليوم على ساحة أفغانستان إنما هو النصر الذي وعد الله ﵎ به، وأرجو ألا تقيس النصر أو الهزيمة بقياس مادي بحت، ولكن انظر إلى الآثار المترتبة على تلك الحرب الضروس التي شنها الصليبيون على أرض أفغانستان.
стр. 213
نصر الله لدينه
أما أرض فلسطين تلك الأرض السليبة المغتصبة التي اغتصبها اليهود بمعاونة الصليبيين في أوروبا وأمريكا، فهناك نصر عظيم جداً، ولذلك لما تولى شارون الحكم رفع إبهامه في مجلس اليهود في فلسطين وقال: موعدكم للتخلص من الانتفاضة بعد مرور مائة يوم لا مائة وواحد.
فمر على توليه عاماً كاملاً ويزداد الأمر تعقيداً ثم تعقيداً، مما جعل شارون واليهود جميعاً في حرج بالغ، واليهود الآن يتنكرون ويبكتون شارون أين المائة التي وعدت بها، أين الوفاء يا شارون؟ فهو في مأزق عظيم لا يكاد أن يخرج من أزمة إلا ويدخل في أزمات حتى يلحق بسابقيه باراك ونتنياهو، لا بد أن يلحق بهما ويلقوا جميعاً في مزبلة التاريخ، ولن يبقى إلا نصر عقيدة التوحيد على أرض فلسطين، وذلك كائن لا محالة؛ لأن الله تعالى هو الذي وعد بذلك، ووعد الله لا يتخلف: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩].
ألا ترون أن اليهود بأسطولهم الجوي والبري على أرض فلسطين يخافون من أطفال الحجارة، ثم ازداد خوفهم ورعبهم من صاروخ يسمى القسام اثنين، صاروخ يمكن للأطفال أن يصنعوه بالمطارق والفئوس، حديد جمع من هنا وهناك ومعدات بسيطة يسيرة، ولكنهم لما أطلقوه بفضل الله وقدره دمر لهم دبابة، وهم في ذعر وأي ذعر منذ أن أطلق ذلك الصاروخ، ويدندنون بالسلام الشامل والسلام العادل، ولكن الله ﵎ نهانا أن نجنح للسلم إلا من علو قهر وغلبة وتمكين، وأن نكون نحن الأعلين وهم الأسفلين: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال:٦١] هم أولاً.
﴿فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١] أي: لا يضرك غدرهم بعد ذلك.
لكن لا بد أن تعد لهم العدة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
إذا كان الدفاع عن الإسلام هو الإرهاب، فأول إرهابي على وجه الأرض هو آدم ﵇، ثم نوح ﵇، ثم كل الأنبياء والمرسلين، وأعظمهم إرهاباً هو محمد ﵊ إذا كان دين الله هو الإرهاب فمرحباً بالإرهاب، ومرحباً بالقتل والقتال أفواجاً وجماعات في سبيل الله ، وفي سبيل هذا الإرهاب: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
إن إرهاب العدو واجب على أهل الإيمان، ولذلك سطر الله ﵎ في كتابه شهادة حق وتقدير لهؤلاء الذين قتلوا في ذلك الأخدود، قال الله تعالى مقسماً على فوزهم وفلاحهم: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:١ - ٧].
﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [البروج:٧] أي: هؤلاء الظلمة الطغاة الكفرة على ما يفعلون بالمؤمنين يأتون شهوداً يوم القيامة، كما أنهم كانوا شهوداً على قتلهم وتدميرهم وتشريدهم وسلبهم في الدنيا، فإنهم يأتون كذلك شهوداً على أنفسهم يوم القيامة.
هذه شهادة حق سجلها التاريخ.
ثم من رحمة الله أن فتح لهم باب الأمل والتوبة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠].
قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الجود والكرم، قتلوا أولياءه وأحرقوهم ثم يدعوهم إلى التوبة.
﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البروج:١٠ - ١١] ثم يأتي الحكم النهائي: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج:١١].
حكم الله تعالى على هذه القضية بأن الفائز فيها هم أهل الإيمان الذين أحرقت أبدانهم وذهبت أجسامهم، ومع هذا فهم أصحاب الفلاح وأصحاب النصر، وهم الفائزون في هذه القضية، وإن الناظر منا إلى هذا الموقف لا بد أن يرجع إليه طرفه بأن الخاسر في هذه القضية هم أهل الإيمان وليس الأمر كذلك؛ لأن النصر الحقيقي إنما هو نصر العقيدة والتوحيد، ولذلك بيَّن الله ﵎ -كما وعد في غير ما آية من كتابه- أن دينه قائم، وأن ما وعد الله تعالى به عباده المؤمنين لا بد أن يتحقق رغم أنوف الكافرين، رضي بذلك من رضي وسخط على ذلك من سخط، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ ا
стр. 214
مواقف في نصرة العقيدة والتوحيد
موقفان في نصرة العقيدة لإبراهيم ﵇: الأول: لما حطم الأصنام أججوا له النيران وألقوه فيها.
وربما يقول قائل من أول وهلة: لقد خسر إبراهيم ﵇، ولكن الله تعالى أمر النار أن تكون برداً وسلاماً عليه، ثم خرج منها يمشي إليهم، وهذا نصر آخر في قضية واحدة، وهي الرسالة الحنيفية السمحة التي جاء بها إبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥] فأهل الإيمان فوق أهل الكفر بإيمانهم وعقيدتهم إلى قيام الساعة.
وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢].
وقال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] أي: إن كنتم مؤمنين حقاً فأنتم الأعلون -بإذن الله- ولا يلزم من ذلك ألا تقدم لله تعالى نفسك وروحك ومالك.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] تلك هي السلعة الغالية وثمنها أن تقدم نفسك ومالك رخيصاً لله .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦]، حزب الله هم الغالبون أي غلبة كانت؛ لكن لا بد أن تكتب لهم الغلبة، ولا يلزم من ذلك ما تراه في واقع الناس اليوم في مقابلة قول الله تعالى: ﴿أوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩].
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠] (في الأذلين): هذه عقوبة من الله وتهديد ووعيد لأهل الكفر والطغيان.
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١].
ومن المبشرات لأهل الإيمان: أن الله تعالى مع الذين آمنوا، ومع الذين أحسنوا، ومع الذين اتقوا، ومع الذين صبروا: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠].
وقال النبي ﵊ لما كان في غار ثور وقال له أبو بكر: (يا رسول الله! إن أحدهم لو نظر تحت قدمه لرآنا، قال: يا أبا بكر! لا تحزن إن الله معنا).
خرجت عليه جحافل الشرك من مكة وغيرها ليقتلوه فلم يستطيعوا فعل شيء، ففي هذا الوقت وذاك الضعف يبشر النبي ﵊ من تولى أمر قريش للدلالة على محمد ﵊، لما آمن يبشره بكنوز كسرى وقيصر، ويبشر النبي ﵊ الأمة في آخر الزمان أنها ستملأ الأرض عدلاً وإسلاماً وتوحيداً.
هذا دين الله وهو ناصره لا محالة، وهذا رسوله ولن يضيعه الله .
وقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] هذا فرعون وملؤه أتوا، سيدركوننا ويقتلونا، فقال موسى الواثق بالنصر من ربه: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] وهداية الطريق إلى الله أعظم نصر لموسى ﵇ في ذلك الوقت.
وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، حق أوجبه الله تعالى على نفسه؛ لكننا لا نفرض على الله تعالى نوعية النصر وكيفية النصر؛ لأن النصر له عدة وعتاد وثمن لا بد أن يفتح، قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] للدلالة على أن الحرب بين أهل الكفر وأهل الإيمان إنما هي في حقيقتها حرب مع الله .
قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] ثم يشهد الله لنفسه بالغلبة والقوة والنصر، قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ، ولذلك يقول: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦] ولم يقل: إنهم يكيدون كيداً وتكيدونهم كيداً، وإنما قال: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٦ - ١٧] دعهم يا محمد! يطغون ويبغون في الأرض، ويفسدون فيها شرقاً وغرباً، فإن الغلبة في النهاية لأهل الإيمان، والعبرة بالخواتيم.
قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْف
стр. 215
الصبر طريق النصر
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وبعد: فتلك الآيات تدل دلالة واضحة على تلك العقيدة الراسخة في قلوب الموحدين أن النصر في نهاية الأمر لأهل الإيمان، بل كتب الله تعالى نصرهم في الدنيا والآخرة.
وجودكم في هذا المسجد نوع من أنواع النصر، رفعكم لراية الجهاد نوع من أنواع النصر، طلبكم للعلم الشرعي نوع من أنواع النصر، بقاء المفتين والعلماء والمحدثين وأهل الخير من أهل الجود بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله نوع من أنواع النصر، فالنصر باق وقائم في الأمة إلى قيام الساعة، والإسلام قادم وإن رغمت أنوف، فقد بشر بذلك النبي ﷺ في غير ما حديث، قال ﵊ فيما أخرجه البخاري من حديث خباب بن الأرت: (أصابنا من المشركين شدة ونحن في مكة، فأتينا إلى النبي ﷺ وهو مسند ظهره إلى الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ ألا ترى ما نحن فيه؟ فغضب النبي ﷺ ، واحمر وجهه، وكان متكئاً فجلس، ثم قال: إن الرجل فيمن كان قبلكم لينشر بالمناشير حتى يلقى على الأرض نصفين لا يرده ذلك عن دينه شيئاً، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه)، ثم قال: (ولكنكم قوم تستعجلون).
لما مر النبي ﵊ بآل ياسر وهم يعذبون ويسحقون، لم يقل: لقد هزمنا وانتهى الدين وذهب إلى غير رجعة.
بل قال: (صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة) وهذا أعظم نصر في ذلك الوقت، أن ينتصر المرء على نفسه بالصبر لله ؛ ليلقى جزاءه في الآخرة جنة عرضها السماوات والأرض، أي نصر بعد هذا؟ بل أنت لماذا تسعى في هذه الحياة وتصبر على هذا الشقاء وتلك الحياة الضنك؟ لأنك تعتقد أن ما عند الله في الآخرة خير لك وأبقى، حياة نعيم أبدية سرمدية.
(يا أهل الجنة! خلود فلا موت) تتحمل هذا الشقاء لأجل تلك الكلمة.
(يا أهل الجنة! خلود فلا موت)، هذا مبتغانا من عبادتنا وعقيدتنا وصبرنا على ما حل بنا من بلاء وأذى.
(ولكنكم قوم تستعجلون) الثمرة قائمة بل هي حاضرة، ونرى والله فروعها وأغصانها يانعة قوية مزهرة مثمرة ولكنكم قوم تستعجلون، ولكن النبي ﵇ يبين لـ خباب بن الأرت الذي عليه، قال: (إن الرجل كان فيمن كان قبلكم ينشر بالمناشير لا يرده ذلك عن دينه شيئاً)، الثبات على العقيدة هو أعظم نصر لله .
стр. 216
مبشرات بالنصر
وقالت عائشة لما سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى.
قالت: يا رسول الله! إني لما قرأت قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] قلت: إن ذلك لتام.
قال النبي: يا عائشة! إنه سيكون من ذلك ما شاء الله أن يكون) بشارة عظيمة وإن خالطها شيء مما يقول الناظر إنه هزيمة، وليس في حقيقته كذلك.
وهذا تميم الداري ينقل عن النبي ﷺ أنه قال: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار).
(ليبلغن هذا الأمر) أي: هذا الدين وعقيدة التوحيد في كل بقاع الأرض شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، فوق وتحت.
(ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار) أي: يدخل في كل مكان، ويسمع به كل إنسان، وهذا نصر عظيم.
انظروا من بدأ بهذه الدعوة؟ واحد فقط، النبي ﵊، ثم اثنان وثلاثة وأربعة، رجال ونساء، صبيان وغلمان، عبيد وأحرار، وظل الأمر ينتشر ويتسع حتى سمع به الإنس والجن، أليس هذا أعظم نصر لعاقبة الصبر على الإيمان والتوحيد؟ (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر -أي: في الحضر والقرى والبوادي- إلا أدخله الله تعالى هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر).
وفي حديث ثوبان: (إن الله زوى لي الأرض) أي: جمع وضم لي الأرض.
(كأنها رقعة قماش) ينظر إليها النبي ﵊.
(إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها -ثم تأتي البشارة- وإن ملك أمتي سيلغ ما زوي لي).
هذه الأمة هي التي تملك زمام الأمر، وتملك قيادة العالم، لأنها ملكت زمام العالم أولاً، وسيكون هذا العالم تحت إمرة أمير واحد ومهدي واحد، وخليفة لأهل الإيمان على منهاج النبوة، وعلى منهاج الخلافة الراشدة كما أخبر بذلك النبي ﵊، وسكت للدلالة على أن هذا هو آخر الأمر في آخر الزمان.
وكذلك لا بد من عودة الرخاء والأمن لبلاد العرب خاصة، ولذلك قال النبي ﵊: (لا تقوم الساعة حتى تكون أرض العرب مروجاً وأنهاراً)، وهي كائنة وقائمة، ولذلك من بين أغراض أهل الكفر والطغيان استغلال ثروات العرب والمسلمين من الذهب والبترول والصناعات وغير ذلك، هم يريدون لنا أن نكون أمة تابعة لا أمة متبوعة، أمة ذليلة لا عزيزة، عملوا لذلك بالليل والنهار ونجحوا في بعض خططهم، ولكن الله تعالى لن يمكن لهم أبداً، فهو يختار ويصطفي من عباده قلة قليلة لمحاربة تلك الأمم الكبيرة الكافرة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩].
وقال النبي ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
وقال ﵊: (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره) للدلالة على أن الخيرية قائمة وباقية في الأمة ما بقيت الدنيا، فكما أن الخير فيها أولاً فكذلك الخير فيها آخراً، وما بينهما خير.
وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي ﵊ قال: (بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينما أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي.
قال الراوي أبو هريرة: فهذا النبي قد مات وأنتم تنتشلونها) أي: مفاتيح الأرض وقيادة الأرض بين أيديكم يا أهل الإيمان، تنتشلونها جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد عصر، وزماناً بعد زمان، ومكاناً بعد مكان، وغير ذلك مما يدل على البشارة العظيمة.
وقال النبي ﵊: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود -أي: على أرض فلسطين- حتى يختبئ اليهودي خلف الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! خلفي يهودي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد فإنه من شجر اليهود)، وهذا الشجر يزرع الآن في بلاد الشام، وهذا يدل على قرب الموعد وقرب الملحمة الكبرى بين أهل الإيمان وأهل التوحيد، ليتبين أن موشي ديان عليه لعنة الله ذاك المصري اليهودي الذي كان يعمل وزيراً للدفاع في دولة اليهود، ذهب ليزور مدارس قرية من قرى فلسطين، فأراد أن يسلم على أبناء المدرسة فامتنع تلميذ من التلاميذ عن مصافحته، قال: إليك عني يا عدو الله، أخذتم بلادنا، وسلبتم حرياتنا، وانتهكتم مقدساتنا، وتريد أن أضع يدي في يدك، كلا والله، وإن وعد رسول الله ووعد الله لا بد أن يتحقق فيكم، إن الملحمة تكون بيننا وبينكم أنتم شرقي النهر ونحن غ
стр. 217
حوض النبي ﷺ
الحوض ثابت في أحاديث متواترة من سنة النبي ﷺ ، وليس هو الكوثر على القول الراجح، بل له ميزابان من الكوثر، فالحوض في عرصات يوم القيامة، يسقي النبي ﷺ منه أمته بكفه، إلا من ابتدع أو ضلَّ أو كفر، فإن الله يحرم عليه الوصول إليه، وللحوض صفات مبسوطة في كتب السنة.
стр. 218
بيان تواتر المروي عن النبي ﷺ في الحوض
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
سياق ما روي عن النبي ﷺ في الحوض: الأحاديث التي جاءت في إثبات حوض النبي ﵊ من رواية ابن عمر وابن مسعود وجابر بن سمرة وجندب وغيرهم كثير، وهي روايات متواترة باتفاق أهل العلم، فهي متواترة في إثبات الحوض وإثبات صفاته، قد رواها جمع كثير عن الصحابة، وعنهم أضعاف أضعاف التابعين، وهكذا في كل طبقة نازلة.
