و"ضابط الإطلاق أنك تقتصر على مُسمَّى اللفظة المفردة، نحو رقبة ,أو إنسان, أو حيوان، ونحو ذلك من الألفاظ المفردة، فهذه كلها مُطْلَقَات، ومتى زدتَ على مدلول اللفظة مدلولاً آخر بلفظٍ أو بغير لفظٍ صار مقيَّداً ,كقولك: رقبةٌ مؤمنة، أو إنسانٌ صالح، أو حيوانٌ ناطق، وهذه المُطْلَقَات هي في أنفسها مقيَّداتٌ إذا أُخذت مسمياتها بالنسبة إلى ألفاظٍ أُخَر، فإن الرقبة هي إنسانٌ مملوكٌ وهذا مقيَّد، والإنسان حيوانٌ ناطقٌ وهذا مقيَّد، والحيوان جسمٌ حسّاسٌ وهذا مقيَّد، فصار التقيِّيد والإطلاق أمرين نسبيين بحسب ما يُنسب إليه من الألفاظ، فرُبَّ مُطْلَق مقيَّد، ورُبَّ مُقيَّدٍ مُطلَق" (١).
والكلام في تقييد المُطْلَق بقول الصحابي كالكلام المتقدِّم آنفاً في تخصيص العموم بقول الصحابي وفاقاً, وخلافاً, واستدلالاً.
قال العلائي: " وأما تقييد الصحابي الخبرَ المُطْلَق فهو كتخصيصه العامَّ من غير فرق, وذلك ظاهر" (٢).
وقال ابن النجَّار الفتوحي: " وهما - أي: المُطْلَق والمقيَّد- كعامٍّ وخاصٍّ فيما ذُكِر من تخصيص العموم من مُتَفَقٍ عليه ومُختلَفٍ فيه ومختارٍ من الخلاف , فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب وبالسُّنَّة، وتقييد السُّنَّة بالسُّنَّة وبالكتاب، وتقييد الكتاب والسُنَّة بالقياس, ومفهوم الموافقة والمخالفة, وفعل النبي ﷺ وتقريره، ومذهب الصحابي ونحو ذلك، على الأصح في الجميع" (٣).
سادسأً: إذا تعارضت عِلَّتان وكان مع إحداهما قولٌ لصحابي ترجحت العِلَّة التي تتفق مع قول الصحابي على العِلَّة الأخرى.
لأن قول الصحابي يصدر عن تعليله في مسائل الاجتهاد , وعِلَّته أقوى من عِلَّة غيره؛ لأنه شهد التنزيل, وعرف التأويل , فهو أعلم بتعليل الرسول ﷺ , ومواقع كلامه (٤).
стр. 387
المبحث الرابع
علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان , وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف الاستحسان لغةً, واصطلاحاً .
الاستحسان لغةً هو: عدُّ الشيء حسناً، حِسيِّاً كان أو معنوياً، وهو استفعالٌ من الحُسْن , والحُسْن ضد القُبْح (١).
والاستحسان اصطلاحاً هو: العدول بحُكْم المسألة عن نظائرها لدليلٍ شرعيٍّ خاصٍّ يقتضي العدول عن الحُكْم الأول فيه إلى الثاني (٢).
وهو"أجود تعريفٍ للاستحسان" (٣) , و"أحسَنُ ما قيل في تفسيره" (٤)؛ لأنه يبين حقيقة الاستحسان الشرعي , ويجمع الأنواع المندرجة تحته.
وله تعريفاتٌ أخرى ذكرها الأصوليون , وهي إما أن تكون خارج محلِّ
стр. 388
النزاع، أو تكون غير جامعةٍ لأنواع الاستحسان المُعْتَبرة (١).
والاستحسان بمعناه المتقدِّم له عدة أنواعٍ منها:
النوع الأول: الاستحسان بالنصِّ.
وهو أن يُترَك العمل بمقتضى القياس لدليلٍ من الكتاب أو السُّنة.
ومثاله: جواز السَّلَم , فالقياس يأبى جوازه باعتبار أن المعقود عليه معدومٌ عند العقد, لكنه تُرِك بالنصِّ (٢).
وهو الرخصة الثابتة بقوله ﷺ : " من أسلم في شيءٍ ففي كيلٍ معلومٍ, ووزنٍ معلومٍ, إلى أجلٍ معلوم " (٣).
النوع الثاني: الاستحسان بالإجماع.
وهو أن يُترك العمل بمقتضى القياس لدليل الإجماع.
ومثاله: الاستصناع , فالقياس يأبى جوازه؛ لأنه بيعٌ لمعدومٍ كالسَّلَم, بل هو أبعد جوازاً من السَّلم؛ لأن المُسْلَم فيه تحتمله الذِّمَّة لأنه دينٌ حقيقة ,والمُسْتَصْنَع عينٌ توجد في الثاني, والأعيان لا تحتملها الذِّمَّة , فكان جواز هذا العقد أبعد عن القياس , لكنه جاز؛ لأن الناس تعاملوا به في سائر الأمصار من غير نكيرٍ, فكان إجماعاً منهم على الجواز, فيُترَك القياس (٤).
النوع الثالث: الاستحسان بالضرورة.
وهو أن يُترَك العمل بمقتضى القياس لدليل الضرورة.
стр. 389
ومثاله: الحُكْم بطهارة الآبار والحياض بعدما تنجَّست, فإن القياس يأبى جوازه؛ لأن ما يَرِد عليه النجاسة يتنجَّس بملاقاته , لكن حُكِم بطهارتها للضرورة المُحْوِجة إلى ذلك لعامَّة الناس, والحرج مدفوعٌ بالنصّ (١).
النوع الرابع: استحسان القياس الخفي.
وهو أن يُترَك العمل بمقتضى القياس الجلي لقياسٍ خفيٍّ قوي الأثر.
ومثاله: القياس المُستَحسَن في سؤر سباع الطير, فالقياس فيه النجاسة؛ اعتباراً بسؤر سباع الوحش, بعِلَّة حُرْمَة التناول, وفي الاستحسان لا يكون نجساً؛ لأن السباع غير مُحَرَّمٍ الانتفاع بها ,فعرفنا أن عينها ليست بنجسة، وإنما كانت نجاسة سؤر سباع الوحش باعتبار حُرْمَة الأكل؛ لأنها تشرب بلسانها وهو رطبٌ من لعابها ,ولعابها يتجلب من لحمها, وهذا لا يوجد في سباع الطير؛ لأنها تأخذ الماء بمنقارها , ثم تبتلعه , ومنقارها عظمٌ جافٌّ , والعظم لا يكون نجساً من الميت, فكيف يكون نجساً من الحي، وتأيد هذا بالعِلَّة المنصوص عليها في الهِرَّة, فإن معنى البلوى يتحقَّق في سؤر سباع الطير؛ لأنها تَنْقَضُّ من الهواء, ولا يمكن صون الأواني عنها ,خصوصاً في الصحارى (٢).
المطلب الثاني: حُجِّية الاستحسان .
الاستحسان بمعناه المتقدِّم المستندِ إلى دليلٍ معتبرٍ شرعاً مقبولٌ عند الأصوليين كافّة من حيث الجملة , وإن اختلفوا في تسميته بالاستحسان , واعتباره دليلاً مستقلاً بذاته.
стр. 390
وقد ذهب إلى القول به, واعتباره دليلاً مستقلاً بذاته: الحنفية، والمالكية , والحنابلة (١).
واستنكره الشافعية ,وشنَّعوا على القائلين به , باعتبار أنه عملٌ بلا دليل (٢).
وإذا تحرَّر معنى الاستحسان المُعتبَر عند القائلين به لم يَعُد استنكار الشافعية وتشنيعهم في محلِّه؛ لأن الكلَّ متفقٌ على العدول عن القياس بالنصِّ والإجماع والضرورة , كما إنهم متفقون على عدم شرعيَّة الاستحسان بمجرَّد الرأي والهوى.
وعليه فلا خلاف بين الأصوليين في حُجيِّة الاستحسان بالنصِّ، أو الإجماع، أو الضرورة؛ لأنه بالاتفاق يُترَك القياس بهذه الأمور الثلاثة , وإن اختلفوا في تسمية ذلك بالاستحسان.
قال الغزالي تعقيباً على ماذكره من أمثلة الحنفية في العدول بالمسألة عن حُكْم نظائرها بدليل الكتاب والسُّنَّة: " وهذا مما لا يُنْكَر، وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ , وتخصيص هذا النوع من الدليل بتسميته استحساناً من بين سائر الأدلة" (٣).
وذكر الآمدي أن تفسير الاستحسان بالرجوع عن حُكْم دليلٍ خاصٍّ إلى مقابله بدليلٍ طارئٍ عليه أقوى منه , من نصٍّ أو إجماعٍ أو غيره , لا نزاع في صحة الاحتجاج به، وإن نوزع في تلقيبه بالاستحسان , فحاصل النزاع راجعٌ فيه إلى الإطلاقات اللفظية، ولا حاصل له (٤).
