← Джавами‘

Джавами‘ · id 37626

دروس الشيخ حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (521 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قسمة تركة المتوفى عن ابن وبنتين وأولاد ابن السؤال جدتي ماتت عن بنتين وابن لأب وأولاد ابن، فكيف تقسم تركتها؟ الجواب لا شك أن البنتين لهما في ميراث الأم الثلثان، وأولاد الابن يأخذون حظ الابن تحت باب الوصية الواجبة، والابن لأب يأخذ بقية التركة تعصيباً.

стр. 247

حكم احتلام الحاج بعد أداء مناسك الحج السؤال نمت في المسجد الحرام بعد أداء مناسك الحج ثم احتلمت، ولما رجعت إلى هذه البلاد لم يكن عندي أدنى رغبة لمباشرة النساء، فهل هذه عقوبة من الله ؟ الجواب لا. ليست عقوبة، لأن الاحتلام أمر لا يملكه الإنسان.

стр. 248

حكم اللقطة في القطار السؤال لقد وجدت (كماناً) في القطار فذهبت إلى شرطة السكة الحديدية فقالوا لي: طالما لم تجده في قطار المكيف فلن يسأل عنه أحد، وإن تركته فسوف يباع في المزاد بسعر منخفض، وقال لي: إنه حلال لك! ولكن لم أقتنع بهذا؛ فذهبت أركب نفس القطار في نفس اليوم الذي وجدت فيه هذه اللقطة، وحدث هذا مرتين، ولكن لم أوفق نظراً للزحام الشديد. فماذا أفعل؟ الجواب هذا يدخل في باب اللقطة، واللقطة لها أحكام، لكن يصعب جداً تنفيذ أحكام اللقطة في هذا الزمان، فلا عليك أن تبيع هذا الجهاز أو أن تأخذه وتتصدق بثمنه عن صاحبه، لا حرج عليك.

стр. 249

قدر ارتفاع القبر عن الأرض السؤال ما هو قدر ارتفاع القبر عن الأرض كما ورد في السنة؟ الجواب في الحقيقة ورد فيه صفتان: صفة التسوية تماماً، ويميز القبر بحجر يوضع على رأس المقبور؛ حتى يعلم الناس أن هنا قبراً فلا يطئوه، ومنهم من قال: يرفع القبر عن الأرض قدر شبر، وبنفس العلة قالوا: حتى يعلم الناس أن هنا قبراً، فسواء كان هذا أو ذاك فهو خير.

стр. 250

حكم الحجاب في الشريعة الإسلامية السؤال هل النقاب فرض أم سنة؟ وما هو الدليل من الكتاب والسنة؟ وهل هذه الآية تدل على أن النقاب ليس من السنة: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]؛ لأنه حدث بيني وبين أحد الإخوة خلاف واستدل بهذه الآية. وجزاك الله خير. الجواب أدلة النقاب كثيرة جداً في الكتاب والسنة، ولا يكفي هذا الوقت الضيق لذكر الأدلة، لكن بإمكانك أن ترجعي إلى المجلد الثاني من كتاب (عودة الحجاب) ففيه الأدلة، وكتاب (عودة الحجاب) ثلاثة مجلدات للشيخ محمد إسماعيل حفظه الله. أما قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] أي: إلا ما ظهر منها بغير قصد منها، كما قال ابن عباس وغيره: أن المرأة إذا خرجت من بيتها لحاجتها أطارت الريح ثوبها، فإذا رأى أحد شيئاً من بدنها أو أن الثياب التصقت ببدنها فرأى أحد مفاتنها من فوق الثياب فلا حرج على المرأة حينئذ؛ لأنه ظهر منها عفواً بغير قصد.

стр. 251

حكم التكبيرة لجلسة الاستراحة في الصلاة السؤال هل جلسة الاستراحة لها تكبيرة؟ الجواب الجواب: لا. وأنا مدرك أن فضيلة مولانا وشيخنا: محمد إبراهيم شقرة في كتاب فقه الصلاة قال: ويكبر مع كل انتقال، وجلسة الاستراحة انتقال وسط بين السجود وبين القيام إلى الثانية والرابعة. هكذا قال الشيخ. وكان أمامنا في عمان يكبر فيجلس للاستراحة، ثم يقوم وهو يكبر، وهذا بلا شك خلاف لما أجمعت عليه الأمة علماً وعملاً.

стр. 252

حكم التسبيح في جلسة الاستراحة السؤال ما حكم التسبيح في جلسة الاستراحة؟ الجواب لم يثبت في جلسة الاستراحة تسبيح.

стр. 253

دائرة المحرمية بين الرضيع وإخوته مع أولاد من رضع منها السؤال رضعت أختي من زوجة خالي مع ابنها الرضيع، فهل نحن نحرم شرعاً على أولاد خالي جميعاً، أم على ابن خالي الذي رضع مع أختي؟ الجواب هذه الأخت التي رضعت إنما يحرم عليها جميع أولاد الخالة، أما أولاد الخالة فلهم أن يتزوجوا أي بنت من بنات أو من إخوة هذه الرضيعة، ولا تثبت الحرمة في حقهن، أي: أن الذي رضع يحرم عليه من رضع معه وجميع إخوته.

стр. 254

الفرق بين التفويض وبين التأويل في الصفات السؤال ما الفرق بين التفويض والتأويل؟ وهل يجوز أن نفوض في الصفات؟ الجواب نعم. يجوز أن نفوض الكيفية، أما تفويض العلم والمعنى فلا، ليس مذهب أهل السنة تفويض العلم ولا تفويض المعنى، إنما تفويض الكيف. والتأويل في الصفات هو صرف النص عن ظاهره، وهذا -بلا شك- ليس منهجاً لأهل السنة والجماعة. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 255

اليهود تاريخ اليهود ممتلئ بالغدر والخيانة والكذب والغش والافتراء، ليس فقط في حق البشر، بل في حق الله وملائكته وكتبه ورسله، فقد سبوا الله تعالى، وعادوا ملائكته، وحرفوا كتبه، وقتلوا رسله، وهم أهون الخلق وأخوفهم في الحروب والقتال، حتى مع وجود نبي مؤيد بالوحي معهم.

стр. 256

حقيقة دين الأنبياء إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما قلَّ وكفى خير مما كَثُر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الأنبياء أولاد علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد). يقال للرجل: إذا تزوج الثانية قد أعل من الأولى، وإذا تزوج الثالثة فقد أعل من الثانية وهكذا، فأثبت النبي ﵊ أنه هو وجميع الأنبياء إخوة لعلات، اختلفت أمهاتهم ولكن دينهم واحد. وإجماع أهل العلم كما نقله النووي وابن حجر: أن هذا الحديث على ظاهره غير مقصود، إنما المقصود أن الأنبياء جميعاً إنما أرسلوا بدين واحد وهو دين الإسلام، وهو توحيد الله ، فلم يكن الشرك مباحاً على لسان نبي بعث قبل نبينا ﵊، إنما اختلفت فروع شرائعهم وأزمانهم فقط. فمثل النبي ﵊ بهذا الحديث ليقرب المعنى إلى الأفهام والأسماع، لكن المعنى المجمع عليه، بل الذي اتفق عليه العقلاء: أنه ما من نبي أرسله ربه إلا وأتى بدين الإسلام وبعقيدة التوحيد وبأصول الإيمان، ولذلك لما سأل جبريل النبي ﷺ عن الإيمان؟ قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن باليوم الآخر، وبالقدر خيره وشر)، فهذه أصول الإيمان التي بعث بها كل نبي ورسول، فهل يا ترى آمن اليهود وآمن النصارى بهذه الأصول الإيمانية التوحيدية التي دعاهم إليها أنبياؤهم ومرسلوهم؟! الجواب كلا، وشاهد ذلك فيما يتعلق بالإيمان بالله : أن الله تعالى متصف بكل صفات الكمال والجلال التي تليق بذاته وعظمته، وأن الله تعالى قد نفى عن نفسه النقص تماماً، فلا ينسب إليه نقص قط، ومن نسب إلى الله تعالى النقص فهو كافر بذلك.

стр. 257

موقف اليهود من الله انظر إلى موقف اليهود من الله الذي هو أكرم الأكرمين وأجود الأجودين، نسبوه إلى البخل والشح: (لما نزل قول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥] أتى اليهود إلى النبي ﵊ وقالوا له: يا محمد! افتقر ربك فاستقرض العباد -يعني: أصار ربك فقيراً بعد أن كان غنياً يطلب القرض من الخلائق؟ - فنزل قول الله : ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:١٨١]) فالله شاهد على قول اليهود. كما أنهم جعلوا من المخلوقين أبناء لله ، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] وهذه مقولة اليهود، وعزير بريء منها، ومن بعدهم قالت النصارى نفس المقولة: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] وعيسى ﵇ بريء من قولة النصارى كذلك، إنما الله تعالى إله واحد لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون. وكذلك اليهود هم الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، فنسبوا الغل -وهو كناية عن الشح والبخل- لله ، إذا كان له أخذ، وإذا كان عليه لا يعطي، سبحانه وتعالى عما يشركون ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، (خزائنه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أي: لا تنقصها نفقة مهما أنفق. انظروا إلى ما أنفق الله منذ أن خلق السماوات والأرض إلى يومنا هذا، بل إلى قيام الساعة، بل بعد قيام الساعة، وفيضه بالنعيم على أهل رضوانه وأهل جنته، هل نقص ذلك من ملك الله تعالى شيئاً؟ الجواب لا، إلا كما ينقص البحر إذا أدخل أحدكم فيه إبرة، وهذا شيء لا يكاد يذكر، ولذلك خزائن الله ﵎ ملأى لا تغيضها نفقة، لكن اليهود أبوا إباء شديداً إلا أن ينبسوا الله ﵎ إلى النقص والعجز والتقصير، معاذ الله أن يكون كذلك، وتتبع خطواتهم النصارى. هذا موقفهم من الله باختصار شديد، فما موقفهم من الملائكة؟

