← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37630

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

بلقاسم الزبيدي

Полный текст (610 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المسلك الثالث: الإجماع . وهو: أن يتفق المجتهدون من أُمَّة محمدٍ ﷺ في عصرٍ من الأعصار بعد وفاته على ثبوت مناط الحُكْم في أحد أفراده. واعتباره مسلكاً من مسالك تحقيق المناط يستلزم الاتفاق على ثلاثة أشياء: الأول: الاتفاق على حُكْم الأصل. الثاني: الاتفاق على مناط الحُكْم في الأصل. الثالث: الاتفاق على ثبوت مناط الحُكْم في الفرع. ومثاله: اتفاق المجتهدين على تحريم وطء الحائض لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وهو اتفاقٌ منهم على حُكْم الأصل، ثم اتفقوا على أن مناط الحُكْم في ذلك هو: القذر والنجاسة، ثم اتفقوا على أن هذا المناط - وهو القذر والنجاسة - موجودٌ في النِّفاس، وهو اتفاقٌ منهم على ثبوت مناط الحُكْم في ذلك الفرع (١). وبهذا يكون إجماعهم على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده حُجَّةٌ معتبرةٌ، ويُعَدُّ مسلكاً من مسالك تحقيق المناط. المسلك الرابع: قول الصحابي . وهو: أن يدلَّ قول الصحابي على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. ومثاله: قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. فالآية نصٌّ صريحٌ في وجوب قطع يد السارق، ومناط الحُكْم هو:

стр. 282

السرقة، وقد ثبت تحقيق مناط الحُكْم - وهو السرقة - في النَّبَّاش (١)، وذلك استناداً إلى قول عائشة ﵂ " يُقْطَعُ سارق أمواتنا كما يُقْطَعُ سارق أحيائنا " (٢). وعلى هذا فإنَّه إذا دلَّ قول الصحابي على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده فهو حُجَّةٌ معتبرةٌ ما لم يعارضه ما هو أرجح منه؛ لأن الصحابي اختصَّ بشهود تنزيل الوحي، وشاهَدَ تأويلَه بأفعال رسول الله ﷺ وأحواله وسيرته، فحصل له من العلم وأسبابه ما لم يحصل لغيره (٣). قال ابن القيم: " أمَّا المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبرَّ قلوباً، وأعمقَ علماً، وأقلّ تكلَّفاً، وأقربَ إلى أن يوفَّقوا فيها لما لم نُوَفَق له نحن؛ لِما خصَّهم الله تعالى به من توقَّد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحُسْن الإدراك وسرعته، وقلَّة المعارِض أو عدمه، وحُسْن القصد، وتقوى الرَّب تعالى، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزةٌ في فِطَرِهِم وعقولهم .. " (٤).

стр. 283

المبحث الثاني: المسالك الاجتهادية وهي: لغة العرب، والعُرْف، والحِسّ، وقول أهل الخبرة، والبيِّنات الشرعية، والحساب والعدد. وبيان هذه المسالك على النحو الآتي: المسلك الأول: لغة العرب . وهو أن تدلَّ لغة العرب على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. وقد ذكر الغزالي أن ثبوت المناط في الفرع قد يُدْرَك باللغة فيما يُبْنَى على الاسم وكونه حقيقةً أو مجازاً، كألفاظ الأيمان، والنُّذور، والطلاق، ونحوها (١). ومثاله: أن يقال: إن العِتاق كما يحصل بألفاظ الحقيقة فإنه يحصل بألفاظ الكنايات المُحْتَمِلة، ومن ذلك: لفظ الطلاق فإنه مُحْتَمِلٌ لإرادة العِتاق في أصل اللغة، فيحصل به، فيُسَلِّم المقدمةَ الأولى، ويُنَازِع في الثانية، وهي كون لفظ "الطلاق" محتمِلاً لإرادة العِتاق، فيرجع حينئذٍ في تحقيق ذلك إلى مدارك الكنايات ومآخذ التجوُّزات والإستعارات في لغة العرب (٢). وعلى هذا فإن الدلالة اللغوية تُعْتَبَر من الطرق التي يُتَحَقَّقُ بها من ثبوت المناط في بعض أفراده أو عدمه فيما لا يُدْرَكُ ثبوت المناط فيه إلا بالرجوع إلى لغة العرب.

стр. 284

المسلك الثاني: العرف . وهو: أن يدلَّ العُرْفُ على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. والعُرْفُ في اصطلاح الأصوليين هو: ما استقرَّ في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول، واستمرَّ عليه جمهور الناس مما لا تَرُدُّه الشريعة (١). ويُعْتَبر العُرْفُ من أهمِّ المسالك التي يَعْتَمِدُ عليها المجتهدُ في تحقيق مناطات الأحكام الشرعيَّة المطلقة التي ليس لها حدٌّ في الشرع ولا في اللغة، كإحياء الموات، والحِرْز في السرقة، والقبض في البيع، والمعروف في المعاشرة، فإنه يُرْجَعُ فيها حينئذٍ إلى العُرْف؛ وهو معنى القاعدة الفقهية الشهيرة: " العادة مُحَكَّمة" (٢). ومثاله: أن النفقة واجبةٌ على الزوج لزوجاته وأولاده بنصِّ الكتاب والسُّنَّة، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله ﷺ : "ولَهُنَّ عليكم رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف" (٣)، وقوله ﷺ لهند امرأة أبي سفيان: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (٤). فهذه النصوص الواردة في وجوب النفقة على الزوجة والأولاد لم تحدِّد مقدار الكفاية في تلك النفقة، وإنما رُدَّ فيها الأزواج إلى العُرْفِ لاختلاف الناس في ذلك تبعاً لاختلاف أحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم. قال ابن القيم: " واللهُ ورسولُه ذَكَرَا الإنفاقَ مطلقاً من غير تحديدٍ ولا

стр. 285

تقديرٍ ولا تقييد، فوجب ردُّه إلى العُرْفِ لو لم يردُّه إليه النبيُّ ﷺ ، فكيف وهو الذي ردَّ ذلك إلى العُرْف، وأرشد أُمَّتَه إليه؟ ومن المعلوم أن أهل العُرْفِ إنما يتعارفون بينهم في الإنفاق على أهليهم .. ولو كانت مقدَّرَةً لأمر النبي ﷺ هنداً أن تأخذ المُقدَّر لها شرعاً، ولَمَا أمرها أن تأخذ ما يكفيها من غير تقدير، وردَّ الاجتهاد في ذلك إليها .. " (١). وبهذا يكون العُرْفُ من المسالك التي يعتمد عليها المجتهد في تحقيق مناطات الأحكام الشرعيَّة المطلقة التي ليس لها حدٌّ في الشرع ولا في اللغة، وإذا تغيَّرت تلك الأعراف تغيَّرت أحكامها، وهذا جارٍ في جميع أبواب الفقه التي تترتب أحكامها على العوائد. قال القرافي: " أجمعوا على أن المعاملات إذا أُطْلِقَ فيها الثمن يُحمَل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقداً مُعَيَّنا حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عيَّنا ما انتقلت العادة إليه، وألغينا الأول؛ لانتقال العادة عنه، وكذلك الإطلاق في الوصايا، والأيمان، وجميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد إذا تغيَّرت العادة تغيَّرت الأحكام في تلك الأبواب" (٢). المسلك الثالث: الحِسّ . وهو: أن يدلَّ الحِسُّ على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. والحِسُّ يشمل: النظر، والسمع، والشَّم، واللمسّ، والذوق، وتُسمَّى "الحواس الخمس". ويُعْتَبر الحِسُّ من المسالك التي يعتمد عليها المجتهد في تحقيق مناطات الأحكام فيما يُدْرك ثبوت المناط فيه بالوقوف على أوصاف حِسِّية (٣). قال الغزالي: " .. ويُعْرَفُ -أي: وجود المناط في الفرع- تارةً بالحِسِّ إن كان الوصف حسِّياً" (٤).

