← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37630

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

بلقاسم الزبيدي

Полный текст (610 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الفعل ذو الوجهين منسوباً إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال فيه: إنه مصلحة، وإذا غلبت جهة المفسدة فمهروبٌ عنه، ويقال: إنه مفسدة" (١). وينبني على ذلك أن المجتهد إذا غلب على ظنِّه أن تلك الذريعة تُفْضِي إلى حصول مفسدةٍ راجحةٍ اعتبر سدَّها , ومن غلب على ظنِّه أن سدَّها يُفْضِي إلى فوات مصلحةٍ راجحةٍ في مقابل مفسدةٍ مرجوحةٍ اعتبر فتحها. لأن "سدَّ الذرائع" وإن صار لقباً يطلق عند الأصوليين على ذرائع الفساد , إلا أنه كما تمنع الوسائل المفضية إلى مفاسد راجحةٍ فكذلك يشرع فتح الذرائع الموصلة إلى مصالح راجحة (٢).

стр. 422

المبحث السابع علاقة الاجتهاد في المناط بالعُرف سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالعُرف , وذلك من خلال ثلاثة مطالب , وهي على النحو الآتي: المطلب الأول: تعريف العُرف لغةً واصطلاحاً . العُرف لغةً: ضد النُّكر , وجمعه أعراف (١). وهو: كلُّ ما تعرفه النفس من خيرٍ, وتأنس به وتطمئن إليه (٢). والعُرف اصطلاحاً: عادة جمهور قومٍ من قولٍ أو فعل (٣). وهو من أوضح التعريفات وأدقِّها وأشملها , فهو واضحٌ في العبارة, دقيقٌ في الدلالة على المراد , شاملٌ لحقيقة العُرْف وأقسامه , كما سيتبيَّن في شرح التعريف. وله تعريفاتٌ أخرى لاتسلم من المؤاخذات القوية (٤).

стр. 423

وفيما يأتي شرحٌ للتعريف , وبيانٌ لأهم محترزاته: قوله: (عادة) يشير إلى أن العادة جنسٌ أعمّ تحته أنواعٌ منها العُرف (١). والعادة هي: الأمر المتكرِّر من غير علاقةٍ عقلية , أي بدون تلازمٍ عقليًّ يستدعي حدوث التكرار, فلايُسمَّى التلازم العقلي عادةً مهما تكرَّر (٢). وقوله: (جمهور) يفيد أن العُرف لايُعْتَبر إلا إذا كان شائعاً عند أكثر القوم (٣). وقوله: (قوم) ليشمل ما إذا كان العُرف عامَّاً بين الناس , أو كان خاصاً بين طائفةٍ منهم ,كأهل حِرْفَةٍ معيَّنة ,أو أهل بلدٍ معيَّن (٤). وقوله: (من قولٍ أو فعل) ليشمل الحدُّ العُرفَ اللفظي , والعُرفَ العملي (٥). والعُرف اللفظي هو: أن يشيع بين الناس استعمال بعض الألفاظ أو التراكيب في معنىً معيّن، بحيث يصبح ذلك المعنى هو المفهوم المتبادر منها إلى أذهانهم عند الإطلاق، بلا قرينةٍ ولا علاقةٍ عقليّة، وذلك كاستعمال لفظ «الدراهم» بمعنى النقود الرائجة في البلد مهما كان نوعها وقيمتها، مع أنّ الدرهم في الأصل نقدٌ فضِّيٌ مسكوكٌ بوزنٍ معيَّنٍ وقيمةٍ محدَّدة (٦). والعُرف العملي هو: اعتياد الناس على شيءٍ من الأفعال العادية أو

стр. 424

المعاملات المدنيّة، كتعارفهم في الأنكحة تعجيلَ جانبٍ معيَّنٍ من مهور النساء كالنصف أو الثلثين، وتأجيل الباقي إلى ما بعد الوفاة أو الطلاق (١). والأَوْلى أن يزاد في التعريف مايعيِّن العُرفَ المُعْتَبر شرعاً, وهو العُرف الذي لم يثبت في الشرع مايبطله, أو يتعارض معه, كأن يجري عُرف أغلب الناس في بلدٍ أو طائفةٍ منهم على التعامل بالرِّبا, فهذا عُرفٌ باطلٌ غير مُعْتَبر؛ لأنه يصادم نصوص الشرع الذي ثبت فيها تحريم التعامل بالرِّبا (٢)، وعلى هذا يمكن أن يقال: العُرف اصطلاحاً هو: عادة جمهور قومٍ من قولٍ أو فعلٍ لم يَرِدْ في الشرع ما يصادمه. المطلب الثاني: حُجِّيَّة العُرف . العُرف حُجَّةٌ مُعْتَبرةٌ في الأحكام الشرعيَّة التي وردت مطلقةً في الشرع، ولم يَرِدْ فيها تحديدٌ أو تقدير, أو أحال الشارع الاجتهاد فيها إلى تحكيم العُرْف. وقد ذهب إلى أصل العمل بذلك عامّة المذاهب الأربعة , وإن اختلفوا في بعض آحاد الصور والحوادث. قال القرافي: "أما العُرْف فمشتركٌ بين المذاهب, ومن استقرأها وجدهم يصرّحون بذلك فيها" (٣). ولمَّا أورد الطوفي نصَّ القرافي السابق تعقبه تأييداً فقال: " هذا كما يقول

стр. 425

أصحابنا وغيرهم يُرْجع في القبض , والإحراز, وكلُّ ما لم يَرِد من الشرع تحديدٌ فيه إلى ما يتعارفه الناس بينهم" (١). ولقد تظافرت أدلة الكتاب والسُّنَّة على اعتبار العُرف حُجَّةً في الأحكام الشرعيَّة حتى بلغت مبلغ القطع في الدلالة على ذلك , وبناءً على استقراء تلك النصوص المتكاثرة تقررت عند المجتهدين تلكم القاعدة الفقهية الشهيرة "العادة مُحَكَّمة" وما يندرج تحتها من قواعد فرعية (٢). ومحلُّ العمل بالعُرْف: كلُّ ما ورد في الشرع مطلقاً، وليس له حدٌّ في الشرع، ولا في اللغة, فإنه حينئذٍ يُرْجَع فيه إلى العُرْف (٣). ومن أهم الأدلة وأقواها وأوضحها في الدلالة على حجية العرف مايأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وتحديد الرزق والكسوة ونوعهما تابعٌ للعُرف؛ لأن الله قد أحال إليه. قال ابن جرير: " (بالمعروف) بما يجب لمِثْلِها على مِثْلِه، إذ كان الله تعالى ذكْرُه قد علم تفاوت أحوال خلقه بالغنى والفقر, وأنَّ منهم الموسِع والمُقْتِر وبيَّن ذلك، فأمر كلاً أن ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده على قدر ميسرته" (٤). وإذا كان المعروف هو ما يجب لمِثْلِها على مِثْلِه، فإن المثلية هنا لا تُقَدَّر إلا من طريق العُرْف الغالب في كلِّ مجتمعٍ بحسبه. قال الجصاص: " قوله تعالى: (بالمعروف) يدل على أن الواجب من النفقة والكسوة هو على قدر حال الرجل في إعساره ويساره; إذ ليس من

стр. 426

المعروف إلزام المُعْسِر أكثر مما يقدر عليه ويمكنه، ولا إلزام الموسِر الشيءَ الطفيف, ويدل أيضاً على أنها على مقدار الكفاية مع اعتبار حال الزوج، وقد بيَّن ذلك بقوله عقيب ذلك: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا اشتطت المرأة وطلبت من النفقة أكثر من المعتاد المتعارف لمثلها لم تُعط، وكذلك إذا قصّر الزوج عن مقدار نفقة مثلها في العُرف والعادة لم يَحِلّ ذلك, وأُجبِر على نفقة مثلها" (١). ٢ - قوله تعالى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. فالله تعالى لم يقدِّر الوسط الواجب في كفارة الأيمان، بل إنه أطلقه، وأرجعه في ذلك إلى عُرف الناس, والناس متفاوتون في طعامهم بحسب تفاوت بلدانهم، فكلُّ بلدٍ لها طعامٌ خاص، بل إن البلد الواحد طعامهم متفاوتٌ حسب غناهم وفقرهم، فما اعتُبِر في عرف الناس أنه وسطٌ فهو الواجب، فدلَّ ذلك على أن العُرف مُعْتَبَر في الأحكام الشرعيَّة المطلقة التي لم يَرِدْ فيها تحديدٌ أو تقدير. قال ابن تيمية: " فأمر الله تعالى بإطعام المساكين من أوسط ما يطعم الناس أهليهم, وقد تنازع العلماء في ذلك: هل ذلك مقدَّرٌ بالشرع أو يُرجَع فيه إلى العُرف .. والراجح في هذا كلِّه أن يُرجَع فيه إلى العُرف فيطعِم كلُّ قومٍ مما يطعمون أهليهم" (٢). ٣ - حديث هند بنت عتبة، فيما روته عائشة ﵂: "أن هنداً بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٣). قال ابن قدامة: " فيه دلالةٌ على وجوب النفقة لها على زوجها، وأن ذلك مقدَّرٌ بكفايتها، وأن نفقة ولده عليه دونها مقدَّرٌ بكفايتهم، وأن ذلك