стр. 258

موقف اليهود من الملائكة يتجلى هذا في مقدم النبي ﵊ من مكة إلى المدينة، لما سمع بمقدمه حبر من أحبار اليهود اسمه عبد الله بن سلام جاء إلى النبي ﵊ وقال: (يا محمد! إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: يا ابن سلام سل عما بدا لك -والحديث في البخاري من طريق أنس بن مالك - قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما طعام أهل الجنة؟ وكيف ينزع الولد؟ قال النبي ﵊: أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، قال: صدقت، قال: وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، قال: صدقت، قال: إذا اجتمع الرجل والمرأة -أي: في الجماع- فعلا ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إليه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إليها. قال: صدقت، وإنك لنبي، وإني لأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله -هذه شهادة حبر من أحبار اليهود- ثم قال عبد الله بن سلام: يا رسول الله! ادع اليهود فسلهم عني قبل أن تخبرهم بإسلامي، فإنك إن تخبرهم بإسلامي يبهتوني، فإنهم قوم بهت، فدعا النبي ﵊ اليهود وقال: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وابن حبرنا، وعالمنا وابن عالمنا، فخرج عليهم عبد الله بن سلام من خلف الستار فقال: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا: أنت سفيهنا وابن سفيهنا، وحقيرنا وابن حقيرنا، وسبوه وتنقصوه -هكذا هم اليهود، ويهود اليوم شر من يهود الأمس- قال النبي ﵊: يا ابن سلام! إن الذي سألتني عنه لم يكن لي به علم غير أن جبريل نزل علي آنفاً فأخبرني به، قال: إن الذي ينزل عليك يا رسول الله هو جبريل؟ قال: نعم، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة -تصوروا أن اليهود يعادون الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، ومع هذا اتخذهم اليهود أعداء- فقال النبي ﵊: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨]). عمر ﵁ كانت له أرض في عوالي المدينة عند بني النضير وبني قينقاع، وكان يذهب إليها ليباشر العمل فيها، وكان اليهود يطمعون في عمر ﵁، أي: في ردته إلى الكفر على الأقل، حتى وإن لم يدخل في دين اليهود؛ لأن اليهود من عنجهيتهم وصلفهم وغرورهم لا يريدون من أحد أن يدخل في دينهم، إنما يريدون زعزعة الإيمان، وخروج أهل الإيمان من إيمانهم ودخولهم في الكفر العام لا في اليهودية؛ لأنهم يأبون أن يدخل مسلم في دينهم. انظروا إلى هذا الصلف وهذا الغرور، يدخل في النصرانية، في الدرزية، في الديمقراطية، في الماسونية، في الشيوعية، في أي ملة من ملل الكفر، لكنه لا يدخل في ملة اليهود، هكذا يريد اليهود، وهم يحاولون بالليل والنهار إخراج الموحدين من توحيدهم ومن دينهم الحق إلى أي ملة من ملل الباطل. فلما طمع اليهود في عمر ﵁ قالوا: يا عمر إنك لتعلم أنك أحب أصحاب صاحبك إلينا، قال: وبم ذاك؟ يعني: ما سر هذا الحب، فلم يعيروه جواباً. ثم قالوا: وإنا لنتبعك بشرط أن تخبرنا من ينزل على صاحبك؟ قال: أي يمين فيكم أعظم؟ قالوا: الرحمن، قال: والرحمن إن الذي ينزل عليه لجبريل، قالوا: أما علمت يا عمر أن ذاك عدونا من الملائكة؟ قال: إن الذي يعادي جبريل يعادي ميكائيل، قالوا: لا، بل ميكائيل ولينا، إنما عدونا جبريل، وهكذا فرق اليهود في إيمانهم بالملائكة على فرض أنهم قد آمنوا بميكائيل واتخذوه ولياً، وهم كذبة وغششة وخونة في مثل هذا القول كذلك، بل هم قد كفروا بجميع الملائكة لا يستثنون من ذلك واحداً، والآيات والأحاديث شاهدة على موقف اليهود. وحجتهم في ذلك: أن جبريل إنما هو رسول الغلظة والشدة والفظاظة، بخلاف ميكائيل فإنه رسول الرحمة واللطف واليسر والتبشير وعدم التنفير، هكذا يقولون، وإن شئت فقل: هكذا يصفون ملائكة الله . وعند مسلم من حديث ثوبان ﵁ قال (دخل حبر من أحبار اليهود على النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا محمد، قال ثوبان: فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقام الحبر وقال: يا ثوبان لم دفعتني؟ قال: قلت: ألا تقول: السلام عليك يا رسول الله؟ قال الحبر: إنما سميته باسمه الذي سماه به أهله)، وهل يليق بكل أحد أن ينادى باسمه؟! أأنت تنادي أباك باسمه، أو أمك باسمها، أو الحاكم باسمه، أو القائد باسمه، أو

стр. 259

موقف اليهود من الكتب السماوية أما موقفهم من الأنبياء والكتب التي أنزلت على الأنبياء فهو في غاية الخزي والعار والشنار، الله ﵎ بين أنهم يبدلون كلام الله بأيديهم ويحرفونه عن مواضعه، يأخذون الأقلام والأحبار، ويأتون بالصحف فيكتبون كلاماً من عند أنفسهم، ثم ينسبونه لله ، أي جرم هذا؟! إن الله تعالى بعد أن بين فظائع اليهود وجه الخطاب للمسلمين فقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥] وحتى قال الله ﵎: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] والأمنية التلاوة، كما أن الأمنية تكون بالقلب فكذلك الأمنية تكون بالتلاوة، كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:٥٢] معنى الأمنية هنا: التلاوة، فيكون التقدير: وما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله على أمته، فحينئذ يلقي الشيطان بكلام من عنده في أثناء تلاوة النبي كلام الله حتى إذا سمعه المشركون ظنوا أن كلام الشيطان هو كلام النبي، وليس الأمر كذلك، ولذلك ينسخ الله أي: يبطل الله ﵎ كلام الشيطان، ثم يحكم الله تعالى آياته التي أوحى بها إلى ذلك النبي. فلما كانوا يبدلون ويحرفون قال الله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٨ - ٧٩] شهادة وافتراء على الله ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة:٧٩] اللام هنا للتعليل، أي: لأجل أن يشتروا بهذا الكلام ثمناً قليلاً، وهذا يدل على نفسية اليهود المحطمة، وأنهم يسعون ويلهثون خلف المادة لهث الكلاب، حتى وإن كان ذلك على حساب الوحي، ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩] أي: مما اكتسبوه من مال ومتاع قليل؛ بسبب تحريفهم وتبديلهم لكلام الله إلى غير ذلك من الآيات التي قضت بأن الكتاب الذي أنزل على محمد ﵊ إنما هو الكتاب المهيمن والقاضي والمسيطر على جميع الكتب السابقة، ولذلك كان اليهود يستنجدون بالنبي ﵊ على أعدائهم من المشركين والكفار، فلما عرفوه كفروا به، وهكذا أخلاق اليهود مراوغة، ومحايلة، ومداهنة، وكذب وافتراء، وإنهم والله إن ماتوا على ذلك فإنهم حطب جهنم هم لها واردون، وكذلك النصارى وسائر ملل الكفر.

стр. 260

موقف اليهود من الأنبياء أما عن موقفهم من الأنبياء فهو لا يقل خزياً وعاراً عن موقفهم مما ذكرنا، فإنهم قالوا: إن يوسف حل معقد الإزار وجلس من المرأة ليبغي بها مقعد الرجل من امرأته، افتراء على يوسف ﵇، وهو الذي برأه الله ﵎ في سورة سماها باسمه وهي سورة يوسف ﵇، وليس هذا مجال الدفاع عن الأنبياء بالتفصيل. وكذلك قالوا: إن لوطاً شرب الخمر فسكر فقام على ابنتيه فزنا بهما، وكان من نسله -أي: ومن نتاج زناه- أن بعث الله تعالى أنبياء ومرسلين، مع أن الله ﵎ ما بعث نبياً إلا وهو حسيب في قومه، بل من أشرافهم. ثم قالوا: إن إبراهيم ﵇ قدم سارة لطاغية مصر ليزني بها، ويأخذ منها هواه، مع أنه أخرج البخاري ومسلم أن النبي ﵊ قال: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، قال: إني سقيم) أي: لما دعوه وحملوه على أن يشارك في أعيادهم الكفرية والشركية، قال: دعوني فإني سقيم. على تقدير ما سيكون لو أنه شارك، وهكذا أهل العربية يفهمون أن هذا من باب المجاز باعتبار ما سيكون، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه:٧٤] ولا يأتي أحد يوم القيامة مجرماً، بل لا يجرؤ أحد أن يقدم بين يديه إجراماً يوم القيامة، ولكن الله تعالى سماه مجرماً باعتبار ما كان منه في حياته الدنيا، فهكذا قال إبراهيم ﵇: إني سقيم، أي: باعتبار ما سيكون لو أنه فعل ذلك. ولما دخل مصر وكان يعلم أن بها طاغية جباراً عنيداً يأخذ كل امرأة لها بعل بعد قتل زوجها، فقال لـ سارة: (إنا قادمون على جبار طاغية، وإن من شأني كيت وكيت، فإذا أخذك فقولي: إنني أخته وإنك أختي في الإسلام)، هكذا كذب إبراهيم ﵇، وليست في حقيقة الأمر كذبة، ولذلك إذا طلب العدو أحداً بين يديك وكان العدو ظالماً، وكان هذا المتخفي عندك مظلوماً، فيحرم عليك أن تدل العدو عليه، وإلا لكنت شريكاً في قتله وإراقة دمه، بخلاف ما لو كان هذا الطالب طالب حق، والمطلوب ظالماً ومحدثاً فالأمر كما قال النبي ﵊: (لعن الله ﵎ في المدينة من أحدث بها حدثاً، أو آوى بها محدثاً)، أي: آوى رجلاً محدثاًَ مبتدعاً بدعة في الاعتقاد استوجبت قتله، فطلبه السلطان ليقتله، فامتنع الناس عن تسليم هذا المحدث؛ فحينئذ تنزل عليهم لعنة الله . من براءة إبراهيم ﵇: (أن الطاغية لما مد يده إلى سارة تصلبت، فقال الطاغية: ادعي الله لي أن يرد علي يدي ولا أمسك بسوء؟ فدعت، فرجع إلى ما كان آنفاً، ثم قال لها: ادعي الله لي أن يعافيني ولا أصيبك بسوء، فدعت، فعاد الثالثة ثم أعطاها الوعد فصدق، فانصرفت وأعطاها هاجر تخدمها، فلما قدمت على إبراهيم قال: مهيم؟! أي: ما خبرك مع هذا الطاغية؟ قالت: عافني الله تعالى من شره وأخدمنا خادمة)، أما اليهود فيقولون: إن إبراهيم قدم سارة لهذا الطاغية. وفي المقابل نجد الملاحدة الذي يتكلمون بألسنتنا ويدينون بديننا في الظاهر يقولون: إن هذا الحديث لا يمكن قط أن يتفق مع العقل، وإن رواه البخاري ومسلم. حتى قال لي أحدهم: والله لو أن هذا الحديث ورد في كتاب الله لكفرنا به! نعم، الوقت يسمح لكل جبار وطاغية وعنيد وملحد وزنديق أن يأتي بإلحاده وزندقته، فلا حارس ولا راعي لهذا الدين العظيم، ولذلك كل من تكلم بكفر الآن يعلم أنه في مأمن من السيف، لكنه ليس في مأمن من قعر جهنم، فليقل ما شاء والموعد الله، هذا دين الله ، وإن تقاعس الخلق أجمعون عن نصرته فإن الله تعالى جدير وخليق وأهل لأن يحمي دينه، فلا أقل من أن نعتقد ما اعتقده ذلك المشرك عبد المطلب لما قال: أما البيت فله رب يحميه. أما هذا الإلحاد الذي يخرج علينا في كل يوم وفي كل ليلة أقسم بالله أنه ظاهرة صحية؛ لأن كثيراً من الناس يتأذى بذلك، لا والله بل هذا مهم لتمييز الحق من الباطل، وتمييز أهل الإيمان من أهل الجحود النكران والكفران، هذا تمييز للصف ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح:٢٥]، فالتزيل والتميز أمر مطلوب جداً حتى ينقى الصف، وإلا لو اختلط الحابل بالنابل لم نعرفهم. لو أن كل امرأة الآن لبست النقاب لاختلطت علينا المؤمنة بالكافرة، والملحدة والعاصية التي لم تلبسه عن قناعة وذل وخضوع، وامتثال لأمر الله ، ولكن الآن نستطيع أن نفرق بين الحرة العفيفة المؤمنة وبين غيرها، فاللباس مظهر للتميز، فهذه ظاهرة صحية والله وليست ظاهرة مرضية، حتى لا يتأذى بها كثير من الناس، وانظروا إلى مصداق كلامي في الحديث الصحيح: (أتى خباب بن الأرت ﵁ إلى النبي ﵊ وهو مسند ظهره إلى الكعبة، فقال: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو الله لنا، فإنه ق