стр. 286

ومن الأمثلة التي توضح ذلك ما يلي: - مثال كون النظر مسلكاً في تحقيق مناط الحُكْم: أن مناط وجوب صوم رمضان هو دخول الشهر، ويتحقُّق مناط هذا الحُكْم برؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً (١). - ومثال كون السمع مسلكاً في تحقيق مناط الحُكْم: أن مناط إرث المولود هو حياته، ويتحقق مناط هذا الحُكْم بصراخه (٢). - ومثال كون الشمِّ مسلكاً في تحقيق مناط الحُكْم: أن مناط إقامة الحدِّ على شارب الخمر هو شرب المسكر، ويتحقق مناط هذا الحُكْم بشمِّ رائحة الفمّ عند الإمام مالك (٣) ﵀ أو الإقرار أو البينة، وعند الجمهور لا يجب الحدّ بوجود رائحة الخمر في فِيه، بل لابدَّ من الإقرار أو البينة (٤). - ومثال كون اللمس مسلكاً في تحقيق مناط الحُكْم: أن مناط تحريم لبس الحرير على الرجال هو كون الملبوس مصنوعاً من الحرير، ويتحقق مناط هذا الحُكْم بلمس ذلك اللباس وتقليبه (٥). - ومثال كون الذوق مسلكاً في تحقيق مناط الحُكْم: أن مناط صحة الوضوء بالماء كونه مطلقاً باقٍ على أصل خلقته لم يتغيَّر بنجاسة، وقد يتحقق مناط هذا الحُكْم بتذوق طعم الماء (٦). وبهذا يتبيَّن أن الحسَّ من المسالك التي يُعْتَمَد عليها في تحقيق مناطات

стр. 287

الأحكام فيما لا يدرك ثبوت مُتَعَلَّق الحُكْم فيه إلا بالنظر أو السمع أو الشَّمِّ أو اللمّس أو الذوق. المسلك الرابع: قول أهل الخبرة . والمراد: أن يدلَّ قول أهل الخبرة على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. والخبرة تعني: " المعرفة ببواطن الأمور " (١). فالذي يعرف بواطن الأمور المتعلِّقة بعلمٍ من العلوم كالطبِّ أو الهندسة أو الفلك أو الاقتصاد أو السياسة ونحو ذلك فإنه يُطْلق عليه وصف: " الخبير" في ذلك الاختصاص. ويُعْتَبر الاعتماد على قول أهل الخبرة من أهمِّ المسالك في تحقيق مناطات الأحكام في الوقائع والجزئيات التي لا يُدْرِكُ ثبوت مُتَعَلَّقِ الحُكْم فيها إلا من كان بصيراً بها (٢). قال السرخسي (٣): " وإنما يُرْجَعُ إلى معرفة كلِّ شيءٍ إلى من له بَصَرٌ في ذلك الباب " (٤). ومثاله: الرجوع إلى قول أهل الخبرة من التُّجَّار وأرباب الصنائع في معرفة العيب الذي يُرَدُّ به المبيع مما يخفى على أكثر الناس أو يدَّعي البائع أنه ليس بعيب، فمناط ردِّ المبيع أو إنقاص الثمن هو: العيب، وتحقيق مناط العيب الذي يخفى على عامة الناس في سلعةٍ ما لايتمُّ إلا بالرجوع إلى قول أهل الخبرة من التُّجَّار وأرباب الصنائع في ذلك (٥)، ولهذا ومثلِه اُعتبِر قول أهل الخبرة من مسالك تحقيق المناط.

стр. 288

والأصل في اعتبار قول أهل الخبرة فيما يخفى على غيرهم حديثُ عائشة ﵂ في شأن زيد بن حارثة وابنه أسامة (١) ﵄، قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وهو مسرورٌ تبرق أسارير وجهه، فقال: أي عائشة، ألم تري أن مجززاً المدلجي دخل فرأى أسامة وزيداً وعليهم قطيفة، وقد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (٢). فالحديث يدلُّ على اعتبار رسول الله ﷺ قولَ القائف، وبناء الأحكام عليه في المسائل التي تدخل فيها القيافة؛ لسروره ﷺ بما قاله القائف، وإقراره على ذلك، وهو اعتبارٌ لقول أهل الخبرة فيما يختصُّون بمعرفته، ويتوقف بيان حكمه الشرعي على العلم به من جهتهم (٣). وقد اعتنى الفقهاء بتقرير هذا الأصل، واعتمدوا عليه في مسائل لا تُعَدُّ كثرةً، وهي منتشرةٌ في كافَّة أبواب الفقه، بل اعتبروا الخبرة شرطاً في الحُكْم على تلك الوقائع والجزئيات. قال ابن قدامة: " الخبرة بما يُحُكْم به شرطٌ في سائر الأحكام " (٤). وكلُّ ما انفرد أهل الخبرة فيه بالعلم به وجب على الفقهاء الرجوع إليهم فيه والاعتبار بقولهم، ثم ترتيب الحُكْم الشرعي على ما تقرَّر عندهم فيه؛ ولا يؤخذ العلم بحقيقة الشيء من غير أهل الخبرة فيه، وإن كان من أعلم الناس بالحلال والحرام. قال ابن تيمية: " .. وكون المبيع معلوماً أو غير معلومٍ لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم، بل يؤخذ عن أهل الخبرة بذلك الشيء، وإنَّما المأخوذ عنهم ما انفردوا به من معرفة الأحكام بأدلتها .... فإذا قال أهل الخبرة: إنهم

стр. 289

يعلمون ذلك كان المرجع إليهم في ذلك، دون من لم يشاركهم في ذلك، وإن كان أعلم بالدِّين منهم .. ، ثم يترتَّب الحُكْم الشرعي على ما تَعْلَمُه أهلُ الخبرة .. " (١). وقال ابن القيم: " وقول القائل: هذا غررٌ، ومجهولٌ، فهذا ليس حظُّ الفقيه ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عَدُّوه قِماراً أو غرراً فهم أعلم بذلك، وإنَّما حظُّ الفقيه: يَحِلُّ كذا؛ لأن الله أباحه، ويحرم كذا؛ لأن الله حرَّمه، وقال الله، وقال رسوله، وقال الصحابة، وأما أن يرى هذا خطراً وقِماراً، أو غرراً، فليس من شأنه، بل أربابه أخبر بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يُرْجَعُ إليهم في كون هذا الوصف عيباً أم لا، وكون هذا البيع مُرْبِحَاً أم لا، وكون هذه السلعة نافقةً في وقت كذا وبلد كذا، ونحو ذلك من الأوصاف الحِسِّية والأمور العرضية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعيَّة " (٢). واعتداد الفقهاء بقول أهل الخبرة في تحقيق مناط حُكْمٍ ما فيما انفرد أهل الخبرة بالعلم به يُعْتَبر من صور التقليد الذي يُرخَّص للمجتهد فيه استثناءاً؛ لعدم قدرة المجتهد على الإحاطة بكلِّ العلوم والمعارف، وقد جرى بذلك عمل الفقهاء والقضاة في كلِّ زمانٍ ومكانٍ بلا نكير (٣). قال الشاطبي: " العلماء لم يزالوا يقلِّدون في هذه الأمور من ليس من الفقهاء، وإنما اعتبروا أهل المعرفة بما قلَّدوا فيه خاصة، وهو التقليد في تحقيق المناط " (٤). ومن ذلك: تقليد الصانع في عيوب الصناعات، والطبيب في العلم بالأدواء والعيوب، وعرفاء الأسواق في معرفة قِيَم السلع ومداخل العيوب

стр. 290

فيها، والعادِّ في صحة القسمة، والماسح في تقدير الأرضين ونحوها (١). وبهذا يتبيّن أن الرجوع إلى قول أهل الخبرة يُعْتَبر من أهمِّ المسالك في تحقيق مناطات الأحكام في الوقائع والجزئيات التي لا يُدرِكُ ثبوت المناط فيها إلا من كان خبيراً بها. المسلك الخامس: البيِّنات الشرعيَّةً . وهو: أن تدلَّ البيِّنَةُ الشرعيَّة على تحقُّق مناط الحُكْم في بعض أفراده. والبيِّنة لغةً: الدليل والحُجَّة، من أَبَاَن الشيء، أي: أوضحه وأظهره، وجمعها: بيِّنات (٢). أمَّا في الاصطلاح فالبيِّنة: " اسمٌ لكلِّ ما يبيِّن الحقَّ ويظهره " (٣)، فكلُّ دليلٍ أو حُجَّةٍ أو وسيلةٍ يتبيَّن بها الحقُّ ويظهر وليس لها معارضٌ أرجح منها فهي بيِّنةٌ في الشرع يعتمد عليها القاضي في إثبات الحقوق والوقائع التي تترتَّب عليها آثارٌ شرعيَّة (٤). ومن أهمِّ البيِّنات: الشهادة، والإقرار، واليمين، والكتابة، والقرائن. وذلك لأنَّ الشارع في جميع المواضع إنما يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البيِّنات التي هي أدلةٌ عليه وشواهدٌ له، ولا يقف ظهور الحقِّ على أمرٍ معيَّنٍ لا فائدة في تخصيصه به مع مساواة غيره في ظهور الحقِّ أو رجحانه عليه ترجيحاً لا يمكن جحده ودفعه (٥). وبناءً على هذا فإن من خصَّ - من الفقهاء - البيِّنة بالشهود (٦)، أو