стр. 391
وإن كان الاستحسان تركاً لقياسٍ جليٍّ في مقابل قياسٍ خفيٍّ أدقَ منه، فهو محلُّ اتفاقٍ أيضاً؛ لأنه تَرْكُ قياسٍ مرجوحٍ إلى قياسٍ راجح، فليس فيه خروجٌ على القياس , وإن اختلفوا في تسمية ذلك بالاستحسان.
والاختلاف في إطلاق مُسمَّى الاستحسان على تلك المعاني راجعٌ إلى الاصطلاح , ولامشاحة في الاصطلاح.
ولهذا قال ابن الحاجب: " ولا يتحقَّق استحسانٌ مختلَفٌ فيه" (١).
وقال ابن السُّبكي: " وقد ذُكِر للاستحسان تفاسيرُ أُخر مزيفةٌ لا نرى التطويل بذكرها, وحاصلها يرجع إلى أنه لا يتحقَّق استحسانٌ مختلَفٌ فيه" (٢).
وقال الأصفهاني بعد مناقشته الاختلافَ في تعريف الاستحسان: " فقد ثبت أن الاستحسان في الصور التي ذكرناها مما لا نزاع فيه" (٣).
وقال المحلِّي: " فلم يتحقَّق معنىً للاستحسان مما ذُكِر يصلح محلّاً للنزاع" (٤).
وخلاصة القول في الكلام عن حُجِّية الاستحسان أنه" لما اختلفت العبارات في تفسير الاستحسان, مع أنه قد يُطلَق لغةً على ما يهواه الإنسان ويميل إليه ,وإن كان مستقبَحاً عند الغير ,وكثُر استعماله في مقابلة القياس على الإطلاق ,كان إنكار العمل به عند الجهل بمعناه مستحسَناً حتى يتبين المراد منه؛ إذ لا وجه لقبول العمل بما لا يُعرَف معناه, وبعدما استقرت الآراء على أنه اسمٌ لدليلٍ متفقٍ عليه - نصَّاً كان أو إجماعاً أو قياساً خفيِّاً- إذا وقع في مقابلة قياسٍ تسبق إليه الأفهام , حتى لا يطلق على نفس الدليل من غير مقابلة , فهو حُجَّةٌ عند الجميع من غير تصوُّر خلاف, ثم إنه غلب في اصطلاح الأصول على القياس الخفي خاصّة , كما غلب اسم القياس على القياس الجلي؛ تمييزاً بين القياسين " (٥).
стр. 392
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان .
تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان في جوانب عديدة, من أهمها ما يأتي:
أولاً: قد يكون المناط متحقِّقاً ظاهراً في فرعٍ , والقياس يوجب الحُكْمَ به , إلا أنه قد ثبت بدليلٍ آخر ما يقتضي العدول عن موجِب ذلك القياس إلى موجِب ذلك الدليل.
وهذا الدليل قد يكون نصَّاً من الكتاب أو السُّنَّة, وقد يكون إجماعاً , وقد يكون الضرورة , وقد يكون المصلحة, وقد يكون العُرْف , كما تقدَّم (١).
فإذا ثبت ذلك الدليل عند المجتهد قَطَعَ المسألةَ - حينئذٍ - عن نظائرها , وأجرى عليها حكماً خاصَّاً بها؛ لأن مناط الحُكْم فيها غير متحقِّقٍ في نظائرها.
ومن الأمثلة على ذلك: جواز قبول الشهادة بالسماع ممن يُوثَق بخبره في النَّسَب والموت والنكاح والدَّخول , وذلك للضرورة , بينما القياس يقتضي عدم جواز قبول شهادة الشاهد مالم يعاين المشهود به , ولكن لو لم تقبل الشهادة فيها بالسماع لأدَّى ذلك إلى الضيق والحرج الشديد في أحكامٍ تمسُّ أكثرَ الناس (٢).
ثانياً: من ضوابط تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد كما تقدم (٣) , والاستحسان في أصله الأخذ بمصلحةٍ جزئيةٍ في مقابلة دليلٍ كلي.
قال الشاطبي: "ومقتضاه -أي: الاستحسان- الرجوع إلى تقديم الاستدلال المُرْسَل على القياس، فإن من استحسَن لم يرجع إلى مجرَّد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك
стр. 393
الأشياء المفروضة، كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمراً، إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحةٍ من جهةٍ أخرى، أو جلب مفسدةِ كذلك .. " (١).
لذا كان من اللازم على المجتهد في تحقيق مناطات الأحكام أن يراعي تحصيل أعلى المصالح ودرء أعظم المفاسد في كلِّ مسألةٍ على جهة الخصوص , وقد يستلزم ذلك الأخذ بمصلحةٍ جزئيةٍ في مقابل القياس.
قال ابن رشد (٢): " ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة، والعدل" (٣).
ومن الأمثلة على ذلك: جواز الاطلاع على العورات في التداوي , مع وجوب التحرُّز قدر الإمكان , وذلك لمصلحة الحفاظ على النفس, ودرء مفسدةٍ أعظم , وهي تلف العضو أو فوات الروح , وهو أخذٌ بمصلحةٍ جزئيةٍ في مقابل أصلٍ كليٍّ يمنع من الاطلاع على العورات (٤).
قال السرخسي: " المرأة عورةٌ مستورة, ثم أبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة ,فكان ذلك استحساناً؛ لكونه أرفق بالناس" (٥).
وقال ابن عبد السلام: " ستر العورات والسوآت واجب، وهو من أفضل المروآت، وأجمل العادات، ولا سيما في النساء الأجنبيات، لكنه يجوز للضرورات والحاجات" (٦).
وهذا الاستثناء من الأصل جارٍ على طريقة الشرع في الترخيصات التي يتحقق فيها تحصيل أعلى المصالح ودرء أشدِّ المفاسد.
قال ابن عبدالسلام: " اعلم أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل
стр. 394
مصالح عاجلةٍ وآجلةٍ تجمع كلُّ قاعدةٍ منها عِلَّةً واحدة، ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقةٌ شديدةٌ أو مفسدةٌ تُربي على تلك المصالح، وكذلك شرع لهم السعي في درء مفاسد في الدارين أو في أحدهما تجمع كلُّ قاعدةٍ منها عِلَّةً واحدة، ثم استثنى منها ما في اجتنابه مشقةٌ شديدةٌ أو مصلحةٌ تُربي على تلك المفاسد، وكلُّ ذلك رحمةٌ بعباده ونظر لهم ورفق، ويُعبَّر عن ذلك كلِّه بما خالف القياس، وذلك جارٍ في العبادات والمعاوضات وسائر التصرُّفات" (١).
ويتأكد العمل بهذا التصرُّف الاجتهادي فيما إذا لم يوجد نصٌّ ظاهرٌ في المسألة , أو اعتمد النظر فيها على العلل المُستنْبَطة, فاطِّراد القياس في تلك الواقعات يُلْحِق الضرر والعنت بالمكلفين , ويوقع المشقة البالغة عليهم, والاستحسان المُعْتبَر شرعاً يستلزم العدول عن ذلك القياس؛ رفعاً للحرج , ودفعاً للمشقة.
قال السرخسي في توجيه ترك القياس في مسألة تطهير الآبار التي تقع فيها النجاسة: " تركناه للضرورة المُحْوِجة إلى ذلك لعامَّة الناس, فإن الحرج مدفوعٌ بالنصّ ,وفي موضع الضرورة يتحقَّق معنى الحرج لو أُخِذ فيه بالقياس ,فكان متروكاً بالنصّ" (٢).
ثالثاً: من أظهر صور الاجتهاد في المناط الاجتهادُ في العلل القياسية , وذلك لإلحاق الفروع بالأصول في الأحكام, ومن أدقِّ أنواع الاستحسان ترك القياس الجلي , والأخذ بالقياس الخفي , وذلك لقوة العِلَّة وثبوتها فيه.
وترجع حقيقته إلى الترجيح بين الأقيسة عند تَعَدُّدِ وجوه القياس وتعارضها في الواقعة الواحدة.
وبهذا فإن الاستحسان في بعض أنواعه قياسٌ خفيٌّ وقع في مقابلة القياس الظاهر , وقد أُخِذ بالقياس الخفي لقوة أثره وصلاحيته (٣).
стр. 395
ومثاله: حُكْم سؤر سباع الطير يتجاذبه قياسان , أحدهما جلي , والآخر خفي, فمقتضى القياس الجلي الحُكْم بنجاسته قياساً على سؤر البهائم , وسؤر البهائم نجسٌ لمخالطة لعابها الماء , ولعابها متولِّدٌ من اللحم فيأخذ حكمه في النجاسة , فيكون سؤرها نجساً, فيقاس عليه سؤر سباع الطير بجامع أن كلاً منهما لعابه نجس ,لأن كلاً منهما متولِّدٌ عن اللحم النجس.
ومقتضى القياس الخفي الحُكْم بطهارته , لأنها تشرب بمنقارها على سبيل الأخذ ثم الابتلاع , والمنقار طاهر؛ لأنه جافٌّ ليس فيه رطوبةٌ فلايتنجس الماء بمخالطة اللُّعاب , فيكون سؤرها طاهراً قياساً على الآدمي , لعدم وجود العِلَّة الموجِبة للنجاسة ,وهي الرطوبة النَّجِسة في المنقار (١).
وبهذا يترجح القياس الخفي على القياس الجلي , لقوة العِلَّة وثبوتها فيه.
