← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37630

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

بلقاسم الزبيدي

Полный текст (610 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أما إذا ثبت المناط فيهما, أو في أحدهما ظنَّاً, كان القياس حينئذٍ ظنِّياً. قال الفخر الرازي: "إذا اعتقدنا كون الحُكْم في محلِّ الوفاق مُعَلَّلاً بوصف , ثم اعتقدنا حصول ذلك الوصف بتمامه في محلِّ النزاع , حصل لا محالةَ اعتقاد أن الحُكْم في محلِّ النزاع مثل الحُكْم في محلِّ الوفاق , فإن كانت المقدمتان قطعيتين كانت النتيجة كذلك ,ولا نزاع بين العقلاء في صحته , أما إذا كانتا ظنيتين , أو كانت إحداهما فقط ظنيَّة , فالنتيجة تكون ظنَّيةً لا محالة " (١). وقال القرافي: " إذا كان تعليل الأصل قطعياً، ووجود العِلَّة في الفرع قطعياً كان القياس قطعياً متفقاً عليه" (٢). ومن صور الأقيسة القطعية: - إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق من طريق الأولى. كإلحاق الضرب والشتم بالتأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]. وقد ذهب إلى ذلك: إمام الحرمين (٣) , والفخر الرازي (٤). وذهب جمهور الحنفية (٥) , والحنابلة إلى أنه من دلالة النصِّ (٦)، واختاره الغزالي في " المستصفى " (٧) , والآمدي (٨). وقال الغزالي بعد أن اختار كونه من اللفظ دون القياس: "ومن سمَّاه قياساً اعترف بأنه مقطوعٌ به ولا مشاحةَ في الأسامي، فمن كان القياس عنده

стр. 352

عبارةً عن نوعٍ من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة" (١). - القطع بنفي الفارق المؤثِّر بين الأصل والفرع. كقياس العبد على الأَمَة في تنصيف حدِّ الزنا، كما في قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. وضابط هذا النوع أنه لا يُحتَاج إلى التعرُّض للعِلَّة الجامعة , بل يُتَعَرَّض للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارقَ إلا كذا، ولا مدخلَ له في التأثير قطعاً (٢). قال الغزالي: " فإن تطرَّق الاحتمال إلى قولنا " لا فارق إلا كذا" بأن احتمل أن يكون ثَمَّ فارقٌ آخر، أو تطرَّق الاحتمال إلى قولنا " لا مدخلَ له في التأثير " بأن احتمل أن يكون له مدخل، لم يكن هذا الإلحاق مقطوعاً به بل ربَّما كان مظنوناً" (٣). - القياس الذي قُطِع فيه بأمرين: أحدهما أنَّ وصفاً معيَّنًا في الحُكْم هو عِلَّته قطعاً، وثانيهما: أنَّ ذلك الوصف موجودٌ في الفرع قطعاً (٤). وأما القياس الظني فهو أن تكون إحدى المقدمتين أو كلتاهما مظنونة، كقياس السفرجل على البُرِّ في الرِّبا، فإن الحُكْم بأن العِلَّة هي الطعم ليس مقطوعاً به، لجواز أن تكون هي الكيل أو القوت (٥).

стр. 353

الفصل الثاني علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة المختلف فيها ويشتمل على سبعة مباحث: المبحث الأول: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب. المبحث الثاني: علاقة الاجتهاد في المناط بشرع مَنْ قبْلَنا. المبحث الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بقول الصحابي. المبحث الرابع: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان. المبحث الخامس: علاقة الاجتهاد في المناط بالمصلحة للمرسلة. المبحث السادس: علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع. المبحث السابع: علاقة الاجتهاد في المناط بالعُرْف.

стр. 354

المبحث الأول علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب , وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي: المطلب الأول: تعريف الاستصحاب لغةً واصطلاحاً . الاستصحاب لغةً: طلب الصحبة , أو المصاحبة. يقال: استصحب الكتاب وغيره , أي: حمله ,ولازمه, ولم يفارقه، وكلُّ شيئٍ لازَمَ شيئاً فقد استصحبه (١). قال ابن فارس: " الصَّاد والحاء والباء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على مقارنة شيءٍ ومقاربته " (٢). والاستصحاب اصطلاحاً هو: ثبوت أمرٍ في الزمن الثاني لثبوته في الأول؛ لانتفاء ما يصلح أن يتغيَّر به الحُكْم من الأول إلى الثاني بعد البحث التام (٣).

стр. 355

وعرَّفه ابن القيم بأنه: " إستدامة إثبات ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفياً" (١). وله تعريفاتٌ أخرى متقارِبةٌ في ألفاظها ومعانيها (٢). وينقسم الاستصحاب إلى خمسة أقسام , وهي: الأول: استصحاب البراءة الأصلية. وقد يُطْلَق عليه مُسمَّى: "استصحاب العدم الأصلي",أو " استصحاب براءة الذمة" (٣) , وهو: ما دلَّ العقل على نفيه ولم يثبته الشرع بالدليل السمعي, مثل نفي وجوب صوم رجب , ونفي العقل له - هنا - مأخوذٌ من بقائه على عدمه الأصلي إلى أن يَرِدَ الدليل السمعي الناقل عنه , وليس المقصود أن يحكم فيه العقل بالنفي استقلالاً (٤). الثاني: استصحاب الوصف المُثْبِت للحُكْم الشرعي حتى يثبت خلافه. وقد يُطْلَق عليه أيضاً: " استصحاب الحُكْم الماضي لوجود سببه" , أو ... " استصحاب حُكْمٍ دلَّ الشرع على ثبوته ودوامه" , فكلُّ حُكْم شرعيٍّ ترتَّب على سببه الذي ربطه الشارع به , فالأصل استمراره وعدم انتفائه, إلا إذا انتفى السبب الذي ترتَّب عليه ذلك الحكم (٥).

стр. 356

ومثاله: استصحاب دوام النكاح بين زوجين بسبب عقدٍ صحيحٍ بينهما, فيُحْكَم حينئذٍ باستمراره حتى يثبت خلاف ذلك (١). الثالث: استصحاب العموم حتى يَرِدَ المُخصِّص , واستصحاب النصِّ حتى يَرِدَ الناسخ. فإذا ورد نصٌّ عامٌّ فإنه يشمل جميع الأفراد الداخلة تحته , وإذا وقع النزاع في بعض أفراده هل يدخل تحت العموم أو هو مخصوص؟ وبحث المجتهد فلم يجد المُخصِّص , فإن الأصل استصحاب حُكْم العام في المُتنازَع فيه حتى يثبت بالدليل تخصيصه (٢). قال الزركشي: " فهذا أمرُه معمولٌ به بالإجماع" (٣). ومثاله: وجوب قطع يد الزوج إذا سرق مال زوجته؛ استصحاباً للعموم الوارد في قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فالعموم يقتضي وجوب القطع في كلِّ ما يُسمَّى آخذه سارقاً (٤). وكذا كلُّ حُكْم ثبت بدليله الشرعي , فإنه يدلُّ على دوام ذلك الحُكْم واستمراره , مالم يَرِد دليلٌ آخر يُثْبِتُ نسخَه. قال السمرقندي: " استصحاب الحُكْم الثابت بظاهر العموم واجبٌ مع احتمال الخصوص , وكذا استصحاب الحُكْم الثابت بمُطْلَق النصِّ الخاصِّ واجبٌ مع احتمال المجاز والنسخ؛ وذلك لما قلنا من أن الحُكْم متى ثبت شرعاً فالظاهر بقاؤه " (٥). وهذا القسم اعتبره جمهور الأصوليين من "الاستصحاب" (٦).

