قال الآمدي: " فهذه هي الصيغ الصريحة في التعليل وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل، إلا أن يدلَّ الدليل على أنها لم يُقْصَد بها التعليل فتكون مجازاً فيما قُصِد بها " (١).
أما الإيماء فهو: "اقتران الوصف بحُكْمٍ لو لم يكن الوصف - أو نظيره - للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيداً من فصاحة كلام الشارع، وكان إتيانه بالألفاظ في غير مواضعها، مع كون كلام الشارع منَّزهاً عن الحشو الذي لا فائدة فيه" (٢).
ومن الأمثلة على النصِّ الصريح الكاشف عن مناطات الأحكام في السُّنة النبوية:
- قوله ﷺ في النهي عن أكل لحوم الأضاحي في أول الأمر: "إنما نهيتكم من أجل الدَّافَّة فكلوا وادَّخروا وتصدَّقوا " (٣).
أي: لأجل التوسعة على الطائفة التي قدمت المدينة أيام التشريق, وهم قومٌ وردوا عُرْباً، فأمرهم أن لا يدَّخروا لحوم الأضاحي توسعةً عليهم (٤).
والدَّافَّة بتشديد الفاء: قومٌ يسيرون جميعاً سيراً خفيفاً , ودفَّ يدِفُّ بكسر الدال, ودَّافَّة الأعراب: من يَرِدُ منهم المِصْر, والمراد هنا مَنْ وَرَدَ من ضعفاء الأعراب للمواساة (٥).
فقوله ﷺ : " من أجل الدَّافَّة" نصٌ صريحٌ على مناط الحُكْم, وهو النهي عن أكل الأضاحي ثلاثة أيام.
ومن الأمثلة على النصِّ الظاهر الكاشف عن مناطات الأحكام في السُّنة النبوية:
стр. 317
- قوله ﷺ في المُحْرِم الذي وقصته (١) ناقته: " اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه (٢)، فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبياً" (٣).
وقد اختلفوا في التعليل " بإنّ " المشدَّدة المكسورة هل هو صريح, أو ظاهر, أو إيماء, كما في قوله ﷺ : " فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبيَّاً "؟
ذهب الآمدي (٤)، وابن الحاجب (٥) إلى أنه صريحٌ في التعليل، خصوصاً فيما لحقته الفاء؛ فإنها يزاد بها تأكيداً لدلالتها على أن ما بعدها سببٌ للحُكْم قبلها.
وعند البيضاوي (٦) , وابن السُّبكي (٧): أن التعليل بـ "إنّ" من قسم الظاهر.
قال ابن العطَّار: " قوله «فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبيا» عِلَّةً لقوله «لا تمسُّوه طيباً، ولا تخمِّروا رأسه» , فإن النهي يفيد التحريم الذي هو من الأحكام الشرعية" (٨).
وهذه العِلَّة إنما ثبتت لأجل الإحرام فتعمّ كلَّ مُحْرِم (٩).
قال ابن حجر (١٠): " وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام , كاستبقاء دم الشهيد" (١١).
стр. 318
ومن الأمثلة على الإيماء والتنبيه الكاشف عن مناطات الأحكام في السُّنَّة النبوية:
- قوله ﷺ : " من اقتنى كلباً إلا كلب صيدٍ أو ماشيةٍ نقص من أجره كلَّ يومٍ قيراطان " (١).
حيث رتَّب الحُكْم الذي هو نقصان الأجر على الوصف الذي هو اقتناء الكلب -لا لصيدٍ أو ماشية- بصيغة الجزاء , فتكون العِلَّة في نقصان الأجر هو الاقتناء لغير حاجة , وهو من أنواع الإيماء بالعِلَّة؛ لأن الجزاء يعقب شرطه ويلازمه، ولا معنى للسبب إلا ما يثبت عقب الحُكْم ويوجد بوجوده (٢).
ثانيا: النصُّ من أهم المسالك المُعْتَبرة في تنقيح مناطات الأحكام , وهويشمل نصوص الكتاب والسُّنَّة , وماعُلِم من عادتهما في شرع الأحكام.
وقد تقدَّم أن تنقيح المناط له صورتان: (٣)
الأولى: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بوصف , فيُحذَف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار , ويُناط الحُكْم بالمعنى الأعم.
والثانية: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بمجموع أوصاف، فيُحذَف بعضها عن الاعتبار، ويُناط الحُكْم بالباقي من الأوصاف.
وحاصل هاتين الصورتين أنه اجتهادٌ في الحذف والتعيين كما تقدَّم (٤)، وكلاهما لابدَّ أن يُسْتَنَدُ فيه إلى دليلٍ شرعي؛ لأن الشرع كما اختصَّ بتقرير الأحكام فقد اختصَّ - أيضاً- باعتبار الأوصاف المؤثرة في تلك الأحكام وعدم اعتبارها كذلك , فلزم الرجوع إلى شواهد الشرع (٥).
стр. 319
قال الغزالي: " ومُدْرَكُه - أي: تنقيح المناط - شواهد الشرع" (١).
وعلى هذا فإن مناط الحُكْم لايتجرَّد ويتلخَّص متميزاً بحدِّه على كلِّ مالا يُعْتَبر فيه, وجامعاً لكلِّ ماهو معتبرٌ فيه "إلا بالتوقيف والتعريف من جهة الشرع" (٢).
وجهة الشرع منحصرةٌ في الكتاب والسُّنَّة نصَّاً ودلالة , وبهذا تكون السُّنَّة القولية والفعلية والتقريرية من أدلة تنقيح المناط.
والاستدلال بالسُّنَّة على تنقيح مناطات الأحكام لايقتصر على دلالة النصِّ فحسب, بل يشمل دلالات الألفاظ بأنواعها , والأفعال, وقرائن الأحوال , وتصرفات النبي ﷺ التي جرت مجرى العادة في الأحكام إثباتاً ونفياً.
قال الغزالي: " تعريفات الشارع مختلفةٌ بالإضافة إلى ما به التعريف؛ فتارةً يُعْرَفُ بالقول وتارةً بالفعل، ثم إذا عُرِفَ لا بالقول: تارةً يكون بإشارةٍ، وتارةً بسكوتٍ، وتارةً باستبشارٍ، وتارةً بإظهار آثار كراهيةٍ، وعلى الجملة: قرائن أحواله في تصريفاته وإشاراته وهيئة وجهه في الفرح والكراهية يجوز أن تكون معرِّفاتٍ جاريةً في إفادة التعريف مجرى القول، فيكون ذلك توقيفاً .. " (٣).
ومن الأمثلة على ذلك:
- أن السُّنَّة جاءت بأحكامٍ كثيرةٍ تتعلَّق بالعتق: من تطرق القرعة إليه , واستحقاقه بسبب القرابة , وكيفية نفوذه من المريض , وكيفية تعلُّق الولاية , وكيفية كونه سبباً في الولاية , ونحو ذلك , والسُّنَّة في تلك الأحكام كلها تُجْرِي الذكورَ مجرى الإناث , ولاتلتفت إلى الاختلاف بينهما أصلاً , فعدم تعرُّض السُّنَّة لهذا الاختلاف في تلك الأحكام دليلٌ على أن مدخل الذكورة
стр. 320
فيها كمدخل السواد والبياض والطول والقِصَر والتركي والهندي (١).
وبناءً على ذلك يصح أن نقول: الأَمَة في معنى العبد في قوله ﷺ : " من أعتق شِرْكاً له في عَبْدٍ فكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد قوِّم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصَصَهُمْ وعَتَقَ عليه، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ " (٢).
ثالثا: قد يثبت الحُكْم بنصِّ السُنَّة , ويدل ظاهر النصِّ على تعليل الحُكْم بوصفٍ ما, فيُجْتَهَد في حذف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار, ويُناط الحُكْم بالمعنى الأعمّ؛ لأن الوصف المذكور ليس عِلَّةً لذاته، بل لما يلازمه (٣).
وتُعَدُّ هذه الصورة إحدى صور الاجتهاد في تنقيح المناط كما تقدم (٤).
ومثاله: قوله ﷺ : " لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان" (٥).
فإنَّ ذكر الغضب مقروناً بالحُكْم يدل بظاهره على التعليل بالغضب، لكن ثبت بالنظر والاجتهاد أنه ليس عِلَّةً لذاته، بل لما يلازمه من التشويش المانع من استيفاء الفكر، فَيُحْذَف خصوص الغضب، ويُنَاطُ النهي بالمعنى الأعمّ (٦).