стр. 427

بالمعروف، وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها من غير عِلْمِه إذا لم يعطها إياه" (١). فالرسول الله ﷺ ردَّها إلى المعروف، وهو ما عُرِف أنه يكفيها من الطعام وغيره , وذلك بحسب العادة المعهودة التي تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والازمنة والأمكنة. قال ابن تيمية: "والصواب المقطوع به عند جمهور العلماء أن نفقة الزوجة مرجعها إلى العُرف وليست مقدَّرةً بالشرع؛ بل تختلف باختلاف أحوال البلاد والأزمنة وحال الزوجين وعادتهما" (٢). وقال ابن العربي في تقدير الإنفاق: "قد بيَّنا أنه ليس له تقديرٌ شرعي، وإنما أحاله الله سبحانه على العادة، وهي دليلٌ أصوليٌّ بنى الله عليه الأحكام، وربط به الحلال والحرام، وقد أحاله الله على العادة فيه في الكفَّارة، فقال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وقال جلَّ شأنه: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]. وقال ابن القيم: " والله ورسوله ذكرا الإنفاق مطلقاً من غير تحديدٍ ولا تقديرٍ ولا تقييد، فوجب ردُّه إلى العُرْف لو لم يردُّه إليه النبي ﷺ ، فكيف وهو الذي ردَّ ذلك إلى العُرْف، وأرشد أُمَّتَه إليه؟ " (٣). وهذا الحديث فيه تصريحٌ ودلالةٌ على اعتبار العُرف فيما جاء من الأحكام الشرعيَّة مطلقاً ولم يحُدَدَّ مقداره أو نوعه. وقد ذكر النووي من فوائد هذا الحديث: "اعتماد العُرف في الأمور التي ليس فيها تحديدٌ شرعي" (٤). وقال ابن حجر: " وفيه اعتماد العُرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قِبَل الشرع" (٥).

стр. 428

المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالعرف . يُعْتَبر دليل العُرف من أوثق الأدلة الشرعيَّة صِلَةً بالاجتهاد في المناط، وتظهر العلاقة الوثيقة بينهما في جوانب عديدة , من أهمها ما يأتي: أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام مراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة كما تقدَّم (١). ومن أهم الصور في ذلك: مراعاة المجتهد لاختلاف عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم بحسب اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم. ولذلك اُشترِط في المجتهد أن يكون عارفاً بعادات الناس في عصره وبلده؛ لأن الأحكام المترتِّبة على العُرف تختلف باختلاف الأعصار والأمصار. قال ابن عابدين: "اعلم أن المسائل الفقهية إما أن تكون ثابتةً بصريح النصِّ وهي الفصل الأول، وإما أن تكون ثابتةً بضرب اجتهادٍ ورأي، وكثيرٌ منها ما يبيِّنه المجتهد على ما كان في عرف زمانه, بحيث لو كان في زمان العُرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولاً، ولذا قالوا في شروط الاجتهاد إنه لابدَّ فيه من معرفة عادات الناس، فكثيرٌ من الأحكام تختلف باختلاف الزمان" (٢). بل لابدَّ أن يميِّز المجتهد بين الأعراف العامة التي تنطبق أحكامها على عامّة الناس , والأعراف الخاصّة التي تنطبق أحكامها على طائفةٍ من الناس, كأصحاب المِهَن والحِرَف المعيَّنة. وكذلك على المجتهد أن يميِّز بين الأعراف المُعْتَبرة شرعاً , والأعراف الباطلة التي تُصادِم النصوص الشرعية, فلايَعْتبِر الباطل , ويُبطِل المُعْتَبَر.

стр. 429

قال ابن عابدين: "المفتي الذي يفتي بالعُرف لا بدَّ له من معرفة الزمان وأحوال أهله , ومعرفة أن هذا العُرف خاصٌّ أو عام, وأنه مخالفٌ للنصِّ أو لا " (١). فلا يجوز للمفتي أن يفتي فيما يتعلَّق بالألفاظ كالطلاق والعِتاق والأيمان والأقارير بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عُرْفَ أهلها والمتكلمين بها ,بل يحملها على ما اعتادوه وعرفوه وإن كان الذي اعتادوه مخالفاً لحقائقها الأصلية اللغوية؛ لأن العُرْف يُقدَّم على الحقيقة المهجورة (٢). قال النووي في معرض كلامه عن أحكام الفتوى: " لا يجوز أن يفتي في الأيمان والإقرار ونحوهما مما يتعلَّق بالألفاظ إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ أو متنزِّلاً منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعُرفِهم فيها" (٣). ولو أن الرجل حفظ جميع كتب المذهب , فإن ذلك لا يؤهله للفتوى , إذ لابدَّ أن يتتلمذ للفتوى, ويتمرَّس عليها حتى يهتدي إلى الصواب فيها؛ لأن كثيراً من المسائل يُجاب عنه على عادات أهل الزمان فيما لايخالف الشريعة (٤). قال ابن عابدين: "ولابدَّ له من التخرُّج على أستاذٍ ماهر , ولا يكفيه مجرَّد حفظ المسائل والدلائل ,فإن المجتهد لابدَّ له من معرفة عادات الناس" (٥). و"من أفتى الناس بمجرَّد المنقول في الكتب على اختلاف عُرفِهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضلَّ وأضل، وكانت جنايته على الدِّين أعظم من جناية من طبَّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتابٍ من كتب الطبِّ على

стр. 430

أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم" (١). وذلك لأنه إذا ورد في الشرع حُكْمٌ مُطْلَقٌ من غير تقييدٍ ولا تقديرٍ فإنه يعني أن الشارع أحال المجتهدَ فيه إلى العُرف الذي يختلف باختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة, وهو من صور العدل والرحمة في هذه الشريعة؛ لأن حمل الناس في كلِّ زمانٍ ومكانٍ على حُكْم له صورةٌ واحدةٌ مع اختلاف أحوالهم فيه من العَنَت والمشقة بالمكلَّفين ما يُخرِج تلك الأحكام عن سَمْتِ الرسالة التي بُعِث بها النبي ﷺ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وعلى هذا فإنه لابدَّ للمجتهد في تحقيق مناطات الأحكام المترتبة على العُرف أن يكون عالماً بعادات أهل عصره, والأعرافِ الغالبةِ في أقوالهم وأفعالهم وبيوعاتهم ومناكحاتهم وكافّة تعاقداتهم. ثانياً: يُعْتَبر العُرف من أهم مسالك تحقيق المناط في الأحكام الشرعيَّة المطلقة التي لم يَرِد فيها تحديدٌ أو تقدير. وهو: أن يدلَّ العُرف - سواءٌ كان عامّاً أو خاصّاً - على ثبوت مُتعَلَّق الحُكْم الشرعي في بعض جزئياته كما تقدَّم (٢). ومن صور تحقيق المناط بالعُرف: حمل الأحكام الشرعيَّة المطلقة التي أناط الشارع الحُكْم فيها بالعُرف صراحةً على عادات الناس الغالبة أثناء تنزيل تلك الأحكام على الوقائع المتعلِّقة بهم. فكلُّ مارَدَّ الشرعُ الاجتهادَ في تقديره إلى العُرف بنصِّ الكتاب أو السُّنَّة فإنه يجب تحقيق المناط فيه بما غلب على الناس من أعرافهم وعاداتهم في ذلك الشيء, وهو ما يختلف بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال الجارية في الخلق. ومن الأمثلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].