стр. 357

وذهب الجويني (١) , وابن السمعاني (٢) , إلى عدم اعتباره من" الاستصحاب"؛ لأن الحُكْم ثبت فيه من جهة اللفظ في العموم , أو من جهة النصِّ في المُحْكَم , لا من جهة الاستصحاب (٣). قال ابن السمعاني: "ولا يجوز أن يُسمَّى هذا استصحاب الحال؛ لأنَّ لفظ العموم دلَّ على استغراقه جميعَ ما يتناوله اللفظ في أصل الوضع في الأعيان وفى الأزمان, فأيُّ عينٍ وُجِدت ثَبَتَ الحُكْم فيها, وأيُّ زمانٍ وُجِد ثَبَتَ الحُكْم فيه, بكون اللفظ دالَّاً عليه, ويتناوله بعمومه, فيكون ثبوت الحُكْم في هذه الصورة من ناحية العموم ,لا من ناحية استصحاب الحال" (٤). والذي يظهر أن المسألة لفظيَّةٌ اصطلاحيَّةٌ لا يترتَّب عليها حُكْمٌ كما أشار إلى ذلك الجويني بقوله: " فهذه مناقشةٌ لفظيَّةٌ؛ فإنه ثبت بالدليل القاطع قيام الدليل إلى يوم نسخه , فإن سَمَّى مسمٍّ هذا استصحاباً لم يُناقَش في لفظ , وليس مقصود الفصل منه بسبيل " (٥). الرابع: استصحاب حُكْم الإجماع في محلِّ النزاع. وهو: أن يُتَّفَق على حُكْم شرعيٍّ في حاله، ثم تتغير صفة المُجْمَع عليه، فيختلفون فيه، فيستدلُّ من لم يتغيَّر عنده الحُكْم باستصحاب الحال (٦). ومثاله: إذا استدلَّ من يقول إن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته لا تبطل صلاته؛ لأن الإجماع منعقدٌ على صحتها قبل ذلك، فاستصحب إلى أن يدلَّ دليلٌ على أن رؤية الماء مُبْطِلة (٧).

стр. 358

المطلب الثاني: حُجِّية الاستصحاب . الاستصحاب بأنواعه الثلاثة الأولى حُجَّةٌ شرعيَّة , ويجوز الاحتجاج به في النفي والإثبات مطلقاً (١). وقد ذهب إلى ذلك: جمهور الأصوليين من المالكية, والشافعية, والحنابلة, والظاهرية (٢). أمَّا النوع الرابع - وهو: استصحاب حُكْم الإجماع في محلِّ النزاع- فقد ذهب المحققون من الأصوليين إلى عدم صحة الاحتجاج به. قال ابن السُّبْكي: " فهذا ليس بحُجَّةٍ عند كافّة المحقِّقين" (٣). وذلك لأنه يؤدي إلى التسوية بين موضع الاتفاق وموضع النزاع وهما مختلفان (٤).

стр. 359

قال الزركشي: " لأن محلَّ الوفاق غير محلِّ الخلاف، فلا يتناوله بوجه، وإنما يوجب استصحاب الإجماع حيث لا يوجد صفةٌ تغيِّره، ولأن الدليل إن كان هو الإجماع فهو محالٌّ في محلِّ الخلاف، وإن كان غيره فلا مستند إلى الإجماع الذي يزعم أنه يستصحب" (١). ومن أهم الأدلة على حجيِّة الاستصحاب بأنواعه الثلاثة مايلي: أولاً: كلُّ ما تحقَّق ولم يُظَنَّ معارضٌ له فإنه يستلزم ظنَّ بقائه، والاستصحاب يفيد ظنَّ بقاء الحُكْم إلى الزمن الثاني، ، والعمل بالظنِّ واجبٌ في الشرعيات, فالاستصحاب يجب العمل به (٢). قال الفخر الرازي: " ولا معنى لكونه حُجَّةً إلا ذلك" (٣). ثانياً: إن العقلاء من الخاصَّة والعامَّة اتفقوا على أنهم إذا تحقَّقوا وجود الشيء أو عدمه، وله أحكامٌ خاصَّةٌ به، سوغوا ترتيب تلك الأحكام عليه في المستقبل من زمان ذلك الأمر، حتى إن الغائب يراسل أهله، ويراسلونه، بناءً على العلم بوجودهم، ووجوده في الماضي، ويُنْفِذ إليهم الأموال وغير ذلك، بناء على ما ذُكِر، ولولا أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، لما ساغ لهم ذلك (٤). ثالثاً: إن بقاء الباقي راجحٌ على عدمه, وإذا كان راجحاً وجب العمل به اتفاقاً وهو المدَّعى، ووجه رجحانه من وجهين, أحدهما: أن الباقي يستغني عن السبب والشرط الجديدين؛ لأن الاحتياج إليهما إنما هو لأجل الوجود، والوجود قد حصل لهذا الباقي، فلا يُحتَاج حينئذٍ إليهما, وإلا يلزم تحصيل الحاصل، بل يكفيه دوامها بخلاف الأمر الذي يحدث، فإنه لابدَّ له من سببٍ وشرطٍ جديدين فيكون عدم الباقي

стр. 360

كذلك؛ لأنه من الأمور الحادثة، وما لا يفتقر أرجح من المفتقِر، فيكون البقاء أرجح من العدم وهو المدَّعى، والثاني: أن عدم الباقي يقل بالنسبة إلى عدم الحادث؛ لأن عدم الحادث يصدق على ما لا نهاية له، وأما عدم الباقي مشروطٌ فمتناه؛ لأن عدم الباقي بوجود الباقي, والباقي متناه، وإذا كان عدم الباقي أقلَّ من عدم الحادث كان وجوده أكثر من وجوده فيكون راجحاً (١). رابعاً: لو لم يكن الظنُّ حاصلاً ببقاء ما تحقَّق، ولم يُظَنَّ له معارض، لكان الشَّكُّ في الزوجية ابتداء كالشك في بقاء الزوجية في التحريم والجواز, والتالي باطل, أما الملازمة ; فلأنه حينئذٍ لا فرق فيهما, وأما بطلان التالي فلأنّ التفرقة بينهما في التحريم والجواز ثابتةٌ بالإجماع, فإنَّ مَدَّ اليد إليها حرامٌ في الأول، بخلاف الثاني فإنه جائز. وإنما حكموا بالتحريم في الأول ; لأن الحُرْمَة ثابتةٌ قبل الشَّك، والأصل بقاء الشيء على ما كان عليه، وبالجواز في الثاني ; لأن الجواز ثابتٌ قبل الشك، والأصل بقاء الشيء على ما كان عليه (٢). المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب . تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب في جوانب عديدة, من أهمها ما يأتي: أولاً: إن المجتهد لا يأخذ بدليل الاستصحاب إلا بعد البحث التامِّ في أدلة الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس (٣). قال ابن تيمية: " إذا كان المُدْرَكُ الاستصحابَ ونفيَ الدليل الشرعي فقد

стр. 361

أجمع المسلمون، وعُلِم بالاضطرار من دين الإسلام، أنه لا يجوز لأحدٍ أن يعتقد ويفتي بموجِب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصَّة إذا كان من أهل ذلك، فإنَّ جميع ما أوجبه الله ورسوله، وحرَّمه الله ورسوله مُغيِّراً لهذا الاستصحاب، فلا يُوثَق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو من أهل ذلك" (١). وقال ابن القيم: " لايجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن لا يعرف الأدلة الناقلة" (٢). وقال الزركشي: " وهو- أي: الاستصحاب- حُجَّةٌ يفزع إليها المجتهد إذا لم يجد في الحادثة حُجَّةً خاصَّة" (٣). ولهذا يُعْتَبر الاستصحاب " آخر مدار الفتوى" (٤)، و" آخر متمسك ... الناظر" (٥) , و"آخر قَدَمٍ يخطو بها المجتهد إلى تحصيل حُكْم الواقعة" (٦). وذلك لأن " المفتي إذا سُئِل عن حادثةٍ يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السُّنَّة، ثم في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردُّد في زواله فالأصل بقاؤه، وإن كان في ثبوته فالأصل عدم ثبوته " (٧). وهذه الأدلة التي يلزم الرجوع إليها لا تثبت بها الأحكام إلا متعلِّقةً بمناطاتها, إمَّا نصَّاً أو استنباطاً , فلامناصَ -حينئذٍ- من الاجتهاد في المناط تنقيحاً وتخريجاً وتحقيقاً. قال الخطيب البغدادي: " ليس يلزمه - أي: المجتهد- الانتقال عن