стр. 291

الشهود وعلم القاضي (١)، فقد اقتصر على بعض أفراد البيِّنة. قال ابن القيم: "ومَنْ خصَّها بالشاهدين أو الأربعة أو الشاهد لم يوفِّ مسمَّاها حقَّه، ولم تأت البيِّنة قطُّ في القرآن مراداً بها الشاهدان، وإنما أتت مراداً بها الحُجَّة والدليل والبرهان مفردةً ومجموعة، وكذلك قول النبيِّ ﷺ : "البيِّنة على المدَّعِي" (٢) المراد به: أنَّ عليه بيانَ ما يصحِّح دعواه ليُحُكْم له، والشاهدان من البيِّنة، ولا ريب أنَّ غيرها من أنواع البيِّنة قد يكون أقوى منها، كدلالة الحال على صدق المدَّعِي، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد، والبيِّنة والدلالة والحُجَّة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة متقاربةٌ في المعنى" (٣). وتعتبر البيِّنات -بهذا المعنى- من أهم مسالك تحقيق مناطات الأحكام في الوقائع والجزئيات؛ لأنها مستند الأحكام القضائية، وهي من جنس أدلة وقوع الأحكام كما تقدَّم (٤)، إلا أنها تختصُّ بالقضاة -غالباً- والحكَّام، وتُسَمَّى: "الحِجَاج" أو "طرق القضاء" (٥). وكلُّ بيِّنةٍ من البيِّنات المُعْتَبرة شرعاً تُعَدُّ مسلكاً مستقلاً من مسالك تحقيق مناطات الأحكام في الوقائع القضائية، وفيما يأتي بيان ذلك مقتصراً على ماله صلةٌ مباشرةٌ بموضوع البحث دون الاستطراد في ذكر تفصيلاتٍ تتعلَّق بأحكام تلك البيِّنات ليس هذا موضع بحثها. أولاً: الشهادة. وهي في اللغة: مصدرٌ مشتقٌ من "شهد"، "يشهد"، "شهادة"، وتطلق في اللغة على عدة معانٍ، منها: الحضور، والخبر القاطع، والإطلاع على الشيء

стр. 292

ومعاينته، ومُطْلَق الإخبار بما قد رأى (١). أمَّا في اصطلاح الفقهاء فالشهادة: إخبارٌ بحقٍّ للغير على الغير في مجلس القضاء بلفظ أشهد (٢). فإذا شَهِد عَدْلٌ، أو أثنان، أو أربعةٌ، أو رجلٌ وامرأتان، أو نسوةٌ -بحسب اختلاف المشهود عليه- على ثبوت حقٍّ للغير على الغير، أو ثبوت واقعةٍ تترتب عليها آثارٌ شرعيَّة، فقد تحقَّق مناط الحُكْم فيما شُهِد عليه ما لم يعارضه ما هو أرجح منه. ومن أصْرح الأدلة على ذلك: ما جاء عن الأشعث بن قيس (٣) ﵁ أنه قال: "كانت بيني وبين رجُلٍ خصومةٌ في بئرٍ، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" (٤). فالحديث صريح الدلالة على اعتبار الشهادة حُجَّةً يتحقَّقُ بها مناط الحُكْم في المشهود عليه، وبها يُقْطَعُ النزاع بين المدَّعِي والمدَّعَى عليه، فدلَّ ذلك على أن الشهادة تُعْتَبَرُ مسلكاً من مسالك تحقيق مناطات الأحكام في الوقائع القضائية. ومثال ذلك: أن يشهد اثنان ذوا عدلٍ على أن فلانَّا ابتاع من فلانٍ داراً بمبلغٍ قدره كذا إلى أجلٍ مُسمَّى، فيثبت حينئذٍ مناط وجوب أداء ذلك الدَّين في حقٍّ المديون عند حلول ذلك الأجل؛ لأنَّ الشهادة تُعْتَبَرُ مسلكاً من مسالك ثبوت مناطات الأحكام في الوقائع والجزئيات، فثبت بها مناط ذلك الحُكْم في تلك الواقعة.

стр. 293

ثانياً: الإقرار. وهو في اللغة: الإذعان للحق والاعتراف به، مِنْ أقرَّ بالشيء: إذا اعترف به (١). وفي اصطلاح الفقهاء: إخبارٌ عن ثبوت حقٍّ للغير على نفسه (٢). فإذا أقرَّ المُدَّعَى عليه - إقراراً صحيحاً - بثبوت حقٍّ للغير على نفسه، أو ثبوت واقعةٍ تترتَّب عليها آثارٌ شرعيَّة، فقد تحقَّق مناط الحُكْم فيما أقرَّ به. ومن أوضح الأدلة على ذلك: ما جاء عن أبي هريرة ﵁ ... وزيد بن خالد الجهني (٣) أنَّ رجلاً من الأعراب أتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الآخر وهو أفقه منه: فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال: قل، قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخْبِرْتُ أنَّ على ابني الرجم، فافتديت منه بمائةٍ شاةٍ ووليدة، فسألتُ أهلَ العلم فأخبروني أنَّ على ابني جلد مائةٍ وتغريب عام، وأنَّ على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردّ عليك، وعلى ابنك جلد مائةٍ وتغريب عام، واغدُ يا أُنيسِ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " (٤). فالحديث صريح الدلالة على اعتبار الإقرار حُجَّةً يتحقَّق بها مناط الحُكْم فيما أُقِرَّ به، وبهذه الحُجَّة ينحسم النزاع بين المدَّعِي والمدَّعَى عليه، فدلَّ ذلك على أن الإقرار يُعْتَبر مسلكاً من مسالك تحقيق مناطات الأحكام في الوقائع القضائية. ومثال ذلك: أن يُقِرَّ المُدَّعَى عليه إقراراً مستوفياً لشروطه بأنه قذف مسلمةً محصَّنةً بالزنا، فيثبت حينئذٍ مناط وجوب إقامة الحدِّ عليه بذلك، لأنَّ

стр. 294

الإقرار يُعْتَبر مسلكاً من مسالك ثبوت مناطات الأحكام في الوقائع والجزئيات، فثبت به مناط ذلك الحُكْم في تلك الواقعة. ثالثاً: اليمين. وهي في اللغة: الحَلِف والقَسَم، سُمِّي بذلك لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كلُّ امرئٍ منهم بيمينه على يمين صاحبه (١). وفي اصطلاح الفقهاء: إثبات أمرٍ أو نفيه بذكر اسم الله تعالى أو صفةٍ من صفاته (٢). والأصل في اعتبار اليمين من طرق الإثبات في حق المُدَّعَى عليه إذا عجز المُدَّعِي عن إقامة البيِّنة قوله ﷺ : " لو يُعْطَى الناس بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهم، ولكن اليمين على المدَّعَى عليه " (٣)، وفي رواية: " ولكن البيَّنة على المدَّعِي واليمين على من أنكر " (٤). فالحديث صريح الدلالة على اعتبار اليمين حُجَّةً يتحقَّق بها مناط الحُكْم في المحلوف عيه إذا عجز المدَّعِي عن إقامة البيِّنة؛ لأنَّ الأصل براءة ذمة المُدَّعَى عليه، فدلَّ ذلك على أن اليمين في مثل هذه الحالة تُعْتَبَرُ مسلكاً من مسالك تحقيق مناطات الأحكام في الوقائع القضائية. ومثال ذلك: أن يدَّعِي شخصٌ على آخر بأنه أقرضه مبلغاً قدره كذا، ولم يكن للمدَّعِي بيِّنةٌ على ذلك، فيوجّه القاضي اليمين على المُدَّعى عليه، فيحلف بالله أو اسمٍ من أسمائه أو صفةٍ من صفاته على أنه لم يقترض من المُدَّعِي مالاً، فيثبت حينئذٍ مناط براءة الذمَّة في حقِّ المُدَّعى عليه؛ لأنَّ اليمين في مثل