رابعاً: قد يثبت الحُكْم بنصِّ السُّنَّة, ويدل ظاهر النصِّ على تعليل الحُكْم بمجموع الأوصاف المذكورة , فيُجْتَهَد في حذف الأوصاف التي لاتصلح للعِلِّيَّة عن الاعتبار, وتعيين الباقي من الأوصاف مناطاً للحكم (٧).
стр. 321
وتُعَدُّ هذه الصورة - أيضاً- من صور الاجتهاد في تنقيح المناط كما تقدم (١).
ومثاله: قصة الأعرابي الذي جامع أهله في رمضان، وجاء يضرب صدره وينتف شعره - كما في بعض الروايات - ويقول: هلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي ﷺ : "أعتق رقبة" (٢).
فكونه أعرابياً، وكونه يضرب صدره، وينتف شعره، وكون الموطوءة زوجته، وكونه واقع أهله في ذلك الشهر بعينه، كُلُّها أوصافٌ لا تصلح للعِلِّية فَتُحْذَف عن درجة الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالوصف الباقي الصالح للتعليل، وهو ... " وقاع مكلَّفٍ في نهار رمضان "، فَيُلْحق بالأعرابي غير الأعرابي، ويُلْحَق به مَنْ جامع في رمضان آخر، ويُلْحَق به مَنْ وطِئَ أَمَتَه، ويُلْحَق به الزاني (٣).
خامسا: قد يثبت الحُكْم بنصِّ السُّنَّة دون أن تتعرض لمناطه لا صراحةً ولا إيماءً , فيُجْتَهَد حينئذٍ في استخراجه بأحد المسالك الاجتهادية كالمناسبة (٤) أو السَّبْر ... والتقسيم (٥) أو الدوران (٦).
ومن الأمثلة على ذلك:
- قوله ﷺ : " لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ إلا مثلاً بمثل " (٧) فهذا النصُّ لم يتضمن ما يدلُّ على عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ لا صراحةً ولا إيماءً، فيُجْتَهَد في استنباط عِلَّة الحُكْم بالنظر والاجتهاد القائم على الدلائل الشرعيَّة، فيقال - مثلاً -: عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ الطعم، أو الاقتيات، أو الكيل، أو غير ذلك (٨).
стр. 322
سادسا: تُعتبَر السُّنَّة من مسالك تحقيق مناطات الأحكام في الأعيان , فقد يدلَّ قول النبي ﷺ أو فعله أو تقريره على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده (١).
ومثاله: : سُئِل رسول الله ﷺ في أوقاتٍ مختلفةٍ عن أفضل الأعمال فأجاب بإجاباتٍ مختلفةٍ، كلُّ إجابةٍ لو حُمِلت على إطلاقها أو عمومها لاقتضى ذلك التضادّ مع غيره في التفضيل، ولكن التفضيل لم يقع مطلقاً، إنما كان بحسب اختلاف الأحوال والأشخاص.
قال الشاطبي: " جميعها يدل على أن التفضيل ليس بمطلق، ويُشْعِر إشعاراً ظاهراً بأن القصد إنما هو بالنسبة إلى الوقت أو إلى حال السائل" (٢).
ومن ذلك: ماجاء عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سُئِل: أي العمل أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حجٌّ مبرور" (٣).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: " سألت النبي ﷺ أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أيُّ؟ قال ثم برُّ الوالدين، قلت: ثم أيُّ؟ قال الجهاد في سبيل الله" (٤).
وعن أبي أمامة ﵁ قال: " أتيت رسول الله صلى الله ﷺ فقلتُ: مُرْني بأمرٍ آخُذُهُ عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثْل له " (٥).
وعن عبدالله بن عمرو ﵄: أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أيُّ الإسلام خير؟ قال: تُطِعمُ الطعام، وتَقْرأ السلام على مَنْ عَرَفْت ومَنْ لم تعْرفْ" (٦).
стр. 323
فهذه الأحاديث التي أجاب فيها النبي ﷺ عن أفضل الأعمال بأجوبةٍ مختلفة، إنما كانت بحسب وقتٍ دون وقت، وحالٍ دون حال، وشخصٍ دون شخص, وهو من صور تحقيق المناط في الأعيان بنصوص السُّنَّة النبوية.
стр. 324
المبحث الثالث
علاقة الاجتهاد في المناط بالإجماع
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالإجماع , وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف الإجماع لغةً واصطلاحاً .
الإجماع في اللغة يُطْلَق على معنيين: (١)
المعنى الأول: العزم على الأمر.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ أي: اعزموا عليه (٢).
والمعنى الثاني: الاتفاق.
ومنه قولهم: أجمع القوم على كذا , أي: اتفقوا عليه (٣).
أما الإجماع اصطلاحاً فهو: اتفاق مجتهدي أمة محمدٍ ﷺ في عصرٍ من العصور بعد وفاته على حُكْمٍ شرعي (٤).
стр. 325
ويظهر أن أنسب المعنيين لغةً لمصطلح الإجماع عند الأصوليين هو المعنى الثاني: الاتفاق؛ لأن " الإجماع بالمعنى الأول مُتَصَوَّرٌ من واحد , وبالمعنى الثاني لا يُتَصَوَّر إلا من الاثنين فما فوقهما " (١).
قال ابن السمعاني: " والإجماع إذا أُطلِق في اللغة قد يفهم منه العزم على الشيء والإجماع على الشيء من اثنين فصاعداً, وأما في الشرع فإن الإجماع إذا أطلق لا يتناول إلا اجتماع الأُمَّة على الحقّ " (٢).
المطلب الثاني: حُجِّية الإجماع .
إذا انعقد الإجماع مستوفياً شروطه فإنه يُعْتَبر حُجَّةً شرعيَّةً يجب العمل به , والمصير إليه , وتَحْرُم مخالفته (٣).
قال الآمدي: " اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حُجَّةٌ شرعيَّةٌ يجب العمل به على كلِّ مسلم " (٤).
وقد استدل الأصوليون على حجية الإجماع بأدلةٍ كثيرةٍ من الكتاب والسُّنَّة , ومن أقواها وأوضحها ماورد في السُّنَّة من الأحاديث الدالة على استحالة اجتماع الأُمَّة على الخطأ , وإذا ثبتت عصمة الأُمَّة عن الخطأ فإن إجماعهم لايكون إلا حقَّاً يجب اتباعه (٥).
стр. 326
ومن ذلك قوله ﵊: " إن أمتي لاتجتمع على ضلالة" (١).
قال الغزالي: " وهذا من حيث اللفظ أقوى وأدلُّ على المقصود " (٢).
وقد تظاهرت الرواية عن رسول الله ﷺ بألفاظٍ مختلفةٍ على عِصْمَة الأُمَّة عن الخطأ , واشتهر ذلك على لسان الثقات من الصحابة ﵃ , ولم تزل ظاهرةً لم يدفعها أحدٌ من أهل النقل من سلف الأُمَّة وخَلَفِها , ولم تزل الأُمَّة تَحتَجُّ بها في أصول الدين وفروعه, وإذا ثبت أن الأُمَّة لاتجتمع على الخطأ لزم أن يكون اجتماعها على الحقّ , وحينئذٍ يجب المصير إلى إجماعهم, وتَحْرُم مخالفته (٣).
وقد ارتأيت الاكتفاء بدليل السُّنَّة في هذا المطلب لأنها" أقرب الطرق في إثبات كون الإجماع حُجَّة" (٤).
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالإجماع .
تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بالإجماع في جوانب عديدةٍ من أهمها مايأتي:
أولاً: يُعْتَبر الإجماع من أقوى المسالك التي يثبت بها مناط الحُكْم في الأصل.
وقد ذهب جمهور الأصوليين إلى أن الإجماع مسلكٌ من مسالك العِلَّة (٥).
стр. 327
بل إن أكثر الأصوليين قدَّم الإجماع في مبحث مسالك العِلَّة على مسلك النصّ؛ وذلك باعتبار أن الإجماع أقوى, حيث لايتطرق إليه احتمال النسخ والتأويل, بينما ظواهر الكتاب والسُّنَّة تحتمل النسخ والتأويل (١).
قال الأمين الشنقيطي: "ومرادهم بالإجماع الذي يُقَدَّم على النصِّ خصوص الاجماع القطعي دون الاجماع الظني، وضابط الإجماع القطعي هو الإجماع القولي، لا السكوتي، بشرط أن يكون مُشاهَداً أو منقولاً بعدد التواتر في جميع طبقات السَّند" (٢).
وقدَّم بعضهم النصَّ على الإجماع , وذلك باعتبار أن النصَّ أشرف من غيره, وكونُه مستند الإجماع (٣).
قال الزركشي: " وهو مقدَّمٌ في الرتبة على الظواهر من النصوص؛ لأنه لا يتطرق إليه احتمال النسخ, ومنهم من قدَّم الكلام على النصِّ لشرفه" (٤).