стр. 431

أي: وعلى والد الطفل نفقةُ الوالدات وكسوتهن بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسرافٍ ولا إقتار، وبحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره (١). فالآية في هذا الموضع نصَّت صراحةً على ردِّ تقدير النفقة والكسوة إلى العُرف الغالب بين الناس مع مراعاة حال الأب في الغنى والفقر. قال ابن عبدالسلام: "وقد نصَّ الله على أن الكسوة بالمعروف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وكذلك السكنى وماعُون الدار يرجع فيهما إلى العُرف من غير تقدير، والغالب في كلِّ ما رُدَّ في الشرع إلى المعروف أنه غير مقدَّر، وأنه يُرجَع فيه إلى ما عُرِفَ في الشرع، أو إلى ما يتعارفه الناس" (٢). وقال ابن قدامة: "الصحيح ما ذكرناه، من ردِّ النفقة المطلقة في الشرع إلى العُرف فيما بين الناس في نفقاتهم، في حقِّ الموسِر والمعسِر والمتوسِّط، كما رددناهم في الكسوة إلى ذلك" (٣). وهكذا"كلُّ ما تكرَّر من لفظ "المعروف" في القرآن نحو قوله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] فالمراد به ما يتعارفه الناس في ذلك الوقت من مثل ذلك الأمر" (٤). ومن صور تحقيق المناط بالعُرْف -أيضاً-: حَمْلُ أحكام الشرع المطلقة التي لم يَرِد فيها تحديدٌ على العُرف الجاري بين الناس عامّةً ,أو بين طائفةٍ منهم , وذلك بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال المختلفة. قال ابن تيمية: "الأسماء التي علَّق الله بها الأحكام في الكتاب والسُّنَّة: منها ما يُعرَف حدُّه ومسمَّاه بالشرع، فقد بيَّنه الله ورسوله: كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج, والإيمان والإسلام، والكفر والنفاق, ومنه ما يُعرَف

стр. 432

حدُّه باللغة: كالشمس والقمر، والسماء والأرض, والبَرّ والبحر، ومنه ما يُرجَع حدُّه إلى عادة الناس وعُرفهم فيتنوع بحسب عادتهم: كاسم البيع والنكاح والقبض والدرهم والدينار، ونحو ذلك من الأسماء التي لم يحدُّها الشارع بحدّ؛ ولا لها حدٌّ واحدٌ يشترِك فيه جميع أهل اللغة , بل يختلف قدرُه وصفتُه باختلاف عادات الناس " (١). ومن ذلك: البلوغ ; فإنه يُعْتَبر فيه عوائد الناس من الاحتلام أو الحيض، أو بلوغ سِنِّ من يحتلم أو من تحيض، وكذلك الحيض يُعْتَبر فيه إما عوائد النساء بإطلاق , أو عوائد المرأة ,أو قراباتها، أو نحو ذلك فيُحْكَم لهم شرعاً بمقتضى العادة في ذلك (٢). وضابطه: كلُّ اسمٍ أو فعلٍ رتَّب الشارع عليه الحُكْم مطلقاً ولم يرد في الشرع ولا في اللغة تحديدٌ له ولاتقدير , فإنه يُرْجَع فيه إلى العُرْف. قال ابن تيمية: "كلُّ اسمٍ ليس له حدٌّ في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العُرف " (٣). وقال ابن النَّجار: "وضابطه: كلُّ فعلٍ رُتِّبَ عليه الحكم، ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة" (٤). ومن ذلك: ماجاء عن جابر بن عبدالله الأنصاري ﵁ أن رسول ﷺ قال: " مَنْ أحيا أرضاً ميتةً فهي له" (٥). فالإحياء ما تعارفه الناس إحياء؛ لأن الشرع وَرَدَ بتعليق المِلك على الإحياء، ولم يبيِّنه، ولا ذكر كيفيته، فيجب الرجوع فيه إلى ما كان إحياءً في

стр. 433

العُرف , ولأن الشارع لو علَّق الحُكْم على مُسَمَّى باسمٍ لتعلَّق بمسمَّاه عند أهل اللسان، فكذلك يتعلَّق الحُكْم بالمسمَّى إحياءً عند أهل العُرف، ولأن النبي ﷺ لا يعلِّق حكماً على ما ليس إلى معرفته طريق، فلما لم يبيِّنه تعيَّن العُرف طريقاً لمعرفته، إذ ليس له طريقٌ سواه (١). ويحصل إحياء الأرض عادةً إما بحائطٍ منيع، أو بإجراء الماء، أو حفر بئرٍ فيها، أو غرس شجر، ويُرجع في ذلك إلى العُرف، فما عدَّه الناس إحياءً فإنه تُمْلَك به الأرض الموات (٢). ومن صور تحقيق المناط بالعُرف -أيضاً-: حَمْلُ تصرُّفات المكلَّفين التعاقدية على ماجرت به العادة في تلك التصرُّفات مالم تكن مصادِمةً للشرع. فالعُرف العام أو الغالب في الناس عامّةً، أو عند طائفةٍ منهم, يجري مجرى النطق إذا لم يُصَرَّح بخلافه. قال ابن عبدالسلام: " كلُّ ما يثبت في العُرف إذا صرَّح المتعاقدان بخلافه بما يوافق مقصود العقد صح , فلو شرط المستأجر على الأجير أن يستوعب النهار بالعمل من غير أكلٍ وشربٍ ويقطع المنفعة لزمه ذلك" (٣). وقال ابن القيم: "وقد جرى العُرف مجرى النطق في أكثر من مائةٍ موضع" (٤). ومن ذلك: أنه لوباع شيئاً بدراهم وأطلق , فإنه يُحمَل على النقد الغالب في ذلك البلد؛ لأنه هو المُتعارَف عليه , فينصرف المُطْلَق إليه , إلا إذا صرَّح المتعاقدان بخلافه (٥).

стр. 434

ومن ذلك-أيضاً-: إذا كانت العادة في النكاح قبض الصَّداق قبل الدخول، أو في البيع الفلاني أن يكون بالنقد لا بالنسيئة، أو بالعكس، أو إلى أجل كذا دون غيره، فالحُكْم أيضا جارٍ على ذلك, مالم يصرِّح المتعاقدان بخلافه (١). ومن صور تحقيق المناط بالعُرف- أيضاً-: حَمْلُ ألفاظ المكلَّفين وعباراتهم على المعاني المتعارَف عليها بينهم. ومن ذلك: أن عبارات الواقفين لاتُبنى على الدقائق اللغوية والأصولية ,إنما تُبنى على مايتبادر ويُفْهَم منها بحسب عادات الواقفين ومقاصدهم (٢). وكذا ألفاظ الطلاق , والأيمان , والوصايا , والوكالة , والإقرار, ونحو ذلك مما يُعْتَبر فيه العادة الغالبة عند المتلفظين بها كنايةً وتصريحاً (٣). وبهذا يتبيَّن مما تقدَّم من صور تحقيق المناط بالعُرف أنه من أهم مسالك تحقيق مناطات الأحكام المطلقة التي لم يرد بشأنها في الشرع تحديدٌ أو تقدير. ثالثاً: قد ينيط الشارعُ الحُكْم بالعُرف , والعُرف تختلف صوره بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال, فإذا تغيَّر العُرف لزم تغيُّر الحكم، فالأحكام تدور مع مناطاتها وجوداً وعدماً. قال القرافي: " الأحكام المترتِّبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، فتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات، والعيوب في الأعراض في البياعات ونحو ذلك، فلو تغيَّرت العادة في النقد، والسّكَّة إلى سكَّةٍ أخرى لحُمِل الثمن في البيع عند الإطلاق على السّكَّة التي تجدَّدت العادة بها دون ما قبلها، وكذلك إذا كان الشيء عيباً في الثياب في عادةٍ رددنا به المبيع، فإذا

стр. 435

تغيَّرت العادة وصار ذلك محبوباً موجِباً لزيادة الثمن لم تُرَدَّ به، وبهذا القانون تُعتَبَر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهو تحقيقٌ مجمعٌ عليه بين العلماء، لا خلاف فيه " (١). و"جميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد إذا تغيَّرت العادة تغيَّرت الأحكام في تلك الأبواب" (٢). ومن الأحكام التي وردت في الشرع مطلقةً من غير تحديدٍ ولا تقدير، وأحال الشرعُ الاجتهادَ فيها إلى العُرف: اشتراط العدالة في الشهود , كمافي قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. فما يقدح في العدالة يختلف في بعض صوره باختلاف عادات الناس , فما يكون في بلدٍ أو زمنٍ قادحاً قد لايُعْتَبر كذلك في بلدٍ أو زمنٍ آخر. قال الشاطبي: " مثل كشف الرأس، فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيحٌ في البلاد المشرقية، وغير قبيحٍ في البلاد المغربية، فالحُكْم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح" (٣). وأيضاً" فإنَّا نفتي في زمانٍ معيَّنٍ بأن المشتري تلزمه سكَّةٌ معيَّنةٌ من النقود عند الإطلاق؛ لأن تلك السَّكَّة هي التي جرت العادة بالمعاملة بها في ذلك الزمان، فإذا وجدنا بلداً آخر وزماناً آخر يقع التعامل فيه بغير تلك السَّكَّة تغيَّرت الفتيا إلى السَّكَّة الثانية، وحَرُمَت الفتيا بالأولى لأجل تغيُّر العادة، وكذلك القول في نفقات الزوجات والذرية والأقارب وكسوتهم تختلف بحسب العوائد، وتنتقل الفتوى فيها وتَحرُم الفتوى بغير العادة الحاضرة، وكذلك تقدير العواري بالعوائد ,وقبض الصدقات عند الدخول أو قبله أو بعده .. " (٤). وقد ذكر ابن عابدين أمثلةً كثيرةً من المسائل التي اختلف حكمها