وتسميةُ أحد القياسين استحسانًا تمييزٌ له عن الآخر؛ لرجحانه عليه.
قال السرخسي: " فسمّوا ذلك استحساناً للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل التأمل, على معنى أنه يمُال بالحُكْم عن ذلك الظاهر لكونه مُستحسَناً لقوة دليله ,وهو نظير عبارات أهل الصناعات في التمييز بين الطرق لمعرفة المراد, فإن أهل النحو يقولون: هذا نُصِبَ على التفسير، وهذا نُصِبَ على المصدر، وهذا نُصِبَ على الظرف، وهذا نُصِبَ على التعجُّب, وما وضعوا هذه العبارات إلا للتمييز بين الأدوات الناصبة, وأهل العَروض يقولون: هذا من البحر الطويل وهذا من البحر المتقارِب وهذا من البحر المديد, فكذلك استعمال علمائنا عبارة القياس والاستحسان للتمييز بين الدليلين المتعارضين , وتخصيص أحدهما بالاستحسان لكون العمل به مُستحسَناً، ولكونه مائلاً، عن سَنَنَ القياس الظاهر " (٢).
وحاصل الفرق بين القياس الظاهر والاستحسان: " أن الاستحسان أخصّ من القياس من وجه، وأعمّ منه من وجه, أما أنه أخصّ منه، فمن جهة رجحان مصلحته، وكونها أشد مناسبةً في النظر من مصلحة القياس, وأما أنه أعمّ ; فمن جهة
стр. 396
أن القياس تابعٌ للعِلَّة على الخصوص، والاستحسان تابعٌ للدليل على العموم" (١).
رابعاً: من ضوابط تحقيق المناط اعتبار مآلات الأفعال في الأحكام كما تقدَّم (٢) , والاستحسان يرجع إلى النظر في مآلات الأفعال.
وقد صرَّح الشاطبي بأن قاعدة الاستحسان مبنيةٌ على أصل النظر في مآلات الأفعال , فقال: " ومما ينبني على هذا- أي: النظر في مآلات الأفعال- قاعدة الاستحسان" (٣).
فإذا كان موجِب الدليل في واقعةٍ ما يفضي إلى مآلٍ يتعارض مع مقصود الشارع من تحصيل أعظم المصالح ودرء أشدِّ المفاسد , فإن المجتهد يعدل -حينئذٍ- عن الأخذ بمقتضى ذلك الدليل , ويعمل بالدليل الأقوى ,وهو المصلحة المُعْتَبرة شرعاً.
وذلك "لأنَّا لو بقينا مع أصل الدليل العام لأدَّى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة، فكان من الواجب رعي ذلك المآل إلى أقصاه" (٤).
وهذه المصلحة في الأصل تعود إلى اعتبار لوازم الأدلة وتحقيق مناطاتها كما قصد الشارع من وضعها.
قال الشاطبي: " الاستحسان غير خارجٍ عن مقتضى الأدلة، إلا أنه نظرٌ إلى لوازم الأدلة ومآلاتها" (٥).
ومن الأمثلة التي توضح ذلك: تضمين الأجير المشترك , حتى لايلحق الضرر بأموال الناس , فالأصل أنه مؤتَمَن , والأمين لايضمن إلا بالتعدِّي , ولكن لما فسدت الذمم , وغلب على الأُجَرَاء الخيانة والتعدِّي , كان المُعتبَر استحساناً تضمينه, حتى لايدَّعي تلف الأشياء بحُجَّة أنه لايضمن , وهو اجتهادٌ متفِقٌ مع مقاصد الشرع في حفظ الأموال (٦).
стр. 397
المبحث الخامس
علاقة الاجتهاد في المناط بالمصلحة المرسلة
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالمصلحة المرسلة, وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف المصلحة المرسلة لغةً, واصطلاحاً .
المصلحة لغةً: مأخوذةٌ من الصلاح ,وهو ضدُّ الفساد (١).
قال ابن فارس: "الصَّاد واللاَّم والحاء: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على خلاف الفساد، يقال: صلَح الشيء يصلح صلوحاً .. " (٢).
والمصلحة: واحدة المصالح، والاستصلاح: نقيض الاستفساد، وأصلح الشيء بعد فساده: أقامه (٣).
والمصلحة اصطلاحاً: المحافظة على مقصود الشرع (٤).
ومقاصد الشرع خمسة, وهي: حفظ الدين, والنفس, والعقل, والنسل, والمال (٥).
стр. 398
قال الغزالي: " فكلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدة, ودفعها مصلحة" (١).
وتنقسم المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها إلى ثلاثة أقسام (٢):
١ - مصلحة ضرورية ,وهي: التي لابدَّ منها في قيام مصالح الدِّين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تَجْرِ مصالح الدنيا على استقامةٍ بل على فسادٍ وتهارجٍ وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم وحصول الخسران, وهي مايتوقف عليه حفظ الدين أو النفس أو العقل أو النَّسْل أو المال.
٢ - مصلحة حاجية , وهي: ما يُفتقَر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدِّي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب ,كرخص السفر والمرض، وإباحة الصيد, والتمتع بالطيبات مما هو حلالٌ في المأكل والمشرب والملبس والمسكن، وكالبيع, وضرب الدِّية على العاقلة, ونحو ذلك.
٣ - مصلحة تحسينية, وهي: الأخذ بما يليق من محاسن العادات والتجنب للأحوال المدنِّسات التي تأنفها العقول الراجحات , ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق, كالطهارة, وستر العورة ,وأخذ الزينة, والتقرب بنوافل العبادات, وكآداب الأكل والشرب واللباس، وعدم الإسراف او التقتير في المآكل والمشارب والملابس، وكمنع قتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد.
والمصلحة المُرْسَلة هي: كل منفعةٍ ملائمةٍ لمقصود الشارع لم يشهد لها نصٌّ خاصٌّ بالاعتبار أو الإلغاء (٣).
стр. 399
والإرسال لغة هو: مجرَّد الإطلاق, يقال: أرسل الناقة إذا أطلقها (١).
وقد سُمِّيت بالمصلحة المُرْسَلة لأنها مُطْلَقَةٌ لم يَرِدْ فيها دليلٌ خاصٌّ بالاعتبار أو الإلغاء، فهي مطلقةٌ من جهة الدليل الخاص لكنها مندرجةٌ تحت الدليل الكلي العام.
ومن هذا التعريف يمكن أن نستخلص ثلاثة قيودٍ تميِّز المصلحة المُرْسَلة عن غيرها من المصالح وهي:
الأول: أن لا يشهد لها نصٌّ خاصٌّ بالاعتبار, فيخرج بهذا القيد المصالح التي شهدت لها النصوص الخاصة بالاعتبار.
الثاني: أن لا يشهد لها نصٌّ خاصٌّ بالإلغاء، وهذا القيد يدل على عدم معارضتها للنصوص الشرعيَّة الخاصة.
الثالث: أن تكون ملائمةً لمقصود الشارع.
والمراد بملاءمة مقصود الشارع: أن لا تنافي أصلاً من أصوله، ولا تعارِض نصَّاً أو دليلاً من أدلته، بل تكون مُتَفَقَةً مع المصالح التي قصد الشارع تحصيلها.
قال الغزالي: " فكلُّ مصلحةٍ لا ترجع إلى حفظ مقصودٍ فُهِمَ من الكتاب والسُّنَّة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرُّفات الشرع فهي باطلةٌ مطَّرَحَة" (٢).
وما يلائم تصرُّفات الشارع" لا يخرج عن كونه شرعياً, وإن لم يرِد به نصٌّ معين ,إذ لا يلزم من عدم التنصيص عليه عدم شرعيته, ولو كان كلُّ حُكْمٍ يحتاج إلى نصٍّ معيَّنٍ للزم أن تضيق الشريعة, واللازم باطل؛ لأنها واسعة, فكذلك الملزوم" (٣).
والمصلحة المُرْسَلة بهذه القيود تُعتبَر طريقاً للحُكْم يستند إلى الدليل
стр. 400
الكلي , وليست في ذاتها دليلاً مستقلاً في إثبات الأحكام, ولذلك يصح إدراجها ضمن الأدلة التبعية.
المطلب الثاني: حُجِّية المصلحة المُرْسَلة .
المصلحة المُرْسَلة دليلٌ مُعتَبرٌ وحُجَّةٌ تثبت بها الأحكام الشرعيَّة متى استوفت شروط العمل بها.
وقد ذهب إلى ذلك: الإمام مالك (١).
وعند التحقيق نجد أن الفقهاء جميعاً في مختلف المذاهب يعملون بها.
قال الغزالي: " وإذا فسَّرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتِّباعها، بل يجب القطع بكونها حُجَّة" (٢).
وقال القرافي: " وأما المصلحة المُرْسَلة فالمنقول أنها خاصَّةٌ بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرَّقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرَّقوا، بل يكتفون بمُطْلَق المُناسبَة، وهذا هو المصلحة المُرْسَلة، فهي حينئذٍ في جميع المذاهب" (٣).
وقال ابن دقيق العيد: " نعم، الذي لا شك فيه أن لمالِك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيحٌ في الاستعمال على غيرهما " (٤).