стр. 362

استصحاب الحال إلا بدليلٍ شرعيٍّ ينقله عنه , فإن وجد دليلاً من أدلة الشرع انتقل عنه, سواءٌ كان ذلك الدليل نُطْقاً أو مفهوم نصٍّ أو ظاهراً؛ لأن هذه الحال إنما استصحبها لعدم دليلٍ شرعي , فأيُّ دليلٍ ظهر من جهة الشرع حَرُم عليه استصحاب الحال بعده " (١). وهذا يستلزم بذل الجهد في البحث والطلب عن معاني النصوص ومناطات الأحكام, حتى يتحقَّق للمجتهد العلمُ أو الظنُّ الغالب إما بانتفاء الدليل المغيِّر للحُكْم فيستند - حينئذٍ- إلى دليل الاستصحاب , أو بوجود الدليل الناقل عنه , فيَحْرُم حينئذٍ العمل بالاستصحاب , ويجب المصير إلى مقتضى الدليل الناقل عنه (٢). قال ابن القيم: " وبالجملة فالاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل، فإن قطعَ المستدلُّ بانتفاء الناقل قطعَ بانتفاء الحكم، كما يقطع ببقاء شريعة محمدٍ ﷺ وأنها غير منسوخة، وإن ظنَّ انتفاء الناقل أو ظنَّ انتفاء دلالته ظنَّ انتفاء النقل" (٣). وبهذا يكون الاستصحاب قطعياً إذا قُطِع بانتفاء الدليل الناقل , ويكون الاستصحاب ظنيَّاً إذا ظُنَّ انتفاء الدليل الناقل. والقطع بانتفاء الدليل المغيِّر للحُكْم , أو دعوى غلبة الظنِّ في ذلك , لا تُقبَل إلا من الباحث المجتهد المطَّلِع على مدارك الأدلة القادر على الاستقصاء. قال الغزالي: " يجوز للباحث المجتهد المطَّلِع على مدارك الأدلة القادر على الاستقصاء، كالذي يقدر على التردُّد في بيته لطلب متاعٍ إذا فتش وبالغ أمكنه أن يقطع بنفي المتاع أو يدِّعي غلبة الظنّ، أما الأعمى الذي لا يعرف البيت ولا يُبْصِر ما فيه فليس له أن يدَّعي نفي المتاع من البيت" (٤).

стр. 363

ولما ذكر ابن القيم مذاهب المنكرين للقياس وتعليل الأحكام أوضح أشنع أخطائهم التي وقعوا فيها بسبب ذلك، ومنها: " تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقّه، وجزمهم بموجبه، لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علماً بالعدم" (١). ولهذا فإن أكثر الأصوليين يذكرون الاستصحاب عقب مباحث القياس, وذلك ضمن الأدلة المختلف فيها (٢). ثانياً: إذا رتَّب المجتهد حكماً شرعياً بالنظر إلى تحقُّق مناطه في بعض أفراده، فالأصل دوامه واستمراره وتكرُّره بتكرُّر سببه, ما لم يتخلف مناط ذلك الحُكْم أو يتغَّير سببه. فإذا تغَّيرت أوصاف الواقعة , أو أسبابها, أو احتفَّت بها أحوالٌ أخرى مؤثِّرة, لزم عدم الاستناد إلى الاستصحاب, والبحث عن حُكْمٍ يختصُّ بتلك الواقعة متعلِّقاً بمناط ذلك الحكم. وهو من استصحاب الحُكْم الذي دلَّ الشرع على ثبوته ودوامه (٣). قال الغزالي: " ومن هذا القبيل: الحُكْم بتكرُّر اللزوم والوجوب إذا تكرَّرت أسبابها , كتكرُّر شهود شهر رمضان, وأوقات الصلوات ,ونفقات الأقارب عند تكرُّر الحاجات, إذا فُهِمَ انتصاب هذه المعاني أسباباً لهذه الأحكام من أدلة الشرع إما بمجرَّد العموم عند القائلين به ,أو بالعموم وجملةٍ من القرائن عند الجميع، وتلك القرائن تكريراتٌ وتأكيداتٌ وأماراتٌ عَرَفَ حملةُ الشريعة قصدَ الشارع إلى نصبها أسباباً إذا لم يمنع مانع، فلولا دلالة الدليل على كونها أسباباً لم يجز استصحابها" (٤).

стр. 364

ولما ذكر الزركشي استصحاب الحُكْم الذي دلَّ الشرع على ثبوته ودوامه قال: " ومن صوره: تكرُّر الحُكْم بتكررُّ السبب " (١). ثالثا: استصحاب العموم حتى يَرِدَ المُخصِّص أمرٌ معمولٌ به بالإجماع, كما حكى ذلك الزركشي (٢) , والشوكاني (٣). ومن أنواع الاجتهاد في تحقيق المناط - كما تقدم - (٤): تحقيق مناط الحُكْم الثابت بنصٍّ عامٍّ في بعض أفراده الداخلة تحته. وإثبات وجود مناط ذلك الحُكْم الثابت بنصٍّ عامٍّ في بعض أفراده يستند فيه المجتهد ابتداءاً إلى استصحاب عموم النصِّ الذي ثبت به مناط ذلك الحُكْم , ولايمنع المجتهد من استصحاب ذلك العموم إلا إذا ثبت تخصيصه بدليلٍ مُعتبَر. ومثال ذلك: أن الرِّبا ثبت تحريمه بالكتاب والسُّنَّة والإجماع , ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ولفظ"الرِّبا" من ألفاظ العموم؛ لأن الألف واللاَّم لاستغراق الجنس فتفيد العموم, فيستصحب عموم هذا النصِّ مالم يَرِد مُخصِّصٌ له. واستناداً إلى هذا النوع من الاستصحاب يُجتهَد -حينئذٍ- في إثبات متعلَّق ذلك العموم في بعض أفراده الداخلة تحته , فيقال: يتحقَّق مناط تحريم الرِّبا الثابت بنصٍّ عامٍّ في ربا النسيئة , وربا الفضل , والقرض الذي جرَّ نفعاً, ونحو ذلك , حيث لم يَرِد مايخصِّص هذا الأفراد الداخلة تحت العموم بحُكْمٍ آخر (٥).

стр. 365

المبحث الثاني علاقة الاجتهاد في المناط بشرع مَنْ قَبْلَنا سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط وبشرع مَنْ قَبْلَنا , وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي: المطلب الأول: تعريف شرع مَنْ قَبْلَنا لغةً، واصطلاحاً . الشرع لغةً: قال ابن فارس: " الشين والراء والعين أصلٌ واحد، وهو شيءٌ يُفْتَح في امتدادٍ يكونُ فيه, من ذلك الشريعة، وهي مورد الشاربة الماء, واشْتُّق من ذلك الشِرْعة في الدِّين والشريعة " (١). قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ١ [المائدة: ٤٨]. وقال جل في علاه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ [الجاثية: ١٨]. والإبل الشروع: التي شرعت ورويت, ويقال: أشرعت طريقاً، إذا أنفذته وفتحته (٢). والشَّرع: نهج الطريق الواضح (٣). قال الكفوي: " والشريعة: هي مورد الإبل إلى الماء الجاري, ثم استعير

стр. 366

لكلِّ طريقةٍ موضوعةٍ بوضعٍ إلَهيٍّ ثابتٍ من نبيٍّ من الأنبياء" (١). والشرع اصطلاحاً: كلُّ ما شرعه الله من العقائد والأعمال (٢). والمقصود بشرع مَنْ قَبْلَنا في اصطلاح الأصوليين: "ما ثبت من الأحكام في شرع مَنْ مضى من الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- السابقين على بعثة نبينا ﷺ " (٣). المطلب الثاني: حُجِّيَّة شرع مَنْ قَبْلَنا . شرع مَنْ قَبْلَنا إذا ثبت بطريق الوحي في الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة ولم يقع التصريح بالتكليف به, أو إنكاره, أو نسخه: فهو حُجَّةٌ مُعتَبرةٌ في الاستدلال به على إثبات الأحكام الشرعية, ويلزم العمل بمقتضاه (٤). وقد ذهب إلى ذلك: الحنفية (٥) , والمالكية (٦) , وبعض