وأنتم تعلمون أن حكم المتواتر أنه يفيد القطع، فالحديث المتواتر كالآية تماماً بتمام وسواءً بسواء، وهو يفيد العلم الضروري القطعي؛ ولذلك إجماع أهل السنة والجماعة أن من أنكر آية أو حديثاً متواتراً فقد خرج من الملة.
فهذه النصوص صحيحة في إثبات الحوض لنبينا ﷺ يوم القيامة؛ وذلك تكريماً له ﷺ ولأمته.
قال ابن حزم الإمام الكبير أبو محمد الظاهري: وأما الحوض فقد صحت الآثار فيه كرامة للنبي ﷺ ولمن ورد عليه من أمته، ولا ندري لمن أنكره متعلقاً.
يعني: لا ندري علام يستند الذي ينكر الحوض وإلام يتكل؟ ولا يجوز مخالفة ما صح عن النبي ﵊ في هذا ولا في غيره، فضلاً عما تواتر عنه ﵊.
قال الإمام القرطبي في المفهم شرح صحيح مسلم: ومما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به: أن الله قد خص نبيه محمداً ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي حصل بمجموعها -أي: بمجموع طرقها وأسانيدها- العلم القطعي؛ لأنه متواتر؛ إذ روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين -يعني: بضع وثلاثون- منهم في الصحيحين ما ينيف على العشرين -أي: على العشرين صحابياً- وفي غيرهما بقية ذلك مما صح نقله واشتهرت رواته، ثم رواه عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم ومن بعدهم أضعاف أضعافهم وهلم جرّاً.
وأجمع على إثباته: السلف وأهل السنة من الخلف.
стр. 219
النزاع الواقع بعد السلف في إثبات الحوض
قال: ووقع نزاع بعد السلف، هذا النزاع كان على أشكال: الشكل الأول: إثبات الحوض.
الشكل الثاني: إنكار الحوض.
الشكل الثالث: إثبات الحوض بغير صفاته، أي: بغير الصفات التي وردت في النصوص من حيث الشراب ومن حيث اللون، ومن حيث عدد الأواني، ومن حيث مكان الحوض أين يوجد؟ فمنهم من قال: الحوض في الجنة، ومنهم من قال: الحوض في عرصات القيامة.
والصواب هو الرأي الثاني: أن الحوض في عرصات القيامة.
ومنهم من قال: الحوض هو الكوثر وليس كذلك، بل الكوثر باتفاق أهل السنة نهر في الجنة، والحوض في عرصات القيامة، وعرصات القيامة قبل الجنة، وبين الحوض والكوثر ميزاب، أي: طريق كالقناة، ومادة الحوض هي مادة الكوثر، والكوثر هو الذي يغذي الحوض، هذا معتقد أهل السنة والجماعة، وسترى أدلة ذلك.
فأجمع السلف على إثبات الحوض وأهل السنة من الخلف؛ لأن الخلف عند الإطلاق: هم كل من خالف السنة -أي: العقيدة- وإن كان من أبناء القرن الأول، والسنة عند الإطلاق في باب الاعتقاد تعني: من استقام على منهاج النبوة في العقيدة على جهة الخصوص.
أما الخلف فتعني: الانحراف عن سنة النبي ﵊ في باب الاعتقاد حتى وإن كان من أبناء القرن الأول.
إذاً: السنة هي: اتباع منهاج النبوة في باب الاعتقاد حتى وإن كان ذلك في آخر الزمان فهو من أهل السنة، بخلاف الخلف.
وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة كالخوارج وبعض المعتزلة.
إذاً: الذي أثبته أهل السنة سواء كانوا من أزمنة السلف الخيرية أو من أتى بعدهم إلى قيام الساعة، وكذلك الخلف الذين خالفوا أصول الاعتقاد كالخوارج وبعض المعتزلة، فليس كل المعتزلة ينكر الحوض، وإنما بعض المعتزلة أنكر الحوض.
فالذي أثبت الحوض هم أهل السنة في كل زمان ومكان بدليل تواتر الحديث، والإمام ابن حزم قال: لا يحل لأحد أن يخالف نصاً صحيحاً قد ورد في سنة النبي ﵊ وإن لم يكن متواتراً.
وقال: الحجة عندي تفيد العلم واليقين والقطع إذا أتت من طريق الثقة عن الثقة حتى بلغت النبي ﷺ ، أي: لا يحتاج إلى تواتر.
ويقول -ويؤيده في ذلك الشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله-: حديث الآحاد يفيد العلم القطعي الضروري ما دام أن إسناده صحيح، بخلاف جماهير المحدثين والعلماء الذين يقولون: لا يفيد العلم القطعي الضروري -أي: اليقيني- إلا الحديث المتواتر.
قال: وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره، ومعنى أحالوه أي: قالوا باستحالة أن يكون الحوض على ظاهر هذه الأرض، أو استحالة أن يكون هذا النص على ظاهره.
قال ﵊: (حوضي ما بين أيلة إلى عدن، ماؤه أحلى من العسل وأبيض من الورق -أي: الفضة- آنيته عدد النجوم)، قالوا: مستحيل أن يكون هناك حوض بهذا، كما أنه هو مستحيل على الخلق أجمعين أن يجعلوا حوضاً كهذا الحوض، نقول: هل هذا مستحيل في حق الله؟! وهل الله ﵎ يوصف بأنه يستحيل عليه شيء؟!
الجواب
لا، فإذا كان خالق الحوض هو الله فحينئذ لا يمكن أن يقال: مستحيل في حقه أن يفعل كذا.
وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو كذلك إلى تأويله؛ لأن الذي ينكر شيئاً لابد أن يقع بين فكين: الفك الأول: إقراره واعترافه بصحة الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشيء الذي ينكره، وإلا فأهل السنة والجماعة لا يثبتون شيئاً إلا إذا كانت أدلته صحيحة وصريحة، فالذي ينكر يلزمه أن يتعامل مع هذه النصوص الصريحة والصحيحة، فإما أن ينكرها وأن يجحدها فيكفر بها، وإما أن يصرفها ويؤولها على غير ظاهرها.
فهؤلاء المبتدعة الذين أنكروا الحوض كان لزاماً عليهم أن يتعاملوا مع هذه النصوص المتواترة التي ثبت من خلالها حوض النبي ﵊، فأولوها عن ظاهرها، قالوا: الحوض رمز الخير؛ ولذلك قالوا لـ ابن عباس: أما علمت يا ابن عباس أن الحوض هو الكوثر، وأن الكوثر هو الخير الكثير؟ قال: إي والله! إن الكوثر لهو الخير الكثير.
يريد أن الكوثر والحوض هما من الخير الذي أعطيه النبي ﵊، وهذا -بلا شك- خير كثير خصه الله به.
فخرقوا الإجماع الذي انعقد عند السلف وفارقوا مذهب أئمة الخلف.
قال الحافظ ابن حجر: أنكر الحوض الخوارج وبعض المعتزلة.
стр. 220
ذكر بعض الروايات في صفة الحوض
قال: ووقع نزاع بعد السلف، هذا النزاع كان على أشكال: الشكل الأول: إثبات الحوض.
الشكل الثاني: إنكار الحوض.
الشكل الثالث: إثبات الحوض بغير صفاته، أي: بغير الصفات التي وردت في النصوص من حيث الشراب ومن حيث اللون، ومن حيث عدد الأواني، ومن حيث مكان الحوض أين يوجد؟ فمنهم من قال: الحوض في الجنة، ومنهم من قال: الحوض في عرصات القيامة.
والصواب هو الرأي الثاني: أن الحوض في عرصات القيامة.
ومنهم من قال: الحوض هو الكوثر وليس كذلك، بل الكوثر باتفاق أهل السنة نهر في الجنة، والحوض في عرصات القيامة، وعرصات القيامة قبل الجنة، وبين الحوض والكوثر ميزاب، أي: طريق كالقناة، ومادة الحوض هي مادة الكوثر، والكوثر هو الذي يغذي الحوض، هذا معتقد أهل السنة والجماعة، وسترى أدلة ذلك.
فأجمع السلف على إثبات الحوض وأهل السنة من الخلف؛ لأن الخلف عند الإطلاق: هم كل من خالف السنة -أي: العقيدة- وإن كان من أبناء القرن الأول، والسنة عند الإطلاق في باب الاعتقاد تعني: من استقام على منهاج النبوة في العقيدة على جهة الخصوص.