стр. 261

صفات من يقاتلون اليهود وغيرهم من الكفار الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: فإذا كان الحل مع اليهود هو الجهاد أو القتال فلا بد أن نطرح سؤالاً: من الذي يقاتل؟ ومن الذي يدافع؟ ومَن مِن المسلمين اليوم صاحب رسالة، يعلم حقيقة الأمر، ويعلم ألاعيب اليهود والنصارى؟ والعجيب أننا نتكلم كثيراً عن اليهود وندع النصارى وكأنهم أحباب لنا! أنسيتم الحروب الصليبية؟ أنسيتم التخطيط والغدر، والخداع، والمكر، والإعداد على أعلى مستوى إلى يومنا هذا في هذا البلد وفي غيره؟ أنسيتم هذا؟ كل من لم يكن مسلماًً فهو عدو يجب على كل مسلم أن يتخلص منه ليكون الدين لله، ولذلك لا بد أن نقرر أن المسلمين اليوم عبارة عن موقوذة، ومتردية، ونطيحة، وقلّ منهم من يصلح أكلاً لسبع، إلا من رحم الله ، فهل نقاتل بهذا الشباب المتسكع في الطرقات والنوادي؟ هل نقاتل بشباب وفتيات الجامعات أو حتى الثانوية؟ إن البغاء والسكر والخمر والمعاكسات قد ظهرت في أطفال الابتدائية، فبأي شيء نقاتل؟ وبمن نقاتل؟ لا بد أن تتربى الأمة من جديد على شريعة الرحمن ﵎ عقيدة، وعلماً، وعملاًَ، وعبادة، حتى يأتينا أجيال تعلم الإسلام، وتعلم الإيمان قولاً وعملاًَ وتتمثل دين الله، فيمشون على الأرض كأنهم قرآن أو أنبياء، هذه الأجيال التي ينتظر على أيديها النصر والفوز، أما نحن فلا خير فينا إلا ما ندر. إذا خرج في المسلمين اثنا عشر ألفاً ماذا ستكون النتائج؟ ربما تعترضني وتقول: المسلمون ملايين. لكن أنا لا أفرح بهذه الملايين، إنما تكلم النبي ﵊ عن هذا العدد وأخبر أنهم لا يغلبون من قلة، الواحد منهم بأمة، والأمة الآن لا تساوي واحداً منهم، كان سلمه بن الأكوع مثلاً يسرع خلف العدو، فكان إذا ضرب واحداً على قفاه خر ميتاً، وكان يدخل في جيش العدو وحده فيهزمهم، هذا وأمثاله هم الذين عناهم النبي ﵊! هذه الأحاديث ليست لنا ولسنا أهلاً لها، ولا أهلاً للنصر، أتظنون أن الله تعالى يخلف وعده؟ إن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] فلما تأخر النصر علمنا أننا لم ننصر الله ﵎، هذه سنن كونية ربانية لا تتخلف قط. اليهود أجبن الناس عن المواجهة والقتال ولكنهم يتجرءون؛ لأنهم يعلمون أننا أبعد الناس عن الإيمان، وعن الحقيقة التي أنيطت بنا، ولذلك قال طالب فلسطيني لهذا الهالك موشى ديان لما كان يتجول يوماً في كل شهر يسلم على أطفال المدارس، كان يذهب هذا الهالك المصري اليهودي الذي تربى وترعرع في أرض مصر، ثم أخذ رئاسة وزراء اليهود هناك، ثم حارب الإسلام في كل بقعه من بقاع الأرض، لما أراد أن يسلم على طالب مسلم موحد، قال ذاك الطالب: لا أضع يدي في يدك أيها المحارب الكافر، وإنا إن شاء الله لنا الغلبة عليكم. فضحك موشى ديان مستهزئاً وهو يقول: نعم. إذا تمسكتم بتراثكم وتخلينا عن تراثنا حينئذ تغلبوننا؛ لأنه يفهم القضية، ولم يترأس اليهود على طول تاريخهم إلا رئيس وزراء يعلم القضية، وصاحب عقيدة يعمل لأجلها. اليهود يعلمون أنهم قوم أذلاء، ولذلك ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦] تنكير (حياة) يدل على قبول عموم الحياة: حياة الذل، والهوان، والكرامة، والسعادة، والشقاء، يقبلون أي حياة، فما بالهم الآن لا يقبلون إلا حياة العزة، والأبهة، والسطوة، والشرف، والسيادة؟ وما بالنا كذلك لا نقبل هذا الشرف وهذه السيادة والريادة التي فرضها الله علينا؟

стр. 262

موقف اليهود من خوض الحروب أما عن الحرب مع اليهود، فلو كان اليهود أهل حرب لحاربوا مع موسى ﵇ لما أمرهم أن يدخلوا الشام قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] بل قالوا أولاً: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة:٢٢] لو أن الكفار خرجوا منها دخلناها، أما أن توقع بيننا وبين هؤلاء الكفار في حرب ضروس يعلم أولها ولا يعلم آخرها فلا! اذهب أنت أولاً وربك الذي تزعم أنه القوي العزيز المكين فحارب هؤلاء وأخرجهم؛ فإن خرجوا منها فإنا داخلون. والله ﵎ بين نفسية اليهود في القتال وأنهم جبناء فقال: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤]؛ لأنهم جبناء. استشعر طفلاً من أطفال المسلمين يأخذ حجراً ويجري به خلف كلب من كلاب اليهود في أرض فلسطين الحبيبة وهو مدجج بالسلاح، ومع هذا تجد اليهودي يعدو أمام طفل سلاحه حجارة! ليدلك هذا على جبن وهلع اليهود عند اللقاء؛ فإنهم ليسوا صُبراً، ولذلك ضرب الله ﵎ لهم في كتابه في سورة البقرة مثلاً عظيماً جداً فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ [البقرة:٢٤٦] أي: فلما فرض عليهم القتال تولوا وأدبروا وأعرضوا عن القتال؛ لأنهم ليسوا كفئاً ولا أهلاً له ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٤٦]. يقول وهب بن منبه وغيره: لا زال بنو إسرائيل على طاعة وعبادة بعد موت موسى بزمن طويل حتى أحدثوا ما أحدثوه، وابتدعوا ما ابتدعوه، فقامت بينهم وبين الكفار مقاتل عظيمه فسبوا ذراريهم، وأخذوا أزواجهم وأولادهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وما كان اليهود من قبل يدخلون في حرب إلا انتصروا، فسلط الله ﵎ عليهم لما بدلوا وحرفوا هؤلاء الطواغيت، حتى أخذوا منهم أعز ما لديهم، أخذوا تابوتاً فيه التوراة، وفيه رُضاض الألواح، وفيه نعل موسى وهارون، وعصا موسى. تابوت عظيم كانت توضع فيه مآثر وتراث اليهود، لما قامت المقتلة بين بني إسرائيل وبين هذا العدو أخذوا منهم كل شيء حتى تراثهم. فلما بعث الله ﵎ فيهم شمعون أو شمويل أتوا إليه وقالوا: اجعل لنا ملكاً نقاتل حتى نسترد ما فقدناه، انظروا إلى قوله: ((أَلَمْ تَرَ)) كأنه أمر مشهود وواقع، فانظر إليه بعينيك يا محمد، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا﴾ [البقرة:٢٤٦] يعني: أميراً يقاتلون معه ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ﴾ [البقرة:٢٤٦] يستوثق منهم، وهكذا ينبغي للقائد أن يستوثق من الحماس، وأنه صدق، أما الحماس وحده فلا يكفي، الحماس يبدأ بسقوط ثم يتبعه سقوط ثم سقوط ثم سقوط، ثم مآل الأمر إلى الهاوية، ولذلك لا بد من وضع الحماس على محك التجربة قبل خوض المعركة. قالوا: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦] أيضاً يحددون الهدف والغرض من القتال، وأنه أشرف قتال، بل لا يقبل قتال عند الله إلا إذا كان في سبيله. ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ [البقرة:٢٤٦]، وهذا هو السقوط الأول. ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة:٢٤٧]. قال: (إن الله) ولم يقل: إني اصطفيت عليكم طالوت، فالله هو الذي بعث لكم طالوت ملكاً، وهذا هو السقوط الثاني ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٢٤٧] كان يعمل سقاءً أو دباغاً كيف يكون ملكاً علينا؟ كيف تعين هذا ملكاً علينا؟ ليس هو من سبط الأنبياء، ولا من سبط الملوك، وإنما هو من رعاع الناس، فكيف تعينه علينا ملكاً؟ ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧] يعني: لا هو من سبط الأغنياء سبط يهودا، ولا من سبط الملوك، ولا من سب

стр. 263

خطبة الوداع لقد أرسل الله تعالى محمداً ﷺ هادياً ومبشراً ونذيراً، فجاهد في الله حق جهاده، وصبر حتى أعز الله دينه ودخل الناس فيه أفواجاً، ودخلت مكة في دين الله، فاجتمع الناس معه ﷺ في موسم الحج في مشهد ليس له نظير، فخطب ﷺ بين الجموع المحتشدة خطبة الوداع، وبلغ الله القاصي والداني تلك الخطبة التي تحتوي على حرمات وحقوق وواجبات في الشرع، تكفي لتنظيم حياة الناس.