والمصلحة بهذا الاعتبار لم يختلف أحدٌ باتخاذها أصلاً من أصول الشرع, ولكن اختلاف العلماء كان بالأسماء لا بالمُسمَّيات, بمعنى أنه اختلافٌ لفظي؛ لأن من أنكر الأخذ بالمصلحة المُرْسَلة لم يقصد هذا المعنى (٥).
стр. 401
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
أولاً: عمل الصحابة ﵃ بالمصلحة المرسلة حتى حُكِيَ في ذلك إجماعهم , حيث إن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أموراً لمُطْلَق المصلحة لا لتقدم شاهدٍ بالاعتبار، نحو: كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمرٌ ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر ﵄ ولم يتقدم فيها أمرٌ ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى, وتدوين الدواوين , وعمل السّكة للمسلمين ,واتخاذ السجن , وهدّ الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله ﷺ والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه، وذلك كثيرٌ جداً, وإنما عملوا ذلك لمُطْلَق المصلحة لا لتقدم شاهدٍ معينٍ بالاعتبار (١).
ثانياً: أنه ثبت بالاستقراء أن هذه الشريعة مبنيَّةٌ على المصالح للخلق في الدنيا والآخرة، وبناء الأحكام على المصالح المُرْسَلة فيه تحقيقٌ لمصالح الخلق فتكون حُجَّةً.
قال العز بن عبدالسلام: " التكاليف كلها راجعةٌ إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم" (٢).
وقال الفخر الرازي: " لما تأملنا الشرائع وجدنا الأحكام والمصالح متقارنين لا ينفك أحدهما عن الآخر، وذلك معلومٌ بعد استقرار أوضاع الشرائع " (٣).
والقائلون باعتبار المصلحة المرسلة دليلاً تثبت به الأحكام الشرعيَّة لم يقولوا بذلك على إطلاقه , بل قيدوا ذلك بشروطٍ تضع هذا الدليل في موضعه الصحيح , وتحفظ أحكام الشرع من اتباع الأهواء.
وشروط العمل بالمصلحة المرسلة هي:
стр. 402
١ - أن تكون المصلحة ملائمةً لتصرفات الشارع، وذلك بأن يكون لها جنسٌ اعتبره الشارع في الجملة بغير دليلٍ خاص، فكل مصلحةٍ لا تلائم تصرفات الشارع فهي باطلةٌ مطرحة (١).
٢ - أن لا تصادم المصلحة نصَّاً خاصَّاً من كتابٍ أو سُنَّة، أو تصادِم الإجماع.
قال الغزالي: "وكلُّ ذلك حُجَّةٌ بشرط أن لايكون غريباً بعيداً, وبشرط أن لا يصدم نصَّاً ,ولا يتعرَّض له بالتغيير" (٢).
٣ - أن تكون معقولة المعنى في ذاتها.
قال الطوفي: "وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات دون العبادات وشبهها؛ فإن العبادات حقّ الشارع وخاصُّ به، ولا يمكن معرفة حقِّه كمَّا وكيفاً وزماناً ومكاناً إلا من جهته، فيأتي به العبد على ما رُسِمَ له، ولهذا لما تقيد الفلاسفة بعقولهم ورفضوا الشرائع اسخطوا الله عليهم وضلوا وأضلوا، وهذا بخلاف حقوق المكلَّفين، فإن أحكامها سياسيةٌ شرعيةٌ وُضِعَت لمصالحهم، وكانت هي العبرة، وعلى تحقيقها المعمول" (٣).
وقال الشاطبي: " وأيضاً؛ فالمصالح المرسلة -عند القائل بها- لا تدخل في التعبدات ألبتة، وإنما هي راجعةٌ إلى حفظ أصل المِلَّة، وحياطة أهلها في تصرفاتهم العادية" (٤).
٤ - أن لا تعارض مصلحةً أرجحَ منها، أو يترتَّب على العمل بها مفسدةٌ أرجحُ منها، أو مساويةٌ لها (٥).
وبتحقُّق هذه الشروط ينضبط القول بالمصلحة المرسلة، ويتحقَّق مقصود الشرع باعتبارها, دون إفراطٍ يفضي إلى تغيير الأحكام، أو تفريطٍ يفضي إلى التضييق والحرج في أحكام الشرع.
стр. 403
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالمصلحة المرسلة .
يُعْتَبر دليل المصلحة المرسلة من أوثق الأدلة الشرعيَّة صلةً بالاجتهاد في المناط , وتظهر العلاقة الوثيقة بينهما في جوانب عديدة , من أهمها ما يأتي:
أولاً: تقدَّم أن المناط اصطلاحاً يعني: العِلَّة، وهي: ما أناطَ الشارعُ الحُكْم به وأضافه إليه (١).
والمجتهد قد يجد عند بحثه عن العِلَّة في حُكْم الأصل وصفاً ظاهراً منضبطاً يمكن تعديته إلى الفرع، فلايعدل حينئذٍ عن إجراء القياس.
وقد لايجد إلا معنىً مناسباً يلائم تصرُّفات الشارع في تحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، فيفزع حينئذٍ للاستنجاد به، وبناء الأحكام عليه في النوازل والمستجدات.
وذلك لأن المجتهد عندما يبحث في حُكْم النازلة فإنه إما أن يجد لها نظيراً في الكتاب أو السُّنَّة فيقيس ما لم يَرِدَ حكمه على ما ورد حكمه بجامعٍ مشترك.
وإما أنه لا يجد لتلك النازلة نظيراً بعينه في الكتاب أو السُّنَّة يقيس عليه، فيلجأ إلى النظر في المعاني الكليَّة التي جرت عليها تصرُّفات الشارع، فيحكم بها على تلك النازلة.
وهذا الاجتهاد يشمل المعاني الجزئية والكليَّة التي أناط الشارع الأحكام عليها وجوداً وعدماً.
قال الشافعي: " "كلُّ حُكْمٍ لله أو لرسوله وجدت عليه دلالةٌ فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسوله بأنه حُكِمَ به لمعنىً من المعاني، فنزلت نازلةٌ ليس فيها نصُّ حُكْمٍ - حُكِمَ فيها حُكْمُ النازلة المحكوم فيها، إذا كانت في معناها" (٢).
стр. 404
والفرق بين الصورتين أن المعاني في القياس ترجع إلى أصلٍ معين، بينما المعاني في المصالح المُرْسَلة لاترجع إلى أصلٍ معين، وإنما ترجع إلى أصولٍ كليَّة.
قال الغزالي: " كلُّ مصلحةٍ رجعت إلى حفظ مقصودٍ شرعيٍّ عُلِمَ كونه مقصوداً بالكتاب والسُنَّة والإجماع فليس خارجاً من هذه الأصول، لكنه لا يُسمَّى قياساً بل مصلحة مُرْسَلة، إذ القياس أصلٌ معيَّن، وكون هذه المعاني مقصودةً عُرِفَت لا بدليلٍ واحد، بل بأدلةٍ كثيرةٍ لا حصر لها من الكتاب والسُّنَّة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، تُسمَّى لذلك مصلحةً مُرْسَلة" (١).
وقد تقدَّم أن العِلَّة هي: الوصف الظاهر المنضبط المُعَرِّف للحكم بوضع الشارع (٢)، فمثلًا: أوجب الشارع قطع يد السارق، وإذا بحثنا عن عِلَّة هذا الحُكْم نجد أنها: السرقة، والسرقة من الأوصاف الظاهرة التي لا تخفى على أحد، كما أنها منضبطةٌ لا تختلف من شخصٍ لآخر أو من مكانٍ لآخر.
أما الحكمة فهي: المصلحة التي قصد الشارع من تشريع الحُكْم تحقيقها أو تكميلها, أو المفسدة التي قصد الشارع بتشريع الحُكْم دفعها أو تقليلها، فإذا كانت العِلَّة في قطع يد السارق هي: السرقة، فإن الحكمة من تشريع هذا الحدِّ: حفظ أموال الناس وحمايتها وصيانتها.
وبهذا يتبين أن حِكْمَة الحُكْم: هي الباعث على تشريعه, أما عِلَّة الحُكْم فهي الأمر الظاهر المنضبط الذي بنى الشارع الحُكْم عليه، وربطه به وجودًا وعدمًا; لأن من شأن إناطة الحُكْم به تحقُّق حِكْمَة تشريع الحُكْم منه.
ومن أنواع التعليل المُعتبَرة: "التعليل بالحِكْمَة الظاهرة المنضبطة" (٣).
стр. 405
وذلك لأن الحُكْم إذا اقترن بوصفٍ ظاهرٍ منضبطٍ مشتمِلٍ على حِكْمَةٍ غير منضبطةٍ بنفسها فإنه يصح التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم، بل ما اشتمل عليه من الحِكْمَة الخفية، فإذا كانت الحِكْمَة وهي المقصود من شرع الحُكْم مساويةً للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها (١).
ومن صور التعليل بالحِكْمَة التعليل بالأوصاف الملائمة لتصرُّفات الشارع التي لم يشهد لها دليلٌ خاصٌّ بالاعتبار أو الإلغاء, وهو ما يُطْلَق عليه مُسمَّى: ... " المصلحة المُرْسَلة" كما تقدَّم " (٢).