أما الخلف فتعني: الانحراف عن سنة النبي ﵊ في باب الاعتقاد حتى وإن كان من أبناء القرن الأول.
إذاً: السنة هي: اتباع منهاج النبوة في باب الاعتقاد حتى وإن كان ذلك في آخر الزمان فهو من أهل السنة، بخلاف الخلف.
وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة كالخوارج وبعض المعتزلة.
إذاً: الذي أثبته أهل السنة سواء كانوا من أزمنة السلف الخيرية أو من أتى بعدهم إلى قيام الساعة، وكذلك الخلف الذين خالفوا أصول الاعتقاد كالخوارج وبعض المعتزلة، فليس كل المعتزلة ينكر الحوض، وإنما بعض المعتزلة أنكر الحوض.
فالذي أثبت الحوض هم أهل السنة في كل زمان ومكان بدليل تواتر الحديث، والإمام ابن حزم قال: لا يحل لأحد أن يخالف نصاً صحيحاً قد ورد في سنة النبي ﵊ وإن لم يكن متواتراً.
وقال: الحجة عندي تفيد العلم واليقين والقطع إذا أتت من طريق الثقة عن الثقة حتى بلغت النبي ﷺ ، أي: لا يحتاج إلى تواتر.
ويقول -ويؤيده في ذلك الشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله-: حديث الآحاد يفيد العلم القطعي الضروري ما دام أن إسناده صحيح، بخلاف جماهير المحدثين والعلماء الذين يقولون: لا يفيد العلم القطعي الضروري -أي: اليقيني- إلا الحديث المتواتر.
قال: وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره، ومعنى أحالوه أي: قالوا باستحالة أن يكون الحوض على ظاهر هذه الأرض، أو استحالة أن يكون هذا النص على ظاهره.
قال ﵊: (حوضي ما بين أيلة إلى عدن، ماؤه أحلى من العسل وأبيض من الورق -أي: الفضة- آنيته عدد النجوم)، قالوا: مستحيل أن يكون هناك حوض بهذا، كما أنه هو مستحيل على الخلق أجمعين أن يجعلوا حوضاً كهذا الحوض، نقول: هل هذا مستحيل في حق الله؟! وهل الله ﵎ يوصف بأنه يستحيل عليه شيء؟!
الجواب
لا، فإذا كان خالق الحوض هو الله فحينئذ لا يمكن أن يقال: مستحيل في حقه أن يفعل كذا.
وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو كذلك إلى تأويله؛ لأن الذي ينكر شيئاً لابد أن يقع بين فكين: الفك الأول: إقراره واعترافه بصحة الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشيء الذي ينكره، وإلا فأهل السنة والجماعة لا يثبتون شيئاً إلا إذا كانت أدلته صحيحة وصريحة، فالذي ينكر يلزمه أن يتعامل مع هذه النصوص الصريحة والصحيحة، فإما أن ينكرها وأن يجحدها فيكفر بها، وإما أن يصرفها ويؤولها على غير ظاهرها.
فهؤلاء المبتدعة الذين أنكروا الحوض كان لزاماً عليهم أن يتعاملوا مع هذه النصوص المتواترة التي ثبت من خلالها حوض النبي ﵊، فأولوها عن ظاهرها، قالوا: الحوض رمز الخير؛ ولذلك قالوا لـ ابن عباس: أما علمت يا ابن عباس أن الحوض هو الكوثر، وأن الكوثر هو الخير الكثير؟ قال: إي والله! إن الكوثر لهو الخير الكثير.
يريد أن الكوثر والحوض هما من الخير الذي أعطيه النبي ﵊، وهذا -بلا شك- خير كثير خصه الله به.
فخرقوا الإجماع الذي انعقد عند السلف وفارقوا مذهب أئمة الخلف.
قال الحافظ ابن حجر: أنكر الحوض الخوارج وبعض المعتزلة.
стр. 221
رواية ابن عمر ﵄
قال ابن عمر ﵄: قال النبي ﷺ : (إن أمامكم حوضاً ما بين جرباء وأذرح) وهما: قريتان بالشام بينهما جبل.
وفي رواية: (بينهما مسيرة ثلاثة أيام).
النقاد طعنوا في هذه الزيادة: (بينهما مسيرة ثلاثة أيام)، وقالوا: هاتان القريتان في الشام الآن معروفتان، وليس بينهما مسيرة ثلاثة أيام، وإنما قد أتت رواية لـ أبي هريرة ﵁، يقول كما أخرجه عبد الكريم الديرعاقولي في فوائده عن أبي هريرة بإسناد حسن قال: (عرضه مثلما بينكم وبين جرباء وأذرح) عرض الحوض فقط مثلما بينكم الآن وأنتم بالمدينة؛ لأن الخطاب موجه لأصحابه وهو في المدينة ﵊.
فهذا الحديث - أي: حديث ابن عمر - فيه نقد من وجهين: الوجه الأول: أنه أثبت أن الحوض عموماً ما بين جرباء وأذرح، وفي الحقيقة هذا النص فيه سقط، وبيانه في حديث أبي هريرة: (إن عرض الحوض ما بينكم -أو: كما بينكم- وبين جرباء وأذرح) فيكون في هذا النص سقط، فيكون عرضه كما بين المدينة وأيلة، أو كما بين المدينة وجرباء وأذرح، أو ما بين المدينة والقدس، كما جاءت الروايات كلها.
والشاهد منها: أن النبي ﵊ ما أراد تحديد طول الحوض وعرضه على وجه الدقة، وإنما أراد أن يبين أن الحوض طويل.
فقال ابن مسعود ﵁ وجابر بن سمرة وجندب البجلي: سمعنا النبي ﷺ يقول: (أنا فرطكم على الحوض) ومعنى الفرط: السابق، يعني: أنا أسبقكم على الحوض، وهذا يعني: أنه لا يذهب إلى الحوض ولا يشرب منه أحد قط قبل النبي ﵊ لا نبي مرسل ولا أحد من أتباع الأنبياء، فأول من يشرب من الحوض هو نبينا ﵊.
قال: (أنا فرطكم) يعني: أنا أسبق إنسان يذهب إلى الحوض ثم أنتم بعد ذلك تأتون.
стр. 222
رواية زيد بن أرقم ﵁
أما رواية زيد بن أرقم ﵁ قال: (قال النبي ﷺ ونحن معه في بعض أسفاره في منزل نزلوه: ما أنتم بجزء من مائة ألف جزء ممن يرد علي الحوض من أمتي، قال أبو حمزة راوي الحديث: فقلت لـ زيد كم أنتم يومئذ؟ قال: ثمانمائة أو تسعمائة).
فلا يصح أن يقال: نضرب مائة في ثمانمائة أو في تسعمائة، لا يصح أن يقال هذا؛ لأن النبي ﷺ نفى أن العدد الكائن أمامه يبلغ جزءاً من مائة جزء، قال: (ما أنتم بجزء من مائة جزء) فهو أثبت أن العدد الذي أمامه هذا لا يبلغ جزءاً، فيمكن أن يبلغ ربع جزء، أو خمس جزء، أو عشر جزء، أو جزءاً إلا ربع جزء، أو نصف جزء، لا أحد يعلم.
فهذا موكول إلى الله حتى لا يقوم أحد الآن ويضرب مائة في تسعمائة فيقول: إذاً: الناتج أن الذي سيدخل الجنة هو كيت وكيت وكيت.
стр. 223
رواية عمرو بن العاص ﵁
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال النبي ﵊: (حوضي مسيرة شهر)، يعني: من أراد أن يقطعه يقطعه في شهر، وهذا للراكب المسرع، قال: (زواياه سواء) يعني: طوله مثل عرضه، قال: (وماؤه أبيض من الورق) والورق بكسر الراء هو الفضة، والفضة بلا شك أكثر بياضاً ولمعاناً من الذهب.
قال: (وريحه أطيب من المسك، وكيزانه -أي: الأواني التي عليه- بعدد نجوم السماء) ونجوم السماء لا يحصرها إلا الله ، ومع هذا فإنه لا يشرب أحد بنفسه من الحوض، إنما الذي يسقيه هو النبي ﵊.