стр. 264

فضل خطبة حجة الوداع ومكانتها وبيان ما فيها من الأحكام العظيمة إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ففي مثل هذا اليوم، وبعد أسبوعين من العام الهجري الذي صعد فيه النبي ﷺ منبر مسجد نمرة؛ ليعظ أمته موعظة بليغة، ويدلها على الطريق المستقيم في آخر وصاياه ﷺ ؛ ليحدد في هذه الخطبة العصماء معالم هذه الأمة، وأمارات هذه الشريعة، فقال ﵊ فيما أخرجه مسلم من حديث جابر: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، فإنه موضوع كله، والربا موضوع، وإن أول رباً أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، ألا فاستوصوا بالنساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح). ثم قال ﵊: (وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله، وإنكم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فرفع النبي ﷺ سبابته إلى السماء ينكتها إلى الناس، وهو يقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد). انتهت خطبته ﵊، وهو الذي أوتي جوامع الكلم، وجوامع الكلم: هي قلة في المباني وكثرة في المعاني، ولعمري إن هذه الخطبة لتصلح أن تكون ديناً كاملاً ينزل من السماء لا يحتاج الناس في حياتهم ولا معادهم إلى غير هذه الخطبة. ولا غرو حين قال الشافعي ﵀ في حق سورة العصر: لو لم ينزل من القرآن إلا هذه السورة لكفتهم. أي: لكفت المسلمين، وكذلك لو لم يتكلم النبي ﷺ إلا بهذه الخطبة لكفت. فالنبي ﵊ قاس ما يمكن أن يكون مجهولاً لدى البعض على ما كان معلوماً يقيناً لدى الكل؛ ولذلك سألهم في فتح مكة: (في أي بلد أنتم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. في أي يوم أنتم؟ الله ورسوله أعلم). أدب بين يدي المعلم، ونسبة العلم إلى الله ورسوله ما دام حياً، فالنبي ﵊ كان إذا سأل الصحابة عن شيء ردوا العلم إلى الله ورسوله، وهو الذي سأل معاذاً: (أتدري ما حق الله على العبيد؟ قال: الله ورسوله أعلم). ومعاذ يقيناً يعرف ذلك، ولكنه الأدب بين يدي المعلم. فقال ﵊: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا)، فلما كان أمراً معلوماً لديهم ويقيناً أن البلد حرام، وأن الشهر حرام، وأن اليوم حرام قاس عليه ما يمكن أن يجهله بعض السامعين، قال: وكذلك دماؤكم وأموالكم حرام عليكم كما أنكم تعلمون حرمة هذا اليوم، وحرمة هذا الشهر، وحرمة هذا البلد، صلى الله على نبينا محمد.

стр. 265

حرمة الدماء والأموال في الإسلام إذا تكلمنا عن حرمة الدماء فإننا نقول كما قال النبي ﵊: (أول ما يقضى بين الناس في الدماء)، هذا القضاء العام بين الخلائق. وهناك قضاء خاص فيما يتعلق بالعبد مع ربه: (إن أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة صلاته، فإن صحت صح ما بعدها، وإن فسدت فسد ما بعدها) ولا تعارض بين الحديثين. قال النبي ﵊: (اجتنبوا السبع الموبقات) فذكر من هذه السبع المهلكات: (قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق). فقتل النفس حرام بالكتاب والسنة، وإجماع أهل العلم. وقال النبي ﵊ فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق). وراوي هذا الحديث عبد الله بن عمر يفهم هذا جيداً، ويقول: إن من فظائع الأمور التي إذا دخل فيها العبد ربما لا يجد منها مخرجاً قتل امرئ بغير حق. وقال ﵊ فيما أخرجه الشيخان: (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً). كأن النبي ﵊ يضيق الحلقة جداً على إنسان سولت له نفسه أن يقتل إنساناً بغير حق؛ ولذلك كلمة الإسلام تعصم المرء في دمه وماله إلا بحقها. والحق جاء في حديث النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة). وقال ﵊: (من بدل دينه فاقتلوه). أي: من بدل دين الإسلام؛ لأنه الدين الحق، وهذا بخلاف ما قد فهم بعض أهل العلم، ونطق بذلك، بل وصدر بذلك في بعض الرسائل. قال: (من بدل دينه) أياً كان دينه، هكذا قال. وهذا ضلال مبين؛ لأن العالم أجمع مطالبٌ أن يتخلى عن ديانته وعن شريعته، ويدخل في دين محمد ﷺ وشريعته. وما ينبغي لموسى لو كان حياً إلا أن يكون تابعاً لنبينا ﵊. والأنبياء جميعاً أتوا برسالة الإسلام والإيمان والتوحيد. الدماء فظيعة يقبل عليها الناس بكل استهتار، فنرى في كل يوم وليلة فلاناً قتل أباه، وزوجة قتلت زوجها، وزوجاً قتل ابنه أو ابنته أو زوجته، وكأن الدماء ما أرخصها! وهي غالية، وأيما غلاء لهذه الدماء التي صانها الله من فوق سبع سماوات، حتى دماء المعاهدين من الكفار ما داموا قد التزموا بالعهد والميثاق، كما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة) أي: لا يشم رائحة الجنة، كما يحرم على الإنسان أن يقتل نفسه، ولا يجوز أن يقول: هذا بدني وهذه نفسي، وأنا فيها حر، بل أنت عبد لله تعالى لا تصدر إلا عن قال الله وقال رسوله الكريم ﷺ . قال النبي ﵊: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فسمه في يده يتجرعه يوم القيامة خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً). وهكذا يحرم على المرء أن يصيب نفسه بأذى، وأنت مسئول عن بدنك هذا فيما عملت فيه. لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن هذا السؤال، وحتى يجيب بإجابة مرضية مبنية على أصول الشريعة الغراء، هذه الدماء تراق في الداخل والخارج، دماء المسلمين ما أرخصها هنا وهناك؛ وذلك لأن المسلمين تخلوا عن دينهم، فكان لابد أن يتسلط عليهم أبناء القردة والخنازير من هنا ومن هناك سلباً وأسراً وتقتيلاً وبقراً للبطون، وإراقة لدماء الأطفال والنساء والأبرياء والمدنيين؛ لأنهم تخلوا عن دينهم، ولو استمسكوا به وأرسلوا رسالة إلى زعماء العالم: نحن قادمون، لانتحروا في بيوتهم، وصدق النبي ﷺ إذ يقول: (ونصرت بالرعب مسيرة شهر). وصدق الخلفاء ﵏، فقد كانوا يرسلون الرسائل إلى هذا وذاك، ويقولون: الجواب ما ترون لا ما تسمعون، وسأرسل إليكم جيشاً أوله عندكم وآخره عندي. هذه مواقف العزة إذ كان يستمسك بها الولاة والأمراء والخلفاء، فما بال المسلمين اليوم في الحضيض وفي الذل والهوان؟! السبب في ذلك هو ترك الكتاب، وترك العمل بسنة النبي ﵊، ولو أن المسلمين رجعوا إلى دينهم، ورفعوا راية الجهاد، وتركوا البيع بالعينة، ولم يتبعوا أذناب البقر إلا رجع إليهم دينهم، ورجعت إليهم عزتهم، إنا لله وإنا إليه راجعون. قال رسول الله ﷺ : (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) هذا المال إن تكسبته من حرام فهو حرام، وإن تكسبته من حلال وأنفقته في حرام فهو حرام، وإن تكسبته من حلال وأنفقته في حرام فهو حرام، وكل أموالك حرام إلا ما اكتسبته من حلال، وأنفقته في حلال، وأنت مسئول عن مالك من أين ا