стр. 367

الشافعية (١) ,والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه (٢). واختاره: ابن الحاجب (٣) , وابن تيمية (٤). واستدلوا على ذلك بأدلةٍ كثيرة, ومن أقواها دلالةً على المطلوب مايأتي: أولاً: أن النبي ﷺ قضى في قصة الربيع بنت النضر بالقصاص في السِّنّ، وقال: "كتاب الله القصاص" (٥) ,وليس في القرآن: السِّنّ بالسِّنِّ إلا ما حكي فيه عن التوراة بقوله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] فدلَّ على أنه ﵊ قضى بحُكْمٍ في شرع مَنْ قَبْلَه، ولولم يكن شرعاً له لما قضى به , ولما صحَّ هذا الاستدلال منه ﷺ (٦). ثانياً: أن النبي ﵊ استدلَّ على وجوب قضاء الصلاة المنْسيَّة عند ذكرها بقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤] وإنما الخطاب فيها لموسى ﵇ على ما دلَّ عليه سياق القرآن، وذلك لمَّا نزل النبي ﷺ منزلاً، فنام فيه وأصحابه، حتى فات وقت صلاة الصبح أمرهم، فخرجوا عن الوادي، ثم صلَّى بهم الصبح، واستدلَّ بالآية , ولولا التعبُّد بعد البعثة بشرع مَنْ قَبْلَه، لما قرأها الرسول

стр. 368

- عليه الصلاة السلام - في معرض الاستدلال به (١). ثالثاً: إن الحُكْم إذا ثبت في الشرع لم يجز تركه، حتى يَرِدَ دليلٌ بنسخه وإبطاله، وليس في نفس بعثة النبي ﷺ ما يوجب نسخ جميع الأحكام التي قبله، فإن النسخ إنما يكون عند التنافي، وليس فيه منافاةٌ لتلك الأحكام، فوجب التمسُّك بتلك الأحكام, والعمل بها حتى يَرِدَ ما ينافيها ويزيلها (٢). المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بشرع مَنْ قَبْلَنا . تظهر علاقة الاجتهاد في المناط وبشرع مَنْ قَبْلَنا في جوانب عديدة, من أهمها مايأتي: أولاً: إن من أهم صور الاجتهاد في المناط ما كان متعلِّقاً بنصوص الكتاب والسُّنَّة, ومعانيها, تنقيحاً وتخريجاً وتحقيقاً (٣). ويندرج تحت ذلك: الاجتهاد في مناطات الأحكام الواردة في الكتاب والسُّنَّة الصحيحة التي تُثْبِت شرع مَنْ قَبْلَنا، وليس فيها تصريحٌ بالتكليف به أو إنكاره أو نسخه. لأن " موضع الخلاف في المسألة: أن الله تعالى إذا أخبر في القرآن -أو السُنَّة- أنه شَرَع لبعض الأمم المتقدِّمة شيئاً، وأطلق الإخبار، ولم يذكر أنه شرعٌ لنا، ولا أنه لم يشرعه لنا، ولا أنه نسخه، هل يجب علينا العمل به، أم لا؟ " (٤) ,وقد ثبتت حجيَّة العمل بشرع مَنْ قَبْلَنا إذا كان كذلك (٥).

стр. 369

وبناءً على هذا فما قيل في أهمية علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب والسُّنَّة يقال مثله هنا , ولا داعي لإعادة ذلك (١). وذلك لأن المعتمد في شرع مَنْ قَبْلَنا ما ورد بطريق الوحي من كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحة. ثانياً: قد يثبت حُكْمٌ في شرع مَنْ قَبْلَنا بنصِّ الكتاب أو السُّنَّة ,ويُجْتهَد في تحقيق مناطه في بعض أفراده. ومثاله: قوله تعالى على لسان الخضر في قصته مع موسى ﵇ لمَّا أنكر عليه خرق السفينة ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف: ٧٩]. قال ابن كثير: " هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى ﵇، وما كان أنكر ظاهره وقد أظهر الله الخضر ﵇ على باطنه, فقال: إن السفينة إنما خرقتها لأعيبها؛ لأنهم كانوا يمرُّون بها على مَلِكٍ من الظَلَمَة ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ صالحة، أي: جيدة ﴿غَصْبًا﴾ فأردُّت أن أعيبها لأردّه عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيءٌ ينتفعون به غيرها" (٢). وفيه: جواز إفساد بعض المال إذا كان فيه صلاحٌ لأكثره (٣). وقد اجتهد العلماء في تحقيق مناط هذا الحُكْم في مسألة: مصالحة ولي اليتيم السلطانَ على أخذ بعض مال اليتيم؛ وذلك خشيةَ ذهابه بجميعه, فأجازوا بذل بعض مال اليتيم من أجل المحافظة على أكثره في حال طمع السلطان في أخذه كلِّه أو أكثره (٤). قال القرطبي: " في خرق السفينة دليلٌ على أن للولي أن يُنْقِصَ مال اليتيم إذا رآه صلاحاً، مثل أن يخاف على ريعه ظالماً فيخرب بعضه " (٥).

стр. 370

ففي هذا المثال ثبت حُكْمٌ في شرع مَنْ قَبْلَنا بنصِّ الكتاب, وليس فيه تصريحٌ بالتكليف به, أو إنكاره, أو نسخه, فثبت الاحتجاج به. ثم اجتهد في تحقيق مناطه في مسألة: مصالحة ولي اليتيم السلطان على أخذ بعض مال اليتيم خشية ذهاب مُعْظَمِه. وقد روعي في ذلك ضابطٌ من أهم ضوابط تحقيق المناط , وهو: الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارِضة, وارتكاب أخفِّ الضررين لدفع أشدِّهما (١).

стр. 371

المبحث الثالث العلاقة بين الاجتهاد في المناط وقول الصحابي سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بقول الصحابي , وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي: المطلب الأول: تعريف الصحابي لغةً، واصطلاحاً . الصحابي لغةً: مصدر صَحِبَ يَصحُبُ صُّحبَةً فهو صاحب، والصحبة: المعاشرة , وذلك يقع على القليل والكثير (١). والصحابي اصطلاحاً -عند الأصوليين-: من رأي النبي ﷺ ، وإن لم يختصّ به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه، ولا طالت مدة صحبته (٢). وعرَّفه ابن السبكي بقوله: " الصحابي: من اجتمع مؤمناً بمحمد ﷺ ، وإن لم يرو، ولم يُطل " (٣). وقد عدل ابن السبكي في تعريفه عن لفظ: " من رأى النبي ﷺ "؛ وذلك ليشمل التعريفُ الأعمى والبصير من الصحابة (٤).

стр. 372

واستدلُّوا على ذلك بثلاثة أمور: الأول: أن الصَّاحب اسمٌ مشتقٌّ من الصُّحبة، والصُّحبة تعمّ القليل والكثير، ومنه يقال: صَحِبتُه ساعة، وصَحِبتُه يوماً وشهراً، وأكثر من ذلك، كما يقال: فلانٌ كلَّمني وحدَّثني وزارني، وإن كان لم يكلِّمه ولم يحدِّثه ولم يَزُرْه سوى مرةً واحدة (١). الثاني: أنه لو حلف أنه لا يصحب فلاناً في السفر، أو ليصحبنّه، فإنه يبرّ ويحنث بصحبته ساعة (٢). الثالث: أنه لو قال قائلٌ: صَحِبتُ فلاناً، فيصح أن يقال: صَحِبتُه ساعةً أو يوماً أو أكثر من ذلك، وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه، أو لا؟ ولولا أن الصحبة شاملةٌ لجميع هذه الصور، ولم تكن مختصَّةً بحالةٍ منها، لما احتيج إلى الاستفهام (٣). المطلب الثاني: حُجيَّة قول الصَّحابي . إذا قال الصَّحابي قولاً, أو فعل فعلاً , في مسألةٍ اجتهادية , ولم ينتشر ذلك القول أو الفعل, أو لا يُعْلَم انتشاره, ولم يُعْلَم له مخالفٌ من الصحابة , فهو حُجَّةٌ مُعتبَرةٌ في الأحكام الشرعية (٤).