стр. 436

لاختلاف عادات الناس وأحوالهم (١). ولهذا فإن أصحاب المذاهب المتأخرين خالفوا أئمة مذاهبهم في أحكامٍ كثيرة , وكانت ترجع مخالفتهم في ذلك إلى تغيُّر الأعراف والعادات في أزمنتهم, ولو كانوا في أزمنة أئمتهم لقالوا بمثل ماقالوا به (٢). ويُعْتَبر أكثر خلاف المجتهدين في هذا النوع من الأحكام المترتِّبة على العُرف اختلاف عصرٍ وأوانٍ , لا اختلاف حُجَّةٍ وبرهان (٣). وقد تقرَّر عند الفقهاء أنه ليس في اعتبار العادة المتغيِّرة الحادثة مخالَفَةٌ للنصّ , بل هو اتباعٌ للنصّ؛ لأن الشرع أناط الحُكْم المُطْلَق بالعُرف المتغيِّر (٤). وإنَّ عدم اعتبار تغيُّر تلك الأحكام بتغيُّر عادات الناس حسب الأزمنة والأمكنة والأحوال المختلفة يُعْتَبر خلاف الإجماع , وهو من صور الجهل بالشريعة وتصرُّفاتها في الأحكام. قال القرافي: " إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغيُّر تلك العوائد خلاف الإجماع، وجهالةٌ في الدِّين، بل كلُّ ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغيَّر الحُكْم فيه عند تغيُّر العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجدِّدة" (٥). ومما يجدر التنبيه إليه أن اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد لايُعْتَبر اختلافاً في أصل خطاب الشرع , بل هو رجوع كلِّ عادةٍ إلى الأصل الشرعي الذي يُحُكْم به عليها؛ لأن الأحكام ثابتةٌ تتبع أسبابها حيث كانت. قال الشاطبي: " واعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب ; لأن الشرع موضوعٌ على أنه دائمٌ أبدي، لو فُرِض بقاء الدنيا من غير نهايةٍ والتكليف

стр. 437

كذلك، لم يُحتَج في الشرع إلى مزيد، وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كلُّ عادةٍ إلى أصلٍ شرعيٍّ يُحْكَم به عليها ; كما في البلوغ مثلا، فإن الخطاب التكليفي مرتفعٌ عن الصبي ما كان قبل البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف , فسقوط التكليف قبل البلوغ ثم ثبوته بعده ليس باختلافٍ في الخطاب، وإنما وقع الاختلاف في العوائد، أو في الشواهد، وكذلك الحُكْم بعد الدخول بأن القول قول الزوج في دفع الصداق بناءً على العادة، وأن القول قول الزوجة بعد الدخول أيضاً، بناءً على نسخ تلك العادة ليس باختلافٍ في حُكْم، بل الحُكْم أنَّ الذي ترجح جانبه بمعهودٍ أو أصل فالقول قوله بإطلاق؛ لأنه مُدَّعى عليه، وهكذا سائر الأمثلة ; فالأحكام ثابتةٌ تتبع أسبابها حيث كانت بإطلاق" (١).

стр. 438

الباب الخامس تطبيقات الاجتهاد في المناط في فقه النوازل المعاصرة ويشتمل على تمهيد وخمسة عشر مبحثا: المبحث الأول: استخدام مياة الصرف الصحي المُعالَجة في الطهارة. المبحث الثاني: تحديد أوقات الصلاة في البلدان الواقعة على خطوط العرض العالية. المبحث الثالث: زكاة أسهم الشركات. المبحث الرابع: استخدام الحقن العلاجية أثناء الصيام. المبحث الخامس: الإحرام بالحج أو العمرة للقادمين جواً بالطائرة. المبحث السادس: المتاجرة بالهامش في الأسواق المالية. المبحث السابع: خطاب الضمان البنكي. المبحث الثامن: التورُّق المصرفي المنظَّم. المبحث التاسع: تحديد النَّسْل. المبحث العاشر: إنشاء بنوك الحليب البشري والرضاع منها. المبحث الحادي عشر: إجراء عمليات التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب. المبحث الثاني عشر: إسقاط الجنين المشوَّه خِلْقياً. المبحث الثالث عشر: رفع أجهزة الإنعاش عن المتوفَّى دماغياً. المبحث الرابع عشر: زراعة ونقل الأعضاء التناسلية. المبحث الخامس عشر: زراعة عضوٍ استُؤصِل في حدٍّ أو قصاص.

стр. 439

تمهيد: تقدم الكلام في الأبواب الأربعة من هذا البحث عن الاجتهاد في المناط بأنواعه الثلاثة , وعلاقته بالأدلة الشرعيَّة , وذلك من الناحية التأصيلية. وفي هذا الباب الخامس سأتناول الجانب التطبيقي للموضوع , وذلك بذكر بعض النوازل والمستجدات الفقهية , وربط الاجتهاد فيها بالجانب التأصيلي؛ لأن المقصود من التأصيل بناء التطبيقات عليه. ويهدف هذا الباب إلى ربط الفروع الفقهية بعلم أصول الفقه وقواعده؛ لأن هذا العلم لم يختصّ بإضافته للفقه إلا لكونه مفيداً له ومحققاً للاجتهاد فيه , وهو أمرٌ بالغ الأهمية. فربط التأصيل بالتطبيق الفقهي يكشف عن مدى أهمية الأصل وضرورة الاعتناء به، و" كلُّ مسألةٍ مرسومةٍ في أصول الفقه، لا ينبني عليها فروعٌ فقهية، أو آدابٌ شرعية، أو لا تكون عوناً في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عاريَّة" (١). وتزداد أهمية ذلك فيما إذا كانت تلك التطبيقات الفقهية من النوازل والمستجدات التي تمسُّ حاجَة الناس في هذا العصر , ويكثر السؤال عن أحكامها في الشرع المطهر, فحينئذٍ تتأكد ضرورة الربط بين الجانب التأصيلي والجانب التطبيقي.

стр. 440

وقد قسمت هذا الباب إلى خمسة عشر مبحثاً , وجعلت كلَّ مسألةٍ في مبحثٍ مستقل , ورتبتها بحسب موقعها في الأبواب الفقهية أو تعلقها بها. ولمَّا كانت الدراسة تهدف إلى إبراز العلاقة بين الجانب النظري والتطبيقي في موضوع البحث , وأهمية الربط بينهما , ولم تكن تهدف إلى الاستيعاب , فقد اكتفيت بالتطبيق على بعض النوازل والمستجدات المنتشرة في أبوابٍ فقهيةٍ متفرِّقة, وهي تشمل: العبادات , والمعاملات , والنكاح وتوابعه , والحدود والجنايات. كما إني اقتصرت في تلك النوازل والمستجدات الفقهية على مالَه علاقةٌ بموضوع البحث, واستندت في أحكام تلك التطبيقات على قرارات الفتوى في بعض مؤسسات الاجتهاد الجماعي الموثوقة, كالمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهيئة كبار العلماء، واللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية، ولم أتوسع في ذكر الخلاف وأدلة المخالفين ومناقشتها؛ لأن محلها دراسات الفقه المقارن. وحتى يكون البحث في هذه المسائل مُتَّسِقاً , ومحقِّقاً للمقصود منه , فقد اتبعت المنهج اللآتي في عرضها: أبدأ أولاً بذكر عنوان المسألة , ثم أُعرِّف بها وأوضح صورتها , ثم أبيِّن الحُكْم الشرعي فيها من خلال القرارات الصادرة عن مؤسسات الاجتهاد الجماعي الموثوقة، والتي أشرت إليها آنفاً , ثم أوضِّح أوجه التطبيق على الجانب التأصيلي المتعلِّق بالاجتهاد في المناط في تلك المسألة. وقد بلغ عدد تلك المسائل التطبيقية (١٥) مسألة , مرتبةً حسب المباحث الآتية:

стр. 441

المبحث الأول استخدام مياة الصرف الصحي المُعالَجة في الطهارة مياه الصرف الصحي هي: المياه الناجمة عن مختلف الاستخدامات المنزلية، وكلُّ ما يمكن أن يَصُبّ في شبكة مجاري المدينة (١). وتتألف هذه المياه من عنصرين: (٢) الأول: الماء الطاهر الذي يشكِّل حوالي (٩٩%) من هذه المياة. والثاني: الملوثات الضارَّة والنجاسات، وهي تشكلَّ (١%). وتنقية هذه المياه ومعالجتها تتم من خلال عدة مراحل، وذلك بحسب الغرض منها، ومن ثَمّ يتحدد نوع الاستخدام لهذه المياه بعد المعالجة, وهذه المراحل على النحو الآتي: (٣) المرحلة الأولى: المعالجة الابتدائية . وتهدف هذه المرحلة إلى إزالة المواد الصلبة, كالرمال, والمعادن , والزجاج؛ حمايةً للأجهزة والمضخات المختلفة التي ستستخدم في المراحل اللاحقة، وحتى لاتتسبب في إعاقة عمليات المعالجة, وذلك من خلال صفايات ومناخل وأجهزة تفتيت.