واعتبر الشوكاني تقديم مسلك الإجماع على مسلك النصّ , أو مسلك النصِّ على مسلك الإجماع " مجرَّد اصطلاحٍ في التأليف، فلا مشاحَّة فيه" (٥).
والمراد بالإجماع -هنا-: اتفاق مجتهدي الأُمَّة في عصرٍ من الأعصار بعد وفاة النبي ﷺ على كون الوصف الجامع الفلاني عِلَّةً لحُكْم الأصل الفلاني (٦).
стр. 328
وهو مرتبتان بالنظر إلى طريق نقله (١):
الأولى: إجماعٌ قطعي , وهو أن يُنْقَل نقلاً متواتراً بصريح مجموع الأُمَّة في عصرٍ من الأعصار أن الوصف الفلاني عِلَّةٌ للحُكْم الفلاني.
الثانية: إجماعٌ ظنِّي , وهو أن يُذْكَر مايدل على إجماعهم ظنَّاً , كما إذا نُقِل أن بعضهم قال بأن الوصف الفلاني عِلَّةً للحُكْم الفلاني , مع علم الباقين بذلك , وعدم إنكارهم عليه, وهو ما اصطُلِح عليه ب"الإجماع السكوتي" , أو كما إذا نُقِل الإجماع نقلَ آحاد.
وسواءٌ كان الإجماع -على كون الوصف الفلاني عِلَّةً للحُكْم - قطعياً أو ظنِّياً فإنه يُعْتَبر حُجَّةً يجب العمل به.
ومن الأمثلة على كون الإجماع من المسالك التي يثبت بها مناط الحُكْم في الأصل ما يأتي:
- وانعقد الإجماع على أن الصِغَر عِلَّةً لثبوت الولاية على الصغير في التصرُّف بماله , فتُلحَق ولاية النكاح للصغير بولاية المال , والجامع بينهما الصِغَر (٢).
- وانعقد الإجماع على أن العِلَّة في ضمان الغاصب ما أتلَفَ من مال هي كونه مالاً تَلِفَ تحت اليد العاديَة , فيُلحَق به السارق وإن أقيم عليه الحدّ، بجامع كون التالف مالاً تَلِفَ تحت اليد العاديَة (٣).
- وانعقد الإجماع على أن العِلَّة في تقديم الأخ من الأبوين في الإرث على الأخ لأب هي امتزاج النَّسَب -أي: كونه من الأبوين- فيُلحَق به تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في ولاية النكاح , بجامع امتزاج النسبين في كلٍّ منهما (٤).
стр. 329
ومما يجدر التنبيه إليه أنه: لا يلزم من إجماعهم على عِليَّة وصفٍ أن لا يقع خلافٌ معها؛ لجواز أن يكون وجودها في الأصل أو في الفرع مُتَنازَعاً فيه , كالإجماع الثابت بالآحاد أو السكوتي, أو يكون في حصول شرطها أو مانعها نزاع, أما إذا وقع الاتفاق قطعاً على ذلك كلِّه فلا يسوغ معه الخلاف (١).
ثانيا: قد ينعقد الإجماع على أن الحُكْم الفلاني منوطٌ بوصفٍ - أي: إنه مُعلَّل - , ثم يقع الاختلاف في تعيين الوصف الذي يصلح مناطاً لذلك الحُكْم (٢).
ومثاله: الإجماع على أن الرِّبا في الأصناف الأربعة البُرِّ والشعير والتمر والملح منوطٌ بوصف , لكن وقع الاختلاف في تعيين الوصف الذي يصلح مناطاً لذلك الحُكْم , فذهب الحنفية إلى أنه القدر والجنس (٣) , وذهب المالكية إلى أنه
الاقتيات والادخار (٤) , وذهب الشافعية إلى أنه الطُّعم (٥) , وذهب الحنابلة إلى أنه الكيل والوزن (٦).
ثالثا: قد ينعقد الإجماع على حُكْمٍ شيء ما , ولايوجد ما يُنَصُّ صراحةً أو إيماءً على مناط الحُكْم , فيُجْتَهَد حينئذٍ في استخراجه بأحد المسالك المُعْتَبَرة , كالمناسبة أو السَّبْر والتقسيم أو الدوران كما تقدم (٧).
رابعا: قد يثبت الحُكْم بالنصّ , ويدل ظاهر النصِّ على تعليل الحُكْم بوصفٍ ما, فينعقد الإجماع على حذف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار,
стр. 330
ويُناط الحُكْم بالمعنى الأعم؛ لأن الوصف المذكور ليس عِلَّةً لذاته بل لما يلازمه.
وتُعَدُّ هذه الصورة إحدى صور الاجتهاد في تنقيح المناط كما تقدم (١).
ويُشْتَرط في صحة هذا النوع من التصرُّف الاجتهادي: أن لا يرجع الوصف المستنبط - العِلَّة- على حُكْم الأصل بالإبطال (٢).
وذلك حتى لا يفضي إلى ترك الراجح واعتبار المرجوح؛ إذ الظنُّ المستفاد من النصِّ أقوى من المستفاد من الاستنباط؛ لأنه فرعٌ لهذا الحكم، والفرع لا يرجع على إبطال أصله، وإلا لزم أن يرجع إلى نفسه بالإبطال (٣).
ومثاله: قوله ﷺ : " لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (٤).
قال النووي: " ذهب العلماء كافَّةً من الطوائف كلِّها إلى أن الحَجَر ليس متعيناً , بل تقوم الخِرَق والخشب وغير ذلك مقامَه , وأن المعني فيه كونه مزيلاً , وهذا يحصل بغير الحَجَر ... ويدل على عدم تعيين الحجر نهيه ﷺ عن العظام والبَعَر والرجيع , ولو كان الحَجَر متعيناً لنهى عما سواه مطلقاً ... " (٥).
والضابط في ذلك: " كلُّ جامدٍ طاهرٍ مُزيلٍ للعين ليس له حُرْمَة ولا هو جزءٌ من حيوان " (٦).
قال المرداوي: " وهو استنباطٌ يعود بالتعميم، كما في " وليستنج بثلاثة أحجار " يُعَمَّم في الخِرَق ونحوها، وفي " لا يقضي القاضي وهو غضبان " يُعمَّم في كلِّ ما يشوش الفكر، ولا يعود بالإبطال" (٧).
стр. 331
وقال الإسنوي: " يجوز أن يُستنَبط من النصِّ معنىً يزيد على ما دل عليه، وهذا هو القياس المعروف .. " (١).
ثم خرَّج على هذا الأصل مسألة: " جواز الاستنجاء بكلِّ جامدٍ طاهرٍ قالِعٍ غيرِ مُحْتَرمٍ استنبطوه من قوله ﵇: " وليستنج بثلاثة احجار" (٢).
خامسا: قد يثبت الحُكْم بالنصّ , ويدل ظاهر النصِّ على تعليل الحُكْم بالأوصاف المذكورة فيه , وينعقد الإجماع على حذف الأوصاف التي عُلم قطعاً أنه لاتأثير لها في الحكم, ثم يقع الاختلاف في حذف الأوصاف المظنونة التي تحتمل التأثير وعدمه, وتعيين الباقي مناطاً للحكم.
وتُعَدُّ هذه الصورة إحدى صور الاجتهاد في تنقيح المناط كما تقدم (٣).
ومثاله: قصة الأعرابي الذي جامع أهله في رمضان، وجاء يضرب صدره وينتف شعره - كما في بعض الروايات - ويقول: هلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي ﷺ : "أعتق رقبة" (٤).
فكونه أعرابياً، وكونه يضرب صدره، وينتف شعره، وكون الموطوءة زوجته، وكونه وَاَقَع أهله في ذلك الشهر بعينه، كُلُّها أوصافٌ عُلِم قطعاً أنها لا تصلح للعِلِّية، فانعقد الإجماع على حذفها عن درجة الاعتبار، ثم وقع الاختلاف في كونه أفسد صوماً محترماً، أو كونه وقاعُ مكلَّفٍ في نهار رمضان (٥).
