← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37630

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

بلقاسم الزبيدي

Полный текст (610 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والإضافات، كالحُكْم بإباحة النكاح لمن لا أَرَبَ له في النساء، ووجوبه على من خشي العنت، وكراهية الصيد لمن غلب عليه اللهو. فإنْ أَخَذَ المُسْتَدِلُ الدليلَ على الحُكْم مجرَّداً عن قيد الوقوع صح الاستدلال، وإن أخذه بقيد الوقوع - وهو التنزيل على مناطٍ معين- لم يصح استدلاله إلا بالنظر إلى توابعه والإضافات المقترنة به (١). قال الشاطبي: " ومن اعتبر الأقضية والفتاوى الموجودة في القرآن والسُّنَّة وجدها على وفق هذا الأصل " (٢). وعلى هذا فالاجتهاد في إثبات مُتَعَلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده يستلزم أخذ الدليل على وفق الواقع بالنسبة إلى ذلك المحل، وما يحيط به من أحوالٍ وملابسات (٣). قال الشاطبي: " وعند ذلك لا يصح للعالِم إذا سُئِل عن أمرٍ كيف يحصل في الواقع إلا أن يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك أخطأ في عدم اعتبار المناط المسؤول عن حكمه؛ لأنه سُئِل عن مناطٍ مُعَيَّنٍ فأجاب عن مناطٍ غير مُعَيَّن " (٤). ومن الأمثلة على ذلك: أن يُسأل المستفتي عن حُكْم بيع الدرهم من سِكَّة كذا بدرهمٍ في وزنه من سِكَّةٍ أخرى، أو المسكوك بغير المسكوك وهو في وزنه؟ فيجيبه المسؤول بأن الدرهم بالدرهم سواءً بسواء، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فإنه لا يحصل له جواب مسألته من ذلك الأصل؛ إذ له أن يقول: فهل ما سألتك عنه من قبيل الرِّبا أم لا؟ أما لو سأله: هل يجوز الدرهم بالدرهم وهو في وزنه وسِكَّتِه؟ فأجابه كذلك لحصل المقصود (٥).

стр. 247

وإذا كان الاجتهاد في إثبات متعلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده يستلزم أخذَ الدليل على وفق الواقع بالنسبة إلى ذلك المحل، فهذا يعني لزوم مراعاة اختلاف الأحوال التي تحيط بكلِّ محلٍّ، فأحوال الضعف غير أحوال القوة، وأحوال الاضطرار وعموم البلوى غير أحوال السعة والاختيار. ومما ذكره إمام الحرمين تخريجاً على هذا الأصل: " إن الحرام إذا طبق الزمان وأهله ولم يجدو إلى طلب الحلال سبيلاً، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة في حقِّ الناس كافَّة تُنَزَّل منزلة الضرورة في حقِّ الواحد المضطر، فإن الواحد المضطر لو صابر ضرورته ولم يتعاط المَيْتَة لهلك، ولو صابر الناس حاجاتهم وتعدوها إلى الضرورة لهلك الناس قاطبة." (١). كما يستلزم أخذُ الدليل على وفق الواقع بالنسبة إلى كلِّ محلٍّ مراعاةَ اختلاف العوائد، فقد جرت سُنَّة الله تعالى على أن عوائد الناس تختلف باختلاف أزمنتهم وأمكنتهم. قال ابن خلدون (٢): " إن أحوال العالَم والأمم وعوائدهم ونِحَلَهُم لا تدوم على وتيرةٍ واحدةٍ ومنهاجٍ مستقر، إنما هو اختلافٌ على الأيام والأزمنة، وانتقالٌ من حالٍ إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ (٣) [غافر: ٨٥]. وبناءً على هذا المعنى قرَّر الفقهاء قاعدة: " لا ينكر تغيُّر الاجتهاد بتغيُّر الزمان والمكان والحال " (٤). وعقد ابن القيم ﵀ فصلاً ماتعاً في كتابه " إعلام الموقعين " (٥) بعنوان:

стр. 248

" فصلٌ في تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيَّات والعوائد ". وقال في بيان أهميته: " هذا فصلٌ عظيم النفع جداً، وقد وقع بسبب الجهل به غلطٌ على الشريعة أوجبَ من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعْلم أن الشريعة الباهرة التي هي أعلى رتب المصالح لا تأتي به" (١). ثم أقام الأدلة على صحة ذلك، وذكر عليه أمثلةً كثيرةً من أبواب فقهية متفرِّقة (٢). ومن الأمثلة التي ذكرها على تغيُّر الفتوى بتغيُّر العرف والعادة: الاجتهاد في موجبات الأيمان والإقرار والنُّذور، وألفاظ الطلاق والعتاق والأوقاف والوصايا، وغيرها مما يتعلق اللفظ فيها بعُرْف المتكلِّمين به (٣). وقال ﵀: " لا يجوز له أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق اللفظ بما اعتاده هو من فَهِمَ تلك الألفاظ دون أن يعرف عُرْف أهلها والمتكلِّمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه، وإلا كان مخالفاً لحقائقها الأصلية، فمتى لم يفعل ذلك ضلَّ وأضلّ " (٤). ومما يتخرَّج - أيضاً - على هذا الأصل: تغيُّر بعض الأحكام المتعلِّقة بالنقود في المعاملات، والعيوب في البيوعات، وذلك بحسب تغيُّر العوائد في تلك الأحكام. قال القرافي: " الأحكام المترتِّبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، فتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات، والعيوب في الأعراض في البياعات ونحو ذلك، فلو تغيَّرت العادة في النقد، والسِّكَّة إلى سِكَّةٍ أخرى لحُمِل الثمنَ في البيع عند الإطلاق على السِّكَّة التي تجدَّدت العادة بها دون ما قبلها، وكذلك إذا كان الشيء عَيْبَاً في الثياب في عادةٍ رددنا به المبيع، فإذا

стр. 249

تغيَّرت العادة، وصار ذلك محبوباً موجباً لزيادة الثمن لم تُرَدَّ به، وبهذا القانون تُعتَبر جميع الأحكام المترتِّبة على العوائد، وهو تحقيقٌ مُجْمَعٌ عليه بين العلماء، لا خلاف فيه " (١). وهذه القاعدة ليست على إطلاقها، إنما تختصُّ بالأحكام الاجتهادية التي تُبْنَى على المصلحة المرسلة أو العوائد المُعْتَبرة؛ لأن وجوه المصالح والعوائد تتغيَّر بتغيُّر الأزمنة والأمكنة، أما الأحكام الثابتة بالنصِّ أو الإجماع كأصول الدين، وأركان الإسلام، وما عُلِمَ من الدِّين بالضرورة، والحدود، والمقدَّرات الشرعيَّة، ونحو ذلك، فإنها لا تتغيَّر بتغيُّر الأزمنة والأمكنة، وإلا أدَّى ذلك إلى إبطال الشرع بتحريم ما أحلَّ الله، أو تحليل ما حرَّم الله، تحت دعوى تغيُّر الأحكام بتغيُّر الأزمنة والأمكنة (٢). وقد ذكر الشاطبي أن العادات على ضربين (٣): أحدهما: العوائد الشرعيَّة التي أقرَّها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أَمَرَ بها إيجاباً أو ندباً، أو نهى عنها كراهةً أو تحريماً، أو أَذِنَ فيها فعلاً أو تركاً. والثاني: العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا اتباعه دليلٌ شرعي. فأمَّا الأول فثابتٌ أبداً كسائر الأمور الشرعيَّة، كالأمر بإزالة النجاسات، وستر العورات، فهذه العادات لا تبديل لها. وأما الضرب الثاني فمنها: ما يكون مُتَبَدِّلاً في العادة من حُسْن إلى قُبْحٍ والعكس، مثل كشف الرأس، فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيحٌ في البلاد المشرقية، وغير قبيحٍ في البلاد المغربية،

стр. 250

فالحُكْم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح؛ لأن ما يختلف بحسب العادات يتنزَّل الحُكْم عليه بحسب ... ذلك (١). ومنها: ما يختلف في الأفعال في المعاملات ونحوها، كما إذا كانت العادة في النكاح قبض الصداق قبل الدخول، أو في البيع الفلاني أن يكون بالنقد لا بالنسيئة، أو بالعكس، أو إلى أجلِ كذا دون غيره، فالحُكْم أيضاً جارٍ على ذلك بحسب تلك العوائد (٢). وتغيُّر الاجتهاد أو الفتوى ليس راجعاً إلى خطاب الشارع في ذاته؛ لأن الحُكْم الشرعي لا يتغيَّر متى كان المناط واحداً في كلِّ صورة، وإنَّما يرجع التغيُّر هنا إلى اختلاف مناط الحُكْم، إما لاختلاف صورة المحكوم عليه، أو بسبب العوارض الطارئة عليه، فيكون داخلاً تحت أصلٍ شرعيٍّ آخر. قال الشاطبي: " فاعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوعٌ على أنه دائمٌ أبديٌّ، لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع على مزيد، وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كلُّ عادةٍ إلى أصلٍ شرعيٍّ يُحُكْم به عليها " (٣). ولما كانت الأحكام المترتِّبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وهي تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة، اشْتُرط في المجتهد أن يكون عارفاً بعادات الناس وأحوالهم، وإلا عاد اجتهاده على مقاصد الشريعة بالإبطال. قال ابن القيم: " فهذا - أي: معرفة الناس - أصلٌ عظيمٌ يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهاً فيه فقيهاً في الأمر والنهي، ثم يُطَبِّق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح .. " (٤).