стр. 442

المرحلة الثانية: المعالجة الأولية (الفيزيائية) . وتهدف هذه المرحلة إلى تخفيض قيم الملوثات الموجودة في مياة المجاري، ولاسيما المواد العضوية كالزيوت والشحوم والبروتينات، والمواد الصلبة غير العضوية القابلة للفصل كالقلويات والمعادن الثقيلة والكبريت، حيث يتم ترسيب هذه المواد من خلال أحواض الترسيب الأولي. المرحلة الثالثة: المعالجة الثانوية (البيولوجية أو الأحيائية) . وتهدف هذه المرحلة إلى تحليل المركبات العضوية إلى مواد غازية تتطاير، وتحويلها إلى مركباتٍ مستقرة، وكتلةٍ حيوية، تتألف في معظمها من البكتيريا، وبعض الكائنات الدقيقة التي يكون وزنها أكبر قليلاً من الوزن النوعي للماء، مما يسهل ترسيبها في أحواض الترسيب الثانوي، وفصلها عن المياة ومعالجتها على انفراد، مما يؤدي إلى الحصول على مياه خاليةٍ عملياً من التلوث العضوي. المرحلة الرابعة: (الترشيح، والتعقيم) . وهذه المرحلة تعتمد على وحدتين متتاليتين للمعالجة، هما: ١ - الترشيح: وتهدف هذه العلمية إلى فصل وإزالة المواد العالقة العضوية وغير العضوية، وجميع الشوائب التي لم يتم فصلها في حوض الترسيب الثانوي، وهذا من خلال المرشحات الرملية، التي يتم غسلها باستمرار عن طريق حركة المياة العكسية. ٢ - التعقيم: وتهدف هذه العملية إلى القضاء على البكتيريا والأحياء الأخرى الدقيقة التي تسبب عدة أمراض معدية وخطيرة، ويستخدم غاز الكلور المحقون في مياه الصرف الصحي لإحداث عملية التعقيم، كما يستخدم -أيضاً- التعقيم بالأوزون والأشعة فوق البنفسجية، وذلك لتهديم البنية الجرثومية. فإذا تمت معالجة مياه الصرف الصحي من خلال المراحل المذكورة:

стр. 443

هل يجوز حينئذٍ استخدامها في الطهارة الشرعيَّة, كالوضوء لرفع الحدث الأصغر, أوكالغسل لرفع الحدث الأكبر؟ مياه الصرف الصحي قبل معالجتها تعتبر نجسة؛ لأن المياة الطاهرة فيها اختلطت بنجاساتٍ غيَّرت طعمها ولونها ورائحتها , والماء إذا تغيَّرت أوصافه بنجاسةٍ صار نجساً , فلايجوز حينئذٍ استخدامها في الطهارة , فهي لاترفع حدثاً , ولاتزيل نجساً. أما مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها التنقية الكاملة بالطرق المذكورة أو مايماثلها , والتي لايبقى معها أثرٌ للنجاسة في الطعم واللون والرائحة , فإنها تُعتبَر طاهرة, ويجوز حينئذٍ استخدامها في رفع الأحداث وإزالة النجاسات , وتحصل بها الطهارة الشرعيَّة. وقد أصدر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراراً في دورته الحادية عشرة بجواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها في الطهارة , ومما جاء في نصِّ القرار: " ماء المجاري إذا نُقِّي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها، ولم يبق للنجاسة أثرٌ في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه صار طهوراً يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به" (١). كما أصدرت هيئة كبار العلماء بالسعودية - أيضاً - قراراً في دورتها الثالثة عشرة بجواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها في الطهارة , ومما جاء في نصِّ القرار: " وحيث إن المياه المتنجسة يمكن التخلُّص من نجاستها بعدة وسائل، وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية يُعْتَبر من أحسن وسائل الترشيح والتطهير، حيث يبذل كثيرٌ من الأسباب المادية لتخليص هذه المياه من النجاسات .... لذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا فيها تغيُّر بنجاسةٍ في طعمٍ ولا لونٍ ولا

стр. 444

ريحٍ، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها ومنها" (١). ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي: أولاً: المناط الذي علَّق الشارع به حُكْم طهورية الماء هو أن يبقى الماء على أصل خلقته لم يتغيَّر طعمه أو لونه أو رائحته بنجاسة , فإذا تغيَّر لونه أو طعمه أو رائحته بنجاسةٍ صار نجساً, وقد ثبت هذا المناط بمسلك الإجماع. قال ابن المنذر (٢): "أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيَّرت للماء طعماً أو لوناً أو رائحةً أنه نجسٌ ما دام كذلك" (٣). وقال ابن حزم: " واتفقوا على أن الماء الذي حلَّت فيه نجاسةٌ فأحالت لونه أو طعمه فإنَّ شُربَه لغير ضرورةٍ والطهارة به على كلِّ حالٍ لايجوز" (٤). وعلى هذا فالحُكْم على الماء بالطهارة أو النجاسة يدور مع الوصف الذي علَّق به الشارع ذلك الحُكْم وجوداً وعدماً، فإن بقي الماء على أصل خلقته لم يتغيَّر طعمه أو لونه أو رائحته بنجاسةٍ وقعت فيه فهو طاهر , وإن تغيَّرت أحد أوصافه بنجاسةٍ فهو نجس. ثانياً: لمَّا ثبت مناط الحُكْم في طهورية الماء ونجاسته بمسلك الإجماع اجتهد فقهاء العصر في تحقيق ذلك المناط في مياه الصرف الصحي. وانبنى على ذلك: القولُ بأن مياه الصرف الصحي قبل المعالجة تُعتَبَر

стр. 445

نجسةً؛ لأن الماء لم يبق على أصله, حيث اختلطت به النجاسات - وإن كانت نسبتها قليلة - فتغيَّر طعمه ولونه ورائحته بتلك النجاسات. و"كلُّ نجاسةٍ ينجس بها الماء يصير حكمه حكمها؛ لأن نجاسة الماء ناشئةٌ عن نجاسة الواقع، وفرعٌ عليها، والفرع يثبت له حُكْم أصله" (١). كما انبنى على ذلك أن مياه الصرف الصحي إذا تمت معالجتها وتنقيتها , وعاد الماء إلى أوصافه الطبيعية , ولا أثر للنجاسة في طعمه أو لونه أو رائحته , فإنه حينئذٍ يُعْتَبر طاهراً؛ لأن الماء إذا انفكت عنه آثار النجاسة فلم يبق لها أثرٌ في طعمه ولونه ورائحته عاد إلى أصله وهو الطهورية. والشرع قد رتَّب حُكْم النجاسة بناءً على الأوصاف والمعاني التي قامت بتلك الأعيان، فإذا انتفت هذه الأوصاف والمعاني عن تلك الأعيان فقد انتفى عنها حُكْم النجاسة، ولا عبرة بالأصل الذي استحالت منه (٢). والإجماع منعقِدٌ على أن الخمر إذا تخلَّلَت بنفسها وانقلبت إلى خَلّ ,فإنها تَحِلُّ وتطهر بهذه الاستحالة (٣). قال ابن القيم ﵀: "وعلى هذا الأصل فطهارة الخمر بالاستحالة (٤) على وفق القياس، فإنها نجسةٌ لوصف الخبث، فإذا زال الموجِب زال الموجَب، وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها ... وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت (٥) .... والثمار إذا