قال الغزالي: " فإنَّا نُلْحِق به أعرابياً آخر بقوله ﵇: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» (٦) أو بالإجماع على أن التكلَّيف يَعمُّ الأشخاص، ولكنَّا
стр. 332
نُلْحِق التركي والعجمي به؛ لأنَّا نعلم أن مناط الحُكْم وقاع مكلفٍ لا وقاع أعرابي، ونُلْحِق به مَنْ أفطر في رمضان آخر؛ لأنَّا نعلم أن المناط هَتْكُ حُرْمَة رمضان لا حُرْمَة ذلك الرمضان، بل نُلْحِق به يوماً آخر من ذلك الرمضان, ولو وطئ أَمَتَه أوجبنا عليه الكفارة؛ لأنَّا نعلم أن كون الموطوءة منكوحةً لا مدخل له في هذا الحُكْم، بل يُلْحَق به الزنا؛ لأنه أشدُّ في هتك الحُرْمَة، إلا أن هذه الحالات معلومة ... وقد يكون حذف بعض الأوصاف مظنوناً فينقدح الخلاف فيه، كإيجاب الكفارة بالأكل، والشرب؛ إذ يمكن أن يقال: مناط الكفارة كونه مُفْسِداً للصوم المُحْتَرَم، والجماع آلة الإفساد، كما أن مناط القصاص في القتل بالسيف كونه مُزْهِقاً روحاً مُحْتَرَمَة، والسيف آلة، فيُلْحَق به السِّكِّين، والرُّمح، والمُثَقَّل، فكذلك الطعام، والشراب آلة، ويمكن أن يقال: الجماع مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان شهوته لمجرد وازع الدين، فيُحتَاج فيه إلى كفارةٍ وازعةٍ بخلاف الأكل, وهذا مُحْتَمَل." (١).
سادسا: قد يثبت الحُكْم الشرعي , ويثبت مناطه بطريقٍ من الطرق المُعْتَبَرة , ثم ينعقد الإجماع على تحقُّق ذلك المناط في بعض جزئياته (٢).
وانعقاد الإجماع على إثبات متعلَّق حُكمٍ شرعي في بعض أفراده هذا يستلزم الاتفاق على ثلاثة أشياء:
الأول: الاتفاق على حُكْم الأصل.
الثاني: الاتفاق على مناط الحُكْم في الأصل.
الثالث: الاتفاق على ثبوت مناط الحُكْم في ذلك الفرع.
ومثاله: اتفاق المجتهدين على تحريم وطء الحائض؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وهو اتفاقٌ منهم على حُكْم الأصل، ثم اتفقوا على أن
стр. 333
مناط الحُكْم في ذلك هو: القذر والنجاسة، ثم اتفقوا على أن هذا المناط - وهو القذر والنجاسة - موجودٌ في النفاس، وهو إتفاقٌ منهم على ثبوت مناط الحُكْم في ذلك الفرع (١).
стр. 334
المبحث الرابع
علاقة الاجتهاد في المناط بالقياس
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالقياس , وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف القياس لغةً واصطلاحاً .
القياس في اللغة: التقدير والتسوية.
يقال: قاس الشيئ بغيره , إذا قدّره على مثاله, وساواه به (١).
أما القياس في الاصطلاح فقد اختلف الأصوليون في تعريفه بناءً على اختلافهم في اعتبار أنه من فعل المجتهد , أو أنه دليلٌ بذاته , نظر المجتهد فيه أو لم ينظر؟
فمن ذهب إلى أن القياس عمل المجتهد عبَّر في تعريفه ب"الحمل" أو "الإثبات" أو " الإلحاق " ومافي معناه , ومن أشهر التعريفات بناءً على ذلك مايأتي:
- عرَّفه الباقلاني بأنه: " حمل معلومٍ على معلومٍ في إثبات حُكْمٍ لهما أو نفيه عنهما بأمرٍ جامعٍ بينهما من إثبات حُكْمٍ أو صفةٍ أو نفيهما عنهما" (٢).
- وعرَّفه البيضاوي بأنه: " إثبات حُكْمِ معلومٍ في معلومٍ آخر لاشتراكهما
стр. 335
في عِلَّة الحُكْم عند المُثْبِت" (١).
- وعرَّفه ابن السُّبكي بأنه: " حملُ معلومٍ على معلومٍ لمساواته في عِلَّة حُكْمِه عند الحامِل" (٢).
ومن ذهب إلى أن القياس دليلٌ بذاته , نصبه الشارع للدلالة على الحُكْم , سواءٌ نظر فيه المجتهد أم لم ينظر , عبَّر في تعريفه ب" الاستواء" أو " المساواة" , ومن أشهر التعريفات بناءً على ذلك ما يأتي:
- عرَّفه الآمدي بأنه: " الاستواء بين الفرع والأصل في العِلَّة المُستْنَبطة من حُكْم الأصل " (٣).
- وعرَّفه ابن الحاجب بأنه: " مساواة فرعٍ لأصلٍ في عِلَّة حُكْمِه " (٤).
والفرق بين الاتجاهين: أن أصحاب الاتجاه الأول اعتبروا الدليل هو إثبات المساواة بين الفرع والأصل في عِلَّة الحُكْم وإظهارها, بينما اعتبر أصحاب الاتجاه الثاني أن الدليل هو المساواة ذاتها بين الفرع والأصل في عِلَّة الحُكْم , وليس الدليل هو إظهار المساواة بينهما الذي يُعْتَبر عمل المجتهد لا دليل الحُكْم , ودليل الحُكْم يلزم أن يكون ثابتاً في نفسه , نظر فيه المجتهد أم لم ينظر كالنصّ؛ لأنه يسبق عمل المجتهد (٥).
والأظهر أن القياس تصرُّفٌ اجتهاديٌّ مبنيٌّ على دليلٍ مُعتبَرٍ بذاته , كالكتاب أو السُنَّة أو الإجماع , فهو طريق الحُكْم , وليس دليله.
فالقياس مُظْهِرٌ للحُكْم وليس مُثْبِتاً له, والمُثْبِت له هو دليل الأصل؛ حيث إن القياس يُظْهِر المساواة بين الفرع والأصل في عِلَّة الحُكْم , ودليل
стр. 336
الأصل هو المُثْبِت للحُكْم , ولولا دليل الأصل لكان ذلك إثباتاً للشرع بالتحَكُّم (١).
ثم إن المساواة بين الفرع والأصل في عِلَّة الحُكْم إذا لم تظهر لم يُعْتَبر ذلك قياساً؛ لأنها خفيَّةٌ لم تُعْلَم , فالمساواة هي الأصل الذي بَنَى عليه القائس تصرَّفه الاجتهادي , والمجتهد لايعطي حُكْمَاً بمجرَّد نظره , بل يتبيَّن المساواة بين الفرع والأصل في عِلَّة الحُكْم , وذلك بالطرق المُعْتَبرة شرعاً, فإذا ثبتت عنده المساواة أظهرها وأثبتها, وألْحَقَ الفرع بالأصل في حُكْمِه.
قال التفتازاني: " واعلم أن القياس وإن كان من أدلة الأحكام مثل الكتاب والسُّنَّة لكن جميع تعريفاته واستعمالاته منبئٌّ عن كونه فعل المجتهد , فتعريفه بنفس المساواة محلُّ النظر" (٢).
والأظهر " أن أكثر الأصوليين إنما عرَّفوه بما هو فعل المجتهد, وإن كان الدليل في الحقيقة هو الاشتراك في العِلَّة؛ لأن جميع استعمالاته تنبئ عن كونه فعل المجتهد , ولعل السِرَّ في كونه استُعمِل كذلك أنه بهذا الاعتبار هو محلُّ القبول والردّ , وأما مجرَّد المساواة من غير نظر المجتهد فلا اعتداد بها, ولا يترتَّب عليها شيء" (٣).
ومما يدل على ذلك:
- ماثبت عن النبي ﷺ أنه لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: بم تَحْكُم؟ قال: بكتاب الله, قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: بسُنَّة رسول الله, قال: فإن لم تجد في سُنَّة رسول الله؟ قال: أجتهدُ رأيي ولا آلو, فقال ﷺ : الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضاه رسولُ الله ﷺ " (٤).
- ما جاء في كتاب عمر بن الخطاب ﵁ لأبي موسى الأشعري قوله:
стр. 337
" الفهمَ الفهمَ فيما أُدلي إليك مما ليس في قرآنٍ ولا سُنَّة, ثم قِس الأمور عند ذلك, واعرف الأمثال والأشباه , ثم اعمد فيها إلى أحبِّها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق" (١).
والمقايسة عبارةٌ عن إلحاق ماليس فيه نصٌّ بما فيه نصٌّ لجامعٍ مشتركٍ بينهما, وهذا الإلحاق تصرُّفٌ اجتهاديٌّ مبنيٌّ على أدلةٍ شرعيَّةٍ مُعتبَرةٍ ثبت معها -عند المجتهد- الاستواء بين الفرع والأصل في عِلَّة الحُكْم , وهو اجتهادٌ في موجِب الكتاب والسُنَّة والإجماع (٢).