стр. 295

هذه الحالة تُعْتَبَرُ من مسالك ثبوت مناطات الأحكام في الوقائع والجزئيات، فيثبت بها مناط ذلك الحُكْم في تلك الواقعة. رابعاً: المستندات الخَطِّيَّة. وهي: الوثائق المكتوبة التي يعتمد عليها القاضي في إثبات حقٍّ أو نفيه (١). وتشمل: الوثائق الصادرة عن الجهات الرسمية كالصكوك وشهادات الميلاد والوفاة والنِّكاح والطلاق، والوثائق العُرْفِية التي وقَّع عليها الملتزم أو ختم عليها أو بصم بإصبعه ولم يثبت تزويرها، والأوراق التِّجارية والسندات المالية إذا ثبت الإقرار بها أو التوقيع عليها مع انتفاء شبهة التزوير (٢). وتُعْتَبَرُ هذه المستندات من أهمِّ طرق الإثبات في عصرنا الحاضر؛ لاتساع الاعتماد عليها والعمل بها في شتى مجالات الحياة (٣). فإذا قدَّم المُدَّعِي للقاضي مستنداً خطِّيَّاً صحيحاً يثبت حقَّاً له على الغير، أو واقعةً تترتَّب عليها آثارٌ شرعيَّة، فقد تحقَّق مناط الحُكْم فيما تضمنه ذلك المستند ما لم يثبت تزويره أو يعارضه ما هو أرجح منه كالشهادة والإقرار، والأصل في ذلك: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال ابن العربي: " يريد: يكون صكَّاً ليُسْتَذْكَرَ به عند أَجَلِه لما يتوقع من الغفلة في المُدَّة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل، والنسيان موكلٌّ بالإنسان، والشيطان ربَّما حمل على الإنكار، والعوارض من موتٍ وغيره تطرأ فشُرِعَ الكتاب والإشهاد .. " (٤).

стр. 296

فالآية صريحةٌ في الأمر بكتابة الدَّيْن باعتبار أنها المستند الذي يُثبِت بها صاحبُ الحقِّ حقَّه، ويتحقَّق بها - حينئذٍ - مناط الحُكْم في المتنازع فيه ما لم يَثبُت تزويرها أو يعارضها ما هو أرجح منها. وعلى القاضي أن يتوثَّق من صحة المستندات الخطِّيَّة والتوقيعات التي عليها، وكلّما سلمت تلك المستندات من شبهة التزوير كانت أقوى في الإثبات. ومثال ذلك: أن يعتدي شخصٌ على أرضٍ لآخر ويضع يدَه عليها، فيتقدَّم صاحبُ الأرض بدعوى يثبت فيها ملكيته لتلك الأرض بصكٍّ صادرٍ عن المحكمة، فيحكم القاضي بثبوت ملكيته لتلك للأرض، واعتداء الشخص الآخر عليها؛ لأنَّ الصكَّ - وهو مستندٌ خطِّي - يُعْتَبر من مسالك ثبوت مناطات الأحكام في الوقائع والجزئيات، فيثبت به مناط ملكية - ذلك العقار لصاحبه. خامساً: القرائن. وهي في اللغة: جمع قرينة، وهي الأمر الدال على الشيء بمجرَّد المصاحبة (١). وفي اصطلاح الفقهاء: تُطْلَقُ القرينة على الأمارة، وهي: ما يلزم من العلم به الظنُّ بوجود المدلول، كالغيم بالنسبة إلى المطر، فإنه يلزم من العلم به الظنُّ بوجود المطر (٢). والمراد بـ " القرائن " في طرق الإثبات القضائية: الأمارات التي يستدل بها القاضي على إثبات شيءٍ أو نفيه (٣). كما إذا رأى قتيلاً يتشحَّط في دمه، وآخرَ قائماً على رأسه بالسكين، وقد ثبتت بينهما عداوة، فإنَّ هذه أمارةٌ يُسْتَدَلُّ بها على إثبات القتل ووجوب

стр. 297

القصاص ما لم يثبت غير ذلك لمعارِضٍ أرجح كالشهادة ونحوها (١). وتُعْتَبَرُ القرائن من طرق إثبات الحقوق ما لم يعارضها ما هو أرجح منها، وذلك باستقراء مصادر الشرع وموارده. وقد ذهب إلى ذلك: ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣)، وابن فرحون (٤)، ... وابن عابدين (٥). قال ابن القيم: " فالشارع لم يُلْغِ القرائن والأمارات ودلالات الأحوال، بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وَجَدَ شاهداً لها بالاعتبار مُرَتِّباً عليها الأحكام" (٦). ومِمَّا ورد عن النبيِّ ﷺ في اعتبار العمل بالقرائن ما جاء عن عبدالرحمن بن عوف ﵁ أن غلامين من الأنصار تداعيا قتلَ ... أبي جهل (٧) يوم بدر، فقال رسول الله ﷺ : " هل مسحتما سيفيكما؟ فقالا: لا، فقال: أرياني سيفيكما، فلما نظر إليهما قال: " هذا قتله وقضى له بسلبه" (٨). فالنبيُّ ﷺ قضى بينهما بالسَّلَبِ اعتماداً على أثر الدَّم على السيف، وأثر الدَّم قرينةٌ من القرائن، وهذا يدل على مشروعية القضاء بالقرائن. وذلك لأنَّ من أعظم مقاصد الشرع تحقيق العدل وقيام الناس بالقسط " فإنَّ الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل

стр. 298

الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريقٍ كان، فثمَّ شرعُ الله ودِينُه، والله سبحانه أعلمُ وأحكمُ وأعدلُ من أن يخُصَّ طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيءٍ، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالةً وأبيَنُ أمارة، فلا يجعلها منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بيَّن الله سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريقٍ استخرج بها العدل والقسط فهي من الدِّين ليست مخالِفةً له" (١). وإن الاقتصار في إثبات الحقوق على الشهادة والإقرار واليمين والكتابة، وإهدار الحُكْم بالقرائن القوية التي لم يعارضها ما هو أرجح منها، يؤدي إلى إضاعة كثيرٍ من الحقوق، وتعطيل كثيرٍ من الأحكام. قال ابن القيم: " فالحاكم إذا لم يكن فقيه النَّفْسِ في الأمارات ودلائل الحال ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في جزئيات وكليَّات الأحكام أضاع حقوقاً كثيرةً على أصحابها، وحكَمَ بما يعلم الناسُ بطلانَه لا يشكَّون فيه، اعتماداً منه على نوعٍ ظاهرٍ لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله " (٢). والقرائن تختلف في دلالتها قوةً وضعفاً بحسب قوة الاحتمالات الداخلة عليها وضعفها، فكلَّما سلمت القرينة من الاحتمالات القوية الواردة عليها كانت أقوى في دلالتها وترتيب الحُكْم عليها (٣). والضابط في القرائن المُعْتَبرة: كلُّ قرينةٍ تفيد ظناً قويَّاً راجحاً لا معارِض له أقوى منه (٤). وذلك جرياً على قاعدة: الظنُّ الرَّاجح يقوم مقام العلم عند تعذُّره كما تقدَّم (٥).

стр. 299

ومن الأمثلة المعاصرة للقرائن المُعْتَبرة: بصمات الأصابع، والتحاليل المخبرية، والبصمة الوراثية، والتشريح الجنائي، ونحو ذلك (١). وبناءً على ما تقدم فإنَّه إذا دلَّت القرائن الصحيحة عند القاضي على ثبوت حقٍّ أو واقعةٍ تترتَّب عليها أثارٌ شرعيَّة، فقد تحقَّق مناط الحُكْم فيما دلَّت عليه تلك القرائن ما لم يعارضها ما هو أقوى منها كالشهادة والإقرار ونحوهما. المسلك السادس: الحساب والعدد . وهو: أن يدلَّ الحساب أو العدد على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. ومثاله: أن مناط وجوب صلاة الظهر هو الزوال، لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٦]، وقوله ﷺ : " ووقت الظهر إذا زالت الشمس " (٢)، وهذا المناط يتحقَّق بطرقٍ عِدَّة، منها: الحساب الفلكي الذي يدرس حركة الشمس الظاهرية، ومن خلال معادلاتٍ رياضية وحساباتٍ فلكيةٍ دقيقةٍ يمكن معرفة مدار الشمس بدَّقةٍ عالية، وحساب موقعها في أي تاريخٍ ووقت، وكذلك أوقات شروقها وغروبها وزوالها، وبناءً على ذلك يتمُّ تحديد أوقات الصلوات في بلدان مختلفةٍ كما هو في التقاويم العالمية الإسلامية (٣). فإذا ثبت بالحساب الفلكي أن وقت الزوال في بلدٍ ما هو الساعة الثانية عشرة ونصف - مثلاً - فإن مناط وجوب صلاة الظهر على أهل ذلك البلد يتحقق بحلول ذلك الوقت، وبهذا يكون الحساب مسلكاً من مسالك ثبوت مناطات الأحكام في بعض أفرادها.