стр. 373

وقد ذهب إلى ذلك: الأئمة الأربعة (١) , والقاضي أبويعلى (٢) , والسرخسي (٣) , والقرافي (٤) , والشاطبي (٥)، وابن القيم (٦) , وابن النجار الفتوحي (٧) , والأمين الشنقيطي (٨). قال ابن القيم: " وأئمة الإسلام كلُّهم على قبول قول الصَّحابي" (٩). والمقصود بقول الصَّحابي -هنا-: مذهبه في مسائل الاجتهاد, قولاً كان أو فعلاً , حاكماً كان أو مفتياً (١٠). ولايُنْسَب ذلك إلا إلى العالِم منهم؛ لأن الصحابة كلَّهم عدول ,وعدالة مَنْ ليس عالماً منهم تمنعه أن يقول في الشرع بلا مستند (١١).

стр. 374

وعلى هذا يكون إطلاق لفظ" الصَّحابي" في تلقيب المسألة أولى من تقييده ب"العالِم"؛ لأن إضافة القول إليه مُنْبِئةٌ عن ذلك , فإنَّ غيرَ العالِم لاقول له (١). واستدلُّوا على حُجِّية قول الصَّحابي بأدلةٍ منها (٢): أولاً: قوله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. فالله تعالى في هذه الآية مدح الصَّحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما استحقَّ التابعون لهم هذا المدح على اتِّباعهم بإحسان من حيث الرجوع إلى رأيهم؛ لأن في ذلك استحقاق المدح باتباع مادلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة، وذلك إنما يكون في قولٍ وُجِد منهم ولم يظهر من بعضهم فيه خلاف، فأما الذي فيه اختلافٌ بينهم فلا يكون موضع استحقاق المدح، فإنه إن كان يستحقُّ المدح باتباع البعض يستحقُّ الذمَّ بترك اتباع البعض , فوقع التعارض فكان النصُّ دليلاً على حُجِّية قول الصَّحابي إذا لم يظهر بينهم اختلافٌ ظاهر (٣). وثناء الله في الآية على من اتَّبعهم يعمّ اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كلِّ ممكن؛ فمن اتَّبع جماعتهم إذا اجتمعوا , واتَّبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم, فقد صدق عليه أنه اتبع السابقين، أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال " اتَّبع السابقين "؛ لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرَّة، وهذا مرَّة (٤). ثانياً: ما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح من وجوهٍ متعددةٍ أنه قال:

стр. 375

«خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١) , فأخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقاً، وذلك يقتضي تقديمهم في كلِّ بابٍ من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيراً من بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقاً، فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حُكْمٍ وسائرهم لم يفتوا بالصواب، وإنما ظفر بالصواب من بعدهم، وأخطئوا هم , لزم أن يكون ذلك القرن خيراً منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خيرٌ من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن، ثم هذا يتعدَّد في مسائل عديدة؛ لأن من يقول " قول الصَّحابي ليس بحُجَّة" يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كلِّ مسألةٍ قال فيها الصَّحابي قولاً، ولم يخالفه صحابيٌّ آخر، وفات هذا الصواب الصَّحابة، ومعلومٌ أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العدَّ والإحصاء، فكيف يكونون خيراً ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العدَّ والإحصاء مما أخطئوا فيه؟ (٢). ثالثاً: إنَّ الصحابة ﵃ انفردوا عن غيرهم بأنهم كانوا أبرَّ الأُمَّة قلوباً, وأعمقهم علماً, وأقلِّهم تكلَّفا، فقد خصّهم الله بتوقَّد الأذهان وفصاحة اللسان، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزةٌ في فِطَرِهم وعقولهم , وقد حضروا التنزيل، وسمعوا كلام رسول الله ﷺ منه مباشرة، وشاهدوا طريق رسول الله ﷺ في بيان أحكام الحوادث, وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص ,وهم أعلم بالتأويل , وأعرف بالمقاصد، وأقرب عهداً بنور النبوة، وأكثر تلقياً من تلك المشكاة النبوية , لذلك كان اجتهادهم أقرب إلى الصواب, وأبعد عن الخطأ , فلزم العمل باجتهادهم دون اجتهاد غيرهم (٣).

стр. 376

رابعاً: إنَّ التابعين أجمعوا على اتِّباع الصَّحابة فيما ورد عنهم, والأخذ بقولهم, والفتيا به , من غير نكيرٍ من أحدٍ منهم, ولولا أنهم رأوا ذلك حُجَّةً , وإلا لما أطبقوا على الاتِّباع هذا الإطباق (١). قال العلائي: "ومن أمعن النظر في كتب الآثار وجد التابعين لا يختلفون في الرجوع إلى أقوال الصَّحابي فيما ليس فيه كتابٌ ولا سُنَّةٌ ولا إجماع, ثم هذا مشهورٌ أيضاً في كلِّ عصرٍ لا يخلو عنه مستدِلٌ بها ,أو ذاكِرٌ لأقوالهم في كتبه" (٢). ولا يقال: فيكون المخالِف في ذلك خارقاً للإجماع؛ لأن مخالفة الإجماع الاستدلالي والظنيِّ لا يقدح, وما ذكر آنفا يُعْتَبر من ذلك (٣). وقال ابن القيم: " لم يزل أهل العلم في كلِّ عَصْرٍ ومِصْرٍ يحتجُّون بما هذا سبيله من فتاوى الصحابة وأقوالهم، ولا ينكره منكرٌ منهم، وتصانيف العلماء شاهدةٌ بذلك، ومناظراتهم ناطقةٌ به" (٤). المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بقول الصحابي . تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بقول الصحابي في جوانب عديدة, من أهمها مايأتي: أولاً: الصَّحابة ﵃ أعرف الناس بمعاني الكتاب والسُّنَّة, وأعلمهم بمناطات الأحكام , وأكثرهم تأهلاً للاجتهاد؛ وذلك لوجهين: الوجه الأول: أنهم باشروا الوقائع والنوازل , وشاهدوا تصرُّفات الرسول الله ﷺ في بيان أحكام الحوادث , وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها

стр. 377

النصوص, والمحالَّ التي تتغيَّر باعتبارها الأحكام , ووقفوا من أحوال النبي ﷺ ومراده من كلامه على مالم يقف عليه غيرهم , فهم أعرف بالتأويل, وأعلم بالمقاصد (١). ولذلك " فهم أقعد في فهم القرائن الحالية , وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب" (٢). الوجه الثاني: أنهم عربٌ فصحاء، لم تتغيَّر ألسنتهم، ولم تنزَّل فصاحتهم عن رتبتها العليا , فهم من أعرف الناس باللسان العربي الذي جرى عليه خطاب الشريعة (٣). وبهذين الوجهين" كانوا أقعد بمفهوم الأحوال , ودلالات الأقوال" (٤). وبناءً على ذلك فإنه متى ثبت عن الصَّحابي قولٌ أو عملٌ يقع مواقع الاجتهاد في الشريعة, ولم يُعْلَم له مخالفٌ من الصَّحابة, لزم العمل به, والاعتماد عليه؛ لأن فهمهم في الشريعة أتمُّ وأحرى بالتقديم (٥). وقد كانوا ﵃: " أعلم الناس بباطن الرسول وظاهره, وأخبر الناس بمقاصده ومراداته" (٦). ولهذا كان" السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة، ويتكثَّرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين؛ فتجدهم إذا عيَّنوا مذاهبهم قوُّوها بذكر من ذهب إليها من الصحابة، وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من