стр. 266

وضع كل أمور الجاهلية وتركها دلالة على عزة الإسلام وتمكينه قال رسول الله ﷺ : (ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع). وانظروا إلى قوله ﵊: (تحت قدمي موضوع) أي: باطل مردود لا يحل لصاحبه أن يطالب به بعد الإسلام. وقوله: (تحت قدمي) يدل على العزة، ويدل على السؤدد والرئاسة، ويدل على النصرة والتأييد من الله لنبيه ورسوله. وانظروا إلى التوقيت الذي قال فيه النبي ﵊ قوله هذا، إنه في العام التاسع الهجري، وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً من تاريخ الدعوة المحمدية، وبعد بناء دولة الإسلام، وكثرة أتباع محمد ﵊. قال ذلك من منطلق القوة والعزة، ولم يقل ذلك في أول العهد المكي؛ لأن الوقت غير مناسب، والبلد غير مناسبة، لكنه قال ذلك في مكة بعد فتحها، والرجوع إليها مرة أخرى للحج في العام التاسع، وفي هذا الموقف الرهيب الذي شهده (١١٤٠٠٠) من المسلمين يعلن هذا صراحة: أن أخلاق الجاهلية موضوعة، وأن عادات الجاهلية موضوعة، وأن آداب الجاهلية ما دامت ليست موافقة لآداب وأخلاق الإسلام فإنها موضوعة كلها؛ ولذلك أخرج أبو داود والترمذي أن النبي ﷺ قال: (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية -أي: أخلاق الجاهلية وآداب الجاهلية- وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي). الناس قسمان: مؤمن تقي، وفاجر شقي: (وليدعن أقوام فخرهم بآبائهم؛ إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها). فهذا أمر مردود وباطل أن يتخلق بعض المسلمين ببعض أخلاق الجاهلية؛ ولذلك قال النبي ﵊: (ليس منا من ضلل أعمى عن الطريق) أي: أن ذلك من أفعال الجاهلية. وقال ﵊: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها) أي: أفسدها على زوجها؛ لتتحول إليه. ليس منا هذا الخلق، إنما هذا من أخلاق الجاهلية، وآدابها وأعرافها، فلابد من التخلص تماماً من أخلاق الجاهلية؛ ولذلك بوب البخاري عليه رحمة الله في كتاب الإيمان قال: باب المعاصي من أمر الجاهلية، ثم ذكر تحت هذا الباب: حديث أبي ذر الغفاري ﵁ حين عير بلالاً وقال له: (يا ابن السوداء! فلما رفع الأمر إليه ﵊ قال: يا أبا ذر! إنك امرؤ فيك جاهلية. قال: يا رسول الله! أو على ساعتي هذه؟ - أي: بعد هذه المدة الطويلة في الإيمان والإسلام-؟ قال: نعم) فقوله: (إنك امرؤ فيك جاهلية) أي: فيك خلق من أخلاق الجاهلية. وهذا لا يعني: الكفر والخروج من الملة، إنما هو الاتصاف بصفات أهل الجاهلية، والتخلق بأخلاق أهل الجاهلية وغير ذلك مما قال فيه النبي ﵊: ليس منا، ليس منا، ليس منا، كلها أخلاق الجاهلية، ويجب الحذر منها. قال ﵊: (أربع من أمر الجاهلية في أمتي لا يدعونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وإن المرأة النائحة إذا لم تتب قبل يوم القيامة أتت وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب) وغير ذلك من أخلاق الجاهلية. قال الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] قال عطاء وقتادة: تبرج الجاهلية الأولى: أن المرأة كانت تضرب بخمارها على رأسها، وتغطي بدنها، ولكنها تخرج إلى الشوارع والطرقات فتزاحم الرجال، ولعمري إن هذا هو النقاب الآن، وهذا هو الالتزام الآن، هذا كان من أخلاق الجاهلية، وتبرج الجاهلية. قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]. أعظم الجاهلية ترك الكتاب والسنة، والعمل بالقوانين الوضعية والحكم بها والتحاكم إليها، كل ذلك من أخلاق الجاهلية.

стр. 267

بدء النبي ﷺ بنفسه وأهله في تنفيذ أحكام الله تعالى لتحقيق الأسوة قال: (ودماء الجاهلية موضوعة)، وبدأ بنفسه ﵊؛ ليحقق القدوة والأسوة، لأنه القائل - كما في مسلم -: (أما لكم في أسوة). وعند أحمد: قال النبي ﵊: (من اقتدى بي فإنه مني) أي: من هديي وسنتي وطريقتي. قال ﵊: (وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث) وهو إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن عم النبي ﷺ ، وقصته: أنه كان طفلاً رضيعاً، وعلى عادة العرب حملته قريش إلى بني سعد ليرضع هناك، فإذا أتم مدة الرضاعة رجع إلى قومه وأهله، فقتلته هذيل، فقامت قريش بأسرها تطالب بدم هذا الطفل الرضيع قتل قبيلة هذيل بأسرها، فهل هذا دين؟ وهل هذه أخلاق؟ رجل أو طفل أو امرأة قتل على سبيل الخطأ ليس له إلا الدية، وديته على العاقلة، وليست على القاتل؛ لأنه قتله على سبيل الخطأ. وهكذا بعث النبي ﷺ في هذا الجو الملبد بالمعاصي والأعراق البالية، وقد قدم النبي ﵊ إلى المدينة، فوجد حروباً بين الأوس والخزرج؛ بسبب ناقة نزلت أرض الغير فأكلت منها، فقامت بين القبيلتين حروب طاحنة على مدار أربعين عاماً، ربما ذهب فيها العشرات، أو المئات، أو الألوف. وفي الصحيح: (أن رجلاً من المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! واصطف الفريقان للقتال، فخرج النبي ﵊ ومشى بين المهاجرين والأنصار، ثم قال: دعوها فإنها منتنة). أي: هذه الدعوة دعوة الجاهلية دعوها فإنها منتنة، فقد كان الناس يجتمعون للقتال بسبب ناقة، ولا يدري الناس الذين اجتمعوا لماذا الحرب، وعلى ماذا الحرب والقتال وإراقة الدماء؟ فكانوا في الجاهلية يقولون بظاهر النص: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً). فلما جاء الإسلام بين النبي ﵊ أن نصر الظالم كفه عن الظلم، نعم هذا هو الدين الذي نزل من السماء دين الحق والعدل، دين المحبة والسلام؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]. ومع أنه موت، وإراقة للدماء، وإقامة للحدود؛ لكن من قتل يقتل دون سواه، ولا تزال بعض الأعراف الفاسدة قائمة في بلاد الإسلام، خاصة في صعيد مصر، أن من قتل واحداً من قبيلة أخرى أو من عائلة أخرى يطالبون بأغلى الدماء في عائلة القاتل، ولا يطالبون بقتل القاتل، فيختارون ويمتازون من أسرة القاتل أفضل الناس، فهل هذا دين؟ وهل هذا عدل؟ ومنهم من يقول: قتيلي بعشرة، قتيلي بمائة، قتيلي بألف، وهذه الكلمات محفوظات ومسموعات في الصعيد وغيره، وهذا كله تحاكم إلى أخلاق الجاهلية، وعادات الجاهلية. فاحذروا أيها الإخوان! بارك الله فيكم. ثم قال النبي ﵊: (وإن كل رباً موضوع، وإن أول رباً أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب). فانظروا كيف يبدأ النبي ﷺ بنفسه أولاً قبل أن يقول الناس: لم حرم علينا كذا، وأحل لأهله وأحل لقومه وعشيرته وقبيلته؟ فالأسوة أن يبدأ المرء بنفسه. والقدوة أن يدعو الإنسان الناس بعمله، لا بقوله فحسب، فلابد أن يرى الناس منك الخير والصلاح والاقتداء والأسوة. فيا معشر الطلاب! ويا معشر الدعاة إلى الله! ويا معشر طلاب العلم! ادعوا الناس بأعمالكم وأخلاقكم، فإنكم لا تدعونهم بأموالكم ولا بألسنتكم، إنما تدعونهم بأعمالكم، فلأن تدعو الناس بعملك خير بألف مرة من أن تدعوهم بقولك، وتخالفهم بعملك. ولذلك في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال النبي ﵊: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار في الرحى، ويجتمع عليه الناس فيقولون: يا فلان! ما بالك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: بلى. كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه). وقال ﵊: (أول من تسعر بهم جهنم ثلاثة). ولو سكت النبي عند هذا القول لقلنا: إن هؤلاء هم أصحاب الكبائر الموبقات المهلكات، ولكن المفاجأة أن النبي ﵊ يحذر ثلاث فئات من الخلق أنهم أعظم الناس على الإطلاق، فقال ﵊: (العالم، والمجاهد، والجواد) ثم بين سر ذلك في بقية الحديث: أن العالم تعلم العلم لغير الله، ودعا الناس ليقال: عالم، وهذا جاهد ليقال: مجاهد، وذاك أنفق ليقال: جواد (فيسحبون على وجوههم) سبحانك ربي! رأينا السحب على الظهر والبطن والجنب، أما الوجه فما رأيناه!. (فيسحبون على وجوههم حتى يلقوا جميعاً في النار)، فيكونون وقودها لأول وهلة. فيا أيها الإخوان! عل

стр. 268

وصية النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع بالنساء الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فيقول النبي ﵊: (استوصوا بالنساء خيراً؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله). قال النووي: الراجح في (كلمة الله) قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]. وقال غيره: (كلمة الله) هي الإيجاب والقبول. وقال غيرهم: (كلمة الله) هي الإسلام والتوحيد؛ لأنه لا يحل لكافر أن يتزوج مسلمة؛ كما لا يحل لمسلمة أن تقبل الزواج من كافر خلافاً لمن فقد عقله في هذا الزمان، وأجاز أن يتزوج الكافر بالمسلمة في بلاد أمريكا وأوروبا، هذا إنسان قد فقد عقله تماماً، وقد تواترت عنه النقول في مخالفات في أصل الاعتقاد، وفي أصل الأحكام التي أجمع عليها العلماء. فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال: (فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه). يفهم بعض الناس أنه لا يحل للزوجة أن تدخل رجلاً أجنبياً، ويستندون إلى هذا الحديث، وهذا لعمري فهم خاطئ للنص، وإنما لا يجوز للمرأة أن تدخل بيتها أحداً من محارمها رجلاً كان أو امرأة، ما دامت تعلم أن زوجها يكرهه ويبغضه، وما دامت تعلم المرأة أن الزوج لم يأذن بذلك، لا إذناً صريحاً، ولا إذناً ضمنياً، فذلك لا يحل لامرأة أن تدخل في بيتها رجلاً من أهلها، ولا امرأة من أهلها ما دامت تعلم أن في نفس زوجها منه شيئاً، أو غلب على ظنها، فيحرم عليها دخول أحد من محارمها والحالة هذه. ولا يجوز لكل زوج أن يضيق الخناق على امرأته، وأن يمنعها من صلة أرحامها ومن دخول محارمها، بل ينبغي أن يعقد حبه وبغضه في الله ، فإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله، كل أقوالك وأعمالك صادرة عن الله ، وعن رسوله الكريم ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢]. إن كثيراً من الشباب إذا تزوج بعد الزواج بأسبوع أو أسبوعين، وربما في ليلة الزفاف يصدر قراراً لامرأته لا يقبل النقاش، وهو ألا تدخل أحداً من أهلها، وألا يأتيها أحد من أهلها، إنا لله وإنا إليه راجعون. هذه أخلاق يقيناً لم تكن موجودة في الجاهلية، فما بال الشباب قد تخلقوا بأخلاق هي من أسافل الأخلاق وأردئها؟! ما بالهم قد فعلوا ذلك؟! ألا يحكمهم دين؟! ألا يحكمهم شرع؟! إنا لله وإنا إليه راجعون. فلا يحل لرجل أن يمنع دخول محارم الزوجة في بيته خاصة في غيابه، إلا إذا خشي الفتنة على امرأته، أو على أولاده، وعرف من هؤلاء المحارم فجورهم، وتعديهم لشرب الخمر والقتل والاستهتار بالشرع وغير ذلك؛ حينئذ من حق الرجل أن يحافظ على امرأته، وأن يحافظ على أولاده، ويمنعهم من دخول البيت، ولو كان هذا الممنوع أبا الزوجة أو أخاها أو حتى ابنها من زوج آخر. واجب عليه أن يحافظ على بيته، ولا يحل له أن يمنع صلة الأرحام إلا إذا كان الأمر على هذا النحو، أما دون ذلك فتعدٍ لا يصح، بل يأثم به؛ لأنه من أعظم الإفساد في الأرض كما قال الله . قال رسول الله ﷺ : (ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، ولهن عليكم طعامهن، وكسوتهن بالمعروف). دخل معاوية بن حيدة على النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها مما تطعم، وأن تكسوها مما تلبس، ولا تضرب الوجه ولا تقبح) أي: لا تقل: هذا الوجه وجه قبيح، أو وجهكِ قبيح، أو قبحك الله أو غير ذلك. هذا ممتنع، قال رسول الله ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته)، وفي رواية: (على صورة الرحمن). فكما أن لآدم صورة فكذلك الله تعالى له صورة، وكما أن لله صورة، فإن آدم له صورة، وبينهما من الفروق ما بين الخالق والمخلوق. إنما المماثلة في اسم الصورة فقط، فالله له صورة، وآدم له صورة، وهذا المضروب على صورة آدم، فمن ضرب أخاه على وجهه فكأنما ضرب أباه آدم. هذا بعض حقوق الزوجة؛ ولذلك أمر الله بتبادل العشرة، فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: عرفاً، هذه امرأة غنية، وهذه امرأة فقيرة، فهذه لها من الحقوق ما تعارف عليها أهلها ووسطها، وكذلك الجانب الآخر. إذاً: حقوق المرأة لا ينبغي لأحد أن يخرمها، ولا ينبغي لزوج أن يبخل أو أن يضن بمال الله إذا كان في سعة على زوجته وأولاده، إذا وسع الله عليك فوسع على عيالك، وإذا ضاقت الأمور شيئاً فعش على قدر ما معك، وإياك والحرام، فلأن تأكل م