стр. 300

قال القرافي: " الله تعالى نصب زوالَ الشمس سببَ وجوب الظهر، وكذلك بقيَّة الأوقات، لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٦] أي: لأجله، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] قال المفسرون: هذا خبرٌ معناه الأمر بالصلوات الخمس في هذه الأوقات، حين تمسون: المغرب والعشاء، وحين تصبحون: الصبح، وعشيَّاً: العصر، وحين تُظْهِرُون: الظهر، والصلاة تُسمَّى سبحة، ومنه سبحة الضحى، أي صلاتها، فالآية أمرٌ بإيقاع هذه الصلوات في هذه الأوقات، وغير ذلك من الكتاب والسُّنَّة الدَّال على أن نفس الوقت سبب، فمن علم السبب بأي طريقٍ كان لزمه حكمُه، فلذلك اعْتُبِرَ الحسابُ المفيدُ للقطع في أوقات الصلاة .. " (١). وهذا مبنيٌّ على أنَّ الله أودع في هذا الكون سُنَنَاً وقوانينَ ثابتةً لا تتغيَّر ولا تتبدَّل بإذن الله تعالى، ومن ذلك حركة الشمس والقمر والأفلاك. قال القرافي: " الله تعالى أجرى عادته بأن حركات الأفلاك، وانتقالات الكواكب السبعة السيَّارة على نظامٍ واحدٍ طول الدهر بتقدير العزيز العليم، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ [يس: ٣٩] وقال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرحمن: ٥] أي: هما ذوا حساب، فلا ينخرم ذلك أبداً، وكذلك الفصول الأربعة لا ينخرم حسابها، والعوائد إذا استمرت أفادت القطع، كما أنَّا إذا رأينا شيخاً نجزم بأنه لم يولد كذلك بل طفلاً؛ لأجل عادة الله تعالى بذلك، وإلا فالعقل يُجِّوز ولادته كذلك، والقطع الحاصل فيه إنَّما هو لأجل العادة، وإذا حصل القطع بالحساب ينبغي أن يُعْتَمد عليه كأوقات الصلاة ... " (٢).

стр. 301

الباب الرابع علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة الشرعيَّة ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة المتفق عليها. الفصل الثاني: علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة المختلف فيها.

стр. 302

الفصل الأول علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة المتفق عليها ويشتمل على أربعة مباحث المبحث الأول: علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب. المبحث الثاني: علاقة الاجتهاد في المناط بالسُّنَّة. المبحث الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالإجماع. المبحث الرابع: علاقة الاجتهاد في المناط بالقياس.

стр. 303

المبحث الأول علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب، وذلك من خلال ثلاثة مطالب، وهي على النحو الآتي: المطلب الأول: تعريف الكتاب لغةً واصطلاحاً . الكتاب لغةً: مصدر من كَتَبَه كَتْباً وكَتْبَةً وكتابةً بمعنى الجمع والضمّ (١). قال ابن فارس: " الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على جمع الشيء إلى شيء " (٢). وكَتَبَهُ: خَطَّهُ، ومعناه: جَمَعَ الحروف إلى بعضها، ومنه: تَكَتَّبَ بنو فلانٍ إذا اجتمعوا (٣). والكتاب: اسم جنسٍ يُطْلَق على كتابةٍ ومكتوب، ثم غلب في عُرْف أهل الشرع إطلاقه على القرآن المُثْبَت في المصاحف (٤). وأما تعريف الكتاب اصطلاحاً فهو: كلام الله تعالى المُنَزَّل على

стр. 304

محمدٍ ﷺ ، المنقول إلينا بالتواتر، المُعْجِز بنفسه، المُتَعَبَّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المُخْتَتَم بسورة الناس (١). المطلب الثاني: حُجِّيَّة الكتاب . دليل الكتاب حُجَّةٌ مُتَفَقٌ عليها عند المسلمين كافّة، والأدلة على ذلك قطعية، ولهذا توجَّه اعتناء الأصوليين إلى البحث في دلالته على الحُكْم لا في حُجِّيته أو ثبوته؛ لأنه لا أحد من المسلمين ينكر ذلك، ومن أنكره فقد كفر بما أنزل على محمدٍ ﷺ (٢). قال الشاطبي: " إن الكتاب قد تقرر أنه كليّة الشريعة، وعمدة المِلَّة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيءٍ يخالفه، وهذا كُلُّه لا يحتاج إلى تقريرٍ واستدلالٍ عليه؛ لأنه معلومٌ من دين الأُمَّة " (٣). المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب . تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب في جوانب عديدةٍ من أهمها مايأتي: أولا: الكتاب هو المصدر الأول الذي يجب أن يفزع إليه المجتهد في سائر أنواع الاجتهاد بمافي ذلك الاجتهاد في المناط بأنواعه الثلاثة.

стр. 305

وذلك لأنه أصل الأدلة , وكلُّها ترجع إليه , فهي إما تابعةٌ له، أو متفرِّعةٌ عنه (١). قال أبوبكر الجصاص (٢): " فما بيِّنه الرسولُ فهو عن الله , وهو من تبيان الكتاب له؛ لأمر الله إيانا بطاعته , واتباع أمره , وما حصل عليه الإجماع فمصدره أيضاً عن الكتاب؛ لأن الكتاب قد دلَّ على صحة حُجِّيته الإجماع, وأنهم لا يجتمعون على ضلال , وما أوجبه القياس واجتهاد الرأي وسائر ضروب الاستدلال من الاستحسان وقبول خبر الواحد جميع ذلك من تبيان الكتاب؛ لأنه قد دلَّ على ذلك أجمع , فما من حُكْمٍ من أحكام الدِّين إلا وفي الكتاب تبيانه من الوجوه التي ذكرنا" (٣). وقال الغزالي " إذا حقَّقنا النظر بان أن أصل الأحكام واحد، وهو قول الله تعالى؛ إذ قول الرسول ﷺ ليس بحُكْمٍ ولا ملزم، بل هو مُخْبِرٌ عن الله تعالى أنه حَكَم بكذا وكذا , فالحُكْم لله تعالى وحده, والإجماع يدل على السُّنة، والسُّنَّة على حُكْم الله تعالى " (٤). وقال الآمدي في سياق كلامه عن أنواع الأدلة: " وكلُّ واحدٍ من هذه الأنواع، فهو دليلٌ لظهور الحُكْم الشرعي عندنا به , والأصل فيها إنما هو الكتاب ; لأنه راجعٌ إلى قول الله تعالى المشرِّع للأحكام، والسُّنَّة مُخْبِرةٌ عن قوله تعالى وحُكْمِه، ومستندُ الإجماع فراجعٌ إليهما , وأما القياس والاستدلال فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النصِّ أو الإجماع، فالنصُّ والإجماع أصل، والقياس والاستدلال فرعٌ تابعٌ لهما " (٥).

стр. 306

وقال الشاطبي: " فكتاب الله تعالى هو أصل الأصول، والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار ومدارك أهل الاجتهاد، وليس وراءه مرمى" (١). ولمَّا كان الكتاب هو أصل الأدلة بدأ به الأصوليون وقدَّموه على سائر الأدلة في الاعتبار والنظر (٢). ثانيا: يُعْتَبر الكتاب هو المَعين الذي لا ينضب للمعاني والأوصاف التي أنيطت بها الأحكام في الشريعة؛ لأن أكثر ورود الأحكام في القرآن جاء على وجهٍ كليٍّ يندرج تحته من الجزئيات في كلِّ زمانٍ ومكانٍ ما لا ينحصر. قال الشاطبي: " تعريف القرآن الكريم بالأحكام الشرعيَّة أكثره كليٌّ لا جزئي، وحيث جاء جزئياً فمأخذه على الكليُّة إما بالاعتبار أو بمعنى الأصل, إلا ما خصَّه الدليل، مثل خصائص النبي ﷺ " (٣). فكلُّ ما يُسْتَجَد في حياة الناس ومعاملاتهم وأحوالهم فهو مندرِجٌ تحت معنىً كليٍّ نصَّ عليه القرآنُ الكريم, أو دلَّ عليه , علِمه من علِمه , وجهلِه من جهلِه. ولذلك جاء الكتاب ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] إما نصَّاً أو دلالة (٤). قال الشافعي: " فليست تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها" (٥). وأُورِد عليه: بأن من الأحكام ماثبت بالسُّنَّة أو غيرها (٦).