قال: (وكيزانه بعدد نجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ بعده أبداً) أي: يكفيك أن تشرب منه شربة واحدة، لا تحتاج بعد ذلك أن تشرب؛ لأنك لا تصاب بظمأ قط بعد ذلك.
стр. 224
رواية أنس وحذيفة ﵄
وقال أنس: قال النبي ﵊: (إن قدر حوضي ما بين أيلة وصنعاء اليمن)، وأيلة هي قرية بالشام.
قال: (إن قدر حوضي ما بين أيلة وصنعاء اليمن) فهذا قدر طول أو عرض حوض النبي ﵇؛ لأننا قلنا: إن طوله كعرضه لاستواء زواياه.
قال: (وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء) وهذا الحديث أخرجه الشيخان كسابقه.
وعن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال النبي ﵊: (إن حوضي لأبعد ما بين أيلة وعدن).
ففي الرواية الأولى قال: (إن قدر حوضي ما بين أيلة وصنعاء اليمن) وفي الرواية الثانية يقول: أبعد من ذلك.
فهذا التقدير إنما أراد به عظم حجم الحوض طولاً وعرضاً، وما أراد أن يحدد قدره بالملي والسنتيمتر، فقال: (إن حوضي لأبعد ما بين أيلة وعدن، والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء).
وفي الرواية الأولى قال: (وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء) والكاف تفيد التشبيه والمماثلة بين العدد والمعدود، ولكنه هنا أراد كذلك أن يبين كثرة هذه الأباريق، وكثرة هذه الكيزان.
قال: (والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم، ولهو أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، والذي نفسي بيده إني لأذود عن الرجال، أو إني لأذود عنه الرجال كما يذود الرجل الغريبة من الإبل عن حوضه).
فالنبي ﵊ يضرب هنا مثلاً للتشبيه فيقول: هل رأيتم الرجل عنده الحوض وعنده الإبل، لو أن بعيراً غريبة دخلت في وسط إبله فأرادت أن تشرب من حوضه ما الذي يكون منه؟ يدفعها ويذودها ذوداً حتى لا تشرب فتفني الماء، كل ذلك من أجل أن تشرب إبله، فقال ﵊: (وإني لأذود عن الحوض رجالاً كما يذود الرجل الغريبة عن إبل).
فهنا إشعار بأن هذا لا يمكن أن يكون في الجنة، والغريب أن بعضهم قال: الحوض حوضان: واحد في الجنة وواحد في عرصات القيامة.
وليس كذلك، بل الروايات كلها تثبت أن الحوض واحد.
(قيل: وهل تعرفنا -يا رسول الله- يومئذ؟ قال: نعم.
تردون علي غراً محجلين من آثار الوضوء، ليست لأحد غيركم) يعني: أن يشع النور من وجهك وأنت متوضئ مصل، وليست هذه الخاصية لأحد غيركم، إنما هي لكم خاصة، والغرة هي: بياض في وجه الفرس أو في يده ورجله، بمعنى: أن يكون الفرس كله أحمر أو بنياً أو أسود وهناك خصلة من الشعر بيضاء في وجهه أو في قدمه أو يده، فلا شك أنه لو دخل فرس كهذا في وسط خيل كثيرة لعُرف هذا الخيل؛ لأنها مميزة بهذه الغرة وهذا التحجيل، فالغرة: بياض في الوجه، والتحجيل: بياض في الأطراف، سواء كانت الأطراف هذه أيدياً أم أرجلاً، وقال النبي ﵊: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)، وفي هذا الحديث: (فإنكم تردون علي غراً محجلين) أي: في وجوهكم وأيديكم وأرجلكم بياض؛ لذلك كان أبو هريرة إذا توضأ رفع كمه حتى بلغ في غسل يده إلى المنكب، وبلغ في غسل رجله إلى ركبته، فلما قيل له في ذلك قال: سمعت النبي ﵊ يقول: (إنكم تردون علي غراً محجلين من آثار الوضوء.
وأنا أحب ذلك) أي: أنا أحب أن آتي على هذه الصفة يوم القيامة.
стр. 225
رواية ثوبان ﵁
وعن ثوبان أن النبي ﵊ قال: (أنا بعقر حوضي يوم القيامة) يعني: أنا في وسط الحوض يوم القيامة.
قال: (أذود عنه الناس، وأضربهم بعصاي حتى يرفضوا عنه- أي: حتى يبتعدوا عن الحوض- قيل للنبي ﵊: ما سعته؟ قال: من مقامي إلى عمان).
(من مقامي) أي: من المدينة.
(إلى عمان البلقاء) عاصمة الأردن.
قال: (يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة) (يغت) يعني: يصب.
إذاً: الحوض خارج الجنة، ولكن الإمداد يأتيه من الجنة، وهذا الإمداد مصدره الكوثر.
قال: (يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورق) وهذا الحديث أخرجه مسلم.
والعرصات: هي موضع المحشر الذي يحشر فيه الناس ويعرضون على ربهم.
стр. 226
رواية جابر بن عبد الله ﵁
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (أنا فرطكم بين أيديكم) يعني: أنا أسبقكم إلى الحوض.
(فإن لم تجدوني فأنا على الحوض) كأنه أراد أن يقول: أنا أسبقكم كذلك في البعث، فإنه أول من تنشق عنه الأرض هو نبينا ﵊، قال: فإذا قمتم من قبوركم وبعثتم فلم تجدوني فاعلموا أني عند الحوض، قال: (فإن لم تجدوني فأنا على الحوض، وحوضي قدر ما بين أيلة إلى مكة)، قال قبل ذلك: (من مقامي هذا) أي: من المدينة، وفي هذه الرواية: (من مكة)، وليس هذا اضطراباً في الروايات، بل هو تقدير عظم الحوض.
قال: (وسيأتي رجال ونساء بقرب وآنية)، وفي حديث علي بن مسلم: (يأتون ثم لا يذوقون منه شيئاً) يعني: لا يشربون منه شيئاً.
стр. 227
رد أنس بن مالك على من أنكر الحوض
وعن ثابت عن أنس قال: دخلت على ابن زياد وهم يذكرون الحوض، فقال: هذا أنا، فقلت: (لقد كانت عجائز بالمدينة).
هذا أنس بن مالك يرد على من أنكر الحوض، يقول: (لقد كانت عجائز بالمدينة -يعني: نساء كبيرات طاعنات في السن- كثيراً ما يسألن ربهن أن يسقيهن من حوض نبيهن) يعني: يريد أن يقول لهم: ألا تستحون يا من تدعون العلم والمعرفة والحذلقة فتنكرون حوض نبيكم ﵊، وقد أدركنا نساءً عجائز بالمدينة لا علاقة لهن بالعلم يسألن الله أن يسقيهن من حوض نبيهن ﵊، فدين العجائز أصح وأكرم من دينكم ومعتقدكم.
وفيه: (ما حسبت أن أعيش حتى أرى مثلكم ينكر الحوض) يعني: يريد أن يقول: إنه لأمر عجيب جداً أن أعيش حتى أرى أناساً ينكرون الحوض.
стр. 228
الرد على من أنكر الحوض والميزان
فالكلام في الحوض كلام كثير جداً، وللأسف الشديد قبل عدة أسابيع سمعت أن أحد الفضلاء في الأزهر ينكر الحوض والميزان، وكان يلقي محاضرة في المقطم، فلما أتى عند الحوض قال كلاماً هو إلى الكفر أقرب، بل إنه زاد على الإنكار استهزاء وتهكماً، فقال: كيف يُعد الله تعالى في الآخرة حوضاً لعباده؟ أهم بهائم؟ وهل الصفات الواردة في صفة الحوض هي نفس الصفات الواردة في الحياض التي تردها أنت مع البهائم وتشرب منها؟! ثم يقول: قد دلت النصوص أن الميزان يوزن به الأعمال ويوزن به الأبدان والأشخاص، كيف توزن الأبدان يوم القيامة وما قيمة وزنها؟! ثم قال: وكيف توزن الأعمال مع أن الأعمال أمر معنوي وليس محسوساً؟!