стр. 269

وصية النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع بالتمسك بالكتاب والسنة وإشهاده بتبليغ رسالة ربه تأتي النصيحة الجامعة: (وإني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله). وانظروا إلى قوله: (ما إن) أي: إذا تمسكتم به لن تضلوا أبداً، فمفهوم المخالفة أنه إذا لم يتمسك بهذا الكتاب لابد أن يقع الضلال، وتقع الحيرة في شرق الأرض وغربها، ولابد أن تكون نعال الأسافل فوق هامات الأماجد، هذه نتيجة طبيعية يراها كل ذي عينين، وواقع الأمة لا يخفى على أحد. وقال النبي ﵊: (كتاب الله هو حبله المتين، طرفه بيد الله، والطرف الآخر بأيديكم فتمسكوا به). وقال في رواية عند مالك: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض). والنبي ﵊ يشير في نهاية هذه الوصية الجامعة بقوله: (وإنكم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: يا رسول الله! نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فأشار بسبابته إلى السماء -حيث الله تعالى- ينكتها إلى الناس في الأرض وهو يقول ثلاثاً: اللهم اشهد). أخرج البخاري في صحيحه: (أنه يجاء بنوح يوم القيامة بين يدي الله فيقول الله: يا نوح! هل بلغت؟ فيقول: نعم. يا رب! ويؤتى بأمته: هل بلغكم نوح؟ فيقولون: لا، يا رب! ما جاءنا من بشير وما جاءنا من نذير) هذه أخلاق اليهود، يقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ولا أعني بذلك: أن أتباع نوح هم يهود، فاليهود لا يعرفون إلا بعد موسى ﵇، ولكن هذه هي الأخلاق المعروفة عن المكذبين حتى بين يدي الله ، يوم يطمس على الأفواه، وتنطق الجوارح، ويكون لكل إنسان من نفسه شاهد. قال: (هل بلغكم نوح؟ فيقولون: لا. يا رب! ما جاءنا من بشير وما جاءنا من نذير، فيقول الله لنوح: من يشهد معك؟ فيقول: محمد وأمته). فنحن أمة الوسط وأمة العدل وأمة الشهادة. قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١]. هذا مصداق الشهادة يوم القيامة لجميع الأنبياء والمرسلين أنهم قد بلغوا وأدوا الأمانة ونصحوا أممهم، حتى تقوم الحجة على جميع الخلائق بشهادة أمة الحبيب ﷺ ، وبشهادة الحبيب ﵊. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 270

سلوك المسلم في البيع والشراء يجب على التجار ومرتادي الأسواق تعلم أحكام البيع والشراء، فكثير من المخالفات إنما تقع عن الجهل بأحكام الشرع فيها، وقد كان الخلفاء يلزمون الناس بتعلم الأحكام المتعلقة بالبيع والشراء كشرط لدخولهم الأسواق، وقد جاء الإسلام بجملة من الآداب والمنهيات في هذا الباب، والتي تحفظ المصلحة العامة، وتبعد الإنسان عن الوقوع في الغرر أو الغبن أو الربا من حيث لا يشعر.

стр. 271

أهمية تعلم فقه البيع والشراء إن الحمد لله تعالى؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. حياة المسلم كلها ينبغي أن تكون مليئة بمظاهر العبودية لله ، فالعبد لا يكون عبداً إلا إذا سلم لله في أمره ونهيه، في حضره وسفره، في حله وترحاله، لا بد أن يكون عمل العبد وقوله ومسلكه ومخبره ومظهره عنواناً للعبودية التامة لله ، وقد ظن بعض الناس -وإن شئت فقل: أكثر الناس- أن دين الله إنما هو صلاة وصيام وزكاة وحج وكفى، ولذلك إذا لمت أحدهم على خطيئة وقع فيها أو معصية ارتكبها قال: أنا والحمد لله أزكي وأصوم وأحج كل عام، ظناً منه أن هذا هو دين الله وحسب، وليس الأمر كذلك، بل كل ما يمكن أن يمر به المسلم في يومه وليله وفي عمره كله ينبغي أن يكون محكوماً ومضبوطاً بضوابط الشرع أمراً ونهياً، إتياناً وتركاً، قال الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وهذه آيات عامة مطلقة تحكم حياة المسلم. أقواله وأفعاله، سلوكياته وأخلاقه في كل وقت وحين. هناك باب عظيم من أبواب العلم هجره الناس، وبالتالي وقعوا في المأثم والمغرم؛ لأنهم تصوروا أن الأصل في البيع والشراء الحِل على كل حال، وليس الأمر كذلك، فقد أتانا الشرع ببيوع كثيرة محرمة يقع فيها الناس، ولذلك كان عمر بن الخطاب ﵁ يدخل السوق، فإذا وجد بائعاً لا يفقه كيف يبيع ويشتري علاه بالدرة، وقال له: تعلم. من لم يتعلم ذلك الفقه وقع في الربا شاء أما أبى. وهكذا كان يفعل علي بن أبي طالب ﵁، وغير واحد من مسئولي الأمة في صدرها الأول كانوا يفعلون ذلك مع الباعة والمشترين في الأسواق، كانوا يحملونهم على أن يتعلموا كيف يبيعون وكيف يشترون، وهذا باب من أبواب العلم الذي قال فيه النبي ﵊: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) صحيح من حديث أنس. وقال ﵊ من حديث النعمان بن بشير في الصحيحين وغيرهما: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات). وكثيراً ما تقع الشبه في البيع والشراء، فلا يدري البائع كيف يبيع، ولا كيف يشتري المشتري، وبالتالي يدخل المرء السوق فيقع في المأثم ويخرج بالمغرم، وهو يظن أنه قد باع واشترى، وهو في حقيقة الأمر ليس عند الله كذلك، بل دخل ليتحمل من الآثام والأوزار ما الله تعالى به عليم، ولذلك جعل الله ﵎ للبيع والشراء آداباً، وأحكاماً، وأخلاقاً.

стр. 272

دلالة الكتاب والسنة والإجماع على حل البيع وتحريم الربا البيع حلال بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] رداً على اليهود الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] نفس الصورة التي يتم بها عقد البيع يتم بها عقد الربا، ولكن الله تعالى أحل هذا وحرم ذاك، بل ومحق الربا، وربّى ونمّى البيع، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] يربيها وينميها كما ينمي أحدكم فلوه -المهر الصغير-، يربيه حتى يكون حصاناً كبيراً يصلح لنقل البضائع والأمتعة. البيع والربا وإن كانا متحدين في الصورة إلا أنهما مختلفان في الحقيقة والجوهر، كما أنهما يختلفان في الحكم الشرعي: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] والرضا شرط في صحة البيع بين البائع والمشتري، كما يشترط ألا يكون هناك غبن ولا تدليس ولا تمويه في البيع والشراء. أما السنة: فقول النبي ﵊ كما في الصحيحين من حديث حكيم بن حزام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع). فأثبت النبي ﵊ خياراً للبائع والمشتري في مجلس العقد، أي: مجلس البيع والشراء، فإذا انصرف البائع أو المشتري من المجلس فقد تم ونفذ البيع حينئذ، فلا يحل للمشتري ولا للبائع أن يرجع في بيعه وشرائه؛ لأن بعض الناس يذهب إلى البائع فيشتري سلعة، ويدفع الثمن ويقبض السلعة بين يديه، ثم تمكث عنده اليوم واليومان ثم يرجع إلى البائع مرة أخرى ويقول: أنا لا أريدها. خذها وأعطني ما دفعت، فلو أن البائع رفض لكان محقاً في الشرع؛ لأن المشتري أخذ السلعة وانصرف عن مجلس البيع فانقطع خيار الرد، إلا أن يكون في السلعة عيب خفي فللمشتري أن يرجع إن لم يكن من أهل الخبرة بهذا العيب، أما إذا كان العيب ظاهراً فلا، كأن يشتري شيئاً من الثمر أو الطعام به عيب ظاهر في الرائحة أو المنظر ورأى هذا العيب أو لم يره فلا يحق له أن يرجع على البائع إذا انصرف؛ لأنه قصر في معرفة السلعة التي أراد أن يشتريها، ولذلك لما دخل النبي ﵊ السوق ووجد رجلاً يبيع سلعة من السلع فقلبها فوجدها مبتلة! قال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابها المطر يا رسول الله، قال: هلا أظهرت عيبها، ثم قال له: من غشنا فليس منا). قوله: (من غشنا)، خطاب عام لجميع الأمة، كما قال النبي ﵊: (التجار هم الفجار إلا من بر واتقى)، وقال: (ليس للتجار الصدوق جزاءً إلا الجنة) إذا كان صادقاً، أما إذا كان غاشاً ومدلساً فالنار مثواه أو يعفو الجبار ﵎. كذلك إجماع الأمة منعقد على حل البيع والشراء، وأنه خاضع للضرورات وحاجات الناس، فلا يمكن لإنسان أن يحقق الاستغناء والكفاية التامة لنفسه أو لغيره، والإنسان اجتماعي بطبعه يحتاج إلى أخيه كما أن إخوانه يحتاجون إليه، وليس للمرء أن يعيش وحده أبداً، فلما دعت حاجة الناس إلى التبادل والبيع والشراء أحل الله ذلك للناس تيسيراً لهم، ورفع الحرج والمشقة عنهم، وأمرهم بأوامر وأحكام منها: وجوب الكيل بالقسط والميزان، والوفاء في الكيل والميزان، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام:١٥٢]، وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء:٣٥]، وهدد الله من خالف ذلك فقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١]، ثم وصفهم الله فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين:٢]، إذا أخذوا من الناس أخذوا أنصبتهم كاملة وافية، وإذا أعطوا الناس بخسوهم في الكيل والميزان ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين:١ - ٤] بين يدي الله ، وموقوفون، ومحاسبون على النقير والقطمير، لا بد أن يعلموا ذلك، فإذا علموا فليعلم من طفف الكيل والميزان أن الله تعالى قد أعد له في الآخرة الويل والثبور؛ لأجل حبات من القمح، أو الشعير، أو الأرز، أو الثمار، الأمر لا يستحق، بل الدنيا بحذافيرها لا تساوي أن يتعرض المرء للفح النار فضلاً عن أن يدخلها ويمكث فيها ما شاء الله له أن يمكث.