والقياس تصرُّفٌ اجتهاديٌّ يدخل في قوله ﵁: " أجتهدُ رأيي" , وقد نسبه إلى فعله , فدلَّ ذلك على أنه فعل المجتهد باعتباره مُظْهِراً للحُكْم لا دليلاً مستقلاً بذاته.
- إن ثمرة القياس هي ثبوت مثل حُكْم الأصل في الفرع , وذلك لاشتراكهما في عِلَّة الحُكْم , وهذا يستلزم إثباتَ عِلَّة الحُكْم في الأصل أوَّلاً , ثم إثبات وجودها في الفرع ثانياً , ولايتم ذلك إلا بالاجتهاد الذي يتبيَّن به القائسُ ثبوتَ الاشتراك في العِلَّة بين الأصل والفرع.
ولهذا نلحظ المهرة من الأصوليين كالبيضاوي , وابن السُّبكي , في تعريفهم للقياس " يعلِّلون الإثبات أو الحمل بما هو الدليل في الحقيقة , وهو المساواة في العِلَّة " (٣).
وبناءً على ذلك فإن من أدقِّ التعريفات للقياس أن يقال هو: " إثباتُ مثلِ حُكْمِ معلومٍ لمعلومٍ آخر لأجل اشتراكهما في عِلَّة الحُكْم عند المُثْبِت" (٤).
فقوله: "إثبات" يراد به المُشترَك بين العلم والظنِّ والاعتقاد؛ لأنَّا إذا
стр. 338
أثبتنا حُكْمَاً بالقياس، فقد يعلم المجتهد ثبوت ذلك الحُكْم في الفرع قطعاً، وقد يظنّه ظنَّاً، وقد يعتقده اعتقاداً، والعلم والظن والاعتقاد مشترِكةٌ في كونها إثباتاً (١).
وقوله: "مثل حُكْمِ معلومٍ" لأن حُكْم الفرع ليس هو نفس حُكْم الأصل، إذ الحُكْم وصفٌ لمحلِّه، ووصف أحد المحلِّيْن ليس وصفاً للآخر، فتحريم الخمر ليس هو نفس تحريم النبيذ، بل هو مثله (٢).
وقوله: "حُكْمِ معلومٍ لمعلوم" ليتناول الموجود والمعدوم، ولم يقل: حُكْم شيءٍ لشيء؛ لئلا يختصَّ بالموجود على أصل أن المعدوم ليس بشيء، والقياس الشرعي جارٍ في الموجود والمعدوم والمُثْبَت والمنفي (٣).
وقوله: "لاشتراكهما في عِلَّة الحكم" ظاهر؛ لأن القياس لايوجد بدون عِلَّة , واحتُرِز بذلك عن إثبات مثل حُكْمِ معلومٍ في معلومٍ آخر لا للاشتراك في العِلَّة, بل لدلالة نصٍّ أو إجماعٍ فإنه لا يكون قياساً (٤).
وقوله: "عند المُثْبِت" ليشمل القياس الصحيح والفاسد؛ وذلك لأن العِلَّة قد تكون منصوصةً، وقد تكون مُستنبَطةً، كعِلَّة الرِّبا المُستخْرَجة من تحريم الرِّبا في الأعيان الستة بطريق تخريج المناط، وهل هي الكيل، أو الطعم، أو الوزن، أو الاقتيات؟ وقد ذهب إلى كلِّ واحدةٍ منها بعض المجتهدين، ومراد الشرع إنما هو واحدةٌ منها، فلو اقتصرنا على قولنا: "لاشتراكهما في عِلَّة الحكم " لكان بتقدير أن تكون العِلَّة المرادة من الحديث هي الكيل، يكون التعليل بغيرها قياساً فاسداً خارجاً عن الحدِّ المذكور؛ لأنه بغير العِلَّة المرادة للشارع، فإذا قلنا: لاشتراكهما في عِلَّة الحُكْم عند المُثْبِت- وهو القائس- كان إثبات كلِّ مجتهدٍ للحُكْم بالوصف الذي رآه عِلَّةً قياساً شرعياً داخلاً في الحدِّ المذكور (٥).
стр. 339
ورغم كثرة تعريفات الأصوليين للقياس إلا أنها ترجع إلى معنىً واحد , وهو إلحاق الفرع بالأصل في حكمه لاشتراكهما في عِلَّة الحُكْم.
قال ابن السمعاني: " وقد بسط بعضهم هذا الحدَّ فقال: القياس طلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوص عليها بالعلل المُستنْبَطة من معانيها؛ ليُلْحَق كلَّ فرعٍ بأصله حتى يشركه في حكمه لاستوائهما في المعنى , والجمع بينهما بالعِلَّة " (١).
وقال الطوفي: " والعبارات في تعريف القياس كثيرة، وحاصلها يرجع إلى أنه اعتبار الفرع بالأصل في حكمه " (٢).
وسواءٌ قيل إنه دليل الحُكْم بذاته أو طريق الحُكْم , فالقياس دليلٌ شرعيٌّ مُعتَبرٌ إما في ذاته , أو بالنظر إلى مايؤؤل إليه (٣).
المطلب الثاني: حُجِّية القياس .
ذهب الصحابة , والتابعون ,وأكثر الفقهاء والمتكلمين , إلى القول بحُجِّية القياس , ووقوعه في الشرعيات (٤).
قال إمام الحرمين الجويني: " ذهب علماء الشريعة وأهل الحل والعقد إلى أن التعبُّد بالقياس في مجال الظنون جائزٌ غير ممتنع". (٥).
وقال الغزالي: " والذي ذهب إليه الصحابة ﵃ بأجمعهم، وجماهير الفقهاء والمتكلمين بعدهم ﵏ وقوع التعبُّد به شرعاً " (٦).
وقال الآمدي: "وبه قال السلف من الصحابة , والتابعين , والشافعي ,
стр. 340
وأبو حنيفة , ومالك, وأحمد بن حنبل , وأكثر الفقهاء والمتكلمين" (١).
وأنكر الظاهرية حجيَّة القياس , والتعبُّد به في الشرعيات (٢).
والمقصود بالحجية - هنا-: وجوب العمل شرعاً بمقتضى القياس في حقِّ المجتهد والمقلِّد.
وقال الفخر الرازي: " المراد من قولنا القياس حُجَّةً أنه إذا حصل ظنٌّ أن حُكْم هذه الصورة مثل حُكْم تلك الصورة فهو مكلَّفٌ بالعمل به في نفسه , ومكلَّفٌ بأن يُفْتِىَ به غيرَه " (٣).
وقد استدل الأصوليون على إثبات حجيَّة القياس بالكتاب , والسُّنَّة , والإجماع , والمعقول , وأكثرها لايسلم من اعتراضاتٍ واحتمالاتٍ بعضها له حظٌّ من النظر , وسأكتفي بأقواها دلالةً على المطلوب, وهو إجماع الصحابة على العمل بالقياس في الوقائع التي لا نصَّ فيها , وتكرُّر العمل به , واشتهار ذلك بينهم من غير نكير (٤).
وقد اقتصر إمام الحرمين الجويني على الاحتجاج به في إثبات وقوع التعبُّد بالقياس في الشرعيات (٥).
وقال الفخر الرازي: " وهو الذي عوَّل عليه جمهور الأصوليين" (٦).
ولما ساق الآمدي أدلة المثبتين للقياس وذكر دليل الإجماع قال: " وهو أقوى الحجج في هذه المسألة " (٧).
стр. 341
وقال صفي الدين الهندي: " هو المعول عليه لجماهير المحققين من الأصوليين" (١).
وقال الإسنوي: " وهذا الدليل - أي: الإجماع- هو الذي ارتضاه ابن الحاجب وادَّعى ثبوته بالتواتر، وضعَّف الاستدلال بما عداه" (٢).
والوقائع والأقضية التي استند الصحابة ﵃ فيها إلى الاجتهاد بالقياس كثيرةٌ يصعب حصرها.
قال إمام الحرمين الجويني: " نحن نعلم قطعاً أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتهم تزيد على المنصوصات زيادةً لا يحصرها عدٌّ ولا يحويها حدٌّ , فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سَنَة، والوقائع تترى والنفوس إلى البحث طلعة , وما سكتوا عن واقعةٍ صائرين إلى أنه لا نصَّ فيها، والآيات والأخبار المشتملة على الأحكام نصَّاً وظاهراً , بالإضافة إلى الأقضية والفتاوى كغرفةٍ من بحرٍ لا يُنْزَف، وعلى قطعٍ نعلم أنهم ما كانوا يحكمون بكلِّ ما يعِنُّ لهم من غير ضبطٍ وربط، وملاحظة قواعد متَّبَعةٍ عندهم , وقد تواتر من شيمهم أنهم كانوا يطلبون حُكْم الواقعة من كتاب الله تعالى , فإن لم يصادفوه فتَّشوا في سنن رسول الله ﷺ , فإن لم يجدوها اشتوروا ورجعوا إلى الرأي" (٣).