стр. 251

وإذا وَرَدَت على المفتي مسألةٌ يبنى فيها الحُكْم على عرف بلد المستفتي وجب على المفتي أن يفتيه بحسب عرف ذلك السائل إن كان يعلمه، أو يستفصل عن ذلك العرف إن كان يجهله. قال ابن القيم: " مهما تجدَّد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجلٌ من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجْرِهِ على عرف بلدك، وسَلْهُ عن عرف بلده فأَجْرِهِ عليه، وأَفْتِهِ دون عرف بلدك والمذكور في كتبك " (١). بل اعتبر القرافي عدم مراعاة اختلاف العوائد في الاجتهاد خلاف الإجماع، ومن الجهالة في الدِّين حيث قال: " إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغيُّر تلك العوائد خلاف الإجماع، وجهالةٌ في الدين، بل كلُّ ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغيُّر الحُكْم فيه عند تغيُّر العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجدِّدة .. " (٢). وبناء على ذلك فقد قرر مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة عشر أن من شروط الإفتاء: " المعرفة بأحوال الناس وأعرافهم وأوضاع العصر ومستجداته، ومراعاة تغيُّرها فيما بُنِيَ على العرف المعتبر الذي لا يصادم النصّ " (٣). والمقصود مما تقدم بيانه أن الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام الشرعيَّة يستلزم مراعاة اختلاف الأحوال التي تحيط بكلِّ واقعة، والعوائد التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة؛ لأن الحُكْم يدور مع مناطه وجوداً وعدماً، وقد يطرأ على الوقائع من اختلاف الأحوال وتغيُّر العوائد ما يقتضي اختلاف أحكامها.

стр. 252

المبحث الثالث اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلَّفين باستقراء مصادر الشريعة ومواردها ثبت أن الأحكام التكليفية إنما وُضِعَت لتحقيق مصالح العباد وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها (١). قال ابن تيمية: " إن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها " (٢). وعلى هذا فإن الاجتهاد في إثبات مُتَعَلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده يستلزم اعتبار مقصود الشرع من وضع الأحكام والتكليف بها (٣). ومن أهم الأصول التي يلزم المجتهد مراعاتها للمحافظة على مقصود الشرع: اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلَّفين. بل من خصائص المجتهد الرَّباني الراسخ في العلم: " أنه ناظرٌ في المآلات قبل الجواب عن السؤالات " (٤). قال الشاطبي: " النظر في مآلات الأفعال مُعْتَبرٌ مقصودٌ شرعاً، كانت الأفعال موافقةً أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعلٍ من الأفعال الصادرة عن المكلَّفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل" (٥).

стр. 253

وإنَّ عدم اعتبار نتائج الأفعال وعواقبها وآثارها المترتبة عليها قد يفضي إلى نقيض مقصود الشرع من وضع الأحكام؛ لأن " الأعمال الشرعيَّة ليست مقصودةً لأنفسها، وإنما قُصِد بها أمورٌ أُخَر هي معانيها، وهي المصالح التي شُرِعت لأجلها، فالذي عُمِل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات " (١). والمراد بهذا الضابط: أن ينظر المجتهد إلى مآل الحُكْم عند تحقيق مناطه في بعض أفراده، فإن كان المآل غالباً يؤدي إلى مصلحةٍ راجحةٍ أَثْبَتَ الحُكْم، وإن كان يؤدي غالباً إلى مفسدةٍ راجحةٍ مَنَعَ الحُكْم. وذلك لأن الفعل قد يكون مشروعاً لمصلحةٍ فيه تُسْتَجْلَب أو لمفسدةٍ تُدْرأ، ولكن له مآلٌ على خلاف ذلك، فإذا أُطلق القول في الأول بالمشروعية فربَّما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدةٍ راجحة، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية فربَّما أدَّى استدفاع المفسدة إلى مفسدةٍ راجحةٍ، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية (٢). والأدلة على صحة اعتبار مآلات الأفعال في الاجتهاد كثيرةٌ، منها: أوّلاً: إن التكاليف مشروعةٌ لمصالح العباد، ومصالح العباد إما دنيويةٌ أو أخروية، أما الأخروية فراجعةٌ إلى مآل المكلَّف في الآخرة ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم، وأما الدنيوية فإن الأعمال مقدِّماتٌ لنتائج المصالح، فإنها أسبابٌ لمسبَّباتٍ هي مقصودةٌ للشارع، والمُسَبَّبَات هي مآلات الأسباب، فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب، وهو معنى النظر في المآلات (٣). ثانياً: إن مآلات الأعمال إما أن تكون مُعتَبرةٌ شرعاً أو غير مُعتَبرة، فإن

стр. 254

اُعتبِرت فهو المطلوب، وإن لم تُعْتَبر أمكن أن يكون للأعمال مآلاتٌ مضادَّةٌ لمقصود تلك الأعمال، وذلك غير صحيح؛ لأن التكاليف مشروعةٌ لمصالح العباد، ولا مصلحةَ تُعْتَبر مطلقاً مع إمكان وقوع مفسدةٍ راجحة (١). ثالثاً: باستقراء أدلة الشرع ثبت أن المآلات مُعتبَرةٌ في أصل المشروعية، ومن ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. فسبُّ الأوثان سببٌ في تخذيل المشركين، وتوهين أمر الشِرْك، وإذلال أهله، ولكن لمَّا وجِد له مآلٌ آخر تُعْتَبر مراعاته أرجح - وهو سبُّهم اللهَ تعالى - نُهِىَ عن هذا العمل المؤدِّي إليه مع كونه سبباً في مصلحةٍ ومأذوناً فيه لولا هذا المآل (٢). ٢ - لمَّا أشير على النبي ﷺ بقتل المنافقين قال ﵊: " أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه " (٣). فموجِب القتل حاصل، وهو الكفر بعد النطق بالشهادتين، والسعي في إفساد حال المسلمين كافّة بما كان يصنعه المنافقون، بل كانوا أضرَّ على الإسلام من المشركين، فقتلهم فيه درءٌ لمفسدةٍ متحقِّقِة، ولكن وُجِدَ له مآلٌ آخر تُعْتَبر مراعاته أرجح، وهو التهمة التي تبعد الطمأنينة عمن أراد الدخول في الإسلام، وهي أشدُّ ضرراً على الإسلام من بقائهم (٤). ٣ - قوله ﷺ لعائشة ﵂: " لولا أن قومك حديثٌ عهدُهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أُدْخِل الجدر في البيت، وأن أُلْصِق بابه

стр. 255

بالأرض" (١)، وفي رواية: "لَنَقَضْتُ البيت ثم بنيتُه على أساس إبراهيم ﵇" (٢). فالنبيُّ ﷺ ترك ذلك الفعل لما قد يؤول إليه الأمر من حصول مفسدةٍ راجحةٍ، وهي أن تنكر العرب عليه ذلك ظنَّاً منهم أنَّ النبي ﷺ يقصد هدم البيت وتغيير معالمه (٣). فهذه الأدلة وغيرها تثبت أن المآلات مُعْتَبرةٌ في الحُكْم على تصرفات المكلَّفين، وذلك بالنظر إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل من مصلحةٍ راجحةٍ أو مفسدةٍ راجحة. بل إن الشاطبي حكى عن أبي بكر ابن العربي (٤) اتفاق العلماء على اعتبار هذا الأصل في الاجتهاد (٥). والمآل المُعْتَبر عند تحقيق مناط الحُكْم في بعض أفراده هو ما كان يقينياً أو غلب على ظنِّ المجتهد حصوله بحسب العادات والتجارب والقرائن التي تفيد الظنون المُعْتَبرة كما سيأتي في مسالك تحقيق المناط (٦). فإذا تبيَّن للمجتهد يقيناً أو غلب على ظنِّه أنَّ فعلاً بعينه من أفعال المكلَّف يؤدي إلى مفسدةٍ راجحةٍ لزم المجتهد أن يَعْتَبر ذلك عند تحقيق مناط الحُكْم في ذلك الفعل. وذلك لأن تصرُّفات المكلَّفين بالنظر إلى ما تؤول إليه من المفاسد لا تخلو من ثلاثة أقسام (٧): القسم الأول: تصرُّفٌ يفضي يقيناً إلى مفسدةٍ راجحة، كحفر البئر خلف باب الدار في الظلام بحيث يقع الداخل فيه لا محالة، وشبه ذلك، فهذا تصرُّفٌ غير مشروعٍ اتفاقاً.