стр. 378

تعظيمهم، وقوة مآخذهم دون غيرهم، وكِبَرِ شأنهم في الشريعة، وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلاً عن النظر معهم فيما نظروا فيه " (١). ومن صور ذلك: بيانهم لمعاني الكتاب والسُّنَّة. قال الشاطبي: " فإذا جاء في القرآن أو في السُنَّة من بيانهم ما هو موضوعٌ موضعَ التفسير، بحيث لو فرضنا عدمه لم يُمْكِن تنزيل النصِّ عليه على وجهه؛ انحتم الحُكْم بإعمال ذلك البيان" (٢). وأقوال الصحابة وأعمالهم أحسَن مايستدلُّ به على معاني الكتاب والسُّنَّة. قال ابن تيمية: " انظر في عموم كلام الله ورسوله لفظاً ومعنى، حتى تعطيه حقه، وأحسَن ما تستدلَّ به على معناه: آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده، فإنَّ ضَبْطَ ذلك يوجب توافق أصول الشريعة وجريها على الأصول الثابتة" (٣). ولهذا كان من عادة الإمام مالك بن أنس في "موطَّئه" الإتيان بالآثار عن الصحابة مبيِّناً بها السُّنن، وما يُعْمَل به منها وما لا يُعْمَل به، وما يُقَيَّد به مطلقاتها، أو يُخْصَّص بها عمومها (٤). ومن الأمثلة التي أوردها الشاطبي على ذلك: قوله ﵊: "لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْر" (٥)؛ فهذا التعجيل يحتمل أن يُقْصَد به إيقاعه قبل الصلاة، ويحتمل أن لا؛ فكان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ يصلِّيان المغرب قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد الصلاة؛

стр. 379

بياناً أن هذا التعجيل لا يلزم أن يكون قبل الصلاة، بل إذا كان بعد الصلاة فهو تعجيلٌ أيضاً (١). والكلام في بيان الصَّحابي لمعاني الكتاب والسُّنَّة كالكلام في فتواه سواء، وصورة المسألة هنا كصورتها هناك، وهو أن لا يكون في المسألة نصٌّ يخالفه، ويقول في الآية أو الحديث قولاً لا يخالفه فيه أحدٌ من الصحابة، سواءٌ عُلِمَ لاشتهاره أو لم يُعلَم؛ لأنه من الممتنع أن يقول أحدهم في كتاب الله أو في سُنَّة رسوله ﷺ الخطأ المحض ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به، ، فالمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطقٍ بالصواب واشتماله على ناطقٍ بغيره فقط , فهذا هو المحال (٢). ومن ذلك: استعمالهم القياس في الوقائع والنوازل التي لانصَّ فيها, وإن كانوا لايسمُّون ذلك قياساً بحسب تسمية الأصوليين. قال ابن القيم: " الصحابة ﵃ كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر, ولا يُلتفت إلى من يقدح في كلِّ سندٍ من هذه الأسانيد وأثرٍ من هذا الآثار، فهذه في تعدُّدها واختلاف وجوهها وطرقها جاريةٌ مجرى التواتر المعنوي الذي لا يُشك فيه" (٣). ومن الأمثلة على ذلك: - أن الصحابة ﵃ جعلوا العبد على النصف من الحُرِّ في النكاح والطلاق والعدَّة؛ قياساً على ما نصَّ الله عليه (٤) من قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. - قياس الصحابة حدَّ الشرب على حدِّ القذف, حيث إن عمر بن الخطاب ﵁ شاور الناس في حدِّ الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها

стр. 380

واجترءوا عليها، فقال له علي- ﵁: إن السكران إذا سَكَرَ هذى، وإذا هذى افترى، فاجعله حدَّ الفرية، فجعله عمر حدَّ الفرية ثمانين (١). ولما" كان أصحاب رسول الله ﷺ يجتهدون في النوازل، ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره" (٢) , عُدَّ قياسهم فيما لانصَّ فيه على ما فيه نصٌّ دليلاً من أقوى الأدلة على اعتبار القياس أصلاً من أصول أحكام الشرع (٣). قال ابن السمعاني: " واعلم أن الاحتجاج بإجماع الصحابة دليلٌ في نهاية الاعتماد, وهو مما يقطع العذر, ويزيح الشبهة, فليكن به التمسُّك" (٤). وقد فتحوا بذلك التصرُّف الاجتهادي ﵃ باباً للعلماء من أعظم أبواب الاجتهاد في الشريعة. قال ابن القيم: " فالصحابة ﵃ مثِّلوا الوقائع بنظائرها، وشبَّهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعضٍ في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبيَّنوا لهم سبيله" (٥). ولما كان الاجتهاد في الشرعيات يستند إلى الظنِّ الراجح , كان الاستناد في الظنِّيات إلى قول الصحابي الذي لم يشتهر، ولم يُعْلَم له مخالفٌ أقوى في الرجحان من غيره. قال ابن القيم: " من تأمل المسائل الفقهية، والحوادث الفرعية، وتدَّرب بمسالكها، وتصرَّف في مداركها، وسلك سبلها ذللاً، وارتوى من مواردها عِللاً ونَهْلا، علم قطعاً أن كثيراً منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يوثق فيها بظاهرٍ مراد، أو قياسٍ صحيحٍ ينشرح له الصدر ويثلج له الفؤاد، بل تتعارض فيها الظواهر والأقيسة على وجهٍ يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى

стр. 381

لا يبقى للظنِّ رجحانٌ بيَّن، لا سيما إذا اختلف الفقهاء؛ فإن عقولهم من أكمل العقول، وأوفرها فإذا تلدَّدوا وتوقفوا، ولم يتقدموا، ولم يتأخروا لم يكن ذلك في المسألة طريقةٌ واضحةٌ ولا حُجَّةٌ لائحة؛ فإذا وُجِد فيها قولٌ لأصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم والذين هم سادات الأمة، وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب ربهم تعالى وسُنَّة نبيهم ﷺ ، وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة مَنْ بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدِّين كان الظنُّ والحالة هذه بأن الصواب في جهتهم والحق في جانبهم من أقوى الظنون، وهو أقوى من الظنِّ المستفاد من كثيرٍ من الأقيسة، هذا ما لا يمتري فيه عاقلٌ مُنْصِفٌ، وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد الذي لا رأي سواه، وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظنٌّ راجحٌ ولو استند إلى استصحابٍ أو قياس عِلَّةٍ أو دلالةٍ أو شَبَهٍ أو عمومٍ مخصوصٍ أو محفوظٍ مُطْلَق أو واردٍ على سبب؛ فلا شكَّ أن الظنَّ الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يُخالَف أرجح من كثيرٍ من الظنون " (١). فإذا ثبت عن الصحابي قولٌ أو عملٌ في مسألةٍ شرعيَّة , ولم يشتهر , ولم يُعْلَم له مخالِفٌ من الصحابة كان حُجَّةً تُقدَّم على ما سواها من وجوه الاجتهاد الأخرى الصادرة عن غير الصحابة. وقد ذكر الشافعي أن هذه الصورة قليلة الوقوع في الأحكام الشرعيَّة , فقال: " وقلَّ ما يُوجَد من قول الواحد منهم لا يخالفه غيرُه " (٢). وذلك لأن أكثر أقاويل الصحابة إما أن يثبت اشتهارها ولا تُسْتَنْكَر: فتكون من قبيل الإجماع السكوتي , أو تُسْتَنْكَر: فيقع الاختلاف فيها , وتكون موضع اجتهادٍ لايختصُّ به الصحابة دون غيرهم من المجتهدين. قال الشاطبي: " فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات، أو تخصيص بعض العمومات؛ فالعمل عليه صواب، وهذا إن لم يُنْقَل عن أحدٍ منهم