стр. 273

من آداب البيع والشراء وأحكامهما

стр. 274

السماحة من آداب البيع والشراء وأحكامهما: غض الطرف في البيع والشراء، والقضاء والاقتضاء، كما روى البخاري من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى). مسامحة في البيع والشراء، لين الجانب، خفض الجناح، المسامحة في الشيء الحقير التافه، البائع يرفض البيع لأجل خمسة قروش أو عشرة، وهذا بلاء عظيم، ونتن وعفن قلبي، وكذلك يتحرج المشتري أن يقدم على شراء حاجته من عنده لأن ماله غير مكتمل؛ لأنه لم يتأكد من أخلاق البائع، ويعلم أن البائع سيوقعه في الحرج والعنت والمشقة. البائع يعرض سلعته بأغلى الأثمان، يريد بذلك عند المساومة إنزال بعض هذا السعر، لكنه يتعنت أشد التعنت في أول الأمر، فإذا غلب على ظنه أن المشتري سوف يفلت منه نزل بالسعر نزولاً يوحي بأنه كاذب وغاش وليس صادقاً في بيعه وشرائه، وهذا يتنافى مع السماحة التي دعا النبي ﵊ لأهلها.

стр. 275

النهي عن الحلف في البيع والشراء نهى النبي ﵊ عن الحلف، كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﵊ قال: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة). نعم ستنفق السلعة، لكن لا بد أن تعلم علمَ يقين أن المال الذي أخذته بهذا الحلف صادقاً يدل على قلة تعظيم الله وأسمائه وصفاته في قلبك، واستهانة منك بأن جعلت يمين الله تعالى عرضة له في البيع والشراء، وإن كنت حلفت كاذباً فقد اقتطعت به حق امرئ مسلم بغير حق، وهذا هو اليمين الغموس، وسمي غموساً؛ لأن الله تعالى يغمس صاحبه في نار جهنم! لأجل أن تباع سلعة -لعل الله تعالى لا يقدر لها البيع قط- يخرج الإنسان من هذا الموقف بغضب الله وسخطه، الأمر لا يستحق كل هذا، فلا بد لكل مشتر وبائع من وقفة في البيع والشراء. عاقب الله تعالى الحالف بعقوبة عظيمة كما قال النبي ﵊: (ثلاثة لا ينظر الله ﵎ إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب). المسبل: الذي أطال ثوبه تحت الكعبين، والمنان: الذي يفعل الشيء ويَمنُّ به، والذي ينفق سلعته بالحلف الكاذب، هؤلاء لا ينظر الله تعالى إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب يتألمون منه في نار جهنم.

стр. 276

تحريم المماطلة والنهبة قال النبي ﵊: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله . وقال النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف وهو مؤمن). (ولا ينتهب نهبة): يأخذ أموال الناس نهبة. نفى النبي ﵊ عنه الإيمان! وقال النبي ﵊: (مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم أو أتبع أحدكم على مليء فليتبع، أو قال: فليحتل). (مطل الغني ظلم) المطل من المماطلة، والتسويف في دفع حقوق الناس، وهذا ظلم لمن كان يملك المبلغ الذي للناس في ذمته، وأما إذا كان لا يملك فهو معسر، وعليه قال جماهير العلماء: فلا يحل حبسه، ولا ملازمته، وتكره مطالبته، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فأمر الله الدائن أن ينظر المعسر، أما إذا كان غنياً يملك مبلغ الدين فيجب عليه أن يعطي أصحاب الحقوق حقوقهم، ولو مات على ذلك فهو على خطر عظيم، ففي الحديث: (أن رجلاً مات وعليه من الدين ديناران، فقال النبي ﵊: أعلى صاحبكم دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله! عليه ديناران، فقال: أترك ما يوفى به؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، وامتنع النبي ﵊ أن يصلي عليه، فقام أحد أصحابه فقال: يا رسول الله صل عليه وعلي دينه، فصلى عليه النبي ﵊، وفي المساء سأل الذي تحمل الدينارين، فقال: أقضيت عن صاحبك؟ قال: لا يا رسول الله، قال: اذهب فاقض عنه، فذهب الرجل فقضى الدين عن صاحبه، فلما جاء في صلاة الفجر، قال: أين الذي تحمل الحمالة؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: هل قضيت عن صاحبك؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: الآن، فقال النبي ﵊: الآن بردت عليه جلده من نار جهنم). وقال النبي ﵊: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) الشهيد الذي حباه الله تعالى بمكارم الهدايا والعطايا والمنح، ورفعة المنزلة فوق كل الخلق ما عدا الأنبياء والمرسلين؛ فإن الشهيد بعدهم في الفضل والمنزلة، النبي ﵊ قال: (إن الله تعالى خلق في الجنة مائة درجة للشهداء في سبيل الله). وقال: (يغفر للشهيد مع أول دفقة من دمه، ويؤتى به يوم القيامة يثغب جرحه دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك، ويزوج من الحور العين باثنتين وسبعين، ويشفع في سبعين من أهل بيته)، ومع هذا لا يغفر له الدين! وقوله: (وإذا أحيل أحدكم على مليء) أي: إذا قلت لك: اذهب إلى فلان الغني الذي يملك أن يقضي عني ديني فخذ منه دينك، فلا يحل لك أن ترفض هذا وتأباه. فقوله: (وإذا أحيل أحدكم إلى مليء فليحتل) أي: فيقبل عقد الحوالة، لا خيار له في ذلك.

стр. 277

ضرورة الصدق في البيع والشراء وتحريم الكذب فيهما قال عقبة بن عامر: سمعت النبي ﷺ وهو يقول: (لا يحل لمسلم باع من أخيه شيئاً فيه عيب إلا بينه له)، وهذا يعني بمفهوم المخالفة: أنه يحرم على أحدكم أن يبيع أخاه شيئاً وهو يعلم عيبه ولا يبينه له، كثير منا يجمل ويحسن العيب ويخفيه ويستره ويداريه عن نظر المشتري حتى يبيع السلعة، فإذا سأله المشتري: هل بها من عيب؟ وهنا مأزق عظيم، فإذا أراد البائع أن يهرب من الإثم بزعمه قال: نعم، لقد وقعت هذه السيارة أو تعرضت لحادث حتى كانت كعلبة السردين، ثم أصلحتها، وهو يريد بذلك المبالغة في ذكر العيب الذي ليس فيها، حتى إذا نظر إليها المشتري، قال: لا أجد أصدق منك؛ لأنها ليست كذلك. ولذلك إذا باع رجل بيتاً بأعمدة، المعلوم يقيناً أن هذه الأعمدة والسواري لا بد أن يكون لها قواعد في الأرض، فإذا سأل المشتري البائع، قال: هل قواعدها متينة قوية؟ قال: أنا لم أبن هذا البيت على قواعد ألبتة، هذا البيت أمامك، إن شئت أن تأتي بخبير، وإن شئت أن تشتريه على هذه الحال، أما أنا فلم أضع قواعد في الأرض، فيعلم المشتري صدق هذا البائع، وأنه لا يريد أن يقسم أيماناً، وهو يريد أن يبيع هذا البيت على حالته، فيغتر بذلك ويشتري البيت، وفي حقيقة الأمر أن قواعده ضعيفة لا تقوى على مزيد من البناء، أو على تحمل البناء لسنوات طويلة قدرت في العمر الافتراضي لهذا البناء، فيكون هذا من باب الغش لا من باب الصدق في البيع والشراء. وقال الله : (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر). وقال النبي ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما). الناس ينظرون إلى الأموال بكثرتها، والشرع ينظر إلى الأموال ببركتها، فكم من إنسان ليس له مال، لكن الله ﵎ يبارك في القليل بين يديه لتقواه، وصدقه، وحرصه على مرضاة ربه، وكم من الناس معهم الأموال الطائلة أنفقوها في الملذات والشهوات والخمور والنساء والمخدارت وغير ذلك؛ لأن الله تعالى نزع البركة منها؛ ولذلك روى مسلم والبخاري من حديث ابن عمر ﵄: (أن رجلاً كان يخدع في البيع والشراء، فأتى إلى النبي ﵊ وقال: يا رسول الله إني أخدع إذا بايعت، فقال النبي ﵊: إذا بايعت أحداً فقل: لا خلابة) والخلابة بمعنى الخداع أو التدليس والتمويه.