стр. 446

سُقيت بالماء النجس ثم سُقيت بالطاهر حلَّت لاستحالة وصف الخبث وتبدله بالطيب، وعكس هذا أن الطيب إذا استحال خبيثاً صار نجساً ,كالماء والطعام إذا استحال بولاً وعذرة، فكيف أثَّرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثاً ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيباً؟ والله- تعالى- يخرج الطيب من الخبيث، والخبيث من الطيب، ولا عبرة بالأصل، بل بوصف الشيء في نفسه، ومن الممتنع بقاء حُكْم الخبث وقد زال اسمه ووصفه، والحُكْم تابعٌ للاسم والوصف، دائرٌ معه وجوداً وعدماً" (١). وقال ابن حزم: " إذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام، فبطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحُكْم فيه، وانتقل إلى اسمٍ آخر واردٍ على حلالٍ طاهر، فليس هو ذلك النجس ولا الحرام، بل قد صار شيئاً آخر ذا حُكْمٍ آخر ... والأحكام للأسماء , والأسماء تابعةٌ للصفات" (٢). وتخريجاً على ذلك فقد أناط مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي جواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها بالوصف الذي أناط الشارع به طهورية الماء حيث ورد في نصِّ القرار أن: ماء المجاري إذا نُقِّي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها، ولم يبق للنجاسة أثرٌ في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه صار طهوراً يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به" (٣). وكذا أعضاء هيئة كبار العلماء أناطوا جواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها بالوصف الذي أناط الشارع به الحُكْم على الماء بالطهورية حيث ورد في نصِّ القرار أن: " المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها

стр. 447

التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا يُرى فيها تغيرٌ بنجاسةٍ في طعمٍ ولا لونٍ ولا ريحٍ، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها ومنها" (١). ثالثا: الاجتهاد في تحقيق مناط النجاسة في مياه الصرف الصحي قبل المعالجة يثبت عادةً بمسلك الحسّ , حيث من رأى تلك المياه أدرك تغيُّر لونها , وكذا من اشتمَّ رائحتها شمَّ فيها رائحة النجاسة , وإذا تمَّ تحليل هذه المياه في المختبرات المختصة وُجِد أنها تحوي نسبةً كبيرةً من البكتيريا والكائنات الحية الدقيقة الضارَّة. وكذا الاجتهاد في تحقيق مناط الطهارة في مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها فإنه يثبت بمسلك الحسّ أيضاً, حيث يُدرِك من رأى تلك المياه أو اشتمَّ رائحتها أنه لا أثر للنجاسة على لونها أو طعمها أو رائحتها , وأنها مياه طاهرةٌ نقيَّة. وقد جاء في نصّ قرار هيئة كبار العلماء أن: " المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا يُرى فيها تغيرٌ بنجاسةٍ في طعمٍ ولا لونٍ ولا ريح .. " (٢). ومسلك الحسِّ من مسالك الاجتهاد في تحقيق المناط كما تقدم (٣). كما يمكن إثبات ذلك -أيضاً- بمسلك قول أهل الخبرة من المختصِّين في تنقية المياة ومعالجتها , فإذا أثبتوا أن مياه الصرف الصحي بعد معالجتها بالطرق المذكورة أو مايماثلها تصير مياه نقيَّةً خاليةً من النجاسات والملوِثات اُعتُبِر حينئذٍ قولهم, وبُنيَ عليه القول بطهورية تلك المياة, وجواز استخدامها في رفع الأحداث وإزالة النجاسات. ومسلك قول أهل الخبرة من مسالك الاجتهاد في تحقيق المناط كما تقدم (٤).

стр. 448

وقد بنى مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراره في جواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها على قول أهل الخبرة , حيث ورد في القرار مانصُّه: "بعد مراجعة المختصِّين بالتنقية بالطرق الكيماوية، وما قرروه من أن التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل أربعة، هي: الترسيب، والتهوية، وقتل الجراثيم، وتعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجاسة أثرٌ في طعمه ولونه وريحه، وهم مسلمون عدول, وموثوقٌ بصدقهم وأمانتهم. . ." (١). وكذا أعضاء هيئة كبار العلماء بنوا قرارهم في جواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها على قول أهل الخبرة , حيث ورد في القرار مانصُّه: " وحيث إن المياه المتنجسة يمكن التخلُّص من نجاستها بعدة وسائل، وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية يُعْتَبر من أحسن وسائل الترشيح والتطهير، حيث يُبذَل كثيرٌ من الأسباب المادية لتخليص هذه المياة من النجاسات، كما يشهد بذلك ويقرِّرُه الخبراء المختصُّون بذلك , مما لا يتطرق الشكُّ إليهم في عملهم وخبرتهم وتجاربهم" (٢).

стр. 449

المبحث الثاني تحديد أوقات الصلاة في البلدان الواقعة على خطوط العرض العالية (١). الصلاة هي عمود الدين , ودخول الوقت من آكد شروطها , وقد حدَّد الله مواقيت الصلوات المفروضة , ونَصَبَ علاماتٍ ظاهرةً على تلك المواقيت ,وجعلها سبباً في وجوبها ,وشرطاً لصحة أدائها (٢) , ووردت أحاديث صحاحٌ في بيان أوائل وأواخر هذه الأوقات , ومن ذلك: ما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أمَّني جبريلُ ﵇ عند البيت مرتين , فصلَّى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشِراك (٣) ,ثم صلَّى العصر حين كان كلُّ شيءٍ مِثلَ ظِلِّه , ثم صلَّى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم , ثم صلَّى العشاء حين غاب الشفق , ثم صلَّى الفجر حين بَرَقَ الفجر وحَرُم الطعام على الصائم ,وصلَّى المرَّة الثانية الظهر حين كان ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثلَه لوقت العصر بالأمس , ثم صلَّى العصر حين كان ظِّلُّ

стр. 450

كلِّ شيءٍ مثليه , ثم صلَّى المغرب لوقته الأول , ثم صلَّى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل, ثم صلَّى الصبح حين أسفرت الأرض , ثم التفَتَ إليَّ جبريلُ فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك , والوقت فيما بين هذين الوقتين" (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ ، قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظِلُّ الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يَغِبْ الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسِك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان» (٢). وقد حدَّد المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة العلامات الفلكية للأوقات الشرعيَّة للصلوات الخمس المفروضة, وذلك بناءً على ماثبت شرعاً في تحديد مواقيت الصلاة , وهي على النحو الآتي (٣): - الفجر: ويوافق بزوغ أول خيطٍ من النور الأبيض وانتشاره عرضًا في الأفق (الفجر الصادق) , ويوافق الزاوية (١٨) درجة تحت الأفق الشرقي. ٢ - الشروق: ويوافق ابتداء ظهور الحافة العليا لقرص الشمس من تحت الأفق الشرقي, ويُقَدَّر بزاويةٍ تبلغ (٥٠) دقيقة زاوية تحت الأفق. ٣ - الظهر: ويوافق عبور مركز قرص الشمس لدائرة الزوال، ويمثل أعلى ارتفاع يومي للشمس يقابله أقصر ظل للأجسام الرأسية. ٤ - العصر: ويوافق موقع الشمس الذي يصبح معه ظلُّ الشيء مساويًا

стр. 451

لطوله مضافًا إليه في الزوال، وزاوية هذا الموقع متغيرة بتغير الزمان والمكان. ٥ - المغرب: ويوافق اختفاء كامل قرص الشمس تحت الأفق الغربي، وتُقدَّر زاويته بـ (٥٠) دقيقة زاوية تحت الأفق. ٦ - العشاء: ويوافق غياب الشفق الأحمر حيث تقع الشمس على زاوية قدرها (١٧) تحت الأفق الغربي. وهذه العلامات الفلكية لأوقات الصلوات تظهر غالباً في البلدان التي يتمايز فيها الليل والنهار كما في أغلب بلدان العالم، ولذلك أنيط بها دخول وقت الصلاة. أما المناطق القطبية الشمالية والجنوبية فقد يستمر فيها النهار ستة أشهر، ويستمر فيها الليل ستة أشهرٍ أخرى، فلا تطلع فيها الشمس إطلاقاً، أو لا تغيب، أو يكون الليل أو النهار قصيراً جداً, أو يتداخل ويتَّحِد فيها وقتا العشاء والفجر في بعض أشهر السَّنَة، وهي البلاد التي تتجاوز خط العرض ٤٨ شمالاً أو جنوباً , وتسمى: " المناطق ذات الدرجات العالية حسب خطوط العرض", ويكون طول النَّهار وقصره أكثر كلَّما ابتعدنا شمالاً أو جنوباً عن خط الاستواء. (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " فكلما كان البلد أدخل في الشمال؛ كان ليله في الشتاء أطول، وفي الصيف أقصر، وما كان قريباً من خط الاستواء يكون ليله في الشتاء أقصر من ليل ذاك، وليله في الصيف أطول من ليل ذاك؛ فيكون ليلهم ونهارهم أقرب إلى التساوي" (٢). وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن تحديد مواقيت الصلوات الخمس المفروضة في تلك المناطق التي قد تغيب فيها بعض العلامات الفلكية لشهرٍ أو أكثر , وقد تعدم في بعضها كلياً؟ لقد بحث مجلس المجمع الفقهي الإسلامي هذا الموضوع في دورته