ومن ذلك: رجوع الصحابة إلى اجتهاد أبي بكر ﵁ في أخذ الزكاة من بني حنيفة، وقتالهم على ذلك قياساً على الصلاة (٤).
ومن ذلك: قياس أبي بكر ﵁ تعيين الإمام بالعهد على تعيينه بعقد البيعة، حتى إنه عهد إلى عمر ﵁ بالخلافة ووافقه على ذلك الصحابة (٥).
ومن ذلك: ما روي عن عمر - رضى الله عنه - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري:
стр. 342
" اعرف الأشباه والأمثال ثم قِس الأمور برأيك " (١).
ومن ذلك قول علي ﵁ في حدِّ شارب الخمر: " «إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدُّوه حدَّ المفترين» (٢) وفيه قياس حدِّ الشارب على القاذف (٣).
قال الآمدي: " إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تُحصَى، وذلك يدل على أن الصحابة مثَّلوا الوقائع بنظائرها وشبَّهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعضٍ في أحكامها، وأنه ما من واحدٍ من أهل النظر والاجتهاد منهم إلا وقد قال بالرأي والقياس, ومن لم يوجد منه الحُكْم بذلك فلم يوجد منه في ذلك إنكار، فكان إجماعاً سكوتياً وهو حُجَّةٌ مغلَّبَةٌ على الظنَّ، وإنما قلنا إنهم قالوا بالرأي والقياس في جميع هذه الصور، وذلك لا بدَّ لهم فيها من مستندٍ وإلا كانت أحكامهم بمحض التشهي والتحُكُّم في دين الله من غير دليل، وهو ممتنع، وذلك المستند يمتنع أن يكون نصَّاً، وإلا لأظهر كلُّ واحدٍ ما اعتمد عليه من النصّ ; إقامةً لعذره وردَّاً لغيره عن الخطأ بمخالفته على ما اقتضته العادة الجارية بين النُّظَّار، ولأن العادة تحيل على الجمع الكثير كتمان نصٍّ دعت الحاجة إلى إظهاره في محلِّ الخلاف, وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حُكْمٍ في واقعةٍ بناءً على نصّ، فإنه لا يمتنع اتفاقهم على عدم نقله بناءً على الاكتفاء في ذلك الحُكْم بإجماعهم، ولو أظهروا تلك النصوص واحتجُّوا بها لكانت العادة تحيل عدم نقلها، فحيث لم تُنْقَل دلَّ على عدمها، وإذا لم يكن نصَّاً تعيَّن أن يكون قياساً واستنباطاً" (٤).
والقياس يقتضي ردَّ الواقعات فيما لانصَّ فيه إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ مما فيه نصّ , وهو امتثالٌ لقوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 343
و" ليس يخلو أمْرُ الله تعالى بالرد إلى كتابه وسُنَّة نبيه عند التنازع من أحد ثلاثة معانٍ: إما أن يكون أمراً بردِّ المُتنازَع فيه إلى ما نصَّ الله عليه في كتابه ورسوله في سُنَّته لا إلى غير ذلك , فأيُّ منازعةٍ وأي اختلافٍ يقع فيما قد تولَّى الله ورسوله الحُكْم فيه نصَّاً , فهذا لا معنى له، أو يكون أمراً بردِّه إلى ما ليس له بنظيرٍ ولا شبيه , ولا خلاف أن ذلك لا يجوز أو يكون أمراً بردِّه إلى جنسه ونظيره مما قد تولَّى الله ورسوله الحُكْم فيه نصَّاً فيُستَدل بحكمه على حكمه , ولا وجه للردِّ إلى غير هذا المعنى؛ لفساد القسمين الأولين, وأن لا رابع لما ذكرناه" (١).
وما نُقِل عن بعض الصحابة مما يُستَدل به على إنكار العمل بالرأي والقياس فهو محمولٌ على القياس الباطل الذي يخالف الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع أو القواعد الشرعيَّة, أما ما كان مستوفياً لأركانه وشروطه فهو من القياس المُعتبَر شرعاً (٢).
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالقياس .
يُعْتَبر دليل القياس أوثق الأدلة الشرعيَّة صلَةً بالاجتهاد في المناط , وتظهر هذه العلاقة الوثيقة بينهما في جوانب عديدة , من أهمها مايأتي:
أولا: الاجتهاد في المناط بأنواعه الثلاثة يُعْتَبر أهم مُتَعَلَّقات النظر والاستدلال في القياس، ومرجع ذلك إلى أمرين:
الأول: أن الاجتهاد في المناط هو المقدمة الضرورية لإجراء القياس.
والثاني: أن النظر في كلِّ الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط يتوجّه إلى أهم ركنٍ من أركان القياس وهو " العِلَّة ".
стр. 344
وتوضيح ذلك على النحو الآتي:
أما كون الاجتهاد في المناط هو المقدمة الضرورية للقياس فذلك لأن القياس يتوقف على مقدمتين:
المقدمة الأولى: إثبات العِلَّة في حُكْم الأصل بمسلكٍ من مسالك العِلَّة المُعْتَبرة.
والمقدمة الثانية: إثباتُ عِلَّة حُكْم الأصلِ في الفرع.
فإن ثبتت العِلَّة في حُكْم الأصل بالنصِّ مع أوصافٍ أخرى لا تأثير لها في الحكم تعلَّق النظر فيها - حينئذٍ- بتنقيح المناط، وإن ثبتت العِلَّة في حُكْم الأصل بالاستنباط تعلَّق النظر فيها بتخريج المناط، وبهذا تتقرر المقدمة الأولى.
ثم إذا ثبتت العِلَّة في حُكْم الأصل بالنصِّ أو الإجماع أو الاستنباط كما في المقدمة الأولى فالنظر فيها بعد ذلك يتعلَّق بالتحقُّق من وجودها في الفرع وهو تحقيق المناط، وبهذا تتقرر المقدمة الثانية بعد تقرر الأولى.
قال الفخر الرازي: " واعلم أن الجمع بين الأصل والفرع تارةً يكون بإلغاء الفارق والغزالي يسميه تنقيح المناط , وتارةً باستخراج الجامع , وهاهنا لابدَّ من بيان أن الحُكْم في الأصل مُعلَّلٌ بكذا , ثم من بيان وجود ذلك المعنى في الفرع , والغزالي يُسمِّي الأول تخريج المناط , والثاني تحقيق المناط " (١).
ومن خلال النظر في هاتين المقدمتين يتضح أن المقدمة الأولى لابدَّ أن تتضمن تنقيح المناط أو تخريج المناط، وأن المقدمة الثانية لابدَّ فيها من تحقيق المناط.
فإذا ثبتت المقدمة الأولى ثم ثبتت المقدمة الثانية أجرى المجتهد القياس، فأثْبَتَ مثلَ حُكْم الأصل في الفرع؛ لاشتراكهما في عِلَّة الحُكْم.
стр. 345
ومن هذا الوجه يُعْتَبر الاجتهاد في المناط المقدمة الضرورية لإجراء القياس.
أما كون الاجتهاد في المناط يتعلَّق بالنظر في أهم ركنٍ من أركان القياس فذلك لأن الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط تشترك كلها في أنها تَرِدُ على العِلَّة، إما لتنقيحها إذا كانت العِلَّة منصوصةً واقترن بها من الأوصاف ما يصلح للعلية وما لا يصلح، أو لتخريجها إذا كانت العِلَّة مُسْتنبَطة، أو لتحقيقها في الفرع سواءً ثبتت العِلَّة في حُكْم الأصل بالنصِّ أو الإجماع أو الاستنباط.
وقد ذكر الأصوليون الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط ضمن مباحث العِلَّة، وصرَّحوا بأن المقصود بـ" المناط" في اصطلاحهم - هنا - العِلَّة واعتبروه أحد إطلاقاتها كما تَقَدَّم (١).
والعِلَّة أهم ما يُعْتَنَى به في باب القياس على الإطلاق؛ لأنها ركن القياس الأعظم، وهي الطريق الموصل إلى أحكام الوقائع المتجدِّدة التي لا حصر لها (٢).