وقد بنى الصحابة رضوان الله عليهم كثيراً من تصرُّفاتهم الاجتهادية على التعليل بالمصلحة المرسلة، مثل: ضرب النقود، ووضع الخراج على الأراضي الزراعية، وإنشاء الدواوين، واتخاذ السجون، وغير هذا من المصالح التي وضعوا الأحكام بناءًعليها (٣).
ثانياً: قد يتفق المجتهدون على أصل المصلحة المقصودة شرعاً، ولكنَّهم يختلفون في تحقيق مناطها في بعض الصور والجزئيات، فقد يرى بعضهم أن المصلحة متحقِّقةٌ في صورةٍ معيَّنةٍ، ويرى آخرون أنها غير متحقِّقةٍ، أو يعارضها ماهو أرجحُ منها.
فالمقدِّمة الأولى وهي اعتبار المصلحة الكليَّة المقصودة شرعاً وقعت
стр. 406
مُسَلَّمَة، ولكن وقع الاختلاف في الحُكْم بثبوتها في صورةٍ معيَّنةٍ، مابين مُثْبِتٍ لوجود تلك المصلحة في تلك الصورة بعينها، وبين نافٍ لوجودها فيها، وهي المقدِّمة الثانية.
وبهذا يكون محلُّ النظر والتأمل والاجتهاد هو المقدمة الثانية.
قال الشاطبي: "والذي يقال فيه أن خاصية المقدِّمة النقلية أن تكون مُسَلَّمَةً إذا تحقَّق أنها نقلية؛ فلا تفتقر إلى نظرٍ وتأملٍ إلا من جهة تصحيحها نقلاً، ونظير هذا في العقليات المقدَّمات المُسَلَّمَة، وهي الضروريات وما تنزَّل منزلتها مما يقع مُسَلَّمَاً عند الخصم؛ فهذه خاصيَّة إحدى المقدِّمتين، وهي أن تكون مُسَلَّمَة" (١).
وقد تقدَّم أن الشريعة لم تنصُّ على حُكْم كلِّ جزئيةٍ على حِدَتِها، وإنما أتت بأمورٍ كليَّةٍ وعبارات مُطْلَقَةٍ تتناول أعداداً لا تنحصر (٢).
وقد شملت هذه الكليَّات مصالح الخلق في العاجل والآجل , ولم يتبق إلا الاجتهاد في تحقيق مناطاتها في الفروع والجزئيات الحادثة.
وإذا حصل خلافٌ ممن هو أهلٌ للاجتهاد في تحقيق مناطات تلك المصالح الكليَّة في بعض الصور والجزئيات فلاحرج حينئذٍ" لأن الأمر في ذلك راجعٌ إلى أمرٍ ظنِّيِّ مُجْتَهَدٍ فيه" (٣).
والعبرة في تحقيق مناطات المصالح الكليَّة تحقُّق الظنِّ الراجح الذي لا يعارضه ما هو أقوى منه.
قال ابن عبد السلام: " لمَّا كان الغالب صدق الظنون بُنيَت عليها مصالح الدنيا والآخرة ; لأن كذبها نادر، ولا يجوز تعطيل مصالح صدَّقها الغالب خوفاً من وقوع مفاسد كذَّبها النادر، ولا شك أن مصالح الدنيا والآخرة مبنيَّةٌ على الظنون " (٤).
стр. 407
وأكثر المصالح والمفاسد إنما تُعْرَف بالتقريب لا بالتحديد.
قال ابن عبدالسلام: " أكثر المصالح والمفاسد لا وقوف على مقاديرها وتحديدها، وإنما تُعرف تقريباً؛ لعزة الوقوف على تحديدها" (١).
ولا يشترط فيها القطع " إذ لو شُرِط فيها العلم لفات معظم المصالح الدنيوية والأخروية" (٢).
ولذلك يقع الخلاف كثيراً بين المجتهدين في تحقيق مناطات المصالح والمفاسد , ولاسيما التي لم يرد بشأنها دليلٌ خاصٌّ بالاعتبار أو بالإلغاء, وهي المصالح المُرْسَلة.
ثالثاً: الأحكام الشرعيَّة مطَّرَدةٌ لا تختلف ولا تتغيَّر , وإنما الذي يتغيَّر هو محل ذلك الحُكْم الذي يتحقَّق فيه المناط أو يتخلَّف عنه، إما لفقدان شرطٍ أو لوجود مانع.
و" حُكْم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان وتطوّر الأحوال وتجدّد الحوادث، فإنه ما من قضيةٍ كائنةً ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ نصَّاً أو ظاهراً أو استنباطاً، أو غير ذلك، عَلِم ذلك من عَلِمَه وجَهِله من جَهِله , وليس معنى ما ذكره العلماء من تَغَيُّر الفتوى بتغيُّر الأحوال ما ظنَّه مَن قَلّ نصيبهم - أو عُدِم - مِن معرفة مدارك الأحكام وعللها، حيث ظنَّوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية البهيمية وأغراضهم الدنيوية وتصوراتهم الخاطئة الوَبِيّة، ولهذا تجدهم يُحَامُون عليها، ويجعلون النصوص تابعةً لها منقادةً إليها مهما أمكنهم، فيُحَرّفون لذلك الكَلِم عن مواضعه، وحينئذٍ مَعنى تَغَيُّر الفتوى بتغيُّر الأحوال والأزمان مُراد العلماء منه ما كان مُسْتَصْحَبةً فيه الأصول الشرعيَّة والعِلل المرعية، والمصالح التي جِنسها مُراد لله تعالى ورسوله ﷺ " (٣).
стр. 408
فأحكام الشرع ثابتةٌ لا تتغيَّر , وستظلُّ كذلك إلى قيام الساعة, ولا يجوز اعتقاد غير ذلك.
ولذلك" لا تجد فيها بعد كمالِها نسخاً، ولا تخصيصاً لعمومها، ولا تقييداً لإطلاقها، ولا رفعاً لحُكْمٍ من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمانٍ دون زمان، ولا حالٍ دون حال، بل ما أُثْبِت سبباً فهو سببٌ أبداً لا يرتفع، وما كان شرطاً فهو أبداً شرط، وما كان واجباً فهو واجبٌ أبداً، أو مندوباً فمندوب، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ولا تبُّدل، ولو فُرِض بقاء التكليف إلى غير نهايةٍ لكانت أحكامها كذلك " (١).
والذي يتغيَّر هو محلُّ الحُكْم , فإنه قد يطرأ عليه من الأحوال والحيثيات ما يجعله مختلِفاً عن محلٍّ آخر، فيقتضي تحقيق مناطٍ مختلِفٍ عن غيره.
فقد يطرأ على محلٍّ من الأحوال والحيثيات ما يتحقَّق معه مناط المصلحة المقصودة شرعاً , وقد يطرأ عليه من الأحوال والحيثيات ما يتخلَّف عنه مناط المصلحة المقصودة شرعاً.
وعلى هذا فإن المصالح المُرْسَلة قد تختلف بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال, فما يكون مصلحةً في حالٍ لا يلزم أن يكون كذلك في حالٍ آخر , وعلى المجتهد أن يراعي ذلك في تحقيق مناط المصلحة على آحاد الوقائع والجزئيات المتجدِّدة , ولاسيما التي لم يَرِدْ بشأنها دليلٌّ خاصٌّ بالاعتبار أو الإلغاء.
ومن الأمثلة على ذلك: أن الله أمر المسلمين بإعداد القوة التي ترهب عدوهم، وتقوى بها شوكة المسلمين.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وصور القوة التي تتحقَّق بها مصلحة إرهاب العدو تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال.
стр. 409
فقد كانت أكمل صور القوة في زمن النبي ﷺ تكمن في الرمي بالسهام كما قال ﵊: " ألاَ إنَّ القوَّةَ الرَّميُ، ألاَ إنَّ القوَّةَ الرَّميُ" (١).
أما في هذا الزمن فإن أكمل صور القوة التي تتحقق بها مصلحة إرهاب العدو تتمثل في: امتلاك الصواريخ، والطائرات الحربية، والمدفعيات، والدبَّابات، والقنابل، ونحو ذلك (٢).
وذلك لأن مناط الحُكْم هو إرهاب العدو , والصور التي يتحقَّق فيه هذا المناط تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال (٣).
قال ابن السعدي: "ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦] وهذه العِلَّة موجودةٌ فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحُكْم يدور مع عِلَّته ,فإذا كان شيءٌ موجودٌ أكثرَ إرهاباً منها، كالسيارات البرِّية والهوائية، المُعَدَّة للقتال التي تكون النكاية فيها أشدّ، كانت مأموراً بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة، وجب ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب" (٤).
وبناءً على ذلك" فالواجب على المسلمين في هذا العصر بنصِّ القرآن صُنْعُ المدافع بأنواعها، والبنادق، والدبابات، والطيارات، والمناطيد، وإنشاء السفن الحربية بأنواعها، ومنها الغَّواصات التي تغوص في البحر، ويجب عليهم تعلُّم الفنون والصناعات التي يتوقَّف عليها صنع هذه الأشياء، وغيرها من قوى الحرب" (٥).