стр. 256

القسم الثاني: تصرُّفٌ يفضي غالباً إلى مفسدةٍ راجحة، كبيع السلاح لأهل الحرب في زمن الفتنة بين المسلمين، وبيع العنب لمن يتخذه خمراً، ونحو ذلك، فهذا تصرُّفٌ غير مشروع، لأن غلبة الظنِّ تنزِّل منزلة القطع في الأحكام الشرعيَّة. قال ابن فرحون (١): " ويُنزِّل منزلة التحقيق الظنُّ الغالب؛ لأن الإنسان لو وجد وثيقةً في تركة مورِّثه، أو وجد ذلك بخطِّة، أو بخطِّ من يثق به، أو أخبره عدلٌ بحقٍّ له، فالمنقول جواز الدعوى بمثل هذا، والحَلِف بمجرَّده، وهذا الأسباب لا تفيد إلا الظنَّ دون التحقيق، لكن غالب الأحكام والشهادات إنما تُبْنَى على الظنّ، وتنزَّل منزلة التحقيق" (٢). وذكر العز بن عبدالسلام أن من طرق معرفة المصالح والمفاسد الدنيوية: " الظنون المُعتَبرات " (٣). القسم الثالث: تصرُّفٌ يفضي نادراً إلى مفسدةٍ مرجوحة، كالقضاء بالشهادة في الدِّماء والأموال والفروج، مع إمكان الكذب والوهم والغلط، لكن ذلك نادرٌ فلم يُعْتَبر، واعتُبِرَت المصلحة الغالبة. قال الشاطبي: " لأن المصلحة إذا كانت غالبةً فلا اعتبار بالندور في انخرامها؛ إذ لا توجد في العادة مصلحة عريَّةٌ عن المفسدة جملة، إلا أن الشارع إنما اعتبر في مجاري الشرع غلبة المصلحة، ولم يَعْتَبر ندور المفسدة؛ إجراءً للشرعيات مجرى العاديات في الوجود " (٤). وبهذا يتبين أن المآل المُعتَبر عند تحقيق مناط الحُكْم في بعض أفراده هو ما كان يقينياً أو غلب على ظنِّ المجتهد حصوله بحسب العادات والتجارب والقرائن التي تفيد الظنون المُعْتَبرة. فإذا تبيَّن للمجتهد يقيناً أو غلب على ظنِّه أن فعلاً بعينه من أفعال

стр. 257

المكلَّف يؤدي إلى مفسدةٍ راجحةٍ، لزم المجتهد أن يَعْتَبر ذلك عند تحقيق مناط الحُكْم في ذلك الفعل، وهو اجتهادٌ " صعبُ المورد، عذبُ المذاق، محمودُ الغِبّ، جارٍ على مقاصد الشريعة " (١).

стр. 258

المبحث الرابع مراعاة اختلاف مقاصد المكلَّفين إنَّ الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام على أقوال المكلَّفين وأفعالهم يستلزم من المجتهد مراعاةً اختلاف مقاصد المكلَّفين من تلك التصرفات؛ لأنَّ إجراء الأحكام على أفعال المكلَّفين وأقوالهم يختلف باختلاف قصد كلِّ مكلَّفٍ من إيقاع ذلك الفعل أو التلفُظ بذلك القول، وقد تتفق الأعمال في الصورة الظاهرة إلا أنها تتميَّز أحكامها بحسب مقاصد أصحابها. قال ابن القيم: " وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده، وفي حِلِّة وحرمته، بل أبلغ من ذلك، وهي أنها تؤثر في الفعل الذي ليس بعقدٍ تحليلاً وتحريماً، فيصير حلالاً تارةً وحراماً تارةً باختلاف النيَّة والقصد، كما يصير صحيحاً تارةً وفاسداً تارةً باختلافها .. " (١). ثم أورد أمثلةً كثيرةً على اختلاف الأحكام باختلاف النيَّات والمقاصد رغم أن صورة الفعل واحدة، ومنها (٢): - الحيوان يَحِلُّ إذا ذُبِح لأجل الأكل، ويَحْرُم إذا ذُبِح لغير الله. - غير المُحْرِم يصيد الصيد للمُحْرِم فيحْرُم عليه، ويصيده للحلال فلا يَحْرُم على المُحْرِم. - عَصْرُ العنب بنيَّة أن يكون خمراً معصية، وعصره بنيَّة أن يكون خَلاًّ جائز.

стр. 259

- قوله لزوجته: "أنت عندي مثل أُمِّي" ينوي الطلاق فيكون ما نواه، وينوي به الظِهار فتحرم عليه، وينوي بها أنها في المنزلة والكرامة كأُمِّه فلا تحرم عليه. والأمثلة على تقرير هذا المعنى تفوق الحصر، وهي تشمل العبادات والمعاملات والعادات. قال ابن القيم: "وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات مُعتَبرةٌ في التصرُّفات والعبارات كما هي مُعتَبرةٌ في التقرُّبات والعبادات، فالقصد والنيَّة والاعتقاد يجعل الشيء حلالاً أو حراماً، وصحيحاً أو فاسداً، وطاعةً أو معصية، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبةً أو مستحبةً أو محُرَّمَةً أو صحيحةً أو فاسدةً" (١). وقد بنى الفقهاء على هذا الأصل القاعدة الشهيرة: "الأمور بمقاصدها" (٢). فمقاصد المكلَّفين تُمَيِّز بين ما هو عادةٌ وماهو عبادة، وفي العبادات تميِّز بين ما هو واجبٌ وغيرُ واجب، وفي العادات تميِّز بين الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحرَّم والصحيح والفاسد، والعمل الواحد يُقْصَد به أمرٌ فيكون عبادة، ويُقْصَد به شيءٌ آخر فلا يكون كذلك، بل يُقْصَد به شيءٌ فيكون إيماناً، ويُقْصَد به شيءٌ آخر فيكون كُفْراً، كالسجود لله أو للصنم (٣). كما أن من أجلِّ تطبيقات هذا الأصل قاعدة: "إبطال الحيل" (٤)؛ لأن قصد المكلَّف من الفعل يجب أن يكون موافقاً لقصد الشارع، وكلُّ مَنْ قصد غيرَ ما وُضِعت له الأحكام في الشرع فعمله باطل.

стр. 260

قال الشاطبي: "قصد الشارع من المكلَّف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصد الله في التشريع، والدليل على ذلك ظاهرٌ من وضع الشريعة، إذ قد مرَّ أنها موضوعةٌ لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلَّف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع" (١). و"كلُّ من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شُرِعت له فقد ناقض الشريعة، وكلُّ من ناقضها فعملُه في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تُشْرَع له فعملُه باطل" (٢)؛ وذلك لأنَّ "المشروعات إنما وُضِعَت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا خولِفت لم يكن في تلك الأفعال التي خولِفت بها جلب مصلحةٍ ولا درء مفسدة" (٣). والتحُّيل هو: تقديم عملٍ ظاهر الجواز لإبطال حُكْمٍ شرعيٍّ، وتحويله في الظاهر إلى حُكْمٍ آخر (٤). فالمتحِّيل في فعله يرتكب محظورين (٥): الأول: أنه يقلب أحكام الأفعال ظاهراً، فيجعل الفعل المحرَّم في ظاهر الأمر جائزاً. والثاني: أنه يهدم مقاصد الشرع من وضع تلك الأحكام، وذلك بجعل الأفعال التي قصد بها الشرع تحقيقَ المصلحة ودرءَ المفسدة وسائلَ إلى قلب تلك الأحكام. وقد استدلَّ ابن تيمية على إبطال الحيل من أربعة وعشرين وجهاً (٦)، وأوصل ابن القيم أدلتها إلى تسعةٍ وتسعين دليلاً (٧).