стр. 278

بيوع محرمة

стр. 279

بيع الملامسة والمنابذة والعصا هناك من يبيع القماش أو الأثواب للناس إذا قلت له: أعطني هذا الثوب أو هذا القماش، قال لك: إذا لمسته بيدك فلا بد أن تشتريه، لا تخرج من هنا إلا مشترياً، هذا بيع الملامسة وهو حرام، وكذلك المنابذة أن أقول لك: أنبذ إليك ثوبي، وتنبذ إلي ثوبك، فتجعل مجرد النبذ أو الدفع والإلقاء بيعاً، بمجرد أن أنبذ إليك الثوب فقد تم البيع، فالنبذ يقوم مقام الرضا حتى مع وجود العيب، وهذا كذلك بيع محرم في الشرع. وهناك بيع آخر يسمى بيع العصا، ولا يزال موجوداً في الأرياف، أن يأتي الرجل بعصا طويلة ثم يجعل فيها كرة من الطين أو يأخذ حصاً من الأرض ثم يقول للمشتري: أبيعك من هذه الأرض ما بلغت إليه الحصى بثمن كذا، ثم يرمي المشتري هذا الطين أو هذه الحصى بأقصى جهد له إذا كان صادقاً في بيعه وشرائه، فحيث ما استقرت الحصى وجب البيع واستحق البائع الثمن، وأخذ المشتري قطعة الأرض بغير زيادة ولا نقصان، هذا البيع كذلك محرم، ولكننا نراه إلى يومنا هذا في أرياف مصر على جهة الخصوص. وحرم الشرع ذلك للغرر، وهو غلط يقع فيه المرء، لا يدري ماذا يبيع؟ وماذا يشتري؟ هل هو مغبون مظلوم في البيع أو ظالم للبائع؟

стр. 280

بيع العبد الآبق والدين والطير في الهواء والسمك في الماء وبيع ما لا يملك كذلك الذي يبيع العبد الآبق (الهارب) من سيده، أقول لك: أبيعك عبدي الذي هرب بمائة دينار، إذا وجدته وجب البيع، وإن لم تجده وجب البيع، لا علاقة لي بك. وكذلك بيع الدين، رجل معه شيك بعشرة آلاف يبيعه لآخر بسبعة آلاف على أن يتصرف المشتري في هذا الشيك كيف شاء، ولا يحق له الرجوع على البائع الأول، حتى وإن كان هذا الشيك مزوراً. كل ذلك من البيوع المحرمة؛ لأنها من بيوع الغرر، كالذي يبيع الطير في الهواء، أقول لك: بعتك هذا الحمام الذي على هذه الشجرة. أو أبيعك السمك الذي في قناة السويس، أو في البحر الأحمر، أو المتوسط، أو في الترعة الفلانية، كما يفعل الفلاحون إلى يومنا هذا عندما يبيعون السمك في الترع التي في مقابل أراضيهم، فيأتي المشتري فيجعل في أول الأرض وفي آخرها سداً من هنا ومن هناك، فربما وجد سمكاً كثيراً أو ربما لا يجد، فضلاً عن أن هذا الذي باع السمك في الماء أو الطير في الهواء باع ما لا يملك، وهذا حرام، وباع ما لا يقدر على تسليمه وهذا حرام، وباع ما لم يتمكن من نقله إلى رحله، والنبي ﵊: (نهى أن يبيع الرجل ما لا يملك، وأن يبيع ما لا يقدر على تسليمه، وأن يبيع الشيء حتى يستوفيه وينقله إلى رحله). لا تذهب إلى التاجر وتقول: بعني هذه المروحة بمائتين من الجنيهات، خذ الثمن وسأرسل إليك فلاناً فأعطه إياها، وتذهب إلى آخر، وتقول له: إني أملك مروحة في المكان الفلاني فهل تشتريها مني؟ قال: نعم، بكم؟ تقول: بمائتين وخمسين، ثم تقبض الثمن، وتقول: اذهب إلى فلان التاجر فخذها منه، لا يحل هنا البيع إلا بشرط أن تنقل هذه المروحة إلى مكانك، وأن تبتعد بها عن مكان البيع والشراء الأول، (نهى النبي ﵊ أن يبيع الرجل السلعة حتى ينقلها إلى رحله)، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر. وكذلك بيع اللبن في الضرع، لا يعلم الإنسان كمية اللبن، فكيف يبيع اللبن في الضرع؟ أو يبيع الطير في الهواء؟ أو السمك في الماء؟ أو الحمل في البطن؟ كيف يبيع شيئاً مجهولاً أو معدوماً، كل هذه من البيوع المحرمة.

стр. 281

بيع المستثنى غير المعلوم أقول لك: بعتك الأثواب إلا ثوباً واحداً، أو البستان إلا شجرة، أو النخيل إلا نخلة، هذه كلها بيوع محرمة، لا بد من تعيين الثوب، والشجرة، والنخلة، أقول: بعتك البستان إلا هذه الشجرة بعينها، أو هذه النخلة بعينها، أو بعتك الأثواب إلا هذا الثوب بعينه، أما قولك: بعتك الأثواب إلا ثوباً، إلا شجرة، إلا نخلة، إلا عبداً، كل ذلك من البيوع المحرمة؛ لأنها من بيوع الغرر، إلا أن يكون الغرر حقيراً قد تعارف الناس عليه، كأن يبيع الرجل الوسادة محشوة وهو لم ينظر إلى الحشو، أو أن يبيع الدار المؤسسة لكنه لا ينظر إلى أساسها؛ لأن هذا أمر يحتاج إلى عنت ومشقة وهذا يصعب، فالغرر فيه يسير، أو أن يبيع الرجل شيئاً يسيراً لا يمكن تتدارك الحقيقة لبلوغ العنت والمشقة، فحينئذ لا بأس أن يبيع الرجل، ويتسامح في الغرر.

стр. 282

بيع حبل الحبلة (نهى النبي ﵊ عن بيع حبل الحبلة) ومعنى حبل الحبلة: أن تبيع أنت ولد ولد الناقة الذي لم يولد بعد، تقول: هذه ناقتي وهي حامل، فإذا ولدت الأولى بعتك ولد ولدها بكذا الآن، وهذا بيع من بيوع الغرر؛ لأنك لا تدري أتنتج هذه الناقة التي بين يديك، وإذا نتجت أتحمل أم لا؟ أتعيش أم لا؟ وإذا نتجت أتلد أم لا؟ وغير ذلك من الأحكام الشرعية التي حرمها النبي ﵊ في حديث ابن عمر في الصحيحين.

стр. 283

بيع النجش كذلك نهى النبي ﷺ عن النجش، والنجش: هو الخداع برفع سعر سلعة للتغرير بآخر، وهذه الصورة موجودة في الأسواق، ستجدون رجلاً يبيع ثياباً أو ثماراً أو خضرة، ويقول البائع: هي بجنيهين، فيقول رجل ممن حوله: أنا أشتريها بثلاثة، ويقول الرابع: بخمسة، وهكذا فيغتر من لم يعرف ذلك، ويعتقد غلاء هذه السلعة، فيشتريها بأعلى الأثمان، هذا الذي زاد في ثمن السلعة لا يريد شراءها أصلاً، وإنما فعل ذلك ليغر الجاهل الذي دخل السوق ليشتري، وهذا قد أسماه الشرع: نجشاً، أو يأتي هذا الناجش فيمدح السلعة ويطريها حتى يستقر في قلب المشتري أن هذه السلعة تستحق الثمن الفلاني، فإذا اشتراها فوجئ أنها لا تستحق شيئاً، وأنها مليئة بالعيوب الظاهرة والباطنة.

стр. 284

بيع الحاضر للبادي نهى النبي ﵊ عن بيع الحاضر للبادي، مثاله: رجل أتى من البدو أو القرية ودخل المدينة، فنزل على قريب له، فهل يحل لهذا القريب أو الغريب الحاضر أن يبيع لهذا البادي؟ الجواب لا، وقال ابن عباس: معنى النهي عن بيع الحاضر للبادي أن يعمل له سمساراً، وليس معنى ذلك تحريم السمسرة، لكن على أن تكون بين غير الحاضر والبادي. مثال ذلك: أن رجلاً أتى بسلعة أو بضاعة من الريف ودخل القاهرة، فقال له قريبه: السعر في هذه الأيام نازل، فدع السلعة عندي أمانة لأبيعكها إذا ارتفع السعر، فهذا هو نهي النبي ﵊ أن يبيع الحاضر للبادي، وهذا البيع راعى فيه الشرع مصلحة الجماعة؛ لأن البائع لو أنه نزل السوق فباع برخص السعر لانتفع مجموع الناس، وهكذا يحرص الشرع على المنفعة الجماعية ويقدمها على المنفعة الشخصية.

стр. 285

بيع التصرية يقول النبي ﵊: (من باع شاة مصراة -وفي رواية: من ابتاع إبلاً أو غنماً مصراة- فهو بخير النظرين بعد ثلاث، إما أن يمسكها، وإما أن يردها ومعها صاعاً من تمر). وبيع التصرية معناه: أن يترك الرجل ناقته أو شاته أو بقرته يوماً أو يومين أو ثلاثة دون أن يحلبها، يعظم لبنها ثم ينزل بها إلى الأسواق، فيظن المشتري أن هذه عادة تلك البهيمة، فيشتريها طلباً لكثرة اللبن، فإذا حلبها في اليوم الأول أتت بلبن أكثر من اليوم الثاني، وفي الثاني أكثر من الثالث، ثم بعد ذلك يكون اللبن أقل من الأول والثاني والثالث؛ لأنها رجعت إلى عادتها الأولى، فاكتشف المشتري الخدعة التي وقع فيها، وأن البائع قد صر هذه الناقة، ومعنى التصرية: الحبس، أي قد حبس اللبن في ضرعها ولم يحلبها، يغر المشتري، فقال النبي ﵊: (فمن وجد ذلك فهو بالخيار بعد ثلاث)، وهذه هي المدة التي تسمح لك بمعرفة العيب، وجعل للمشتري الخيار في رد البيع وأخذ الثمن، أو الاستمرار في قبض السلعة بين يديه. فقال: (فمن وجد ذلك فهو بالخيار بعد ثلاث، إن شاء أمسك -أي: احتفظ بالشاة أو الدابة- وإن شاء ردها ورد معها صاعاً من تمر)، والصاع من التمر مقابل اللبن الذي نتج عنده. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.
следующие страницы →