ولا ريب أن القول بعدم اعتبار العلل الشرعيَّة قولٌ يفضي إلى تعطيل الشريعة في الأزمنة المتجدِّدة؛ لأنه لابدَّ من حدوث وقائع لا تكون منصوصاً على حكمها، وعند ذلك إما أن يُتْرَكَ الناسُ فيها مع أهوائهم، وهو خلاف المقصود من إنزال الشرائع والتعبُّد بها، أو يُنْظَرَ فيها بغير اعتبارٍ للمعاني والأوصاف التي أناط الشارع الأحكام بها، فيُجْمَعُ بين المُختلِفات ويُفرَّقُ بين المتماثلات، وهو مناقضةٌ لقصد الشارع، وإهدارٌ للمعاني التي علَّقت الشريعة الأحكام بها وجوداً وعدماً، ومجانبةٌ للعدل الذي أنزل الله به الكتب وأرسل من أجله الرسل.
قال ابن تيمية: " القياس الصحيح حقيقته التسوية بين المتماثلين، وهذا هو العدل الذي أنزل الله به الكتب، وأرسل به الرسل، والرسول لا يأمر
стр. 346
بخلاف العدل، ولا يَحْكُم في شيئين متماثلين بحكمين مختلفين، ولا يُحرِّم الشيء ويُحِلُّ نظيره " (١).
وقال ابن القيم: " وهل إبطالُهُ الحِكَم والمناسباتِ والأوصافَ التي شُرِعَت الأحكام لأجلها إلا إبطالٌ للشرع جملة، وهل يُمْكِنُ فقيهاً على وجه الأرض أن يتكلَّم في الفقه مع اعتقاده بطلان الحكمة والمناسبة والتعليل وقصد الشارع بالأحكام مصالح العباد؟ وجناية هذا القول على الشرائع من أعظم الجنايات " (٢).
وقال الشاطبي: " الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، فلابدَّ من حدوث وقائع لا تكون منصوصاً على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك فإما أن يُتْرَكَ الناسُ فيها مع أهوائهم أو يُنْظَرَ فيها بغير اجتهادٍ شرعي، وهو - أيضاً- اتباعٌ للهوى، وهو معنى تعطيل التكليف لزوماً .. " (٣).
ولهذا فإن للاجتهاد في المناط أهميةً بالغة، حيث تعلَّق النظر والاستدلال في أنواعه الثلاثة بالأوصاف والمعاني التي أناط الشارع الأحكام بها وجوداً وعدماً، وذلك من خلال تنقيح العلل المنصوصة التي اقترنت بها أوصافٌ بعضها يصلح للعِلِّية وبعضها لا يصلح، واستخراج العلل المُستنْبَطة، ثم إثبات وجودها في الفروع وآحاد الصور والجزئيات غير المتناهية , و" العِلَّة" أهم ركنٍ من أركان القياس.
ثانياً: القياس تارةً يكون بذكر الجامع , وتارةً يكون بإلغاء الفارق، وإلغاء الفارق من صور تنقيح المناط كما تقدم (٤).
وبناءً على ذلك اعتبر جمهور الأصوليين الاجتهاد في تنقيح المناط من القياس (٥).
стр. 347
قال صفي الدين الهندي: " والحقُّ أن تنقيح المناط قياسٌ خاصٌّ مندرجٌ تحت مُطْلَق القياس، وهو عامٌّ يتناوله وغيرَه " (١).
واصطلح الحنفية على تسميته بـ" الاستدلال "، أو "دلالة النص", وفرَّقوا بينه وبين القياس: بأن القياس يجري فيه إلحاق الفرع بالأصل بذكر الجامع الذي لا يفيد إلا غَلَبَة الظن، أما الاستدلال فيكون بإلغاء الفارق لما ثبت عِلَّته بالنصِّ بحذف خصوص عِلَّةً النصِّ، وهذا يفيد القطع، فيكون أقوى من القياس، فلذا أجروه مجرى القطعيات في النسخ به ونسخه (٢).
وقال الإسنوي: " وهذا النوع عند الحنفية يُسَمُّونه بالاستدلال، وليس عندهم من باب القياس " (٣).
وقد عقَّب صفي الدين الهندي على ذلك بقوله: " والحقُّ أن تنقيح المناط قياسٌ خاصٌّ مندرجٌ تحت مُطْلَق القياس، وهو عامُّ يتناوله وغيره، وكلُّ واحدٍ من القياسين- أعني ما يكون الإلحاق بذكر الجامع وبإلغاء الفارق - يُحْتَمَلُ أن يكون ظنياً وهو الأكثر؛ إذ قلما يوجد الدليل القاطع على أن الجامع عِلَّة، أو أن ما به الامتياز لا مدخل له في العِلِّية، وقد يكون قطعياً بأن يوجد ذلك فيه، نعم حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من الذي فيه الإلحاق بذكر الجامع، لكن ليس ذلك فرقاً في المعنى بل في الوقوع، وحينئذٍ ظهر أنه لا فرق بينهما في المعنى" (٤).
وذهب الأبياري وابن تيمية إلى أن " تنقيح المناط " خارجٌ عن باب القياس المتنازع فيه، وهو راجعٌ إلى نوعٍ من تأويل الظواهر يتناول كلَّ حُكْمٍ تعلَّق بعينٍ معينةٍ مع العلم بأنه لا يختصُّ بها، فيحتاج أن يعرف المناط الذي تعلَّق به ذلك الحُكْم.
стр. 348
قال الأبياري: " هو خارجٌ عن القياس، وكأنه يرجع إلى تأويل الظواهر" (١).
وقال ابن تيمية: " وهذا بابٌ واسع، وهو متناولٌ لكلِّ حُكْمٍ تعلَّق بعينٍ معينةٍ مع العلم بأنه لا يختصُّ بها، فيحتاج أن يُعَرْف المناط الذي يتعلَّق به الحُكْم، وهذا النوع يُسَمِّيه بعض الناس قياساً، وبعضهم لا يُسَمِّيه قياساً، ولهذا كان أبو حنفية وأصحابه يستعملونه في المواضع التي لا يستعملون فيها القياس، والصواب أن هذا ليس من القياس الذي يمكن فيه النزاع " (٢).
ثالثاً: يعتبر الاجتهاد في تخريج المناط هو الاجتهاد القياسي الذي عظم فيه الخلاف بين العلماء.
قال الغزالي: " فهذا - أي: تخريج المناط - هو الاجتهاد الذي عَظُمَ فيه الخلاف " (٣).
وقال صفي الدين الهندي: " وهذا النوع من الاجتهاد هو القياس المختلَف فيه بين الناس " (٤).
وقال الشاطبي: "وهو- أي: تخريج المناط - الاجتهاد القياسي" (٥).
وذلك لأن عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماع عليه مُستنْبَطةٌ بأحد المسالك الاجتهادية , كالمناسبة , أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران.
والقياس الذي اُستنبِطت العِلَّة فيه بأحد المسالك الاجتهادية هو محلُّ الخلاف بين المثبتين له والنافين.
أما القياس الذي ثبت عِلَّتُه بنصٍّ أو إجماعٍ فالعمل بمعناه مَحَلُّ وفاقٍ
стр. 349
- في الجملة- عند العلماء سواءً سُمِّيَ قياساً أم لا، فالأمر في ذلك يرجع إلى الاصطلاح (١).
قال الغزالي: " ينقسم الجامع إلى معلومٍ بالنصِّ، وإلى معلومٍ بالاستنباط، فهذا لا يمنعه وضع اللغة، فإن خُصِّص بالاصطلاح فكذلك - أيضاً - لا حجر فيه ... ولكن ينبغي أن يُعْلَمَ أن حاصل الخلاف يرجع إلى أمرٍ لفظي، وإلا فَحَظُّ المعنى مُتَّفَقٌ عليه، فخرج منه: أن المُسمَّى قياساً - بالاتفاق - هو إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ بجامعٍ مُسْتَنْبَطٍ بالفكر " (٢).
ومحلُّ الاجتهاد في هذا النوع من الأقيسة هو بذل الجهد في استخراج مناط الحُكْم.
قال الحجوي: " إذا تأمت هذه الأقيسة التي تلونا عليك وجدت محلَّ الاجتهاد فيها تخريج مناط الحكم، وهو استنباط الوصف المناسب من النصِّ ليُجعَل مدارًا للحكم " (٣).
ولهذا اعتبر الأصوليون استخراج عِلَّة الحُكْم في الأصل بمسلك المناسبة هو ... " عمدة كتاب القياس" (٤)؛ لأن أكثر الأقيسة يُلْحَق فيها الفرع بالأصل لجامعٍ مُستنْبَطٍ بمسلك المناسبة الذي يُعَدُّ أهم صور الاجتهاد في تخريج المناط.
رابعاً: يُعتَبر الاجتهاد في تحقيق المناط أعمَّ من القياس.