стр. 261

وأقوى الحجج وآكدها: إجماع الصحابة ﵃ على تحريم الحيل وإبطالها، وإجماعهم على ذلك حُجَّةٌ قاطعة (١). ومن الأمثلة على ذلك: - إبطال حيلة إسقاط الزكاة ببيع ما في اليد من النصاب قبل حلول الحول ثم استرداده بعد ذلك (٢). - تحريم بيع العينة، وهو أن يشتري سلعةً بثمنٍ مؤجَّلٍ ثم يبيعها إليه بثمن حالٍّ أقلَّ منه، فالبيع - هنا - صوري؛ إذا المقصود هو النقود وليس السلعة (٣). - إبطال نكاح المحلِّل؛ إذ مقصوده من إجراء عقد النكاح تحليل المرأة لزوجها الأول الذي طلَّقها طلاقاً بائناً، ولم يُقْصَد منه نكاح المرأة في الأصل لذاتها، وإنما اتخذ النكاح حيلةً ليطلقها بعد ذلك ثم ينكحها زوجها الأول (٤). ولا يفتأ أهل المكر والحيل المحُرَّمَة يُخْرِجون الباطل في القوالب المشروعة، ويأتون بصور العقود دون حقائقها ومقاصدها، ولاسيما في العصور المتأخرة التي تفشَّى فيها الغشُّ والخداع وضعفت فيها الديانة؛ لذا لابدَّ أن يكون المجتهد حَذِرَاً فَطِنَاً في تصرُّفات الناس، عالماً بأساليب خداعهم ومكرهم (٥). وحاصل القول أن الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام على أفعال المكلَّفين وأقوالهم يستلزم النظر في مقاصدهم من تلك التصرفات؛ لأن الأحكام تختلف بحسب اختلاف نياتهم ومقاصدهم في الأقوال والأفعال الصادرة عنهم.

стр. 262

المبحث الخامس الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة تقدَّم أن مقصود الشارع من وضع الأحكام هو جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها (١)، وهذا المقصد لابدَّ من اعتباره أثناء الاجتهاد في تعيين المصالح في الأحوال والأشخاص؛ وإلا عادت الأحكام على مقاصد الشرع بالنقض والإبطال (٢). وكلُّ ما يتضمن المحافظة على مقصود الشرع فهو مصلحةٌ لابدَّ من تحصليها، كما أنَّ كلَّ ما يتضمن تفويت مقاصد الشرع فهو مفسدةٌ لابدَّ من دفعها. قال الغزالي: " نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكلُّ ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة " (٣). والمصالح والمفاسد تتفاوت - غالباً- في درجاتها، وهي ليست على رتبةٍ واحدة، فبعض المصالح أعظم من بعض، كما إنَّ بعض المفاسد أخطر من بعض، وعلى هذا التفاوت تترتَّب الفضائل والعقوبات (٤).

стр. 263

وقد يحدث بينها من الاجتماع والتعارض ما يقتضي الاجتهاد في الترجيح بينها، ولاسيما في الأزمنة المتأخرة التي اختلط فيها كثيرٌ من المفاسد بالمصالح، فلا يسع المكلَّفَ في كثيرٍ من الأحيان تحقيقُ مصلحةٍ مشروعةٍ إلا مع التلبُّس بمفسدةٍ عارضة. قال ابن تيمية: " وتمام الورع أن يعلم الإنسانُ خيرَ الخيرين وشرَّ الشرَّين، ويعلم أنَّ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعيَّة والمفسدة الشرعيَّة فقد يَدَعُ واجباتٍ ويفعل محرَّماتٍ، ويرى ذلك من الورع، كَمَنْ يَدَعُ الجهادَ مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك من الورع .. " (١). والمراد بهذا الضابط: المقابلة بين المصالح والمفاسد المتعارضة في محلٍّ واحد، والترجيح بينها أثناء الاجتهاد في تعيين مصالح الأحكام في الأحوال والأشخاص المختلفة. وهو فقهٌ دقيقٌ يحتاج إلى مزيد اعتناءٍ من المجتهد في تحقيق مناطات الأحكام، وإلا أفسد المجتهدُ باجتهاده أكثر مما يصلح. قال ابن تيمية: " والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسُّنَّة، كما يعرف الخيرات الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسُّنَّة، فيفرِّق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسُّنَّة، ليقدِّم ما هو أكثرُ خيراً، وأقلُّ شرَّاً على ما هو غيره، ويدفع أعظم الشرَّين باحتمال أدناهما، ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإن لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الدِّين لم يعرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومن عَبَدَ الله بغير عِلْمٍ كان ما يفسد أكثر مما يصلح " (٢). والأدلة على اعتبار الشارع الترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارضة كثيرةٌ، منها:

стр. 264

١ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. فالآية تبيِّن أن المضارَّ والمفاسد الناتجة عن اقتراف الخمر والميسر من ذهاب العقل والمال وإثارة العداوة والبغضاء والصَّدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة وما يترتب على ذلك من الإثم أخطر من تحقيق بعض المنافع منهما، كتحقيق اللذة والربح العاجلين؛ لأن هذه المنافع لا توازي المضارَّ والمفاسد المترتبة على ذلك (١). قال ابن كثير (٢): " ولكن هذه المصالح لا توازي مضرَّته ومفسدته الراجحة؛ لتعلُّقها بالعقل والدِّين، ولهذا قال تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ " (٣). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابيٌّ فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبيُّ ﷺ : " دعوه، وهريقوا على بوله سَجْلاً من ماء، أو ذنوباً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسِّرين ولم تبعثوا معسِّرين " (٤). فالنبيُّ ﷺ أمر الصحابة بالكفِّ عنه رغم حصول المفسدة منه، وهي تنجيس بعض المسجد بالبول؛ وذلك لأن تلك المفسدةَ مرجوحةٌ في مقابل مفسدةٍ أعظم منها فيما لو قُطِعَ عليه بوله، وهي إيقاع الضرر به في صحته، وانتشار البول على ثيابه وبدنه ومواضع كثيرةٍ من المسجد، مع ما في ذلك من تنفيره عن ما جاء به الإسلام من الأحكام والآداب المرعية. قال النووي: " وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفِّهما؛ لقوله ﷺ : " دعوه "، قال العلماء: كان قوله ﷺ : " دعوه " لمصلحتين، إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به، والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزءٍ يسيرٍ من المسجد، فلو أقاموه

стр. 265

في أثناء بوله لتنجَّست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد " (١). ٣ - عن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن الجَدْرِ: أمِنَ البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فلِمَ لمْ يدخلوه في البيت؟ قال: إنَّ قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأنهُ بابه مرتفعاً، قال: فعل ذلك قومك ليُدْخِلوا من شاءوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديثٌ عهدُهم في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبُهم لنظرتُ أن أُدْخِلَ الجَدْرَ في البيت وأن أُلْزِق بابه الأرض" (٢). قال النووي (٣): " في هذا الحديث دليلٌ لقواعد من الأحكام منها: إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحةٌ ومفسدةٌ وتعذَّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بُدِئَ بالأهمّ؛ لأن النبيَّ ﷺ أخبر أن نقض الكعبة وردَّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم ﵇ مصلحة، ولكن تعارضه مفسدةٌ أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريباً؛ وذلك لِما كانوا يعتقدونه مَنْ فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيماً فتركها ﷺ " (٤). ٤ - إن تقديم أرجح المصالح ودرء أعظم المفاسد من الأمور الجِبِليَّة التي طبع الله عليها نفوس الخلق، فلا يخفى على عقل عاقلٍ أنَّ تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمودٌ حسَن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمودٌ حسَن، وأن تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمودٌ حسَن (٥). فالأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين بفوات أدناهما (٦). ولو خُيِّر الصبيُّ بين اللذيذ والألذِّ لاختار الألذ، ولو خُيِّر بين الحسَن والأحسَن لاختار الأحسَن، ولا يقدِّم الصالحَ على الأصلح إلا الجاهلُ بفضل