стр. 307

وأجيب عنه: بأن ذلك مأخوذٌ من كتاب الله في الحقيقة؛ لأن كتاب الله تعالى أوجب علينا إتباع الرسول ﷺ , وفرضَ علينا الأخذ بقوله , وحذَّرنا من مخالفته (١). والاجتهاد في استخراج المعاني والأوصاف التي أنيطت بها الأحكام في الكتاب, وتنقيحها , والتحقُّق من ثبوتها في الأفراد والجزئيات غير المتناهية , من أكمل مراتب تحصيل العلم بمسائل الأحكام. قال الشاطبي: " لابدَّ في كلِّ مسألةٍ يُراد تحصيل علمها على أكمل الوجوه أن يُلْتَفَت إلى أصلها في القرآن، فإن وُجدت منصوصاً على عينها أو ذُكِر نوعها أو جنسها؛ فذاك، وإلا فمراتب النظر فيها متعدِّدة" (٢). ثالثاً: إن مناط الحُكْم لابدَّ له من دليلٍ يشهد له بالاعتبار (٣). وهو ماعبَّر عنه الأصوليون ب "مسالك العِلَّة", أي: الطرق الدالة على العِلَّة، وتنحصر في ثلاثة أنواع: النصّ, والإجماع, والاستنباط (٤). والنصُّ يشمل الكتاب والسُّنَّة وهو نوعان: النصُّ الصريح في التعليل، وهو: " أن يُذْكَر دليلٌ من الكتاب أو السُّنَّة على التعليل بالوصف بلفظٍ موضوعٍ له في اللغة من غير احتياجٍ فيه إلى نظرٍ واستدلال " (٥). قال الآمدي: " وهو قسمان: الأول: ما صرَّح فيه بكون الوصف عِلَّةً أو سبباً للحُكْم الفلاني، وذلك كما لو قال: العِلَّة كذا أو السبب كذا, القسم الثاني: ما ورد فيه حرفٌ من حروف التعليل كاللام، وكي، ومن، وإنَّ، والباء" (٦).

стр. 308

ومثاله قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] أي: كي لا تبقى الدُّولة بين الأغنياء، بل تنتقل إلى غيرهم , فعلَّل سبحانه قسمة الفيء بين الأصناف بتداوله بين الأغنياء دون الفقراء (١). والنصُّ الظاهر في التعليل، وهو: " كلُّ ما ينقدح حملُه على غير التعليل أو الاعتبار إلا على بُعْد" (٢). ومعناه: أن يحتمل اللفظ غير العليَّة احتمالاً مرجوحاً. وعبَّر عنه الآمدي بمسلك "التنبيه والإيماء" (٣). وله صورٌ عديدة، منها: ترتيب الحُكْم على الوصف بفاء التعقيب والتسبيب (٤). ومثاله: كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وهذا " يدل على أن ما رُتِّب عليه الحُكْم (بالفاء) يكون عِلَّةً للحُكْم؛ لكون (الفاء) في اللغة ظاهرةً في التعقيب، ولهذا فإنه لو قيل: " جاء زيدٌ فعمرو " فإن ذلك يدل على مجيء عمرو عقيب مجيء زيدٍ من غير مهلة، ويلزم من ذلك السببية؛ لأنه لا معنى لكون الوصف سبباً إلا ما ثبت الحُكْم عقيبه، وليس ذلك قطعاً بل ظاهراً؛ لأن (الفاء) في اللغة قد تَرِد بمعنى (الواو) في إرادة الجمع المطلق، وقد ترد بمعنى (ثم) في إرادة التأخير مع المُهْلة" (٥). قال الزركشي: " فالفاء للجزاء، والجزاء مُسْتَحَقٌّ بالمذكور السابق، وهو السرقة مثلاً؛ لأن التقدير: إنْ سَرَقَ فاقطعوه" (٦). و" القرآن وسُنَّة رسول الله مملوآن من تعليل الأحكام بالحِكَم والمصالح،

стр. 309

وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحِكَم التي لأجلها شَرَعَ تلك الإحكام، ولأجلها خَلَقَ تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسُّنَّة في نحو مائة موضعٍ أو مائتين لسقناها، ولكنَّه يزيد على ألف موضعٍ بطرقٍ متنوعةٍ، فتارةً يذكر لام التعليل الصريحة، وتارةً يذكر المفعول لأجله الذي هو المقصود بالفعل، وتارةً يذكر" مِنْ أجل" الصريحة في التعليل، وتارةً يذكر أداة كي، وتارةً يذكر الفاء وإنَّ، وتارةً يذكر أداة لعلَّ المتضمنة للتعليل المجرَّدة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق، وتارةً ينبِّه على السبب يذكره صريحاً، وتارةً يذكر الأوصاف المشتقَّة المناسبة لتلك الأحكام، ثم يرتِّبها عليها ترتيب المسبَّبات على أسبابها." (١). ويُعْتَبر نصُّ الكتاب أهم المسالك الدالة على مناطات الأحكام , وهو مقدَّمٌ على غيره من المسالك الأخرى. " قال الشافعي ﵁: متى وجدنا في كلام الشارع ما يدل على نَصْبِه أدلةً أو أعلاماً ابتدرنا إليه، وهو أولى ما يُسْلَك " (٢). وإذا تقرَّر ماسبق , وثبت مناط حُكْمٍ بنصِّ الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لم يبق حينئذٍ إلا الاجتهاد في إثبات وجود ذلك المناط - وهو وصف السرقة- على بعض أفراده الدَّاخلة تحته , كتحقيق أن النبَّاش سارق، فيجب عليه الحدُّ وهو القطع. رابعاً: النصُّ من أهم المسالك المُعْتَبرة في تنقيح مناطات الأحكام, وهو يشمل نصوص الكتاب والسُّنَّة , وما عُلِمَ من عادتهما في شرع الأحكام. والمناط لا يتجرَّد ويتلخَّص متميزاً بحدِّه على كلِّ ما لا يُعْتَبر فيه، وجامعاً لجميع ما هو معتبرٌ فيه إلا بالتوقيف والتعريف من جهة الشارع كما تقدم بيانه (٣).

стр. 310

قال ابن تيمية: " وهنا نوعٌ ثانٍ يُسمَّى تنقيح المناط، وهو أن يكون الشارع قد نصَّ على الحُكْم في عينٍ معيَّنة، وقد عُلِمَ بالنصِّ والإجماع أنَّ الحُكْم لا يختصُّ بها، بل يتناولها وغيرَها، فيحتاج أن ينقَّح مناط الحكم، أي يمَّيز الوصف الذي تعلَّق به ذلك الحكم، بحيث لا يُزداد عليه ولا يُنْقَص منه" (١). ومن الأمثلة التي توضح ذلك: إلغاء الوصف الفارق وهو الذُّكورة بين العبد والأَمَة في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وذلك بحذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عليَّته وهو" الأنوثة "، وتعيين وصف " الرِّق " مناطاً للحُكْم الذي هو تشطير الحدِّ، فوجب استواؤهما فيه؛ لما عُلِمَ من عادة الشرع التسوية بين الذَّكَرِ والأنثى في ذلك (٢). خامساً: إن الكتاب من المسالك المُعْتَبرة في تحقيق مناطات الأحكام (٣). ولكن ذلك قليل جداً؛ لأن أكثر أحكام الكتاب - كما تقدَّم - كلي (٤). قال ابن تيمية: " الشرائع جاءت بالأحكام الكليَّة مثل إيجاب الزكوات وتحريم البنات والأخوات، ولا يمكن أَمْرُ أحدٍ بما أمره الله به ونهيه عما نهاه الله عنه إن لم يُعْلَم دخوله في تلك الأنواع الكليَّة، وإلا فمجرد العلم بها لا يمكن معه فعل مأمورٍ ولا ترك محظورٍ إلا بعلمٍ معينٍ بأن هذا المأمور داخلٌ فيما أمر الله به، وهذا المحظور داخلٌ فيما نهى الله عنه، وهذا الذي يُسمَّى تحقيق المناط " (٥).