وذلك لأن القياس يختصُّ بالعِلل سواءٌ كانت منصوصةً أو مُجْمَعاً عليها أو مُستنْبَطة , بينما تحقيق المناط يشمل ما إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، أو كان المناط قاعدةً كليَّةً ثبتت بنصٍّ أو إجماع أو
стр. 350
استنباط، أو كان مقتضى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حُكْمٌ شرعي (١).
قال الغزالي: " الحُكْم في الأشخاص التي ليست متناهيةً إنما يتمُّ بمقدمتين: كُليَّة، كقولنا: كلُّ مطعوم ربوي، وجزئيَّة، كقولنا: هذا النبات مطعومٌ أو الزعفران مطعوم، وكقولنا: كلُّ مُسْكِرٍ حرام، وهذا الشراب بعينه مُسْكِر، وكلُّ عدْلٍ مُصَدَّق، وزيدٌ عَدْل، وكلُّ زانٍ مرجوم، وماعز قد زنى فهو إذاً مرجوم، ، والمقدمة الجزئية هي التي لا تتناهى مجاريها فيضطر فيها إلى الاجتهاد لا محالة، وهو اجتهادٌ في تحقيق مناط الحكم، وليس ذلك بقياس, أما المقدمة الكليَّة فتشتمل على مناط الحُكْم وروابطه، وذلك يمكن التنصيص عليه بالروابط الكليَّة، كقوله: كلُّ مطعوم ربويٍّ بدلاً عن قوله: لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ، وكقوله: كلُّ مُسْكِرٍ حرام بدلاً عن قوله: حرّمت الخمر، وإذا أتى بهذه الألفاظ العامّة وقع الاستغناء عن استنباط مناط الحكم، واستغني عن القياس، هذا مع أنه يمكن منازعة هذا القائل بأنه لم يجب استيعاب جميع الصور بالحكم، ولم يَسْتَحِلْ خلو بعضها عن الحكم، فإنه في المقدمة الجزئية أيضا يمكن أن يُرَدَّ فيه إلى اليقين، فيقال: من تيقنتم صدقه، وما تيقنتم كونه مطعوماً أو مُسْكِراً فاحكموا به، وما لم تتيقنوا به فاتركوه على حُكْم الأصل، إلا أن هذا لا يجري في جميع الجزئيات؛ لأنه لا سبيل إلى تيقُّن صدق الشهود، وعدالة القضاة، والولاة، ولا سبيل إلى تعطيل الأحكام، وكذلك لا سبيل إلى تقديرٍ متيقَّنٍ في كفاية الأقارب، وأروش المتلفات، فإن التكثير فيه إلى حصول اليقين ربما يضرُّ بجانب الموجَب عليه كما يضرُّ التقليل بجانب الموجَب له، فالاجتهاد في تحقيق مناط الحُكْم ضرورةٌ أما في تخريج المناط وتنقيح المناط فلا" (٢).
خامساً: إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، وثبت المناط في حُكْم الأصل قطعاً , ثم ثبت وجوده كذلك في الفرع كان القياس قطعياً.
стр. 351
أما إذا ثبت المناط فيهما, أو في أحدهما ظنَّاً, كان القياس حينئذٍ ظنِّياً.
قال الفخر الرازي: "إذا اعتقدنا كون الحُكْم في محلِّ الوفاق مُعَلَّلاً بوصف , ثم اعتقدنا حصول ذلك الوصف بتمامه في محلِّ النزاع , حصل لا محالةَ اعتقاد أن الحُكْم في محلِّ النزاع مثل الحُكْم في محلِّ الوفاق , فإن كانت المقدمتان قطعيتين كانت النتيجة كذلك ,ولا نزاع بين العقلاء في صحته , أما إذا كانتا ظنيتين , أو كانت إحداهما فقط ظنيَّة , فالنتيجة تكون ظنَّيةً لا محالة " (١).
وقال القرافي: " إذا كان تعليل الأصل قطعياً، ووجود العِلَّة في الفرع قطعياً كان القياس قطعياً متفقاً عليه" (٢).
ومن صور الأقيسة القطعية:
- إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق من طريق الأولى.
كإلحاق الضرب والشتم بالتأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣].
وقد ذهب إلى ذلك: إمام الحرمين (٣) , والفخر الرازي (٤).
وذهب جمهور الحنفية (٥) , والحنابلة إلى أنه من دلالة النصِّ (٦)، واختاره الغزالي في " المستصفى " (٧) , والآمدي (٨).
وقال الغزالي بعد أن اختار كونه من اللفظ دون القياس: "ومن سمَّاه قياساً اعترف بأنه مقطوعٌ به ولا مشاحةَ في الأسامي، فمن كان القياس عنده
стр. 352
عبارةً عن نوعٍ من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة" (١).
- القطع بنفي الفارق المؤثِّر بين الأصل والفرع.
كقياس العبد على الأَمَة في تنصيف حدِّ الزنا، كما في قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
وضابط هذا النوع أنه لا يُحتَاج إلى التعرُّض للعِلَّة الجامعة , بل يُتَعَرَّض للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارقَ إلا كذا، ولا مدخلَ له في التأثير قطعاً (٢).
قال الغزالي: " فإن تطرَّق الاحتمال إلى قولنا " لا فارق إلا كذا" بأن احتمل أن يكون ثَمَّ فارقٌ آخر، أو تطرَّق الاحتمال إلى قولنا " لا مدخلَ له في التأثير " بأن احتمل أن يكون له مدخل، لم يكن هذا الإلحاق مقطوعاً به بل ربَّما كان مظنوناً" (٣).
- القياس الذي قُطِع فيه بأمرين: أحدهما أنَّ وصفاً معيَّنًا في الحُكْم هو عِلَّته قطعاً، وثانيهما: أنَّ ذلك الوصف موجودٌ في الفرع قطعاً (٤).
وأما القياس الظني فهو أن تكون إحدى المقدمتين أو كلتاهما مظنونة، كقياس السفرجل على البُرِّ في الرِّبا، فإن الحُكْم بأن العِلَّة هي الطعم ليس مقطوعاً به، لجواز أن تكون هي الكيل أو القوت (٥).
стр. 353
الفصل الثاني
علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة المختلف فيها
ويشتمل على سبعة مباحث:
المبحث الأول: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب.
المبحث الثاني: علاقة الاجتهاد في المناط بشرع مَنْ قبْلَنا.
المبحث الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بقول الصحابي.
المبحث الرابع: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان.
المبحث الخامس: علاقة الاجتهاد في المناط بالمصلحة للمرسلة.
المبحث السادس: علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع.
المبحث السابع: علاقة الاجتهاد في المناط بالعُرْف.
стр. 354
المبحث الأول
علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب , وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف الاستصحاب لغةً واصطلاحاً .
الاستصحاب لغةً: طلب الصحبة , أو المصاحبة.
يقال: استصحب الكتاب وغيره , أي: حمله ,ولازمه, ولم يفارقه، وكلُّ شيئٍ لازَمَ شيئاً فقد استصحبه (١).
قال ابن فارس: " الصَّاد والحاء والباء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على مقارنة شيءٍ ومقاربته " (٢).
والاستصحاب اصطلاحاً هو: ثبوت أمرٍ في الزمن الثاني لثبوته في الأول؛ لانتفاء ما يصلح أن يتغيَّر به الحُكْم من الأول إلى الثاني بعد البحث التام (٣).
стр. 355
وعرَّفه ابن القيم بأنه: " إستدامة إثبات ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفياً" (١).
وله تعريفاتٌ أخرى متقارِبةٌ في ألفاظها ومعانيها (٢).
وينقسم الاستصحاب إلى خمسة أقسام , وهي:
الأول: استصحاب البراءة الأصلية.
وقد يُطْلَق عليه مُسمَّى: "استصحاب العدم الأصلي",أو " استصحاب براءة الذمة" (٣) , وهو: ما دلَّ العقل على نفيه ولم يثبته الشرع بالدليل السمعي, مثل نفي وجوب صوم رجب , ونفي العقل له - هنا - مأخوذٌ من بقائه على عدمه الأصلي إلى أن يَرِدَ الدليل السمعي الناقل عنه , وليس المقصود أن يحكم فيه العقل بالنفي استقلالاً (٤).
الثاني: استصحاب الوصف المُثْبِت للحُكْم الشرعي حتى يثبت خلافه.
وقد يُطْلَق عليه أيضاً: " استصحاب الحُكْم الماضي لوجود سببه" , أو ... " استصحاب حُكْمٍ دلَّ الشرع على ثبوته ودوامه" , فكلُّ حُكْم شرعيٍّ ترتَّب على سببه الذي ربطه الشارع به , فالأصل استمراره وعدم انتفائه, إلا إذا انتفى السبب الذي ترتَّب عليه ذلك الحكم (٥).