стр. 382

خلافٌ في المسألة، فإن خالف بعضهم؛ فالمسألة اجتهادية" (١). وقال: " أما إذا عُلِم أن الموضع موضع اجتهادٍ لا يفتقر إلى ذينك الأمرين؛ فهم ومَنْ سواهم فيه شَرَعَ سواء؛ كمسألة العَوْل، والوضوء من النوم، وكثيرٍ من مسائل الرِّبا التي قال فيها عمر بن الخطاب: "مات رسول الله ﷺ ولم يبيِّن لنا آية الرِّبا؛ فدعوا الرِّبا والريبة" (٢)، أو كما قال؛ فمثل هذه المسائل موضع اجتهادٍ للجميع لا يختصُّ به الصحابة دون غيرهم من المجتهدين" (٣). والصحابي في مذهبه قد يستند إلى القياس ,أو المصلحة المرسلة, أو العُرْف, أو سدِّ الذرائع ,ونحو ذلك من طرق الاجتهاد الأخرى , والذي يخصُّ هذا الموضع من البحث هو مذهب الصحابي الذي استند فيه إلى القياس. ثانياً: قول الصحابي يُعْتَبر من مسالك تحقيق المناط كما تقدَّم (٤) ,فقد يدلَّ قول الصحابي على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده. ثالثاً: قول الصحابي إذا ثبت فإنه مقدَّمٌ على العمل بالأقيسة؛ لأن قول الصحابي أعلى في الرتبة من القياس , والأخذ بأقوى الدليلين متعيِّن (٥). قال الشافعي: " العلم طبقاتٌ شتى , الأولى: الكتاب والسُّنَّة إذا ثبتت السُّنَّة , ثم الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتابٌ ولا سُنَّة, والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي ﷺ قولاً, ولا نعلم له مخالفاً منهم, والرابعة: اختلاف أصحاب النبي ﷺ في ذلك، والخامسة: القياس على بعض الطبقات, ولا يُصَار إلى شيءٍ غير الكتاب والسُّنَّة وهما موجودان, وإنما يؤخذ العلم من أعلى" (٦).

стр. 383

وبهذا يتبيَّن أن الشافعي يقدِّم قول الصحابي الذي لايُعلَم له مخالف - سواءٌ اشتهر أو لم يشتهر - على العمل بالقياس. وذكر ابن القيم أن الأصول التي بنى عليها الإمام أحمد فتاويه خمسة وهي: (١) أحدها: النصوص، فإذا وجد النصُّ أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه , ولا مَنْ خالفه كائناً من كان. الثاني: ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وُجِد لبعضهم فتوى لا يُعرَف له مخالفٌ منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها. الثالث: إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسُّنَّة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبيَّن له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها, ولم يجزم بقول. الرابع: الأخذ بالمُرْسَل والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيءٌ يدفعه، وهو الذي رجَّحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ,ولا المنكر, ولا ما في روايته متَّهَم, بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به؛ بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح, وقسمٌ من أقسام الحَسَن، ولم يكن يقسِّم الحديث إلى صحيحٍ وحسَن وضعيف، بل إلى صحيحٍ وضعيف، والضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثراً يدفعه ولا قولَ صاحب، ولا إجماعَ على خلافه, كان العمل به عنده أولى من القياس. الخامس: القياس , فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نصٌّ ولا قول الصحابة, أو واحدٌ منهم , ولا أثرٌ مُرْسَل , أو ضعيف , عَدَلَ إلى القياس. وبهذا يتبيَّن أن الإمام أحمد كذلك يقدِّم قولَ الصحابي الذي لم يُعلَم له مخالف -سواء اشتهر أو لم يشتهر- على القياس. وإن عضده القياس ولو كان ضعيفاً فأولى أن يؤخذ به حتى عند القائلين بعدم حجِّية قول الصحابي (٢).

стр. 384

قال الغزالي: "فإن لم يكن -أي: قول الصحابي- حُجَّةً فلا يبعد أن يقوى القياس به في ظنِّ مجتهد، إذ يقول إن كان ما قاله عن توقيفٍ فهو أولى, وإن كان قال ما قاله عن ظنٍّ وقياسٍ فهو أولى بفهم مقاصد الشرع مِنّا" (١). رابعاً: قول الصحابي إذا ثبت ولم يُعلَم له مخالفٌ فإنه يخصِّص العموم الوارد في الكتاب والسُّنَّة (٢). والمراد: أن يَرِد نصٌّ عامٌّ في الكتاب أو السُّنَّة, فيخصّه الصحابي ببعض أفراده, سواءٌ كان هو الراوي في حال كونه خبراً, أو لم يكن هو راوي ذلك الخبر (٣). فمثال الأول حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه" (٤) ,فإنَّ لفظ "مَنْ "عامٌّ يشمل المذكَّر والمؤنث ,وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في النساء إذا ارتددن عن الإسلام: "يُحبَسَنَّ ولا يُقتَلنَ", فخصَّ الحديث بالرِّجال (٥). ومثال الثاني حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس على المسلم صدقةٌ في عبده ولا في فرسه" (٦). وروي عن ابن عباس ﵁ تخصيص الخيل بما يُغْزَى عليه في سبيل الله ,فأما غيرها ففيها الزكاة , وعن عثمان ﵁ تخصيصه أيضاً بالسائمة, وعن عمر ﵁ نحوه أيضاً (٧).

стр. 385

وقد ذهب إلى ذلك: الحنفية (١)، والحنابلة (٢). واستدلوا على ذلك بأدلةٍ , منها: الأول: أن قول الصحابي مقدمٌ على القياس، بدليل أنه يُترك له القياس؛ وإذا كان القياس يخصِّص العموم؛ فقول الصحابي أولى وأحرى (٣). الثاني: أن قول الصحابي يستلزم دليلاً، وإلا لكان مخالفاً لظاهر العموم من غير دليل، فيكون فاسقاً، وهو باطلٌ بالاتفاق, وحينئذٍ يكون التخصيص بدليل , فيكون قول الصحابي مخصِّصاً للعموم (٤). وتخصيص العموم بقول الصحابي يتخرَّج على القول بأن مذهبه حُجَّة , وإذا كان كذلك لم يَحْتَجْ إلى نصب استدلالٍ عليه لظهور المُدْرَك (٥). خامساً: قول الصحابي إذا ثبت ولم يُعلَم له مخالفٌ فإنه يقيِّد المُطْلَق الوارد في الكتاب والسُّنَّة (٦). والمراد: أن يرد نصٌّ مُطْلَق في الكتاب أو السُّنَّة ,فيقيِّده الصحابي ببعض أفراده, سواءٌ كان هو الراوي في حال كونه خبراً, أو لم يكن هو راوي ذلك الخبر. و"التقيِّيد والإطلاق أمران اعتباريان، فقد يكون المقيِّد مُطْلَقاً بالنسبة إلى قيدٍ آخر, كالرقبة مقيَّدةٌ بالمِلك مُطْلَقَةٌ بالنسبة إلى الأَيمان، وقد يكون المُطْلَق مقيَّداً ,كالرقبة مُطْلَقَةٌ وهي مقيَّدةٌ بالرِّق، والحاصل أن كلَّ حقيقةٍ اعتُبِرت من حيث هي هي فهي مُطْلَقَةٌ، وإن اعتُبِرت مضافةٌ إلى غيرها فهي مقيَّدة" (٧).