стр. 266

الأصلح، أو شقيُّ متجاهلٌ لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من تفاوت (١). والموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة - غالباً- ما تكتنفها كثيرٌ من الملابسات، وهذا يستلزم إجراء الموازنة وفق ضوابط شرعيَّةٍ تُراعى فيها جميع الوجوه، وأن لا يُتْرَك الأمر للأذواق والأهواء المختلفة. قال ابن تيمية: " اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تُعْوِز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام " (٢). وهذه الضوابط تنقسم بحسب أنواع تعارض المصالح والمفاسد إلى ثلاثة أقسام: الأول: ضوابط الموازنة بين المصالح المتعارضة. الثاني: ضوابط الموازنة بين المفاسد المتعارضة. الثالث: ضوابط الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة. وتفصيل ذلك على النحو الآتي: القسم الأول: الموازنة بين المصالح المتعارضة . إذا تعارضت عدَّة مصالح في محلٍّ واحدٍ، وتعذَّر تحصيلها فإنه يصار للترجيح بينها بحسب ما يأتي: - إذا كانت المصالح المتعارضة مختلفةً في مراتبها، بأن كان بعضها ضرورياً، وبعضها حاجياً، وبعضها تحسينياً، فإنه تُقَدَّم المصالح الضرورية على الحاجية والتحسينية، وتُقَدَّم الحاجية على التحسينية؛ لأن المصالح الضرورية لابدَّ منها لقيام مصالح الدِّين والدنيا، وإذا فُقِدَت لم تَجْرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فسادٍ وتهارجٍ وفوات حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم

стр. 267

والخسران المبين، والمصالح الحاجية إنما يفتقر إليها للتوسعة على المكلَّفين ورفع الضيق والحرج عنهم، ولا يترتب على فقدها ما يترتب على فقد الضروريات، أما المصالح التحسينية فلأنه لا يترتب على فقدها تلفٌ أو هلاك، ولا ينشأ عن فواتها حرجٌ ولا مشقة، وإنما يترتب على فقدها أن تصبح أحوال الناس غير مُستحسَنَةٍ عند ذوي العقول السليمة والفطر القويمة (١). مثاله: تقديم إنقاذ الغرقى المعصومين على أداء الصلاة في أول وقتها؛ لأن إنقاذ الغرقى المعصومين تتحقق به مصلحةٌ ضروريةٌ وهي حفظ النفس، بينما أداء الصلاة في أول وقتها من المصالح التحسينية المندوب إلى فعلها (٢). - وإذا كانت المصالح المتعارضة متساويةً في الرتبة، ولكنها مختلفةٌ في النوع، بأن كانت من الضروريات، لكن بعضها يتعلَّق بحفظ الدين، وبعضها يتعلَّق بحفظ النفس، وبعضها يتعلَّق بحفظ العقل، وبعضها يتعلَّق بحفظ النسل، وبعضها يتعلَّق بحفظ المال، فإنه تقدم المصالح المتعلِّقة بحفظ الدين، ثم المصالح المتعلِّقة بحفظ النفس، ثم المصالح المتعلِّقة بحفظ العقل، ثم المصالح المتعلِّقة بحفظ النسل، ثم المصالح المتعلِّقة بحفظ المال، وذلك بحسب أهمية ما يترتب عليها في أحكام الشرع (٣). مثاله: تقديم إنقاذ الأنفس عند الأخطار على إنقاذ الأموال؛ لأن حفظ النفس أعظم رتبةً في الطلب من حفظ المال (٤). -وإذا كانت المصالح المتعارضة متساويةً في الرتبة والنوع، وكان بعضها عامَّاً، وبعضها خاصّاً، بأن كانت من الضروريات، وتتعلَّق بحفظ نوعٍ واحدٍ من الكليَّات الخمس، كالدِّين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال، وبعضها يُعْتَبر من المصالح العامة، وبعضها من المصالح الخاصة، فإنه تُقَدَّم المصلحة المتعلِّقة بالعموم على المصلحة المتعلِّقة بالخصوص؛ لأن اعتناء الشرع

стр. 268

بالمصلحة العامة أكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة (١). مثاله: العالِم الذي يعتزل الناس خوفاً من الرياء والعجب وحبِّ الرياسة، وكذلك السلطان أو الولي العدل الذي يصلح لإقامة تلك الوظائف، والمجاهد إذا قعد عن الجهاد خوفاً من قصده طلب الدنيا به أو المحمدة، وكان ذلك الترك مؤدياً إلى الإخلال بهذه المصلحة العامة، فالقول هنا بتقديم مصلحة العموم على الخصوص أولى؛ لأنه لا سبيل لتعطيل مصالح الخلق ألبتة (٢). والضابط الكُلِّيُّ الجامع في الموازنة بين المصالح المتعارضة في محلٍّ واحدٍ هو ترجيح أقوى المصلحتين وأعظمهما بحسب النظر إلى مقاصد الشرع لا من حيث أهواء النفوس. القسم الثاني: الموازنة بين المفاسد المتعارضة . إذا تعارضت عدَّة مفاسدٍ في محلٍّ واحدٍ، وتعذَّر درؤها جميعاً، فإنه يُصَار للترجيح بينها بحسب ما يأتي: - إذا كانت المفاسد المتعارضة مختلفةً في مراتبها، بأن كان بعضها يفوِّت ضرورياً، وبعضها يفوِّت حاجيَّاً، وبعضها يفوِّت تحسينياً، فإنه يُقْدَم درء المفاسد التي يفوِّت الضروريات على المفاسد التي تفوِّت الحاجيات والتحسينيات، ويُقْدَم درء المفاسد التي تفوِّت الحاجيات على المفاسد التي تفوِت التحسينيات؛ لأن أعظم المفاسد ما يفوِّت الضروريات الخمس أو يُخِلُّ بها، ثم ما يفوِّت الحاجيات، ثم ما يفوِّت التحسينيات، فإذا تعارض بعضها في محلٍّ واحدٍ ولم يُمْكِن درؤهما جميعاً فإنه يدفع أعظمهما بارتكاب أدناهما (٣). قال ابن القيم: " فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما،

стр. 269

فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة وإن أباه مَنْ أباه " (١). مثاله: جواز كشف عورة المريض للتداوي؛ حيث تدفع أعظم المفسدتين وهي إهلاك النفس أو البدن بارتكاب أدناهما، وهي الإطلاع على عورة المريض لعلاجه؛ لأن المفسدة الأولى تفوِّت ضرورياً أو حاجياً، والثانية تفوِّت تحسينياً، فيُقَدِّم درء المفاسد التي تفوِّت الضروريات أو الحاجيات على ما يفوّت التحسينيات (٢). - وإذا كانت المفاسد المتعارضة متساويةً في الرتبة، ولكنها مختلفةٌ في النوع، بأن كانت من المفاسد التي تفوِّت الضروريات أو تُخِلُّ بها، لكن بعضها يتعلُّق بالدِّين، وبعضها يتعلُّق بالنفس، وبعضها يتعلُّق بالعقل، وبعضها يتعلُّق بالنسل، وبعضها يتعلُّق بالمال، فإنه يُقْدَم درء المفاسد المتعلِّقة بالدِّين، ثم المتعلِّقة بالنفس، ثم المتعلِّقة بالعقل، ثم المتعلِّقة بالنسل، ثم المتعلِّقة بالمال، وذلك بحسب درجاتها في الأهمية، وما يترتب عليها من تحقُّق مقاصد الشرع (٣). مثاله: إذا اضطر إلى أكل مال الغير إنقاذاً لنفسه من الهلاك فإنه يأكل منه؛ لأن حُرْمَة مال الغير أخفُّ من حُرْمَة النفس، وفوات النفس أعظم من إتلاف مال الغير ببدل (٤). قال الغزالي: " إذا تعارض شرَّان أو ضرران قَصَدَ الشرعُ دفع أشدِّ الضررين وأعظم الشرَّين " (٥). -وإذا كانت المفاسد المتعارضة متساويةً في الرتبة والنوع، ولكن بعضها عام، وبعضها خاص، كأن تكون من المفاسد التي تفوِّت ضرورياً أو تُخِلُّ به،

стр. 270

وتتعلَّق بحفظ نوعٍ واحدٍ من الكليَّات الخمس كالدِّين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال، إلا أن بعضها يتعلَّق بالعموم، وبعضها يتعلَّق بالخصوص، فإنه يُقْدَم درء المفاسد العامّة على المفاسد الخاصّة، ويُتَحَمَّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام (١). مثاله: جواز التسعير إذا تواطأ التُّجار على رفع أسعار السلع الضرورية وبيعها بغنىً فاحش؛ وذلك لأنَّ المفسدة في رفع أسعار تلك السلع تتعلَّق بعموم الناس، ومفسدة التسعير بثمن المثل تتعلَّق بخصوص التُّجار، فَيُقَدَّم درء المفسدة العامَّة على المفسدة الخاصَّة (٢). والضابط الكليُّ الجامع في الموازنة بين المفاسد المتعارضة هو: دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما وأخفِّهما ضرراً، وذلك بحسب مقاصد النظر إلى الشرع لا من حيث أهواء النفوس. القسم الثالث: الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة . إذا تعارضت عدَّة مصالحٍ ومفاسد في محلٍّ واحدٍ، وتعذَّر تحصيل المصالح ودرء المفاسد معاً، فإنه يُصَار للترجيح بينها بحسب ما يأتي: - إذا كانت المصالح والمفاسد المتعارضة مختلفةً في مراتبها، بأن كانت المصالح تتعلَّق - مثلاً - بالضروريات، والمفاسد تتعلَّق بالحاجيات أو التحسينيات، فإنه يُقَدَّم طلب المصلحة على درء المفسدة؛ لأنها أعظم رتبةً من الأخرى (٣). مثاله: جواز التلفُّظ بكلمة الكفر لمن أُكِره على ذلك وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان؛ لأن حفظ المُهَج والأرواج مصلحةٌ ضروريةٌ أكمل من مفسدة التلفُّظ