стр. 311

سادساً: قد يثبت الحُكْم بنصِّ الكتاب دون أن يتعرَّض لمناطه نصَّاً ولا إيماءاً, فيُجْتَهَد حينئذٍ في استخراجه بأحد المسالك الاجتهادية , كالمناسبة أو السَّبْر والتقسيم أو الدوران. ومثاله: تحريم الخمر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فالآية نصٌّ صريحٌ على تحريم الخمر، ولم يتعرَّض النصُّ لبيان عِلَّة الحُكْم لا بصريح لفظٍ ولا بإيماء، فيستخرج المجتهد وصفاً ظاهراً منضبطاً وهو " الإسكار "، يحصل من ترتيب الحُكْم عليه مصلحة المحافظة على العقول، ولا يجد غيرَه من الأوصاف الصالحة للعِلِّية مثلَه ولا أولى منه، فكونه سائلاً أو بلون كذا أو بطعم كذا كلها أوصافٌ غير ملاءمةٍ للتحريم، فيعيِّن المجتهدُ وصفَ " الإسكار " مناطاً لحُكْم التحريم، ويستدِلُّ على ذلك بإظهار ملاءمته للحُكْم، وهو كون وصف "الإسكار " يحصل من ترتيب الحُكْم عليه جلب مصلحةٍ وهي حفظ العقول من الاضطراب، ولا يوجد وصفٌ غيرُه مثلُه ولا أولى منه في محلِّ الحكم (١) سابعاً: من ضوابط تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ لأن الغرض من الاجتهاد في تحقيق المناط موافقة قصد الشارع في الأحكام , وهذا يستلزم معرفة مراتب المصالح والمفاسد في الشرع , ويُعْتَبر الكتاب هو منبع العلم بالمصالح والمفاسد ومراتبها؛ لأن " معظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها " (٢). وإذا كان الأمر كذلك؛ " لزم ضرورةً لمن رام الاطلاع على كليَّات الشريعةـ وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها، أن يتخذه - أي: القرآن الكريم - سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مرِّ الأيام والليالي؛ نظراً وعملاً" (٣).

стр. 312

المبحث الثاني علاقة الاجتهاد في المناط بالسُّنَّة سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالسُّنَّة , وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي: المطلب الأول: تعريف السُنَّة لغةً واصطلاحاً . السُّنَّة في اللغة تعني: السيرة والطريقة سواءٌ كانت حسنَةً أو قبيحة (١). قال ﷺ : «مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها مِنْ بعدِه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٢). والسُّنَّة في اصطلاح الأصوليين: ماصدر عن الرسول ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير (٣).

стр. 313

المطلب الثاني: حُجِّيَّة السُّنَّة . أجمع المسلمون على أن سُنَّة رسول الله ﷺ القولية والفعلية والتقريرية التي قُصِد بها التشريع والاقتداء حُجَّةٌ في الدِّين يجب قبولها , ودليلٌ من أدلة أحكام الشرع يجب العمل بها, وهو من ضروريات الدِّيانة. قال ابن أمير بادشاه: " حُجِّية السُّنَّة سواءٌ كانت مفيدةً للفرض أو الواجب أو غيرهما (ضرورةٌ دينية) , كلُّ من له عقلٌ وتمييزٌ حتى النساء والصبيان يعرف أن من ثبتت نبوته صادقٌ فيما يُخْبِر عن الله تعالى , ويجب اتباعه" (١). وقد قامت أدلةٌ كثيرةٌ على حجيتها , ومن ذلك: أولاً: وردت آياتٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم تنصُّ صراحةً على وجوب اتباع أمره ﷺ , ولزوم طاعته , وردِّ كلِّ أمرٍ إليه, وعدم التقدَّم عليه, وأن ما يصدر عنه إنما هو وحيٌ من الله. ومنها: قوله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢] وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢] [آل عمران: ١٣٢]. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الفرقان: ٦٣] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١] وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. فهذه الآيات وغيرها تدل على لزوم طاعته ﷺ , واتِّباع هديه, واقتفاء أثره , ولولم تكن سُنَّته ﵊ حُجَّةً يجب قبولها لما أمر الله

стр. 314

بطاعة رسوله ﷺ , وقرنها بطاعته , وحذَّر من مخالفة أمره. قال الشافعي: " وضع الله رسوله من دينه وفرْضِه وكتابه، الموضعَ الذي أبان - جل ثناؤه - أنه جعله عَلَمًا لدينه، بما افترض من طاعته، وحرَّم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قَرَن من الإيمان برسولَه مع الإيمان به" (١). ثانياً: إن لزوم العمل بالقرآن يقتضي لزوم العمل بالسُّنَّة؛ لأنها بيانٌ للقرآن , فهي تخصِّص عمومه , وتقيِّد مُطْلَقَه , وتوضِّح مُشْكِلَه , وتفصِّل مُجْمَلَه ,ولايمكن الاستغناء بحالٍ عن السُّنَّةُ في فهم القرآن الكريم. قال الشاطبي: " السُّنَّةً راجعةٌ في معناها إلى الكتاب؛ فهي تفصيل مُجْمَلِه، وبيان مُشْكِلِه، وبَسْطِ مُخْتَصَرِه؛ وذلك لأنها بيانٌ له .. " (٢). قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وبيان الرسول ﷺ للقرآن يشمل أنواع البيان كافّة , سواءً كان بالأقوال , أو الأفعال , أو التقريرات (٣). ومن ذلك: أن القرآن الكريم تضمَّن فرائض مُجْمَلَةً تحتاج إلى البيان في كيفياتها , ومقاديرها , ومواقيتها , ونحو ذلك , كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها , فجاءت السُّنَّة القولية والفعلية والتقريرية ببيان كيفياتها , ومقاديرها , ومواقيتها (٤). وهذا المعنى يستلزم القول بحُجِّية السُّنَّة؛ لأنه لايمكن العمل بالفرائض المُجْمَلَة في القرآن إلا بالعلم بالسُّنَّة، والعملِ بمقتضاها في تلك الفرائض , فدلَّ ذلك على اعتبارها دليلاً على الأحكام الشرعيَّة لايجوز الحيد عنه. ولهذا فإنه: "لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه وهو السُّنَّة؛ لأنه إذا كان كليَّاً وفيه أمورٌ جُمْليَّةٌ كما في شأن

стр. 315

الصلاة والزكاة والحجِّ والصوم ونحوها؛ فلا محيص عن النظر في بيانه" (١). ثالثاً: عمل الصحابة ﵃ في حياته ﷺ وبعد مماته , ومن بعدهم التابعون والمجتهدون في كلِّ عصرٍ ومصر , حيث كانوا لايقدِّمون على القرآن والسُّنَّة شيئاً , وإذا بلغتهم سُنَّةٌ عن رسول الله ﷺ اتبعوها وعملوا بمقتضاها. فهذه الأدلة وغيرها تقتضي اعتبار السُّنَّة دليلاً كليَّاً على الأحكام الشرعيَّة , يلزم قبوله والعمل به. المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالسُّنَّة . تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بالسُّنَّة في جوانب عديدةٍ من أهمها ما يأتي: أولاً: إن مناط الحُكْم لابدَّ له من دليلٍ يشهد له بالاعتبار , ومن أقوى الأدلة المُعْتَبرة مسلك النصّ والإيماء الذي يشمل الكتاب والسُّنَّة (٢). وأعني بالنصِّ: " ماتكون دلالته على العليِّة ظاهرةً سواءً كانت قاطعةً أو محتمَلة" (٣). وعبَّر بعض الأصوليين كالآمدي وصفي الدين الهندي عن النصِّ القاطع بالصريح، وهو: وهو ما وضع لإفادة التعليل، بحيث لا يحتمل غير العِلَّة, وله ألفاظٌ منها: كي , ولأجل كذا , ومن أجل كذا , ولعِلَّة كذا (٤). وعبَّروا عن النصِّ المُحْتَمَل بالظاهر, وهو ما يحتمل غير العليِّة احتمالاً مرجوحاً , مثل: "اللام", و"إنّ", و"الباء", حيث نصَّ أهل اللغة على أن أصل الاستعمال فيها أنها للتعليل إلا لقرينة (٥).