стр. 386

و"ضابط الإطلاق أنك تقتصر على مُسمَّى اللفظة المفردة، نحو رقبة ,أو إنسان, أو حيوان، ونحو ذلك من الألفاظ المفردة، فهذه كلها مُطْلَقَات، ومتى زدتَ على مدلول اللفظة مدلولاً آخر بلفظٍ أو بغير لفظٍ صار مقيَّداً ,كقولك: رقبةٌ مؤمنة، أو إنسانٌ صالح، أو حيوانٌ ناطق، وهذه المُطْلَقَات هي في أنفسها مقيَّداتٌ إذا أُخذت مسمياتها بالنسبة إلى ألفاظٍ أُخَر، فإن الرقبة هي إنسانٌ مملوكٌ وهذا مقيَّد، والإنسان حيوانٌ ناطقٌ وهذا مقيَّد، والحيوان جسمٌ حسّاسٌ وهذا مقيَّد، فصار التقيِّيد والإطلاق أمرين نسبيين بحسب ما يُنسب إليه من الألفاظ، فرُبَّ مُطْلَق مقيَّد، ورُبَّ مُقيَّدٍ مُطلَق" (١). والكلام في تقييد المُطْلَق بقول الصحابي كالكلام المتقدِّم آنفاً في تخصيص العموم بقول الصحابي وفاقاً, وخلافاً, واستدلالاً. قال العلائي: " وأما تقييد الصحابي الخبرَ المُطْلَق فهو كتخصيصه العامَّ من غير فرق, وذلك ظاهر" (٢). وقال ابن النجَّار الفتوحي: " وهما - أي: المُطْلَق والمقيَّد- كعامٍّ وخاصٍّ فيما ذُكِر من تخصيص العموم من مُتَفَقٍ عليه ومُختلَفٍ فيه ومختارٍ من الخلاف , فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب وبالسُّنَّة، وتقييد السُّنَّة بالسُّنَّة وبالكتاب، وتقييد الكتاب والسُنَّة بالقياس, ومفهوم الموافقة والمخالفة, وفعل النبي ﷺ وتقريره، ومذهب الصحابي ونحو ذلك، على الأصح في الجميع" (٣). سادسأً: إذا تعارضت عِلَّتان وكان مع إحداهما قولٌ لصحابي ترجحت العِلَّة التي تتفق مع قول الصحابي على العِلَّة الأخرى. لأن قول الصحابي يصدر عن تعليله في مسائل الاجتهاد , وعِلَّته أقوى من عِلَّة غيره؛ لأنه شهد التنزيل, وعرف التأويل , فهو أعلم بتعليل الرسول ﷺ , ومواقع كلامه (٤).

стр. 387

المبحث الرابع علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان , وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي: المطلب الأول: تعريف الاستحسان لغةً, واصطلاحاً . الاستحسان لغةً هو: عدُّ الشيء حسناً، حِسيِّاً كان أو معنوياً، وهو استفعالٌ من الحُسْن , والحُسْن ضد القُبْح (١). والاستحسان اصطلاحاً هو: العدول بحُكْم المسألة عن نظائرها لدليلٍ شرعيٍّ خاصٍّ يقتضي العدول عن الحُكْم الأول فيه إلى الثاني (٢). وهو"أجود تعريفٍ للاستحسان" (٣) , و"أحسَنُ ما قيل في تفسيره" (٤)؛ لأنه يبين حقيقة الاستحسان الشرعي , ويجمع الأنواع المندرجة تحته. وله تعريفاتٌ أخرى ذكرها الأصوليون , وهي إما أن تكون خارج محلِّ

стр. 388

النزاع، أو تكون غير جامعةٍ لأنواع الاستحسان المُعْتَبرة (١). والاستحسان بمعناه المتقدِّم له عدة أنواعٍ منها: النوع الأول: الاستحسان بالنصِّ. وهو أن يُترَك العمل بمقتضى القياس لدليلٍ من الكتاب أو السُّنة. ومثاله: جواز السَّلَم , فالقياس يأبى جوازه باعتبار أن المعقود عليه معدومٌ عند العقد, لكنه تُرِك بالنصِّ (٢). وهو الرخصة الثابتة بقوله ﷺ : " من أسلم في شيءٍ ففي كيلٍ معلومٍ, ووزنٍ معلومٍ, إلى أجلٍ معلوم " (٣). النوع الثاني: الاستحسان بالإجماع. وهو أن يُترك العمل بمقتضى القياس لدليل الإجماع. ومثاله: الاستصناع , فالقياس يأبى جوازه؛ لأنه بيعٌ لمعدومٍ كالسَّلَم, بل هو أبعد جوازاً من السَّلم؛ لأن المُسْلَم فيه تحتمله الذِّمَّة لأنه دينٌ حقيقة ,والمُسْتَصْنَع عينٌ توجد في الثاني, والأعيان لا تحتملها الذِّمَّة , فكان جواز هذا العقد أبعد عن القياس , لكنه جاز؛ لأن الناس تعاملوا به في سائر الأمصار من غير نكيرٍ, فكان إجماعاً منهم على الجواز, فيُترَك القياس (٤). النوع الثالث: الاستحسان بالضرورة. وهو أن يُترَك العمل بمقتضى القياس لدليل الضرورة.

стр. 389

ومثاله: الحُكْم بطهارة الآبار والحياض بعدما تنجَّست, فإن القياس يأبى جوازه؛ لأن ما يَرِد عليه النجاسة يتنجَّس بملاقاته , لكن حُكِم بطهارتها للضرورة المُحْوِجة إلى ذلك لعامَّة الناس, والحرج مدفوعٌ بالنصّ (١). النوع الرابع: استحسان القياس الخفي. وهو أن يُترَك العمل بمقتضى القياس الجلي لقياسٍ خفيٍّ قوي الأثر. ومثاله: القياس المُستَحسَن في سؤر سباع الطير, فالقياس فيه النجاسة؛ اعتباراً بسؤر سباع الوحش, بعِلَّة حُرْمَة التناول, وفي الاستحسان لا يكون نجساً؛ لأن السباع غير مُحَرَّمٍ الانتفاع بها ,فعرفنا أن عينها ليست بنجسة، وإنما كانت نجاسة سؤر سباع الوحش باعتبار حُرْمَة الأكل؛ لأنها تشرب بلسانها وهو رطبٌ من لعابها ,ولعابها يتجلب من لحمها, وهذا لا يوجد في سباع الطير؛ لأنها تأخذ الماء بمنقارها , ثم تبتلعه , ومنقارها عظمٌ جافٌّ , والعظم لا يكون نجساً من الميت, فكيف يكون نجساً من الحي، وتأيد هذا بالعِلَّة المنصوص عليها في الهِرَّة, فإن معنى البلوى يتحقَّق في سؤر سباع الطير؛ لأنها تَنْقَضُّ من الهواء, ولا يمكن صون الأواني عنها ,خصوصاً في الصحارى (٢). المطلب الثاني: حُجِّية الاستحسان . الاستحسان بمعناه المتقدِّم المستندِ إلى دليلٍ معتبرٍ شرعاً مقبولٌ عند الأصوليين كافّة من حيث الجملة , وإن اختلفوا في تسميته بالاستحسان , واعتباره دليلاً مستقلاً بذاته.

стр. 390

وقد ذهب إلى القول به, واعتباره دليلاً مستقلاً بذاته: الحنفية، والمالكية , والحنابلة (١). واستنكره الشافعية ,وشنَّعوا على القائلين به , باعتبار أنه عملٌ بلا دليل (٢). وإذا تحرَّر معنى الاستحسان المُعتبَر عند القائلين به لم يَعُد استنكار الشافعية وتشنيعهم في محلِّه؛ لأن الكلَّ متفقٌ على العدول عن القياس بالنصِّ والإجماع والضرورة , كما إنهم متفقون على عدم شرعيَّة الاستحسان بمجرَّد الرأي والهوى. وعليه فلا خلاف بين الأصوليين في حُجيِّة الاستحسان بالنصِّ، أو الإجماع، أو الضرورة؛ لأنه بالاتفاق يُترَك القياس بهذه الأمور الثلاثة , وإن اختلفوا في تسمية ذلك بالاستحسان. قال الغزالي تعقيباً على ماذكره من أمثلة الحنفية في العدول بالمسألة عن حُكْم نظائرها بدليل الكتاب والسُّنَّة: " وهذا مما لا يُنْكَر، وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ , وتخصيص هذا النوع من الدليل بتسميته استحساناً من بين سائر الأدلة" (٣). وذكر الآمدي أن تفسير الاستحسان بالرجوع عن حُكْم دليلٍ خاصٍّ إلى مقابله بدليلٍ طارئٍ عليه أقوى منه , من نصٍّ أو إجماعٍ أو غيره , لا نزاع في صحة الاحتجاج به، وإن نوزع في تلقيبه بالاستحسان , فحاصل النزاع راجعٌ فيه إلى الإطلاقات اللفظية، ولا حاصل له (٤).
следующие страницы →