الجواب
إن أموراً كثيرة جداً معنوية يجعلها الله تعالى في صورة المحسوس يوم القيامة، ولا يمكن أن يقع ذلك تحت طائلة العقل لبني آدم، أليس الموت شيئاً معنوياً؟ ومع هذا يأمر الله ﵎ به فيكون في صورة كبش يذبح على الصراط بين الجنة والنار.
وغير ذلك من المعنويات التي تكون في صورة المحسوسات يوم القيامة، ولا يمكن أن يقاس عليه عمل العباد في الدنيا قط.
فالله تعالى إذا أراد أن يزنها على حالتها فإنه قادر على أن يفعل ذلك، وإذا أراد أن يحول هذه المعنويات من الأعمال إلى محسوسات فتوزن لفعل ذلك : ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩]، وغير ذلك من الأمور المعنوية.
فالروح شيء معنوي، ولا يستطيع أحد منكم أن يأخذ روحه بيده، لكن إذا مات العبد جعلت الروح في خرقة ولفَّت فيها وصعد بها إلى السماء، فمنها من تفتح لها أبواب السماء، ومنها من تغلق فترجع إلى الأرض مرة أخرى، ولا يكون هذا إلا في المحسوسات، مع أننا نوقن أن الروح من الأمور المعنوية وليست من الأمور المحسوسة، فإقحام العقل في هذه النصوص التي تفوق مستوى العقل بلا شك نوع محادة لله ورسوله الكريم ﵊.
стр. 229
خلاصة الأحاديث المتواترة في إثبات الحوض
إذاً: أخلص من ذلك إلى إثبات حوض النبي ﵊، وأن طوله كعرضه، وأن الحوض طويل أو عريض كما بين أيلة إلى مكة أو إلى المدينة، أو من الشام إلى اليمن أو غير ذلك من اختلاف الروايات التي وردت، والقصد منها والهدف: إثبات حجم الحوض، وأن هذا الحوض أطيب من المسك وأحلى من العسل، وآنيته كعدد نجوم السماء وزيادة وغير ذلك مما ورد في صفاته، وأن الحوض واحد، وأنه في عرصات القيامة، وأن الكوثر في الجنة، وأنه يمد الحوض بميزابين: أحدهما من ذهب والآخر من ورق -من فضة-، وأن النبي ﵊ هو فرط الناس على الحوض -هو سابقهم-، وأنه لا يشرب أحد من الحوض إلا بيد النبي ﵊، ثم هذا الحوض يأتيه الناس من كل حدب ليشربوا، والنبي ﵊ يدعوهم للشرب، فإذا بجنود الرحمن يذودون هؤلاء عن الحوض، أي: يدفعونهم ولا يسقونهم، فيقول النبي ﵊: (يا رب! أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) وهذا نص عظيم يفيد أن الحوض لا يمكن أن يكون في الجنة؛ لأن المرء إذا دخل الجنة تمتع بكل ما فيها من نعيم في درجته، وأنه لا يذاد عن شيء اشتهته نفسه، وإنما هذا الحرمان بسبب التبديل والتغيير والابتداع في الدين.
فقال: (إنك لا تدري) يا محمد، أي: لا تدري ما سر ذود هؤلاء عن الحوض وطردهم وإبعادهم عنه؛ إنما السبب في ذلك أنهم بدلوا وغيروا وارتدوا من بعدك كما جاءت بذلك الروايات.
стр. 230
تعقيب على الشيخ أحمد حكمي في تفسير الحوض بالكوثر
قال الشيخ أحمد حكمي فيما جاء في الحوض والكوثر: وحوض خير الخلق حق وبه يشرب في الأخرى جميع حزبه قوله: (حوض خير الخلق) أي: حوض نبينا ﷺ ، ثم قال: وهو الكوثر الذي أعطاه ربه ، وهذا -بلا شك- كلام غير سديد، فليس الحوض هو الكوثر، ولكن الشيخ أحمد حكمي عليه رحمة الله -هو من أئمة السنة- ذهب مذهباً مرجوحاً، وهو إثبات أن الحوض هو الكوثر، فقد صح الحديث في أن الكوثر في الجنة، وأن الحوض في عرصات يوم القيامة، وبينهما طريقان: أحدهما من ذهب، والآخر من فضة.
روى البخاري عن ابن عباس: أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه.
قال أبو بشر: قلت لـ سعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.
يعني: بعض الناس يقولون: الكوثر عبارة عن نهر، والنهر في الجنة، فقال: هذا لا يختلف مع كلام ابن عباس، فإذا كان الكوثر هو نهر في الجنة، وأنتم تقولون: الخير هو نهر في الجنة فلا بأس أن يكون هذا هو نهر الكوثر، إنما أورد المؤلف هذا الحديث لإثبات أن الحوض هو الكوثر، وليس كذلك.
قال: وقد ورد في ذكر الحوض وتفسير الكوثر به وإثباته وصفته من طرق جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ فاشتهر واستفاض، بل تواتر في كتب السنة من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن.
وهذا كلام غير صحيح، فهو بالفعل قد ورد في ذكر الحوض وبيان صفته دون تفسير الكوثر به، هذه الأحاديث المتواترة.
فممن روى ذلك من الصحابة أنس وابن عمر وحارثة بن وهب وجندب البجلي وسهل بن سعد وعائشة وعد أناساً كثيرين من الصحابة فوق الثلاثين.
وفي حديث أنس: (أن النبي ﷺ لما عرج به إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟! قال: هذا الكوثر).
فالشيخ أحمد بن حكمي يورد هذا لبيان أن الكوثر هو الحوض، مع أن الرواية ليس فيها ذكر للحوض، إنما فيها ذكر أن الكوثر نهر أصله في الجنة.
وقال البخاري كذلك: عن أنس بن مالك عن النبي ﵊: (بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟! قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه أو طينه -شك هدبة الراوي- مسك أذفر).
وقال أنس بن مالك: قال النبي ﵊: (إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق بعدد نجوم السماء).
وفي لفظ: (ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة).
وفي لفظ: (ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء).
وفي رواية عند البخاري قال: (ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك).
стр. 231
تتمة الروايات الواردة في الحوض
стр. 232
رواية أبي سعيد وعائشة ﵄
وفي رواية أبي سعيد قال: (فأقول: إنهم مني) أي: فيقول النبي ﵊ عن الذين يذادون عن الحوض ويدفعون عنه: (إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي) وهذه الرواية عند مسلم.
وفي رواية: (سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي) والمعنى واحد.
وقالت عائشة ﵂: (سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو بين ظهراني أصحابه: إني على الحوض أنتظر من يرد علي منكم، فوالله ليقتطعن دوني رجال فلأقولن: أي رب! مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم) أي: يرتدون ويتركون الدين.
стр. 233
رواية عقبة بن عامر ﵁
وعن أبي القيس عن عقبة ﵁: (أن النبي ﷺ خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف على المنبر -أي: ثم صعد على المنبر- فقال: إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها) أي: في الدنيا.
وفي رواية: (صلى النبي ﵊ على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات على السواء، فقال: إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة، إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم.
قال عتبة راوي الحديث: فكانت آخر ما رأيت رسول الله على المنبر) يعني: هذا كان من آخر كلامه على المنبر صلوات الله وسلامه عليه.
والروايات كلها بنفس المعنى.
стр. 234
رواية أبي هريرة ﵁
وفي رواية أبي هريرة قال النبي ﵊: (بينما أنا قائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم.
فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله)، وهل يتصور أن أحداً دخل الجنة يخرج منها إلى النار؟! من دخل الجنة لا يخرج منها قط، بخلاف النار فإنه يخرج منها مادام موحداً، لكن النبي ﵊ وقف مع بعض الناس الذين يعرفهم، فإذا برجل يأخذ بعضهم ويدفعهم عن الحوض، فيقول النبي ﵇ لهذا الذي أخذ بعض من يعرفهم: (إلى أين؟ قال: إلى النار والله.
قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم).
وقال ﵊: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على الحوض).
وطبعاً أنتم تعرفون الحديث الموضوع: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) والحقيقة أنه ﵊ لا يعلم الغيب؛ لأن هذا الكلام قاله وهو حي، وما يدريه ﵊ أنه سيقبر في هذا المكان، وأنتم تعلمون أنه ما من نبي يموت إلا ويجب دفنه حيث مات، وهذه خاصية من خصوصيات النبي ﵊؛ ولذلك قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)؛ لأن هناك فرقاً بين القبر والوثن.