стр. 410
المبحث السادس
علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع, وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف سدِّ الذرائع لغةً واصطلاحاً .
السدُّ لغةً: المنع والإغلاق (١).
والذرائع لغةً: جمع ذريعة، والذريعة هي: الوسيلة , والسبب الموصل إلى الشيء (٢).
والذريعة اصطلاحاً-أي: التي تُسدُّ- هي: "الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلةٌ إلى فعل المحرَّم" (٣).
وبهذا يكون سدُّ الذرائع في اصطلاح الأصوليين يعني: منع الوسائل المباحة في ظاهرها المفضية غالباً إلى مفاسد راجحة (٤).
قال ابن عاشور: "هذا المركَّب لقبٌ في اصطلاح الفقهاء لإبطال
стр. 411
الأعمال التي تؤول إلى فسادٍ مُعتبَر , وهي في ذاتها لامفسدةَ فيها" (١).
ومن هذا التعريف يمكن أن نستخلص ثلاثة قيودٍ ينضبط بها معنى سدِّ الذرائع عند الأصوليين , وهي:
الأول: أن الوسيلة المتوسَّل بها في أصلها مباحة؛ لأن الوسائل المحُرْمَة في ذاتها إنما حُرِّمت لكونها في نفسها فساداً فلايخالف في ذلك أحد , وليست هذه الصورة مما نحن فيه (٢).
والثاني: أن الأمر المتوسَّل إليه لابدَّ أن يكون محظوراً في الشرع؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما حصل منع الوسيلة المفضية إليه.
والثالث: أن الوسيلة لابدَّ أن تفضي غالباً إلى مفسدةٍ راجحة؛ لأن العبرة بغالب الظنّ , وغالب الظنِّ يجري مجرى العلم في الأحكام (٣).
فإذا كانت الوسيلة تفضي نادراً إلى مفسدةٍ فإنها لاتُمْنَع؛ لأن النادر لاحُكْم له (٤).
قال الشاطبي: " ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادراً فهو على أصله من الإذن؛ لأن المصلحة إذا كانت غالبةً فلا اعتبار بالندور في انخرامها، إذ لا توجد في العادة مصلحةٌ عريَّةٌ عن المفسدة جملة, إلا أن الشارع إنما اعتبر في مجاري الشرع غلبة المصلحة، ولم يُعْتَبر ندور المفسدة إجراءً للشرعيات مجرى العاديات في الوجود" (٥).
وكذلك إذا كانت الوسيلة تفضي إلى مفسدةٍ مرجوحةٍ فإنها تُمنَع؛ لأن المصالح الراجحة مقدَّمةٌ على المفاسد المرجوحة (٦).
стр. 412
ويستوي الحُكْم في ذلك سواءً قصد المكلَّفُ التوسَّلَ بالمباح إلى المنهي عنه أم لم يقصد، مع إن القصد إلى ذلك أشنع.
قال ابن القيم: " والشارع حرَّم الذرائع، وإن لم يُقصَد بها المحرَّم؛ لإفضائها إليه, فكيف إذا قصد بها المحرَّم نفسَه؟ " (١).
المطلب الثاني: حُجِّية سد الذرائع .
قاعدة سدِّ الذرائع حُجَّةٌ مُعْتَبَرةٌ في الأحكام الشرعيَّة , وأصلٌ جرى التصرُّف به في الكتاب والسُنَّة وعَمِل به الصحابة.
وقد ذهب إلى ذلك: المالكية (٢)، والحنابلة (٣).
وأصل سدِّ الذرائع معتبرٌ من حيث العمل به عند المذاهب الأربعة كافة, وإن حُكيَ الخلاف فيه (٤).
قال الشاطبي: "إنَّ سدَّ الذَّرائع أصلٌ شرعيٌّ قطعيٌّ متفقٌ عليه في الجملة، وإن اختلف العلماء في تفاصيله, وقد عمل به السَّلف بناءً على ما تكرَّر من التَّواتر المعنويّ في نوازل متعدِّدة دلّت على عموماتٍ معنويّة، وإنْ كانت النَّوازل خاصّةً ولكنها كثيرة" (٥).
ونفى القرافي أن يكون أصلاً خاصاً بمذهب مالك فقال: " فليس سدُّ الذرائع خاصّاً بمالك ﵀ بل قال بها هو أكثر من غيره, وأصل سدِّها مجمعٌ عليه" (٦).
стр. 413
ونقل الزركشي عن القرطبي قوله: " وسدُّ الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه , وخالفه أكثر الناس تأصيلاً، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلاً" (١).
ومن أهم الأدلة على اعتبار قاعدة سدِّ الذرائع في الأحكام مايأتي:
أولاً: جاء الشرع بتحريم وسائل لاشكَّ في إباحتها لو تجرَّدت عما أفضت إليه, وقد تتجرَّد فترجع إلى أصل الإباحة, وانما حرَّمها الشارع، لعِلَّة إفضائها إلى مُحَرَّم , ومن ذلك:
- قوله تعالى ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
فالله حرّم سبَّ آلهة الكفار مع أنه عبادة، وعلَّل هذا المنع بكونه ذريعةً إلى سبِّهم له -جلَّ وعلا- فمصلحة تركهم سبّ الله - سبحانه - راجحةٌ على مصلحة سبِّنا لآلهتهم (٢).
- تركُه ﷺ قتلَ المنافقين، مع أنَّ في قتلهم مصلحةً كبيرة، وذلك لئلا يكون ذريعةً إلى قول الناس: "إنَّ محمداً يقتل أصحابه" (٣) وهذا القول يوجب النفور عن الإسلام , ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل (٤).
- قوله ﷺ لعائشة ﵂: "لولا قومك حديثو عهدٍ بكفرٍ لنقضتُ الكعبةَ فجعلت لها بابين، بابٌ يدخل منه الناس، وبابٌ يخرجون" (٥).
فكان تركُه ﷺ لذلك سدَّاً للذريعة؛ حتى لايوجب استنكار الناس، وربما أدّى ذلك إلى ارتداد بعض مَن دخل في الإسلام حديثاً.
стр. 414
قال النووي: "إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحةٌ ومفسدةٌ, وتعذَّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بُدِئ بالأهم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن نقض الكعبة وردَّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم ﷺ مصلحة, ولكن تُعارِضُه مفسدةٌ أعظم منه, وهي خوف فتنةِ بعضِ مَنْ أسْلَمَ قريباً؛ وذلك لِما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيماً , فتركها ﷺ " (١).
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يَقْصُرَ فَهْمُ بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدّ منه" (٢).
ثانياً: أنَّ الله توعَّد بالعقاب من يحتال إلى الممنوع بفعلٍ جائز, فدلَّ ذلك على تحريم الفعل الجائز إذا كان يُتوسَّل به إلى ممنوع، وهذا هو عين سدِّ الذرائع (٣).
ومن ذلك: أن الله - جل وعلا- ذمَّ أصحاب السبت؛ لأنهم احتالوا على ما حرَّمه عليهم من صيد الحيتان يوم السبت، وابتلاهم الله بأن جعل الحيتان تأتيهم يوم السبت شُرَّعاً، ولا تكون على هذه الحالة باقي الأيام، فاحتالوا على ذلك؛ بأن حفروا لها حفراً في البحر تحجزها ليسهل عليهم صيدها في باقي الأيام (٤).
قال تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣].
стр. 415
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع .
يُعْتَبر دليل سدِّ الذرائع من أوثق الأدلة الشرعيَّة صِلةً بالاجتهاد في المناط , وتظهر العلاقة الوثيقة بينهما في جوانب عديدة , من أهمها مايأتي:
أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلفين (١).
وقاعدة سدَّ الذرائع راجعةٌ في الأصل إلى اعتبار المآل.
فالأصل في سدّ الذَّرائع هو النَّظر إلى مآلات الأفعال، فيأخذُ الفعلُ حكماً يتفق مع ما يؤول إليه، سواءٌ أكان يقصد ذلك الذي آل إليه الفعل أو لا يقصده، فإذا كان الفعل يؤدي إلى مقصدٍ مطلوبٍ شرعاً فهو مُعْتَبَر، وإنْ كان يؤدي إلى خلافه فهو غير مُعْتَبَر.
وقد بنى الشاطبي قاعدة سدّ الذَّرائع على قصد الشَّارع إلى النَّظر في مآلات الأفعال سواءٌ أكانت موافقةً أو مخالِفة؛ لأنَّ المجتهد لا يحكم على فعلٍ من الأفعال الصَّادرة عن المكلّفين بالإقدام أو الإحجام إلاَّ بعد النَّظر إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل (٢).
والفعل قد شُرِع إما لاستجلاب مصلحةٍ أو لدرء مفسدة , ثم قد يكون له مآلٌ على خلاف ماقُصِد منه, فإذا أُطلق القول فيه بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدةٍ تساوي تلك المصلحة أو تزيد عليها (٣).
والوسائل المشروعة في أصلها قد يترتَّب عليها في بعض الأحوال حصولُ مفسدةٍ إما قطعيةٌ أو راجحة , فإذا كانت كذلك مَنَعَ المجتهدُ المكلَّفَ حينئذٍ من مباشرتها قولاً كانت أو فعلاً , وسواءً قصد المكلَّفُ تلك المفسدة أو
стр. 416
لم يقصدها , وذلك عملاً بقاعدة سدِّ الذرائع في الأحكام , وهي في الأصل نظرٌ في مآلات تلك الوسائل.