стр. 452

التاسعة وأصدر قراراً بهذا الشأن، وهو على النحو الآتي (١): تقسيم المناطق ذات الدرجات العالية حسب خطوط العرض إلى ثلاثة أقسام: المنطقة الأولى: وهي التي تقع مابين خطي العرض (٤٥) درجةً و (٤٨) درجةً شمالاً وجنوبًا، وتتميز فيها العلامات الفلكية الظاهرة للأوقات في أربعٍ وعشرين ساعة، طالت الأوقات أوقصُرت. والحُكْم فيها: أن يلتزم أهلها في الصلاة بأوقاتها الشرعية، عملاً بالنصوص الشرعيَّة الواردة في تحديد أوقات الصلاة , حيث تشملهم طالت الأوقات أو قصرت. المنطقة الثانية: وتقع مابين خطي عرض (٤٨) درجةً و (٦٦) درجةً شمالاً وجنوبًا، وتعدم فيها بعض العلامات الفلكية الظاهرة للأوقات في عددٍ من أيام السنة، كأنَّ لا يغيب الشفق الذي به يبتدئ العشاء، وتمتد نهاية وقت المغرب حتى يتداخل مع الفجر. والحُكْم فيها أن يعين وقت صلاة العشاء والفجر بالقياس النسبي على نظيريهما، في ليل أقرب مكانٍ تتميز فيه علامات وقتي العشاء والفجر، ويقترح مجلس المجمع خط (٤٥) درجة، باعتباره أقرب الأماكن التي تتيسر فيها العبادة أو التمييز، فإذا كان العشاء يبدأ مثلاً بعد ثلث الليل في خط عرض (٤٥) درجة يبدأ كذلك بالنسبة إلى ليل خط عرض المكان المراد تعيين الوقت فيه، ومثل هذا يقال في الفجر. المنطقة الثالثة: وتقع فوق خط عرض (٦٦) درجةً شمالاً وجنوبًا إلى القطبين، وتنعدم فيها العلامات الفلكية الظاهرة للأوقات في فترةٍ طويلةٍ من السُّنَة نهارًا أو ليلاً. والحُكْم فيها: أن تُقَدَّر جميع الأوقات بالقياس الزمني على نظائرها في

стр. 453

خط عرض (٤٥) درجة، وذلك بأن تقسم الأربع والعشرون ساعةً في المنطقة من (٦٦) درجةً إلى القطبين، كما تقسم الأوقات الموجودة في خط عرض (٤٥) درجةً يساوي (٨) ساعات، فإذا كانت الشمس تغرب في الساعة الثامنة، وكان العشاء في الساعة الحادية عشرة جُعِل نظير ذلك في البلد المراد تعيين الوقت فيه، وإذا كان وقت الفجر في خط عرض (٤٥) درجة في الساعة الثانية صباحًا كان الفجر كذلك في البلد المراد تعيين الوقت فيه، وبُدِئ الصوم منه حتى وقت المغرب المُقدَّر. ثم بحث مجلس المجمع الفقهي الإسلامي هذا الموضوع مرةً أخرى في دورته التاسعة عشر , وأصدر فيها قراراً يؤكد القرار السابق مع زيادةٍ توضيحيةٍ تتضمن الإشارة إلى رخصة الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء لمن كان يشُقُّ عليه انتظار دخول وقت العشاء في المناطق التي تظهر فيها العلامات الفلكية لكن يتأخر غياب الشفق فيها كثيراً. وقد جاء في القرار مانصُّه: " إذا كانت تظهر علامات أوقات الصلاة، لكن يتأخر غياب الشفق الذي يدخل به وقت صلاة العشاء كثيراً، فيرى المجمع وجوب أداء صلاة العشاء في وقتها المحدَّد شرعاً، لكن من كان يشُقُّ عليه الانتظار وأداؤها في وقتها - كالطلاب والموظفين والعُمَّال أيام أعمالهم - فله الجمع. . . على ألا يكون الجمع أصلاً لجميع الناس في تلك البلاد، طيلة هذه الفترة " (١). كما أصدرت هيئة كبار العلماء بالسعودية في دورتها الثانية عشرة قراراً في هذا الموضوع يتوافق في مضمونه مع قرارات المجمع الفقهي الإسلامي المتعلقة بذلك, حيث ورد في القرار الصادر عن هيئة كبار العلماء أن " من كان يقيم في بلادٍ يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجرٍ وغروب شمس، إلا أن نهارها يطول جداً في الصيف ويقصُر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي

стр. 454

الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا .. " (١). و" من كان يقيم في بلادٍ لا تغيب عنها الشمس صيفًاً، ولا تطلع فيها الشمس شتاءً، أو في بلادٍ يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلاً، وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كلِّ أربعٍ وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها ويحددوها، معتمدين في ذلك على أقرب بلادٍ إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض" (٢). ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي: أولاً: النصُّ من أهم المسالك الدالة على مناط الحُكْم كما تقدم (٣) ,ومناط الحُكْم في هذه المسألة ثبت بنصّ السُّنَّة, حيث إن مناط وجوب الصلاة وهو دخول الوقت المُحَدَّد قد دلَّت عليه صراحةً أحاديث كثيرة , وقد تقدم ذكر بعضها (٤). ثانياً: قول أهل الخبرة من أهم مسالك تحقيق المناط كما تقدم (٥) , وأهل الخبرة في هذه المسألة هم علماء الفلك. وقد أصدر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراره المتعلِّق بتحديد العلامات الفلكية لأوقات الصلوات, وتحويل هذه العلامات إلي حساباتٍ فلكيةٍ متصلةٍ بموقع الشمس في السماء فوق الأفق أو تحته ,وتحديد أوقات الصلوات في البلدان الواقعة على خطوط العرض العالية, بناءً على قول أهل الخبرة في هذا الشأن , حيث ورد في القرار مانصُّه: " ... وبناءً على ما أفادت به لجنة الخبراء الفلكيين، قرر المجلس في هذا الموضوع ما يلي:

стр. 455

دفعًا للاضطرابات والاختلافات الناتجة عن تعدد طرق الحساب، يُحدَّد لكلِّ وقتٍ من أوقات الصلاة العلامات الفلكية التي تتفق مع ما أشارت الشريعة إليه، ومع ما أوضحه علماء الميقات الشرعيون في تحويل هذه العلامات إلي حساباتٍ فلكيةٍ متصلةٍ بموقع الشمس في السماء فوق الأفق أو تحته كما يلي: ١ - الفجر: ويوافق بزوغ أول خيطٍ من النور الأبيض وانتشاره عرضًا في الأفق (الفجر الصادق) , ويوافق الزاوية (١٨) درجةً تحت الأفق الشرقي. ٢ - الشروق: ويوافق ابتداء ظهور الحافة العليا لقرص الشمس من تحت الأفق الشرقي، ويُقدَّر بزاويةٍ تبلغ (٥٠) دقيقةً زاوية تحت الأفق. ٣ - الظهر: ويوافق عبور مركز قرص الشمس لدائرة الزوال ويمثل أعلى ارتفاعٍ يومي للشمس يقابله أقصر ظل للأجسام الرأسية. ٤ - العصر: ويوافق موقع الشمس الذي يصبح معه ظلُّ الشيء مساويًا لطوله مضافًا إليه في الزوال، وزاوية هذا الموقع متغيرةٌ بتغير الزمان والمكان. ٥ - المغرب: ويوافق اختفاء كامل قرص الشمس تحت الأفق الغربي، وتقدر زاويته بـ (٥٠) دقيقةً زاوية تحت الأفق. ٦ - العشاء: ويوافق غياب الشفق الأحمر حيث تقع الشمس على زاوية قدرها (١٧) تحت الأفق الغربي" (١). ثالثاً: الحُكْم يدور مع مناطه وجوداً وعدماً , فوجوب صلاةٍ بعينها يدور مع دخول وقتها المُحَدَّد وجوداً وعدماً. وقد اعتبر المجمع الفقهي الإسلامي ذلك في الحُكْم المتعلِّق بالمناطق التي تقع مابين خطي العرض (٤٥) درجة و (٤٨) درجة شمالاً وجنوبًا، والتي تتميز فيها العلامات الظاهرية للأوقات في أربعٍ وعشرين ساعة، طالت الأوقات أوقصرت , فالحُكْم فيها أن يلتزم أهلها في الصلاة بأوقاتها الشرعيَّة حسب علاماتها الفلكية الظاهرة؛ عملاً بالنصوص الشرعيَّة التي تشمل المناطق