стр. 271

بكلمةٍ لا يعتقدها الجنان، ولو صبر عليها لكان أفضل؛ لما فيه من إعزاز الدِّين وإجلال رب العالمين (١). أو كانت المفاسد -مثلاً- تتعلَّق بالضروريات، والمصالح تتعلَّق بالحاجيات أو التحسينيات، فإنه يُقْدَّم درء المفسدة على جلب المصلحة؛ لأنها أعظم رتبةً من الأخرى، واعتناء الشرع بالمنهيات أشدُّ من اعتنائه بالمأمورات (٢). مثاله: تحريم بيع السلاح في زمن الفتنة بين المسلمين، فإنه وإن كان في بيعه مصلحةٌ حاجيَّةٌ للبائع إلا أنه قد يحصل بسبب ذلك إراقة الدماء، فيُقَدَّم درء المفسدة التي تتعلَّق بحفظ ضروريٍّ وهو النفس على جلب مصلحةٍ حاجيَّةٍ وهي تحقيق الربح للبائع (٣). - وإذا كانت المصلحة والمفسدة المتعارضتان متساويتين في مراتبهما، ولكنهما مختلفتان في النوع، بأن كانتا من الضروريات، لكن المصلحة تتعلَّق بحفظ الدين، والمفسدة تتعلَّق بحفظ النفس أو العقل أو النسل أو المال، فإنه يُقْدَّم جلب المصلحة المتعلِّقة بحفظ الدِّين على درء المفسدة المتعلِّقة بحفظ النفس أو العقل أو النسل أو المال (٤). مثاله: تقديم الجهاد في سبيل الله الذي يتعلَّق بحفظ الدِّين على درء المفسدة التي تتعلِّق بحفظ النفس؛ لأن حفظ الدِّين وقيامه أكمل مصلحةٍ من مفسدة فوات النفس (٥). قال الشاطبي: " وقد تكون المفسدة مما يُلغى مثلها في جانب عِظَمِ المصلحة، وهو ما ينبغي أن يُتَفَق على ترجيح المصلحة فيه " (٦).

стр. 272

أو قد تكون المفسدة تتعلَّق بحفظ النفس، والمصلحة تتعلَّق بحفظ العقل أو النسل أو المال، فإنه يُقْدَّم درء المفسدة على جلب المصلحة (١). مثاله: جواز شقِّ جوف المرأة عن الجنين المرجو حياته؛ لأن فوات حياته أعظم مفسدةً من مصلحة حفظ حُرْمَة أُمِّه، فيُقْدَّم درء المفسدة التي تتعلَّق بحفظ النفس على جلب المصلحة التي تتعلَّق بغير ذلك كالعقل أو النسل أو المال (٢). - وإذا كانت المصلحة والمفسدة المتعارضتان متساويتين في الرتبة والنوع، وكانت المصلحة تتعلَّق بالعموم، والمفسدة تتعلَّق بالخصوص، بأن كانت من الضروريات، وتتعلَّق بحفظ نوعٍ واحدٍ من الكليَّات الخمس كالدِّين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال، وكانت المصلحة عامَّة، والمفسدة خاصَّة، فإنه يُقْدَّم جلب المصلحة العامَّة على المفسدة الخاصَّة (٣). مثاله: تضمين الصُنَّاع إذا هلكت العين المؤجرة بأيديهم دون تعدٍ منهم أو تفريط، لأنَّ في ذلك مصلحةً عامَّةً للناس تتعلَّق بحفظ أموالهم، رغم أنَّ فيه مفسدةً خاصَّةً وهي تضمين الصانع ما تلف عنده (٤). أو كانت المفسدة عامَّة، والمصلحة خاصَّة، فإنه يُقَدَّم درء المفسدة العامَّة على جلب المصلحة الخاصَّة (٥). مثاله: منع بيع الحاضر للباد، فإن في ذلك رفعاً للأسعار تعود مصلحته للبادي وهي مصلحةٌ خاصَّة، إلا أنه يُلْحِق الضرر بعامَّة الناس بسبب احتكار السلعة والتحكُّم في سعرها، فيُقْدَّم درء المفسدة العامَّة على جلب المصلحة الخاصَّة (٦).

стр. 273

والضابط الكُلِّيُّ الجامع في الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة في محلٍّ واحدٍ هو: ترجيح الأعظم منها، فإن كانت جهة المصلحة أعظم كان جلب المصلحة أولى من درء المفسدة، وإن كانت جهة المفسدة أعظم كان درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، وذلك بحسب مقاصد الشارع التي هي عماد الدِّين والدنيا لا بحسب أهواء النفوس، وعلى ذلك جرت تصرفات الشارع الحكيم (١). قال ابن تيمية: "العمل إذا اشتمل على مصلحةٍ ومفسدةٍ فإن الشارع حكيم، فإن غلبت مصلحته على مفسدته شَرَعَهُ، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه، بل نهى عنه" (٢). وعلى هذا فإن الاجتهاد في إثبات مُتعلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده يستلزم الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ لأن مقصود الشريعة من وضع الأحكام هو جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وهذا المقصد لابدَّ من اعتباره أثناء الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام في الأحوال والأشخاص.

стр. 274

الفصل الخامس مسالك تحقيق المناط ويشتمل على تمهيد ومبحثين: المبحث الأول: المسالك النقلية. المبحث الثاني: المسالك الاجتهادية.

стр. 275

الفصل الخامس (*) مسالك تحقيق المناط إنَّ الكشف عن مناط الحُكْم في الأصل يُعْتَبر مقدمةً ضروريةً للتحقُّق من ثبوته في بعض أفراده، وقد اعتنى الأصوليون بالمسالك النقلية والاجتهادية للكشف عن مناط الحُكْم بَيْد أن مسالك الكشف عن ثبوت ذلك المناط في بعض أفراده لم يَحْظَ بمثل ذلك الاعتناء، ولم أظفر في مصنفات الأصوليين بشيءٍ يتعلَّق بذلك سوى بعض الدقائق واللُّمع التي سطَّرها بعض المحقِّقين كالغزالي، وعزِّ الدين ... ابن عبدالسلام، والقرافي، والشاطبي، وابن تيمية، وابن القيم ﵏ جميعاً. ويُعْتَبر الغزالي أول من أشار إلى بعض المسالك الدَّالة على ثبوت المناط في الفرع بعد ثبوته في الأصل، وذلك في موضعين: الموضع الأول: في كتابة: " شفاء الغليل " (١) عند بحثه في برهان الاعتلال الذي هو الجمع بين الفرع والأصل برابطة العِلَّة، وأنَّ شكل هذا البرهان يرجع إلى مقدمتين ونتيجة، وبيانه أنك تقول: المغصوب مضمون، فهذه مقدمة، وتقول: العقار مغصوب، فهذه مقدمةٌ ثانية، فنتيجتهما: أنَّ العقار مضمون، وتقول: المطعوم ربوي، والسفرجل مطعوم، فالرِّبا يجري في السفرجل (٢). ثم أوضح أنَّ النزاع قد يُفْرَض في المقدِّمة الأولى مع تسليم الثانية،