стр. 316

قال الآمدي: " فهذه هي الصيغ الصريحة في التعليل وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل، إلا أن يدلَّ الدليل على أنها لم يُقْصَد بها التعليل فتكون مجازاً فيما قُصِد بها " (١). أما الإيماء فهو: "اقتران الوصف بحُكْمٍ لو لم يكن الوصف - أو نظيره - للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيداً من فصاحة كلام الشارع، وكان إتيانه بالألفاظ في غير مواضعها، مع كون كلام الشارع منَّزهاً عن الحشو الذي لا فائدة فيه" (٢). ومن الأمثلة على النصِّ الصريح الكاشف عن مناطات الأحكام في السُّنة النبوية: - قوله ﷺ في النهي عن أكل لحوم الأضاحي في أول الأمر: "إنما نهيتكم من أجل الدَّافَّة فكلوا وادَّخروا وتصدَّقوا " (٣). أي: لأجل التوسعة على الطائفة التي قدمت المدينة أيام التشريق, وهم قومٌ وردوا عُرْباً، فأمرهم أن لا يدَّخروا لحوم الأضاحي توسعةً عليهم (٤). والدَّافَّة بتشديد الفاء: قومٌ يسيرون جميعاً سيراً خفيفاً , ودفَّ يدِفُّ بكسر الدال, ودَّافَّة الأعراب: من يَرِدُ منهم المِصْر, والمراد هنا مَنْ وَرَدَ من ضعفاء الأعراب للمواساة (٥). فقوله ﷺ : " من أجل الدَّافَّة" نصٌ صريحٌ على مناط الحُكْم, وهو النهي عن أكل الأضاحي ثلاثة أيام. ومن الأمثلة على النصِّ الظاهر الكاشف عن مناطات الأحكام في السُّنة النبوية:

стр. 317

- قوله ﷺ في المُحْرِم الذي وقصته (١) ناقته: " اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه (٢)، فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبياً" (٣). وقد اختلفوا في التعليل " بإنّ " المشدَّدة المكسورة هل هو صريح, أو ظاهر, أو إيماء, كما في قوله ﷺ : " فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبيَّاً "؟ ذهب الآمدي (٤)، وابن الحاجب (٥) إلى أنه صريحٌ في التعليل، خصوصاً فيما لحقته الفاء؛ فإنها يزاد بها تأكيداً لدلالتها على أن ما بعدها سببٌ للحُكْم قبلها. وعند البيضاوي (٦) , وابن السُّبكي (٧): أن التعليل بـ "إنّ" من قسم الظاهر. قال ابن العطَّار: " قوله «فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبيا» عِلَّةً لقوله «لا تمسُّوه طيباً، ولا تخمِّروا رأسه» , فإن النهي يفيد التحريم الذي هو من الأحكام الشرعية" (٨). وهذه العِلَّة إنما ثبتت لأجل الإحرام فتعمّ كلَّ مُحْرِم (٩). قال ابن حجر (١٠): " وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام , كاستبقاء دم الشهيد" (١١).

стр. 318

ومن الأمثلة على الإيماء والتنبيه الكاشف عن مناطات الأحكام في السُّنَّة النبوية: - قوله ﷺ : " من اقتنى كلباً إلا كلب صيدٍ أو ماشيةٍ نقص من أجره كلَّ يومٍ قيراطان " (١). حيث رتَّب الحُكْم الذي هو نقصان الأجر على الوصف الذي هو اقتناء الكلب -لا لصيدٍ أو ماشية- بصيغة الجزاء , فتكون العِلَّة في نقصان الأجر هو الاقتناء لغير حاجة , وهو من أنواع الإيماء بالعِلَّة؛ لأن الجزاء يعقب شرطه ويلازمه، ولا معنى للسبب إلا ما يثبت عقب الحُكْم ويوجد بوجوده (٢). ثانيا: النصُّ من أهم المسالك المُعْتَبرة في تنقيح مناطات الأحكام , وهويشمل نصوص الكتاب والسُّنَّة , وماعُلِم من عادتهما في شرع الأحكام. وقد تقدَّم أن تنقيح المناط له صورتان: (٣) الأولى: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بوصف , فيُحذَف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار , ويُناط الحُكْم بالمعنى الأعم. والثانية: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بمجموع أوصاف، فيُحذَف بعضها عن الاعتبار، ويُناط الحُكْم بالباقي من الأوصاف. وحاصل هاتين الصورتين أنه اجتهادٌ في الحذف والتعيين كما تقدَّم (٤)، وكلاهما لابدَّ أن يُسْتَنَدُ فيه إلى دليلٍ شرعي؛ لأن الشرع كما اختصَّ بتقرير الأحكام فقد اختصَّ - أيضاً- باعتبار الأوصاف المؤثرة في تلك الأحكام وعدم اعتبارها كذلك , فلزم الرجوع إلى شواهد الشرع (٥).

стр. 319

قال الغزالي: " ومُدْرَكُه - أي: تنقيح المناط - شواهد الشرع" (١). وعلى هذا فإن مناط الحُكْم لايتجرَّد ويتلخَّص متميزاً بحدِّه على كلِّ مالا يُعْتَبر فيه, وجامعاً لكلِّ ماهو معتبرٌ فيه "إلا بالتوقيف والتعريف من جهة الشرع" (٢). وجهة الشرع منحصرةٌ في الكتاب والسُّنَّة نصَّاً ودلالة , وبهذا تكون السُّنَّة القولية والفعلية والتقريرية من أدلة تنقيح المناط. والاستدلال بالسُّنَّة على تنقيح مناطات الأحكام لايقتصر على دلالة النصِّ فحسب, بل يشمل دلالات الألفاظ بأنواعها , والأفعال, وقرائن الأحوال , وتصرفات النبي ﷺ التي جرت مجرى العادة في الأحكام إثباتاً ونفياً. قال الغزالي: " تعريفات الشارع مختلفةٌ بالإضافة إلى ما به التعريف؛ فتارةً يُعْرَفُ بالقول وتارةً بالفعل، ثم إذا عُرِفَ لا بالقول: تارةً يكون بإشارةٍ، وتارةً بسكوتٍ، وتارةً باستبشارٍ، وتارةً بإظهار آثار كراهيةٍ، وعلى الجملة: قرائن أحواله في تصريفاته وإشاراته وهيئة وجهه في الفرح والكراهية يجوز أن تكون معرِّفاتٍ جاريةً في إفادة التعريف مجرى القول، فيكون ذلك توقيفاً .. " (٣). ومن الأمثلة على ذلك: - أن السُّنَّة جاءت بأحكامٍ كثيرةٍ تتعلَّق بالعتق: من تطرق القرعة إليه , واستحقاقه بسبب القرابة , وكيفية نفوذه من المريض , وكيفية تعلُّق الولاية , وكيفية كونه سبباً في الولاية , ونحو ذلك , والسُّنَّة في تلك الأحكام كلها تُجْرِي الذكورَ مجرى الإناث , ولاتلتفت إلى الاختلاف بينهما أصلاً , فعدم تعرُّض السُّنَّة لهذا الاختلاف في تلك الأحكام دليلٌ على أن مدخل الذكورة

стр. 320

فيها كمدخل السواد والبياض والطول والقِصَر والتركي والهندي (١). وبناءً على ذلك يصح أن نقول: الأَمَة في معنى العبد في قوله ﷺ : " من أعتق شِرْكاً له في عَبْدٍ فكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد قوِّم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصَصَهُمْ وعَتَقَ عليه، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ " (٢). ثالثا: قد يثبت الحُكْم بنصِّ السُنَّة , ويدل ظاهر النصِّ على تعليل الحُكْم بوصفٍ ما, فيُجْتَهَد في حذف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار, ويُناط الحُكْم بالمعنى الأعمّ؛ لأن الوصف المذكور ليس عِلَّةً لذاته، بل لما يلازمه (٣). وتُعَدُّ هذه الصورة إحدى صور الاجتهاد في تنقيح المناط كما تقدم (٤). ومثاله: قوله ﷺ : " لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان" (٥). فإنَّ ذكر الغضب مقروناً بالحُكْم يدل بظاهره على التعليل بالغضب، لكن ثبت بالنظر والاجتهاد أنه ليس عِلَّةً لذاته، بل لما يلازمه من التشويش المانع من استيفاء الفكر، فَيُحْذَف خصوص الغضب، ويُنَاطُ النهي بالمعنى الأعمّ (٦). رابعاً: قد يثبت الحُكْم بنصِّ السُّنَّة, ويدل ظاهر النصِّ على تعليل الحُكْم بمجموع الأوصاف المذكورة , فيُجْتَهَد في حذف الأوصاف التي لاتصلح للعِلِّيَّة عن الاعتبار, وتعيين الباقي من الأوصاف مناطاً للحكم (٧).
следующие страницы →