فالقبر: أن يقبر المسلم مع المسلمين في المقابر العامة للمسلمين.
أما الوثن: أن يتخذ القبر إلهاً من دون الله.
وهل يتصور أن واحداً يتخذ المقبور إلهاً؟ نعم.
إذ يصرف لهذا المقبور ما لا يجوز صرفه إلا لله؛ فيدعوه ويستغيث به ويذبح له ويؤمن به وغير ذلك من سائر العبادات التي لا يجوز صرفها إلا لله، فيصرفها لهذا المقبور فيكون قد اتخذه إلهاً من دون الله؛ ولذلك قرأ النبي ﵊: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] عند دخول عدي بن حاتم بعد أن أسلم، ولكنه كان يلبس الصليب على صدره، فقال ﵊: (دع عنك وثن الجاهلية يا عدي)، يعني: ألق هذا الصليب فإنه من أوثان الجاهلية، مع أن الصليب ما هو إلا مجرد قطعة من الخشب أو الحديد أو النحاس أو الفضة أو الذهب أو أي شيء؛ سمي وثناً لأنه صار معبوداً وإلهاً يعبده الناس من دون الله، فتحول من كونه مجرد تمثال إلى كونه إلهاً.
أنتم تعلمون تمثال بوذا، فهو ليس تمثالاً فقط، بل صار إلهاً يعبد من دون الله، إذ يأتيه الوفود والعباد من أقطار الأرض، فيعبدونه في أرض أفغانستان، حتى طار شرره وذاع صيته في الآفاق: أن بوذا يملك النفع والضر، ونحن نعلم أنه لا يملك النفع والضر إلا النافع الضار .
فلما كان من شأن معتقد الناس في حجر كهذا وجب إزالته وتدميره، خاصة لقوم بذلوا العلم على مدار سنوات طويلة.
الثاني: أنهم مسئولون عن نشر التوحيد ونبذ الشرك في هذه البقعة التي مكنهم الله تعالى منها، فهم ممكنون كرب البيت تماماً، رب البيت إذا أشرك بالله تعالى في بيته فإن هذا الشيء سيكون من مسئوليته، والله تعالى يحاسبه عليه؛ لأنه ممكن: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، فهؤلاء ممكنون وهم على قمة البلاد ويملكون سيادة الأمر فيها.
إذاً: فلم يتركون هذا الشرك في بلادهم؟! فإنهم سيسألون بين يدي الله، فلما قاموا بتدمير هذا الوثن قاموا بأمر مشروع، وواجب عليهم، ولكن المرجفون هنا وهناك خرجوا بشبهات، هذه الشبهات لا تنطلي إلا على الجهال.
الشبهة الأولى: أن عمرو بن العاص لما جاء مصر لم يكسر الأصنام.
نقول: أولاً: لأنها لم تكن معبودة.
ثانياً: لأنها كانت تحت الرمال وليست واضحة ولا بادية، فإن أبا الهول له آلاف السنين، لكن لم ينقبوا ويبحثوا عنه إلا قبل (٢٠٠) سنة، لذلك لم تكن يسمع الناس عن أبي الهول.
فمن هو أبو الهول؟ أهو شخص أو حيوان أو هو طائر أم ماذا؟ لا أحد يعرف شيئاً عنه، ومع هذا تجد أناساً يعبدونه، لأنهم ليسوا أحسن حظاً ولا عقلاً منه، فهو حجر لا يضر ولا ينفع.
وقيل: إن عمرو بن العاص ﵁ أمر بالتنقيب عنه وتكسيره، فذكرت كتب التاريخ أن محاولات عدة على مدار عدة أشهر بذلت في تحطيمه فلم يكسروا منه إلا قطعة في أنفه لا تزال تعالج إلى الآن.
معنى ذلك أن تكسير هذه الأصنام يحتاج إلى مجهود ضخم جداً، فصرف إمكانية الدولة الضعيفة في ذلك الوقت في تكسير حجر لا خطورة منه؛ لأنه لا يعبد ولم يسمع عنه أحد، ولم يكن في تلك الأيام منطقة اسمها الجيزة، بل القاهرة كلها كانت عبارة عن مصر القديمة والمنيل حيث الحصن.
أما الموطن الذي اتخذه لنفسه عمرو بن العاص كان في مقابلة هذا الحصن في مصر القديمة، فالقاهرة كلها عبارة عن منطقة ضيقة بسيطة، ولم يثبت أن هذا المكان الآهل بالسكان كان فيه صنم وتركه عمرو بن العاص، فكيف يترك الرومان في وسط ال
стр. 235
الأسئلة
стр. 236
الأمة التي ينتمي إليها الذين يذادون عن الحوض
السؤال
هل الذين قال عنهم النبي ﵊: (أمتي أمتي) أحدثوا في الدين أم أنهم من غير أمته ﵊؟
الجواب
هم من أمته، لكنهم أتوا بأفعال استوجبت ردتهم، أو بدلوا وغيروا، أو قالوا بغير مقولة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأصول الاعتقاد.
стр. 237
حكم رضاعة المسلم من النصرانية أو اليهودية
السؤال
هل يجوز رضاعة المسلم من النصرانية؟
الجواب
نعم.
يجوز، وإذا أرضعته نصرانية فهي أمه وأولادها إخوته.
أما إذا كنت تسأل عن الأفضل فبلا شك أن الأفضل ألا ترضع ولدك إلا امرأة صاحبة دين، ولا يكفي أن تكون مسلمة فقط، بل تكون صاحبة دين.
وقد ورد عن الإمام أحمد بن حنبل أن جارية أرضعت ولده، ولا يزال العرب يفرقون بين الحرة والأمة في الأخلاق وفي الديانة، فيقولون: للحرة من الخلق والديانة والحشمة ما ليس للأمة، فلما رأى ولده يرضع من ثدي الأمة أدخل أصبعه في حلقه حتى قاء اللبن، فلما سئل عن ذلك قال: إنما يرضع الولد الأخلاق قبل اللبن، أما إذا كنت تسأل عن المشروعية: جائز أم حرام فهو جائز، واليهود والنصارى في ذلك سواء.
стр. 238
الحكم على حديث: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين)
السؤال
قال ﵊: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها) هل هذا الحديث صحيح أم لا؟
الجواب
نعم.
هو صحيح في الصحيحين.
стр. 239
معنى كلمة: (أسنت)
السؤال
من المعلوم أن قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء:١٢٨] الآية، نزلت في سودة.
قالت عائشة: (فرقت سودة أن يفارقها رسول الله ﷺ حين أسنت)، فما معنى (أسنت)؟
الجواب
أي: كبرت في السن.
стр. 240
المقصود بقوله: (وهل تعرفهم يا رسول الله) في خبر الحوض
السؤال
قوله: (وهل تعرفهم يا رسول الله؟!) هل يقصد الصحابة، أم يقصد المسلمين؟
الجواب
لا.
هو يقصد من بدل من أمته سواء كانوا من الصحابة أم من غيرهم، ولم يثبت أن أحداً من أصحابه ﵊ بدل، فهذا الخطاب موجه لعموم الأمة، والصحابة من الأمة، وهم في نفس الوقت أمة، فمن بدل منكم -أيها الصحابة- أو من سائر المسلمين إلى قيام الساعة فإنه يذاد عن الحوض، ولم يثبت أن واحداً من الصحابة بدل أو حرف أو غير، وإنما كلهم كانوا على عقيدة واحدة، ولم يثبت أن واحداً من الصحابة ﵃ انحرف عن أصول اعتقاد نبيه ﵊.
والخلاف الذي وقع في فرعيات الاعتقاد معلوم يقيناً عند أهل السنة أن هذه الفرعيات مختلف فيها، ولا يبدع ولا يفسق بها المخالف، وإنما هي أمور كانت محل اجتهاد الصحابة ﵃.
стр. 241
حكم قراءة الفاتحة في الصلاة
السؤال
ما حكم قراءة الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية؟
الجواب
واجب على المذهب الراجح.
стр. 242
صفة الاستعاذة عند قراءة القرآن
السؤال
هل القول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم عند قراءة القرآن صحيح؟
الجواب
أي نعم.