стр. 276

كقول الخصم: أُسَلِّمُ أنَّ السفرجل مطعوم، ولكن لا نُسَلِّم أنَّ الطعم عِلَّة الرِّبا، وقد يُسَلِّم المقدمة الأولى وينازِع في الثانية، كقوله: سَلَّمتُ أنَّ الغصب عِلَّة الضَّمان، ولكن لا نُسَلِّم وجود الغصب في العقار (١). ثم ذكر أن النزاع إذا وقع في المقدِّمة الأولى لم تثبت إلا بالأدلة الشرعيَّة؛ لأن المُتَنَازَع فيه قضيةٌ شرعيَّة، وهو كون الطعم عِلَّةً مثلاً، فيثبت ذلك بالنصِّ أو الإيماء أو الإجماع أو المناسبة، ونحو ذلك من المسالك الشرعيَّة (٢). أمَّا إذا وقع النزاع في المقدِّمة الثانية - وهو: وجود العِلَّة في الفرع بعد تسليم كون الوصف عِلَّةً - فهذا يُعْرَف تارة بالحِسّ إن كان الوصف حِسِّياً، وقد يُعْرَف بالعُرْف، وقد يُعْرَف باللغة، وقد يُعْرَف بطلب الحِدِّ وتصور حقيقة الشيء في نفسه، وقد يُعْرَف بالأدلة الشرعيَّة النقلية (٣). وما ذكره - هنا - من الطرق التي يُسْتَدَل بها على وجود العِلَّة في الفرع هو ما أسميته: " مسالك تحقيق المناط ". الموضع الثاني: في كتابه: " أساس القياس " (٤) حيث نصَّ على أنَّ تحقيق مناط الحُكْم في فرعٍ ما يُدْرَك بأصولٍ خمسة، وهي: اللغة، والعُرْف، والنظر العقلي، كالنظر في اختلاف الأجناس والأصناف، والحِسّ، والنظر في طبيعة الأشياء وجبلتها وخاصيتها الفطرية (٥). وما ذكره الغزالي في الموضعين لا يُعْتَبر حصراً لهذه المسالك، وإنَّما اقتصاراً على أهمها، لأنَّه لا يُمْكِن حصرها ولا نهاية لها. وقد أشار الغزالي إلى ذلك بقوله: " فهذه خمسة أصنافٍ من النظريات، وهي: اللُّغوية، والعُرْفية، والعقلية، والحِسِّية، والطبيعية، وفيه أصنافٌ أخرى

стр. 277

يطول تعدادها. . ." (١). والسبب في ذلك يعود إلى أن مسالك تحقيق المناط تُعْتَبَر من أدلة وقوع الأحكام، والأدلة الدَّالة على وقوع الأحكام غير منحصرة، وقد أوضح القرافي الفرق بين أدلة مشروعية الأحكام وأدلة وقوع الأحكام فقال: " أدلة مشروعية الأحكام محصورةٌ شرعاً تتوقف على الشارع، وأدلة وقوع الأحكام هي الأدلة الدَّالة على وقوع أسبابها وحصول شروطها وانتفاء موانعها، فأدلة مشروعيتها: الكتاب، والسُّنة، والقياس، والإجماع، . . . ونحو ذلك مما قُرِّر في أصول الفقه، وهي نحو العشرين، يتوقف كلُّ واحدٍ منها على مُدْرَكٍ شرعيٍّ يدلُّ على أن ذلك الدليل نَصَبَهُ صاحب الشرع لاستنباط الأحكام، وأما أدلة وقوعها فهي غير منحصرة، فالزوال - مثلاً - دليل مشروعيته سبباً لوجوب الظهر عند قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ودليل وقوع الزوال وحصوله في العالَم الآلاتُ الدَّالة عليه وغيرُ الآلات كالأَسْطُرْلاب (٢) .. وغير ذلك من الموضوعات والمُخْتَرَعَات التي لانهاية لها، وكذلك جميع الأسباب والشروط والموانع لا تتوقف على نَصْبٍ من جهة الشرع، بل المتوقف سببية السبب وشروطية الشرط ومانعية المانع، أمَّا وقوع هذه الأمور فلا يتوقف على نَصْبٍ من جهة صاحب الشرع، ولا تنحصر تلك الأدلة في عدد، ولا يمكن القضاء عليها بالتناهي" (٣). وإذا تقرَّر أنَّ مسالك تحقيق المناط غير منحصرةٍ فيمكن القول بأن الضابط في ذلك: أنَّ كلَّ ما يدلُّ -غالباً- على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده يصح اعتباره مسلكاً من مسالك تحقيق المناط؛ لأن إيقاع الأحكام على الأعيان لا يلزم أن يُعْلَم بالأدلة الشرعيَّة النقلية، بل يُعْلَم بكلِّ ما يدل على وقوعها، ولا معارض له أرجح منه. قال ابن تيمية: " الشارع بيَّن الأحكام الكليَّة، وأمَّا الأحكام المُعَيَّنات التي

стр. 278

تُسَمَّى: "تحقيق المناط" مثل كون الشخص المُعَيَّن عَدْلاً أو فاسقاً أو مؤمناً أو منافقاً أو وليَّاً لله أو عدوَّاً له، وكون هذا المُعَيَّن عدوَّاً للمسلمين يستحقُّ القتل، وكون هذا العقار ليتيمٍ أو فقيرٍ يستحقُّ الإحسان إليه، وكون هذا المال يُخَاف عليه من ظلم ظالمٍ فإذا زهد فيه الظالم انتفع به أهله، فهذه الأمور لا يجب أن تُعْلَم بالأدلة الشرعيَّة العامة الكليَّة، بل تُعْلَم بأدلةٍ خاصةٍ تدلُّ عليها" (١). وعلى هذا فالمسالك الدَّالة على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده قد ترجع إلى النقل المحضّ وهو قليل، وقد ترجع إلى الرأي والنظر وهو كثير. ولذلك لمَّا ذكر الغزالي الأصول الخمسة التي يُدْرَكُ بها وجود المناط في الفرع قال: "وفيه أصولٌ أُخَر يطول تعدادها، وهو على التحقيق تسعة أعشار النظر الفقهي" (٢). وفيما ذكر الغزالي إشارةٌ إلى أن أكثر المسالك التي يُدْرَكُ بها ثبوت المناط في بعض أفراده ترجع إلى الاجتهاد والنظر. وقال ابن تيمية: "فالرأي كثيراً ما يكون في تحقيق المناط الذي لا خلاف بين الناس في استعمال الرأي والقياس فيه، فإنَّ الله أَمَرَ بالعدل في الحكم، والعدل قد يُعْرَف بالرأي، وقد يُعْرَف بالنصِّ" (٣). ولهذا فقد ارتأيت تقسيم المسالك التي يُدْرَك بها ثبوت المناط في بعض أفراده بعد ثبوته في الأصل إلى: مسالك نقلية، ومسالك اجتهادية. والمراد بالمسالك النقلية: أن يدلَّ دليلٌ نقليٌّ على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. والمراد بالمسالك الاجتهادية: أن يدلَّ دليلٌ اجتهاديٌّ على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. وسأتناول في هذا الفصل أهمَّ المسالك النقلية والاجتهادية مع ذكر أمثلةٍ توضيحيةٍ لها، وذلك من خلال مبحثين:

стр. 279

المبحث الأول المسالك النقلية وهي: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، وقول الصحابي. قال الغزالي: " .. وقد يُعْرَف - أي: ثبوت المناط في الفرع - بالأدلة الشرعيَّة النقلية " (١)، ثم ضَرَبَ على ذلك أمثلةً توضيحية كما سيأتي بيانه (٢). ولمَّا ذكر ابن تيمية أن الرأي كثيراً ما يكون في تحقيق المناط نبَّه إلى أنه كما يُعْرَف ثبوت المناط في مُعَيَّنٍ بالرأي فكذلك قد يُعْرَف بالنصّ (٣)، أي: بالأدلة النقلية. وبيان هذه المسالك على النحو الآتي: المسلك الأول: الكتاب . وهو أن يدلَّ القرآنُ الكريم على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. ومثاله: إباحة القرآن الكريم الزواجَ من غير المحرَّمات اللاتي ذُكِرْنَ في سورة النساء بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ومن ذلك الزواج من مُطَلَّقَات الأدعياء، وقد حقَّق القرآن الكريم مناط هذا الحُكْم في إباحة زواج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش (٤) ﵂ لمَّا طلقَّها زيدٌ بن حارثة (٥) الذي قد تبنَّاه الرسول صلى الله عليه قبل النبوة، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧].

стр. 280

قال ابن كثير: " أي: إنما أبحنا لك تزويجها، وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرجٌ على المؤمنين في تزويج مُطَلَّقَات الأدعياء، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنَّى زيدَ بن حارثة ﵁، فكان يقال: زيد بن محمد، فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] ثم زاد ذلك بياناً وتأكيداً بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش ﵂ لما طلقها زيد بن حارثة ﵁، ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ليحترَّز من الابن الدَّعِي، فإنَّ ذلك كان كثيراً فيهم " (١). فإذا دلَّ القرآن الكريم على ثبوت مناط الحُكْم في صورةٍ بعينها فهو حُجَّةٌ معتبرةٌ، ويُعَدُّ مسلكاً من مسالك تحقيق المناط. المسلك الثاني: السُّنَّة . وهو: أن يدلَّ قول النبي ﷺ أو فعله أو تقريره على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. ومثاله: تحريم التفاضل في بيع النقدين في قوله ﷺ : " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواءً بسواء، والفضة بالفضة إلا سواءً بسواء " (٢). وقد حقَّق النبي ﷺ مناط الحُكْم وهو التفاضل في حديث فضالة بن عبيد (٣) ﵁ حيث قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثنى عشر ديناراً فيها ذهبٌ وخرز فَفَصَّلتُها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عيه وسلم فقال: لا تباع حتى تُفَصَّل " (٤). فإذا دلَّ قول النبي ﷺ أو فعله أو تقريره على ثبوت مناط الحُكْم في صورةٍ بعينها فهو حُجَّةٌ معتبرةٌ، ويُعدُّ مسلكاً من مسالك تحقيق المناط.