ومن الأمثلة على ذلك: مَنْعُ عمر ﵁ بعضَ الصحابة من الزواج بالكتابيات مع إباحة الشرع لذلك بصريح الكتاب ,وهو قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وذلك " حذراً من أن يقتدي بهم الناس في ذلك، فيزهدوا في المسلمات " (١).
فكان هذا التصرُّف الاجتهادي من عمر ﵁ عملاً بقاعدة سدِّ الذرائع , حيث نظر إلى ماسيؤول إليه الفعل من مفسدةٍ راجحةٍ لو بقي الأمر على ظاهر الإباحة , فكان القول بمنعه في تلك الحالة أولى , وهو من الاجتهاد في تحقيق المناط الذي من ضوابطه اعتبار مآلات الأفعال.
ثانياً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط مراعاة مقاصد المكلَّفين في التصرُّفات (٢).
ومن الذرائع التي يجب سدُّها ما قصد المكلَّف فيه بالمباح التحايُّلَ على مقصود الشارع , فينتج عن ذلك مفسدةٌ راجحة.
وقد سبقت الإشارة إلى أن سدَّ الذرائع يشمل ما قصد المكلَّف فيه المفسدة وما لم يقصد , وأن الحيل ما قصد المكلَّف فيه المفسدة بفعل المباح, وهي مخالَفةٌ للشرع أشنع من الأولى وأقبح عياذاً بالله.
قال ابن تيمية: "الذرائع حرَّمها الشارع وإن لم يقصد بها المُحَرَّم خشية إفضائها إلى المُحْرَّم، فإذا قصد بالشيء نفسَ المُحْرَّم كان أولى بالتحريم من الذرائع" (٣).
стр. 417
وحقيقة الحيل: " تقديم عملٍ ظاهرِ الجواز لإبطال حُكْمٍ شرعيٍّ وتحويله في الظاهر إلى حُكْمٍ آخر، فمآل العمل فيها خَرْمُ قواعد الشريعة" (١).
وهي كلُّ ما تضمَّن إسقاط واجبٍ, أو استحلال محرَّمٍ, أو أدى إلى إظهار الحقِّ في صورة باطلٍ, أو إظهار الباطل في صورة حقٍّ.
قال ابن تيمية: "صارت - أي: الحيل- في عُرف الفقهاء إذا أُطلقت قُصِد بها الحيل التي يُستحلُّ بها المحارِم كحيل اليهود، وكلُّ حيلةٍ تضمَّنت إسقاط حقِّ الله، أو الآدمي، فهي تندرج فيما يُستحلُّ بها المحارِم، فإنَّ تَرْكَ الواجب من المحارِم" (٢).
وقد استدل العلماء على تحريم الحيل بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الصحابة (٣).
ولاريب "أن تجويز الحيل يناقض سدَّ الذرائع مناقضةً ظاهرة، فإنَّ الشارع سدَّ الطريق إلى ذلك المحرَّم بكلِّ طريق، والمحتال يريد أن يتوسَّل إليه، ولهذا لما اعتبر الشارع في البيع والصَّرف والنكاح وغيرها شروطاً سدَّ ببعضها التذَّرع إلى الزِنا والرِّبا, وكمَّل بها مقصودَ العقود, لم يُمكِن المحتال الخروجَ عنها في الظاهر، فإذا أراد الاحتيال ببعض هذه العقود على ما منع الشارع منه أتى بها مع حيلةٍ أخرى توصِله بزعمه إلى نفس ذلك الشيء الذي سدَّ الشارع ذريعته, فلا يبقى لتلك الشروط التي تأتي بها فائدةٌ ولا حقيقة" (٤).
والمكلَّف إذا احتال على الشرع لتحليل ماحرَّم الله ,أو لإسقاط ما أوجب الله , كان مناقضاً لمصالح الشرع ,ساعياً في دين الله بالفساد.
قال ابن القيم: "الله تعالى إنما أوجب الواجبات وحرَّم المحرمات لما تتضَّمن من مصالح عباده في معاشهم ومعادهم؛ فالشريعة لقلوبهم بمنزلة الغذاء
стр. 418
الذي لابدَّ لهم منه والدواء الذي لا يندفع الداء إلا به، فإذا احتال العبد على تحليل ما حرَّم الله، وإسقاط ما فرض الله، وتعطيل ما شرع الله، كان ساعياً في دين الله بالفساد من وجوه:
أحدها: إبطاله ما في الأمر المُحتال عليه من حكمة الشارع ,ونقض حكمته فيه, ومناقضته له.
والثاني: أن الأمر المُحتال به ليس له عنده حقيقة، ولا هو مقصوده، بل هو ظاهر المشروع؛ فالمشروع ليس مقصوداً له، والمقصود له هو المُحْرَّم نفسه، وهذا ظاهرٌ فيما يقصد الشارع؛ فإن المُرابي مثلاً مقصوده الرِّبا المُحْرَّم، وصورة البيع الجائز غير مقصودةٍ له، وكذلك المتحيل على إسقاط الفرائض بتمليك مالِه لمن لا يهبه درهماً واحداً حقيقةُ مقصودِه إسقاطُ الفرض، وظاهر الهبة المشروعة غير مقصودةٍ له.
الثالث: نسبته ذلك إلى الشارع الحكيم, وإلى شريعته التي هي غذاء القلوب ودواؤها وشفاؤها، ولو أن رجلاً تحيَّل حتى قَلَبَ الغذاء والدواء إلى ضدِّه، فجعل الغذاءَ دواءً والدواءَ غذاءً، إما بتغيير اسمه أو صورته مع بقاء حقيقته لأهلك الناس، فمن عمد إلى الأدوية المُسهِلة فغيَّر صورتها أو أسماءها وجعلها غذاء للناس، أو عمد إلى السموم القاتلة فغيَّر أسماءها وصورتها وجعلها أدوية، أو إلى الأغذية الصالحة فغيَّر أسماءها وصورها؛ كان ساعياً بالفساد في الطبيعة، كما أن هذا ساعٍ بالفساد في الشريعة؛ فإن الشريعة للقلوب بمنزلة الغذاء والدواء للأبدان، وإنما ذلك بحقائقها لا بأسمائها وصورها" (١).
ولهذا اعتبر الشاطبي الضابط في الحيل المْحُرَّمَة ماعاد على مقاصد الشرع بالنقض والهدم فقال "فالحيل التي تقدَّم إبطالها وذمُّها والنهي عنها: ما هدم أصلاً شرعياً وناقض مصلحةً شرعية" (٢).
стр. 419
ومن الأمثلة على ذلك: من كان في يده نصاب زكاةٍ فباعَه أو وهبَه قبل تمام الحول، ثم استردَّه، فهذه حيلةٌ مُحَرَّمَةٌ باطلة، ولا يُسْقِط ذلك عنه فرضَ الله الذي فرضه وأوعد بالعقوبة الشديدة من ضيَّعه وأهمله، فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مَكْرٌ وخِداعٌ لم يكن في إيجابه والوعيد على تركه فائدة (١).
فالمجتهد في هذه الصورة اعتبر مقصود المكلَّف من تصرُّفه وتحايله على ما أوجب الله في ماله من الزكاة لإسقاطه , فأبطل تصرُّفه ولم يُبْرِأ ذمَّتَه من الواجب الذي في مالِه؛ لأنه كان يتذرَّع بذلك الفعل لإسقاط الزكاة الواجبة عليه في ذلك المال, وهو من صور الاجتهاد في تحقيق المناط الذي من ضوابطه مراعاة مقاصد المكلَّفين في التصرُّفات سدَّاً للذرائع المفضية إلى تعطيل مقاصد الشرع في الأحكام.
قال الشاطبي: " لما ثبت أن الأحكام شُرِعت لمصالح العباد كانت الأعمال مُعْتَبَرةً بذلك؛ لأنه مقصود الشارع فيها كما تبيَّن، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافِقاً والمصلحة مخالِفة؛ فالفعل غير صحيحٍ وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعيَّة ليست مقصودةً لأنفسها، وإنما قُصِد بها أمورٌ أُخَر هي معانيها، وهي المصالح التي شُرِعت لأجلها, فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات" (٢).
ثالثاً: قد يتفق المجتهدون على العمل بقاعدة سدِّ الذرائع, ولكن يختلفون في تحقيق مناط هذه القاعدة في بعض الصور والجزئيات الحادثة التي قد لا يظهر فيها رجحان المصالح أو المفاسد بشكلٍ جلي , وهو من أكثر صور الاختلاف بين المجتهدين في النوازل والمستجدات.
وتوضيح ذلك أن الذرائع منها ما يتبيَّن للمجتهد إفضاؤها للمفسدة غالباً ,
стр. 420
ومنها ما يتبيَّن إفضاؤها للمفسدة نادراً , ومنها ما يتبيَّن إفضاؤها للمفسدة كثيراً.
ومن الذرائع ما يُفْضِي إلى مفسدةٍ راجحة , ومنها ما يُفْضِي إلى مفسدةٍ مرجوحة.