стр. 456

التي تقصر فيها تلك الأوقات أو تطول, والحُكْم يدور مع مناطه وجوداً وعدماً (١). كما ورد في نصِّ القرار الصادر عن هيئة كبار العلماء في دورته الثانية عشرة بخصوص هذه المسألة أن "من كان يقيم في بلادٍ يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجرٍ وغروب شمسٍ، إلا أن نهارها يطول جداً في الصيف ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا" (٢). وذلك لعموم الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولاً وفعلاً، ولم تُفَرِّق بين طول النهار وقِصَرِه، وطول الليل وقِصَرِه، ما دامت أوقات الصلوات متمايزةً بالعلامات التي بيَّنها رسول الله ﷺ (٣). أما المناطق التي تقع مابين خطي عرض (٤٨) درجةً و (٦٦) درجةً شمالاً وجنوبًا، وتعدم فيها بعض العلامات الفلكية للأوقات في عددٍ من أيام السَّنَة، كأن لا يغيب الشفق الذي به يبتدئ وقت العشاء ,ويمتد آخر وقت المغرب حتى يتداخل مع الفجر, وكذا المناطق التي تقع فوق خط عرض (٦٦) درجةً شمالاً وجنوبًا إلى القطبين، وتنعدم فيها العلامات الظاهرية للأوقات في فترةٍ طويلة من السَّنَة نهارًا أو ليلاً , فإنه يُصار حينئذٍ إلى تحديد أوقات الصلوات فيها بناءً على العلامات الفلكية الظاهرة في أقرب البلدان إلى تلك المناطق؛ لأن تلك العلامات هي المعرِّفة لمناط الحُكْم وهو دخول الوقت , إما حقيقةً في حال وجودها كما في أغلب بلدان العالم, أو تقديراً في حال عدمها أو عدم بعضها كما في البلدان القطبية الشمالية والجنوبية, فيكون من باب إعطاء المعدوم حُكْم الموجود (٤).

стр. 457

قال ابن الهمام: "ولا يرتاب متأملٌ في ثبوت الفرق بين عدم محل الفرض وبين عدم سببه الجعلي الذي جُعِل علامةً على الوجوب الخفي الثابت في نفس الأمر، وجواز تعدُّد المُعَرِّفات للشيء، فانتفاء الوقت انتفاءٌ للمُعَرِّف، وانتفاء الدليل على الشيء لا يستلزم انتفاءه لجواز دليلٍ آخر , وقد وُجِد ,وهو ما تواطأت عليه أخبار الإسراء من فرض الله الصلاة خمسًا بعدما أمروا أولاً بخمسين، ثم استقر الأمر على الخمس شرعًا عامًّا لأهل الآفاق، لا تفصيل فيه بين أهل قُطْرٍ وقُطْر" (١). ولما كانت الصلاة واجبةً على المكلَّف في كلِّ مكان , ولاتسقط عنه بحالٍ من الأحوال إلا إذا رُفِع عنه التكليف بها , فقد شمل وجوبها كلَّ مكلَّفٍ سواءً كان في البلدان التي تظهر فيها العلامات الفلكية الدالة على دخول الوقت , أوفي البلدان التي تعدم فيها بعض تلك العلامات أو كلها في بعض الأيام أو طيلة عدة أشهر. وإذا تقرر وجوب الصلاة على المكلَّف بها في كلِّ مكانٍ فإنه يلزم تقدير وجود العلامات الفلكية للأوقات الشرعيَّة في البلدان التي تعدم فيها تلك العلامات أو بعضها. ويؤيد القول بالتقدير أنه لما سَأَل الصحابةُ ﵃ النبيَّ ﷺ عن مدة لبث الدجال في الأرض , قال ﵊": أربعون يومًا، يومٌ كسنة، ويومٌ كشهر، ويومٌ كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، فقيل: يا رسول الله، اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره" (٢). ومعنى "اقدروا له قدره" أي: " أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كلَّ يومٍ فصلوا الظهر ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر، فصلوا العصر، فإذا مضى بعدها قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب، وكذا العشاء والصبح، وهكذا إلى أن ينقضي ذلك

стр. 458

اليوم، وقد وقع فيه صلوات سنةٍ كلها فرائض مؤداة في وقتها، وأما اليوم الثاني الذي كشهر والثالث الذي كجمعة فقياس اليوم الأول أن يُقدَّر لهما كاليوم الأول على ما ذكرناه" (١). وتقدير وجود علامات الوقت بناءً على ظهور العلامات الفلكية في أقرب البلدان إلى تلك المناطق أولى من غيره؛ لأنه لما تعذَّر اعتبارها بنفسها اعتُبرت بأقرب الأماكن شبهاً بها مما يتمايز فيها الليل والنهار , وتظهر فيها العلامات الفلكية لأوقات الصلوات (٢). قال النووي: "أما الساكنون بناحيةٍ تقصر لياليهم، ولا يغيب عنهم الشفق، فيصلون العشاء إذا مضى من الزمان قدر ما يغيب فيه الشفق في أقرب البلاد إليهم" (٣). رابعاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام مراعاة أحوال المكلَّفين , وقد راعى مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي الأحوال التي تصحبها مشقةٌ تلحق بالمكلَّفين في البلدان التي تظهر فيها العلامات الفلكية ولكنها تتأخر , فنبَّه المجلس في قرارٍ توضيحي أصدره في الدورة التاسعة عشر وجاء فيه مانصُّه: " إذا كانت تظهر علامات أوقات الصلاة، لكن يتأخر غياب الشفق الذي يدخل به وقت صلاة العشاء كثيراً، فيرى المجمع وجوب أداء صلاة العشاء في وقتها المحدَّد شرعاً، لكن من كان يشُقُّ عليه الانتظار وأداؤها في وقتها - كالطلاب والموظفين والعُمَّال أيام أعمالهم - فله الجمع عملاً بالنصوص الواردة في رفع الحرج عن هذه الأمة؛ ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: جمع رسول الله - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطر، فسئل ابن عباس عن ذلك فقال: أراد ألا يحرج أمته: على ألا يكون

стр. 459

الجمع أصلاً لجميع الناس في تلك البلاد، طيلة هذه الفترة، لأن ذلك من شأنه تحويل رخصة الجمع إلى عزيمة، ويرى المجمع أنه يجوز الأخذ بالتقدير النسبي في هذه الحال من باب أولى" (١). خامساً: ردَّ المجلسُ الاجتهادَ في تحقيق مناط المشقة في البلدان التي تظهر فيها العلامات الفلكية ولكنها تتأخر إلى مسلك العرف , حيث جاء في القرار مانصُّه: " وأما الضابط لهذه المشقة فمردُّه إلى العرف، وهو مما يختلف باختلاف الأشخاص والأماكن والأحوال" (٢). والعرف من أهم مسالك الاجتهاد في تحقيق المناط كما تقدم (٣).

стр. 460

المبحث الثالث زكاة أسهم الشركات السَّهم في اللغة هو: الحظُّ والنصيب (١). وفي الاصطلاح: حصةٌ شائعةٌ في رأس مال شركةٍ مساهِمة (٢). ويُطلَق السَّهم أيضاً على: الصك الذي يمثل نصيباً عينياً أو نقدياً لمالكه في رأس مال الشركة المساهِمة، ويكون قابلاً للتداول، أي: قابلاً للبيع والشراء (٣). والشركة المساهِمة هي: الشركة التي يُقسَم رأسُ المال فيها إلى أجزاءٍ متساوية القيمة، وكلُّ جزءٍ منها يُسمَّى سهمًا، وتكون قابلةً للتداول، ولا يُسأل الشركاء عن خسائر الشركة إلا بمقدار الأسهم التي يملكونها (٤). ومن أهم خصائص الأسهم: تساوي قيمة السَّهم في الشركة المساهِمة , وتساوى مسؤولية الشركاء , وقابلية السَّهم للتداول وعدم قابلية السَّهم للتجزئة , (٥). وإذا كانت أسهم الشركات بهذه الخصائص: فهل تجب فيها الزكاة؟
следующие страницы →