стр. 281

المسلك الثالث: الإجماع . وهو: أن يتفق المجتهدون من أُمَّة محمدٍ ﷺ في عصرٍ من الأعصار بعد وفاته على ثبوت مناط الحُكْم في أحد أفراده. واعتباره مسلكاً من مسالك تحقيق المناط يستلزم الاتفاق على ثلاثة أشياء: الأول: الاتفاق على حُكْم الأصل. الثاني: الاتفاق على مناط الحُكْم في الأصل. الثالث: الاتفاق على ثبوت مناط الحُكْم في الفرع. ومثاله: اتفاق المجتهدين على تحريم وطء الحائض لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وهو اتفاقٌ منهم على حُكْم الأصل، ثم اتفقوا على أن مناط الحُكْم في ذلك هو: القذر والنجاسة، ثم اتفقوا على أن هذا المناط - وهو القذر والنجاسة - موجودٌ في النِّفاس، وهو اتفاقٌ منهم على ثبوت مناط الحُكْم في ذلك الفرع (١). وبهذا يكون إجماعهم على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده حُجَّةٌ معتبرةٌ، ويُعَدُّ مسلكاً من مسالك تحقيق المناط. المسلك الرابع: قول الصحابي . وهو: أن يدلَّ قول الصحابي على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. ومثاله: قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. فالآية نصٌّ صريحٌ في وجوب قطع يد السارق، ومناط الحُكْم هو:

стр. 282

السرقة، وقد ثبت تحقيق مناط الحُكْم - وهو السرقة - في النَّبَّاش (١)، وذلك استناداً إلى قول عائشة ﵂ " يُقْطَعُ سارق أمواتنا كما يُقْطَعُ سارق أحيائنا " (٢). وعلى هذا فإنَّه إذا دلَّ قول الصحابي على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده فهو حُجَّةٌ معتبرةٌ ما لم يعارضه ما هو أرجح منه؛ لأن الصحابي اختصَّ بشهود تنزيل الوحي، وشاهَدَ تأويلَه بأفعال رسول الله ﷺ وأحواله وسيرته، فحصل له من العلم وأسبابه ما لم يحصل لغيره (٣). قال ابن القيم: " أمَّا المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبرَّ قلوباً، وأعمقَ علماً، وأقلّ تكلَّفاً، وأقربَ إلى أن يوفَّقوا فيها لما لم نُوَفَق له نحن؛ لِما خصَّهم الله تعالى به من توقَّد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحُسْن الإدراك وسرعته، وقلَّة المعارِض أو عدمه، وحُسْن القصد، وتقوى الرَّب تعالى، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزةٌ في فِطَرِهِم وعقولهم .. " (٤).

стр. 283

المبحث الثاني: المسالك الاجتهادية وهي: لغة العرب، والعُرْف، والحِسّ، وقول أهل الخبرة، والبيِّنات الشرعية، والحساب والعدد. وبيان هذه المسالك على النحو الآتي: المسلك الأول: لغة العرب . وهو أن تدلَّ لغة العرب على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. وقد ذكر الغزالي أن ثبوت المناط في الفرع قد يُدْرَك باللغة فيما يُبْنَى على الاسم وكونه حقيقةً أو مجازاً، كألفاظ الأيمان، والنُّذور، والطلاق، ونحوها (١). ومثاله: أن يقال: إن العِتاق كما يحصل بألفاظ الحقيقة فإنه يحصل بألفاظ الكنايات المُحْتَمِلة، ومن ذلك: لفظ الطلاق فإنه مُحْتَمِلٌ لإرادة العِتاق في أصل اللغة، فيحصل به، فيُسَلِّم المقدمةَ الأولى، ويُنَازِع في الثانية، وهي كون لفظ "الطلاق" محتمِلاً لإرادة العِتاق، فيرجع حينئذٍ في تحقيق ذلك إلى مدارك الكنايات ومآخذ التجوُّزات والإستعارات في لغة العرب (٢). وعلى هذا فإن الدلالة اللغوية تُعْتَبَر من الطرق التي يُتَحَقَّقُ بها من ثبوت المناط في بعض أفراده أو عدمه فيما لا يُدْرَكُ ثبوت المناط فيه إلا بالرجوع إلى لغة العرب.

стр. 284

المسلك الثاني: العرف . وهو: أن يدلَّ العُرْفُ على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. والعُرْفُ في اصطلاح الأصوليين هو: ما استقرَّ في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول، واستمرَّ عليه جمهور الناس مما لا تَرُدُّه الشريعة (١). ويُعْتَبر العُرْفُ من أهمِّ المسالك التي يَعْتَمِدُ عليها المجتهدُ في تحقيق مناطات الأحكام الشرعيَّة المطلقة التي ليس لها حدٌّ في الشرع ولا في اللغة، كإحياء الموات، والحِرْز في السرقة، والقبض في البيع، والمعروف في المعاشرة، فإنه يُرْجَعُ فيها حينئذٍ إلى العُرْف؛ وهو معنى القاعدة الفقهية الشهيرة: " العادة مُحَكَّمة" (٢). ومثاله: أن النفقة واجبةٌ على الزوج لزوجاته وأولاده بنصِّ الكتاب والسُّنَّة، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله ﷺ : "ولَهُنَّ عليكم رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف" (٣)، وقوله ﷺ لهند امرأة أبي سفيان: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (٤). فهذه النصوص الواردة في وجوب النفقة على الزوجة والأولاد لم تحدِّد مقدار الكفاية في تلك النفقة، وإنما رُدَّ فيها الأزواج إلى العُرْفِ لاختلاف الناس في ذلك تبعاً لاختلاف أحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم. قال ابن القيم: " واللهُ ورسولُه ذَكَرَا الإنفاقَ مطلقاً من غير تحديدٍ ولا

стр. 285

تقديرٍ ولا تقييد، فوجب ردُّه إلى العُرْفِ لو لم يردُّه إليه النبيُّ ﷺ ، فكيف وهو الذي ردَّ ذلك إلى العُرْف، وأرشد أُمَّتَه إليه؟ ومن المعلوم أن أهل العُرْفِ إنما يتعارفون بينهم في الإنفاق على أهليهم .. ولو كانت مقدَّرَةً لأمر النبي ﷺ هنداً أن تأخذ المُقدَّر لها شرعاً، ولَمَا أمرها أن تأخذ ما يكفيها من غير تقدير، وردَّ الاجتهاد في ذلك إليها .. " (١). وبهذا يكون العُرْفُ من المسالك التي يعتمد عليها المجتهد في تحقيق مناطات الأحكام الشرعيَّة المطلقة التي ليس لها حدٌّ في الشرع ولا في اللغة، وإذا تغيَّرت تلك الأعراف تغيَّرت أحكامها، وهذا جارٍ في جميع أبواب الفقه التي تترتب أحكامها على العوائد. قال القرافي: " أجمعوا على أن المعاملات إذا أُطْلِقَ فيها الثمن يُحمَل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقداً مُعَيَّنا حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عيَّنا ما انتقلت العادة إليه، وألغينا الأول؛ لانتقال العادة عنه، وكذلك الإطلاق في الوصايا، والأيمان، وجميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد إذا تغيَّرت العادة تغيَّرت الأحكام في تلك الأبواب" (٢). المسلك الثالث: الحِسّ . وهو: أن يدلَّ الحِسُّ على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. والحِسُّ يشمل: النظر، والسمع، والشَّم، واللمسّ، والذوق، وتُسمَّى "الحواس الخمس". ويُعْتَبر الحِسُّ من المسالك التي يعتمد عليها المجتهد في تحقيق مناطات الأحكام فيما يُدْرك ثبوت المناط فيه بالوقوف على أوصاف حِسِّية (٣). قال الغزالي: " .. ويُعْرَفُ -أي: وجود المناط في الفرع- تارةً بالحِسِّ إن كان الوصف حسِّياً" (٤).
следующие страницы →