وإنما المُعْتَبَر في ذلك كلَّه: الذرائع التي تُفْضِي غالباً أو كثيراً إلى مفسدةٍ راجحة , أو تفوِّت مصلحةً راجحة.
قال ابن تيمية: " الذرائع إذا كانت تُفْضِي إلى المُحْرَّم غالباً فإنه يحرِّمها مطلقاً, وكذلك إن كانت قد تفضي وقد لا تفضي لكن الطبع متقاضٍ لإفِضائها , وأما إن كانت إنما تُفْضِي أحياناً فإن لم يكن فيها مصلحةٌ راجحةٌ على هذا الإفضاء القليل، وإلا حرَّمها أيضاً " (١).
وقال ابن القيم: " "باب سدِّ الذرائع متى فاتت به مصلحةٌ راجحةٌ, أو تضمَّن مفسدةً راجحةً لم يُلتفت إليه" (٢).
ومن هنا ينشأ الخلاف بين المجتهدين في تحقيق مناط هذا الكلي على صورةٍ من الصور , فيرى بعضهم أن الذريعة في تلك الصورة تُفْضِي للمفسدة غالباً , وبعضهم يرى أنها تُفْضِي لمفسدةٍ ولكنها مرجوحةٌ في مقابل مصلحةٍ راجحة , وبعضهم يرى أنها لا تُفْضِي للمفسدة غالباً , وكلُّ ذلك من الاختلاف في تحقيق مناط سدِّ الذرائع في الصور والجزئيات الحادثة.
والوسائل إما أن تؤدي إلى مصالح محضة ,أو إلى مفاسد محضة, أو إلى مصالح ومفاسد مختلطة ,فالشارع حينئذٍ يقصد تحصيل المصالح المحضة ,ودرء المفاسد المحضة ,وتحصيل المصالح الراجحة, ودرء المفاسد الراجحة, والعبرة بالغالب.
قال الشاطبي: " فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تُفْهَم على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب جهة المصلحة، فهي المصلحة المفهومة عُرْفاً، وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عُرْفاً، ولذلك كان
стр. 421
الفعل ذو الوجهين منسوباً إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال فيه: إنه مصلحة، وإذا غلبت جهة المفسدة فمهروبٌ عنه، ويقال: إنه مفسدة" (١).
وينبني على ذلك أن المجتهد إذا غلب على ظنِّه أن تلك الذريعة تُفْضِي إلى حصول مفسدةٍ راجحةٍ اعتبر سدَّها , ومن غلب على ظنِّه أن سدَّها يُفْضِي إلى فوات مصلحةٍ راجحةٍ في مقابل مفسدةٍ مرجوحةٍ اعتبر فتحها.
لأن "سدَّ الذرائع" وإن صار لقباً يطلق عند الأصوليين على ذرائع الفساد , إلا أنه كما تمنع الوسائل المفضية إلى مفاسد راجحةٍ فكذلك يشرع فتح الذرائع الموصلة إلى مصالح راجحة (٢).
стр. 422
المبحث السابع
علاقة الاجتهاد في المناط بالعُرف
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالعُرف , وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف العُرف لغةً واصطلاحاً .
العُرف لغةً: ضد النُّكر , وجمعه أعراف (١).
وهو: كلُّ ما تعرفه النفس من خيرٍ, وتأنس به وتطمئن إليه (٢).
والعُرف اصطلاحاً: عادة جمهور قومٍ من قولٍ أو فعل (٣).
وهو من أوضح التعريفات وأدقِّها وأشملها , فهو واضحٌ في العبارة, دقيقٌ في الدلالة على المراد , شاملٌ لحقيقة العُرْف وأقسامه , كما سيتبيَّن في شرح التعريف.
وله تعريفاتٌ أخرى لاتسلم من المؤاخذات القوية (٤).
стр. 423
وفيما يأتي شرحٌ للتعريف , وبيانٌ لأهم محترزاته:
قوله: (عادة) يشير إلى أن العادة جنسٌ أعمّ تحته أنواعٌ منها العُرف (١).
والعادة هي: الأمر المتكرِّر من غير علاقةٍ عقلية , أي بدون تلازمٍ عقليًّ يستدعي حدوث التكرار, فلايُسمَّى التلازم العقلي عادةً مهما تكرَّر (٢).
وقوله: (جمهور) يفيد أن العُرف لايُعْتَبر إلا إذا كان شائعاً عند أكثر القوم (٣).
وقوله: (قوم) ليشمل ما إذا كان العُرف عامَّاً بين الناس , أو كان خاصاً بين طائفةٍ منهم ,كأهل حِرْفَةٍ معيَّنة ,أو أهل بلدٍ معيَّن (٤).
وقوله: (من قولٍ أو فعل) ليشمل الحدُّ العُرفَ اللفظي , والعُرفَ العملي (٥).
والعُرف اللفظي هو: أن يشيع بين الناس استعمال بعض الألفاظ أو التراكيب في معنىً معيّن، بحيث يصبح ذلك المعنى هو المفهوم المتبادر منها إلى أذهانهم عند الإطلاق، بلا قرينةٍ ولا علاقةٍ عقليّة، وذلك كاستعمال لفظ «الدراهم» بمعنى النقود الرائجة في البلد مهما كان نوعها وقيمتها، مع أنّ الدرهم في الأصل نقدٌ فضِّيٌ مسكوكٌ بوزنٍ معيَّنٍ وقيمةٍ محدَّدة (٦).
والعُرف العملي هو: اعتياد الناس على شيءٍ من الأفعال العادية أو
стр. 424
المعاملات المدنيّة، كتعارفهم في الأنكحة تعجيلَ جانبٍ معيَّنٍ من مهور النساء كالنصف أو الثلثين، وتأجيل الباقي إلى ما بعد الوفاة أو الطلاق (١).
والأَوْلى أن يزاد في التعريف مايعيِّن العُرفَ المُعْتَبر شرعاً, وهو العُرف الذي لم يثبت في الشرع مايبطله, أو يتعارض معه, كأن يجري عُرف أغلب الناس في بلدٍ أو طائفةٍ منهم على التعامل بالرِّبا, فهذا عُرفٌ باطلٌ غير مُعْتَبر؛ لأنه يصادم نصوص الشرع الذي ثبت فيها تحريم التعامل بالرِّبا (٢)، وعلى هذا يمكن أن يقال:
العُرف اصطلاحاً هو: عادة جمهور قومٍ من قولٍ أو فعلٍ لم يَرِدْ في الشرع ما يصادمه.
المطلب الثاني: حُجِّيَّة العُرف .
العُرف حُجَّةٌ مُعْتَبرةٌ في الأحكام الشرعيَّة التي وردت مطلقةً في الشرع، ولم يَرِدْ فيها تحديدٌ أو تقدير, أو أحال الشارع الاجتهاد فيها إلى تحكيم العُرْف.
وقد ذهب إلى أصل العمل بذلك عامّة المذاهب الأربعة , وإن اختلفوا في بعض آحاد الصور والحوادث.
قال القرافي: "أما العُرْف فمشتركٌ بين المذاهب, ومن استقرأها وجدهم يصرّحون بذلك فيها" (٣).
ولمَّا أورد الطوفي نصَّ القرافي السابق تعقبه تأييداً فقال: " هذا كما يقول
стр. 425
أصحابنا وغيرهم يُرْجع في القبض , والإحراز, وكلُّ ما لم يَرِد من الشرع تحديدٌ فيه إلى ما يتعارفه الناس بينهم" (١).
ولقد تظافرت أدلة الكتاب والسُّنَّة على اعتبار العُرف حُجَّةً في الأحكام الشرعيَّة حتى بلغت مبلغ القطع في الدلالة على ذلك , وبناءً على استقراء تلك النصوص المتكاثرة تقررت عند المجتهدين تلكم القاعدة الفقهية الشهيرة "العادة مُحَكَّمة" وما يندرج تحتها من قواعد فرعية (٢).
ومحلُّ العمل بالعُرْف: كلُّ ما ورد في الشرع مطلقاً، وليس له حدٌّ في الشرع، ولا في اللغة, فإنه حينئذٍ يُرْجَع فيه إلى العُرْف (٣).
ومن أهم الأدلة وأقواها وأوضحها في الدلالة على حجية العرف مايأتي:
١ - قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
وتحديد الرزق والكسوة ونوعهما تابعٌ للعُرف؛ لأن الله قد أحال إليه.
قال ابن جرير: " (بالمعروف) بما يجب لمِثْلِها على مِثْلِه، إذ كان الله تعالى ذكْرُه قد علم تفاوت أحوال خلقه بالغنى والفقر, وأنَّ منهم الموسِع والمُقْتِر وبيَّن ذلك، فأمر كلاً أن ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده على قدر ميسرته" (٤).
وإذا كان المعروف هو ما يجب لمِثْلِها على مِثْلِه، فإن المثلية هنا لا تُقَدَّر إلا من طريق العُرْف الغالب في كلِّ مجتمعٍ بحسبه.
قال الجصاص: " قوله تعالى: (بالمعروف) يدل على أن الواجب من النفقة والكسوة هو على قدر حال الرجل في إعساره ويساره; إذ ليس من