صحيح؛ لأن الاستعاذة على ثلاثة أنحاء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه.
هذه ثلاث صور وكلها صحيحة، وقد جاءت بها النصوص.
стр. 243
حكم التصوير الفوتوغرافي بالكاميرا والتصوير بالفيديو
السؤال
ما حكم التصوير الفوتوغرافي بالكاميرا؟ وما حكم التصوير بالفيديو؟ وما الفرق بينهما؟
الجواب
طبعاً التصوير الفوتوغرافي هو محل نزاع بين أهل العلم، والذي يترجح لدي: أن التصوير الفوتوغرافي ما لم تدع الضرورة إليه فهو حرام، كالصور الصغيرة التي لا تسير مصالح الناس إلا بها، وما دون ذلك فهو حرام، والذين قالوا بجواز التصوير الفوتوغرافي بلا شك لا يقصدون، -بل قد استثنوا- الصور التي تدعو إلى الرذيلة كصور العاريات أو غير ذلك، وكذلك استثنوا التعليق، وحرمة التعليق محل إجماع أهل العلم؛ لأن التعليق ينبئ عن التعظيم، فحكم التصوير شيء وحكم التعليق شيء آخر، وأنت يا أخي إياك أن تغتر بالخلاف القائم بين العلماء فيما يتعلق بجواز التصوير من عدمه، فتعمد إلى تعليق الصورة وتقول: أنا آخذ برأي الذي يقول: إن الصور حلال، مع أن الأحوط لدينك أن تأخذ بالرأي الآخر ما لم تعتقد أنه حرام.
واعلم أن الذين قالوا بجواز التصوير قالوا بحرمة التعليق؛ فلم أخذت بعض أقوالهم وتركت البعض الآخر؟ أما الفيديو فقد سمعنا الشيخ الألباني ﵀ وكذا الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين -على الجميع رحمة الله- يقولون: إذا دعت الضرورة إلى ذلك وإلا فلا يجوز.
وعلى أية حال: هم لا يسوون بين الصورة المتحركة غير الثابتة وبين الصورة الثابتة، ربما يكون هذا فرقاً صحيحاً، لكنه لم تقم الحجة المقنعة لدى الكثير بأن هذا فارق جوهري في الحكم على الفيديو والحكم على الصور.
стр. 244
كيفية المسح على الرأس عند الوضوء وحكم المسح على الخمار
السؤال
هل يكفي المسح على الخمار، أم يجب المسح على جزء من الشعر أيضاً؟ وهل عند الوضوء يكفي المسح على نصف الرأس أو جزء من خلف الرأس فقط، أم يجب المسح من الأمام؟
الجواب
على أية حال: هذه المسألة محل نزاع، وأرجح الآراء فيها، بل إن هذه العملية هي سنة النبي ﵊: أنه كان يمسح رأسه، يبدأ بمقدم رأسه ويذهب إلى قفاه ثم يرد يديه إلى حيث بدأ، أي: إلى ناصيته، فكان يضع يديه على ناصيته ويذهب بهما على شعره يمسح ثم يردهما إلى مقدم رأسه، وهذا للرجال والنساء سواء؛ لأنه لم يكن ثمة فرق بين صفة وضوء النساء والرجال، وهذا مما يدل على أن الوضوء واحد لهما، وكذلك لا فرق قط في أحكام الصلاة بين صلاة الرجل وصلاة المرأة، وكل الفروق تقول: المرأة لابد أن تكون مضمومة، والمرأة لابد أن تشد على ثديها وغير ذلك، كل هذا كلام لا دليل عليه، والأحكام واحدة في حق الرجل والمرأة.
أما إذا كان الرجل أو المرأة يلبسان الخمار -الخمار هو كل ما خامر الرأس وغطاه، سواء كان ذلك عند الرجل أو عند المرأة- فإذا بدا من رأسه شيء أو بدت من رأسها شعرة أو شعرات فلتمسح عليها ولتكمل على خمارها، وإذا غطى الخمار كل الشعر فلا بأس أن تمسح على الخمار كله ذهاباً وإياباً، والله تعالى أعلم.
стр. 245
حكم الوصية بأكثر من الثلث
السؤال
أوصت امرأة قبل وفاتها بأكثر من ثلث تركتها، فهل تنفذ هذه الوصية؟
الجواب
تنفذ في أكثر من الثلث بإجازة الورثة.
هذا شرط، وإذا لم يرض الورثة بإنفاذ الوصية وأنكروها كلها ولم يرضوا أن يوزع شيء من الميراث قط فتنفذ الوصية قسراً وجبراً في حدود الثلث، وما فوق الثلث لا يلزم إنفاذه إلا برضاهم.
стр. 246
قسمة تركة المتوفى عن ابن وبنتين وأولاد ابن
السؤال
جدتي ماتت عن بنتين وابن لأب وأولاد ابن، فكيف تقسم تركتها؟
الجواب
لا شك أن البنتين لهما في ميراث الأم الثلثان، وأولاد الابن يأخذون حظ الابن تحت باب الوصية الواجبة، والابن لأب يأخذ بقية التركة تعصيباً.
стр. 247
حكم احتلام الحاج بعد أداء مناسك الحج
السؤال
نمت في المسجد الحرام بعد أداء مناسك الحج ثم احتلمت، ولما رجعت إلى هذه البلاد لم يكن عندي أدنى رغبة لمباشرة النساء، فهل هذه عقوبة من الله ؟
الجواب
لا.
ليست عقوبة، لأن الاحتلام أمر لا يملكه الإنسان.
стр. 248
حكم اللقطة في القطار
السؤال
لقد وجدت (كماناً) في القطار فذهبت إلى شرطة السكة الحديدية فقالوا لي: طالما لم تجده في قطار المكيف فلن يسأل عنه أحد، وإن تركته فسوف يباع في المزاد بسعر منخفض، وقال لي: إنه حلال لك! ولكن لم أقتنع بهذا؛ فذهبت أركب نفس القطار في نفس اليوم الذي وجدت فيه هذه اللقطة، وحدث هذا مرتين، ولكن لم أوفق نظراً للزحام الشديد.
فماذا أفعل؟
الجواب
هذا يدخل في باب اللقطة، واللقطة لها أحكام، لكن يصعب جداً تنفيذ أحكام اللقطة في هذا الزمان، فلا عليك أن تبيع هذا الجهاز أو أن تأخذه وتتصدق بثمنه عن صاحبه، لا حرج عليك.
стр. 249
قدر ارتفاع القبر عن الأرض
السؤال
ما هو قدر ارتفاع القبر عن الأرض كما ورد في السنة؟
الجواب
في الحقيقة ورد فيه صفتان: صفة التسوية تماماً، ويميز القبر بحجر يوضع على رأس المقبور؛ حتى يعلم الناس أن هنا قبراً فلا يطئوه، ومنهم من قال: يرفع القبر عن الأرض قدر شبر، وبنفس العلة قالوا: حتى يعلم الناس أن هنا قبراً، فسواء كان هذا أو ذاك فهو خير.
стр. 250
حكم الحجاب في الشريعة الإسلامية
السؤال
هل النقاب فرض أم سنة؟ وما هو الدليل من الكتاب والسنة؟ وهل هذه الآية تدل على أن النقاب ليس من السنة: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]؛ لأنه حدث بيني وبين أحد الإخوة خلاف واستدل بهذه الآية.
وجزاك الله خير.
الجواب
أدلة النقاب كثيرة جداً في الكتاب والسنة، ولا يكفي هذا الوقت الضيق لذكر الأدلة، لكن بإمكانك أن ترجعي إلى المجلد الثاني من كتاب (عودة الحجاب) ففيه الأدلة، وكتاب (عودة الحجاب) ثلاثة مجلدات للشيخ محمد إسماعيل حفظه الله.
أما قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] أي: إلا ما ظهر منها بغير قصد منها، كما قال ابن عباس وغيره: أن المرأة إذا خرجت من بيتها لحاجتها أطارت الريح ثوبها، فإذا رأى أحد شيئاً من بدنها أو أن الثياب التصقت ببدنها فرأى أحد مفاتنها من فوق الثياب فلا حرج على المرأة حينئذ؛ لأنه ظهر منها عفواً بغير قصد.
следующие страницы →